سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمنوعات

مشروع سياحي في جبل قاسيون…وتساؤلات عن الشفافية

الأربعاء 2025/06/18

بات جبل قاسيون في دمشق مسرحاً لمعركة بين مؤيدي السلطة الجديدة في سوريا والمشككين فيها، على خلفية إعلانات لمشروعات استثمارية في المنطقة التي كانت طوال عقود ممنوعة على السوريين خصوصاً بعد ثورة العام 2011.

وأعلن الإعلامي السوري موسى العمر عن إطلاق مشروع استثماري ضخم على سفح قاسيون، يهدف إلى تحويل المنطقة إلى مركز جذب سياحي حديث، ما أثار أسئلة حول مشروعية خصخصة المنطقة من دون توضيح للآليات القانونية الناظمة.

المشروع الذي بدأ على أنه تحسين للبنى التحتية وإنشاء مرافق عامة وحديقة انتهى بكونه مشروعاً سياحياً يتضمن إنشاء فندق خمس نجوم ومسجد بتصميم هندسي حديث ومجمع تجاري وسوق شعبي وأكشاك خرسانية ذات طابع عصري شبّهها العمر بشارع “البوليفار” حسب تعبيره، إضافة إلى مرآب سيارات كبير وحدائق ومطاعم ومنشآت ترفيهية.

ولم يوضح العمر المقرب من السلطات في دمشق من يقف خلف المشروع من الناحية الاستثمارية أو هوية الجهة المالكة أو المنفذة له. واكتفى بالإشارة إلى “مقاولين يعملون على تنفيذ المجمع وفق مواصفات عالمية”، من دون أن يكشف هويتهم أو آليات حصولهم على التراخيص التي قال أنه تم الحصول عليها بنزاهة وشفافية.

وعليه، تباينت الردود في مواقع التواصل الاجتماعي بين الحماسة والقلق، حيث أشادت صفحات مؤيدة للمشروع باعتباره خطوة أولى لإحياء دمشق ما بعد سقوط النظام، مشيرة إلى ضرورة “النهضة العمرانية والسياحية”.

في المقابل، سخر آخرون من الطابع “العصري” المقترح، متهمين المشروع بتشويه هوية الجبل، رغم أن المكان في الواقع متصحر منذ عقود طويلة، ولم يحدث فيه أي تحديث أو أي مشاريع باستثناء العشوائيات التي وصلت تقريباً إلى قمة الجبل.

وبعكس الحديث عن البيئة، فإن الانتقادات التي طاولت التصرف بالجبل كملكية خاصة تبقى أكثر واقعية، وقال صحافيون أن ما يجري قد يرقى إلى محاولة “بيع قاسيون” لجهات مجهولة تحت مسمى التطوير، في ظل غياب أي إعلان رسمي عن هوية المستثمرين أو شروط التعاقد بشكل شفاف ومسبق.

والحال أن الحكومة المؤقتة بقيادة أحمد الشرع، تمتلك من الناحية القانونية صلاحيات تنفيذية وتشريعية واسعة تتيح لها التصرف بمرافق الدولة خلال المرحلة الانتقالية، بحسب الإعلان الدستوري الصادر في آذار/مارس 2025، لكن خبراء قانونيين أشاروا إلى أن المشاريع الاستثمارية الكبرى، خصوصاً تلك التي تشمل أراضي عامة كجبل قاسيون، يجب أن تتم عبر مناقصات علنية أو آليات شفافة تضمن عدم احتكار الموارد العامة أو إساءة استخدامها.

وتساءل معلقون في مواقع التواصل عن سبب غياب إعلان رسمي عن جهة الاستثمار، معتبرين أن “أي مشروع في قاسيون لا يتم عبر مناقصة أو قانون العقود، هو مشروع فاقد للشرعية القانونية”. وقبل العام 2011، كان الاستثمار في جبل قاسيون يتم بموجب تراخيص تمنحها محافظة دمشق ووزارة السياحة، مع خضوع كامل للأجهزة الأمنية، ففي العام 2009، أعلنت شركة سعودية عن مشروع “تلفريك” ومرافق سياحية على الجبل، لكنه لم يُنفذ بسبب اندلاع الثورة السورية لاحقاً.

أما في 2011، فطرحت محافظة دمشق مشروعاً كبيراً لتأهيل سفح الجبل، شمل إزالة أحياء سكنية عشوائية يسكنها أكثر من 10 آلاف شخص، لإقامة حدائق ومطاعم ومقاهي، ما أثار مخاوف من التهجير القسري وعدم تعويض المتضررين.

وبعد اندلاع النزاع العام 2011، أغلقت السلطات الطريق المؤدي الى أعالي جبل قاسيون أمام المدنيين، ووضعت نقاطاً أمنية على امتداده لكونه يوفر إشرافاً استراتيجياً على دمشق والقصور الرئاسية فيها. وكان الجيش نصب مرابض مدفعية في نقاط عديدة، استخدمها خلال سنوات النزاع الأولى لقصف أحياء في دمشق كانت خارج سلطته ومدناً مجاورة خصوصاً في الغوطة الشرقية. وتعتبر أراضي جبل قاسيون بموجب المرسوم 2190 العام 1975 ملكاً عاماً، بعد أن تم استملاكها لصالح الدولة.

ورغم ذلك، استمرت أحياء كاملة في التطور فوق تلك الأراضي، من دون تنظيم عمراني فعلي وبشكل عشوائي، فيما كانت مشاريع الاستثمار الكبرى تُمنح غالباً لمقربين من السلطة أو شركات مرتبطة بأجهزة الأمن، خارج الأطر القانونية المعتادة ضمن شبكات الفساد.

والمشروع الجديد اليوم يبقى بعيداً من الشفافية، حيث لم تعلن الحكومة المؤقتة حتى اللحظة عن تفاصيل العقد، أو عن الجهة التي منحت التراخيص، أو عن صيغة الشراكة بين القطاعين العام والخاص، كما لم يعرف إن كان المستثمر سيحصل على ملكية مؤقتة (حق انتفاع)، أو سيمتلك الأرض فعلياً.

ويضم جبل قاسيون أماكن رمزية ودينية وتاريخية، بما في ذلك معالم مثل مغارة الدم، ومحاريب الأربعين، ومرصد قاسيون العثماني، وأي مشروع عمراني ضخم ربما يهدد تلك المواقع التراثية أو يطمس هويتها الأثرية، إلا أن المرافق السياحية التي تحدث عنها العمر لا تتوغل في المناطق السكنية، وتكتفي بالأراضي قريبة من الطريق العام، وهي بعيدة نوعاً من عن الأحياء السكنية، ولا تهدد أصحاب السكن.

المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى