إشتباكات السويداء والتدخل الاسرائيلي السافر تحديث 13-19 آب 2025

متابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي
التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
======================
تحديث 19 آب 2025
——————————–
الحالة السورية/ وائل طربية
“.. ومن كان يعبد سورية فإن سورية قد ماتت وأما من كان يعبد الشام فهي حية في كتب التاريخ وفي وجداننا فقط.”.. نهاية الاقتباس.
هذا اقتباس من منشور لأحد الأصدقاء الفلسطينيين، يوصِّف فيه الحالة السورية ويختصر ما يعتبره “عقلانية سياسية” بالعبارة أعلاه.
البحث عن المقاصد الطيبة من وراء الكلام يجعلنا نفترض أن سلسلة المآسي المتتالية والإحباط والجراح النازفة والكرامات المهدورة، والتعاطف مع الضحايا تشكل الأرضية الدافعة لهذه الاختزالات، والعشرات من شبيهاتها، التي “تؤبّن” سوريا بهذه البساطة، ولكن الدوافع، أيّاً تكن لا تجعلها كلاما في العقلانية ولا في السياسة. هذه النظرة لا تخلُ من تبسيط ولا تقف على أرض صلبة، بل تندرج ضمن ما يسميه الكاتب نفسه “حالة السيولة”؛ السيولة في الواقع والسيولة في الوعي المرتبك أمامه، وفي ارتطام مشاعرنا بموج تناقضاته.
في حالة سوريا، وبالرغم من كل شيء، ما زالت الفكرة الكيانية الوطنية حيّة تنبض في مخيال الغالبية الساحقة من السوريين. كلّ من يعرّف نفسه انّه سوري، يعتبر أن له حصة في كل شبر من سوريا ولا يمكن أن يتنازل عن أيٍّ منها، بالرغم من كل هيجانات الكراهية والسعار الطائفي والردح الشتائمي الرخيص الدائر حالياً.
سأتحدث عن نفسي حتى لا أعمم باسم الآخرين. وحتى لا أدعيّ تمثيل أحد.
أنا السوري المولود بعد احتلال الجولان، يبعد بيتي أقل من ساعة سفر واحدة عن دمشق، وممنوع من دخول بلدي طوال حياتي، وأعرف أنني لن أتمكن من زيارة الأحباب أو الأصدقاء في بيوتهم – ممن عرفت وعشت ودرست معهم سنوات طويلة – فيما تبقّى لي من هذا العمر.
أنا السوري الذي تشكلت سوريته في الطفولة، خلال انتفاضة الهوية والاضراب الكبير عقب قرار الاحتلال ضم الجولان، وأخذت صورتها المكتملة بعدما تقاطعت طريقي مع طريق سوريين نبلاء؛ تعرفت على سوريا من خلال ذاكراتهم وحكاياهم التي حملوها معهم إلى كل مكان. فمن خلالهم، وبدون أن أطأ تراب سوريا، صرت أعرف حارات دمشق وسينما عامودا وتمثال الكندي في جامعة حلب وحجارة السويداء وشواطئ طرطوس وأحلام شباب القامشلي والعلاقات الاجتماعية في دير الزور وسواها من ملامح البلد القريب البعيد.
أنا السوري الذي صاغت انحيازاته السياسية كتابات عشرات السوريين وفي مقدمتها مقالات صبحي حديدي وياسين الحاج صالح وكل ما كان يجمعه حسين الشيخ في صفحاته السورية وأفلام عمر أميرالاي وأسامه محمد وسيرة ابن العم ولوحات فاتح المدرس ولؤي كيالي وسعد يكن وكثيرون كثيرون آخرون.
أنا السوري الذي يعيش في أمان، ليس لديه مصلحة أو منفعة من هذا الانتماء المجنون لهذه البلاد الفقيرة واقتصادها المدمّر ومدنها المنكوبة.. لا اتنازل عن حقي في درعا والقنيطرة ودمشق والسويداء وحمص وحماه وحلب وإدلب واللاذقية وبانياس وطرطوس والرقة والحسكة ودير الزور وعامودا والبوكمال..
لا أتنازل عن حقي، الذي لن أناله، بالعيش والتنقل على كامل مساحة الوطن، وصولاً إلى أقصى ضيعة فيه. كما لن أتنازل عن حقي المعنويّ وحلمي الطوباويّ بأن أُعامل كسوريّ بين ملايين السوريين. سوريّتي الروحيّة تعطيني درعاً يحميني من المحو ومن الحشر، عنوةً، في قفص هويّة طائفية أمقتها. إنها تمنحني الحق الوحيد المتاح، في حالة من هم مثلي، لممارسة مواطنتي السورية المتخيّلة، وهو أن أقول رأيي في أحوال بلدي.
فيا ابن ويا بنت بلدي، لا يهمني كثيراً ما هو موقفك من السلطة الحالية في دمشق ومن أحمد الشرع، لأنني اعتبر ذلك تفصيلا في الصورة الكبيرة للتحول السياسي الذي تعيشه سوريا. نقد السلطة أو دعمها هو حق عمومي. ولكن إن كنت ممن يعلنون قطعاً تامّاً ورفضاً مطلقاً لها، بوصفها وكيلاً لقوى ومصالح خارجية، تقتضي الاستقامة ألّا تتساذج وتتعامى عن الجماعات الانفصالية، بوصفها سكيناً في خاصرة سوريا وأداة يتحكم بها الأعداء في مسعىً لتفتيت الكيان الوطني السوري الذي يرثيه البعض ولمّا يمت بعد.
لن تموت سوريا ولا الوطنية السورية ستنكسر إن تحقق شرط تعافيهما؛ وهو الكفاح السياسي لعموم الوطنيين السوريين، أو من وصفهم مضر الدبس بـ “الأقلية الناجية” من لوثة الكراهية وسعار الطائفية. في الحقيقة هؤلاء هم الأكثرية الحقيقة والأكثرية التي بيدها مصير سوريا.
الآن هو وقت العمل الوطني والنضال السياسي السلمي لكل السوريين، للتأثير وتغيير المسارات والمشاركة في رسم معالم النظام السياسي الذي يتشكّل أمام أعيننا. وهو الحق الذي سُلب من شعبنا لستة عقود كاملة. فقط السوريون الواقفون على أرض سوريا اليوم، والذين بدأوا بالتفكير والعمل على تحويل رؤاهم الى تشكيلات حزبية وتيارات سياسية ومنظمات مجتمع مدني وتجمعات مهنية ونقابية حيوية وفعّالة، ومبادرات شبابية، قادرون على استرجاع الحق بالسياسة وتقرير شكل الحياة التي يريدون..
تعافي سوريا والوطنية السورية، يتطلب الانخراط والمشاركة في ورشة العمل الهائلة التي تتوسع وتتمدد في كل حي ومدينة وزاوية، كلّ في مجاله ودوائر حياته ومدارات تأثيره. في نفس الوقت يجب مراقبة ونقد السلطة ومؤسساتها، وكلّ وأيّ سلطة ستليها، وعدم التفريط بالحقوق وعدم التساهل مع الانتهاكات وتحشيد القوى الشعبية ورفع المطالبات والضغط على هياكل ومؤسسات الحكم الناشئة، باستخدام كافة الوسائل السلمية والشرعية؛ كالتظاهر والاحتجاج والاعتصام والوقفات والمسيرات وتنظيم الحملات والإضرابات والإعلام الحرّ والمستقلّ ونبذ العنف وتجريمه بكل أشكاله، وتجريم استخدامه في الخصومات السياسية والحياة العامة والخاصّة.
هذه هي عدة الشغل المتاحة لشعب يريد أن يستعيد المجال السياسي وأن يمتلك مصيره بين يديه. لا يعني هذا أن ما يُخطط لسوريا سيتوقف، وأن تدخلات القوى الخارجية ستختفي، ولكنه يعني أن إرادات السوريين ستصبح، لأول مرة في تاريخ سوريا الحديث، جزءاً حاضراً في صناعة السياسات والتوازنات وترجيح مآلات تنازع القوى التي تحاول تقرير مستقبل البلد.
وفي مسار موازٍ، قبل مجازر الساحل وبعدها، وقبل مجازر السويداء وبعدها، وبشكل شبه يوميّ، تتواتر على مسامع السوريين أخبار وتصريحات متقاطعة عن حركات ومشاريع انفصالية، باتت تفصح عن نفسها بوضوح في الدعوات الأخيرة لانفصال السويداء – يعوّل بعض الكارهين والرافضين بالمطلق لحكومة دمشق الحالية، أن بمقدور هذه الحركات كسر ظهر الكيان السوري وإسقاط السلطة –
نحن أمام خلطة عجيبة من مشاريع انتحارية وتهويمات مريضة، وفّرت لها الجرائم والفظائع التي ارتُكِبت بحق المدنيين الأبرياء، البيئة الملائمة والتوتر اللازم وانعدام اليقين وفقدان الثقة والوعي المشوش كي تطلق مشاريع الانفصال المحمولة على دم الضحايا، والمعادية ليس فقط للسلطة المؤقتة، وإنما للفكرة الوطنية السورية ولعموم السوريين.
لقد أضرت أحداث الساحل والسويداء الداميتين بصورة السلطة من جانب أول ووفرتا غلياناً شعبياً وغضباً مشروعاً من جانب ثانٍ، ركبت موجته فئة انتهازية مغامرة ترى بالانفصال منجاةً لها ومخرجاً من مأزقها. خطاب هذه الفئة، بمعظمه، كتلة هراء تستحضر عصبيات موتورة واستفزازات ممنهجة تستهدف التصعيد والصدام والقطع، في الوقت الذي يتطلب التهدئة والتفاوض والتواصل.
السوء والأذى الناجمان عن هذه النزعات النزقة يتبديان ليس فقط في افتقارها لحسّ المسؤولية والضمير معاً، بل يمتدان إلى استدعائها تدخلات الأعداء وتأليب قوى دولية على الحكومة الانتقالية الهشة والمتعثرة في كثير من تصرفاتها. وتلتقي مصالح أعداء سوريا من الخارج مع دعوات فاقدة النظر والمسؤولية، تدعو للثورة مجدداً وإسقاط سلطة الامر الواقع في دمشق. بكلام مباشر، يلتقي الطرفان في الدعوة لحرب أهلية مفتوحة، وهي، إن وقعت، ستؤدي إلى موت وتفسخ سوريا الفعلي.
نتضايق ونتبرّم كلّ مرّة نُضطر فيها إلى إعادة تأكيد المؤكد في ملف الجرائم المرتكبة بحق الضحايا الأبرياء من المدنيين. لكن للمسألة وجه إيجابي، وهو أن نذكّر أنفسنا ببديهيات الأخلاق وأن نعيد رفع الضمير فوق جدل التبرير والتسويغ والمفاضلة بين الضحية والضحية، أو المفاضلة بين قاتل وقاتل. لقد فشلت أصوات كثيرة في تحقيق هذا الانصاف اتجاه الضحايا، وفي الاعتراف بمظلوميات الآخرين والتضامن والاقتراب منهم أكثر. فتعبيرات مثل “أهلي” و”ملّتي” عادت للتداول على نطاق واسع وكأن باقي السوريين ليسوا أهلاً. هو انكشاف لطائفية عميقة تقبع تحت طبقات ماكرة من الخطاب والثقافة والأيديولوجيا. الحقيقة أنّه لا خير يُرتجى من ناقد لا يبدأ بنقد “جماعته” أولاً، أو من هو محسوب عليهم حتى وإن لم يكن يعرّف نفسه بهم.
عندما تنطلق قاطرة الحياة السياسة الداخلية السورية، سيهدأ الهيجان، وسيخفت ضجيج الجوفيات الجوفاء، وسيعود التركيز الى حيث يجب أن يكون، الى أن التحول السياسي في سوريا أعمق وأعقد من انتقال مقاليد الحكم من يد ليد. هو مخاض عسير ومؤلم ودامٍ وطويل.. وبهذا المعنى فإن السلطة الحالية، وبالرغم من كل أخطائها وخطاياها وسوء تقديرها وعثراتها، هي جسر للعبور، وهي مرحلة “إلزامية بحكم الأمر الواقع” ولكنها مؤقتة، ومنتهية حكماً، في المسار الطويل للعبور إلى الدولة المأمولة.
الإرادة الجمعية لا يمثلها أصحاب الزعيق العالي.. هي مرحلة سوداء وستنقضي. عندما نفكر بسوريا يجب أن نتفهم الأصوات المكلومة وأن نحتفظ في الذهن أن هنالك مجروحون استُبيحوا في أجسادهم وأرواحهم وكرامتهم وأحبائهم وبيوتهم. هنالك من خُطف وعُذّب وهُجِّر قسرياً، منذ 14 عاما وحتى اليوم. هنالك من ولد وعاش في وحل الخيام وصقيع التشرد وعذاب الفقد. هؤلاء، ما أن يلتقطوا أنفاسهم وينتهوا من تضميد الجراح واستعادة الثقة والتوازن، سيرجعون كما نعرفهم، سوريون أصلاء، وهم بناة سوريا القادمة.
أزعم أن هذا ما يراه ويتمناه ملايين السوريين والسوريات، مثلي.
————————-
وسع، إجا دورنا بالحكم/ أحمد نظير أتاسي
أعرف أننا نعاني من عقلية ديكتاتورية أبوية، لكن ما يشغلني هو كيف تتمظهر وكيف تعمل وكيف تعيد إنتاج نفسها في الحالة السورية. هذه الأسئلة لم تكن سهلة، فما نحسبها فكرة تحررية تظهر في النهاية أنها قمعية، وما نحسبها فكرة تشاركية تظهر في النهاية أنها إقصائية، وما نحسبها فكرة مؤسساتية تظهر في النهاية أنها محسوبيات وعصبيات.
يبدو أن العقلية السياسية السورية التي تعيد إنتاج الديكتاتورية والقمع والإقصاء والعصبية موجودة في كل منا بأشكال مختلفة وتحت أغطية مختلفة، منها أيديولوجية ومنها دينية/طائفية ومنها حداثية ومنها علمية. أعتقد أنني اكتشفت إحدى تمظهرات هذه العقلية وأسميه “وسع إجا دورنا”. التجمع السياسي السوري ليس تجمعاً مؤسساتياً يقبل العضوية غير المشروطة والإنتماء غير العصبوي، وإنما هو تجمع يعتمد إما على عصبية قديمة أو يخلق عصبية جديدة. لكن أساس هذا التجمع هو التعصب والإقصاء. وهذا ما ساحاول توضيحه.
عندما كانت السياسة السورية محكومة بأبناء المدينة من الطبقات المالكة للأراضي، كان الإعتقاد بان أعضاء هذه الفئة يمثلون “النخبة” بأل التعريف حيث لا نخبة غيرهم، وهم من يستحقون القيادة لأنهم “النخبة” الإقتصادية والثقافية. لكن ما نتج عن حكمهم هو إقصاء فئات أخرى من الشعب مثل أبناء القرى والفلاحين والأقليات الطائفية والقومية.
ثم نشأت الأحزاب التي تدعي أنها تجمعات تقوم على المصلحة (مثل الشيوعيين والقوميين والإسلاميين) والإعتقاد الأيديولوجي. وكانت في مجملها معادية للطبقة الحاكمة السابقة الذكر. وبالطبع كان هدفها التخلص من هذه الطبقة والحلول محلها، حسب العقلية الصفرية التي نعهدها في سوريا. وعندما لم تستطع التخلص من هذه الطبقة استدعت قوة خارجية هي عبد الناصر الذي قام بإبعاد هذه الطبقة، وغيرها، عن الحكم لينشر عبادة الفرد وحكم الحزب الواحد. تعلم منه الناصريون والقوميون البعثيون فتحالفوا مع الجيش وقاموا بانقلاب آذار. وتصوّر القادمون الجدد أنهم النخبة الجديدة بأل التعريف وأن هذا هو”دورهم” في استلام الحكم. أي اعتقدوا أن عليهم إثبات أنفسهم في الحكم وأيضاً بطريقة تقصي الآخرين. وقد ساعدهم في ذلك أن العقلية اليسارية الجديدة الصاعدة كانت أيضاً صفرية إنقلابية تؤمن بإقصاء القديم والحلول محله. لكن ظهر أنه تحت هذه الواجهة الحزبية كانت عقليات طائفية قروية إقصائية تعتقد أنها “الكادحون” (المستضعفون) الذين جاء دورهم في الحكم. بالطبع قاموا بإقصاء كل من قبلهم وبدؤوا إنشاء عصبية جديدة تفضل القرويين والأقليات الطائفية في الدولة. لا أقول أن ذلك الحكم كان حكم أقليات، كما لا أقول أن الحكم الذي سبقه كان حكم السنة أو أهل المدينة. ولكني أقول بأن كل نخبة جديدة تطرح مشروعاً هذا عنوانه “حكم العصبية الجديدة دون غيرها”.
يجب التمييز بين ادعاءات النخبة الحاكمة وبين حقيقة الواقع. إن ادعاء حكم الأقليات لا يعني حكم الأقليات وإنما يعني أن العصبية التي تجمع النخبة الحاكمة هي عصبية اقليات (أي في ذهنهم يعتقدون أن ما يجمعهم هو كونهم أقليات). بالطبع النخبة الحاكمة تجمع حولها محاسيبها وأعوانها الذين ينتمون إلى كل الطبقات وكل الطوائف، لكن العصبية المعلنة (أي الأيديولوجيا الجامعة وصرخة الفزعة) هي عصبية القرويين والأقليات. وهذا يعني أن النخبة حتى وإن عاشت وتوالدت في القصور فإن هويتها تعتمد على كونها قروية وأقلية (وهذا ما رأيناه أثناء الحرب في حالة بشار الأسد).
طرح الإخوان المسلمون في أواخر السبعينات عصبية مقابلة للنخبة الجديدة وهي عصبية السنة من أبناء المدينة. وحاولوا الإنقلاب على السلطة الحاكمة، لكنهم فشلوا. وكانت النتيجة أن السلطة الحاكم قوت وكرست عصبيتها بسبب الهجوم عليها. أي أنها اعتمدت بشكل متزايد على العلويين والأقليات والقرويين (تحالف الكادحين البعثي). وهنا أكرر لا ألوم الأقليات أو القرويين ككل وإنما اتحدث عن عصبية، عن أيديولوجيا جامعة، وعن هوية الطبقة الحاكمة.
في عهد بشار الأسد حصل تحول لا أعرف ملامحه بشكل دقيق. إذ يبدو في بدايته أنه تحول من تحالف الأقليات والقرويين إلى تحالف رجال الأعمال من الأوليغارشية التابعة للدولة. وهؤلاء جاؤوا من منابت وهويات مختلفة. وقام بشار الأسد بالتخلص من حلف “الكادحين” المتمثل بالعقد الإجتماعي البعثي، أي تخلص من حزب البعث والأعطيات التي مرت عن طريقه. لكن أثناء الحرب عاد الأسد إلى أيديولوجيا وعصبية الأقليات وخاصة العصبية العلوية. طبعاً الثورة السورية ليست ثورة أحد وهي ثورة كل فرد، أي أنها تحتوي على كل المكونات. وأذكر خاصة مكون “الكادحين” من القرويين الذي تم إفقاره وإقصاؤه.
المهم، حلف بشار الأسد جاء بالتدخل الخارجي الإيراني والروسي ولم يستطع أن يفلت من إملاءات هذا التدخل إلى حين أصبح الإستمرار مستحيلاً (بعد القضاء على حزب الله من قبل إسرائيل) فهرب في ليلة “ما فيها ضو قمر”. وبدأت حقبة جديدة. هناك في الساحة نخبة جديدة غير واضحة المعالم ترأسها هيئة تحرير الشام. والهيئة هي مجموعة من المرتزقة (تحت غطاء الجهاديين) الذين ركبوا موجة التدخلات الإستخباراتية أثناء الحرب للقضاء على غرمائهم ونجحوا في الحصول على دعم خارجي لانشاء إمارة في إدلب. التغيرات الدولية أوصلتهم إلى الحكم في سوريا، فأحسوا أن “دورهم” قد جاء في إثبات أنفسهم في الحكم. وبحسب العقلية السياسية السورية فإن هذا يعني إقصاء الآخرين وإبعادهم عن مفاصل القرار لأن التحدي موجه للفئة الحاكمة الجديدة وحدها.
إنها العقلية الوصائية (نحن أوصياء على المجتمع) نفسها التي رأيناها في حكم نخبة المالكين المدينية وحكم نخبة القرويين/الاقليات (الكادحين). العقلية الأبوية الديكتاتورية لا تحتمل المشاركة لأنها، أولاً تحس بالوصائية على المجتمع (أطفال وأغبياء لا يفقهون)، وثانياً لأنها إقصائية لا تقبل مشاركة الآخرين وتؤمن باستحقاقها المطلق، وثالثاً لأنها تعتقد بصوابيتها المطلقة. هذه هي عناصر العقلية الأبوية في السياسة. وهذا ما نراه اليوم، فئة حاكمة جديدة تقول “وسع، جاء دورنا، ولا أحد غيرنا”.
فمن هي هذه النخبة الجديدة؟ في الحقيقة نعرف منها قيادات هيئة تحرير الشام، لكننا لا نعرف البقية لانهم غير واضحين. كثيرون يعتقدون أنهم جزء من هذه النخبة الجديدة ويمارسون الإقصاء من طرفهم دون أن تكون عندهم سلطة حقيقية. فمن هم هؤلاء:
1- الإسلاميون السنة بشكل عام سواءاً كانوا مدينيين أم ريفيين. وهؤلاء يعتقدون أن الله منّ عليهم بالحكم لأنهم صالحون ومطيعون. وهم يتهمون كل من يخالفهم بأنهم فلول حتى ولو كانوا من أشد معارضي نظام الأسد السابق. وهم يريدون فرض الحكم الإسلامي (بقيادتهم) الذي يجمع الشريعة (أي غياب التشريع الشعبي) والثقافة الإسلامية المحافظة (الأصالة المزعومة ومماهاة المجتمع مع الأغلبية الدينية).
2- المتعلمون السنة من أهل المدينة. وهؤلاء يعتقدون بأنهم تقنيون (أصحاب شهادات عليا) لا يحتكمون إلا إلى التكنولوجيا والعلم، مع أخلاقيات يعتقدون بأنها إسلامية وسطية. وهم في الحقيقة المهمشون في عهد الأسد ممن يعتقدون باستحقاقهم لكونهم الأغلبية ولكونهم متعلمين (مثقفين بالمحكية). وهؤلاء يريدون استلام مناصب في الدولة وتعميم نموذج إداري خليجي يعتقدون أنه الأفضل وجاء بنتائج مبهرة في دول الخليج.
3- أصحاب الأموال والتجار السنة من أهل المدينة. وهؤلاء لا يمتلكون رؤوس أموال ضخمة بالأعراف الدولية، لكنهم يعتقدون بأن الأغنياء الصالحين من السنة هم الأفضل في القيادة والإعمار بنموذجهم التجاري (الخليحي والتركي) الذي يقوم في الغالب على الربح السريع من خلال العقارات والإستيراد فقط دون التصنيع. وهؤلاء سيتحالفون قريباً مع المتعلمين من أجل إنتاج مشاريع تنموية، أو هم يدعمون مشاريع تنموية خليجية خاصة (الإستثمارات والعقود الجديدة). لكن دولة الجولاني لن تسمح لهم لأنها اقصائية واحتكارية أكثر منهم. وهؤلاء يعتقدون مع المتعلمين بأنهم دفعوا الثمن الأعلى لقمع الأسد لأنهم اضطروا إلى الإغتراب.
4-فقراء المدن من السنة. وهؤلاء يعتقدون بانهم الحاضنة الشعبية للحكومة السنية. ويعتقدون أنها ستساعدهم في إعادة الإعمار من خلال مشاريع لا يفقهون فيها شيئاً لكنهم يكتشفون أنها ستكون على حسابهم.
5- الريفيون من السنة. وهؤلاء يعتقدون أن الثورة كانت ثورة ريفية ضد النظام العلوي الذي دمر قراهم وأجلاهم عنها إلى المخيمات لأنهم سنة. وقد تحولوا أثناء الحرب إلى سلفيين يعتقدون أنهم جنود الدولة الجديدة (أكثر من الحاضنة الشعبية) وهم ينتظرون تمثيلاً لهم في الحكومة ويفرحون لكل تعيين من أبناءهم وكل توظيف في الجيش لأبنائهم لأنهم في الحقيقة معتادون على النموذج البعثي الذي حالفهم في السابق. وهؤلاء فعلاً هم القوة الضاربة للحكم ويجندهم ويزج بهم في معاركه الخلبية ضد “الفلول” و”الأقليات”.
فمن ستكون النخبة الحاكمة بعد سنتين أو خمسة. باعتقادي، وحسب ما نعرفه من حكم الأسدين وكيف نظما النخبة والعصبية وشبكة المحسوبية
:
1- أهل الحكم: هيئة تحرير الشام الإدلبية وأبناء المخيمات من أعضائها سيكونون النخبة الحاكمة وكتلتها الصلبة وأساس عصبيتها. لن يشاركوا أياً من الفئات السابقة الذكر إلا بعد التأكد من الولاء المطلق. وهذا يتم ببطء لكن بثبات. لا تحكمهم أيديولوجيا سلفية فقط، بل سلفية مخيمات اللجوء الإدلبية، سلفية نحن من تعرضنا للقصف عندما كنتم تنعمون في بيوتكم.
2- الجنود: بالدرجة الأولى الريفيون من السنة الذين تهدمت بيوتهم. ولن تقوم الدولة الجديدة بإعمار بيوتهم بل ستعطيهم بيوتا أخذتها من أعوان النظام السابق.
3- الأوليغارشية الإقتصادية: ستقوم النخبة الحاكمة الجديدة بانتقاء رجال أعمال من النظام القديم ومن أصحاب الأموال السنة المقربين من قطر وتركيا والذين يثبتون ولاءهم المطلق. وعلى رأسهم سيكون حازم الشرع أخو الجولاني.
4- شبكة المحسوبية: ستقوم النخبة الجديدة بإنشاء حزب جديد على أنقاض حزب البعث وباستخدام أملاكه من أجل تجييش السنة المدينيين والقرويين وتوزيع الوظائف عليهم، مع السماح لهم ببناء عشوائيات مشابهة للتي سمح بها الأسد لأعوانه من الجنود. وسيوظف الحزب مشايخ سلفيين لوضعهم على رأس المساجد والمدارس والجامعات كموجهين عقائديين.
الخاسر الأكبر: المتعلمون والتجار الصغار والإسلاميون والأقليات الدينية والقومية. بالطبع سيكون من الصعب إقناع الفئات الثلاثة الأولى أنهم من الخاسرين لكن لن يطول بهم الزمن (عدة سنوات) حتى يكتشفوا المقلب. أما الأقليات فمن الواضح أن الحكومة لن تعتمد عليهم ولا تحبهم وتريد الخلص منهم. وسيكونون ضحايا سهلة لمشاريع التقسيم، كما نرى اليوم في السويداء.
ولا يجب أن نتوهم بان الحكومة الجديدة تحارب إنفصاليين في الجنوب والشمال. إنها حكومة مرتهنة بالكامل لمشاريع خارجية (خليط وتوازنات) وتقوم بتنفيذ أجنداتها. لقد توقعت الفيدرالية مع مجيء الحكم الجديد ولا أزال عند تحليلي. ما نراه اليوم هو دفع للدروز من أجل الإلتحاق بإسرائيل وليس محاولة لتطويعهم كمواطنين في سوريا الجديدة. من المستفيد من هذا التقسيم؟ أولاً إسرائيل (منطقة حماية وليسوا مواطنين كما يعدون الناس)، ثانياً تركيا (منطقة تدخل إسرائيلي لكن تحت حماية روسية على ما يبدو، على الأقل لا يتقدم الإسرائيليون نحو الشمال الشرقي)، ثالثاً الجولاني (يتخلص من أقلية مشاغبة ويحصل على بلد “متجانس” ويقنع السنة أنه حامي الطائفة).
لن يكون هناك تقسيم واستقلال للدروز كما يقنعهم الهجري لأن إسرائيل تقوم على توازنات قومية وطائفية مثل كل دول المنطقة لا يمكن كسرها. ستكون السويداء منطقة نفوذ إسرائيلية مع حكم ذاتي وسيموتون من الجوع مع حكم ميليشيات تدعمها إسرائيل وتتحكم بكل شيء وتقوم على المعابر والتهريب). مسلسل جهاد النكاح وهجوم الدواعش المتخلفين نجح بشكل مذهل في جذب أو إسكات كل الدروز.
بعد السويداء سيأتي الدور على الشمال الشرقي. سنعود إلى مسلسل الدواعش المتخلفين الذين يهاجمون معاقل الحضارة تحت حماية الحزب الحضاري الذي يحترم النساء. النتيجة لن تكون منطقة كردية صغيرة (فهي على عكس السويداء مدعومة فعلياً من أمريكا وليس مضحوك عليها)، وإنما تحالف عربي كردي برئاسة حزب العمال الكردستاني. وهنا سيكون الحكم الذاتي أيضاً هو الخيار. المعركة ستكون أكبر وستشترك فيها تركيا بشكل مباشر وإسرائيل بشكل شبه مباشر وسيكون وقودها السوريون.
كما ترون فالإستقلال ليس وارداً في عرف أحد، لأنه ينتج دويلات صغيرة تعتمد على المعونات الدولية. أما الساحل فسيتمتع بالفيدرالية وليس بالحكم الذاتي. أعتقد أن معركة الساحل انتهت ولن نعود إليها. أما الداخل فسيكون إمارة سنستان التي يحلم بها الجولاني. الإمارة المتجانسة المحاطة بإمارات الأقليات الأعداء.
لا أوجه دعوة لأحد لأن التفكير المنطقي خرج من الشباك منذ دخول الجولاني إلى دمشق. فقط أتمنى لو يرى المتعصبون الجدد الذين يعتقدون أن دورهم قد جاء لإثبات جدارتهم في الحكم أن تفكيرهم لا يختلف عن تفكير من قبلهم الذي انتهى بكوارث. لا توجد دولة مستقرة تحكمها فئة تقصي الآخرين. لا تعتقدوا أن خبرتكم التقنية أو الإدارية هي الأفضل. ولا تعتقدوا أنكم الحاملون الوحيدون للمشروع الصحيح، ولا تعادوا الجميع بدعوى الفلول والعلمانيين وأيتام النظام وأعداء المشروع الإسلامي.
——————————-
دليل السوري إلى المجازر – اتخذ موقف بخمسة دقائق/ أحمد نظير أتاسي
حسِبنا أن الحرب انتهت وحسِبنا أن الناس تعبت من المجازر والقتل والكره، لكن يبدو أن الشعوب لديها دائماً قوى متجددة طالماً أنها تعرف أين تقع، هل هي في موقع القاتل أم في موقع المقتول. السوريون تعودوا على المجازر حتى أصبح قتل عشرة أشخاص في واقعة واحدة في مكان واحد يعتبر يوماً طبيعياً وليس مجزرة. يبدو أن الإسم مصمَم للمقتول وليس للقاتل. المجزرة هي إسم يطلقه المقتول على ضحاياه بينما يجد القاتل إسماً آخر براقاً وأكثر قدرة على التبرير مثل معاقبة الفلول، توحيد البلد، جمع السلاح، محاربة الأعداء والإنفصاليين. المقتول وحده هو الذي يتعب لكن القاتل يجد قدرات متجددة كل يوم. وحتى المقتول المتعب سيصبح نشيطاً لو تحول إلى قاتل واستطاع إيجاد التبريرات لهذه الفعالية المثيرة وأعني المجازر. إنها فعلاً تضخ كمية هائلة من الإحساس بالقوة والثقة بالنفس، وربما بعض السخرية والإحساس الفكاهي عندما تبكي الضحية قبل القتل. ولذلك فقد خطر لي أن أكتب دليلاً للتعامل مع المجازر (يحق لي استخدام الإسم إذا كنت الضحية) للسوري الذي لا يعرف أين يقف فهو اليوم ضحية مقتول وغداً ربما قاتل. ماذا تفعل إذا احسست أنك تتعرض للإبادة في سوريا؟ وماذا تفعل إذا كنت من جماعة من يقومون بالإبادة؟
أولاً – الهوية. لا بد أن تسأل نفسك من أنا؟ يجب أن تتأكد أن الضحايا يشبهونك أو أن القتلة يشبهونك. لا يمكنك أن تصرخ “ذئب” لتكتشف أنك لست الضحية المعنية. تأكد من ملامح الضحايا هل يشبهونك. وتأكد من ملامح القتلة هل يختلفون عنك. إذا كان أهل بيتك هم الذين يتعرضون للقتل فإنك تستطيع ان تصرخ مباشرة. لكن إنتبه أن تصرخ التسمية المناسبة، فقد لا يوافق القاتل على التسمية. وأما إذا كان الضحايا من غير بيت أهلك لكنهم من أهل منطقتك، فيجب أن تتأكد قبل أن تصرخ “إننا نتعرض للإبادة”. إذا كنت سورياً فهذا لا يكفي. الجميع سوريون لكن بدرجات إنتماء مختلفة. إذا كنت من جماعة السلطة فأنت فعلاً سوري، وإذا لم تكن من جماعة السلطة فربما هناك شك في سوريتك. ابحث لنفسك عن جماعة أفضل. قد تجد بعض الأجوبة في صرخات الضحايا وصرخات القتلى فهم غالباً يعبرون عن هوياتهم أمام الكاميرا، لا بل هم يتعمدون التصوير عندما يصرخون تسميات هوياتهم وهويات الطرف المقابل لهم. الناس تتفاعل بشدة مع الكاميرا. مؤخراً صرخ أحدهم أنا سوري أمام الكاميرا وهو يُقتل ولم يسبب ذلك أية ردة فعل، لا بل سخر منه القاتل قائلاً “شو هدا سوري”. كما قلت لك هذه التسمية ليست شعبية هذه الأيام. إذا قال القاتل أنه سني وأنت تتماهى مع هذه الهوية فاعرف أنك من هوية القاتل. وفي هذه الحالة أنت لست الضحية في هذا المشهد فلا تصرخ. لكن يمكنك أن تعتمد على مشاهد سابقة من عام أو أكثر ففيها كثير من مآذن الجوامع المدمرة وحرق القرآن والسخرية من الضحايا السنة، وتأكد أنك تصرخ على مشاهد تعرف تاريخها فكثير هي المشاهد الملفقة هذه الأيام. وإذا قال المقتول أنه درزي ووجدت أنك تتماهى معه فأنت ضحية في هذا المشهد ويمكنك أن تتفاعل معه بقوة. أما إذا لم تكن درزيا ولم تكن سنياً فهنا لا بد لك من موقف. يمكنك أن لا تتفرج باعتبار أن المشهد لا يعنيك، لا القاتل من طائفتك ولا المقتول من طائفتك. الأحاسيس متعِبة ويمكنك أن تختار الحياد. وكما رأينا صفة سوري تعفيك من اتخاذ أي موقف. لكنك قد تكون علوياً وتعرضت جماعتك للقتل منذ عدة أشهر وكان القتلة من السنة، هنا يصبح عدو عدوك صديقك ويمكنك أن تتعاطف مع المقتول في نوع من تحالف الأقليات اللي قلبهم من حامض السنة لاوي منذ قرون على ما يبدو.
ثانياً – الموقف. قد يبدو هذا سهلاً إذا كنت من طائفة المقتول. لكن لا تتسرع فالوضع مكركب دائماً في سوريا. هل ستشجب هل ستشتم هل ستندد هل ستتهم هل ستصرخ هل ستنادي للفزعة هل ستجمع التبرعات هل ستجمع السلاح هل ستتبرى من شركاء الوطن. تذكر أن موقفك اليوم سيلتصق بك إلى الأبد. وإذا جلست جلسة مصارحة مع نفسك واتخذت موقفاً فلا تنسى التبرير، يجب أن يكون تبريرك صلباً لا يُدحض. ستواجه النقد أو الشتم أو التخوين أو السخرية أو حملة أضحكني أو حملة خريها أو حملة تكفير أو حملة تعاطف أو حملة حنا معاكم للموت. احسبها صحيح، فكر بالموقف وفكر بردود الأفعال وخذ قرارك. هل تريد أن تعيش مع هؤلاء الذين يريدون قتل جماعتك، هل تريد أن تكون شريكهم في الوطن، هل تعتبر نفسك شريكهم في الوطن، هل تراهم متوحشين، هل تعتقد أنهم متخلفون. مرة أخرى أنظر في الوجوه جيداً في الصور واختر جوابك لأسئلة الهوية. الصور دليلك ستقول لك ما يجب أن تحس به وأن تفكر به. إنها موجودة لهذا الغرض. ولا تفكر من أخذ الصور أو لماذا، هل هم جماعتك الضحايا أم جماعة القتلة، فهذا وجع راس. قد تكتشف حقائق أنت مانك قدها. قد تكتشف أن الضحايا المقتولين أمام أعينك هم الضحايا الحقيقيون أما صناع الصورة فهم فقط صناع صورة. لا تفكر أبداً أن جماعتك يمكن أن يكونوا في مكان ما آخر قتلة وليسوا ضحايا. ركز على جماعة المتوحشين. لا تفكر أن من يقود جماعتك ربما كان من المسؤولين عن هذه المجزرة. لا تدخل الشك في نفسك. فالشك في صفة الضحية من أكثر المشاعر إيلاماً. وعندما تتخذ موقفاً لا تغيره، ولا تبحث عن معلومات تزعزعهك، خليك مع جماعتك التي اخترتها إلى النهاية. وخاصة، لا تفكر في المستقبل فهو عدوك. المستقبل يقرره هؤلاء الذين يحملون البندقية. خياراتهم هي خياراتك، وقرارتهم هي قراراتك. ضع ثقتك بهم وامش خلفهم ولا تفكر. عدوك بالتأكيد يفعل ذات الشيء، إنه لا يفكر.
أما إذا كنت من طائفة القاتل فإنك تعرف ما يجب عليك فعله، فط تذكر ما فعله جماعة مؤيدي النظام في السنوات الماضية وستعرف تماماً كل التكتيكات. لاحظوا أني انتقلت دون أية إشارة الى اختيار الهوية حسب الطائفة. بالطبع، فهذا هو الخيار المعتاد والسائد والمقبول في سوريا. إبدأ بحملة التخوين والتكفير فهي مضمونة النتائج. ثم انتقل إلى حملة أين كنتم من 14 سنة أو من سنتين أو من يومين حسب الاحول فإنها متغيرة دائماً. بكرة إذا حكمونا الأكراد أو الأزيديين أو الإسماعيليين أو العلمانيين لا سمح الله فإن حملة أين كنتم لن تكون مجدية. ثم انتقل إلى حملة أضحكني وابحث عن صورة واحد لا نعرف من هو، شعره أشعث يعزف العود على جثة لا نعرف من هي واعمل منها ميم. ولا تنس تأكيد هوية القاتل وهوية المقتول حتى لا تزعج الجماعة الخطأ. ثم ابدأ حملة الضحية السابقة، وتذكر ضحكاتهم على جثث جماعتك. كما قلنا فالأمور متقلبة في سوريا وضحية اليوم هي القاتل غداً. واختر لنفسك هويتين أو ثلاثة في حالة لم ينجح حكم جماعتك فعندها تحول إلى هوية أخرى. يعني إذا كنت سنيا اليوم وعم تهلل لجماعتك وتستعرض مظلوميتهم، اختر هوية ابن قرية مدمرة أو هوية طفل في المخيمات أو هوية ابن حي مدمر أو ابن سجين سابق في عهد سابق (ولا تجعل العهود تختلط عليك). الأحوال لا تدوم، لا تتمادى في السخرية من الدماء، ما حدا بيعرف شو رح يصير بكرة.
ثالثا – المطالب. هذه أصعب خطوة ويجب أن تفكر فيها بتمعن. هل تريد لجنة تحقيق دولية أم لجنة تحقيق محلية. هل تريد تعويضات أم تريد انسحاب ووقف القتل. هل تريد إسقاط النظام أم فقط محاسبة من تلطخت أيديهم بالدماء. هل تريد تدخل عسكري خارجي دولي أم فقط عربي. هل تريد أن تتلقى مساعدات دولية أم مساعدات عربية وإسلامية. هل تريد لامركزية أم فيدرالية أم حكم ذاتي أم استقلال. وأهم شيء أهم شيء هل تريد تدخل إسرائيلي، لأن إسرائيل خط أحمر. وربما، فقط ربما، يمكنك أن تصفح وتسامح وتتعايش مع شركاء الوطن. تذكر هؤلاء مجرد مشاهدين يتفاعلون مع الصور مثلك تماماً. أنصحك بخلطة قوية أطلب تحقيق أوروبي وتعويضات عربية وتدخل وساطة إسلامي وقوات دولية وتمر من السعودية وإعمار من قطر وضمانات أمريكية وأسلحة من روسيا. ولا تفكر بالإستقراء بإسرائيل لأن كل السوريين يعادون إسرائيل، وما في واحد سوري بالقرن كله والذي سبقه طلب حماية إسرائيل أو التفاوض مع إسرائيل، أنت تعرف الموقف المبدئي. وسأعطيك لائحة بالمقبولات: إذا كنت سنيا فطلب مصاري من قطر وتسليح من تركيا مقبول. وإذا كنت مسيحيا عاما فاطلب دعم دولي أوروبي. وإذا كنت إسماعيليا فالآغاخان مقبول جداً. وإذا كنت مسيحيا أرثوذكسيا فروسيا قد تتوسط لك. وإذا كنت درزيا فسارع إلى وليد جنبلاط. وإذا كنت تركمانيا فلا عتب عليك إذا احتميت بتركيا. وإذا كنت أرمنيا فاحذر تركيا واتجه نحو أرمينيا. وإذا كنت مسيحيا كاثوليكيا فبابا روما مقبول وقوي جداً. وإذا كنت سنيا علمانيا فعليك بفرنسا، كتير موضتها فايرة هاليومين. وإذا كنا سنيا سلفيا فلا تتخيل أن السعودية وراءك إلا إذا كنت سرورياً. وإذا كنت إخوانيا فعليك بقطر وإذا كنت شيعيا فلا تتعجل طلب حماية إيران هذه الأيام وإذا كنت علويا فكذلك تحمل لأن فرنكك خلص من يوم النظام. عدا ذلك فاحسبها محلياً ووطنيا وإقليمياً ودولياً.
ماذا تفعل إذا واحد قال لك إيه نحنا السنة خسرنا مليون قتيل ولم نطلب الإستقلال أو الحكم الذاتي، وخسرنا مدن وقرى ولم نطلب حماية إسرائيل، وخسرنا عشر شباب طوال حلوين وخمسين صبية حلوة وما طلبنا حكم ذاتي. تحملنا قمع النظام وتحملنا الإعتقال والقصف لأننا نؤمن بسوريا ولأننا نعرف أننا الأغلبية وستعود البلد إلينا. الله لا يحطك بهيك موقف، إلا إذا كنت درزيا في منصف آب عام 2025. عندها إما أن تلطم أو أن تصفع المتكلم وتذهب في حال سبيلك. هذا واحد لا ينفع معه الكلام. وإذا قال لك إيه شوف العلويين طلعوا أحسن منك تحملوا المجازر وما طلع حسهم، لله درهم طلعوا وطنيين بياكلوها بصمت لأنهم بيحبوا الوطن. إذا قدرت خذ صورة جيدة لهذا المدعي وأرسلها إلى إسرائيل مشان لما يطلب اللجوء في المستقبل ما يعطوه.
هذا إذا كنت من جماعة المقتول. أما إذا كنت من جماعة القاتل فالخيارات المتاحة أكثر بكثير. أطلب ما تشاء فأنت الدولة ويحق للدولة ما لا يحق لغيرها. يمكنك أن تطلب مساعدات وسيكون إسمها قروض. ويمكنك أن تطلب التدخل الخارجي وسيكون إسمه اتفاقية دفاع مشترك. ويمكنك أن تذهب إلى أسرئيل نفسها وسيكون إسمه اتفاق استراتيجي وتجنيب المنطقة الدماء. ويمكنك أن تطالب بالإستقلال وتقرير المصير وسيكون إسمه الديمقراطية والخيار الشعبي. ويمكنك أن تقتل أي فريق معارض بأي سلاح تريد وأن تشرتيه بأية أموال تريد وسيكون إسمه الحفاظ على وحدة الأمة وسلامة اراضيها. ببساطة إذا كنت من جماعة السلطة افعل ما تشاء لأن وصف “لم تستح” ينطبق عليك تماما، وبيلبق لك. ليك جماعة الأسد عملوها وما حدا حكى معهم شي.
—————————–
كيف تتعامل مع المجازر في دولة فاشلة مثل سوريا – محاولة بائسة/ أحمد نظير أتاسي
البارحة كتبت بوست ساخر وحاولت تمرير نقطة لكن لم ينجح الأمر. ولذلك صار من اللازم كتابة بوست صادم. هكذا هي الأمور في سوريا. تكتب بوست تخسر فيه كل السنة فيرسل لك كل العلويين طلب صداقة ويصنفونك تصنيفا معينا. ثم تكتب بوست آخر مربك فتخسر العلويين. ويبدو جاء الدور لأخسر الدروز. في سوريا من المريح أحياناً استفزاز الطوائف. وليس البوست شماتة فلا شماتة في القتل والموت، ولا أكتب من أجل القتلى فهؤلاء سيشكون أمرهم إلى الله. أنا عاجز تماماً عن مساعدتهم كأي إنسان سوري يعرف عجزه، لكني فقط أعترف به. أنا أوجه حديثي إلى الأحياء، وإلى الأحياء الذين يعيشون خارج المعمعة. هؤلاء الذين يبكون كثيراً ويتأثرون كثيراً ويغضبون كثيراً ويتألمون كثيراً، وأيضاً إلى الذين يتباكون ولا يتألمون ويجدون في المجازر فرصة ذهبية لتمرير مشاريعهم. أكتب لهؤلاء المتألمين لأقول لهم وظفوا ألمكم في شيء مفيد، وللنصابين لأقول لهم مكشوفين، لكن الله يلعن العجز.
أولاً – توضيح – لماذا لا يتعاطف معكم شركاء الوطن
هنا سوء تفاهم حول هذا المصطلح، شركاء الوطن. في بلد أعلى هوية فيه هي هوية العشيرة والقبيلة، لا يوجد شركاء في الوطن. يوجد فقط جيران يتفرجون عليك ويقولون الحمد لله القذيفة عنده وليست عندنا. وإذا كان من طائفتنا فسنجمع للضحايا تبرعات ونتبنى مظلوميتهم نشحد عليها. وإذا لم يكن من طائفتنا فالله يفصل بين الكفار والمؤمنين يوم القيامة. وحتى في الدول الحديثة فإن الشراكة في الوطن لا تعني الإحساس بالألم وإنما التكامل الإقتصادي: أنت تنتج حذاءاً وأنا أنتج حزاماً ونتبادل المنتجات، وأتعهد أن أشتري منتجك إذا اشتريت منتجي وأن لا أستورد من الخارج لأضارب عليك والدولة تحكم بيننا. وإذا اصابتك مصيبة فقد أجمع لك التبرعات إذا قامت الدولة بهذه المهمة. أي أن الشراكة ليست أكثر من الإنصياع للدولة التي تحدد قواعد التعايش والتكامل الإقتصادي. أما إذا اعتقدت أن شراكة الوطن الحديثة هي فزعة عشائرية فأنت غلطان.
ولنعد إلى الفزعة العشائرية. في الدولة العصبية شراكة الوطن لا تتعدى الجيرة وفزعة العشيرة إذا كانت الضحية من طائفتنا أو عشيرتنا. إذن عزيزي الدرزي المتألم، وأتفهم ألمك تماماً، لا تحزن إذا لم يشاطرك ألمك أي من شركاء الوطن (سنة وعلويين ومسيحيين وغيرهم) فقد أسأت فهم الوطنية. لا بل أكثر من ذلك لقد مارست أنت نفسك هذه الوطنية المنقوصة حين كان دور الضحية على غيرك. في بلد طائفية، تصرفت كما تمليه عليك الطائفية. أي عندما لم يصل البل إلى ذقنك لم تعتقد أنه من الواجب اتخاذ موقف واضح. واخترت أن تقول هي معركة بين السنة والعلويين وأنا ما دخلني. نعم استقبلت المهاجرين، وذكرتنا بذلك مرات عديدة لكن اسمع ما تقوله، لقد استقبلت ضيوفاً ولم تعمل فزعة من أجلهم لأنهم ليسوا من طائفتك. لذلك اليوم وأنت الضحية لا أحد في هذه البلد الطائفية سيلتفت إليك. جاء دورك أن تكون الضحية، هذا كل ما هناك. أنت اعتبرت نفسك درزياً ولم تتخذ موقفاً وهم اليوم يعتبرون أنفسهم سنة ولا يحسون بواجب الفزعة أو التضامن.
هذا كلام قاس. لكنه منطق الطائفية ويجب أن يسمعه الجميع. لكن قد تقول، شركاء الوطن لا يقفون على الحياد بل يشجعون على قتلي ويسخرون مني ومن ألمي ويعتبرونني انفصالياً وخائناً وأنا تعبت من إثبات وطنيتي. لا بل كفرت بالشراكة الوطنية وأريد الإنفصال عن هؤلاء الدواعش والقتلة الذي يقوم دينهم على القتل والسبي. قد لا تقول ذلك علناً لكن هذا بالضبط ما تقوله لنفسك. السنة أيضاً يعتقدون أنك كافر وتؤمن بالتقمص وتؤله خليفة فاطمي وما إلى ذلك من الأشياء غير السنية. نعم صحيح، إنهم يفعلون ذلك. لكن دعني أثبت لك مرة أخرى أن تفسيرك طائفي، صحيح، لكنه صحيح فقط ضمن المنظومة الطائفية. الذين هجموا عليك وقتلوا جماعتك وتصدق فيديوهاتهم وتقتنع تماماً أنهم دواعش يمثلون السنة هم خليط من مرتزقة العشائر (نعم مرتزقة يعملون من أجل المال) ودواعش سابقين (من نفس العشائر فداعش ظاهرة عشائرية) وفصائل بدوية من منطقتكم تعمل بالتهريب وجنود من الأمن العام (مخلطين، يضعون شعارات فصائل مختلفة لكن يلبسون لبس الأمن العام ويقتلون باسمهم). وهذا كله تحت غطاء من الدولة (دائماً الدولة، هي وراء كل المصايب)، إنها دولة طائفية بامتياز، لكنها لا تقتلك لأنك درزي ولكن لأنك تسكن على حدود إسرائيل. تركيا طلبت من حكومتنا العتيدة أن يهاجموا منطقة العزل الدرزية التي تريد إسرائيل إنشاءها. كل هذا القتل الطائفي الذي تراه ليس أكثر من تعفيش جماعة جوعانين وقالوا لهم إذهبوا اقتلوا واسرقوا.
ثانياً – استحالة شراكة الوطن مع الطوائف
ستقول، إذن أنا على حق في المحصلة. إنهم سنة يقتلونني بأمر من الدولة لأني درزي. نعم لكن هؤلاء ليسوا كل شركاء الوطن. أنت تتعجل كثيراً في الحكم على شركاء الوطن. أنت بالأصل مدرب في طائفتك على التفكير بالسنة ككتلة واحدة (غالباً متوحشة). ولذلك عندما هجم عليك بعض السنة أطلقت مباشرة الحكم الذي تعرفه، دواعش ومتخلفون ولا يمكن العيش معهم. أنا معك. لا يمكنك العيش معهم. وبنفس الطريقة استنتج السنة أنه لا يمكن العيش مع العلويين. وبنفس الطريقة استنتج السنة أنه لا يمكن العيش مع الدروز. نعم كان عند الأسد ضباط جيش ومخابرات من الدروز وأبلوا “بلاءاً رائعاً” في مجاز الحرب. إذا كنت تتماهى مع طائفتك، فهؤلاء من طائفتك أيضاً، تحمّل وزرهم. أنا لا أقول ذلك لأبرر. أنا أقرف من التبرير السوري المعتاد. أنا أقول لك أنك تستخدم تماماً نفس عقلية السنة الذين تعتقد أنهم متخلفون ووحوش. في سوريا الطائفية، إذا أردتني أن أتحمل وزر بغال ووحوش طائفتي، فتحمل وزر بغال ووحوش طائفتك.
اليوم مثلاً لا يوجد إلا قلائل من العلويين القادرين على القبول بجرائم المتوحشين الذين تكلموا باسمهم. وأنا لا أتحدث عن حصار شهرين وبعض قتلى في اليوم. أنا أتحدث عن حصار سنتين وثلاثة ومائة أو مائتين قتيل في اليوم. نعم قتلى بنفس الطريقة التي تشهدها اليوم، سلخ جلود، اغتصاب نساء، بيع أعضاء، تجويع، كيماوي، قنابل عنقودية، سخرية، تشفي، رمي في الآبار، سبي، العلبة الطائفية كلها. واليوم لا أحد يعرف من فعلها. إنهم طائفة الأسد الأسدية الذين هربوا معه، يقولون. لا يا عزيزي إنهم موجودون اليوم جميعهم في قراهم يعيشون ويحبون أولادهم. ولا أريد أن أتهم أحداً، لأني مقتنع تمام الإقتناع بأن ما حدث ليس ذنب طائفة وإنما ذنب دولة. كثير من العلويين رفضوا المجزرة الكبرى. بالطبع لم نسمع أصواتهم لأنهم كانوا تحت التهديد الطائفي. تماماً كما توجد أصوات سنية اليوم تعارض ما يجري من مجازر لكنها تحت التهديد الطائفي. وتماماً كما كانت هناك أصوات درزية معارضة أثناء الحرب لكنها كانت تحت التهديد الطائفي. هذا يعني، إذا كنت تبحث عن بشر حقيقيين يتألمون معك ويتعاطفون معك فهم أفراد ولا يمكن أن يتكلموا تحت مظلة الطائفة. هذا بالضبط ما أريد أن أقوله لك، لا تطلب تعاطفاً من طوائف فانت كطائفة رسبت في الإمتحان. ولا تطلب فزعة من طوائف ولا تطلب شراكة في الوطن من طوائف، فأنت نفسك كنت شريكاً سيئاً في الوطن وبنفس الطريقة. الشراكة الوحيدة المتاحة هي شراكة الأفراد، الأفراد الذين يؤمنون بوجود قواعد وقوانين ويحترمونها، الذين لا يؤمنون بالطائفة لا بل يكرهونها، الذين يؤمنون بوجود دولة تنظم الحياة بين الناس دون انحياز. لن أكون شريكك الحقيقي إلا إذا تخليت عن طائفتي، ولن تكون شريكي الحقيقي إلا إذا تخليت عن طائفتك.
ثالثاً – شبيحتنا وشبيحتكم – ضرورة قليل من الوعي
نعرف أنهم يقتلون عائلتك وطائفتك. ونعرف أن هذا يحز بنفسك. لكن لنتخيل أن بعض هذه الحشود المتوحشة توجهت إلى قرية حورانية سنية وقتلت وسلبت، وأنا متأكد أنهم يفعلون ذلك، فماذا سيكون موقفك، أنا متأكد أنك لن تغضب ولن تتعاطف. أنت أصلاً، مثل كل السوريين مدرّب منذ الصغر على عدم التعاطف مع “الأعداء من شركاء الوطن”. ولنقل مثلاً أن عصابات من جماعتك (نعم موجودون) هاجموا قرى سنية وقتلوا واغتصبوا وعفشوا. فماذا ستقول؟ دفاع عن النفس، غضبانين، مقهورين، معذورين. أنت من مدينة السويداء، ولا تزال من الجهال لم تأخذ دينك، يعني ارتباطك بالدروز ارتباط ثقافي بحت، لا بل عشائري. أنت لا تفهم حتى كم فصيلاً درزياً يوجد في السويداء، ومن هم القادة، ومن هي قياداتهم الروحية، وماذا يفعلون لجني الأموال والتسليح. أنت تعرف أن لهم شوارب مثل شوارب أبيك أو جدك وأنهم يلبسون شراويل مثل شروال جدك. لكنهم في الحقيقة قتلة مأجورين وطائفيين شرسين قادرين على سفك الدماء والإغتصاب والسبي والتعفيش والرقص على ضحايا مجازرهم. لا تقل لي أنك لا تعرف فهذا عذر أقبح من ذنب. لا تقل لي هذا غير معقول فديننا لا يسمح فهذا فعلاً غباء. ولا تقل لي قرويون ودمهم حامي. شبيحتكم متل شبيحتنا متل شبيحة العلويين (المسيحيين عندهم شبيحة، خليها مستورة).
نعم شبيحتنا دخلوا على قرى علوية وأبادوها. ودخلوا على قرى شيعية وأبادوها ولا زالوا يفعلون. وشبيحة العلويين فعلو الشيء ذاته من قبل ولا نزال نكتشف المقابر الجماعية في الحقول وتحت البيوت وفي الآبار. في الحولة بعد مجزرة في قرية سنية هاجمت فصائل سنية القرية العلوية المجاورة التي اتركب أفراد منها المجزرة فقتل الجنود العلويون أولادهم ونساءهم ثم فجروا قنابلهم اليدوية في أنفسهم، قال مشان ما الدواعش يعتدوا على أهلهم. حيوان قتل حيوان وإجا الحيوان ليقتل الحيوان السابق فخاف الحيوان على شرفه فقتل أولاده ثم نفسه. هذه هي الحرب الطائفية. أنتم تواجهون الحرب الطائفية ولا تواجهون السنة. أنتم تواجهون الدولة المتغولة. أن تغضب أو تتعاطف فهذا قرارك وشأنك، لكن اعرف أنك إنتقائي في تعاطفك تماماً مثل شركائك الحاليين في الوطن. شبيحتكم يكذبون عليكم كما شبيحتنا يكذبون علينا.
خليني اشرحها شوية. هناك معارضة للنظام الأسدي في السويداء. طبعاً هناك بشر حقيقيون هناك. وهناك أيضاً مؤيدون للأسد في السويداء ومشاركون في المجازر. وهناك حياديون يريدون حماية الطائفة ولا تهمهم الطوائف الأخرى. نفس الشي عندنا. كل طرف يحاول أن يجذبك إلى قربه. لكنه لا يفعل ذلك بالإقناع وإنما بالتخويف، الخوف المزروع فيك منذ الصغر من الطوائف الأخرى. لم يبذل الإسلاميون جهداً كبيراً في أسلمة الثورة فقد قام الأسد بمعظم الشغل. بالطبع الكراهية الطائفية مزروعة وقديمة. كان يكفي أن تمر سيارة مخابرات في الأحياء السنية وتصرخ شعارات طائفية حتى يقتنع الناس أن الحارات العلوية تريد قتلهم. وكانت نفس السيارة تمر في الأحياء العلوية وتصرخ بشعارات طائفية حتى يقتنع العلويون أن الأحياء السنية قادمة لقتلهم. وفي النهاية كانت بعض فصائل حمص القديمة أو الوعر تتفق مع ضباط النظام ليقصفوا الأحياء المحاصرة لان عندهم حملة جمع تبرعات تحت عنوان “الحي السني الفلاني يباد”. كانت تجارة رائجة فعلاً وكثير من الإسلاميين و”المجاهدين” والنصابين والمرتزقة من الطرفين عملوا ثروات هائلة.
رابعاً – إسرائيل – الخط الأحمر الأزرق
منذ حوالي سنتين فجأة انفجرت ثورة الكرامة في السويداء. بعد أن انتهت الحرب، قرر بعض الناشطين أن يثوروا ضد النظام. هل سألت نفسك لماذا؟ طبعاً قالوا لك أن النظام يوظف داعش ضدكم أو يريد أن يوظف أبناءكم في جيشه أو أن يقتحم السويداء. ربما لا تعرف أن شبيحتكم وشبيحتهم كانوا يتقاسمون تجارة المخدرات والكبتاغون عبر الحدود. طبعاً أنت تحب الكرامة وهي مفردة رائجة عند الدروز فثقافتهم عربية بدوية تحب النخوة والكرامة والعزة وهالحكي. الدواعش هم أنفسهم البدو المحيطين بالمدينة لكن النظام قرر أن يجعلهم دواعش. أنت الناشط الذكي خرجت إلى ساحة الكرامة لتدافع عن تجار مخدرات. هل فكرت فيها. أنت في الحقيقة خرجت لتحضر لمشروع الهجري الحالي.
خلينا نجي على الهجري. لم أحب شيطنتهم له قبل المجازر لأني خفت من نتائج الشيطنة. لكني لا أكن له أي احترام، ولا لأي شيخ طائفة (عقل محدود ونفسية لا تعرف التعاطف). إنه شيخ طائفة يتنافس مع مشايخ من عوائل أخرى ومشروعه لحماية الطائفة والتربع على عرشها هو الإنحياز نحو إسرائيل. إذا عاجبتك إسرئيل إذهب إليها. أصلاً لا يوجد سوري واحد لم يحاول التواصل مع إسرائيل وبطرق مذلة من أجل هزيمة الأسد، بمن فيهم الأسد نفسه. لكن إفهم تماما ما هو التغيرات التي ستطرأ على مشروعك. ماذا تريد لنفسك ولأهلك؟ مشروع الهجري وإسرائيل لن ينقذك من الجولاني. بالطبع أنت اليوم لا تحب شركاء الوطن وهذا مفهوم تماما، أنا أيضاً لا أحبهم لا الجولاني ولا السنة (لا احب أية طائفة). لكن لو كان في أمل أن يتعاطف معك هؤلاء الأفراد الخائفين فاليوم هذا الإحتمال اختفى. وأنا أعرف تماماً أن المظاهرة التي خرجت ترفع أعلام إسرائيل نظمها فصيل معين وفرضها على الناس. وهذا الفصيل يريد الترويج لمشروعه الخاص. أصلا المجازر تصب في مشروعه وهو ساهم في صنعها. لا تستغرب، كثير من السنة والعلويين قتلوا أبناء طائفتهم للترويج لمشروعهم.
كله نفاق، بالتأكيد كله نفاق، الجميع يريد التفاوض مع إسرائيل بمن فيهم الجولاني الذي يحلم بذلك كل يوم. لكن كما قلت ما هو مشروعك، هل تريد شيء إسمه سوريا أم أنك تريد فيدرالية أم تريد استقلال أم تريد إسرائيل. اسمح لي أن اقول لك أن مشروع إسرائيل مشروع فاشل تماماً. أنظر إلى الدروز في إسرائيل (بعضهم للأمانة)، لا مواطنة حقيقية، لا تمثيل حقيقي، لا تنمية محلية، ترسل الدولة أولادهم إلى غزة ليموتوا ويكرههم الجميع. أعرف أن دينك قائم على كره السنة، ديننا أيضاً قائم على كره الروافض وعباد الفرج وجماعة التقمص (لا نعرف أكثر من هيك). لكن إسرائيل ستفصلك عن محيطك وستجعلك كالخروف الأسود، لا أنت مواطن هنا ولا مواطن هناك. سيتحكم فيك تجار المخدرات والمرتزقة المتعصبون دينيا وسيهاجمك الجولاني والدواعش ولن تفعل إسرائيل إلا أن تعطي عصابات شبيحتكم مزيداً من السلاح. سيخطفون أولادك للقتال كما تفعل قسد باسم حماية الطائفة. كما قلت سابقاً، الطائفة لن تجلب عليك إلا الدمار. ستعزلك عن محيطك وستألب عليك محيطك وستألبك على محيطك وستضع أمراء الحرب في القيادة ليقمعوا أي شيء مدني. لسا ما شفت شي، هناك دواعش وطالبان دروز، بس إنت ما شايفهم.
خامساً – ماذا أفعل
عجزتني. لا تكون طائفي، بس خليهم يقتلوك، لا تدافع عن الطائفة بس ما حدا رح يحميك، لا تروح لعند إسرائيل ولا تجي لعند الجولاني، لا تصدق شبيحتكم ولا تصدق شبيحتهم، وبالنهاية مين عم يقتل الأولاد بالشوارع. موقع صعب جداً. لا تزعل إذا قلت لك أن أغلب المناطق التي تدمرت في الحرب مرت بظروف مشابهة. وأقصد إنها فوضى مربكة لكنها فوضى مفبركة. لا شيء فوضوي فيها إلا القتل العشوائي. المطلوب منك أن تخاف، المطلوب منك أن تنحاز للطائفة، المطلوب منك أن تناصر شبيحتكم، المطلوب منك أن تتظاهر وترفع اللافتات التي يريدونها (فقط إسأل من نظم المظاهرة وستجدهم)، لكن لا تسأل من أين يأتي السلاح فسيقتلونك، جماعتك قبل جماعتنا.
دعني أتفلسف لأن المتفلسفين كثرة هذه الأيام (وعلى فكرة هذه نصيحة للجميع، إلا جماعة السنة اللي “إجا دورنا”، الله يعطيكم على قد نواياكم):
1- لن يساعدك أحد إلا بشروط طائفية، إنها بلد طائفية وحكومة طائفية وأنت تعيش في طائفة.
2- اجلس في بيتك.
3- حافظ على أولادك.
4- لا تحب أحداً ولا تكره أحداً.
5- لا تسلم سلاحك لجحافل الجولاني ولا تسمع لإسرائيل (أنها مبسوطة كلما قتلكم الجولاني)
6- طالب باللامركزية
7- اطرح شعار إسقاط النظام في دمشق (إجراء إنتخابات ودستور ومؤتمر وطني)
8- اصر على التمثيل المدني ولا تقترب من مشايخ الطوائف
9- طالب بمعبر وحماية دولية
9- اصبر، سيسقط النظام
كيف سيسقط. النظام في دمشق ألعوبة بيد تركيا. وتركيا تجهزه اليوم ليحارب قسد في الشمال الشرقي. ستتدخل إسرائيل في الحرب. ستكون حرب طاحنة وستكون السويداء معبر الأسلحة والقوات. ستطلب منكم قسد المساعدة، لا تتدخلوا. وسيكون الحسم لصالح قسد (بعد سنة أو اثنتين) عندها ستعود إسرائيل إليكم بمشروعها. لا أقول لا تقبلوا، لكن عندها يمكنكم فرض شروطكم على دمشق وعلى إسرائيل وعلى شركاء الوطن.
هل تحس أن أمل سوريا الجديدة معلق عليك؟ لا ليس بالضرورة، أنت في موقع حرج فقط. لكن كل سوريا قريباً ستكون في موقع حرج. السوريون من جديد سيرسلون أولادهم ليموتوا في معركة ليست معركتهم. سيجندون السنة والعلويين والمسيحيين لخدمة تركيا. سنقتل الأكراد وسيقتلنا الأكراد، وسنعيش الايام السورية التقليدية كما خلقنا الله.
الفيس بوك
————————–
سوريا الجديدة: انفراجات الخارج واستعصاءات الداخل
حققت القيادة السورية الجديدة اختراقات خارجية عديدة، سواء في علاقاتها ببيئتها العربية أو بعلاقاتها مع القوى الغربية، وموازنة ذلك بالعلاقة مع روسيا، لكنها تواجه داخليًّا قوى ترفض الاندماج في مؤسسات الدولة الناشئة، وترفض تسليم سلاحها، والقبول بسيطرة الدولة على مناطقها.
14 أغسطس 2025
ولَّد انهيار نظام الأسد الابن وانتصار الثورة السورية، في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، مناخًا من التفاؤل والابتهاج، الذي لم تعشه سوريا منذ عقود. ولم يكن غريبًا أن يشعر كثير من السوريين بأن بلادهم تعيش لحظة أشبه بالاستقلال الثاني. كان السوريون يعرفون أن الطريقة التي أدارت بها هيئة تحرير الشام الشمال المحرَّر، خلال السنوات السابقة، شابها الكثير من القصور، وأثارت الكثير من الانتقادات. ولكن الخطاب الذي تبنَّته قيادات الهيئة، منذ تسلمت مقاليد الحكم في دمشق، بعث على اطمئنان معظم السوريين إلى أن البلاد تخطو بالفعل نحو دولة جديدة تليق بالتضحيات التي قدمها الشعب السوري طوال سنوات الثورة.
لم تعد “الدولة الجديدة” مجرد طموح بعيد المنال، ولكنها أخذت في التجلي في حياة ملموسة. فقد أراد السوريون أن يعيشوا في ظل دولة موحدة وعادلة، دولة تنمية ورفاه، دولة في حالة سلام مع مواطنيها، ودولة منفتحة على العالم الذي عرفه ملايين السوريين أثناء سنوات هجرتهم الطويلة. لم ير السوريون، أو أنهم حاولوا أن لا يروا، حجم الكارثة التي أُوقِعت ببلادهم خلال نصف قرن من حكم البعث، وثلاثة عشر عامًا من الثورة وما تخللها من صراعات أهلية.
لقد حقق النظام الجديد إنجازات لا تخفى خلال الشهور الثمانية، تعلق معظمها بالسياسة الخارجية، وبالعلاقات مع الدول الفاعلة في الجوار العربي والإسلامي. ولكن، على الرغم من إنجازات السياسة الخارجية، إلا أن عددًا من أبرز قضايا ومهمات الداخل السوري تبدو كأنها لم تزل مستعصية. بعض هذا الاستعصاء يعود إلى أخطاء ارتكبها الحكم الجديد لقلَّة خبرة قادته، أو إلى صعوبة وتعقيدات الانتقال من حالة الثورة إلى متطلبات الحكم والدولة. ولكن أغلبه، بلا شك، يتعلق بالخراب متعدد الأوجه الذي أُوقِع بمؤسسات الدولة السورية، وبمكونات الشعب وعلاقات هذه المكونات ببعضها البعض، خلال عقود الحكم التسلطي الأقلوي.
فما الملفات التي نجح الحكم السوري الجديد في التعامل معها؟ وما الأسباب التي أفضت إلى هذا النجاح؟ وما الملفات العالقة، التي أخفق الحكم الجديد في التعامل معها، أو تسبب في تفاقمها؟ وإلى أي حدٍّ يمكن للسوريين الشعور بأن بلادهم تسير في الطريق الصحيح؟
إنجازات خارجية: اختراقات على صعيد العلاقات الإقليمية والدولية
لم يكن قادة هيئة تحرير الشام، القوة الرئيسة التي قادت عملية التغيير وتسلمت مقاليد الحكم، في حاجة لكسب ودِّ وحسن ظن معظم القوى الفاعلة في الجوار العربي-الإسلامي، مثل تركيا وقطر والمملكة العربية السعودية.
فقد كانت تركيا، في مواجهة إيران وروسيا، أحد أطراف الصراع الرئيسة على سوريا منذ اندلاع الثورة في 2011. كما أن ثمة أدلة تشير إلى أن صلات وثيقة ربطت بين قيادات هيئة تحرير الشام وأجهزة الدولة التركية الأمنية والدفاعية منذ سيطرت الهيئة على الشمال السوري المحرر وتحملت أعباء إدارة شؤونه. ولذا، لم يكن مستغربًا أن تتحرك أنقرة لدعم وتأييد الهيئة بعد انطلاق عملية ردع العدوان. كما نظرت حكومة العدالة والتنمية التركية إلى انتصار الثورة السورية باعتباره انتصارًا لسياساتها الإقليمية.
قطر، التي ناصرت الثورة السورية منذ أيامها الأولى، وأحجمت عن الالتحاق ببعض الدول العربية، التي بدأت تطبيع علاقاتها مع نظام الأسد بعدما شعرت بأن النظام أوقع الهزيمة بالمعارضة، لم تتردد هي الأخرى في الترحيب بإطاحة نظام الأسد وانتصار الثورة السورية. وطالما رأت الدوحة أن الأغلبية السورية تلتف حول نظام الحكم الجديد وقادته، لم تكن خلفية هؤلاء القادة موضع تساؤل من القطريين.
أما الموقف السعودي، فكانت دوافعه أكثر تعقيدًا. فقد ظلت الرياض تراقب بقلق لا يخفى، تزايد النفوذ الإيراني في سوريا خلال السنوات التالية لاندلاع الثورة السورية. ولأن إيران أصبحت القوة المهيمنة في العراق منذ ما بعد الاحتلال الأميركي، في 2003، وفشل الأميركيين في بناء دولة عراقية خالصة الولاء لهم، فقد أدركت السعودية أن إيران توشك على السيطرة على بوابة الجزيرة العربية البرية برمتها. والمؤكد أن القلق السعودي من التمدد الإيراني أصبح أكثر إلحاحًا بعد نجاح الحوثيين في الاستيلاء على السلطة في صنعاء وتفردهم بحكم اليمن الشمالي.
وليس ثمة شك أن الرياض رأت في إطاحة نظام الأسد وإخراج إيران والميليشيات التابعة لها كلية من سوريا تحولًا إستراتيجيًّا هائلًا في مصير جوارها العربي، بعد أن كانت فقدت الأمل في إحداث تغيير جوهري في سوريا واضطرت إلى التطبيع مع الأسد ومحاولة دفعه إلى التحرر، ولو جزئيًّا، من أسر الهيمنة الإيرانية. ولكن، لأن السعودية قطعت صلاتها منذ عقود بأغلبية الإسلاميين العرب السنَّة، ولا تخفي قلقها من نشاطات الفصائل المسلحة بينهم، فقد كان على الرئيس السوري، أحمد الشرع، أن يقنع القيادة السعودية بأنه وزملاءه، وإن تحدروا من خلفية إسلامية مسلحة، فإنهم يتبنون رؤية وطنية لسوريا الجديدة وليس لديهم أية نوايا ثورية إسلامية عابرة للحدود.
هذا الاحتضان من السعودية وقطر وتركيا ساعد على الانفراج المبكر في علاقات سوريا الجديدة مع الولايات المتحدة، وعلى اللقاء الذي عُقد في الرياض بين الشرع وترامب، في 14 مايو/أيار 2025، بحضور محمد بن سلمان ومشاركة أردوغان الهاتفية. قبل ذلك، كانت إدارة بايدن قد بدأت اتصالًا حذرًا بدمشق وأرسلت وفدًا، تقوده مساعدة وزير الخارجية الأميركي للاجتماع بالشرع. ولكن إدارة بايدن، التي كانت في أيامها الأخيرة، لم تستطع أن تتخذ قرارًا جوهريًّا فيما يتعلق بالعلاقات مع قادة دمشق الجدد. أما ترامب، فقد سارع بعد اجتماع الرياض إلى الإعلان عن رغبته في مساعدة سوريا على الاستقرار، وعن عزمه رفع العقوبات الأميركية المتراكمة عليها طوال عقود.
ما وقع في ملف العقوبات امتد أيضًا إلى السفير الأميركي في أنقرة، توم باراك، الذي أصبح أيضًا مبعوثًا خاصًّا لسوريا ولبنان. باراك رجل أعمال من أصول لبنانية بعيدة، ولكن علاقته الوثيقة بترامب، وليس أصوله العربية، هي ما منحه موقعه المميز في تركيا وسوريا ولبنان. وقد تبنَّى باراك منذ تسلم مقاليد منصبه سياسة تودد واضحة تجاه القادة الأتراك والسوريين على السواء، معربًا من وقت إلى آخر عن وعي بشؤون المشرق وتاريخه الحديث. وقد أكد باراك في أكثر من مناسبة على وحدة سوريا واستقرارها، كما عمل على التوسط بين دمشق وقادة قسد في شمال شرقي سوريا للتوصل إلى تفاهمات دائمة، دون أن تظهر نتائج ملموسة لهذا التوسط بعد.
ما عزَّز الانطباع باحتضان غربي، كان التحرك الأوروبي، سيما البريطاني والفرنسي، للانفتاح على سوريا وإعلان إلغاء العقوبات عنها. وكانت بريطانيا وفرنسا في الحقيقة أسبق من الولايات المتحدة في تطبيع علاقاتهما مع دمشق. وثمة تقارير تفيد بأن جوناثان باول، الذي سبق له العمل في ميدان العلاقات الخارجية البريطانية، قام بصفته مسؤولًا عن مؤسسة اتصالات خارجية مدنية بزيارة لإدلب قبل عامين على الأقل من سقوط نظام الأسد، تعرَّف خلالها على تجربة هيئة تحرير الشام في إدارة المنطقة المحررة. تركت الزيارة، كما يبدو، انطباعًا إيجابيًّا لدى باول حول هيئة تحرير الشام وحول قائدها، أحمد الشرع.
في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أعلن رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، عن تعيين باول مستشارًا للأمن القومي. وما إن نجحت الهيئة في إطاحة نظام الأسد حتى عمل باول على أن تتبنى الحكومة البريطانية مقاربة نشطة تجاه الوضع السوري. ولابد أن باول، كما العديد من محترفي السياسة الخارجية البريطانية، وجد في حركة التغيير السوري الكبيرة والمفاجئة فرصة أخرى، شبيهة بفرصة سنوات الحرب العالمية الثانية، لتعزيز النفوذ البريطاني في المشرق على حساب القوى الغربية الأخرى، الحليفة أو المنافسة.
في هذا السياق، أُرسِلت السيدة آن سنو، أحد أكثر الدبلوماسيين الغربيين نشاطًا في دمشق، مبعوثًا خاصًّا إلى سوريا. وفي 5 يوليو/تموز، وصل وزير الخارجية البريطاني، ديفيد لامي، إلى العاصمة السورية؛ حيث التقى نظيره السوري والرئيس الشرع، وأعلنت بريطانيا رسميًّا عن استئناف العلاقات الدبلوماسية مع سوريا. وفي 5 أغسطس/آب، وصل جوناثان باول، مستشار الأمن القومي البريطاني، شخصيًّا إلى دمشق، والتقى بالرئيس الشرع.
فرنسا، من جهتها، لم تتخلص مطلقًا من ميراث تعاملها مع سوريا باعتبارها منطقة نفوذ تقليدية. فقد بادرت باريس إلى إجراء اتصال مبكر مع القيادة السورية الجديدة، كما أجرى الرئيس الفرنسي اتصالًا مباشرًا مع الرئيس الشرع. وفي 13 فبراير/شباط 2025، احتضنت العاصمة الفرنسية، باريس، مؤتمرًا دوليًّا لدعم المرحلة الانتقالية في سوريا، شارك فيه وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني. وفي السابع من مايو/أيار، استقبل الرئيس ماكرون الرئيس الشرع في أول زيارة رسمية له إلى العاصمة الفرنسية، أو لأي عاصمة غربية. ولأن فرنسا تحتفظ بوجود عسكري رمزي، إلى جانب القوات الأميركية، في شمال شرقي سوريا، وبعلاقات وثيقة مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، فقد عرضت باريس التوسط لحل المعضلة الكردية في سوريا.
وربما تعد زيارة أسعد الشيباني المفاجئة لموسكو، في السابع من يوليو/تموز، واجتماعه بنظيره الروسي، لافروف، ومن ثم استقباله من قبل الرئيس بوتين، أحد أبرز المؤشرات على تبلور تصور سوري إستراتيجي لعلاقات دمشق مع العالم. وكان لافتًا توكيد الشيباني في مؤتمره الصحافي المشترك مع لافروف على أن سوريا ترغب في علاقاتها بروسيا في التحرر من أسر ميراث الماضي والتطلع إلى مستقبل أفضل لعلاقات البلدين. فروسيا كانت حليفًا كبيرًا لنظام الأسد، وكما إيران، لعبت روسيا دورًا رئيسًا في دعم الأسد وفي حربه الوحشية ضد شعبه طوال سنوات الثورة. ولكن القيادة السورية الجديدة تجنبت اتخاذ أية خطوة استفزازية لروسيا ولقواتها المتواجدة في قاعدة حميميم السورية.
الواضح أنه، على الرغم من الانفتاح الغربي السريع على دمشق الجديدة، فقد سعى الشرع وزملاؤه إلى إقامة علاقات خارجية متعددة الأقطاب والخيارات حتى لا تقع سوريا أسيرة علاقات متفردة مع القوى الغربية. ولكن كان لابد أن يمر وقت قبل اتخاذ خطوة إيجابية باتجاه تطبيع العلاقات مع موسكو، سيما أن فئات واسعة من السوريين لا تزال تحمل مشاعر مفعمة بالعداء لروسيا. وليس ثمة شك في أن السرعة التي تحركت بها القيادة السورية لفتح قنوات الاتصال مع روسيا بوتين عبَّرت عن شجاعة ملموسة لديها، وربما أشَّرت أيضًا إلى بداية بروز شكوكٍ ما لدى دمشق في حقيقة الموقف الغربي والمدى الذي يمكن أن تذهب إليه القوى الغربية في تأييد ودعم سوريا الجديدة، سيما فيما يتعلق بالتدخلات الإسرائيلية في الجنوب السوري.
برفع العقوبات عن سوريا، وإن كان ذلك جزئيًّا، أصبح بإمكان حلفاء النظام السوري الجديد من العرب والمسلمين، كما بعض الدول الغربية، التقدم للمساعدة في النهوض الاقتصادي وترميم بنية البلاد التحتية. وقد قام الشرع بثلاث زيارات لتركيا، ناقش في الأخيرة منها مختلف جوانب التعاون بين البلدين. وسرعان ما تبعه عدة وزراء من حكومته، بمن في ذلك وزراء التعليم والطاقة والاتصالات والاقتصاد والداخلية والطوارئ، وعقدوا اتفاقيات مع نظرائهم الأتراك. وهناك تقارير تفيد بأن تركيا تقوم بتسليح عدة فرق سورية بالسيارات المدرعة، وأن ضباطًا أتراكًا سيمدون يد المساعدة في عملية إعادة بناء وتدريب الجيش السوري الشاقة.
من جهة أخرى، استقبلت سوريا مجموعة من المسؤولين ورجال الأعمال السعوديين والقطريين، الذين أعلنوا مباشرة عن عدد من مشاريع الاستثمار العملاقة في سوريا. كما استحوذت شركة كويتية على شركة اتصالات سورية. وتعهدت قطر بتمويل عقد لمدِّ سوريا بالغاز الأذربيجاني عبر تركيا، للمساعدة على النهوض بقطاع إمدادات الكهرباء السورية. وكانت شركة فرنسية قد وقَّعت مع الحكومة السورية، في أول مايو/أيار، اتفاقًا لتطوير وإدارة مرفأ اللاذقية الحيوي لثلاثين عامًا. ولوحظ أن وزير الدفاع ومدير الاستخبارات السورييْن قد رافقا الشيباني في زيارته لموسكو، وعقدا جلسة مباحثات مع نظيريهما الروسيين؛ ما يؤشر إلى رغبة في عودة العلاقات العسكرية والأمنية التقليدية بين سوريا وروسيا.
بيد أن اتفاقيات التعاون الاقتصادي وغير الاقتصادي، التي نجمت عن الإنجازات السورية الملموسة في حقل العلاقات الخارجية، لم تمتد بعد إلى الساحة السياسية-الأمنية الداخلية، وملفي إعادة توحيد البلاد والعدوان الإسرائيلي المستمر على سوريا. والمشكلة الرئيسة هنا تتعلق بطبيعة الموقف الأميركي الملتبس من سوريا الجديدة.
فالواضح أن ثمة انقسامًا في إدارة ترامب حول الموقف من سوريا، وأن الذين يقولون بالتريث في الانفتاح على سوريا الجديدة، لا يقلون نفوذًا عن الداعين لمساعدة السوريين على النهوض. ويبدو أن العلاقة الوثيقة مع إسرائيل هي ما يجمع دعاة التريث ومراقبة تصرفات الحكومة السورية، سيما في دوائر الخارجية الأميركية وفي مجلسي النواب والشيوخ. هذا الانقسام، على أية حال، هو ما أدى في النهاية إلى أن تتحقق وعود الرئيس ترامب برفع العقوبات بصورة جزئية فقط، وإلى التجديد لحزمة العقوبات المعروفة باسم قيصر، وربطها بمراقبة سلوك الحكومة السورية فيما يتعلق بما بات يُعرف بملف الأقليات، وبالشأنين الداخلي والخارجي.
ولأن المبعوث الأميركي الخاص لسوريا، توم باراك، يبدو وكأنه يمثل معسكرًا واحدًا فقط في الإدارة الأميركية، لم يستطع أن يوظف وزن ونفوذ الولايات المتحدة لحماية سوريا من التدخل الإسرائيلي في أزمة السويداء في يوليو/تموز، ولا في منع الإسرائيليين من قصف قوات الجيش السوري في جنوب البلاد، وقصف مقر هيئة أركان الجيش في قلب دمشق. ما استطاع باراك القيام به في النهاية هو ترتيب لقاء بين وزير الخارجية السورية ووزير الشؤون الإستراتيجية الإسرائيلي في باريس، لم ينجم عنه سوى توكيد الجانب الإسرائيلي على بسط مظلة حمايته على المنشقين الدروز في السويداء، وعلى شروط إخلاء محافظات الجنوب السوري الثلاث من قوات الجيش السوري. أما فيما يتعلق بمسألة قسد والإدارة الذاتية الكردية، فعلى الرغم من تصريحات باراك المتكررة المؤكدة على وحدة سوريا، فليس ثمة ما يشير إلى ضغوط كافية من واشنطن لدفع القادة الأكراد إلى التفاهم مع دمشق وإنهاء حالة الانشقاق غير الرسمي التي أسسوا لها في شمال شرقي البلاد.
الوضع السوري الداخلي: صراع المركزية واللامركزية
فقدت الدولة السورية خلال سنوات الثورة وحدتها وسيادتها على معظم أرضها؛ بعد أن عجز نظام الأسد عن هزيمة القوى المعارضة المسلحة في معظم شمال وشمال شرقي البلاد، وفي درعا والسويداء. كما فجرت سياسات النظام، من ناحية، وسنوات الصراع المحتدم بين النظام ومعارضيه من ناحية أخرى، البنية الوطنية للشعب السوري، وأطلقت العنان للعصبيات الإثنية والطائفية. ولذا، فإن سيطرة القوى التي تسلمت قيادة البلاد عقب سقوط النظام اقتصرت على الشمال المحرر، الذي كانت قوى الثورة تديره أصلًا، وعلى المنطقة من سوريا التي كانت تحت حكم نظام الأسد. ولم يكن صعبًا على القيادة السورية الجديدة تبين الارتباط الشرطي بين نجاحها في إعادة توحيد البلاد، وبين تأسيس شرعيتها وشرعية تحدثها باسم سوريا والشعب السوري.
خطت دمشق أولى خطوات الوحدة والسيادة في محافظة درعا والحدود السورية-الأردنية، مستخدمة أحيانًا وسائل التفاوض وأحيانا التهديد الصريح لقادة الميليشيات في درعا، الذين عُرفوا بعلاقاتهم الوثيقة مع إحدى دول الخليج العربية، ومع الأردن. ولكن الإنجاز السريع في درعا لم يكن ممكنًا دون دعم وتأييد أغلب قطاعات الشعب السوري في المحافظة، وحرص أهالي حاضنة الثورة السورية الأولى على الانضواء في إطار الدولة السورية الجديدة. أما في منطقة الساحل والجبال الغربية، حيث الأغلبية العلوية، فما أن أُخمد التمرد المسلح الذي قادته فلول النظام السابق، في مارس/آذار، لم تواجه الدولة السورية تحديًا ملموسًا لسيادتها، وإن ظلت المنطقة تشهد توترًا ملحوظًا في العلاقة بين عموم السكان العلويين والقوى الأمنية، ولم تزل جيوب صغيرة من الفلول تنشط في مناطقها النائية.
وفي 10 مارس/آذار، وقَّع الرئيس السوري، أحمد الشرع، وقائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، اتفاقًا، وضع إطارًا لعودة الدولة السورية إلى مناطق ما عُرف باسم الإدارة الذاتية في شمال شرق البلاد. ولكن الاتفاق، الذي دفعت إليه ضغوط أميركية محدودة وخجلة على قسد، كُتب بصيغة عامة وبلغة ملتبسة قابلة لعدة تفسيرات. ولأن التقدم في تطبيق الاتفاق تطلَّب مزيدًا من التفاوض حول التفاصيل والإجراءات، فسرعان ما تبين أن قسد لم تتخلَّ عن تصورها الخاص لمستقبل العلاقة مع دمشق.
بعد شهور من تعطيل تطبيق الاتفاق، طرح قادة أكراد، بمن في ذلك مظلوم عبدي، مطالبهم من الدولة السورية الجديدة. تمثلت تلك المطالب في: (1) التخلي عن “العربية” في اسم الجمهورية العربية السورية. (2) إعادة صياغة الدستور المؤقت. (3) إعادة النظر في قانون إجراء الانتخابات لمجلس الشعب المؤقت. (4) الموافقة على اللامركزية كأساس للدولة السورية الجديدة. ولم يخف القادة الأكراد رفضهم تخلي قوات قسد عن سلاحها، مشترطين الحفاظ على وحدات قسد العسكرية في تشكيلها القائم في حال جرى التحاقها بوزارة الدفاع السورية.
أما في السويداء، محافظة الأغلبية الدرزية، فقد واجهت الدولة الجديدة وضعًا أكثر تعقيدًا. وكان الشيخ حكمت الهجري، أحد شيوخ العقل الثلاثة الكبار للدروز السوريين، خلال السنوات القليلة الماضية، قد فرض نفسه باعتباره القيادي الديني المتفرد للدروز. ونظرًا لأن النظام السابق مارس قمعًا منهجيًّا للحراك السياسي المدني في عموم سوريا، لم تعد هناك قيادات سياسة مدنية ذات تأثير ملموس في السويداء. ومنذ سقوط النظام، بدا واضحًا أن مشيخة الهجري والمجموعات المسلحة الموالية له في المحافظة، تعمل معًا على إقامة ما يشبه الإدارة الذاتية، وعدم السماح لأجهزة الدولة لبسط سيادتها على المحافظة.
وفي يناير/كانون الأول، مُنعت قوة من الأمن العام من دخول السويداء. ولم تحرز محاولة الدولة السورية تشكيل قوة أمنية من أبناء السويداء تقدمًا يُذكر في الشهور التالية. وفي 11 يوليو/تموز، بعد اشتباك عرضي بين سائق سيارة نقل درزي ومسلحين من عشائر السويداء العرب السنَّة، اندلعت اشتباكات في أنحاء المحافظة بين مسلحين من أتباع الهجري ومسلحين عشائريين. وعندما حاولت قوى الأمن والجيش السوري الانتشار في أنحاء المحافظة لاستعادة الأمن، تدخل سلاح الجو الإسرائيلي، بدعوة من الهجري وحلفائه من الدروز الإسرائيليين، وأجبر قوات الأمن والجيش السوري على مغادرة السويداء. وكما في العلاقة مع قسد، لم تنجح اتفاقات التهدئة بين الهجري ودمشق في تطبيع الأوضاع، أو في عودة أجهزة الدولة وقواها الأمنية إلى العمل في المحافظة. فلماذا تتعثر خطوات دمشق نحو إعادة توحيد البلاد وبسط سيادة الدولة على شعبها وأرضها؟
في الثامن من أغسطس/آب، عُقد في مدينة الحسكة، الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، مؤتمر لم يُعقد مثله منذ ولادة سوريا الحديثة. عُقد المؤتمر، الذي نظمته الإدارة الذاتية لشمال شرقي سوريا، التي تمثِّل الوجه المدني لقسد، وترأَّسه كل من حسين عثمان، الرئيس المشارك للمجلس التنفيذي في الإدارة الذاتية، وإلهام أحمد، مسؤولة العلاقات الخارجية في المجلس، تحت عنوان “وحدة الموقف لمكونات شمال شرقي سوريا”. وقد عمل المنظمون على أن يضم المؤتمر ممثلين عن كافة المكونات الإثنية والدينية التي تقطن في شمال شرقي البلاد: الأكراد والعرب، والمسلمين والمسيحيين من مختلف الكنائس. ولكن الهدف الأبعد للمؤتمر كان حشد القوى الطائفية والإثنية المعارضة لحكم دمشق، والتي تلتقي مع قسد في تصورها لسوريا الجديدة.
حرص منظمو المؤتمر على أن يتحدث إلى المؤتمر الشيخ حكمت الهجري، شيخ عقل الدروز الذي يقود الحراك في السويداء ضد دمشق، والشيخ غزال غزال، رئيس ما يسمى بالمجلس الديني في المجلس الإسلامي العلوي، الصوت العلوي الأبرز في المعارضة العلوية لدمشق، والمتهم بالتعاون مع قادة الفصائل العلوية المسلحة، التي شاركت في قمع أغلبية الشعب السوري خلال سنوات الثورة. تحدث إلى المؤتمر أيضًا الشيخ مرشد معشوق الخزنوي، أحد أعلى العلماء الأكراد السوريين صوتًا في التعبير عن القومية الكردية ومعاداة العرب، باعتباره ممثلًا للكرد السوريين. عمومًا، كان معظم المشاركين في المؤتمر، الذين قُدِّر عددهم بنحو أربعمئة شخص، من منتسبي الإدارة الذاتية أو كوادرها.
وعلى الرغم من أن عنوان مؤتمر الحسكة تعلق بموقف مكونات شمال شرقي سوريا، فقد تحول في النهاية إلى ملتقى لما بات يُعرف بالأقليات السورية. وقد طالب رجال الدين الثلاثة، الدرزي والعلوي والكردي، بدولة علمانية ديمقراطية، واتهموا النظام السوري الجديد بارتكاب تجاوزات ومجاز في الساحل والسويداء، ودعوا إلى إعادة بناء نظام الحكم. وفي لغة مشابهة، بدا بيان المؤتمر وكأنه يقدم تشخيصًا خاصًّا بالأسباب التي تقف خلف أزمة وحدة سوريا المتفاقمة. فطالب البيان بدستور سوري جديد “دستور ديمقراطي يكرس ويعزز التنوع القومي والثقافي والديني، ويؤسس لدولة لا مركزية تضمن المشاركة الحقيقية لكافة المكونات في العملية السياسية والإدارية، بما ينسجم مع حرية المعتقد والعدالة الاجتماعية والحوكمة الرشيدة”.
كان الهدف من مؤتمر الحسكة، وبغضِّ النظر عن توقعات التحالف بين قيادات الأقليات الذين شاركوا في أعماله، أن يطرح تصورًا خاصًّا لمستقبل سوريا، يضع نهاية لنظام الحكم المركزي. ويقيم، بدلًا من ذلك، دولة تتوزع فيها سلطة الدولة على أقاليم تُرسم حدودها على أساس إثني، في الحالة الكردية، وعلى أساس طائفي في الحالتين العلوية والدرزية، بغضِّ النظر عن حقائق التداخل الديمغرافي السوري وميراث ما يزيد عن مئة عام من الجمهورية السورية. والمهم، أن هذا التصور للدولة السورية يتناقض مع التصور الذي طرحه الدستور الانتقالي للدولة الجديدة، الذي صيغ بلغة المواطنة ومساواة السوريين جميعًا أمام القانون، ونص على وجود جيش وطني واحد، ومؤسسات حكم ودولة واحدة في البلاد.
ليس من الواضح مدى مصداقية تمثيل المجتمعين في ملتقى الحسكة للمكونات السورية التي تحدثوا باسمها. ولكن الإدارة الذاتية لشمال البلاد الشرقي تستند إلى قوة السلاح الذي تحمله قوات سوريا الديمقراطية، وإلى الدعم الغربي، والأميركي على وجه الخصوص. في السويداء، خرج شيوخ العقل الدروز الثلاثة الكبار في اليوم التالي لمؤتمر الحسكة بكلمات متتالية، منسقة على الأرجح، حملت هجومًا صريحًا على حكومة دمشق، وإشادة بالدعم الإسرائيلي، ومطالبة بالحماية الدولية للسويداء من تدخلات النظام السوري الجديد. أما في الساحل السوري، حيث يقطن أغلب العلويين، فلم يجد خطاب الشيخ غزال غزال صدى يُذكر، لا بين الشيوخ العلويين الآخرين ولا بين الشخصيات العلوية العامة الأخرى.
ومهما كان الأمر، فقد كشف مؤتمر الحسكة عن وجود تصورين مختلفين لمستقبل سوريا وللدولة السورية الجديدة. تصور تطرحه قيادات طائفية ذات نزعة انفصالية تدفع نحو حكم لا مركزي، وآخر تحمله قيادات سوريا الجديدة، بما تمثله من أغلبية المجتمع السوري ومن يصطف إلى جانبها من أبناء الأقليات الإثنية والطائفية، كردًا ودروزًا ومسيحيين. هذا الخلاف التصوري يمثل جذر الأزمة السورية الداخلية في حقبة ما بعد نظام الأسد. وكافة الإشكالات الأخرى محل الجدل السياسي في سوريا الجديدة هي في الحقيقة أعراض جانبية.
طريق محفوف بالمخاطر
أولت القيادة السورية منذ تسلمها مقاليد الحكم في دمشق اهتمامًا بالعلاقات الخارجية، سواء على المستويين العربي والإقليمي أو على المستوى الدولي، أكبر بكثير من الاهتمام بالوضع السوري الداخلي، سيما ما يتعلق بتحديات إعادة توحيد البلاد والتعامل مع القوى الانفصالية. ويمكن تفسير هذا التباين في الاهتمام بانفتاح الخارج الإيجابي على سوريا، الذي فوجئ به القادة السوريون. وربما لأن دمشق سرعان ما اكتشفت أن إخراج سوريا من وطأة الاختناق الاقتصادي والسياسي مشروط بانفتاح سريع على الخارج الإقليمي والدولي. أما السبب الثالث فقد يكون تبلور تقدير لدى القيادة الجديدة بأن معظم قضايا توحيد البلاد وثيقة الصلة بالقوى الخارجية.
والواضح، بعد مرور ثمانية شهور على التغيير السوري الكبير، أن حصاد الجهود السياسية على الصعيد الخارجي لم يكن تمامًا بحجم الآمال التي عُلِّقت عليها. فقد نجحت سوريا في رفع بعض من العقوبات، وليس كلها. كما أن المردود الاقتصادي من المساعدات والاستثمارات العربية، وإن بدا مبشرًا، فليس ثمة ما يؤكد أن دعمًا عربيًّا أو دوليًّا مباشرًا قد قُدِّم للدولة السورية ذاتها. أما بخصوص إعادة توحيد البلاد وتعزيز سيادة الدولة؛ الأمر الذي كان من المنتظر أن تقوم فيه الولايات المتحدة والقوى الأوروبية بالدور الأكبر، فلم تزل دمشق تنتظر المساعدة الضرورية. ولم ترفع الولايات المتحدة، ولا فرنسا، مظلة الحماية عن قسد، ولا استطاعت القوى الغربية إيقاف إسرائيل عن التدخل في الشأن السوري الداخلي، أو الانسحاب من المناطق التي توغلت فيها منذ ديسمبر/كانون الأول 2024.
ويبدو أن القيادة السورية الجديدة، هي الأخرى لم تساعد نفسها كما يجب، ولا بذلت ما يكفي من الجهد لحشد مختلف تيارات الشعب السوري خلفها، سيما في الشهور الأولى التالية على انتصار الثورة وإطاحة النظام السابق. فقد سارعت القيادة إلى تطهير مؤسسات الدولة السابقة وبناء أجهزة دولة وقوات مسلحة جديدة، ولكنها لم تعمل على توسيع قاعدة الحكم لتشمل القطاع الأوسع من قوى الثورة وتياراتها بما في ذلك مكونات المعارضة السابقة، لا على مستوى مسؤولي الدولة الجديدة، ولا عبر مؤتمر الحوار الوطني، الذي لم يستمر سوى ليوم واحد، ولا من خلال تشكيل الحكومة الانتقالية.
ما يبدو واضحًا، في النهاية، أن سوريا باتت تقف أمام مفترق طريقين، تحف المخاطر بكل منهما: الأول: هو المضي نحو استخدام القوة، قوة الدولة الجديدة، والقطاعات الشعبية المؤيدة لها، وعدد من الحلفاء الأوثق، لحسم الموقف في شمال شرقي البلاد، وفي السويداء، والتعامل مع ما تبقى من جيوب التمرد في الساحل. وهذا بالتأكيد هو طريق اندلاع العنف الأهلي، الذي تصعب قراءة عواقبه على مستوى التماسك الوطني، أو على مستوى مواقف القوى الغربية. والثاني: هو التمسك بنهج الحوار المستمر مع القوى الانفصالية، الذي لا يعرف أحد كيف ومتى يمكن أن يحقق التوافق، ولا ما إذا كانت القوى الانفصالية ستعمل خلاله على تثبيت مزيد من الوقائع على الأرض.
مركز الجزيرة للدراسات
———————————-
هدنة هشة: وقف إطلاق النار في السويداء ليس حلاً/ حايد حايد
كان يُعتقد أن وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بوساطة الولايات المتحدة الأمريكية في 17 تموز/يوليو، قد وضع حداً لأشد أعمال العنف التي شهدتها محافظة السويداء جنوب سوريا منذ عقود.
فما بدأ في 13 تموز/يوليو كنزاع محلي بين الجماعات الدرزية والبدوية، سرعان ما تطور إلى مواجهة عسكرية واسعة النطاق بين المقاتلين الدروز وقوات الحكومة الانتقالية. واتخذ القتال منحىً إقليمياً عندما انضمت إسرائيل إلى هذا القتال بقصف القوات الحكومية في السويداء ووزارة الدفاع في دمشق. وفي غضون أربعة أيام فقط، أودت الاشتباكات بحياة ما لا يقل عن 516 شخصاً وشرّدت الكثيرين، ما أدى إلى زعزعة أسس العملية الانتقالية الهشة أصلاً في سوريا.
ومع وقف إطلاق النار، هدأ القتال لفترة وجيزة، ليُستأنف خلال عطلة نهاية الأسبوع – وهذه المرة بين مقاتلي العشائر البدوية والجماعات الدرزية – قبل أن ينتهي يوم الأحد. إن وقف الأعمال العدائية، في أفضل الأحوال، هو هشّ. ولا ينبغي الخلط بينه وبين العودة إلى الحياة الطبيعية.
فما كان يومًا ما احتقاناً طائفيًا خفيًا يغلي على نار هادئة، تحول الآن إلى عداء علني. وخطاب الكراهية، الذي كان مقتصراً في السابق على وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح سائداً وفي تزايد، إلى أن طال المسؤولين السوريين. وهذا ما يجعل وقف إطلاق النار الحالي هشًّا للغاية: فهو لا يأخذ في الحسبان مدى التغير العميق الذي طرأ على المشهد السياسي والاجتماعي نتيجة القتال.
إن وقف العنف خطوة مرحب بها، ولكنها لا ترقى إلى مستوى الحل. وما لم تتم معالجة أسباب الصراع العميقة بشكل مجدٍ – بما في ذلك التهميش السياسي والتنازع على السلطة – فإن توقف القتال الموقت قد لا يكون أكثر من مجرد هدنة قصيرة قبل عودة الانفجار مجدداً.
نقطة البداية
بدأت أعمال العنف في السويداء باختطاف تاجر درزي من قبل أفراد يقال إنهم مرتبطون بعشائر بدوية في المنطقة. ورداً على ذلك، اندلعت موجة من عمليات الخطف المتبادل، لتتحول في نهاية المطاف إلى عنف طائفي أوسع نطاقاً. لم يسبق مثيل لهذه الحوادث في جنوب سوريا، نتيجة انعدام الثقة والصراعات العميقة القائمة بين الدروز والعشائر البدوية. وما ميّز الأحداث الأخيرة هو قرار السلطات الانتقالية في دمشق بالتدخل العسكري.
نشرت دمشق قوات الأمن لاستعادة النظام بالتنسيق مع بعض الفاعليات الدرزية. إلا أن الدروز الذين عارضوا بقوة نشر القوات الحكومية، اعتبروا ذلك استيلاءً على السلطة. وينبع رد الفعل هذا من خلافات طويلة الأمد بين الزعماء الدروز المحليين والحكومة الانتقالية – لا سيما حول الحكم والترتيبات الأمنية وهوية الدولة السورية المستقبلية.
فمنذ سقوط النظام، دعا أعيان السويداء باستمرار إلى حكم لامركزي وإدارة المؤسسات الأمنية محلياً لتلبية احتياجات المجتمع. في المقابل، لا تزال دمشق ملتزمة بنموذج حكم هرمي مركزي جامد، كما تجاهلت إلى حد كبير القضايا الأوسع المتعلقة بالهوية والاندماج السياسي، ودعوات السويداء إلى نظام علماني وتعددي.
وساعدت الاختلافات في وجهات النظر التي لم تتم معالجتها، في تفاقم هذه الاختلافات بسبب الفشل المتكرر في المفاوضات، ما أدى إلى تفسير الجماعات والزعماء الدروز البارزين لتدخل دمشق ليس كإجراء لتحقيق الاستقرار، بل كمحاولة لإعادة سيطرة السلطة المركزية بالقوة. وأدت أحداث العنف الطائفي التي استهدف الأقليات سابقاً، بما في ذلك الهجمات ضد العلويين في آذار/مارس والدروز في ريف دمشق في أواخر نيسان/أبريل وفشل السلطات في وقف هذه الهجمات أو محاسبة مرتكبيها، إلى زيادة المخاوف في السويداء من مواجهة فظائع مماثلة.
تأجج الصراع
على خلفية الخوف وعدم اليقين العام، أدى تدخل الحكومة الانتقالية في السويداء إلى رد مسلح من قبل الجماعات الدرزية المسلحة. واندلعت الاشتباكات بين القوات الحكومية والمقاتلين الموالين للشيخ حكمت الهجري، أبرز مرجع ديني درزي، في 14 تموز/يوليو. وتبادل الطرفان الاتهامات: فقد اتهمت دمشق رجال الشيخ الهجري بمهاجمة عناصرها، بينما اتهم الهجري الدولة بخرق الالتزامات السابقة وارتكاب انتهاكات خطيرة.
وبفضل التفوق الكبير في القوة النارية، بما في ذلك الأسلحة الثقيلة، تمكنت القوات الحكومية من فرض سيطرة شبه كاملة على مدينة السويداء بحلول 15 تموز/يوليو. في الوقت نفسه، بدأت التقارير ومقاطع الفيديو تُظهر انتهاكات واسعة النطاق ارتكبتها القوات الحكومية، بما في ذلك عمليات الإعدام الميداني، والمعاملة المهينة للمحتجزين، والخطف والنهب. أثارت هذه الانتهاكات غضباً شعبياً واسع النطاق وحفزت المقاومة المحلية المسلحة.
وما بدأ “كعملية أمنية” سرعان ما تحول إلى معارك شوارع عنيفة، أدت إلى سقوط ضحايا من العسكريين والمدنيين على حد سواء. ووفقًا للشبكة السورية لحقوق الإنسان، فقد قُتل ما لا يقل عن 558 شخصًا وأصيب أكثر من 783 آخرين في محافظة السويداء بين 13 و21 تموز/يوليو. وتفيد التقارير أن من بين المنتهكين مقاتلون تابعون للحكومة الانتقالية، بالإضافة إلى عناصر مسلحة من المنطقة – بما في ذلك مقاتلون من الدروز والبدو.
وانهارت جهود الوساطة لإنهاء الأزمة عدة مرات، ويعود السبب بشكل كبير إلى رفض الهجري للاستسلام أو تقديم تنازلات، مدفوعًا بمخاوف من انتهاكات واسعة النطاق، وقلق من أن تفرض دمشق رؤيتها السياسية على السويداء بالقوة. واتخذ الوضع منعطفًا خطيراً عندما شنت إسرائيل غارات جوية على القوات الحكومية في السويداء والمنشآت الحكومية في دمشق، بما في ذلك وزارة الدفاع، ردًا على الاشتباكات في السويداء. وأعلنت إسرائيل أنها لن تسمح للجيش السوري بالتواجد في الجنوب، وأكدت عزمها على الدفاع عن الطائفة الدرزية ضد أي عدوان محتمل من دمشق.
وقف إطلاق النار وليس سلام
خوفاً من حدوث تصعيد إقليمي أوسع نطاقاً، تدخلت الولايات المتحدة لاحتواء الأزمة، بدعم من الجهات الإقليمية الفاعلة بما في ذلك تركيا والأردن. وأعلن عن وقف إطلاق النار في نهاية المطاف من قبل الرئيس الموقت أحمد الشرع صباح يوم 17 تموز/يوليو، فأعلن أن القوات الحكومية ستنسحب من المحافظة وتسلم مسؤولية الحفاظ على الأمن إلى الفصائل المحلية والزعماء المحليين والروحيين للدروز. ووصف الشرع هذا الإجراء بأنه ضروري لمنع وقوع كارثة أكبر ومواجهة أوسع مع إسرائيل. وفي حين أن تفاصيل الاتفاق لا تزال غامضة، إلا أن البيانات مفتوحة المصدر تشير إلى أن الاتفاق يعيد إلى حد كبير ترتيبات ما قبل النزاع القاضي بأن تسحب دمشق وحداتها العسكرية من المدينة وتحتفظ القوات المحلية بالسيطرة الفعلية على المناطق الرئيسية في السويداء.
وفي حين أن وقف إطلاق النار أوقف القتال بين القوات الحكومية والفصائل الدرزية، إلا أنه فشل في وقف العنف في المحافظة. وظهرت تقارير في 17 تموز/يوليو عن هجمات انتقامية من قبل الفصائل الدرزية استهدفت السكان البدو في السويداء، ما أثار غضباً شعبياً عارماً في أوساط المجتمعات القبلية. ورداً على ذلك، تم إرسال مقاتلين من مختلف المناطق في سوريا إلى السويداء، ما حوّل الصراع إلى مواجهة طائفية أوسع نطاقاً بدافع الانتقام. استمر القتال حتى 21 تموز/يوليو ولم يهدأ إلا بعد أن وافقت دمشق على نشر قوات الأمن في ضواحي السويداء لصد الهجمات من خارجها.
وعلى الرغم من توقف القتال في السويداء موقتًا، إلا أن تداعياته لا تزال تؤجج التوترات في جميع أنحاء البلاد. وقد استغل الخطاب التحريضي المعادي للدروز الضربات الإسرائيلية لتصوير الدروز على أنهم متعاونون مع إسرائيل أو انفصاليون، ما عزز الروايات الطائفية وأجج الدعوات إلى العقاب الجماعي. وكانت النتيجة زيادة مقلقة في التحريض ضد الأقلية الدرزية، بما في ذلك الدعوات لمقاطعة الشركات المملوكة للدروز وطرد الطلاب الدروز من الجامعات. وفي الوقت نفسه، أصبح العديد من الدروز – لا سيما أولئك المنحازين لحمكت الهجري – لا يثقون بالدولة ومؤسساتها بشكل متزايد، ما أدى إلى تآكل شرعية الحكومة الانتقالية.
وما كان في السابق توترًا طائفيًا كامنًا أصبح الآن علنيًا ومتفجرًا، يغذيه تصاعد خطاب الكراهية. وقد كشف القتال عن الصدع العميق حول الرؤى المتنافسة لسوريا والروايات والتصورات المختلفة ليس فقط بين الحكومة والقوى السياسية الأخرى، بل أيضاً بين قطاعات واسعة من السكان. وفي حين أن مثل هذه الاختلافات أمر متوقع، إلا أن غياب الآليات الكفيلة بالحديث عنها ومعالجتها – مع التعقيدات الإضافية للتدخلات الإقليمية – يجعل الوضع قابلاً للانفجار.
إن مجرد العودة إلى الوضع السابق ليس فقط غير كافٍ – بل هو أمر خطير. لقد غيّرت أحداث الأسبوع الماضي المشهد السياسي والاجتماعي في سوريا بشكل عميق، مخلّفةً جروحًا عميقة وبيئة سامة. وفي هذا السياق، فإن العودة إلى الترتيبات السابقة ليست عودة إلى الهدوء، بل هي عودة إلى أزمة مستفحلة يمكن أن تنفجر في أي لحظة. ولا يمكن معالجة المظالم الكامنة ووقف العنف ووضع سوريا على طريق التعافي الوطني إلا من خلال عملية انتقال سياسي تعددية وشاملة حقًا.
خارطة الطريق إلى السلام
النزاع في السويداء ليس مجرد مسألة أمنية أو نزاع محلي. إنه انعكاس للتصدعات الأعمق التي تعاني منها سوريا منذ فترة طويلة: بما فيها التنازع على السلطة، والإقصاء السياسي، والتوترات التاريخية بين الطوائف، وتراجع الثقة في مؤسسات الدولة، والاستقطاب الطائفي المتزايد.
ربما يكون وقف إطلاق النار قد أوقف المعارك – في الوقت الراهن – لكنه لم يحلّ الصراع المعقد متعدد الطبقات. وبدون اتخاذ تدابير ملموسة لمعالجة أسبابه الجذرية، من المرجح أن ينهار هذا الهدوء الهش ويتحول إلى عنف متجدد.
ولكسر هذه الدائرة، يجب على الحكومة الانتقالية أن تتبنى خطة عمل شاملة قائمة على الحقوق لمعالجة المشكلات العاجلة وإرساء الأساس للمصالحة الوطنية والاستقرار الدائم. وتحدد التوصيات التالية الخطوات الرئيسية على المديين القصير والمتوسط للتحرك في هذا الاتجاه:
إنفاذ وقف إطلاق النار وحماية المدنيين
إنشاء لجنة ذات مصداقية تضم ممثلين عن جميع الأطراف لمراقبة وقف إطلاق النار، بمشاركة جهات خارجية مقبولة من الجميع. وينبغي أن تشرف هذه اللجنة على تنفيذ وقف إطلاق النار، والتحقيق في الانتهاكات، وضمان الاستجابة السريعة لحماية المدنيين. وبالتزامن مع ذلك، ينبغي اعتماد بروتوكولات واضحة لمنع الأعمال الانتقامية وضمان المساءلة عن أي تجدد للعنف.
التحقيق في الانتهاكات وضمان المساءلة
إطلاق تحقيق مستقل ومحايد في جميع الانتهاكات التي ارتكبت خلال الاشتباكات الأخيرة، بغض النظر عن مرتكبيها. ينبغي دعوة منظمات حقوق الإنسان الدولية والوطنية لمراقبة ودعم هذه الجهود. وضع حد للإفلات من العقاب من خلال محاكمات علنية وعادلة وإجراءات قضائية شفافة تظهر ابتعاداً ملموساً عن الأنماط السابقة من الخروج على القانون والإفلات من العقاب.
التصدي لخطاب الكراهية والتحريض الطائفي
التصدي بسرعة لتصاعد الخطاب الطائفي والتحريض الطائفي الذي رافق الاقتتال. يجب على المسؤولين الحكوميين وقادة المجتمع المدني إدانة خطاب الكراهية والدعوات إلى الانتقام. كما يجب أن يخضع الأفراد الذين ينشرون التحريض للمساءلة القانونية، ويجب توفير حماية المجتمعات المستهدفة المعرضة للخطر. يجب أن تعزز التوجيهات العامة أن العنف الطائفي لا مكان له في سوريا الجديدة.
تيسير وصول المساعدات الإنسانية واستعادة الخدمات الأساسية
ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون قيود إلى جميع المناطق المتضررة. التعاون مع وكالات الأمم المتحدة والجهات الفاعلة في المجال الإنساني لإيصال الإمدادات الحيوية، بما في ذلك الغذاء والمساعدات الطبية والوقود والمياه. استعادة الخدمات العامة الأساسية وإطلاق برامج الإغاثة الطارئة لتسهيل العودة الآمنة للنازحين.
إصلاح قطاع الأمن
إعادة هيكلة البنية الأمنية في سوريا لإعادة بناء الثقة بين جميع المجتمعات المحلية. إعادة تدريب قوات الأمن لدعم حقوق الإنسان ومنع الممارسات التمييزية أو التعسفية. نشر وحدات منضبطة جيداً في المناطق الحساسة، وإنشاء آليات واضحة تتيح تتبع الأفراد أو الوحدات التي قد تتورط في سوء السلوك والتحقيق معهم ومحاسبتهم.
النهوض بالمصالحة وتعزيز التماسك الاجتماعي
إنشاء لجنة مصالحة وطنية مستقلة وذات ثقل لتحل محل اللجنة غير الفعالة المكونة من ثلاثة أعضاء والتي شكلت في آذار/مارس للحفاظ على السلم الأهلي. وتفتقر الهيئة الحالية إلى الموارد والسلطة والخبرة اللازمة للاضطلاع بمثل هذه المهمة الضخمة. ويجب أن تكون أي لجنة جديدة أكثر من مجرد لجنة رمزية؛ بل يجب أن تكون مشكّلة لإحداث تأثير، مع تفويض واضح وأدوات كافية وشرعية واسعة لتنفيذ مهمتها بفعالية. وينبغي أن تتعاون مع قادة المجتمع المحلي المشهود لهم والشخصيات الدينية ومنظمات المجتمع المدني لرأب الصدع في الروابط الاجتماعية ومعالجة المظالم المحلية وتعزيز التفاهم المتبادل. كما ينبغي أن تدعم اللجنة المبادرات الشعبية التي تساعد المجتمعات المحلية على حل النزاعات بسرعة وبشكل سلمي.
إطلاق حوار وطني للنهوض بالمرحلة الانتقالية
إطلاق حوار وطني شامل وشفاف يعكس بشكل فعلي التنوع الكامل لسوريا: العرقي والديني والجغرافي والسياسي. يجب أن توفر هذه العملية التي يقودها السوريون مساحة لمناقشة القضايا الوطنية الأساسية مثل اللامركزية والتمثيل السياسي والعدالة الانتقالية ودور مؤسسات الدولة وقوات الأمن. ويجب أن يتمخض الحوار عن نتائج ملموسة، بما في ذلك الإصلاحات الدستورية والمؤسسية، والمساواة في الحقوق لجميع المواطنين، وضمانات عدم التمييز. ومن خلال هذه العملية الشاملة فقط يمكن لسوريا صياغة تسوية سياسية دائمة وشاملة وتجنب المزيد من التشرذم.
الدكتور حايد حايد
زميل رئيسي غير مقيم في مبادرة الإصلاح العربي – سوريا
الدكتور حيد حيد هو كاتب سوري وزميل أول غير مقيم في مبادرة الإصلاح العربي. كما يعمل كباحث استشاري في برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في “تشاتام هاوس”.
في السابق، شغل الدكتور حيد منصب مدير برنامج يركز على سوريا والعراق في مكتب مؤسسة “هاينريش بول” في الشرق الأوسط في بيروت. كما عمل كمساعد أول في قسم الحماية في مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في دمشق.
يحمل الدكتور حيد شهادة البكالوريوس في علم الاجتماع، ودبلوماً دراسياً في الإرشاد، إلى جانب درجتي ماجستير: الأولى في التنمية الاجتماعية والثانية في حل النزاعات. كما أنه حاصل على درجة الدكتوراه في دراسات الحرب. تشمل اهتماماته البحثية متعددة التخصصات مجالات الحوكمة، وبناء السلام، والاقتصاد السياسي، والانتقال السياسي، والمساءلة.
مبادرة الإصلاح العربي (ARI)
—————————-
السويداء: انفصال ناجز واستقلال ممتنع/ عمر قدور
الثلاثاء 2025/08/19
لا يُعرَف مَن هو صاحب شعار “حق تقرير المصير”، إلا أن رفعه لم يقتصر يوم السبت الفائت على تظاهرة ساحة الكرامة في مدينة السويداء. هناك نسبة، هي الأعلى صوتاً، راحت تروّج لاستقلال السويداء على السوشيال ميديا. بل راح البعض يبرهن على إمكانية إنجاز الاستقلال، بما فيه الاستقلال الاقتصادي باستخدام أرقام عن الناتج المحلي للمحافظة لا يُعرف مصدرها، وقد لاقت الأرقام بدورها رواجاً يستبعد الأسئلة عن واقعية فرضية الاستقلال.
إلى ما قبل أسابيع كان يمكن النظر إلى فكرة الاستقلال على أنها نوع من الشطط الذهني ليس إلا، والأفكار التي كانت متداولة لا تتجاوز الإدارة الذاتية المدنية، والأمن المحلي الذاتي، ضمن سوريا الواحدة. أفكار الإدارة الذاتية أيضاً لم تكن لها شعبية واسعة من قبل، فعندما اندلعت انتفاضة السويداء في شهر آب 2023 كان المطلب والهاجس الأكبر هو إسقاط حكم الأسد، والمرتجى والمتوقَّع أن يكون البديل ديموقراطياً، أو واعداً ومتوجِّهاً إلى هذا الخيار.
لم يأتِ البديل المتوقَّع، وحتى أنصار السلطة الحالية هم بمعظمهم مستجدون، وقسم كبير منهم كان يعادي هيئة تحرير الشام، أو ليس من أنصارها. الأداء الذي قدّمته السلطة بعد إسقاط الأسد كان واعداً بأفضل مما هو منتَظر منها، ما رفع سقف التوقعات. نشير على نحو خاص إلى التعامل الإيجابي مع مناطق الساحل السوري، حيث كان هناك الكثير من المخاوف من عمليات عنف واسعة النطاق تحت عنوان الثأر من العهد البائد.
وإذا كانت البشرى المؤقتة قد أتت من الساحل، فالنذير أتى من هناك أيضاً عندما ارتكبت قوات حكومية مجازر لم تُخفِ التسجيلات التي نشرها القتلة وقوعَها على أساس طائفي، من خلال سؤال الضحايا عن طائفتهم قبل قتلهم. كذلك كان أمر الإهانة على أساس طائفي، فانتشرت التسجيلات التي يُجبَر فيها معتقلون على العواء بسبب انتمائهم إلى المذهب العلَوي.
على الصعيد العام، ابتذلت السلطة مفهوم المؤتمر الوطني المأمول بمؤتمر حوار شكلي، وتُوِّج ذلك كله بإعلان دستوري يمنح الرئيس الانتقالي صلاحيات مطلقة. الحدث الذي سُلِّطت عليه الأضواء، عقب المجازر مباشرة، هو توقيع مذكرة تفاهم بين الشرع ومظلوم عبدي. المذكرة أتت بخلاف الأجواء المشحونة تجاه قسد أيضاً، وفُهِم أنها بدفع مما حدث في الساحل؛ على قاعدة استرضاء فئة من السوريين بسبب تردّي العلاقة مع فئة ثانية منهم. ذلك سيتكرر لاحقاً مع استقبال البطريرك يوحنا العاشر يازجي، بينما السويداء تتظاهر تحت يافطة “حق تقرير المصير”. جدير بالذكر أن البطريرك كان قد حمَّل السلطة مسؤوليةً عن تفجير كنيسة مار إلياس قبل قرابة شهرين، وكانت مبادرة السلطة تجاهه منطقية أكثر في ذلك التوقيت، ولو على سبيل التعزية.
من المؤسف الاضطرار إلى التذكير بأحداث قريبة، إلا أن تتابع الأحداث وقصَر الذاكرة لدى كثير من السوريين يجعله ضرورياً. وفي الواقع لا يمكن فَهْم الوضع في السويداء اليوم من دون استرجاع المقدِّمات التي أوصلت إليه، والتي سبقت الاحتكاكات المباشرة وغير المباشرة بين دمشق والسويداء. فعوامل الانفصال بدأت تنشط منذ مجازر الساحل، مروراً بمؤتمر الحوار والإعلان الدستوري اللذين لم يكشفا عن توجّه وطني جامع وتشاركي.
منذ السادس من آذار، على نحو خاص، كان انفصال السويداء عن دمشق يحدث، ثم يتعزز. الانفصال أمر واقعي، حتى إذا أذنت ظروف خارجية مستجدة للسلطة باقتحام السويداء، وبإخضاع أهلها قسراً، وبالعثور فيها على مَن يوقّع صكّ إذعان لحماية الدروز من الإبادة. لقد حدث الانفصال لحظة بدأ أنصار السلطة التجييش ضد الدروز، على خلفية تسجيل مفبرك ومزيّف يسيء للنبي محمد، حين أدى التحريض إلى ما حدث في جرمانا وأشرفية صحنايا، وتحديداً، عند قيام عناصر عسكرية تابعة للسلطة بقصّ شوارب الرجال الدروز، وإجبار البعض منهم على العواء على الأساس الطائفي ذاته الذي يُظهر الاحتقار بهذه الطريقة لعقائد غير سنّية.
استهداف أية مجموعة مذهبية أو إثنية على هذا النحو، لا يمكن إلا أن يؤدي إلى انفصالها عن الفضاء الوطني إذا وُجِد، وهو غير موجود في سوريا، فالفضاء السوري العام تحتكره السلطة الجديدة مع أنصارها ضمن إطار يستحيل تأويله وطنياً، طالما أنه غير جامع وغير شامل. إذا كان جذر الخلاف مرتبطاً بالشيخ الهجَري، كما يروِّج أنصار السلطة، فمن المؤكد أن نهج الأخيرة قد أدّى إلى انفصال الغالبية الساحقة من الدروز عنها. إذ لا يمكن استهداف جماعةٍ ما، بوصفها جماعة، ثم مطالبتها بالتصرف بخلاف ذلك.
جدير بالذكر أن السلطة لم تتمكن من استقطاب شخصية درزية ذات وزن مرموق، وليكن مثلاً أحد مشايخ العقل. فداحة الفشل هنا مركَّبة، فهي تشير إلى المدى الاضطراري الذي ذهب إليه اصطفاف الجماعة الدرزية، حتى أن مَن اعتاد مهادنة دمشق أُجبِر على مخالفة عادته، وإلى أن السلطة الجديدة كانت أقل حنكة من سابقتها في التعاطي مع المجتمعات الدرزية واختلافاتها البينية.
وجه الاختلاف بين السلطة الحالية وسابقتها يصبّ أيضاً لمصلحة تعزيز الانفصال، فالسويداء التي انتفضت قبل سنتين كانت تنتفض ضد حكم أقلّوي، سواءً نُظر إليه على صعيد السلوك والتمثيل الوطنيين أو كما ينظر إليه أصحاب التفسير الطائفي. كانت انتفاضة السويداء تعرِّف نفسها وطنياً، عطفاً على إرث الثورة السورية الكبرى وعلى فقدان الأسد الشرعية الوطنية التي كان يدّعيها. في حين أن السويداء لا تستطيع اليوم أن تنسب لنفسها دوراً مماثلاً، أي لا تستطيع منازعة السلطة على الأرضية الوطنية، بما أن أنصار السلطة ينسبون إليها تمثيل الأكثرية المذهبية السنية كأساس للشرعية، وهذه بطبعها أرضية نابذة، ولا تستطيع أي “أقلية” أن تتنطع لمشروع وطني إذا كانت “الأكثرية” غير معنية به. هذا غير ممكن، على الأقل في الظروف الحالية.
لكن الانفصال شأن مختلف عن الاستقلال، والاستدلال بوجود دول في قلب أوروبا أصغر من السويداء غير مفيد حالياً. فالخرائط الأوروبية رُسِمت إثر حربين عالميتين، حطّمت الأولى منهما الإمبراطوريات، وحطّمت الثانية الدولةَ القومية التقليدية، لتنفتح القارة على أنماط عديدة من الدول والحكومات. محيط السويداء لا يُقارن اليوم بأوروبا، فهو معادٍ ما بقيت السلطة الحالية، ولا يمكن الحديث عن استقلال حقيقي، إذا كان الكيان قائماً على ممر آمن برعاية دولية. القلّة التي رفعت علم إسرائيل ليس لديها إجابات، ولا وعود، كفيلة بتغيير هذا الواقع، إن تجاوزنا كافة المآخذ المحقّة على رفعه.
وإذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه، فترجمتها انفصالٌ متحقق واستقلالٌ ممتنع. وترجمتها من جهة دمشق أن السلطة لم تدرك خطأها المؤسِّس في السادس من آذار، وليست في وارد مواجهته بشجاعة ومسؤولية وطنية. الترجمة هي وجود انفصال غير مصرَّح به في الساحل، ونوايا مصرَّح بها لدى الأكراد، حتى إذا كان الانفصال الجغرافي-السياسي ممتنعاً أو ممنوعاً. سيكون بالأحرى بلداً مفخَّخاً، السلطةُ فيه طرف من الأطراف، وهو لسان حال مسؤولين كبار فيها عندما يبررون المجازر بوجود أخطاء وتجاوزات من جميع الأطراف!
المدن
———————————
السلطة الانتقالية السورية: مسؤولية الاحتواء وفخ الاستعراض/ سميرة المسالمة
الثلاثاء 2025/08/19
عادة ما تمر الدول الخارجة من حروب طويلة ومعقدة ومدمرة،بمرحلة متقلبة من الاضطرابات السياسية والتصدعات الاجتماعية. ويأتي ذلك نتيجة الدمار الذي خلفته ظروف الحرب من جهة، وكنتيجة طبيعية لتعدد مراكز القوى المشاركة في صناعة هزيمة الخصم من جهة ثانية، ما يترك البلاد في حالة من الاضطراب السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني، لحين توفر إجماع شامل لمشروع الدولة المأمولة، والحالة السورية ليست استثناءً. ما يجعل أولويات الدولة وخياراتها اليوم متوقفة على صناعة الرؤية الشاملة الجامعة لسوريا ما بعد مرحلة التحرير، التي أنجزتها فصائل لها اتجاهات أيديولوجية وعقائدية مختلفة، وأحياناً متضاربة، على الرغم من أنها اجتمعت على هدف اسقاط نظام بشار الأسد.
لا أحد يمتلك وصفة سحرية لتجاوز التركة الثقيلة للنظام البائد، كما لا يمكن تبريد مكامن التوتر وما ينتج عنها من اشتباكات متوقعة بين أيديولوجيات فصائلية مختلفة، مع مكونات دينية وقومية متنوعة، خلال فترة زمنية قصيرة. وفي ظل وجود تلك الاختلافات في الرؤى والتوجهات، فإن ما يحدث يأتي ضمن سياق المتوقع لفترة انتقالية ساخنة. لكن ذلك لا يبرر الاستسلام لفكرة أن العنف والفوضى والمطالبة بالتقسيم حالة طبيعية. فالمسؤولية الوطنية تقتضي من جميع الأطراف، سواء في السلطة أو خارجها، السعي نحو إيجاد حلول واقعية، تراعي التوازن بين ضرورة تأمين الاستقرار، وحرية المواطنين أفراداً وجماعات، وواجب السلطة الحاكمة الاستماع إلى الأصوات التي ترى مسارات متنوعة للحلول الوطنية، لا انطلاقاً من منطق الخضوع لها، أو بالمقابل إخضاعها، بل من منطق الاحتواء الذكي والمبادر، أي احتواء الكل الجامع للجزء الذي يكتمل به، ومبادرة الجزء الذي يقوى بالكل.
فالأدوات العنفية ثبت بالتجربة الطويلة أنها لا تعالج التوترات المجتمعية، فمنطق “القبضة الأمنية” مارسه نظام الأسد (الأب والابن) خلال ستة عقود ماضية، وأسقطه الشعب بسبب ذلك. وهو لا يمكن أن يكون بوابة استقرار مهما طال الزمن. لهذا، تجربته عائديتها صفرية على كل الأطراف التي تتموضع خلفه، سواء كانت أدواتها محلية أو خارجية.
لذلك، المطلوب هو مقاربة ناضجة، من كل الأطراف، تبدأ من اعتراف السلطة بأن جزءاً من الخلل ليس في الشارع فحسب، بل في طريقة إدارة ملفات الدولة السورية، وضعف العمل المؤسساتي، وغياب العدالة المواطنية، وخفوت صوت الإعلام المهني، وتآكل الثقة بين المجتمع والسلطة بعد الخراب الذي عممته سلطة الأسد في كل مكان. وما لم يقطف الشعب ثمار التغيير الإيجابي بأسرع وقت، فإن حالة التموضع الضدي بين السلطة والمواطنين ستزداد مع الزمن، بدرجات تغذيها الظروف المحيطة، تارة الطائفية، وتارة القومية، وتارة المطالب الحياتية والمؤسساتية والحريات المنشودة.
والمصارحة من كل الأطراف بالواقع، تستدعي إرساء نهج جديد أساسه الاعتراف بالتنوع وفتح المسارات نحو بناء عقد اجتماعي جديد جامع، يحقق لكل المكونات والشرائح السورية مطالبهم في الحرية الثقافية والإدارية والاقتصادية والمجتمعية ومشاركتهم الفاعلة في تفاصيل تكوين الدولة شكلاً ومضموناً.
وبالمقابل، فإن وعي الشعب لحقيقة وخطورة المطالب الانفصالية، والانضواء تحت عباءة الاحتلال الإسرائيلي، والتمييز بينها وبين مطالب التحرر من المركزية الشديدة، وحق المشاركة السياسية وضمان حقوق المواطنة المتساوية، مسؤولية الشرائح القادرة على التأثير الشعبي وتوضيح خياراته.
لذلك لعل أول ما يجب الاعتراف به هو أننا نعيش أزمة داخلية كبيرة، يمكن عنونتها بعدم الاستقرار السياسي في البلاد، وهذا بالطبع ينتج عنه خلل في كل المسارات الأخرى، خصوصاً المسار الاقتصادي الذي يعول عليه السوريون للخروج من عباءة الحرب وتبعاتها، من فقر وبطالة وخلل اجتماعي كبير. ولأن أصعب المراحل التي تمر بها سلطة ما بعد الحرب، هي مرحلة التأسيس للدولة، وإعادة تمكين أدواتها المؤسساتية، لتأمين الاستقرار وضمان الأمن للمواطنين، وهي مرحلة لا يمكن تحميل مسؤوليتها لطرف واحد.. فالحاجة للشراكة مع الطرف المقابل له ليست ضعفاً، بل يجب أن يحتوي كل منهما الآخر، ويتفهم طموحاته وتطلعاته كما يتفهم ويقدر واجبات المقابل له، من دون أن يقع أي منهما بفخ استعراض قوته، أو امتدادات أذرعه خارج الدولة أو داخلها.
المدن
——————————-
من التجانس الفصائلي إلى التجانس الوطني/ عدنان علي
2025.08.19
تشير التطورات الأخيرة المرتبطة بالسويداء إلى أزمة عميقة في المجتمع السوري تتعلق بالهوية والانتماء، وتضخم في العصبيات الضيقة مقابل هشاشة لفكرة الوطن الجامع.
يحمل البعض تلبيس السلطة الحالية مسؤولية انفجار هذه الأزمة بسبب احتكارها السلطة منذ ثمانية أشهر، وإهمالها للشركاء الآخرين في الوطن، بمن فيهم حتى الحاضنة السنية، ما لم تكن مرتبطة بالمجموعة الحاكمة القادمة من إدلب.
والواقع، أن هذا تشخيص يحمل قدراً من الصحة، لكنه وحده لا يفسر ما نحن بصدده اليوم، حيث نشهد تشظيا للمجتمع السوري، وارتداداً قوياً باتجاه العصبيات الضيقة المذهبية والعشائرية والعرقية والمناطقية، فيما يبدو مفهوم الوطن يتيماً يُنظر له بعض المثقفين الذين يوصفون بأنهم منفصلون عن الواقع، ومثله مفهوم الدولة الذي يردده المسؤولون في الحكم كمرادف للسلطة الحاكمة، وهو ما لا يحظى باعتراف بقية المكونات كما يبدو حتى الآن.
لا شك أن التناقضات المجتمعية المتراكمة منذ عقود، والمغيبة بالقوة خلال الحقبة الأسدية، تحتاج إلى دراسة جدية، وهي تشير إلى جهل واضح، وتنميط كبير في نظرة المكونات المحلية لبعضها البعض، وهو ما يفسر مقدار التحامل والتجييش الداخلي الحاصل اليوم.
لكن في الجانب السياسي، يمكن القول إن الحكاية بدأت منذ انعقاد “مؤتمر النصر” مطلع العام الجاري والذي دُعيت إليه فقط الفصائل العسكرية المشاركة في معركة “ردع العدوان” وانتهت بإطاحة نظام الأسد. منذ تلك اللحظة، شعرت المكونات الأخرى أنها مستبعدة عن المشاركة في النصر، وأن هذا النصر ليس نصرها، بل يعني مجموعة محددة بعينها. وجاءت القرارات الصادرة عن المؤتمر، والمتمثلة في تولية أحمد الشرع رئاسة سوريا في المرحلة الانتقالية، وتفويضه بتشكيل مجلس تشريعي مؤقت، وحل الأحزاب، وكذلك الأجهزة الأمنية والجيش، ومجلس الشعب، ليكرس هذا الشعور بالاغتراب عن السلطة الجديدة لدى تلك المكونات. ثم جاء مؤتمر “الحوار الوطني” المسلوق على عجل، ومن بعده “الإعلان الدستوري” ليصبا في الاتجاه ذاته، بأن السلطة الحاكمة تهندس الدولة على مقاسها، دون اكتراث بالاعتراضات والانتقادات الصادرة عن جهات، بمن فيها شخصيات ومثقفون من العرب السنة الذين وجدوا أنفسهم أيضا خارج سياق السلطة الحالية التي اعتمدت بشكل كبير على كوادرها العسكرية والإدارية حين كانت تحكم في إدلب، مستبعدة أية خبرات أخرى، حتى لو كانت معارضة للنظام السابق.
ومن هنا، يرى بعضهم، أن “الأخطاء” التي وقعت فيها السلطة، والناجمة أساساً عن سوء تقدير للموقف، سببها الأساسي قلة الخبرة لدى الفاعلين في هذه السلطة، خصوصاً إزاء ملفات جديدة لم يسبق لهم التعامل معها على نطاق واسع، مثل كيفية إدارة خلافات المجتمع المحلي، سيما مع المكونات الأخرى (الأقليات) وسوء إدارة الاعلام الذي تولاه عموما ناشطون متحمسون يفتقدون للخبرة والوعي السياسي والمجتمعي، وكيفية إدارة العلاقة مع إسرائيل، وعدم تشغيل السفارات السورية المعطلة في الخارج، بينما اتكأت السلطة في علاقاتها الدولية على الرافعة التركية- الخليجية، والتي أمكن بفضلها الرفع الجزئي للعقوبات الأميركية والأوروبية عن البلاد.
ثم جاءت أحداث الساحل، والانتهاكات التي رافقتها بسبب عدم السيطرة الكافية على القوات المشاركة، لتشير إلى قدر من الارتجالية في التعامل مع قضايا حساسة، وهو ما يؤكد أيضا على فكرة ضعف الخبرة. وتلاها أحداث صحنايا وجرمانا وصولا إلى السويداء، لتتكرر الأخطاء ذاتها، وبشكل شبه حرفي، ما يعني الافتقاد إلى المؤسساتية التي من خلالها يتم استخلاص العبر، ووضع خطط لتلافي الأخطاء، مقابل هيمنة عقلية الفصيل وأسلوب الارتجال في القرارات، بينما كانت قوى في الداخل، وأخرى في الخارج (إسرائيل) تنتظر هذه “الأخطاء”، بل ربما تستدرج السلطة إليها، لتوريطها أكثر في المواجهة مع المجتمعات المحلية، بهدف محاصرتها وإضعافها، وصولاً إلى تهيئة الظروف للمطالب الانفصالية، على نحو ما حدث أخيرا في السويداء.
هل ضاعت الفرصة لتدارك أخطاء الشهور الماضية؟ أعتقد ما زال الوقت متاحاً لاستعادة زمام المبادرة، واتخاذ خطوات جدية للانفتاح على المجتمع، وإشراكه بشكل حقيقي في تحمل المسؤولية، وطرح الحلول، ومواجهة المشكلات، وهذا لا يضعف من السلطة، بل يقويها. وعلى سيبل المثال، لو كان لدينا “مجلس إدارة الدولة” فيه ممثلون عن كل المكونات برئاسة الرئيس الشرع، هو من يتولى التعامل مع الملفات الداخلية، لكان أمكن إلى حد كبير الخروج من الثنائية الطائفية القاتلة: حكومة من لون واحد مقابل طائفة معينة، وهذه الثنائية تسهل توجيه مختلف أشكال الاتهامات للحكومة، فقط لأنه ينظر إليها على أنها من لون واحد. ماذا لو كان لدينا وزير دفاع مسيحي؟ هذا ليس قفزاً عن الواقع، بل يجب أن تدرك المكونات الفصائلية التي تقوم عليها السلطة أن نجاح التجربة يتطلب بالضرورة مشاركة من هذا النوع، ليس كديكور سياسي، بل مشاركة فعلية، وقد يكون لدى وزير الدفاع المسيحي أو أي مكون آخر، مقاربة مختلفة للتعامل مع أزمات على نحو ما حصل في الساحل والسويداء.
السلطة الحالية بحاجة ماسة لتطعيم كوادرها الفاعلية بألوان أخرى، وتوسيع مفهوم “الحكومة المتجانسة” التي تحدث عنها الرئيس الشرع في الأشهر الأولى، لتشمل قوى وشخصيات من خارج “دويلة إدلب” التي كانت، والانتقال من وضع التجانس الفصائلي إلى التجانس الوطني.
تلفزيون سوريا/
—————————-
السويداء بين مطرقة الاحتلال وسندان السلطة/ رانيا مصطفى
19 اغسطس 2025
تَدفع محافظة السويداء في جنوب سورية ثمناً باهظاً، تهميشاً وقتلاً وتنكيلاً ثمّ انعزالاً، مع بروز المخطّطات الإسرائيلية التقسيميّة (منذ لحظة سقوط نظام الأسد)، وسهّلت سياسات السلطة المؤقّتة الفاشلة تجاه المحافظة تنفيذها. فقد تحدّث مسؤولون في الاحتلال عن حماية الأقليات مبكّراً، وخصّوا الدروز بذلك، وطُرح ممرّ داود مُخترِقاً محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء مروراً بالبادية السورية إلى شرقي الفرات، وكان طرحاً غير واقعي في ظلّ ميلٍ أميركي إلى خفض التصعيد في المنطقة، ومع انشغال قوات الاحتلال بحربها على غزّة وجنوبي لبنان. ومع حاجة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى إنجازات تغطّي مآزقه السياسية والعسكرية، خصوصاً في قطاع غزّة، يقول اليوم إنّه ماضٍ في تحقيق مشروع “إسرائيل الكبرى”، من الفرات إلى النيل. كان أهالي السويداء قد ردّوا على نتنياهو رافضين فكرة ممرّ داود وادّعاء نتنياهو حمايتهم، بتظاهرات شعبية في ساحة الكرامة في السويداء. اختلف المشهد اليوم، خرج مئاتٌ من أهالي المحافظة يرفُضون سلطة دمشق، وهناك من ورّطهم في رفع شعاراتِ “حق تقرير المصير” والمطالبة بالاستقلال، وطروحاتٍ متطرّفة عن استفتاء شعبي، ورُفع علم الاحتلال وسط الساحات.
لا يمكن لدروز جبل العرب الوثوق بالسلطة الانتقالية وقد تعرَّضوا بيد قواتٍ منها لهجمات ممنهجة وتخوين مستمرّ، ولتحريض طائفي لم يتوقّف منذ إسقاط الأسد في حسابات وسائل التواصل الاجتماعي لمقرّبين من الحكومة ضدّهم، وضدّ العلويين والأكراد شمال شرقي سورية. وتدخّل الاحتلال الإسرائيلي منتصف الشهر الفائت (يوليو/تموز)، وأوقف هجوماً شنَّته القوات الحكومية برفقة فزعات عشائرية، ارتكبت المجازر ضدّ أهالي السويداء ذات الغالبية الدرزية، وفُرِض اتفاقٌ دولي على الحكومة يمنع وجود عناصرها في المحافظة. يدّعي الاحتلال الإسرائيلي أنه سيتدخّل في سورية مجدّداً، بحجّة تأمين ممرّ إنساني عبر محافظتَي القنيطرة ودرعا إلى السويداء، لفكّ الحصار الذي تفرضه السلطة المؤقّتة على المحافظة بقطعها الطريق الحيوي إلى دمشق، إذ تسيطر العشائر على عدّة قرى غربياً. هناك أطرافٌ في السويداء كانت ترسم خطوطها بأجندات خارجية إسرائيلية، وبدعم من قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وتتمثّل في المجلس العسكري، تطرح الإدارة الذاتية (لم تكن تحظى بالشعبية قبل الحملة أخيراً ضدّ المحافظة)، وبالتنسيق مع الشيخ حكمت الهجري، الرئيس الروحي للطائفة، الذي تصاعَدَ طموحُه بزعامة واحتكار تمثيل المحافظة منفرداً ومستغلاً غضب الأهالي ممّا حلّ بهم، وقد وقع في الفخّ المرسوم له إسرائيلياً، إذ شكر الاحتلال الإسرائيلي على ما ادَّعى أنه حماية لأبناء الطائفة.
الاحتلال الإسرائيلي الذي يُمارس سياسات عنصرية ضدّ غير اليهود في فلسطين، ويحتلّ الجولان السوري منذ 1967، وتوغّل بعد سقوط نظام الأسد في أجزاء واسعة من محافظة القنيطرة ودرعا وريف دمشق وقتل سوريين، ويمارس القتل والتهجير وتجويع الأطفال في غزّة… لا يمكن لهذا الاحتلال أن يحمي سوريين، أو يقدّم لهم ممرّاً إنسانياً يمكّنهم من الانعزال عن سورية، ولا يعنيه أنهم دروز، هو معنيٌّ بترسيخ مشاريع التقسيم على أسس دينية وعرقية.
ومع قدومها دمشق من دون قتال، حظيت قوات ردع العدوان بقبول شعبي، ورضى دولي وإقليمي وعربي، لا يخلو من تنافس جيوسياسي بدا واضحاً في العلاقة الإسرائيلية التركية المتوتّرة في الأراضي السورية. وبعد التأزم أخيراً في السويداء، ولأنها أكثر الرافضين لنشوء إدارات ذاتية ترسّخ طريقة حكم شرقي الفرات، دفعت أنقرة دمشق إلى إقناع موسكو باتخاذ دور في الجنوب يخفّف من التهديدات الإسرائيلية. أغضب هذا اللجوء إلى روسيا واشنطن، إلى جانب تواتر التقارير الدولية والاستخبارية حول المجازر التي ارتكبتها الحكومة في الساحل والسويداء، وعجزها عن ضبط الفصائل الجهادية خصوصاً. هذا قاد إلى تراجع الشهية الأميركية لدعم حكومة دمشق، وتمثّل في تأخير رفع العقوبات، إضافة إلى تراجع في ثقة الدول العربية بقدرة الحكام الجدّد على السيطرة، وتململ شعبي داخلي بسبب تأخّر تحقيق المطالب، وتزايد الانتهاكات.
فشلت سلطة دمشق في إدارة الأزمة ذات الطابع السياسي في السويداء، واختارت الحلّ الأمني، وفشل مع التدخل الإسرائيلي بذريعة حماية الدروز. فقد كان تقصير الحكومة في تأمين حماية أمنية للطريق الحيوي من دمشق إلى السويداء من حوادث النشل والقتل، ومن الإهانات الطائفية التي يقوم بها عناصر حكومية على حاجز “المسمية” عند حدود المحافظة، هو من أبرز عوامل امتعاض أهالي السويداء، قبيل الحملة العسكرية أخيراً، وهي المحافظة الفقيرة في الموارد. يبدو هذا التهميش مقصوداً من السلطة، وموجّهاً ضدّ أهالي السويداء بصفتهم دروزاً في غالبيتهم. ولم يكن الهدف فرض سطوة الحكومة على المحافظة وحسب، إذ تذرَّعت البروباغاندا الرسمية بوجود جماعات خارجة عن القانون، كان من الممكن علاجُها بحصر هذه الجماعات وفضحها أمام أهالي السويداء، وسحب الذرائع منها عبر قيام الدولة بدورها في حماية المحافظة وتأمين مطالبها، وفتح حوار حقيقي مع كلّ السوريين بشأن المطالب السياسية وتوسيع المشاركة في الحكم. كان الهدف تفريغ العنف للجماعات العسكرية الموالية للحكومة، ومنها منضوون في وزارتَي الدفاع والداخلية، وقد أظهر ما تسرّب من تسجيلات لانتهاكات أنّهم في غالبيتهم جهاديون، تربّوا على تكفير الأقليات ومحاربتها. وليس أمام الرئيس أحمد الشرع، للهروب من انقلابهم على ظهوره بخطّ معتدل، سوى فتح جبهات تنفيسٍ ضدّ الأقليات، مرّة في مارس/آذار الماضي، في الساحل السوري بعد تمرّد فلول النظام، أُخمد في ساعات، فيما أمضت القوات الحكومية وداعموها ثلاثة أيام قتلاً للمدنيين، وأُعيدتْ الكرّة في مايو/أيار الفائت ضدّ جرمانا وصحنايا وأشرفية صحنايا بذريعة ضعيفة (تسجيل مجهول يشتم النبي)، ثمّ الهجمة أخيراً غير المحسوبة العواقب ضدّ السويداء، بذريعة إشكالات خطف وخطف مضادّ تحصل بين الدروز والبدو، حُلّت وتبادَل الطرفان مخطوفين قبل قرار الهجوم.
منطق الاستئثار بالحكم الذي تنتهجه الجماعة الحاكمة اليوم، والبحث عن شرعية خارجية، والهروب بالأزمات الداخلية إلى الأمام، بدأ يظهر فشله، فحجم التعقيدات التي تحكم سورية ما بعد الأسد هائل، إلى درجة تجعل مهمَّة توحيد الأراضي السورية أكبر من أن تتولّاها جماعةٌ يحرص قادتُها الكبار على تقديم صورة لهم تبرّؤهم من ماضيهم الجهادي.
العربي الجديد
—————————-
“لويا جيركا” سورية/ حسين عبد العزيز
19 اغسطس 2025
يوما بعد يوم يزداد الانقسام في المشهد السياسي السوري مع الاختلاف الحاد في الرؤى بين قيادة حاكمة تسعى بكل قوة إلى مركزة سلطتها الدولتية، وبين أطراف أخرى ترفض هذه المركزة: يرى بعضها أن اللحظة التاريخية اليوم سانحة لتحقيق أهدافها السياسية الضيقة (حكمت الهجري)، وأخرى تسعى للاندماج في مشروع وطني جامع ليس على أساس المركزة الشديدة للسلطة (الإدارة الذاتية الكردية).
بين هذه المواقف الثلاثة، يظهر موقفا السلطة والهجري متطرفين سياسيا: الأول يستفرد بوضع خريطة طريق سياسية أحادية الجانب، يرفض فيها أي فكرة لـ اللامركزية السياسية في وقت يرفض فيه إقامة نظام ديمقراطي ليبرالي قائم على المواطنة، فيما سعى الثاني، قبل انعقاد المؤتمر، إلى تحقيق أجندات هُوياتية ضيقة تحت عناوين سياسية عامة. أما الموقف الكردي فيُعتبر بمنزلة بين المنزلتين، فلا يطرح حكماً ذاتياً (شبه دولة) ولا يرضى في المقابل بدولة شديدة المركزية.
في ظل الانسداد السياسي القائم، يسعى كل طرف إلى البحث عن حلفاء لتقوية موقفه: دمشق تجد في الخارج الإقليمي والدولي داعمين لها، في حين يجد تيار الهجري في إسرائيل داعما له، أما “الإدارة الذاتية” الكردية، وبسبب افتقادها لداعم خارجي، فقد تلمست من الداخل البحث عن حلفاء.
هكذا جاء مؤتمر تحالف الأقليات نوعاً من “اللويا جيركا” الإثنية ـ الطائفية ـ القبلية، لتشكيل ائتلاف سياسي قابل للتوسّع داخلياً، وإمكانية الحصول على دعم دولي من الخارج من أجل تقوية موقفها في عملية التفاوض مع حكومة الشرع.
وما يلفت الانتباه غياب أي إشارة إلى الانفصال أو الاستنجاد بالخارج، وهذه نقطة تُحسب للمؤتمر، لأنه نجح في جر تيار الهجري من البحث عن خيارات خارجية إلى البحث عن خيارات داخلية، ظاهرياً على الأقل، كما جاء في منطوق البيان الختامي للمؤتمر، إذ دعا البيان إلى دستور ديمقراطي يعزّز التنوع القومي والثقافي والديني، ويؤسّس لدولة لامركزية تضمن المشاركة الحقيقية لكل المكونات، والمطالبة بإعادة النظر في التقسيمات الإدارية الحالية، والدعوة إلى عقد مؤتمر وطني سوري جامع تشارك فيه مختلف القوى الوطنية والديمقراطية.
لا يمكن فهم السياق الذي جاء به المؤتمر بمعزل عن تطورين لافتين، قد يشيران إلى وجود انقسام داخل “الإدارة الذاتية” نفسها حيال التعاطي مع حكومة الشرع:
أولا، وقوع اشتباكات عسكرية بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وقوات الحكومة في ريف حلب الشرقي، عقب عملية تسلل نفذتها مجموعتان تابعتان لـ”قسد” باتجاه مواقع للقوات الحكومية، وهو أمر يتعارض مع المسار التفاوضي، إلا إذا كان المُراد استخدام العسكرة كأداة ضغط سياسية في هذا التوقيت.
ثانيا، غياب قائد قوات “قسد” مظلوم عبدي عن المؤتمر، ثم غيابه عن اللقاء الذي جرى بين وفد كردي برئاسة إلهام أحمد ووزير الخارجية أسعد الشيباني في دمشق بعد انعقاد مؤتمر تحالف الأقليات.
يشير هذان المعطيان إلى وجود انقسام داخل الصف الكردي لـ”الإدارة الذاتية”، بين تيار يركّز على التفاوض الطويل لحل المسائل العالقة على أمل حدوث متغيرات في المواقف الإقليمية والدولية، من شأنها أن تشكل ضغطا على دمشق، وتيار يسعى إلى ممارسة لعبة حافة الهاوية، مستغلا حالة الستاتيكو الدولي حيال سورية.
لكن هذا الانقسام يبقى على المستوى التكتيكي فقط، أي لا يتعلق بالرؤية الاستراتيجية لـ”الإدارة الذاتية” حيال مستقبل النظام السياسي في سورية، حيث ما زالت “الإدارة الذاتية” تؤكّد على النظام الديمقراطي واللامركزية الإدارية، وعلى رفض حل “قسد” وتسليم سلاحها، وهو موقفٌ يتعارض تماما مع موقف الحكومة التي تصرُ على دخول قوات “قسد” إلى الجيش بشكل فردي، وتسليم السلاح والمناطق الخاضعة لها، بما فيها المعابر الدولية والسجون.
لم يكن مؤتمر الحسكة إلا تتويجاً لمسار سياسي اتبعته القيادة الحاكمة في دمشق، يقوم على خطاب عُصابي واستئثار سياسي وانفلات لعناصر عسكرية، ولن يكون مفاجئاً إذا ما استمرّ هذا المسار نشوء “لويا جيركات” سورية عديدة، يتداخل فيها الوطني وما قبل الوطني، مع استمرار البحث عن حلفاء من الخارج يستغلون الخلافات السورية لتحقيق مصالحهم الخاصة.
العربي الجديد
————————
لماذا لم يكن “وقف إطلاق النار” في السويداء حلاً؟
مبادرة الإصلاح العربي (ARI)
الثلاثاء 19 أغسطس 2025
خوفاً من حدوث تصعيد إقليمي أوسع نطاقاً، تدخّلت الولايات المتحدة لاحتواء الأزمة التي بدأت في محافظة السويداء جنوب سوريا يوم 13 تموز/ يوليو 2025، بدعم من الجهات الإقليمية الفاعلة بما في ذلك تركيا والأردن.
أعلن الرئيس المؤقت أحمد الشرع عن وقف إطلاق النار، يوم 17 تموز/ يوليو الماضي، ودخل حيز التنفيذ اعتباراً من يوم 21. وفي حين أن الاتفاق أوقف القتال بين القوات الحكومية والفصائل الدرزية، إلا أنه فشل في وقف العنف في المحافظة.
فوقف القتال خطوة مرحب بها، ولكنها لا ترقى إلى مستوى “الحل”. وما لم تتم معالجة أسباب الصراع العميقة بشكل مجدٍ – بما في ذلك التهميش السياسي والتنازع على السلطة – فإن توقف القتال المؤقت قد لا يكون أكثر من مجرد هدنة قصيرة قبل عودة الانفجار مجدداً لا سيّما في ظل التقارير عن استمرار العنف.
ولا تزال تداعيات أحداث العنف في السويداء تؤجّج التوترات في جميع أنحاء البلاد. وقد استغل الخطاب التحريضي المعادي للدروز الضربات الإسرائيلية لتصوير الدروز على أنهم متعاونون مع إسرائيل أو انفصاليون، ما عزّز الروايات الطائفية وأجّج الدعوات إلى “العقاب الجماعي”.
نتيجةً لذلك، كانت الزيادة المقلقة في التحريض ضد الأقلية الدرزية، بما في ذلك الدعوات إلى مقاطعة الشركات المملوكة للدروز وطرد الطلاب الدروز من الجامعات. وفي الوقت نفسه، أصبح العديد من الدروز – لا سيّما أولئك المنحازين للزعيم الروحي حكمت الهجري – لا يثقون بالدولة ومؤسساتها بشكل متزايد، ما أدّى إلى تآكل شرعية الحكومة الانتقالية هناك.
وما كان في السابق توتراً طائفياً كامناً أصبح علنياً ومتفجّراً، يغذيه تصاعد خطاب الكراهية. وقد كشف القتال عن الصدع العميق حول الرؤى المتنافسة لسوريا والروايات والتصوّرات المختلفة ليس فقط بين الحكومة والقوى السياسية الأخرى، بل أيضاً بين قطاعات واسعة من السكان. وفي حين أن مثل هذه الاختلافات أمر متوقع، إلا أن غياب الآليات الكفيلة بالحديث عنها ومعالجتها – مع التعقيدات الإضافية للتدخّلات الإقليمية – يجعل الوضع قابلاً للانفجار.
مجرد العودة إلى الوضع السابق ليس فقط غير كافٍ – بل هو أمر خطير. لقد غيّرت الأحداث الأخيرة المشهد السياسي والاجتماعي في سوريا بشكل عميق، مخلّفةً جروحاً عميقة وبيئة سامة. وفي هذا السياق، فإن العودة إلى الترتيبات السابقة ليست عودة إلى الهدوء، بل هي عودة إلى أزمة مستفحلة يمكن أن تنفجر في أي لحظة. ولا يمكن معالجة المظالم الكامنة ووقف العنف ووضع سوريا على طريق التعافي الوطني إلا من خلال عملية انتقال سياسي تعددية وشاملة حقاً.
خارطة الطريق إلى السلام
النزاع في السويداء ليس مجرد مسألة أمنية أو نزاع محلي بل انعكاس للتصدّعات الأعمق التي تعاني منها سوريا منذ فترة طويلة، بما فيها التنازع على السلطة، والإقصاء السياسي، والتوترات التاريخية بين الطوائف، وتراجع الثقة في مؤسسات الدولة، والاستقطاب الطائفي المتزايد.
ولكسر هذه الدائرة، يجب على الحكومة الانتقالية أن تتبنى خطة عمل شاملة قائمة على الحقوق لمعالجة المشكلات العاجلة وإرساء الأساس للمصالحة الوطنية والاستقرار الدائم. وتحدد التوصيات التالية الخطوات الرئيسية على المديين القصير والمتوسط للتحرك في هذا الاتجاه:
إنفاذ وقف إطلاق النار وحماية المدنيين
إنشاء لجنة ذات مصداقية تضم ممثلين عن جميع الأطراف لمراقبة وقف إطلاق النار، بمشاركة جهات خارجية مقبولة من الجميع. وينبغي أن تشرف هذه اللجنة على تنفيذ وقف إطلاق النار، والتحقيق في الانتهاكات، وضمان الاستجابة السريعة لحماية المدنيين. وبالتزامن مع ذلك، ينبغي اعتماد بروتوكولات واضحة لمنع الأعمال الانتقامية وضمان المساءلة عن أي تجدد للعنف.
التحقيق في الانتهاكات وضمان المساءلة
إطلاق تحقيق مستقل ومحايد في جميع الانتهاكات التي ارتكبت خلال الاشتباكات الأخيرة، بغض النظر عن مرتكبيها. ينبغي دعوة منظمات حقوق الإنسان الدولية والوطنية لمراقبة ودعم هذه الجهود. وضع حد للإفلات من العقاب من خلال محاكمات علنية وعادلة وإجراءات قضائية شفافة تظهر ابتعاداً ملموساً عن الأنماط السابقة من الخروج على القانون والإفلات من العقاب.
التصدي لخطاب الكراهية والتحريض الطائفي
التصدّي بسرعة لتصاعد الخطاب الطائفي والتحريض الطائفي الذي رافق الاقتتال. يجب على المسؤولين الحكوميين وقادة المجتمع المدني إدانة خطاب الكراهية والدعوات إلى الانتقام. كما يجب أن يخضع الأفراد الذين ينشرون التحريض للمساءلة القانونية، ويجب توفير حماية المجتمعات المستهدفة المعرضة للخطر. يجب أن تعزز التوجيهات العامة أن العنف الطائفي لا مكان له في سوريا الجديدة.
تيسير وصول المساعدات الإنسانية واستعادة الخدمات الأساسية
ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون قيود إلى جميع المناطق المتضررة. التعاون مع وكالات الأمم المتحدة والجهات الفاعلة في المجال الإنساني لإيصال الإمدادات الحيوية، بما في ذلك الغذاء والمساعدات الطبية والوقود والمياه. استعادة الخدمات العامة الأساسية وإطلاق برامج الإغاثة الطارئة لتسهيل العودة الآمنة للنازحين.
إصلاح قطاع الأمن
إعادة هيكلة البنية الأمنية في سوريا لإعادة بناء الثقة بين جميع المجتمعات المحلية. إعادة تدريب قوات الأمن لدعم حقوق الإنسان ومنع الممارسات التمييزية أو التعسفية. نشر وحدات منضبطة جيداً في المناطق الحساسة، وإنشاء آليات واضحة تتيح تتبع الأفراد أو الوحدات التي قد تتورط في سوء السلوك والتحقيق معهم ومحاسبتهم.
النهوض بالمصالحة وتعزيز التماسك الاجتماعي
إنشاء لجنة مصالحة وطنية مستقلة وذات ثقل لتحل محل اللجنة غير الفعالة المكونة من ثلاثة أعضاء والتي شكلت في آذار/ مارس 2025 للحفاظ على السلم الأهلي حيث تفتقر الهيئة الحالية إلى الموارد والسلطة والخبرة اللازمة للاضطلاع بمثل هذه المهمة الضخمة.
إطلاق حوار وطني للنهوض بالمرحلة الانتقالية
إطلاق حوار وطني شامل وشفاف يعكس بشكل فعلي التنوع الكامل لسوريا: العرقي والديني والجغرافي والسياسي. يجب أن توفر هذه العملية التي يقودها السوريون مساحة لمناقشة القضايا الوطنية الأساسية مثل اللامركزية والتمثيل السياسي والعدالة الانتقالية ودور مؤسسات الدولة وقوات الأمن. ويجب أن يتمخض الحوار عن نتائج ملموسة، بما في ذلك الإصلاحات الدستورية والمؤسسية، والمساواة في الحقوق لجميع المواطنين، وضمانات عدم التمييز. ومن خلال هذه العملية الشاملة فقط يمكن لسوريا صياغة تسوية سياسية دائمة وشاملة وتجنب المزيد من التشرذم.
*أعدّ الدكتور حايد حايد، هذه المقال التحليلي، وهو زميل رئيسي غير مقيم في مبادرة الإصلاح العربي، ويمكن الاطّلاع على النص الكامل عبر مبادرة الإصلاح العربي (ARI).
رصيف 22
—————————
“من الشام إلى الجبل”: عن المقاومة الناعمة في “سوريا الجديدة”/ بتول الشيخ
19.08.2025
لم تعد الخطيئة سياسية فقط، بل أخلاقية، دينية، مجتمعية. أشعر بثقل دائم: على كلماتي، على خطواتي، على ما أقوله، وعلى ما لم أقله حتى، كل ما حولي يُعيد إنتاج الطاعة: المعلم، الشيخ، الأخ، المسؤول، الرفيق، وحتى “اللاأحد” على وسائل التواصل.
في ذروة أحداث السويداء ظهرت لافتات ورقية صغيرة على جدران دمشق، تداولها ناشطون وناشطات على وسائل التواصل الاجتماعي، كُتب عليها: “الهمجية ما بتمثلنا… نحنا الشوام، وكل المحبة والاعتذار لأهلنا بالسويدا، السويدا جزء أصيل من هالبلد ومن روحها”. لاحقًا، انتشرت صور أخرى تحمل عبارات مشابهة:”من دمشق وريفها للشام وجبلها، نحنا معكن ضد كل قتل، كل ظلم، كل تهجير”.
جاءت هذه الحملات رداً على ما تعرضت له السويداء من هجمات على يد عناصر مسلحة محسوبة على العشائر، وتدخّل سلطة دمشق بحجة “فض النزاع”، ما أدى إلى مجازر شهدتها المدينة المحاصرة.
سبق هيمنة السلاح المنفلت هذه ما تعرض له الساحل السوري من مجازر أشارت إليها التقارير الحقوقية والصحافية. فانفلات السلاح في سوريا لم يعد محطّ جدل، الفضاءات العامة مليئة بالمظاهر المسلحة وتتكرر الاعتداءات بالسلاح على المدنيين سواء لأسباب سياسية وطائفية أو بهدف ارتكاب جرائم سرقة وقتل، تقابل ذلك مظاهر هيمنة رمزية ذات طابع إسلامي متشدّد.
في خضم هذه الصراعات التي تصل حدّ العنف، تبرز تساؤلات عدة، أبرزها: لماذا يعلو صوت التحريض ويخفت صوت التضامن؟ ولماذا نعود، بعد أكثر من عقد، إلى تقنيات تشبه بدايات الثورة السورية؟، والمقصود حملات تضامن خفية سرية، من دون أوجه، تشابه في شكلها ما كان الناشطون يقومون به في عهد النظام البائد.
جذور الخوف: تركة نظام الأسد
ما زال الخوف يحكم الكثير من السوريين، خصوصاً في ظل العنف المسلح في سوريا، لكن هذا الخوف مصدره الأول متجذّر، يعود إلى نظام لم يمت، بل أعاد ترتيب أدواته. منذ اللحظة التي تسلّمت فيها السلطة الجديدة مقاليد الأمور، بدأ القمع يتسلل مجددًا: حملات اعتقال في ريف حمص الغربي، عودة الحواجز ومهانة “الهوية”، وانتهاكات مصوّرة على وسائل التواصل الاجتماعي كطقوس إذلال علني.
ما بدأ كحالات فردية، تصاعد إلى مجازر جماعية في آذار/ مارس، راح ضحيتها 1479 شخصًا بحسب وكالة رويترز، ثم إلى حصار السويداء، وعودة مناخ العقاب الجماعي. وفي تموز/ يوليو وحده، وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان ما لا يقل عن 109 حالات اعتقال واحتجاز تعسفي، بينها 12 حالة نفذتها “الحكومة المؤقتة” في مناطق سيطرتها.
جذور الخوف: أسلمة الفضاء العام
الخوف الثاني أحدث، لكنه أكثر مراوغة. يأتي من “فتح دمشق”، لا كتحرير، بل كاحتلال رمزي للمجال العام، سيارات دعوية، ملصقات “الحشمة”، خطب دينية تتسرّب إلى قلب المؤسسات. شيخ يتحول إلى مسؤول، وامرأة تُمحى من المشهد الرسمي. من تعليمات مدير مستشفى المواساة التي فرضت جلوس العاملات في القسم الخلفي من باصات الموظفين، إلى الفصل بين الجنسين في أماكن عامة، تبدو السلطة وكأنها تمارس وصاية مزدوجة: ذكورية سلطوية وأسلمة سياسية، تُعيدان إنتاج مناخ خانق، طارد، مألوف.
ناهيك بالتوظيف القانوني لجرائم “إهانة هيبة الدولة” والتهم التي كان يستخدمها النظام السابق. باختصار، “الإدارة الجديدة” ورثت بنية قمعية قانونية، ما زالت عاجزة عن تفكيكها، وفي بعض الأحيان، تستعين ببعض الفاعلين ضمنها، سواء للسلم الأهلي أو التعافي الاقتصادي، هذا بالذات، يزيد من طبقات الخوف القديم، أي عودة بعض “اللاعبين القدامى” إلى مزاولة “مهماتهم”.
الحصار الذي لا يُرى: عن القمع الأفقي
أنا بتول، كاتبة سورية أنحدر من عائلة ثارت على النظام عام 2011، عرفنا الحصار، عايشناه، نجونا منه، اختبرناه بكل أشكاله. لكنني لم أشعر به كما أشعر الآن. فهذا ليس حصارًا خارجيًا، بل داخلي، يومي، حاضر في التفاصيل، لم تعد العين المراقبة تأتي من “الأعلى” فقط، بل صارت تتكاثر: في البيت، في السوق، في المسجد، وفي الشاشات الصغيرة التي نكتب عبرها ثم نتراجع.
لم تعد الخطيئة سياسية فقط، بل أخلاقية، دينية، مجتمعية. أشعر بثقل دائم: على كلماتي، على خطواتي، على ما أقوله، وعلى ما لم أقله حتى، كل ما حولي يُعيد إنتاج الطاعة: المعلم، الشيخ، الأخ، المسؤول، الرفيق، وحتى “اللاأحد” على وسائل التواصل.
لم نعد في دولة بوليسية، بل في مجتمع بوليسي، حيث كل فردٍ قد يتحوّل إلى نسخة مصغرة عن السلطة، بعد حادثة الاعتداء على المحتجّين أمام البرلمان. لم أعد أشعر بالأمان لرفع صوتي في الشارع. هذا الإحساس لا يخصني وحدي، هو شعور مشترك يتسرّب إلى أحاديث الناس، ويجد جذوره في مناخ من انعدام الثقة والإكراه الخفي.
العودة إلى الهمس؟
في هذا التسرّب السلطوي، لا أرى في العودة إلى الهمس نوستالجيا إلى 2011، بل ردّ فعل طبيعياً. ولهذا بدأت تتشكّل حملات صغيرة، متباعدة جغرافيًا، متقاربة روحيًا: صور مكتوبة بخط اليد، وجوهٌ مخفية، رسائل بلا توقيع، وعبر الفضاء الرقمي، تنوعت التفاعلات: بين التهكم، التقليل، الهجوم، واغتيال الرموز المعنوية، اغتيال يؤكد مخاوف المتضامنين سرًا.
تواصلت مع “لينا” (اسم مستعار)، ناشطة في حملة “من الريف إلى الجبل”، سألتها: لماذا بالسر؟، فأجابت: “فيديو تالا الشوفي وهي تعزف لا يفارقني. لا أستطيع أن أفهم كيف يمكن قتل وجه كهذا. لكن تضامني العلني سيجعلني فريسة للترهيب ويضعني في معسكر سياسي. لذلك لجأت الى الورقة المعلقة. لا بيان سياسي، بل صوت إنساني، محاولة لبناء جسر، لأقول للخائفين مثلي: لستم وحدكم”.
هذه المحاولات الفردية على الرغم من انتشارها كـ”تريند” إلا أنها لا تلبث أن تتلاشى أمام الجهود المنظمة الرسمية وغير الرسمية للسيطرة على الفضاء العام في سوريا، أو على الأقل، في مناطق حكم “الإدارة الجديدة”، سلطة الترهيب والتأديب الذي يمارسها أفراد لا يمكن ضبطها، وهي بالذات تعزز الخوف، الذي يتضاعف في حالات النساء، أمام الأخبار شبه اليومية عن حالات الخطف والاختفاء وغيرها، ما يدفع النساء الى التلاشي، والراغبين في الحوار الى التراجع نحو الصمت والخفاء، إذا رفع أحدهم سيفاً بوجه محتجين صامتين، فهل الكلمة أقدر على مواجهة السيف؟ في سوريا، الإجابة عن هذا السؤال مأساوية!
السلطة والمتواطئين على الصمت
لا تستهدف هذه الحملات الإدارة السياسية وحسب، بل تُقاوم بنية القمع الأفقية: صمت الجماعة، رقابة الجار، تواطؤ المراقب، والعزلة النفسية. ليست هذه استعادة لزمن 2011، بل اشتقاق منه. الأدوات ذاتها (المنشور، الورقة، التوقيع المجهول)، لكن بديناميات جديدة.
في 2011، كان الصوت موجّهًا الى السلطة. أما الآن، فهو موجّه الى الجماعة، الى الجار، الى الصديق. فما يحصل ليس خوفًا بالمعنى الحرفي، بقدر ما هو حالة ترهيب متبادل، تُسعّرها نيران مزدوجة: خطاب كراهية رسمي وتحريض علني، يقابله غياب مطلق للمحاسبة يمنح المعتدين غطاءً للعنف.
وبالتوازي، تنشأ شراسة في الدفاع عن السلطة لدى قسم من الشعب، لا تنطلق من الولاء بل من شعور بالمظلومية، يرى في هذه السلطة ممثله الوحيد وحاميه. هذا الشكل من الولاء القهري، هو أحد تجليات ما يُعرف بـ”تطبيع القمع”، حيث يُعاد إنتاج الاستبداد من جماعة ترى فيه مرآة لنجاتها. هذا المناخ، الذي يفتت المجتمع من الداخل، هو نتاج مباشر للاستثمار في هذه المظلومية، وما كان ليزدهر لولا الغياب التام لأي مظهر من مظاهر العدالة الانتقالية.
قد تبدو ورقة معلّقة في شارع جانبي فعلًا ساذجًا في وجه سلطة ترتكز على الحديد والنار. وقد يتهكم الساخر: “وهل تسقط الأنظمة بالورق؟”، لكن القيمة الحقيقية لهذه الأفعال لا تُقاس بقدرتها على التغيير الفوري، فهي ليست بديلًا عن المواجهة، بل شرطٌ يسبقها. قيمتها تكمن في فضحها استمرارية القمع، وفي كونها فعلًا تكتيكيًا دقيقًا في هذه المرحلة هدفه المثالي: إعادة بناء الثقة المفقودة بين الناس، تلك الثقة التي هي المادة الخام لأي عمل جماعي مستقبلي.
هذه الحملات تُفكّك التمثيل الجمعي القائم على التحريض، تكسر العزلة الشعورية، تعيد بناء اللغة. لكن الأهم، أنها تؤكد أن المعركة التي انتهت هي معركة الصوت العالي والمواجهة المفتوحة في الشوارع. أما المعركة التي يجب أن تبدأ الآن، فهي أشد تعقيدًا وصمتًا، إنها معركة استعادة المجال الاجتماعي والمدني من “المجتمع البوليسي”، معركة نسج خيوط الثقة من جديد، ومعركة بناء جماعات قادرة على التفكير والعمل المشترك خارج عين الرقيب.
نهايةً قبل أن نعود إلى الشارع، علينا أولًا أن نضمن أننا حين نصل إليه، لن نكون وحيدين مرة أخرى، أو على الأقل… لن تُرفع بوجهنا السيوف!.
درج
——————————-
ماذا يفعل نتنياهو في السويداء؟/ محمود علوش
18/8/2025
منذ اندلاع أحداث العنف الأخيرة في محافظة السويداء السورية، عمقت إسرائيل تدخلها في الأزمة بين الدولة السورية الجديدة، والمكون الدرزي في المحافظة.
ومن مظاهر هذا التدخل الأخير طلب إسرائيل من الولايات المتحدة الضغط على سوريا للموافقة على فتح ما يُسمى “ممرا إنسانيا” بين إسرائيل والسويداء بذريعة إيصال المساعدات إلى المدينة.
جاء هذا الطرح بعد رفض الأردن طلبا إسرائيليا باستخدام أجوائه لإرسال المساعدات إلى السويداء.
وعلى الرغم من أن الحكومة السورية بدأت، منذ إبرام اتفاق وقف إطلاق النار قبل نحو شهر، تسيير العديد من قوافل المساعدات الإنسانية إلى السويداء، فإن الشيخ حكمت الهجري، الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز، الذي شكر مؤخرا إسرائيل على تدخلها العسكري في السويداء لدعم الفصائل المتمردة على الدولة، رفض التعاون مع دمشق في ملف المساعدات، وطالب الأردن بفتح معبر مع السويداء.
يعكس رفض الهجري التعامل مع الدولة السورية، وترويجه لسردية الحصار المفروض على المدينة، رغم أن قوافل المساعدات الحكومية تناقض هذه السردية، نهجا يبدو مصمما بشكل أساسي لاستدعاء مزيد من التدخل الإسرائيلي في المدينة؛ بهدف تعزيز العلاقة مع إسرائيل وتعميق الهوة بين الدروز والدولة.
وقد ظهر هذا النهج بوضوح في أحداث العنف الأخيرة من خلال التدخل العسكري الإسرائيلي إلى جانب الفصائل المسلحة ضد الدولة السورية لمنع سيطرتها على السويداء. ويتطور هذا النهج الآن إلى تعميق التدخل من خلال طرح مشروع ما يُسمى “الممر الإنساني” إلى السويداء.
ويثير هذا الممر تساؤلات وشكوكا كثيرة حول أهدافه ودوافعه الخفية، فضلا عن دوافع الاستثمار الإسرائيلي في الحالة الدرزية، الذي يكشف عن المستويات الكبيرة التي وصل إليها حجم الاختراق الإسرائيلي للوضع الدرزي في سوريا.
إن الترويج للأهداف الإنسانية المزعومة لمشروع ممر السويداء الإسرائيلي يخفي وراءه أهدافا متعددة تصب جميعها في تعزيز واقع يمكن إسرائيل من استهداف هوية الدروز في السويداء وتقويض ارتباطهم بسوريا، وذلك في خدمة الطموحات التوسعية الإسرائيلية في الجنوب السوري، وتحقيق رؤية إسرائيل لسوريا الجديدة دولة غير متماسكة، غير قادرة على بسط سلطتها على كامل أراضيها.
علاوة على ذلك، فإن إسرائيل تقوم منذ فترة بإنزالات جوية متكررة في السويداء، بعدما أصبح ذلك نهجا يوميا دون وجود أي عوائق تمنعها من ذلك، مما يعزز الأهداف السياسية الخفية لمشروع ممر السويداء.
وبمعزل عن مدى فرص تحقيق هذا المشروع، الذي تحاول إسرائيل فرضه كأمر واقع، تبرز ثلاثة دوافع رئيسية له:
أولا: تسعى إسرائيل إلى تعميق اختراقها للحالة الدرزية السورية من خلال ما يُسمى بالدعم الإنساني، الذي يمكن إسرائيل من الاحتكاك بشريحة واسعة من الدروز وتوسيع قاعدة الدعم الدرزي للعلاقة معها، وهو ما لم يتحقق لها حتى الآن.
فعلى الرغم من العلاقة الوثيقة بين إسرائيل والشيخ حكمت الهجري، فإن شخصيات دينية بارزة داخل المحافظة تتجنب إظهار أي ترحيب بالتدخل الإسرائيلي، رغم أنها تبنت مؤخرا موقفا عدائيا ضد الدولة الجديدة.
كما أن الشيخ ليث البلعوس، الذي يدعم الحكومة، يعارض بشكل صريح هذا الدور الإسرائيلي، مما يشير إلى وجود انقسام عميق داخل المكون الدرزي تجاه النظرة إلى إسرائيل ودورها في سوريا، حتى لو بدا الموقف العدائي تجاه الدولة السورية الحالية سائدا على نطاق واسع في السويداء.
ثانيا: تهدف إسرائيل إلى تكريس تدخلها في الحالة الدرزية كأمر واقع، بما يعزز إستراتيجيتها وطموحاتها التوسعية في سوريا عموما والجنوب السوري على وجه الخصوص.
فمنذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، احتلت إسرائيل أجزاء جديدة من الأراضي السورية تزيد على 350 كيلومترا مربعا، بما في ذلك المنطقة العازلة ومناطق إضافية في جنوب سوريا.
كما تسعى لفرض منطقة عازلة تصل إلى عمق 15 كيلومترا داخل الأراضي السورية، مع منطقة نفوذ وسيطرة أمنية تمتد حتى 60 كيلومترا، تشمل أجزاء من محافظات القنيطرة، ودرعا، والسويداء، وريف دمشق الجنوبي.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية السويداء كركيزة في هذا المشروع الإسرائيلي، الذي اتخذ أشكالا مختلفة، بدءا بالتدخل العسكري المباشر، ثم التهجير القسري لجزء من بدو السويداء، وصولا إلى طرح مشروع الممر الإسرائيلي للسويداء.
ثالثا: تريد إسرائيل تقديم نفسها كحامية للأقليات في سوريا والمنطقة عموما، بهدف تعميق الشرخ بين الدروز ودمشق، وتحريض المكونات الأخرى في البلاد على تبني نهج عدائي ضد الدولة، لتغذية الصراعات الطائفية والإثنية في سوريا.
يندرج هذا في إطار إستراتيجية إسرائيل الواسعة في المنطقة، التي تهدف إلى إضعاف الدول المركزية الكبرى وتقسيمها وتشجيع الصراعات الطائفية والإثنية فيها لإقامة تحالفات مع الأقليات، كما تفعل مع الدروز في سوريا حاليا.
هذا النهج، إضافة إلى أنه يعزز الانقسامات في سوريا، يستهدف في حالة السويداء تغيير هوية دروز سوريا، كما فعلت مع الدروز في فلسطين التاريخية، ومن المرجح أن تمتد هذه الإستراتيجية مستقبلا لتشمل دروز لبنان أيضا.
يعكس الانخراط المكثف للدولة السورية في ملف المساعدات الإنسانية في السويداء قلق دمشق من هذه العلاقة المتنامية بين بعض التيارات الدرزية البارزة وإسرائيل، ويظهر أيضا كمحاولة للحفاظ على دور للدولة في السويداء.
ومن غير المتصور أن ترضخ دمشق للضغوط بشأن الموافقة على مثل هذا الممر. مع ذلك، فإن الاستثمار الإسرائيلي المتزايد في أزمة السويداء تحول إلى أحد أكبر مصادر الضغط التي تواجه الحكم الجديد في سوريا، ويعمل كمحرك للتحديات الأخرى التي تقوض مشروع الدولة الوطنية المتماسكة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
باحث في العلاقات الدولية
الجزيرة
——————————-
بين خيبة دروز سوريا والمطالب الانفصالية.. جنبلاط في أنقرة وعين على دمشق
19 أغسطس 2025
مرّ شهر على الأحداث الدموية في محافظة السويداء، حيث يزداد الوضع المعيشي والصحي كارثية في ظل العزلة التي تعيشها المنطقة. فطريق دمشق ما تزال غير آمنة، وقد شهدت مؤخرًا عملية خطف لثمانية أشخاص بينهم ست نساء، سبقتها حادثة هجوم مسلّح على حافلة ركاب متجهة إلى لبنان أسفرت عن سقوط ضحايا.
التواصل بين السويداء ودمشق مقطوع تمامًا، ولم يشارك أي ممثل عن جبل العرب في اجتماع عمّان الأخير، بعدما اهتزت الثقة بفعل الانتهاكات التي جرت. وقد وصفت إحدى الناشطات في ساحة الكرامة هذا الموقف بـ”الطلاق الدرزي”، في إشارة إلى استحالة العودة (المطلّقة عند الدروز لا تعود).
ويزداد المشهد تعقيدًا مع تصاعد الدعوات العلنية للانفصال عن سوريا، ورفع العلم الإسرائيلي في التظاهرات الأخيرة.
الفخ الإسرائيلي
تسهم النزعة الانفصالية في ابتعاد السويداء أكثر فأكثر عن العاصمة السورية، ما لم تُتخذ خطوات عملية من جانب دمشق لإعادة وصل ما انقطع وترميم الثقة مع الدروز. ولم تعد فكرة “إسرائيل الكبرى” مجرد حلم؛ إذ جاهر بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مكرّسًا نهج التوسع على حساب الدول العربية.
وفي خضم هذه المعادلة، وقع السوريون جميعًا في الفخ الإسرائيلي. فجاءت خطيئة السويداء، عقب الانتهاكات التي ارتُكبت، كهدية ثمينة لتل أبيب. ورغم أن إسرائيل لم تعلن صراحة عن مطلب حكم ذاتي في الجنوب السوري أو انفصال كامل عن دمشق، إلا أن الهدف المعلن حتى الآن يتمثل في إقامة منطقة عازلة ومنزوعة السلاح لا وجود فيها للجيش السوري النظامي، وهو ما يواجه برفض وممانعة تركية شديدة.
مقترح جنبلاط
يدخل الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط على خط الأزمة من باب رفض تقسيم سوريا، مفضّلًا الحل السياسي. وقد قاده ذلك في الأيام الماضية إلى تركيا، على أن يزور باريس لاحقًا كما علمت “الترا صوت”.
ويسعى جنبلاط إلى تجنيب سوريا التفتّت إلى دويلات طائفية، وحماية الدروز من الانسلاخ لصالح مشروع غير قابل للحياة أصلًا، إذ إن الدولة الدرزية التي روّجت لها إسرائيل مرارًا طوال القرن الماضي اصطدمت دائمًا برفض درزي.
ولم يسلم جنبلاط من الانتقادات التي بلغت حدّ اتهامه بالخيانة، إذ لا يزال أي حديث عن حوار مع دمشق غير شعبي في السويداء. غير أنّ الزعيم اللبناني يرى أنّ لا حل للأزمة إلا بالتواصل بين الدروز والحكومة السورية.
تحقيق دولي وممر آمن
يواصل جنبلاط مساعيه رغم الحملة التي يتعرض لها، محاولًا استباق أي تهوّر إضافي أو استغلال إسرائيلي في الوقت المستقطع. وقد سجّل تقدمًا بطرحه الأخير الذي انطلق من المطالبة بتحقيق دولي شفاف في الجرائم التي تعرّض لها أهل السويداء ومحاسبة جميع المتورطين، وهو مطلب يرفعه الحزب التقدمي الاشتراكي للمرة الأولى.
وفنّد جنبلاط مقترحه في نقاط أساسية، أبرزها:
إطلاق جميع المخطوفين وكشف مصير المفقودين.
إيصال المساعدات العاجلة إلى أبناء السويداء وفتح سبل وطرق التواصل معهم.
دعوة الدول الراعية للعمل من أجل استقرار سوريا ووحدتها، وتأمين الاحتياجات والخدمات الأساسية للمحافظة.
بناءً على نتائج التحقيق الدولي، لا بد من فتح باب الحوار المسؤول والعاقل والمصالحة بين مكونات المحافظة، وبينها وبين محيطها الطبيعي ومع الحكومة السورية، وصولًا إلى مصالحة شاملة.
صيغة سلمية تطمئن هواجس الجميع ضمن دولة جامعة وعادلة، تضمن مشاركة فاعلة لأبناء السويداء في بناء سوريا الجديدة.
وعلمت “الترا صوت” أن جنبلاط طرح هذا المقترح على الدول المعنية بالملف السوري، لا سيما خلال زيارته إلى أنقرة.
كما يتجه جنبلاط نحو عواصم القرار متسلّحًا بخطابه العقلاني منذ بداية الأحداث، في محاولة لوضع حدّ لتمدّد الفتنة أو انتقالها إلى لبنان. وقد خلق ذلك التفافًا واسعًا حوله من مختلف المكوّنات الروحية اللبنانية، وشهدت دارته في كليمنصو – بيروت سلسلة استقبالات بارزة كان لها أثر في تحصين الأمن والاستقرار في لبنان، أبرزها زيارة مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان على رأس وفد ضم جميع المفتين في المناطق اللبنانية، وبحضور رئيس الحزب الديمقراطي اللبناني طلال أرسلان.
الحضن العربي
تشكّل صورة رفع العلم الإسرائيلي في السويداء إحراجًا كبيرًا للدروز في لبنان وقيادتهم السياسية، فالمذبحة التي ارتُكبت بدروز سوريا هزّت أبناء الطائفة في لبنان بالصميم، لكنهم، رغم قساوتها، لا يريدونها مبرّرًا للانسلاخ عن تاريخهم والارتماء في حضن الإسرائيلي. ومع التفهّم لحجم الخيبة الكبيرة التي يعيشها دروز سوريا، وتصويرهم على أنهم عصابة خارجة عن القانون، يبقى الأجدى البحث عن عقد اجتماعي جديد يحفظ خصوصيتهم ومكانتهم ودورهم الشريك في بناء سوريا الجديدة.
المرحلة الراهنة دقيقة للغاية في تاريخ الموحّدين الدروز، الذين عبّروا على امتداد تاريخهم عن التحامهم بمحيطهم العربي والإسلامي، منذ نزلوا في ثغور جبال لبنان لحماية الخلافة الإسلامية في عهد الخليفة أبو جعفر المنصور.
ولا تزال المشاعر على حماوتها، لا سيما أن نحو 100 امرأة درزية ما زلن حتى اليوم مجهولات المصير، من دون أي تصريح رسمي من وزارتي الدفاع والداخلية السوريتين حولهن. كل ذلك يجعل المواجهة بالنسبة لدروز سوريا مواجهة بقاء، ومنع خطفهم من قبل المشاريع الكبرى يبقى بيد دمشق أولًا… فهل ما زالت قادرة على منحهم الأمن والأمان؟ وهل ستتجاوب مع مقترح جنبلاط لوضع حد لهذه المأساة؟
الترا سوريا
——————————
جنبلاط يطرح مبادرة للسويداء بتشجيع سعودي وتركي/ جاد فياض
الثلاثاء 2025/08/19
على رغم الموقف المستجد الذي أعلنه الرئيس السابق للحزب “التقدمي الاشتراكي” وليد جنبلاط خلال جولته الأخيرة على المشايخ، حينما ترك مسألة تقرير المصير للسويداء وأصحاب القرار ضمن فاعلياتها، إلّا أن مساعي جنبلاط لم تتوقف في محاولة لتحقيق الهدف الذي تحدّث عنه منذ بداية الاشتباك، وهو التوصّل نحو “حل سياسي”.
وفي هذا السياق، علمت “المدن” من مصادر الحزب “التقدمي الاشتراكي” أن جنبلاط اتجه نحو تركيا والتقى رئيسها رجب طيب إردوغان، وعرض المبادرة التي أطلقها الحزب قبل أيام قليلة، والتي نصّت على إجراء تحقيق دولي ومحاسبة المرتكبين، إطلاق جميع المخطوفين والكشف عن مصير المفقودين، إيصال المساعدات، إطلاق مشروع لإعادة إعمار، وإطلاق حوار ومصالحة بين السويداء ومحيطها والحكومة.
معبر إنساني للمغادرين
تقول مصادر “التقدمي” لـ”المدن” إن جنبلاط عرض مطلباً أساسياً مع إردوغان لم يذكره البيان، وهو فتح معبر إنساني يسمح للدروز الراغبين بالخروج من السويداء مغادرة المحافظة، على ألا يكون مدخل المعبر مراقباً من عناصر الأمن العام لتفادي أي إشكال أو استفزاز، وبحسب المصادر نفسها، فإن إردوغان أبدى انفتاحاً وإيجابية على مبادرة جنبلاط.
يسعى “التقدمي” لحشد دعم دولي للمبادرة، في محاولة لتشكيل ضغط في سبيل تنفيذها، كونه يعتبرها “المخرج الوحيد والحل السياسي” لمحاولة ردم فجوة الشرخ وغياب الثقة، وتفادي سيناريوهات عنفية، كتكرار المواجهات أو الاتجاه أكثر نحو المشاريع الانفصالية، ولهذا السبب، تواصل “التقدمي” مع عدد من الدول الفاعلة على خط الملف السوري.
وفق مصادر “التقدمي”، فإن المبادرة حصدت تأييداً سعودياً، وقد جرى تواصل أيضاً مع الأميركيين وتم وضعهم في أجواء المبادرة، وموقفهم إيجابي منها، وبالتالي، فإن الحركة الجنبلاطية اكتسبت صفة الإقليمية والدولية، ومن المرتقب أن يتجه جنبلاط نحو فرنسا وسيعرض مع رئيسها إيمانويل ماكرون ملف السويداء وملفات لبنانية.
حل سياسي مع الحكومة السورية
يعتبر جنبلاط ألا أفق لأزمة السويداء سوى الحل السياسي بين دروزها والحكومة السورية، وكل حديث عن مشاريع انفصالية ودويلة درزية يبقى خارج سياق المنطق السياسي والجغرافي، لأن البعد الطبيعي والحيوي للسويداء هو دمشق ودرعا، وليس إسرائيل، وحتى الأردن لم يوافق على فتح معبر إنساني من إسرائيل إلى السويداء مروراً بأراضيه، وفق ما نقل موقع “أكسيوس”.
ويرفض جنبلاط أن يكون الدروز كبش محرقة وأدوات إسرائيلية لتنفيذ مشاريع استراتيجية في الجنوب السوري، في ظل محاولات تل أبيب لإنشاء منطقة أمنية، ويفضّل أن تبقى العلاقة بين الدروز وباقي مكونات الشعب السوري إيجابية، ومن هذا المنطلق أطلق مبادرته ويواصل عمله لحشد التأييد الدولي لها وبدء تنفيذها، لكن العين على تطبيق المبادرة على أرض الواقع.
———————————-
=======================
تخديث 18 آب 2025
—————————-
توحيد سوريا… ورفع علم إسرائيل!
رأي القدس
18 آب 2025
قدّم الرئيس السوري أحمد الشرع في حديث نُشر أمس الأحد، ما يمكن اعتباره رد دمشق على ما جرى في محافظة السويداء السورية من مظاهرات مناهضة مطالبة بالانفصال شهدت رفع بعض المحتجين علم إسرائيل، ووضعه على مقام شيخ العقل يوسف جربوع، بالتزامن مع شعارات مؤيدة لشيخ عقل آخر، هو حكمت الهجري، الذي يعتبر رمز هذا الحراك.
يعتبر ما حصل أمس ذروة سياسية لأحداث عنف بدأت في المحافظة السورية في 13 تموز/ يوليو بين مسلحين دروز، من جهة، ومقاتلين من العشائر وأفراد الأمن والجيش، من جهة أخرى، مما أدى إلى مصرع أكثر من 1600 شخص بينهم عدد كبير من المدنيين، وتخللت ذلك انتهاكات وعمليات إعدام طالت العديد من الدروز، كما شهدت انتهاكات وعمليات خطف طالت الأقلية العشائرية الساكنة في السويداء مما أدى إلى تهجير الآلاف منهم، وترافق كل ذلك مع غارات إسرائيلية عنيفة استهدفت عناصر الأمن الداخلي والقوات المسلحة السورية، وضربت مبنى أركان الجيش السوريّ ومنطقة قريبة من القصر الجمهوري، مع تصريحات خطيرة لكبار المسؤولين الإسرائيليين تهدد القيادة السورية، والشرع شخصيا، بالاستهداف، وتنصّب نفسها مسؤولة عن «حماية الدروز».
عزا الشرع الأحداث الآنفة في السويداء إلى عاملين: الأول هو «فئة تحاول أن تؤزم المشهد وعندها نوايا ليست جيدة» والثاني هو تدخل إسرائيل «بشكل مباشر» ومحاولتها تنفيذ سياسات «لإضعاف الدولة أو محاولة اختلاق حجة للتدخل» لكنّه أقر بحصول «تجاوزات من كل الأطراف» واعتبر أن الدولة ملزمة بمحاسبة كل من قام بهذه الانتهاكات.
الجديد، والمهم، في حديث الشرع كان إعلانه أن «توحيد البلاد لا يجب أن يكون بالدماء والقوة العسكرية» وهو أمر يدلّ على أن إدارة الحكم في سوريا الجديدة أدركت حصول خطأ جسيم في ما حصل في محافظة السويداء، وهو أمر يمكن سحبه أيضا على الأحداث التي جرت في الساحل السوري وحصلت خلالها انتهاكات شديدة قام تقرير نشرته الأمم المتحدة مؤخرا بالتحقيق فيها وتحميل مسؤوليتها لأطراف من قوى مناصرة لنظام بشار الأسد، ولأطراف مسلحة منضوية تحت الحكم الجديد.
أشار الشرع إلى وجود خلافات مع الأكراد رغم توقيعه ومظلوم عبدي، قائد «قوات سوريا الديمقراطية» اتفاقا على الانضمام للدولة السورية في 10 آذار/ مارس الماضي، معتبرا أن الأكراد يعلنون استعدادهم لتطبيق الاتفاق «ولكن تبدر منهم على الأرض إشارات معاكسة لما يقولونه في المفاوضات والإعلام».
إلى كون الحديث الآنف توصيفا معقولا للأوضاع على الأرض، وشرحا لأسباب ما يحصل من أحداث، وإقرارا بمسؤولية الحكم عما يحصل في البلاد، وكلّها إشارات تدلّ على واقعية كان غيابها أحد أسباب الهاوية السوداء التي وقعت فيها سوريا خلال سنوات حكم بشار الأسد وطغمته.
خطا الرئيس السوري خطوة شديدة الأهمية في التفكير السياسي السوري (والعربي) بإعلانه صراحة عن رغبة في نبذ أسلوب القوة العسكرية وسفك الدماء في مسعى الحكم الجديد لتوحيد البلاد وهو قرار، رغم ما يبدو عليه من صعوبة التحقيق، فإنه يبدو، في الظروف الداخلية والإقليمية المتأزمة، الشرط اللازم لرأب الصدع مع مجمل الدروز (الذين تحدّث الشرع عن كون 90٪ منهم مرتبطين بوطنهم السوري) وهو ما ينطبق على باقي السوريين عموما، بمن فيهم العلويون الذين يفترض أن تؤمن سوريا الجديدة الأمان والإحساس بالانتماء لهم، وهو شرط ينطبق أيضا على التطبيق المأمول للاتفاق مع الأكراد.
أما ما جرى من رفع مواطنين سوريين علم إسرائيل، فيمكن أن يجمع بين ردود الفعل القصوى على الانتهاكات (وهذا عنصر طاغ لدى الناس على اختلاف طوائفهم) و«سياسة النكد» الشعبوية في أشكالها الأكثر تحريضا وهياجا وبؤسا، من دون أن نستبعد طبعا ما ذكره الشرع عن «النية السيئة» و«التدخّل الإسرائيلي» مضافا إليه «الذباب الإلكتروني» الذي يتراوح بين أجهزة مخابرات متخصصة ومعتوهين هائجين جاهزين للانضمام إلى أي دعوة للقتل والتحشيد القومي والطائفي والانفصال و«الانضمام لإسرائيل»!
القدس العربي
————————
خديعة التسطيح الشعبوي لمبدأ تقرير المصير شديد التعقيد/ فضل عبد الغني
2025.08.18
يُعدّ مبدأ تقرير المصير من أكثر مبادئ القانون الدولي العام تعقيدًا وإثارةً للجدل، إذ يتولّد عنه توترٌ بنيوي مع مبدأي سيادة الدولة وسلامة أراضيها، وهما ركيزتان لا تقلّان أهمية، وتمثّل هذه الثنائية مفارقةً مركزية في القانون الدولي: ففي حين يقتضي الاعتراف بحقوق الشعوب في اختيار وضعها السياسي، يلتزم المجتمع الدولي في الوقت ذاته بصون استقرار الحدود ومنع تفتيت الدول. ومنذ تحوّل أطروحة وودرو ويلسون السياسية إلى حق قانوني مُكرَّس في ميثاق الأمم المتحدة والصكوك اللاحقة، ظلّ المسار محكومًا بموازنة دقيقة بين تطلعات الشعوب المشروعة ومتطلبات الاستقرار الدولي. وقد أفضى هذا التوتر المتأصّل إلى بناء معياري ذي طبيعة هرمية: فمع أنّ تقرير المصير مُعترفٌ به كحقّ أساسي، فإن ممارسته العملية خضعت ـ عبر آليات قانونية ومناهج تفسير متعددة ـ للأولوية التي تُمنح عادةً لسلامة الإقليم في مواجهة المطالبات الانفصالية.
الإطار القانوني وتطوّر حق تقرير المصير
تعود الجذور النظرية لتقرير المصير إلى صياغة الرئيس وودرو ويلسون لهذا المبدأ امتدادًا لفكرة واردة في إعلان استقلال الولايات المتحدة تُقرّ بأن الحكومات تستمدّ سلطتها العادلة من رضى المحكومين، وقد جادل ويلسون بأنّه لا ينبغي لأي دولة أن تبسط نظامها السياسي على دولةٍ أو شعبٍ آخر، بما أسّس قاعدةً مفهوميةً تحوّلت تدريجيًا إلى مبدأ معترف به في القانون الدولي. ونال هذا المبدأ اعترافًا قانونيًا رسميًا بإدراجه في ميثاق الأمم المتحدة؛ إذ نصّت المادة 1(2) على تنمية العلاقات الودّية بين الدول على أساس احترام مبدأ المساواة في الحقوق وحق الشعوب في تقرير مصيرها بوصفه من مقاصد الأمم المتحدة، غير أنّ هذه الصياغة اتّسمت بقدر من الغموض المتعمّد عكسَ توازنات القوى الاستعمارية والدول الناشئة، فبدت كحقّ مشروط لا يُمكّن من الحكم الذاتي إلا بقدر ما تسمح به البُنى الاستعمارية آنذاك.
وقد تبلور الوضع القانوني لتقرير المصير بوضوح مع العهدين الدوليين لعام 1966 بشأن الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حيث كرّرا بصياغةٍ متطابقة أنّ لجميع الشعوب حقًا في تقرير المصير يتيح لها تحديد وضعها السياسي بحرية، والسعي بحرية إلى تنميتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وتجاوزت هذه الصياغة الطابع الشرطي الذي شاب الميثاق، فأرست تقرير المصير كحقّ عالمي، وإن ظلّ تطبيقه العملي مقيدًا بمبادئ قانونية متنافسة. وصقل إعلان مبادئ القانون الدولي بشأن العلاقات الودّية لعام 1970 المفهومَ أكثر بتأكيده أنّ ممارسة تقرير المصير يجب ألّا تمسّ السلامة الإقليمية والاستقلال السياسي للدول ذات السيادة، وهو ما كرّس التوتر الحاسم الذي ما يزال يوجّه مقاربة القانون الدولي لمطالبات تقرير المصير.
طوّر القانون الدولي أشكالًا متمايزة لتقرير المصير تواكب اختلاف السياقات والتطلعات السياسية، ويُعدّ تقرير المصير الخارجي، المؤدي إلى قيام دولةٍ مستقلة، الشكلَ الأكثر دراماتيكيةً والأشدّ تقييدًا في آنٍ معًا. أمّا تقرير المصير الداخلي، بما ينطوي عليه من حكمٍ ديمقراطي وحكمٍ ذاتي داخل الدول القائمة، فقد برز بوصفه آليةَ التنفيذ المُفضَّلة، إذ يوفّر سبيلًا لتحقيق تطلعات الجماعات من دون مساسٍ بالحدود المعترف بها. وتطوّرت كذلك فئاتٌ إضافية، منها تقرير المصير للشعوب الأصلية وتقرير المصير الاقتصادي، لمعالجة أوضاعٍ ومطالباتٍ مخصوصة، غير أنّها تعمل جميعًا ضمن قيودٍ وازنة يفرضها مبدأ السلامة الإقليمية.
ويُنشئ التفاعل بين تقرير المصير وسيادة الدولة ما يعتبره فقهاء القانون أحد أكثر تناقضات القانون الدولي تعقيدًا، فالمادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة تحظر التهديد باستعمال القوة أو استعمالها ضدّ السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة، بما يضع حدًا ظاهرًا أمام المطالبات الانفصالية المتذرّعة بتقرير المصير. وقد سعى إعلان العلاقات الودّية لعام 1970 إلى ضبط هذا التوتر بتقريره أنّه لا يجوز تفسير تقرير المصير على نحوٍ يُجيز أو يُشجّع أي عملٍ يمسّ وحدة الدول ذات السيادة واستقلالها، مع حصر الاستثناءات في حالات الهيمنة الاستعمارية أو الاحتلال الأجنبي أو الأنظمة العنصرية. وهكذا ترسّخت علاقةٌ هرميةٌ بين المبدأين تُغلِّب، كقاعدة عامة، سلامةَ الإقليم عند تعارضها مع مطالب الانفصال.
معايير الاعتراف والرفض المنهجي لمطالبات تقرير المصير
لا تزال المعايير القانونية الحاكمة لتقييم مطالبات تقرير المصير محلّ نزاع وتُطبَّق بصورة غير متسقة في القانون الدولي، على نحوٍ يعكس الطابع السياسي لقرارات الاعتراف وتفضيل المجتمع الدولي الحفاظَ على بنى الدولة القائمة، وقد أرست القواعد الدولية تمييزًا بين تقرير المصير الداخلي والخارجي؛ فالأول، بما ينطوي عليه من حكمٍ ذاتي وترتيبات ديمقراطية داخل الدولة، يحظى بقبولٍ أوسع. في حين يخضع الثاني، المؤدي إلى الاستقلال أو الانفصال لقيودٍ صارمة. وفي السياقات الاستعمارية، أُقرّ حقٌّ غير مشروط في تقرير المصير الخارجي كما كرّسه إعلان منح الاستقلال لعام 1960 وقرارات الأمم المتحدة اللاحقة. أمّا خارج سياق الاستعمار، فلا يعترف القانون الدولي إلا بظروفٍ محدودة للغاية لتقرير المصير الخارجي، مع بروز مفهوم الانفصال العلاجي في الأدبيات بوصفه مسوِّغًا محتملًا عندما تتعرّض جماعةٌ لقمعٍ جسيم مع استنفاد سبل الانتصاف كلها؛ غير أنّ هذا المفهوم يفتقر إلى أساسٍ قانوني واضح وتطبيقٍ متّسق.
ويجسّد مبدأ «الحيازة القائمة » (uti possidetis juris) والذي يقضي بالإبقاء على الحدود الإدارية الموروثة عند الاستقلال، محاولة القانون الدولي المواءمةَ بين المبادئ المتعارضة مع الحؤول دون تجزئة الأقاليم، وقد طُبِّق هذا المبدأ على نطاقٍ واسع في أميركا اللاتينية وأفريقيا، وخلال تفكّك الاتحاد السوفيتي وجمهورية يوغوسلافيا الاتحادية الاشتراكية وتشيكوسلوفاكيا، بما يقيِّد مسارات الانفصال عبر تثبيت الحدود القائمة، رغم ما أثاره تطبيقه من جدلٍ خصوصًا حيث لم تُصمَّم الحدود الإدارية ابتداءً كحدودٍ دولية. وأسهمت قرارات لجنة بادينتر خلال تفكّك يوغوسلافيا، والتي سعت إلى إرساء إطار قانوني للتفكك المنظّم، في تكريس قراءةٍ تُجزِّئ الواقع من غير قصد، عبر تأييد قومياتٍ ثقافية داخل حدودٍ ثابتة ودعم تقرير المصير السياسي على أساس الحدود الداخلية القائمة؛ الأمر الذي يكشف عن الطبيعة المعقّدة، وأحيانًا المتناقضة، للمقاربات القانونية الدولية لتقرير المصير.
ويعكس الرفض المنهجي لمطالبات تقرير المصير تداخُل اعتباراتٍ قانونية وسياسية تُعطي الأولوية لاستقرار الدولة على تطلعات الاستقلال، فمبدأ السلامة الإقليمية يُنشئ قرينةً قويةً ضد الاعتراف بالانفصال، ويُحصر الحقّ في الانفصال عمليًا في حالاتٍ خاصة مثل إنهاء الاستعمار ومقاومة الاحتلال والأنظمة العنصرية، بما يُقصي معظم الحركات المعاصرة. وغالبًا ما تطغى الحسابات الجيوسياسية على الحجج القانونية في قرارات الاعتراف، فتُحدِّد أنماطَ الاعتراف أكثر مما يفعل التطبيق المتّسق للمعايير. كما تقيم الدساتير الوطنية قيودًا داخلية على مطالبات الانفصال، إذ تحظر كثيرٌ منها الانفصال صراحةً، وهي حواجز قانونية يميل القانون الدولي إلى احترامها.
ويفاقم غياب معايير دولية دقيقة هذا التعثّر، خصوصًا في تعريف «الشعوب» المخوَّلة بممارسة تقرير المصير، ويُتيح هذا الغموض للدول والمنظمات الدولية رفضَ المطالبات عبر التشكيك في استيفاء الجماعات المطالِبة لصفة «الشعب» بمقتضى الصكوك ذات الصلة. وتؤثّر التخوّفات الاقتصادية والأمنية في قرارات الرفض؛ إذ تخشى الدول من سوابق قد تُشجّع حركاتٍ انفصالية موازية، ويعكس تركيز المجتمع الدولي على إبقاء الحدود مستقرةً هواجسَ الانزلاق الإقليمي وما قد ينجم عنه من آثارٍ متسلسلة، فتغلّب هذه الاعتبارات العمليةُ ــ في الغالب ــ على الحجج القانونية أو الإنسانية المؤيِّدة لمطالبات تقرير المصير.
ورغم أنّ نظرية “الانفصال العلاجي” تتيح إطارًا محتملًا لتبرير تقرير المصير الخارجي خارج السياق الاستعماري، فإنها تظلُّ إلى حدٍّ كبير نظريةً غير مقرونةٍ بممارسةٍ حكومية متّسقة أو بتزكيةٍ قضائية واضحة. وتحدّد الأدبياتُ معاييرَ تراكميةً؛ منها وجود شعبٍ مميَّز قادرٍ على تقرير المصير، وتعرّضه لاضطهادٍ منهجي أو لانتهاكاتٍ جسيمة من الدولة الأم، واستحالةُ تقرير المصير الداخلي ذي المعنى، وكون الانفصال خيارًا أخيرًا. غير أنّ هذه المعايير تبقى محلَّ نزاع وتتأثّر سياسيًا، إذ يعتمد الاعتراف عمليًا على اعتباراتٍ جيوسياسية أكثر من اعتماده على تطبيقٍ ثابت للقواعد. وقد أرست مرجعيةُ انفصال كيبيك الصادرة عن المحكمة العليا الكندية مبادئ مهمّة تؤكد أنّ القمع الشديد قد يبرّر الانفصال في ظروفٍ قصوى، وأن أيَّ انفصالٍ يجب أن يحترم الأطر الدستورية والتفاوض بحسن نيّة مع السلطة المركزية؛ ومع ذلك، فإن الأثر الدولي لهذه المبادئ ما يزال محدودًا.
خاتمة
يكشف تحليل العلاقة بين حق تقرير المصير وسيادة الدولة في القانون الدولي عن بنية معيارية معقّدة تُقِرّ بتقرير المصير كحقّ أساسي، لكنها تُخضِع ممارسته لقيودٍ صارمة تُغَلِّب سلامة الإقليم وسيادة الدولة. ويُظهر الانتقال من طرح ويلسون السياسي إلى تكريسه القانوني الراهن كيف سعى القانون الدولي إلى التوفيق بين قيمٍ ومصالح متعارضة عبر إطارٍ هرمي يُتيح ممارسة تقرير المصير أساسًا في سياقات الاستعمار وإنهائه، في حين يُقيَّد خارجها على نحوٍ ملحوظ، ويعكس هذا التوتّر تحدّي الموازنة بين الاستقرار والعدالة: إذ يؤدي الافتراض لمصلحة سلامة الإقليم وظيفةً حيوية في صون السلم الدولي، لكنه يُحبط في المقابل تطلعاتٍ مشروعة لجماعاتٍ تسعى إلى حكمٍ ذاتي أوسع أو إلى الاستقلال.
ويُبرز نهج النظام القانوني الدولي تفضيلًا واضحًا للحلول الداخلية، من خلال الديمقراطية التشاركية، وترتيبات الحكم الذاتي، وحماية حقوق الأقليات، على تقارير المصير الخارجية، بما ينسجم مع طبيعته المتمركزة حول الدولة، والأولوية الممنوحة لمنع تجزئة الأراضي. كما تُفضي معايير الاعتراف التقييدية، وطابع قرارات الاعتراف السياسي، وغيابُ ضوابطٍ قانونيةٍ واضحة، إلى ندرة النجاحات في مطالبات تقرير المصير، واتكائها غالبًا على ظروفٍ استثنائية أو على توافقٍ مع مصالح القوى المؤثرة.
تلفزيون سوريا
—————————–
الفيدرالية في سورية بين توحيد الدولة وتمزيق الشعب/ سميرة المسالمة
18 اغسطس 2025
يخطئ كثيراً من يعتقد أن سورية تواجه خطر تفكّك وحدتها الجغرافية أو فقدان السيادة على أجزاء من أراضيها، فقط. الأكثر أهمية من هذَين الخطرَين (أو مصدرهما) يتعلّق بفقدان الشعب السوري وحدته، أو هُويَّته الوطنية شعباً، مع تصعيد الصراع الهُويَّاتي الذي يكتسب معاني كيانية سياسية. في الماضي، كان الاعتقاد أن المشكلة الأساسية على هذا الصعيد تتعلّق بالمسألة الكردية، ذات الطابع الإثني، التي باتت لها تمثيلات كيانية مع قوة مليشياوية وموارد وعلاقات خارجية، لكن التطوّرات في محافظة السويداء تحديداً كشفت أن الأمر لا يتعلّق بمشكلة إثنية فقط، وإنما أيضاً بمسألة طائفية لها امتدادات خارجية مستفيدة من تنمية الصراع وتشعيبه في الداخل السوري تحت شعارات الحرية والديمقراطية ورفض الحكم الديني.
لطالما كانت البيئة الشعبية في السويداء محسوبةً على الثورة السورية، وشكّلت حالة عصيان مدني ضدّ نظام الأسد في السنوات الأخيرة من حكمه، ما جعلها جزءاً مهمّاً من خريطة الثورة، إلا أن ثمة طرفاً خارجياً، هو إسرائيل، يستثمر في الخلافات الداخلية، وينفخ فيها، حتى صارت جاهزةً للانفجار والتشظّي، لإضعاف سورية دولة ومجتمعاً، وأيضاً، لتفكيك وحدة الشعب.
للموضوعية، لا يمكن توجيه الاتهام لأحد بعينه أنه صاحب كرة المشكلات التي تدحرجت ليعلق فيها كلّ وسخ الطائفية، ولا يوجد طرف واحد يتحمّل مسؤولية كلّ ما يجرى منذ 8 ديسمبر (2024)، أي منذ انهيار النظام وتلاشي مؤسّسات الدولة، سيّما الأمنية والعسكرية، وعندها وجدت سورية، بكلّ أطرافها ومكوّناتها وقواها السياسية والمليشياوية، نفسها إزاء تركة ثقيلة ومعقّدة للنظام البائد، الذي اشتغل خلال قرابة ستة عقود في تجريف السياسة في سورية، وتصحير المجتمع السوري، وقتل معنى المواطنة، وبتر يد المجتمع المدني. ومع ما تقدّم كلّه لا يعفي ذلك السلطة الانتقالية من المسؤولية، باعتبارها المعنية بإدارة البلاد وتنظيمها على الصعيدَين، الداخلي والخارجي، وبخاصّة بعد انتهاج مبدأ المركزية الشديدة في كلّ ما يتعلّق بالمرحلة الانتقالية الأولى، مع ملاحظة واقعية أيضاً، أن سرعة انهيار النظام، وتنوّع الفصائل وأيديولوجياتها، التي شاركت في المسير نحو دمشق، يضعفان بشكل أو بآخر ما يمكن تسميته بـ”القرار المركزي” للسلطة الانتقالية، ما يجعل احتمالات الانفلات الأمني كبيرةً وواسعةَ التمدّد الجغرافي.
مع ذلك، تتحمّل مختلف الأطراف والمكوّنات السورية بعضاً من المسؤولية، كلّ بقدر إمكاناته، وبقدر تكيّفه مع الوضع، أو بقدر طموحاته بعد التحوّل السوري، وهذا يعني أن القوى السياسية والمليشياوية، سواء في شمال شرقي سورية (قوات سوريا الديمقراطية) أو في الجنوب، مع قيادة روحية تتمثّل في الشيخ حكمت الهجري والمجلس العسكري، تتحمّل مسؤولية انتهاج سياسة استفزاز للقيادة الانتقالية، والتهديد بخطر الانقسام تحت حماية دولة الاحتلال الإسرائيلي، أو التفكيك، تحت شعارات الفيدرالية، التي تعني الحفاظ على سلطة الأمر الواقع. فالتأسيس لدولة لا مركزية موحّدة يخالف طرح صيغة الفيدرالية على أساس هُويَّاتي (طائفي أو إثني)، أي تمزيق الشعب السوري، وهو أمر يتناقض مع معظم الصيغ الفيدرالية في العالم، التي تتأسّس على معايير جغرافية، وأيضاً لأنه يتناقض مع حقيقة أن الصيغ الفيدرالية تُبنى على أساس دولة مواطنين، أحرار ومتساوين، ودولة يحكمها دستور وقوانين، وليس بناء على مكوّنات هُويَّاتية، إثنية أو طائفية أو عشائرية. المشكلة أن أصحاب الأطروحات الهُويَّاتية والإثنية يقتلون معنيي الدولة والمواطنة، وفوق ذلك يرفعون شعارات الدولة المدنية التي تعني لا دينية ولا عسكرية، بغرض “إفحام” السلطة الحالية المتهمة بمرجعيتها الدينية، في وقتٍ ينادون بدولة طائفية على أساس ديني أو قومي، ما يبدّد ادّعاءات الرغبة في دولة حكمها ديمقراطي لا طائفي وفقاً لقرار مجلس الأمن 2254، الذي أعيد إلى الحياة بعد موات نحو عشر سنوات (من يوم مولده).
ومن المفيد التذكير بأن حقّ المواطنة مطلب لكلّ السوريين، لا تختصّ به محافظة من دون أخرى، واختلافنا حول الطرق التي تنتهجها مجموعات تحت ستار المطالبة به، لا يعني التخلّي عنه، كما أن إدانة مطالب التدخّل الإسرائيلي من بعض المجموعات في السويداء لا تنفي أو تقلّل من الاعتزاز بالدور الوطني والتاريخي لأهلنا في تلك المحافظة، ورفض الانتهاكات والممارسات التعسفية كلّها في حقّ المدنيين، وهذا يتطلّب بالمثل رفض مصادرة رأي شعبنا في السويداء لصالح طرف معيّن، بات لا يخفي دعوته إلى تدخّل إسرائيل، بل والطلب منها احتلال محافظته.
في المقابل، يفترض هذا من القيادة الانتقالية في سورية تأكيد التزامها بناء الدولة، دولة مؤسّسات وقانون لكلّ السوريين، والعودة إلى طاولة الحوار لبناء هيكلية العقد الاجتماعي الذي يحقّق الحريات والمشاركة العادلة للمكوّنات، ويمنع تفتّت الدولة وتشرذمها، وتالياً توحيد القوات الأمنية وضبطها وتأهيلها، ووضع حدّ لظاهرة الفصائلية بكلّ تسمياتها ومرجعياتها، وكذلك الفزعات الفوضوية، لأن هذه الظواهر تتناقض مع إقامة دولة المواطنة التي حلم بها وناضل من أجلها كلُّ السوريين.
العربي الجديد
————————————–
السويداء والخطأ الاستراتيجي: كيف حوّلت دمشق القوّة إلى مأزق؟/ جمال حمور
18 اغسطس 2025
أخطأت السلطة الحالية في دمشق لأنّها دخلت السويداء وهي أسيرة لوهم صنعته بنفسها: ظنّت أن وصفة “الضبط بالقوة” التي نجحت معها في الساحل قابلة للاستنساخ حرفياً في بيئة تختلف جذرياً، من حيث البنية الاجتماعية وشبكات الامتداد عبر الحدود وحساسية الهوية. وما منح هذا الوهم زخماً كان قراءة متفائلة لرسائل دبلوماسية ملتبسة خرجت من اللقاء الأول في أذربيجان؛ إذ فهمت دمشق أن إسرائيل لن تضع فيتو على دخول وحدات الجيش إذا قدم التدخل باعتباره “استعادةً للأمن” في مواجهة انفلات السلاح والصراع الأهلي، لكن سوء الفهم في السياسة الخارجية لا يترتب عليه فراغ، بل يترتب عليه حساب خاطئ للقوة وحدودها، وهنا بدأ الخطأ الاستراتيجي الذي تحوّل سريعاً إلى مأزق.
من الجدير بالذكر أن ما بدأ في اللاذقية لم يكن حالة مفاجئة أو تجربة عشوائية، بل كان تدخلاً للسلطة في مواجهة فلول النظام السابق الذين كانوا سبباً مباشراً في الهجمات على الساحل، وهو ما وفّر لها مبرراً لفرض القوة على نحوٍ واسع هناك. أما السويداء، فكانت حالة مختلفة تماماً، تُظهر كيف أن السلطة أساءت تقدير واقع الجنوب، وخلطت بين نموذج “الساحل” وخصوصية البنية الاجتماعية الدرزية، فدخلت في سباق تحليل مضلّل بين واقع المنطقة وتقديراتها السابقة.
لم تمضِ سوى أيام على بدء العملية في السويداء حتّى انهارت فرضية “الموافقة الضمنية” مع أولى الضربات الإسرائيلية الواسعة، التي طاولت مواقع في المحافظة وعلى نحو أكثر إحراجاً مراكز حساسة في دمشق نفسها، بذريعة حماية الدروز ومنع توسع العمليات الحكومية جنوباً. بهذا المعنى، ما حسبته السلطة “نافذة فرصة” تبيّن أنه حقل ألغام مفتوح على تدخل إقليمي مباشر يملك تفوقاً جوياً لا تستطيع مجاراته.
وإذا كانت القوة في اللاذقية قد اشتغلت على تعبئة الخوف الداخلي والاصطفاف حول “الحامي”، فإن السويداء كانت، بحكم تاريخها القريب، أكثر امتناعاً على هذا النمط. فالمجتمع الدرزي هناك يدير أمنه المحلي منذ سنوات عبر شبكات متفرعة من الفصائل والمرجعيات الأهلية، ويملك امتدادات تضامنية مع دروز فلسطين والجولان تجعل أيّ عنف واسع ضدّه مادةً لتحرك سياسي وإعلامي خارج الحدود. وحين دخلت وحدات من الداخلية والجيش على وقع تصاعد الخطف المتبادل والكمائن القبلية، لم تستقبلها البنية المحلية بوصفها “قوة ضبط حيادية”، بل بوصفها طرفاً جديداً في معادلة ثأرية متقلبة، فتبدّلت فوراً الصورة التي أرادت دمشق تسويقها عن نفسها حكماً محايداً إلى صورة طرف في نزاع أهلي.
تعمقت هذه الصورة بوقائع موثقة: من تقارير “هيومن رايتس ووتش” عن انتهاكات وسلوكيات عقابية وسوء حماية للمدنيين، إلى مشاهد صادمة من داخل مستشفى السويداء الوطني وثقتها منصات محلية وراجعتها وكالات عالمية، أظهرت قتلاً ميدانياً لشخص أعزل على أيدي عناصر بزي عسكري داخل حرم طبي، قبل أن تعلن الداخلية فتح تحقيق وتعيين مسؤول أمني رفيع للإشراف عليه. هذه الحوادث لا تغيّر ميزان الرصاص فحسب، بل تغيّر ميزان الشرعية أيضاً: من يستدعي العدالة بعد وقوع جريمة داخل مستشفى لا يستطيع في الوقت نفسه ادّعاء احتكار مشروع للعنف من دون مساءلة.
بموازاة ذلك، تبدّلت توازنات القوة على الأرض بسرعة قياسية، فالضربات الإسرائيلية لم تكن “نيران إزعاج” على أطراف المشهد، بل كانت فيتو جوياً صريحاً على محاولة فرض وقائع ميدانية بالقوة، شمل استهداف أرتال في طريقها جنوباً ومقار قيادية في العاصمة، ثم تجدد لاحقاً داخل المحافظة نفسها. النتيجة المباشرة كانت تقليص هامش الحركة للقوات الحكومية، وتبدّد أثر الصدمة الذي سعت العملية لإحداثه في الساعات الأولى، وارتفاع معنويات الفصائل المحلية التي قرأت التدخل الخارجي بوصفه تعويضاً عن اختلال موازين السلاح. ففي لحظة حرجة، انتقل الملف عملياً من كونه مسألة “أمن داخلي” إلى أزمة إقليمية تُدار بقواعد اشتباك تكتب خارج دمشق، فخسرت السلطة مزية المبادرة، ووجدت نفسها مجبرة على قبول تقنين انتشارها ومديات نيرانها في الجنوب ضمن ترتيبات هدنة رعتها وساطات أميركية وتركية وعربية.
عند هذه العقدة تحديداً عاد مسار أذربيجان إلى الواجهة، لا بوصفه “نافذة مرور” للحسم، بل بوصفه غرفة تبريد تمنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع، وتضع خطوطاً ناظمة للسلوك في الجنوب. اللقاء الثاني في باكو جاء بعد الصدمة الجوية الإسرائيلية، وبدا من تسريبات متعدّدة أنه خُصص لصياغة تفاهمات عملية: أي نوع من الوحدات يُسمح لها بالاقتراب من خطوط التماس، وما هي ضوابط الحركة والتموضع، وكيف تصان سلامة المدنيين الدروز، وما هو مصير الأسلحة الثقيلة قرب المناطق المأهولة. اللافت أن معظم التسريبات نسبت الأخبار إلى مصادر دبلوماسية تحدثت لوكالة “فرانس برس”، وكررتها منصات عربية وغربية، مع الإشارة إلى لقاء سابق في باريس جمع الوزيرين نفسيهما. الرسالة السياسية هنا قاسية على السلطة: الدخول الذي أُريد منه أن يُثبت سيادة الدولة انتهى إلى وضعٍ تُدار فيه السيادة عبر تفاهمات خارج الحدود، وبوساطة أطراف بعضها كان، حتى الأمس القريب، يصنف في خانة الخصوم.
من زاوية تحليلية، يمكن تفكيك أسباب الخطأ على ثلاثة مستويات متداخلة. في المستوى الأول؛ خطأ إدراكي كلاسيكي: “إسقاط المرآة” من تجربة اللاذقية على السويداء. أسلوب التجييش القائم على الخوف والاصطفاف خلف “الحامي” يعمل حين تكون البنية الاجتماعية متماسكة عمودياً ويكون للحاكم رصيد تاريخي من الحماية مقابل الولاء. في السويداء، البنية موزعة أفقياً، والقرار المحلي يقبل المساومة لكنّه يرفض الإكراه، والشرعية لا تعطى سلفاً بل تكتسب عبر التفاوض وحماية الكرامة الأهلية. وحين دخلت القوة أولاً وجاء العرض السياسي لاحقاً، انقلب ترتيب الفاعلية: القوة صارت دليلاً على غياب النية التوافقية، لا أداةً لفرض الأمن.
في المستوى الثاني؛ خطأ في قراءة “متغيّر إسرائيل”. اللقاء الأول في باكو أُسيء فهمه: ما بدا تساهلاً إسرائيلياً تجاه دخول منضبط للجيش فُسّر في دمشق على أنه موافقة على حملة قسرية شاملة. لكن إسرائيل طالما علَّمت المنطقة أن خطوطها الحمراء ليست نصوصاً مكتوبة بقدر ما هي إدارة ميدانية للتهديد. فهي تسمح بما لا يمسّ صورتها أمام جمهورها ولا يضيف مخاطرة على حدودها، وتمنع ما قد يُحرّك شبكات تضامن داخلية حساسة، كما في حالة الدروز. وعندما ترجم الواقع هذا المنطق بضربات معلنة على دمشق والجنوب بذريعة “حماية الدروز”، كان ذلك نفياً عملياً لأي رهان على “تساهل” طويل النفس. عنصر قوةٍ اعتقدتْ السلطةُ أنه في صالحها تحوّل إلى أداة ضغط ضدها.
في المستوى الثالث؛ خطأ في التسلسل وإدارة الصورة. كان يمكن نظرياً البدء بمقاربة “أمن بالتفاوض” تُشرك المرجعيات الأهلية وتضبط السلاح عبر آليات محلية، ثم تستخدم جسراً لإعادة انتشار هادئ لمؤسسات الدولة، مع التزام علني ومراقب بحقوق المدنيين وحماية المرافق الصحية. بدلاً من ذلك، تقدّمت الدبابة على الرسالة السياسية، وتبعتها وقائع قاسية على الشاشات: أرقام قتلى ونازحين غير مسبوقة منذ التحول السياسي، ومشاهد انتهاكات داخل منشآت طبية، وسردية إعلامية عالمية عن دولة فقدت موقع الحكم الحيادي وتحولت طرفاً في الاقتتال. على هذا الإيقاع، لم يعد السؤال: كيف تستعيد السلطة النظام؟ بل: كيف تستعيد صورتها وهيبتها، وكيف تمنع تدويل الجنوب إلى الأبد؟
قد يقال إنّ غياب التدخل الإسرائيلي كان سيقلب النتيجة على الأرض. فالسيناريو الأكثر ترجيحاً أن السويداء كانت ستخضع تدريجياً لدمشق بفعل الكلفة العالية للاستنزاف على فصائلها، حتى لو جاء الخضوع عبر اتفاقات إذعان محلية لا عبر حسمٍ خاطف. لكن التحليل الاستراتيجي لا يقف عند احتمال “ماذا لو”، بل يزن الكلفة والعائد. حتى في هذا السيناريو، ما كان سيتبقى هو فجوة شرعية عميقة وحمولة أخلاقية وسياسية ستدفعها الدولة الوليدة طويلاً، فضلاً عن خطر إعادة إنتاج تمرد منخفض الشدة كلما تبدلت الظروف الإقليمية. التدخل الإسرائيلي لم يصنع الخطأ لكنّه جعله أفدح وأوضح: مرآة كاشفة لتعقيد البنية المحلية وهشاشة توازنات ما بعد الانتقال.
في الخلاصة، فشلت السلطة لأنها خلطت بين “ردع يبنى بالقبول” و”ردع يفرض بالقوة”. الأول يمر عبر عقد اجتماعي محلي يمنح الدولة حقّ العودة مقابل ضمانات واضحة، والثاني يهدّد بتفكيك المجتمع وتدويل النزاع. ومع سوء قراءة لإشارات الخصوم الإقليميين، تحول “عرض القوة” إلى “اعتراف بالحدود”: حدود القدرة على الحركة تحت قبة السماء، وحدود السردية القابلة للتسويق خارجياً عن “استعادة النظام”. لم يكن خطأ السويداء تكتيكياً يمكن إصلاحه بتعديل ميداني، بل خطأ في تعريف المشكلة وأدوات حلها: الدولة احتاجت إلى شرعية تسبق القوة، بينما قرّرت أن تختبر القوة قبل أن تبحث عن الشرعية، ففرض عليها الخارج قواعد اللعبة، وفرضت عليها الوقائع إعادة بناء مقاربتها في الجنوب على قاعدة تفاوضية لا على قاعدة الغلبة. وإلّا ستبقى السويداء مرآة تعكس حدود القوة حين تستخدم بلا شرعية، وحدود الشرعية حين تطلب بعد فوات الأوان.
العربي الجديد
————————–
“ممر إنساني” إلى السويداء.. أم إسرائيلي إلى سوريا؟/ فيصل علوش
18 أغسطس 2025
لم يكن مفاجئًا تمامًا ما نقله موقع “أكسيوس” الإخباري الأميركي، قبل أيام، بشأن “الممر الإنساني” الذي يُفترض أن يصل بين إسرائيل ومحافظة السويداء، والذي ذكر أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تعمل على التوصل إلى اتفاق لإنشائه بين إسرائيل وسوريا، بذريعة إمداد المحافظة المحاصرة باحتياجاتها من الغذاء والأدوية.
لم يكن الأمر مفاجئًا، لأنه بات معروفًا للقاصي والداني أن إسرائيل تتذرع بـ “حماية الدروز” لتصعيد تدخلها وعدوانها على سوريا. وقد لعبت دورًا حاسمًا في إفشال محاولة دمشق فرض سيطرتها العسكرية على السويداء، بفعل تدخلها العسكري الذي طال مواقع سيادية في قلب العاصمة دمشق، ما اضطر الأخيرة إلى التراجع، واللجوء إلى فرض شكل من أشكال الحصار على المحافظة، وقطع سلاسل الإمداد الغذائي والتمويني والصحي عنها.
المفارقة الأولى التي يمكن تسجيلها هنا، هي أن إسرائيل وفيما تتذرع بأسباب إنسانية لشق ممر يربطها بالمحافظة المحاصرة، و”يهشم” الجغرافيا السياسية والسيادية للدولة السورية، فإنها تقوم، في الوقت نفسه، بحرب إبادة ضد الفلسطينيين في غزة، وتفرض حصارًا خانقًا عليهم، إلى الحد الذي تفشت فيه المجاعة ووصلت إلى مستويات غير مسبوقة في القطاع، وبات الأطفال والناس يموتون فيه من الجوع، على نحو حقيقي وليس مجازيًا.
أما المفارقة الثانية فهي ما أورده الموقع حول أن الحكومة السورية أعربت عن مخاوفها من أن تستخدم الميليشيات الدرزية هذا الممر لتهريب الأسلحة. إذ أن الاعتراض على هذا المشروع يفترض أن يتم لأسباب أخرى، أهم وأخطر بكثير من موضوع “تهريب الأسلحة”، (فهذه ليس من الصعب الحصول عليها في بلد يعيش حالة حرب منذ أربعة عشر عامًا)، أما “الممر الانساني” فهو لن يبقى كذلك، حتى لو بدأ لأسباب انسانية محضة!
“كاريدور” جيو ـ ستراتيجي بين إسرائيل وسوريا
فمثل هذا “الممر”، في حال قيّض له أن يشق طريقه نحو الوجود، سيكون، في حده الأدنى، بمثابة “كاريدور” سياسي واستراتيجي لإسرائيل في سوريا، أما في حده الأعلى فسيكون، بداية الترجمة العملية لـ”ممر داود” الذي تفكر به إسرائيل منذ سنوات عديدة.
وحسب الخرائط المتداولة، فإن ممرّ داود، (الذي بدا للوهلة الأولى وكأنه مشروع خيالي أكثر منه مشروعًا واقعيًا قابلًا للتنفيذ)، يُفترض أن يعبر من القنيطرة إلى درعا فالسويداء، (وقد شرعت إسرائيل بتجهيز أجزاء منه، عبر احتلالها مناطق إضافية من جبل الشيخ والشريط الحدودي المتاخم لمحافظتي القنيطرة ودرعا)، على أن يكمل طريقه إلى المناطق التي تسيطر عليها الإدارة الذاتية (الكردية) في شمال شرقي سورية، ما يعني تفكيك وتهشيم الجغرافيا السورية وتحويلها إلى كانتونات عدة، فضلًا عن اختراق الوضع الجيوسياسي السوري وتحويل إسرائيل إلى لاعب رئيسي مقرر فيه، في وقت تسيطر فيه قوى اليمين الديني والقومي المتطرّفة ليس على الحكم في إسرائيل فقط، بل وعلى المجتمع والرأي العام الإسرائيلي، ويصل الأمر برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حد الهذيان والتعبير عن شعوره بأنه في “مهمة تاريخية لإنجاز ورؤية إسرائيل الكبرى”!.
وقف السياسات المرتجلة
ومن هنا، فعلى جميع القوى الاجتماعية والسياسية السورية، وفي مقدمها الحكومة، التفكير مليًا فيما تفعله، ومراجعة خياراتها وسياساتها المرتجلة وغير المدروسة التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه، وحشرت البلد والسوريين جميعا في زوايا حرجة وقاتلة.
أولى السياسات التي ينبغي التوقف عنها فورًا، هي اللجوء إلى الحلول الأمنية والعسكرية التي تزيد في تمزيق وتفتيت النسيج الاجتماعي السوري، (المهترئ في الأصل)، فكيف يستقيم حديث بعض المسؤولين السوريين عن “السلم الأهلي بوصفه ضرورة وطنية وأخلاقية، وحجر أساس لأي مشروع تنموي وإصلاحي”، مع الإصرار على انتهاج الخيارات الأمنية والعسكرية، مع ما يرافقها من تعبئة وتحريض طائفي مقيت، وانتهاكات وجرائم ومجازر مروّعة ترقى إلى حدّ إحداث قطيعة نهائية بين بعض المكونات السورية؟!
كما أن من أهم السياسات التي على الحكومة إعادة النظر فيها؛ هي خيار “الدولة المركزية”، الذي لم يسبقه أيّ نقاش عام حول خيارات الدولة المنشودة في سوريا؛ وهل يصلح النموذج الذي كان معتمدًا في ظل النظام البائد، أي “الدولة المركزية”؟ أم من الأفضل للبلاد والعباد اعتماد خيار “الدولة اللامركزية” بوصفه مخرجًا ومنقذًا من الانزلاق إلى الاقتتال على خلفيات طائفية أو دينية أو أثنية.
فـ”الدولة الديموقراطية اللامركزية ” هي خيار موجّه ضد احتكار السلطة أولًا، عبر طرحها واتاحتها للتداول بين القوى والتمثيلات الاجتماعية والسياسية، إضافة إلى كونها يمكن أن تساعد في قطع الطريق على الاستبداد والفساد، وذلك من خلال تطلعها إلى أن تكون أكثر عدلًا وتشاركية، عبر إعادة توزيع السلطة، بين المركز وبقية الأقاليم، فضلًا عن إسهامها في الحد من الكوارث الاجتماعية والسياسية التي يمكن أن تنجم عن وجود دولة مركزية استبدادية، مقارنة مع تجربة الماضي على الأقل!
أما ما نسمعه من حديث اليوم عن الانفصال، أو الانضمام إلى إسرائيل ورفع علمها، أو الدفع نحو قطيعة محتملة بين “كيان درزي” ودمشق، فيمكن اعتباره ذروة في المغالاة ورد الفعل و”الجكر” السياسي على أعمال العنف والقتل والتدمير والحرق والخطف والنهب والإهانة التي شهدتها المحافظة على خلفية طائفيّة. مثلما هو ناجم، في الأساس، عن منطق الاستئثار والهيمنة؛ والسعي الحثيث من قبل جماعات السلطة إلى فرض لونها الإيديولوجي والثقافي الواحد والوحيد على الدولة والمجتمع، على النحو الذي يعيد سيرة “الحزب القائد للدولة والمجتمع”، في الوقت الذي يحاول فيه البعض أن يختصر، أو بالأحرى يقزّم، التغيير المنشود، على أنه تغيير في مَن يسيطر على السلطة، (وتاليًا على الدولة/ الغنيمة)، وليس تغييرًا في مفهومي السلطة والدولة ذاتيهما، وخصوصًا لجهة العلاقة بين مركز الدولة وأطرافها، في الوقت الذي تقدم فيه السلطة نفسها على أنها ممثّلةً للعرب السنّة (الأكثرية) الذين عادت إليهم السلطة بعد طول غياب ومصادرة من قبل “أقلية”، أو حلف للأقليات، على نحو أصبحت فيه المطالبة بالدولة اللامركزية وكأنها انتقاص من حكم “الأكثرية السنية”، إن لم تكن بمرتبة “المؤامرة عليهم”.
سُبل رأب الصدع؟
عندما تتحدث الإدارة السورية عن أن “توحيد البلاد لا يجب أن يكون بالدماء والقوة العسكرية”، فهل يعبر ذلك عن إدراكها أن خطأ جسيمًا قد حصل؟ حسنًا، إذا كان الأمر كذلك، فيفترض بها أن تسارع إلى الإقرار بهذا الخطأ أولًا، ثم المسارعة كذلك إلى القيام بمبادرات وخطوات؛ رسمية وأهلية، يمكنها أن تطيب خاطر أهل السويداء، كما يمكنها أن تساعد، الآن ومستقبلًا، على رأب الصدع الحاصل، وأولها فك الحصار عن المحافظة.
في المقابل، وبعيدًا من خطابات الوعظ والإرشاد، إلا أنه لا بد من القول بأن على الوطنيين في السويداء، وهم الغالبية العظمى من أهلنا في السويداء، التنبه جيدًا لخطورة ومخاطر المشروع الانفصالي، ويقع على عاتقهم أن يعملوا ما بوسعهم لكبح جماح ظاهرة ووهم الرهان على الخارج، وخصوصًا إسرائيل، التي باتت عنوانًا للاحتلال الغاشم وحرب الإبادة والمجازر والتجويع في غزة.
وإلى ذلك، يقع على عاتقهم أن يدركوا كذلك أن مطلب الانفصال وقيام كيان درزي في السويداء، دونه معوقات واقعية وقانونية كثيرة، لعل أهمها أن إسرائيل ذاتها لا يمكنها أن تمضي حتى النهاية في دعم هذا المشروع، لأنه سيشكل “سابقة” سياسية وقانونية سترتد عليها، إذ ستتوجه الأنظار والانتقادات والتساؤلات بشأن الأسباب التي تمنعها، إذن، عن منح الشعب الفلسطيني حق تقرير مصيره وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة؟ مثلما سيفتح الأبواب على مصراعيها أمام منح الأكراد حقوقًا موازية في أماكن تواجدهم؛ (من الواضح أن المجتمع الدولي ليس مهيأً بعد للقبول بذلك)، علمًا أن الإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا لم تطالب حتى اللحظة بدولة مستقلة، على الرغم من أن لديها من المعطيات والمقدمات ما يشجعها على ذلك أكثر بكثير من السويداء الفقيرة جدًا بالموارد.
وفي الختام، لا يسعنا سوى تكرار المطالبة والمناشدة بأنّ على الوطنيين في السويداء أن يكونوا أبناء وأحفادًا أوفياء ومخلصين لمشروع الآباء المؤسسين، ومنهم زعيم الثورة السورية الكبرى، سلطان باشا الأطرش، الذي عمل وناضل مع غيره من السوريين، لتكون سوريا “وطنا واحدًا لهم جميعًا”، شعارها: “الدين لله والوطن للجميع”.
الترا سوريا
——————————
ماذا نعرف عن الأهداف الخفية لإسرائيل في “ممر السويداء”؟/ محمود علوش
18/8/2025
منذ اندلاع أحداث العنف الأخيرة في محافظة السويداء السورية، عمقت إسرائيل تدخلها في الأزمة بين الدولة السورية الجديدة، والمكون الدرزي في المحافظة.
ومن مظاهر هذا التدخل الأخير طلب إسرائيل من الولايات المتحدة الضغط على سوريا للموافقة على فتح ما يُسمى “ممرا إنسانيا” بين إسرائيل والسويداء بذريعة إيصال المساعدات إلى المدينة.
جاء هذا الطرح بعد رفض الأردن طلبا إسرائيليا باستخدام أجوائه لإرسال المساعدات إلى السويداء.
وعلى الرغم من أن الحكومة السورية بدأت، منذ إبرام اتفاق وقف إطلاق النار قبل نحو شهر، تسيير العديد من قوافل المساعدات الإنسانية إلى السويداء، فإن الشيخ حكمت الهجري، الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز، الذي شكر مؤخرا إسرائيل على تدخلها العسكري في السويداء لدعم الفصائل المتمردة على الدولة، رفض التعاون مع دمشق في ملف المساعدات، وطالب الأردن بفتح معبر مع السويداء.
يعكس رفض الهجري التعامل مع الدولة السورية، وترويجه لسردية الحصار المفروض على المدينة، رغم أن قوافل المساعدات الحكومية تناقض هذه السردية، نهجا يبدو مصمما بشكل أساسي لاستدعاء مزيد من التدخل الإسرائيلي في المدينة؛ بهدف تعزيز العلاقة مع إسرائيل وتعميق الهوة بين الدروز والدولة.
وقد ظهر هذا النهج بوضوح في أحداث العنف الأخيرة من خلال التدخل العسكري الإسرائيلي إلى جانب الفصائل المسلحة ضد الدولة السورية لمنع سيطرتها على السويداء. ويتطور هذا النهج الآن إلى تعميق التدخل من خلال طرح مشروع ما يُسمى “الممر الإنساني” إلى السويداء.
ويثير هذا الممر تساؤلات وشكوكا كثيرة حول أهدافه ودوافعه الخفية، فضلا عن دوافع الاستثمار الإسرائيلي في الحالة الدرزية، الذي يكشف عن المستويات الكبيرة التي وصل إليها حجم الاختراق الإسرائيلي للوضع الدرزي في سوريا.
إن الترويج للأهداف الإنسانية المزعومة لمشروع ممر السويداء الإسرائيلي يخفي وراءه أهدافا متعددة تصب جميعها في تعزيز واقع يمكن إسرائيل من استهداف هوية الدروز في السويداء وتقويض ارتباطهم بسوريا، وذلك في خدمة الطموحات التوسعية الإسرائيلية في الجنوب السوري، وتحقيق رؤية إسرائيل لسوريا الجديدة دولة غير متماسكة، غير قادرة على بسط سلطتها على كامل أراضيها.
علاوة على ذلك، فإن إسرائيل تقوم منذ فترة بإنزالات جوية متكررة في السويداء، بعدما أصبح ذلك نهجا يوميا دون وجود أي عوائق تمنعها من ذلك، مما يعزز الأهداف السياسية الخفية لمشروع ممر السويداء.
وبمعزل عن مدى فرص تحقيق هذا المشروع، الذي تحاول إسرائيل فرضه كأمر واقع، تبرز ثلاثة دوافع رئيسية له:
أولا: تسعى إسرائيل إلى تعميق اختراقها للحالة الدرزية السورية من خلال ما يُسمى بالدعم الإنساني، الذي يمكن إسرائيل من الاحتكاك بشريحة واسعة من الدروز وتوسيع قاعدة الدعم الدرزي للعلاقة معها، وهو ما لم يتحقق لها حتى الآن.
فعلى الرغم من العلاقة الوثيقة بين إسرائيل والشيخ حكمت الهجري، فإن شخصيات دينية بارزة داخل المحافظة تتجنب إظهار أي ترحيب بالتدخل الإسرائيلي، رغم أنها تبنت مؤخرا موقفا عدائيا ضد الدولة الجديدة.
كما أن الشيخ ليث البلعوس، الذي يدعم الحكومة، يعارض بشكل صريح هذا الدور الإسرائيلي، مما يشير إلى وجود انقسام عميق داخل المكون الدرزي تجاه النظرة إلى إسرائيل ودورها في سوريا، حتى لو بدا الموقف العدائي تجاه الدولة السورية الحالية سائدا على نطاق واسع في السويداء.
ثانيا: تهدف إسرائيل إلى تكريس تدخلها في الحالة الدرزية كأمر واقع، بما يعزز إستراتيجيتها وطموحاتها التوسعية في سوريا عموما والجنوب السوري على وجه الخصوص.
فمنذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، احتلت إسرائيل أجزاء جديدة من الأراضي السورية تزيد على 350 كيلومترا مربعا، بما في ذلك المنطقة العازلة ومناطق إضافية في جنوب سوريا.
كما تسعى لفرض منطقة عازلة تصل إلى عمق 15 كيلومترا داخل الأراضي السورية، مع منطقة نفوذ وسيطرة أمنية تمتد حتى 60 كيلومترا، تشمل أجزاء من محافظات القنيطرة، ودرعا، والسويداء، وريف دمشق الجنوبي.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية السويداء كركيزة في هذا المشروع الإسرائيلي، الذي اتخذ أشكالا مختلفة، بدءا بالتدخل العسكري المباشر، ثم التهجير القسري لجزء من بدو السويداء، وصولا إلى طرح مشروع الممر الإسرائيلي للسويداء.
ثالثا: تريد إسرائيل تقديم نفسها كحامية للأقليات في سوريا والمنطقة عموما، بهدف تعميق الشرخ بين الدروز ودمشق، وتحريض المكونات الأخرى في البلاد على تبني نهج عدائي ضد الدولة، لتغذية الصراعات الطائفية والإثنية في سوريا.
يندرج هذا في إطار إستراتيجية إسرائيل الواسعة في المنطقة، التي تهدف إلى إضعاف الدول المركزية الكبرى وتقسيمها وتشجيع الصراعات الطائفية والإثنية فيها لإقامة تحالفات مع الأقليات، كما تفعل مع الدروز في سوريا حاليا.
هذا النهج، إضافة إلى أنه يعزز الانقسامات في سوريا، يستهدف في حالة السويداء تغيير هوية دروز سوريا، كما فعلت مع الدروز في فلسطين التاريخية، ومن المرجح أن تمتد هذه الإستراتيجية مستقبلا لتشمل دروز لبنان أيضا.
يعكس الانخراط المكثف للدولة السورية في ملف المساعدات الإنسانية في السويداء قلق دمشق من هذه العلاقة المتنامية بين بعض التيارات الدرزية البارزة وإسرائيل، ويظهر أيضا كمحاولة للحفاظ على دور للدولة في السويداء.
ومن غير المتصور أن ترضخ دمشق للضغوط بشأن الموافقة على مثل هذا الممر. مع ذلك، فإن الاستثمار الإسرائيلي المتزايد في أزمة السويداء تحول إلى أحد أكبر مصادر الضغط التي تواجه الحكم الجديد في سوريا، ويعمل كمحرك للتحديات الأخرى التي تقوض مشروع الدولة الوطنية المتماسكة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
باحث في العلاقات الدولية
الجزيرة
———————————
مبادرات لحل أزمة السويداء/ محمد أمين
18 اغسطس 2025
تشابكت خيوط المشهد السياسي في السويداء خلال الأيام القليلة الماضية، ما استدعى مبادرات لفكفكة هذه الخيوط على أسس وطنية تحول دون ترسيخ خطاب في هذه المحافظة ذات الغالبية الدرزية، تصاعد وظهر بشكل جلي في تظاهرات تدعو إلى الانفصال عن الدولة السورية. وبات ملف السويداء الأكثر حضوراً من بين العديد من التحديات التي تواجه الدولة السورية الناشئة التي ترفض أي دعوات لتقسيم البلاد، أو فرض كانتونات هشة على أسس طائفية وعرقية تحت أي ذريعة ومسمّى. في هذا الصدد، قال الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال جلسة حوارية مساء السبت، مع أكاديميين وسياسيين وأعضاء ونقابيين في محافظة إدلب، ان “من يطالب بالتقسيم في سورية جاهل سياسي وحالم، والمجتمع في سورية غير قابل للتقسيم، ويرفض فكرة التقسيم”. وقلل الشرع من أهمية “فئة في محافظة السويداء لديها أحلام أو نيات ليست جيدة”، في إشارة إلى المطالبين بالانفصال عن سورية وربط السويداء بإسرائيل.
أزمة السويداء
وأكد أن الدولة تركز على “تهدئة الأوضاع” في محافظة السويداء، و”إيقاف إطلاق النار، وإعادة النازحين ورعاية صلح اجتماعي”، ثم “مناقشة عودة مؤسسات الدولة”. واعتبر أن 90% من أهالي السويداء مرتبطون بدمشق ووطنهم، مشيراً إلى أن الحكومة استقبلت ستة وفود من أبناء المحافظة خلال الأشهر الستة الماضية لبحث مطالبهم والاستماع إلى آرائهم. ولفت إلى أن الدولة تدير المشهد في السويداء بطرق “خارج الصندوق”، مشيراً إلى أن النتائج ستكون “مبشرة”. وشجب “التجاوزات” التي حصلت أخيراً بين البدو والدروز ومن الأمن والجيش، لافتاً إلى أن السياسة الحالية للدولة تجاه السويداء تركز على “تهدئة الأوضاع، وتثبيت وقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، ورعاية صلح اجتماعي، ثم مناقشة عودة مؤسسات الدولة”، مجدداً رفضه أي فكرة تقسيم أو بقاء سلاح منفلت.
وجاءت تصريحات الشرع التي رأى البعض أنها خففت بشكل عام من مسؤولية الدولة عما جرى في السويداء بعد تظاهرات حاشدة خرجت في المحافظة داعية إلى انفصالها عن سورية، في تطور يؤكد تأزم العلاقة مع دمشق. وكانت السويداء شهدت منتصف الشهر الماضي دورة عنف بدأت بين الدروز والبدو من سكان المحافظة، لتتدخّل القوى الأمنية والعسكرية، ما زاد الأمر تأزيماً مع ارتكاب تجاوزات وحصول أعمال قتل واسعة النطاق اتخذت منها إسرائيل ذريعة للتدخل العسكري في سورية تحت يافطة “حماية الدروز”. ومنذ ذلك الحين، بدأت هوّة الخلاف بين السويداء ودمشق بالاتساع، حتى وصلت إلى القطيعة شبه الكاملة في ظل تراشق بالاتهامات بين مقربين من الحكومة من جهة، ومقربين من الشيخ حكمت الهجري، أحد مشايخ العقل في الطائفة الدرزية الذي يقود التيار الرافض أيَّ تفاهم مع دمشق، ويدفع باتجاهات مضادة تماماً تصل إلى حد المطالبة بالانفصال عن سورية، من جهة أخرى.
في ظل هذه التطورات، طُرحت مبادرات للحل من قبل فعاليات فكرية ومجتمعية ودينية في محاولة لرأب الصدع والحيلولة دون وصول السويداء إلى نقطة اللاعودة إلى البلاد، لا سيما أن الجانب الإسرائيلي يدفع في هذا الاتجاه الذي يخدم خططه في الهيمنة على الجنوب السوري برمته. وطرح معاذ الخطيب، وهو من الشخصيات التي كانت معارضة للنظام البائد وأحد الوجوه السياسية في البلاد، مبادرة للحل في السويداء، جاء فيها أن “التيار الأكبر في بني معروف (الدروز) تيار وطني مشهود لكثير من رجاله بالعمل الحثيث لإسقاط النظام السابق ويرفضون أي تدخل خارجي بشؤون سورية”، وفق بيان أصدره للرأي العام السوري. وقال إن “أساس المشكلة سياسي ويتم الدفع له وتحريكه بقوى إقليمية عديدة وإشراف جهات دولية تسعى إلى تمزيق بلدنا”. ودعا الخطيب مجلس الإفتاء السوري للعب دور “الوساطة” والمبادرة إلى “محاولة وصل ما انقطع ليكون مقدمة لحل يناسب الجميع”.
مفاوضات ودرعا
كما ذكرت مصادر مطلعة في دمشق لـ”العربي الجديد”، أن هناك تفاوضاً بين جهات حكومية مع “وطنيين من السويداء”، مشيرة إلى أن هناك عدة مبادرات “منها مبادرة من محافظة درعا”، المتاخمة للسويداء من الجهة الغربية. في هذا الصدد، بيّن الصحافي علي عيد (المتحدر من محافظة درعا) والمواكب للمشهد في السويداء، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “هناك مبادرات مجتمعية في محافظة درعا من أجل التوصل إلى حلول لملف السويداء، ولكن علينا الانتظار في الطرح بسبب مرورنا بلحظة انفعال”. وأعرب عن اعتقاده أن هناك تمايزاً في الرأي في محافظة السويداء حول مستقبل المحافظة، مضيفاً أن هناك مجموعة محددة ومحدودة تقود تياراً يدعو إلى الانفصال ولديها تنسيق مع جهات خارج الحدود. ولفت عيد إلى أن جذور المشكلة في السويداء “تعود إلى عقود مضت”، مشيراً إلى أن “النخب السياسية في السويداء متأثرة بلا شك بما جرى في المحافظة الشهر الماضي، ولكنها ليست منخرطة في مشروع سياسي يذهب إلى الدعوة لتقسيم سورية”. وتابع أنه إذا التزمت الحكومة بتعهداتها بالاستمرار بوقف إطلاق النار ومعالجة الاحتياجات الإنسانية وفتح قنوات الحوار، فستذهب الأمور باتجاه صحيح في السويداء. مضيفاً أن سورية مرت بأزمات كبرى خلال 14 سنة، لذا من الطبيعي أن نشهد انفجارات مجتمعية وطائفية وثقافية وفكرية تحتاج إلى بعض الوقت كي تهدأ.
وكان عدد من الأكاديميين السوريين أطلقوا مطلع الشهر الحالي مبادرة للحل في السويداء، يرأسها مطيع البطين المتحدر من محافظة درعا الذي قال في تصريحات إعلامية إنهم “قادرون على حل أي أزمة من دون أي تدخل خارجي”. كما دعا إلى “تحرك وطني” لاحتواء الازمة في السويداء، محذراً من تداعيات خطيرة في حال استمرار الانقسام. وتعليقاً على المبادرات المطروحة للحل في السويداء، أكد الباحث عباس شريفة، في حديث مع “العربي الجديد”، أن الحكومة السورية “تقبل وتتعاطى إيجاباً بأي مبادرة لحل عقد الخلاف بين السويداء والدولة خصوصاً إذا كانت من فعاليات داخلية، إذا انطلقت من المسلمات الوطنية وهي وحدة التراب السوري ورفض التدخل الأجنبي وحصر السلاح بيد الدولة. كل شيء بعد ذلك قابل للنقاش”.
لا انفصال للسويداء
من جهته، أكد الأكاديمي يحيى العريضي، المتحدر من محافظة السويداء، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “لا انفصال للسويداء عن سورية”، معتبراً الدعوات التي ظهرت أخيراً من البعض في المحافظة حول هذا الأمر “انعكاساً لألم وخيبة ووجع وخوف من حرب إبادة كانت ملامحها واضحة في ما حدث خلال الأيام الماضية”، مضيفاً أن “كل ذلك دفع البعض إلى رفع ذلك العلم (الإسرائيلي)، الذي يعرف حتى مَن يرفعه الرفض الكبير له”. واقترح العريضي بعض الإجراءات “التي قد تكون خطوة في ترميم ما حدث، وفتح نافذة ولو بسيطة إلى خطوة نحو حل”، كـ”تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة لتحديد المسؤوليات من دون تدخل السلطة، والإطلاق الفوري لكل المختطفين، والخروج الكامل لقوى الأمن العام ووزارة الدفاع من محافظة السويداء”. كما طالب الحكومة بـ”فتح طريق دمشق-السويداء وتأمينه، والإصلاح الفوري لمصادر المياه والكهرباء والصحة التي خرّبتها القوات المهاجمة، وتقديم الإغاثة الفورية للمحافظة بسبل الحياة، وتقديم اعتذار من سكان السويداء (بدو ودروز ومسيحيين)، ووقف وتجريم التجييش الطائفي، ولغة الكراهية، وشيطنة الآخر.
لكن رئيس تحرير موقع “السويداء 24” الإخباري ريان معروف رأى في حديث مع “العربي الجديد” أن المزاج العام في محافظة السويداء “غير قابل بأي شكل من الأشكال للاتفاق مع السلطة الحالية”، مضيفاً أن “أهل السويداء يرون أن هذه السلطة تختطف الدولة. اليوم، هناك مشكلة عميقة جداً ويجب الاعتراف بها”. وأكد أنه “لا يوجد تباين في هذه المسألة داخل المحافظة”، مضيفاً: هذه باتت مسألة جوهرية، وشيوخ الطائفة الثلاثة (يوسف جربوع، حمود الحناوي، وحكمت الهجري) أكدوها في بياناتهم الأخيرة رغم الاختلاف الذي كان بينهم قبل 14 يوليو/تموز الماضي، والحال نفسها مع التيارات السياسية.
العربي الجديد
—————————-
عمليّات خطف وهجمات على قوافل المساعدات الإنسانية تُعرّض سكّان السويداء للخطر/ سانتياغو مونتاغ سولير
18.08.2025
يبقى السكّان المدنيون في السويداء عالقين في حالة طوارئ إنسانية واسعة النطاق، بقدرة محدودة على الوصول إلى الإمدادات الحيوية وتحت تهديد دائم.
تخضع السويداء لحصار منذ أكثر من شهر، عقب موجة عنف فجّرتها اشتباكات بين مجموعات بدوية مسلّحة وفصائل درزية في المناطق الريفية. سارعت قوّات الأمن العامّ التابعة للإدارة الانتقالية إلى التدخّل، بزعم وقف القتال— لكنّها بدلاً من ذلك صعّدت وتيرة العنف.
واتّهم سكان السويداء قوّات وزارة الأمن بارتكاب انتهاكات جسيمة في مجال حقوق الإنسان، بما في ذلك الإعدامات خارج نطاق القانون، وتدمير الممتلكات، والإذلال العلني، ومجازر لا تُوصف.
وقد تمّ التوصّل إلى وقف هشّ لإطلاق النار بعد أيّام من القتال الذي بدأ في 13 تمّوز/ يوليو، غير أنّه كُسِر مراراً من الطرفين. وبينما لا تزال المحافظة تحت حصار يطال الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والاتّصالات، بدأت المساعدات الإنسانية بالتسرّب تحت النار.
يوم الاثنين، 11 آب/ أغسطس، تعرّض خمسة عاملين إنسانيين لإطلاق نار، ثم خُطفوا في محافظة درعا، أثناء توجّههم إلى السويداء لإيصال الغذاء والإمدادات الطبّية. وقع الهجوم في بُصرى الشام بعد أن تجاوزت القافلة آخر حاجز قبل دخول السويداء، قرابة الساعة الرابعة عصراً. وعلى الرغم من الهجمات السابقة على قوافل أخرى، قرّر المتطوّعون المضيّ في مهمّتهم لمساعدة المجتمعات المتضرّرة.
انطلقت القافلة من جرمانا، وضمّت خمس سيّارات تقلّ أحد عشر متطوّعاً محلّياً. تعود إحدى السيّارات للهلال الأحمر العربي السوري (SARC) فيما شغلت الشبكات المجتمعية السيّارات الأخرى، التي كانت تجمع التبرّعات كالطعام والدواء وإمدادات مختلفة، لسكان السويداء الواقعين تحت حصار شبه كامل منذ منتصف تمّوز/ يوليو.
وقد جرى تحديد هوّيات المختطَفين، وهم: عابد أبو فخر، وفداء عزّام، ويامن مأمون السحنوي، وسمير بركات. أما بقية أفراد القافلة فأُفرج عنهم خلال 24 ساعة. ولم تُعلن أي جهة حتى الآن مسؤوليّتها عن عمليات الخطف، ولا توجد أدلّة واضحة تُشير إلى مرتكبيها.
جميع المختطفين معروفون بتفانيهم في العمل الإنساني، وتقديمهم المساعدة بحياد في خضمّ سنوات من النزاع. ومن بينهم عابد أبو فخر، وهو ناشط إغاثي سوري وعضو في الهلال الأحمر، عُرف خصوصاً بجهوده إبّان حصار الغوطة الشرقية، حيث كان من أوائل من أوصلوا المساعدات الإنسانية والطبّية، وقد سبق أن اعتقله نظام الأسد عدّة مرّات بسبب عمله الإنساني عبر خطوط التماس.
ردّاً على ذلك، أطلق ناشطون في دمشق حملة تُطالب بالإفراج عن عابد أبو فخر وزملائه، وعن حمزة العمّارين، وهو عامل في منظّمة “الخوذ البيضاء” خُطف في السويداء في تمّوز/ يوليو 2025. وتدعو الحملة إلى حماية العاملين الإنسانيين وتأمين عودتهم الآمنة إلى عائلاتهم، واستمرار العمليّات الإنسانية في المنطقة دون عوائق.
حتى الآن، تمكّنت عائلات المختطفين من الحفاظ على تواصل يوميّ مقتضب معهم، وأفادت بأنّهم في حال جيّدة بانتظار احتمال إجراء صفقة تبادل. كما نشر الخاطفون مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، تُظهر الرهائن وهم يتلقّون الطعام ويُعامَلون بإنسانية.
لقد زعزعت الاشتباكات المسلّحة العنيفة بين المجموعات البدوية وقوّات الأمن العامّ والميليشيات الدرزية استقرارَ المنطقة بسرعة. ووفق “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” (SNHR) قُتل ما لا يقلّ عن 814 شخصاً، وأُصيب 903 في الأيّام الأولى من النزاع.
كما ذكر “المرصد السوري لحقوق الإنسان” أن عدد القتلى بلغ 1,677 خلال الاشتباكات، بينهم 452 حالة إعدام. وتقدّر الأمم المتّحدة أن أكثر من 145,000 شخص قد نزحوا، فيما ترفع بعض المنظّمات هذا الرقم إلى أكثر من 170,000.
وأثّر العنفُ بشدّة في البنية التحتية الأساسية: فالمستشفيات مكتظّة، والمشارح فائضة بالجثث، وهناك نقص حادّ في الكهرباء والمياه النظيفة والدواء والغذاء، وفي بعض الحالات، أُبلغ عن وجود جثث لم تصل إلى المرافق الطبية، بسبب عدم توفّر شروط التعامل السليم معها.
وتسبّب نقص الموادّ الطبّية والأدوية الأساسية لمرضى السرطان والسكري في وفاة عدّة أشخاص، من بينهم المتطوّعة السابقة في اليونيسف خزامى الأحمد، التي تسبّب انقطاع الأنسولين بوفاتها، وقد نعتها اليونسيف، ودعت جميع الأطراف إلى الالتزام بالتهدئة، فيما توفيت أيضاً السيّدة شهيرة فيّاض الطرودي عزّام، وهي مريضة سرطان، بسبب عدم توفّر الدواء، وكانت من الداعمات للحراك في السويداء.
على الرغم من الفوضى، وصلت عدّة بعثات إنسانية إلى المنطقة. ففي 23 تمّوز/ يوليو، وصلت قافلة مساعدات ثانية تحمل غذاء ودواء ووقوداً وفرقاً طبّية، وقد أفادت بأنه استفاد منها أكثر من 38,000 شخص، مع تقديم 3,500 استشارة طبّية في يوم واحد. وبعد أيّام، في 28 تمّوز/ يوليو، دخلت قافلة أخرى من 27 شاحنة تحمل 200 طنٍّ من الطحين، وموادّ إيواء، وإمدادات أساسية. وفي 29 تمّوز/ يوليو، دخلت قافلة رابعة محمّلة بالدواء والمياه النظيفة والوقود إلى المحافظة مع حماية أمنية مسلّحة.
ومع ذلك، يبقى حجم الأزمة أكبر بكثير من الاستجابة. تقول ريم، وهي عاملة إنسانية جرى تغيير اسمها لأسبابٍ أمنية، لـ”درج ميديا”: “الوضع الإنساني بالغ السوء. القوافلُ التي تنجح في الوصول محدودة جدّاً، ولا تكفي مقارنة بعدد الناس هنا”، وتضيف: “يُعطى الوقود أولوية للمستشفيات والأفران لتلبية احتياجات البقاء الأساسية. وهناك نقص حادّ في الغذاء والدواء وعلاجات السرطان وحليب الأطفال. توفّيت امرأة بسبب عدم توفّر الإنسولين، وتوفّيت أخرى بالسرطان بسبب عدم حصولها على علاجها”.
وتصف أيضاً أزمة المياه: “دمّرت قوّات الأمن الآبار في المناطق الخاضعة لسيطرتها وأخرجتها من الخدمة. أُحرقت قرى بأكملها، وكثيرون أصبحوا نازحين. حتى المناطق غير المتأثّرة مباشرة، لا تستطيع الوصول إلى المياه بسبب وضع الكهرباء، فالتغذية لا تتجاوز الساعتين يومياً كحدّ أقصى، وأحياناً لا تزيد على 15 إلى 40 دقيقة كلّ ستّ أو سبع ساعات”.
وقد وضع ذلك ضغطاً هائلاً على الاقتصاد المحلّي. تقول ريم: “يعتمد السكّان على الزراعة المعيشية. كلّ الخضروات المتاحة تأتي من الإنتاج المحلّي، وهذا يسمح لهم بالكاد بالبقاء. لا رواتب تأتي من دمشق، ولا تحويلات مالية خارجية”، وتتابع: “أدّى هذا إلى أزمة بسبب استحالة تلقّي الأجور أو الحوالات”.
وعلى الرغم من أن الممرات الإنسانية ينبغي أن تكون مناطق آمنة، فقد وثّقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” (SNHR) انتهاكات عديدة: اعتراض قوافل أو مهاجمتها، إطلاق النار على سيّارات الإسعاف، إحراق مستودعات مساعدات، وخطف عناصر من الدفاع المدني أثناء مهامّهم. كما فرضت السلطات المحلّية وجماعات مسلّحة حواجز طرق، ووُصفت بعض المسارات بأنها غير آمنة أو سالكة. ويرصد السكّان المحلّيون هذه الانتهاكات بشكل شبه يومي على وسائل التواصل. ومن أحدث الحالات، تعّرض حافلتين عموميتين كانتا تُقلّان 24 و27 شخصاً من السويداء إلى دمشق، لهجمات في بُصرى الشام، أُصيب راكب بالرصاص في الأولى، فيما خُطف ركّاب في الثانية، وما تزال الحوادث قيد التحقيق.
وبسبب صعوبة الوصول إلى السويداء من دمشق، اقترحت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا (AANES) إرسال قافلة مساعداتٍ بديلة، شرطَ تأمين ممرّ آمن. وبالتوازي، دفعت الولايات المتّحدة وإسرائيل باتّجاه فتح ممرّ إنساني من الأراضي الإسرائيلية، وهو مقترح رفضته الحكومة السورية بشدّة، باعتباره انتهاكاً للسيادة الوطنية.
من جهتها أعلنت إسرائيل تقديم مساعدات إنسانية بقيمة 600,000 دولار للمجتمعات الدرزية في السويداء، ما يزيد الضغط على سكّان تتضاءل خيارات بقائهم على قيد الحياة، وقد ظهر ذلك في المظاهرة الأخيرة في مدينة السويداء، حيث رفع بعض الأفراد العلم الإسرائيلي كنداء استغاثة يائس.
وقد أدّى الضغط الدولي لوقف العنف، إلى إنشاء مجموعة عمل ثلاثية تضمّ ممثّلين عن سوريا والأردن والولايات المتّحدة. واجتمعت المجموعة في 12 آب/ أغسطس في عمّان لتثبيت وقف إطلاق النار، واستعادة الخدمات الأساسية، وتيسير عودة النازحين، وضمان تدفّق مستمرّ للمساعدات الإنسانية، غير أن أيّ ممثّلين مباشرين عن المجتمع الدرزي المحلّي لم يشاركوا في المحادثات، ما عمّق عزلتهم.
وتصاعد التوتّر أكثر عقب حادثة صادمة على نحو خاصّ: مقتل عامل طبّي داخل مستشفى في السويداء، على أيدي قوّات مسلّحة مقنّعة في 16 تمّوز/ يوليو. وقد وُثّقت الجريمة بالفيديو، ونُشر في 10 آب/ أغسطس، ما أثار سخطاً دولياً ودفع الحكومة السورية إلى الإعلان عن فتح تحقيقٍ رسمي يقوده اللواء عبد القادر الطحّان.
في هذا السياق الموسوم بالعنف الطائفي، والنزوح الجماعي، والاعتداءات على الكوادر الطبّية، وخطف العاملين الإنسانيين، يبقى السكّان المدنيون في السويداء عالقين في حالة طوارئ إنسانية واسعة النطاق، بقدرة محدودة على الوصول إلى الإمدادات الحيوية وتحت تهديد دائم.
تشهد سوريا انتقالاً سياسياً بالغ التعقيد عقب سقوط بشّار الأسد، مع تزايد تفتّت أراضي البلاد. وقد عزّزت المجازر بحقّ العلويين في آذار/ مارس، تلتها هجمات طائفية على المجتمعات الدرزية في جرمانا وصحنايا في نيسان/ أبريل وأيّار/مايو، رفضَ قادة الدروز—مثل الشيخ الهجري—المشاركة في المشروع الحكومي الذي يقوده أحمد الشرع.
أما محاولات الإدارة الجديدة لدمج السويداء سياسياً عبر شخصيّات دينية وسياسية درزية ناقمة، فقد انهارت منذ اندلاع النزاع. وطالما بقيت المساعدات الإنسانية إلى السويداء تحت التهديد، ستبقى شروط مداواة جراح سوريا العميقة، وأي أفق لسلام بعد سنوات من المأساة، بعيدي المنال على نحو متزايد.
– صحافي تشيلي
درج
————————–
القانون للتعامل مع هذا الشذوذ في السويداء/ معن البياري
18 اغسطس 2025
لم تعلن السلطة في سورية اسم مواطنها حكمت الهجري مُحالاً إلى المدّعي العام للتحقيق معه، بتهمة الاتصال بإسرائيل. تهاوَنت في أمر هذا الرجل الذي أشهر جُرمَه هذا عندما طلب في 16 الشهر الماضي (يوليو/ تموز) من رئيس حكومة دولة الاحتلال، نتنياهو، “التدخّل العاجل” من أجل “إنقاذ السويداء”، ولم تتصرّف السلطة معه وفق المادة 276 في قانون العقوبات السوري. وعندما يرفع، أول من أمس السبت، سوريون من هذه المدينة في إحدى ساحاتها علم إسرائيل، مطالِبين بالاستقلال والانفصال الصريحيْن، نكون أمام خيانة مُعلنة، لا يحسُن، في أيِّ حال، التفتيش عن أيِّ مبرّر لها، أو حتى تفسير لهذا السلوك المُجرَّم في القوانين السورية التي لا تُجيز أي عفوٍ بشأنه بعد إنفاذ العقوبة. ومن بالغ البؤس أن نُطالع لمعلّقين وناشطين إن سلوك السلطة تجاه السويداء وأبنائها سببُ هذا الشذوذ، ليفترض هؤلاء بنا التسليم بعاديّته والتطبيع معه. وهذا شديدُ الخطورة في سورية (وغيرِها)، ويذكّر بجنوح انعزاليين في أحزابٍ لبنانية معلومة، في طوْرٍ من منعطفات الصراع السياسي والعسكري الحادّ في بلدها، إلى الاستقواء بإسرائيل، والتزوّد بالسلاح منها. وفيما لا شكّ في عروبيّة الغالبيّة الأعرض من أهل السويداء المواطنين السوريين الدروز (وهذه صفاتُهم بالتتالي)، ولا في انتسابهم لبلدهم، ولا في رفضهم كل أشكال الاتصال بعدوّهم الأول، إسرائيل، فإن التعامل مع القلّة التي أظهرت هناك خروجَها الشائن عن إجماع الأمّة، واستقواءَها بمجرمي الحرب إيّاهم، يلزم أن يكون بمنطق الدولة وشروطها، وبمنطق القانون والعدالة، فلا يتّصف بأيِّ تسامحٍ أو تهاون. وإذ ليس في مقدور صاحب هذه السطور أن يتعالَم بطرح الكيفيّات التي يجب أن تسلكها السلطاتُ المختصّة في دمشق مع هذه الحالة، فإنه يكتفي بدعوة هذه السلطات إلى إشهار موقفٍ أقوى من الرفض اللفظي، من قبيل إعمال القانون الصريح مع كل من تثبُت عليه جريمة طلب الحماية من إسرائيل، ورفع علمها في أرضٍ سورية، وإعلان الانفصال عن الدولة (شوهدت لافتةٌ بين يدي شابّة من هؤلاء تطلب انضماماً لإسرائيل).
قلناها وكتبناها مرّات، ونكرّرها هنا، إن عناصر من الجيش والأمن ارتكبوا شنائع مرذولة، في أحداث الأسبوع الثاني من الشهر الماضي في السويداء، ولا سبيل لتطويق التداعيات التي تدحرجت إليها الأوضاع هناك سوى بالتحقيق الجدّي والجادّ والعاجل في كل الانتهاكات، وتقديم كل مرتكبٍ إلى المساءلة والمحاكمة، غير أننا نقولها ونكتُبها، ونكرّرها هنا، إن هذا ليس المشهد كله، فثمّة تفاصيلُ وسردياتٌ أخرى في متن الوقائع نفسها لا يجوز إغماضُ العيون عنها، ولا عن مسؤولياتٍ أخرى على أطرافٍ متعيّنة. ولكن هذا كله، صحّ منه ما صحّ، وبولغ منه ما بولغ فيه، ليس له أن يأخُذ السويداء إلى مربّع إسرائيلي، كما يتوّهم حكمت الهجري ومشايعوه، بدعاوى الحماية وغيرها، فالسبُل لا عدّ لها، ومعلومة، لتشهر أيُّ فئةٍ في أي مجتمعٍ مظلومياتٍ تستشعرها، إلّا استضعاف الدولة والاستقواء بالعدو، فيتورّط مرتكبو خطيئةٍ من هذا اللون بعمالةٍ وخيانةٍ يُجازون عليهما في المحاكم.
يُخبرنا الرئيس أحمد الشرع، الليلة قبل الماضية، بأن إدارة الأزمة في السويداء تجري ضمن تفكيرٍ “من خارج الصندوق”، ويعدُنا بأن نرى النتائج قريباً. ولأن بصَلة السوريين محروقة، فإنهم يستعجلون هذه النتائج المُؤمّل أن تكون خلّاقةً في إنقاذ السويداء من فئةٍ، وصفها الشرع مُحقّاََ بأنها “ليست كبيرة… تحاول تأزيم المشهد، وتتجنّب الحوارات المباشرة، ولديها أحلامٌ أو نيّاتٌ ليست جيّدة”. وفيما هذا تشخيصٌ في محلّه، وفيما لا يمكن إلا الاتفاق مع الرئيس في رفضه (مجدّداً) أي فكرة تقسيم أو بقاء سلاحٍ منفلت، فإن المُرتجى أن ينجح المسار الذي تحدّث عنه، في قوله إن “السياسة الحالية للدولة تجاه السويداء تُركّز على تهدئة الأوضاع، وتثبيت وقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، ورعاية صلح اجتماعي، ثم مناقشة عودة مؤسّسات الدولة”. وفي الوُسع أن يُضاف إلى خريطة العمل هذه إنفاذُ القانون في كل من يُشهر استقواءه بإسرائيل التي ما زالت في سورية عدوّاً.
ليرَ من يرى في الكلام أعلاه انفعالاً ونثراً في أرضٍ رخوة، وليسأل عن أي دولة أو سلطة نتحدّث، والحال المُعايَن على هشاشةٍ وضعفٍ مؤسّساتي، غير أن هذا، ولو صحّ جزئياً، لا ينفي وجوب إحالة المواطن السوري حكمت الهجري ومن يستقوي بإسرائيل وينادي في السويداء بالانفصال إلى الادّعاء العام.
العربي الجديد
————————-
السويداء ومصير سوريا/ غازي العريضي
الاثنين 2025/08/18
أصدرت وزارة الداخلية السورية في الأيام الأخيرة بياناً عن أحداث السويداء واعدة “بإجراء تحقيقات بالارتكابات التي حصلت خلال الأحداث الدموية البشعة التي عاشتها المحافظة ومحاسبة المرتكبين لأي جهة انتموا متحدثة عن تأمين ممرات إلى المدينة وإدخال مساعدات”. بعد وقت قصير صدر موقفان واحد من الأمم المتحدة تحدث عن أحداث الساحل التي وقعت قبل أشهر، وأشار إلى جرائم ضد الإنسانية ارتكبتها قوات نظامية سورية وموالون للنظام السابق. ثم صدر بيان عن الحكومة الانتقالية يتحدث عن الموضوع ذاته ويشير إلى عمل لجنة التحقيق وما توصلت إليه. فعلياً نحن نتحدث عن أمرين : الأول “تدويل” أممي على مستوى الأمم المتحدة، التي تبقى مرجعية دولية مهما حاول كثيرون وعلى رأسهم اسرائيل الإساءة إليها، والتهرّب من تنفيذ قراراتها، وصولاً إلى تمزيق دستورها على منبرها من قبل سفير دولة الاحتلال. فهذه الهيئة لا تزال موجودة ولها شيئ من التأثير المعنوي. أما التدويل الفعلي فهو اليوم “حصري” بيد الإدارة الأميركية، ليس فقط بسبب لجوئها إلى حق الفيتو عند التصويت خصوصاً في ما يتعلق باسرائيل، ولكن هذا الحق ليس حصرياً لها إذ ثمة دول أخرى تملكه. ولكن موقع الولايات المتحدة اليوم ودخولها المباشر على الساحة السورية وإمساكها بأوراق كثيرة هناك، من العقوبات المفروضة على الدولة السورية، وصولاً إلى العلاقات مع دول الجوار وإلى “التبني” المباشر للحكومة السورية المؤقتة، إرضاء لبعض الدول من جهة، واستهدافاً لدول أخرى من جهة ثانية.. وكل هذا مؤقت. إذ عندما تحقق أميركا مكاسبها ومصالحها، وتجني وتستلم آلاف المليارات التي نالها الرئيس ترامب في زيارته الأخيرة إلى بعض دول الخليج، وهو يفاخر بذلك، سيتغير كل شيئ.
اعتدنا عند تدويل هذه الأزمة أو تلك في منطقتنا أن يذهب البعض إلى التعريب: “نحن أهل البيت”، “ثمة جامعة عربية”، “مصالحنا العربية نعالجها في البيت العربي” … اليوم ليس ثمة بيت عربي متماسك. جزء كبير منه مدمّر. ليس ثمة جامعة عربية تلعب دورها بالحد الأدنى. صراع عربي – عربي في كل مكان على الأرض العربية. ليس ثمة مصالح عربية مشتركة. ثمة مكائد عربية- عربية. فخاخ عربية. لا ثقة. تسابق على توفير الحماية من قبل أميركا واسرائيل، وهدر أموال وتمزيق دول. وكل ذلك تحت شعار “الحضن العربي”. عودة هذه الدولة أو تلك إلى “الحضن العربي”. وينتشر الشعار ويعمّ ويستخدم هنا وهناك وفلسطين تصفّى. تحتل أرضها، وقادة الاحتلال يتحدثون عن توسيع احتلالهم إلى الأردن ومصر وسوريا ولبنان والسعودية، بوعد إلهي. وبالتالي، الدخول إلى عمق الحضن العربي. الحضن العربي ممزّق اليوم بالسكاكين العربية من السودان إلى ليبيا واليمن والعراق وسوريا ولبنان، واسرائيل تتمدّد. كفى شعارات فارغة من أي مضمون. اسرائيل تهدّد الجميع بالاحتلال وفرض الشروط والعرب في دنيا أخرى تماماً. هنا الخطورة في الوضع السوري. هذا عربي يقول لك: سوريا عربية وليست تركية. سوريا عربية ولكن ليست قطرية أو إماراتية. ويردّ آخر علناً أو بالهمس: سوريا عربية ليست إيرانية. ليست حزب الله. ليست علوية. ليست عربية من نوع آخر، وهكذا دواليك، ومصير وحدة سوريا مهدّد واسرائيل تتوعّد وتتمدّد وتفر ض شروطها الأمنية، وتريد ممرات أمنية لها ولمصالحها النفطية الاستراتيجية ولضمان أمنها. تتجاوز أميركا في بعض الأمور ولا ترى كل العرب المتسابقين المتفائلين المتنافسين على الأرض السورية، ولا تقيم لهم وزناً واعتباراً. قضية السويداء باتت قضية دولية أميركية- اسرائيلية بامتياز للأسف. يجب أن تكون عربية- إسلامية بمعنى الحفاظ على وحدتها واستقرارها وانتمائها العربي. الحكومة السورية معنية مباشرة بمحاكمة الذين أظهرتهم صور مواقع التواصل الاجتماعي وهم يقومون بالإعدامات في المستشفى الوطني في السويداء، وكثيرون معروفون بالصور والأسماء والممارسات والمسؤوليات. أي تأخير في هذا الأمر لا يصبّ في خانة استقرار الوضع ولا بنجاح محاولات إعادة الأمور إلى نصابها. يجب الإسراع في محاسبة كل المرتكبين وتأمين الطريق بشكل حاسم وإنزال أشد العقوبات الفورية لكل من يعمل على إقفالها، أو يعتدي على الناس، كما حصل منذ أيام. لا يجوز ان تحاصر أي منطقة سورية. ومسألة السويداء ليست مسألة إنسانية فقط بمعنى العمل على تأمين المساعدات، فهذا ضروري ومشكور كل من بادر إلى ذلك من الداخل السوري أو من لبنان، لكن ما يجري يكرّس شهوة وشهية اسرائيل في التدّخل تحت عنوان إنساني أو “أقلوي” بزعم حماية هذه الأقلية أو تلك. فتدخل سوريا مجدداً في متاهة لعبة وحروب ” وحماية ” الأقليات. ولا أعتقد أن هذا يحمي الانتصار في تغيير النظام الذي مارس أبشع الممارسات بحق شعبه ، بالعكس هذا يبدّده.
في هذا السياق مفيداً كان الاجتماع بين شقيق الرئيس الشرع والبطريرك اليازجي ثم لقاء الأخير بالرئيس ولو أنه تأخر كثيراً. أما وأنه قد حصل فينبغي تعميمه على الجميع بالانفتاح والحوار الداخلي وإشعارهم بالأمان والاطمئنان إلى مسار الأمور، وصولاً إلى مصالحة وطنية حقيقية تكون من خلال تركيبة سياسية جديدة، تشترك فيها مكونات البلد لتؤكد وحدة سوريا أرضاً وشعباً ومؤسسات وللنهوض بالدولة الجديدة. وأي خطاب مذهبي من جهات سورية أو عربية، أو سياسات تبنى على هذا الأساس وتحقن النفوس وتحفر في الذاكرة، فتعيد الأمور إلى ما كانت عليه منذ 1400 عام، فهذا لا ينسجم مع ما أطلقه وأعلنه الرئيس الشرع أكثر من مرة عندما قال: “ما علاقتنا بهذا الأمر؟”، “ولا مصلحة لنا به”. هذا الكلام الاستراتيجي يهدده الخطاب المذهبي، تدمّره الممارسات المذهبية وتطيح به الرهانات عليه، كما الردود ضده من منطلقات مذهبية دينية، فتدخل سوريا في حروب لا تتوقف ويطاح بكل شيئ، ويتقدّم المشروع الاسرائيلي خطوات كثيرة، لأن الحروب الدينية في المنطقة هي هدف أساس من أهدافه. وسمعنا خلال الأيام الماضية كلاماً لنتانياهو وغيره عن “الوعود الالهية” و”النصر الالهي” ونسمع كلاماً من هنا وهناك عن “كربلائيات” موعودة، وعن “ضرورة بقاء الشرع لمدة معينة لنستفيد منه في لبنان”، في مواجهة الآخرين في الصراع المذهبي.
هذا تلاعب بمصير سوريا ومصير لبنان معاً. فحذار “تلازم المسارين” الجديد في هذا الإطار. إنه تلازم مساري الخراب والدمار وربح اسرائيل! الأنظمة تتغير لكن الدول يجب أن تبقى في حدودها، والانفصال ليس الخيار للرد على خطايا وممارسات ارتكبت او ترتكب، والدولة مسؤولة عن معالجتها بحزم وسرعة كما قلنا. مصير سوريا مرتبط بالسويداء، ومصير لبنان مرتبط بمصير سوريا، وعامل الوقت ليس لمصلحتنا في البلدين.
المدن
———————————-
أعلام الأعداء في شوارعنا: خيانة أم احتجاج؟/ سلام الكواكبي
الاثنين 2025/08/18
تُظهر تجارب متفرقة من العالم أنّ رفع أعلام دول تُعدّ في نظر السلطة الحاكمة وطيف واسع من مواطنيها، عدوة، لم يكن مجرّد حركة احتجاجية عابرة، بل كثيراً ما اتخذ وظيفة رمزية أعمق، هدفها الطعن في سردية النظام والتشكيك في شرعيته أمام الداخل والخارج. ففي العراق مثلاً، وبعد سقوط نظام الطاغية صدام حسين، لم يتردد بعض المتظاهرين في رفع الأعلام الأميركية والبريطانية للتعبير عن فرحتهم بانهيار النظام، في خطوة لم تكن تخلو من دلالات. فاختيار أعلام “الخصوم” لم يكن بالضرورة احتفاءً بهذه الدول، بقدر ما كان إعلاناً عن القطيعة مع السلطة الحالية او السابقة. وفي لبنان عام 2005، حين خرجت الحشود إلى الشارع بعد اغتيال رفيق الحريري، ظهرت الأعلام الأميركية والفرنسية في قلب بيروت كرمز لرفض الوصاية السورية، بينما ردّ الطرف الآخر برفع الأعلام السورية نفسها، وكأن الساحة تحولت إلى مسرح تتصارع فيه الرموز بقدر ما تتصارع فيه الخطابات. أما في إيران، فقد شهدت الحركة الخضراء عام 2009 محاولات لرفع أعلام الولايات المتحدة أو حتى إسرائيل، وهي خطوة لا يمكن قراءتها كتأييد مباشر، بل كتحدٍّ مقصود للنظام الذي يقدّم نفسه بوصفه رأس حربة ضد “الاستكبار”.
وإذا تجاوزنا الشرق الأوسط، نجد أنّ الظاهرة نفسها حضرت في مشاهد أخرى. في فنزويلا مثلاً، رفع معارضو الرئيس الحالي مادورو الأعلام الأميركية والإسبانية في بعض التظاهرات، في إشارة واضحة إلى البحث عن دعم خارجي بمواجهة السلطة المحلية. وفي هونغ كونغ عام 2019، كانت أعلام بريطانيا والولايات المتحدة جزءاً أساسياً من المشهد، ليس حباً بهاتين الدولتين، وإنما لرمزيتهما المزدوجة: استدعاء الماضي البريطاني كمرحلة أقل قسوة، والتلويح بقيم الديمقراطية الغربية في مواجهة بكين. الأمر نفسه تكرّر في بيلاروسيا حيث رفعت حشود المعارضة أعلام الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا، في مواجهة نظام يربط نفسه بموسكو.
ولعل العودة إلى الوراء زمنياً، تذكّرنا بأنّ الظاهرة ليست مستجدة. ففي القرن التاسع عشر، رُفعت أعلام الثورة الفرنسية في وسط أوروبا وشرقها، حتى من قبل شعوب كانت حكوماتها على عداء مع باريس، وذلك لأنّ العلم الفرنسي آنذاك كان قد تحوّل إلى أيقونة للحرية ضد الملكيات. وفي القرن العشرين، رفع العمّال والنشطاء اليساريون في أوروبا الغربية الأعلام السوفياتية في تظاهراتهم، ليس حباً بالاتحاد السوفياتي نفسه، بل باعتباره رمزاً مضاداً للرأسمالية وللنخب المحلية المتحالفة مع الغرب. وفي المقابل، كانت أعلام الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تُرفع في عواصم أوروبا الشرقية خلال الحقبة السوفياتية كتعبير عن رفض الهيمنة الروسية، وهو ما يعكس أنّ الرمز الخارجي ظلّ يتكرر في سياقات متناقضة لكنه يؤدي وظيفة واحدة: تقويض الشرعية القائمة.
وفي العالم العربي بعد 2011، تجلّت الظاهرة بوضوح. ففي سوريا، ظهرت أعلام دول غربية وتركية وخليجية في التظاهرات المناهضة للنظام، فيما ردّ أنصار السلطة برفع أعلام روسيا وإيران وحزب الله. وفي اليمن، انقسم الشارع بين من يرفع أعلام دول التحالف العربي كرمز لمساندته ضد الحوثيين، ومن يرفع أعلام إيران كرمز للمحور المقابل. أما في ليبيا، فقد اختلط المشهد برموز دولية متناقضة: أعلام الناتو من جهة للتعبير عن دعم التدخل الغربي، ومن جهة أخرى، أعلام أخرى مضادة للتنديد به.
ما يلفت الانتباه في كل هذه الأمثلة أنّ رفع أعلام “الخصوم” لم يكن يوماً مؤشراً على ولاء فعلي لتلك الدول، أو دعوة لها للتدخل، بل هو في الغالب تكتيك احتجاجي، يستهدف كسر هيبة السلطة القائمة، وإحراجها أمام الداخل والخارج، والإيحاء بأنّ الشرعية لم تعد حكراً على الدولة، بل باتت موزّعة بين قوى عابرة للحدود. على الأخصّ إن اعتبر رافعوها بأن نظامهم الوطني قد أساء معاملتهم وكأنه يمثّل قوة احتلال.
ومن الناحية النظرية، يمكن إدراج هذه الممارسات ضمن ما يُعرف بالسياسة الرمزية، حيث لا يُقاس الفعل بفاعليته المادية المباشرة، وإنما بقدرته على خلخلة المعاني وإعادة ترميز الفضاء العام. رفع علم “عدو خارجي” يندرج في هذا الإطار باعتباره فعلاً صادماً للسلطة وللرأي العام، لأنّه يحوّل رمزاً تعتبره الدولة -حتى إشعارٍ آخر- محرّماً، إلى أداة مقاومة. وهو أيضاً أحد أشكال المقاومة غير التقليدية، إذ يكفي في كثير من الأحيان رفع العلم في الساحة العامة كي يتحوّل إلى سلاح رمزي ينازع الدولة في مجال احتكارها للرموز الوطنية.
إنّ تكرار هذه الظاهرة، من أوروبا القرن التاسع عشر إلى انتفاضات العرب بعد 2011، يؤكد أنّ الأعلام الأجنبية لم تعد مجرد رموز وطنية تُقرأ في سياقها الجغرافي الخاص، بل باتت تُوظّف كأدوات احتجاج عابرة للحدود. فالعلم هنا لا يمثل الدولة التي يحمله فحسب، بل يمثل أيضاً رفضاً لسلطة محلية، واستدعاءً لشرعية أخرى، ورسالة تقول إنّ المعركة على الرموز لا تقل شراسة عن المعركة على الأرض.
إن رفع العلم إسرائيلي هذا الأسبوع في مدينة السويداء ليس عملاً عابراً ولا زلّة عاطفية، بل إعلان سياسي صارخ بأن السلطة فقدت شرعيتها في عيون جزء من شعبها. فحين يلوّح المتظاهرون براية يعتبرها النظام رمزاً للعداء، فإنهم لا يعلنون الولاء للخارج بقدر ما يوجّهون إدانة للداخل: أن الدولة تحوّلت إلى قوة غريبة عنهم، أشبه بسلطة احتلال. وهنا تكمن خطورة الظاهرة، فهي تكشف أن المعركة لم تعد على الأرض وحدها، بل على الرموز نفسها، وأن النظام الذي يعجز عن حماية معناه الرمزي سرعان ما يفقد قدرته على حكم الواقع
المدن
—————————
احموا السويداء/ أيهم السهلي
الإثنين 18 آب 2025
خرجت محافظة السويداء جنوب سوريا السبت الماضي، في تظاهرة، طالب المشاركون فيها بالاستقلال عن سوريا، ورفع بعضهم علم الاحتلال الإسرائيلي الذي صار اسمه لدى عدد من السوريين «الأزرق». هذا المشهد لم يلقَ قبولاً في سوريا، كما إن بعض أهالي السويداء رفضوه، وأعلنوا ذلك علناً، وهناك من تحفظوا عن إعلان رفضهم رفع العلم، خشية رد فعل محلي في المحافظة، جراء اغتصاب أصواتهم من قبل ميلشيات محلية.
لن أعود إلى ما حدث في السويداء الشهر الماضي، وهو مرفوض في أصله وفصله، والدولة مسؤولة عن سلامة وأمن مواطنيها، ولكن ما ليس مسموحاً لها، قتل المدنيين وسفك دمائهم، وإهانة شيوخهم، وحتى لو قالت إن هذا الفعل ليس من عناصرها، فهذا لا يعفيها من مسؤوليتها عن معرفة الفاعل، ومقاضاته، فهي الراعي وهي المسؤولة عن الرعية. هذا أمر مفروغ منه، سواء في أخلاق العصر الحديث، أو في وصايا الإسلام الحنيف.
ما ستحاول هذه المادة مناقشته، هو أمر آخر، هل سبب رفع العلم الإسرائيلي في السويداء، أن السكان هناك خونة؟ إجابتي الدقيقة والمباشرة، لا. رغم أن هناك من يرفعه وهو مقتنع بأن إسرائيل هي الحل. وهذا البعض القليل في المنطقة العربية، فطر سام، موجود في كل مكان وزمان، وفي الحقيقة، هذا الفطر، يتمكن من الانتشار إن توافرت له الأجواء والأرضية المناسبة، كأن تحدث فظائع كالتي حدثت في السويداء قبل شهر، وفي الساحل في آذار الماضي، وفي سوريا على مدى 14 عاماً.
صحيح أن العلم رفع في ساحة الكرامة في السويداء، ومن المؤكد أن رعاة التظاهرة وافقوا أو وجهوا برفع العلم الإسرائيلي بتوجيهات إسرائيلية أو من الوكلاء، والأهداف متعددة، منها خلق هذه الحالة المسيطرة على الشارع السوري والعربي نسبياً هذه الأيام من تبادل لألقاب العمالة، ووضع الناس في حيص بيص، ولعبة الوطنية والتخوين، وكل الألفاظ المنتشرة كالنار في الهشيم في وسائل التواصل الاجتماعي، بينما لا يهتم أحد من هؤلاء بإبادة تحدث في غزة منذ 22 شهراً تقريباً. كما لا يسأل قوم «وسائل التواصل» أنفسهم، من المستفيد من كل ما يحدث؟
مشكلة الدروز في السويداء، هي مشكلة أي مجتمع في العالم، حين يتحكم في رقابه رجال الدين، ليس انتقاصاً من مقامهم وقدرهم، ولكنّ للسياسة أهلها وناسها والعارفين في خفاياها ودهاليزها وألعابها. ورجال الدين، في الغالب، لا يمتلكون من صهوة السياسة شيئاً، حتى إن بعضهم يأخذ الأمور بحسن النوايا، في حين أن السياسة في واد وحسن وسوء النوايا في واد آخر، فهي لا تعترف إلا بالمصالح وإدارتها.
وبحسن نية، سأعتبر أن الشيخ حكمت الهجري لا يعي ما يفعل، ولا يعرف إلى أين يأخذ أهله وناسه في السويداء. كما إنه لم ينتبه إلى التاريخ، تحديداً أنّ دروز الجولان رفضوا الهوية الإسرائيلية، وتمسكوا بهويتهم السورية منذ احتلال أرضهم عام 1967، ومع إعلان ضمه لإسرائيل عام 1981، ظلوا هم العلاقة بين الأرض المحتلة والوطن الأم.
أمّا الجغرافيا التي لم ينتبه إليها الهجري أيضاً، فهي درعا التي تحول دون اتصال السويداء بالأراضي المحتلة، فدرعا التي تقع في المنتصف بينهما، لن تسمح بأي حال من الأحوال بخرقها من إسرائيل، ولما كانت هي مهد الثورة ضد نظام الأسد، فإنها يبدو ستعيد الكرة وتكون مهد الثورة في وجه الاحتلال وأعوانه، والطغاة الذين يغذون التقسيم. ليس لأنها درعا، أو لأن ناسها مختلفون عن غيرهم، إطلاقاً، إنما بسبب البداهة التي يتحلى بها كل سكان المنطقة من الأصليين، وهي رفضهم اغتصاب أرضهم، وإلا، لماذا يقاوم الفلسطينيون احتلال أرضهم منذ نحو 8 عقود، ولماذا قاوم السوريون الاستعمار الفرنسي، حتى نال بلدهم استقلاله؟
القيادة في سوريا مسؤولة عن مواطنيها كافة، ومسؤولة عن حفظ الأنفس، كما مسؤوليتها عن حفظ الأرض التي اؤتمنت عليها منذ الإطاحة بالنظام البائد. ولما أنها تعرف جندها الذين علّمتهم وربتهم في إدلب بحكم الأمر الواقع الذي كان قبل انطلاق معركة «ردع العدوان»، فهي تعرف أنها يجب ألا تدخلهم إلى مناطق فيها أقليات دينية، ولا حتى فيها أكثرية، تتبع مذاهب مختلفة عمّا تعلّمه هؤلاء الجند.
هذا أمر غاية في الأهمية، وهو أدّى، وسيؤدّي، إلى مزيد من الكوارث، ويجب عليها، بعد أن تسلّمت سوريا كلها، بتعدّدياتها المختلفة، أن تعيد تأهيل هؤلاء، وأن تعيد تأهيل نفسها أيضاً حتى تتمكّن من إقناع البقية من العاملين على الأرض بأن الواقع تغيّر، وأن الواقع في بلد كسوريا، وبمحيطه، لا يسمح إلا بإقامة دولة تعدّدية ديموقراطية، وهذا ما يفتقر إليه الشعب السوري منذ سنوات.
رفع العلم الإسرائيلي في السويداء، من قلة عميلة، وأخرى جاهلة وتابعة، لا يعطي دلالة على أن السويداء عميلة، ولكن إن ترك الأمر على غابره، فإن السويداء ستتحول إلى خط دفاع أول للاحتلال كما يريدها، وسيضحّي بأهلها في أول مواجهة قد تنشأ مع إسرائيل في الشمال (لنتذكر ما حدث مع ميليشيا لحد في لبنان). عدا عن أن أهل السويداء، بني معروف، من «العرب الأقحاح» بحسب قول الشيخ والسياسي السوري أحمد معاذ الخطيب، سيفقدون أهلهم ومحيطهم، فبعد الذهاب نحو إسرائيل، لن تكون لهم طريق للعودة إلى أهلهم العرب إطلاقاً، فما بعد إسرائيل ليس كما قبلها.
هل ما سبق يعفي الحكومة والقيادة السورية الحالية من المسؤولية؟ على العكس، فما سبق يحمّل الحكومة والقيادة السورية مسؤولية منعه، عبر حماية السويداء مما يُخطط لها، وينفذ بأيدي قلة مارقة. وحماية السويداء لا تكون إلا بالحوار مع التأكيد أن «أساس المشكلة سياسي ويتم الدفع له وتحريكه بقوى إقليمية عدة وإشراف جهات دولية تسعى إلى تمزيق بلدنا واستغلال أي خدش صغير ليصبح جرحاً نازفاً لا يندمل» بحسب ما جاء في مبادرة الخطيب التي نشرها أول من أمس على صفحاته في منصات التواصل الاجتماعي.
* كاتب فلسطيني
الأخبار
—————————
هل أصبحت السويداء مثل درعا مشكلة أردنية؟ رحلة «صداع» يضمن المبعوث توماس براك ديمومتها/ بسام البدارين
شغف المؤسسة الدبلوماسية الأردنية في البقاء في أقرب نقطة ممكنة من ملف الجنوب السوري له دوماً ما يبرره في ميزان المصالح.
لكن ذلك لا ينفي وجود حلقات غامضة نسبياً حتى الآن مرتبطة حصراً في الدور الذي يفترضه الأمريكيون بصورة محددة لحجم وشكل وهوية البصمة الأردنية في ملف الجنوب السوري.
حتى الآن استضاف وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، في عمان، اجتماعين بحضور كل من نظيره السوري، أسعد الشيباني، والمبعوث الأمريكي الخاص لسورية، توماس براك.
الاجتماع الأول بقي في إطار الدبلوماسية والسياسة، واتفق أن يلحق به إطار عملياتي في الاجتماع الثاني الذي عقد صباح الثلاثاء الماضي وأعقبه بيان سياسي وخطة عمليات.
لكن المهم ملاحظة أن القصر الملكي استضاف الضيفين السوري والأمريكي في خطوة إعلامية توحي بضوء أخضر مرجعي للحراك النشط في ملف الجنوب السوري الذي كلف به الوزير أيمن الصفدي مما يظهر بأن الدولة الأردنية، وليس الوزير أو الوزارة، هي التي تتحرك باتجاه تلك البصمة.
عملياً، طبيعي جداً أن يثير كل ما له علاقة بسوريا الجديدة مخاوف لدى قطاع من النخب الأردنية.
الوضع السوري ملتهب وحمال أوجه، والسيناريوهات متعددة، وجنوبي سوريا كان طوال الوقت التعبير الأمثل عن رحلة صداع أمنية وسياسية أردنية من اللحظة التي نقل فيها وفي وقت مبكر السياسي الفلسطيني عباس زكي للأردنيين مقولة شهيرة للرئيس المخلوع بشار الأسد قال فيها: «درعا مشكلة أردنية».
كانت درعا دوماً مشكلة أردنية ومنذ عام 2011. لكنها لا تزال مشكلة أردنية بالرغم من التغيير الدراماتيكي الذي حصل في دمشق وكل مناورة دبلوماسية أو أمنية أو سياسية لعمان في الملف السوري تنطلق حصراً من حسابات متقاطعة ومعقدة لها علاقة بمصالح الدولة الأردنية وشعبها.
الحدود طويلة ولكنها مضطربة أيضاً، وأولوية الأردن الحدودية عبر عنها الوزير الصفدي بوجود «القدس العربي» عندما اعتبر أن تهريب المخدرات على رأس قائمة الاهتمام. تقلصت عمليات التهريب للمخدرات السورية باتجاه الأردن بوضوح.
لكن في متوالية هندسية أمنية مسيسة لاحظ الجميع مؤخراً نشاطاً متزايداً في تهريب المخدرات وبطرق تقنية حديثة من جنوبي فلسطين المحتلة ومن مصدر أو منشأ إسرائيلي هذه المرة.
لا أحد على المستوى الرسمي يفسر تلك العلاقة التي رصدها مبكراً الخبير العسكري نضال أبو زيد بمعية «القدس العربي» بين انخفاض معدل تهريب المخدرات من سوريا وارتفاعه فجأة من جانب شريك السلام الإسرائيلي الذي يتخذ في الواقع الفلسطيني والإقليمي خطوات ميدانية تمس من دون إعلام بالمصالح الأساسية الأردنية.
عملياً، ما يشعر به الشارع الأردني هو تطوير مثير وأحياناً مريب على فكرة درعا مشكلة أردنية لصالح مقولة جديدة تضيف السويداء باعتبارها مشكلة أردنية جزئية أيضاً.
والسبب على الأرجح قد يرفع من مستوى التصنيف ليصبح أمن الجنوب السوري برمته صداعاً متجدداً للأردن ومؤسساته، حيث تتقاطع الأجندات والمصالح هنا، وحيث تغذي مجاملات توماس براك الصداع المشار إليه.
المبعوث الأمريكي باراك أكثر من تعليقات المجاملة التي توحي بأنه لولا الأردن ودوره لما تم احتواء أحداث السويداء الدامية.
الوقائع تشير إلى أن المزاج الشعبي الأردني يرتاب ولا يرتاح كلما امتدح الأمريكيون دور عمان فيما يسميه براك بالشراكة الأردنية الأمريكية السورية.
في الجانب السياسي واضح: عمان دخلت بقوة دبلوماسياً وتشاورياً على خطوط إنتاج ما يسميه الأمريكيون باستدامة الهدوء في الجنوب السوري وفي الناحية العملياتية تبدو التفاصيل إما محرجة أو غامضة عندما يتعلق الأمر بالإجابة عن السؤال التالي: ما هي حيثيات الاشتباك العملياتي المطلوبة لإدامة الهدوء في السويداء ودرعا؟
سؤال مطروح وإجابته معقدة والمرجح أن الخارجية الأردنية ليست بصدد شفافية مباغتة تجيب عن مثل ذلك السؤال تستبق المراحل أو تحرقها.
عمان، وطوال سنوات الأزمة السورية، رفضت وبإلحاح التواجد أمنياً داخل الأراضي السورية، وأغلب التقدير أن خطوة أمريكية من هذا الصنف كانت مطلوبة قبل نحو عامين ورفضت أمنياً، فيما المرجح أن يتواصل هذا التمنع بسبب الحسابات والحساسيات والتعقيدات المحتملة، خصوصاً وأن مناطق الجنوب السوري يعبث فيها الإسرائيليون أحياناً خلافاً لأن مجموعات مسلحة متنوعة وأحياناً طائفية موجودة في الميدان.
طبعاً نطاق العمليات في الإدارة الحدودية السيادية والأمنية ليس مطروحاً للعامة.
لكن التخوفات على الطاولة بدأت تصبح شبه علنية بأن الأمريكي براك يكثر من التقول والترحيب بالدور الأردني، علماً أن الأردن يدير اشتباكه الإيجابي مع تفصيلات الملف السوري ضمن جملة تكتيكية غاية في التلمس والرصد والحذر.
عمان هنا تحكمها المصالح الواقعية على الأرض. وليس من الممكن لها ترك الحكم السوري الجديد وحيداً في ملف الجنوب تحديداً خلافاً لأن العاصمة الأردنية تعلم مسبقاً بأن ترك الساحة في الجنوب السوري للأمريكي والإسرائيلي قد ينتهي بإلحاق ضرر بالغ بمصالح الأردن في حال الغياب ليس عن الطاولة فقط، بل غرفة العمليات أيضاً.
يعني ذلك وفي كل بساطة أن الأردن يتوجب أن يبقى مطلعاً وحاضراً في محور السويداء – درعا.
ذلك طبعاً عبء إضافي وكبير وحمال أوجه وسيناريوهات لكنه تعبير ملح عن المصالح الأساسية خلافاً لأن إبعاد الأصابع الإسرائيلية عن ملف السويداء هدف يجمع الدولة الأردنية بالإدارة السورية الجديدة والدولة التركية ولا يعارضه الأمريكيون.
مجدداً كما سهر الأردن ليله الطويل منذ عام 2011 وهو يراقب درعا والجنوب قد يسهر في مراقبة السويداء.. ذلك مقتضى أمني إستراتيجي الآن بصرف النظر عن مخاوف الناس وبعض النخب.
الأهم أنه وسيلة للبقاء في منطقة شراكة حيوية مع الإدارة الأمريكية الحالية المقلقة تضمن مقعداً يمكن أن يلزم لاحقاً في مواجهة أطماع اليمين الإسرائيلي، ليس فقط في الضفة الغربية والأغوار أو في الجنوب السوري.
لكن أيضاً في الأردن ذاته في مشهد يعززه ظهور شعوذة بنيامين نتنياهو مؤخراً ذات الصلة بالإطار الروحاني والتي تتغزل فجأة بمشروع إسرائيل الكبرى.
———————
أبي المنى يدعو أبناء السويداء إلى التصدي لمخطط اقتلاع الهوية
الأحد 17 آب 2025
دعا شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز، الشيخ سامي أبي المنى، أبناء السويداء إلى «التصدي لمخطط اقتلاع الهوية العربية الإسلامية للموحدين الدروز»، معتبراً أن مواقف الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي، وليد جنبلاط، «أبعد ما تكون عن خيانة التاريخ والهوية».
ووفق بيان صادر عن مشيخة العقل، اعتبر أبي المنى «أن الواجب الديني والوطني والقومي يحتم على عقلاء السويداء التصدي لمخطط اقتلاع الهوية العربية الإسلامية للموحدين الدروز، ولمحاولة نسف تاريخهم النضالي المشرّف في مواجهة سياسات الاستعمار ومشاريع الانفصال».
وقال: «صحيح أن الجرح عميق ومؤلم، وأن الدولة الجديدة لم تثبت جدارتها في حفظ شعبها وصيانة تنوعه، ومع تحميلها المسؤولية الكبرى في ما حصل، لكننا نؤكد أن العلاج لا يكون بالانحراف عن نهج السلف وتضليل الخلف، بل يكون بالإصرار على تصحيح الخلل من قبل الدولة، والعمل على تأكيد الالتصاق بالوطن من قبل أبناء الجبل، والمطالبة بالرعاية العربية والإسلامية والدولية الجدية والمسؤولة».
ورأى الشيخ أبي المنى أن «الهوية ليست سلعة للبيع أو للمقايضة، وجبل العرب، كما جبل لبنان، غنيٌّ بتاريخه وتراثه الوطني، ولن يقبل بغير الإسلام ديناً، وبغير التوحيد مسلكاً ومنهجاً، وبغير العروبة انتماءً وعمقاً وسنداً، وتلك هي حقيقة المعروفيين الأوفياء ووصية الأجداد الشرفاء، وهذه هي مواقفنا ومواقف الزعيم وليد بك جنبلاط الثابتة منذ البداية، لم ولن تتغير، وهي أبعد ما تكون عن خيانة التاريخ والهوية، كما تجهد بعض الأصوات المضلِّلة أو المضلَّلة لتصويرها عن جهلٍ متمادٍ أو حقدٍ دفين، وقد أضاع بعضها البوصلة وخان التاريخ والهوية».
وتوجّه إلى أبناء السويداء محذراً إياهم «من خيانة جبل سلطان باشا الأطرش، جبل المشايخ الأجلاء الأوائل والقادة الأفذاذ الأصائل والمجاهدين الأحرار والشهداء الأبرار».
وأضاف: «لتبق دماءُ المغدورين والمقاومين ومشاهد الهمجية والقتل والحرق والتدمير وانتهاك الكرامات حافزاً لأهلنا في السويداء للمزيد من الإصرار على هويتهم الأصيلة، وعلى وحدة بلادهم، وعلى حقهم المقدس في الشراكة الوطنية والعيش الآمن الكريم، لا في الانزلاق الى زاوية التقوقع القاتل، ولا في الانجذاب الى حيث تُرسم خرائط التفتيت والشرذمة».
————————
شيخ العقل: مواقف جنبلاط أبعد ما تكون عن خيانة التاريخ
الأحد 2025/08/17
تتوالى ردود الفعل والمواقف المنددة، بما تعرض له الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط من هتافات مسيئة ومشككة بمواقفه تجاه أحداث السويداء. وفي هذا الإطار، صدر عن مشيخة العقل لطائفة الموحدين الدروز في لبنان بيانٌ جاء فيه، بعد التشاور مع معظم المشايخ في البلاد، شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز في لبنان الشيخ الدكتور سامي أبي المنى بأنه “يحتّم الواجب الديني والوطني والقومي على عقلاء السويداء التصدي لمخطط اقتلاع الهوية العربية الإسلامية للموحدين الدروز، ولمحاولة نسف تاريخهم النضالي المشرّف في مواجهة سياسات الاستعمار ومشاريع الانفصال”. وأضاف: “صحيح أن الجرح عميق ومؤلم، وأن الدولة الجديدة لم تثبت جدارتها في حفظ شعبها وصيانة تنوعه، ومع تحميلها المسؤولية الكبرى في ما حصل، لكننا نؤكد أن العلاج لا يكون بالانحراف عن نهج السلف وتضليل الخلف؛ بل يكون بالإصرار على تصحيح الخلل من قبل الدولة، والعمل على تأكيد الالتصاق بالوطن من قبل أبناء الجبل، والمطالبة بالرعاية العربية والإسلامية والدولية الجدية والمسؤولة”.
ورأى الشيخ أبي المنى، أن “الهوية ليست سلعة للبيع أو للمقايضة، وجبل العرب، كما جبل لبنان، غنيٌّ بتاريخه وتراثه الوطني، ولن يقبل بغير الإسلام ديناً، وبغير التوحيد مسلكاً ومنهجاً، وبغير العروبة انتماءً وعمقاً وسنداً، وتلك هي حقيقة المعروفيين الأوفياء ووصية الأجداد الشرفاء، وهذه هي مواقفنا ومواقف الزعيم وليد بك جنبلاط الثابتة منذ البداية، لم ولن تتغير، وهي أبعد ما تكون عن خيانة التاريخ والهوية، كما تجهد بعض الأصوات المضلِّلة أو المضلَّلة لتصويرها عن جهلٍ متمادٍ أو حقدٍ دفين، وقد أضاع بعضها البوصلة وخان التاريخ والهوية”.
وتابع: “إننا بالمقابل، ومن منطلق اعتزازنا بتاريخ الجبل الأشمّ وحرصنا على سلامته ومستقبله، نقول: احذروا من خيانة جبل سلطان باشا الأطرش، جبل المشايخ الأجلاء الأوائل والقادة الأفذاذ الأصائل والمجاهدين الأحرار والشهداء الأبرار، ولتبقَ دماءُ المغدورين والمقاومين ومشاهدُ الهمجية والقتل والحرق والتدمير وانتهاك الكرامات حافزاً لأهلنا في السويداء للمزيد من الإصرار على هويتهم الأصيلة، وعلى وحدة بلادهم، وعلى حقهم المقدس في الشراكة الوطنية والعيش الآمن الكريم، لا في الانزلاق إلى زاوية التقوقع القاتل، ولا في الانجذاب إلى حيث تُرسم خرائط التفتيت والشرذمة”.
أبو فاعور: الإرث التاريخي للجبل
كذلك صدر عن عضو كتلة اللقاء الديمقراطي النائب وائل أبو فاعور بيانٌ جاء فيه: “الذين تجرأوا على الرئيس وليد جنبلاط لا يمثّلون أبناء جبل العرب؛ بل هم قلة باعت نفسها وصوتها، والتحفت العلم الإسرائيلي وانقلبت على الإرث التاريخيّ للجبل وعلى الإرث الوطني والعربي لسلطان باشا الأطرش. وتحقيق العدالة للشهداء لا يكون بالإساءة إلى الرمز الذي نذر نفسه منذ العام 2011 لأجل حماية دروز سوريا من إدلب إلى جرمانا إلى السويداء وجبل الشيخ”.
أبو الحسن: لا للخونة والعملاء
وكتب عضو كتلة اللقاء الديمقراطي النائب هادي أبو الحسن عبر حسابه على منصة “أكس”: “إنّه زمن الرِّدّة، إنه زمن التجرؤ على الكبار الكبار. زمنٌ كَثُر فيه الجحود وقلّت فيه الأصالة، زمنُ الارتهان والعمالة، زمنُ الفرز بين نخبة الوطنيين العروبيين والحثالة. إنّه زمن التنكّر، زمنُ الانقلاب على تاريخنا وتراثنا. وما الحياة إلّا انتصار للأقوياء، لا للخونة والعملاء”.
المدن
———————————–
======================
تحديث 17 آب 2025
——————————-
كيف يفكر صانع القرار بدمشق حيال أزمة السويداء؟/ إياد الجعفري
الأحد 2025/08/17
كان يمكن التقاط إشارات إيجابية، وأخرى محبطة لكنها متوقعة، في سياق محاولة فهم كيف يفكّر صانع القرار في دمشق، والمقرّبين منه، حيال ملفات المشهد السوري المعقّدة، وذلك في أول إطلالة إعلامية، للدكتور أحمد موفق زيدان، بوصفه مستشاراً للرئاسة السورية للشؤون الإعلامية. وشاءت الأقدار، أن تحصل هذه الإطلالة، على شاشة الإخبارية السورية –برنامج على الطاولة مع معاذ محارب- بعد ساعات فقط من التظاهرة التي شهدتها السويداء، والتي طالب فيها متظاهرون باستقلال المحافظة.
وقبل أن نبدأ في تفنيد بعض الإشارات الملتقطة من هذا اللقاء، علينا أن نحدد الزاوية التي نعتقد أنه من خلالها، يجب النظر للسلطة في دمشق، كي نتمكن من تقديم قراءات واقعية لتعقيدات المشهد السوري. فهذه السلطة، هي سلطة أمر واقع، تحظى بشعبية كبيرة في أوساط الأكثرية العربية السنيّة، لكنها لا تحتكر تمثيل هذه الأكثرية، كما أنها لم تصل للسلطة بموجب انتخابات، بل بموجب القوة المسلحة. هذا التوضيح مهم، كي نفهم، لماذا الإشارات المحبطة في حديث مستشار الرئيس أحمد الشرع، كانت متوقعة. فرغم تركيز أحمد موفق زيدان، على استخدام لازمة “الدولة”، بوصفه يعبّر عنها، إلا أن توصيفاته للأمور، تؤكد أن صنّاع القرار في هذه “الدولة”، يفكرون كسلطة، لا كـ”دولة”. ولأن سلطات الأمر الواقع الأخرى بسوريا، والتي تحتكر، بالقوة أيضاً، تمثيل مكونات سورية أخرى، كالأكراد أو الدروز، هم بدورهم، يفكرون كسلطات، يصبح الحديث عن إشارات إيجابية، يمكن البناء عليها، مفهوماً أيضاً. بمعنى، أننا نتحدث عن سلطات أمر واقع، كل منها تحتكر تمثيل مكوِّن، والحل للمعضلة الراهنة في سوريا، هو بإحلال التفاوض، كوسيلة لتوزيع المكاسب بين هذه “السلطات”، بدل الاقتتال المرتكز على شدّ كل سلطة للعصب الطائفي أو العِرقي للمكوِّن الذي تدعي تمثيله، ونتائج ذلك الكارثية على مجمل النسيج السوري.
وإن بدأنا بالإشارات المحبطة، والمتوقعة في آن، فأبرزها، اعتماد لازمة “الدولة”، في الحوار مع منتقدي السلطة في دمشق. فالحديث عن “شرعية ثورية”، أو “شرعية شعبية”، مُنحت عبر “مؤتمر النصر”، نهاية شهر كانون الثاني الفائت، يتعامى عن حقيقة أن من منح تفويض الحكم لأحمد الشرع، هي الفصائل المسلحة التي قاتلت معه في عملية ردع العدوان، وأسقطت نظام الأسد. أي، أن التفويض ناجم عن إرادة من استخدم القوة المسلحة، ليصبح بديل السلطة السابقة. ورغم أن تلك اللحظة، نُظر إليها في أوساط السوريين، على نطاق واسع، بأنها لحظة انتصار تاريخية، تعبّر عن إرادة الغالبية العظمى من السوريين، إلا أنها لا يجب أن تُعمينا عن أن من وصل إلى كرسي الحكم في دمشق، حقّق ذلك بالقوة المسلحة، لا بعملية انتخابية. وإن كنا نقرّ مع منظّري السلطة بصعوبة تنفيذ عملية انتخابية في الوقت الراهن، فإن ما تلا ذلك، من مؤتمر حوار وطني وإعلان دستوري، كشف عن نزوع جلّي لاحتكار السلطة من جانب من وصل إليها بالقوة المسلحة، مستنداً إلى استراتيجية شدّ عصب الأكثرية وراءه. وهو أسّ البلاء الذي أدى إلى ما رأيناه لاحقاً، خصوصاً في قضية السويداء.
في التعريف المبسّط للدولة، أنها عبارة عن ثلاثة مكونات: السلطة، الشعب، والأرض. والتفاعل الصحي بين هذه المكونات، هو ما يخلق دولة قوية، والعكس صحيح. هذا “العكس”، يظهر حينما تحتكر السلطة إرادة الشعب، وتمثيله، وتتعامل معه بفوقية، برزت بشكل واضح في تعبيرات مستشار الرئيس للشؤون الإعلامية، من قبيل “عقلية الدولة لا تفعل ذلك”، “استراتيجية الدولة لا تفعل ذلك”، “هذا شأن خاص بالدولة”، حتى أن محاوره علّق على منطقه بصورة موفقة، حينما قال له “هل تقصد أن الدولة فقط هي التي تفهم وسواها لا”. بطبيعة الحال، فإن حديث زيدان عن الدولة، ينطبق موضوعياً، على أحد مكوناتها فقط، وهي السلطة.
أما الإشارة المحبطة التالية، وهي متوقعة أيضاً، أن لا نيّة لدى السلطة في دمشق، لمراجعة المسار التأسيسي الذي وضعته هي بنفسها، للمرحلة الانتقالية، متمثلاً بمؤتمر الحوار الوطني والإعلان الدستوري، بل قررت، القفز إلى الأمام، بالحديث عن “مجلس شعب”، سيكون معبّراً عن إرادة “الشعب”. مجلس الشعب ذاته الذي سيُعيَّن ثلث أعضائه من الرئيس، بينما سيتم انتخاب الثلثين عبر لجان فرعية مختارة من جانب لجنة عيّنها الرئيس بنفسه. وهي آلية لن تؤدي إلا إلى نتيجة وحيدة، قالها محاور زيدان، في اللقاء الإعلامي، أن مجلس الشعب سيكون موالٍ للسلطة، فكان رد زيدان أنه سيكون موالٍ للدولة. وهنا نقع في الإشكالية نفسها المتعلقة بالخلط بين مفهومي “الدولة” و”السلطة”.
يضاف إلى ما سبق، ذاك المنطق “العائلي” الذي استخدمه زيدان لوصف تعقيدات العلاقة بين مكونات النسيج السوري. منطق يستند إلى عقلية “أبوية”، قائم على الوصاية على باقي أفراد “العائلة”، وفق منطق أن ممثل “الأكثرية”، هو “الأكبر”، أو “رب العائلة”، لا على عقلية “شراكة” حقيقية.
قد يقول قائل، في معرض كل الإشارات المحبطة الموضحة أعلاه، أية إشارات إيجابية كان يمكن التقاطها من حديث زيدان، للبناء عليها. هنا نجيب، أن أبرز تلك الإشارات الإيجابية، هو ما بدا، من حديث زيدان، بوصفه إدراكاً من جانب صنّاع القرار في دمشق، أن ما حدث في السويداء، كان خطاً. وقد أقرّ زيدان بذلك. بطبيعة الحال، توصيف “الخطأ”، لجرائم وانتهاكات بحق مكوّن مجتمعي كامل، ليس التوصيف المأمول. لكن نكرر، أن البحث عن حل لمعضلات المشهد السوري يتطلب النظر لجميع الأفرقاء المتصارعين على أنهم سلطات أمر واقع، وأن كل طرف فيهم يحاول تعظيم منافعه، عبر استخدام شد العصب الطائفي أو العرقي للمكوّن الذي يمثله. الإقرار بخطأ ما حدث في السويداء، وإشارة زيدان الأخرى إلى أن هذا الخطأ لن يتكرر، بمعنى أن “الدولة”، لن تذهب إلى صدام مسلح مع فصائل السويداء، مجدداً، وستبحث عن حل لهذه المعضلة، بالطرق التفاوضية، هو الإشارة التي يمكن البناء عليها، حالما يكون الطرف الآخر، الذي يحتكر تمثيل الطائفة الدرزية الآن، جاهز للجلوس على طاولة المفاوضات، بعد الوصول إلى أقصى درجة ممكنة من التصعيد التعبوي. ونعتقد أن هذا التصعيد وصل إلى أقصاه بالفعل، في الدعوة غير الواقعية للانفصال. ليصبح التالي، سقوفاً أوطأ، مستندة إلى حصيلة التفاوض.
في حالتنا اليوم بسوريا، يجب النظر إلى المشهد بوصفه ساحة صراع، أفضل ما نأمله فيها، أن تَحل السياسة، كأداة للتنازع على المنافع، بدل الاقتتال. وهو أمر يحدث في كل البلدان التي تخرج من نزاعات أهلية، ويكون فيها أكثر من سلطة أمر واقع. ومع غياب القدرة على الحسم بالقوة، تنتفي القدرة على فرض مبدأ “الغَلَبة”، ويصبح من المتاح أكثر، الوصول إلى تسويات وسط، بين المتنازعين. تسويات قد لا تحقق الصورة المأمولة لسوريا التي نحلم بها، في مدى زمني قريب أو حتى متوسط، لكنها تمنع انحدارها إلى صورة أكثر بشاعة وكارثية مما هي عليه الآن. هذه التسويات، قد تؤسس على مدى زمني أبعد، أساساً لتعميم العمل السياسي التفاوضي كأساس للصراع على المنافع والمكاسب بين السوريين، كمقدمة للوصول إلى الدولة المأمولة.
المدن
———————–
الجنوب السوري: لا يكفي أن تعود روسيا.. أوقفوا أمراء الحرب أولاً/ صلاح قيراطة
عودة موسكو إلى الجنوب: دوريات تلمّع الخراب ولا تعيد الاستقرار
2025-08-17
تتصرف الحكومة السورية كما لو أن إعادة الشرطة العسكرية الروسية إلى الجنوب السوري ستفتح أبواب الجنة، وتعيد الأمن والاستقرار بمجرد نشر بضع دوريات مدرعة. غير أن هذه المقاربة، الساذجة أو المتواطئة، تتجاهل حقيقة يعرفها كل مواطن في درعا والقنيطرة والسويداء: الأزمة الحقيقية لا تكمن في غياب العربات المصفحة، بل في أن مدن الجنوب مخطوفة منذ سنوات على يد أمراء حرب تحولوا إلى حكّام فعليين.
منذ انهيار نظام الأسد في أواخر 2024، ترك الفراغ الأمني الباب مفتوحاً أمام كل من أراد اقتطاع جزء من الجغرافيا لمصلحته. إسرائيل سارعت إلى استغلال الفوضى لتثبيت منطقة عازلة على حدود الجولان المحتل تحت شعار “الأمن القومي”، بينما كانت الحقيقة أنها وجدت فرصة ذهبية لتوسيع نفوذها بلا تكلفة سياسية أو عسكرية تذكر.
إيران، من جهتها، لم تغادر المشهد، بل أعادت تموضع ميليشياتها، بدّلت وجوه قادتها، وأبقت شبكاتها الأمنية والعسكرية نشطة عبر وكلاء محليين. أما الفصائل المحلية التي كانت تتغنى بخطاب “حماية الأهالي”، فقد تحولت إلى الخطر الأكبر على السكان، تمارس الجباية، وتفرض الإتاوات، وتتحكم في الوقود والخبز وحتى مياه الشرب.
في ظل هذه المعادلة المعقدة، لن تضيف الدبابات الروسية شيئًا حقيقيًا ما لم ترافقها خطة صارمة لتفكيك الميليشيات وتجريدها من السلاح. وإلا، فإن العودة الروسية ستكون مجرد ورقة تجميل لواقع قبيح، وربما غطاء لاستمرار الفوضى تحت عنوان “التنسيق الأمني”.
اليوم، يغرق الجنوب في شبكة مصالح متشابكة:
تهريب سلاح ومخدرات عبر الحدود الأردنية والفلسطينية المحتلة.
اقتصاد ظلّ قائم على النهب والابتزاز.
صفقات سياسية بين أمراء الحرب وأطراف إقليمية تتجاوز سلطة الحكومة.
سلاح ثقيل يوازي ترسانة بعض الجيوش، خارج أي سيطرة وطنية.
رغم ذلك، تتصرف الحكومة السورية وكأن هذه المجموعات يمكن ترويضها أو استيعابها عبر وعود ومناصب، متناسية أن من يحكم بالسلاح لا يسلّمه طواعية، وأن الولاءات المبنية على المال والسلاح تتغير مع أول عرض مغرٍ.
إسرائيل لن تمانع عودة روسيا إذا كانت ستشكل حاجزًا أمام النفوذ الإيراني، لكنها تدرك أن الميليشيات الموالية لطهران بارعة في التخفي؛ ترفع صباحًا علم الحكومة السورية، وتعود مساءً لرايات الحرس الثوري. هذا المشهد لا يمكن تغييره بدورية روسية أو حتى بفرقة مدرعة كاملة، بل بعملية أمنية وسياسية شاملة تفرض سيادة الدولة على كل متر في الجنوب.
الحقيقة المرة أن الحكومة السورية أمام خيارين لا ثالث لهما:
إعادة إنتاج الجنوب كمحمية أمنية روسية–إسرائيلية بواجهة سورية شكلية، حيث تعيش الميليشيات تحت سقف “هدنة دائمة” مع بقاء سلاحها.
الدخول في مواجهة شاملة مع أمراء الحرب، مهما كان الثمن، لإعادة الجنوب إلى سلطة الدولة ضمن مشروع وطني حقيقي.
مصير آلاف المقاتلين المنتشرين في القرى والمدن، والذين يتحكمون يوميًا في حياة الناس، هو كلمة السر في أي حل. تجاهل هذا الملف يعني أن كل حديث عن الاستقرار مجرد وهم سياسي.
وإذا كانت الحكومة تفتقر للشجاعة السياسية والعسكرية لمواجهة أمراء الحرب، فإن الصدق مع الناس أولى من بيع الأوهام عبر بيانات وصور بروتوكولية مع ضباط روس. فالدوريات الروسية – مهما بدت أنيقة أمام الكاميرات – لن تغيّر واقع الجنوب، بل ستكتفي بحراسة الخراب أو التعايش معه.
الجنوب السوري لا يحتاج إلى زائر أجنبي جديد يتفرج على فوضاه، بل إلى قرار وطني حاسم يقطع شريان الحرب: السلاح غير الشرعي، شبكات التهريب، والولاءات العابرة للحدود. من دون ذلك، ستبقى كل “عودة” مجرد فصل جديد في مسرحية طويلة، يدفع ثمنها السوريون، ويموّلها أمراء الحرب من دم الناس وجيوبهم.
+963
——————————-
في السويداء… جثث وفوضى وأسئلة عن الدور الاسرائيلي/ شيلي كيتلسون
آخر تحديث 17 أغسطس 2025
كان الفارق صارخا بين زيارتي الأولى إلى السويداء، الواقعة في جنوب البلاد، وذات الأغلبية الدرزية، عندما زرتها في أواخر ديسمبر/كانون الأول، وزيارتي الثانية في أوائل أغسطس/آب، على الرغم من أن الشرارة التي أشعلت أعمال العنف الأخيرة، ربما كانت في طور التشكل طيلة تلك الأشهر.
والرحلة إلى هذه المدينة، التي كانت تستغرق ساعة تقريبا بالسيارة، انطلاقا من إحدى ضواحي دمشق وتمضي عبر أراض صخرية مسطحة رتيبة، باتت بدءا من منتصف يوليو/تموز، طريقا معذبا يتطلب أكثر من أربع ساعات، في حافلة تغادر في الصباح الباكر من ضاحية جرمانا، ذات الأغلبية الدرزية في العاصمة السورية.
لقد شهدت المنطقة، ما بين الزيارتين، شهورا من التوترات المتصاعدة والاتفاقات التي أعلن عنها قبل التراجع عنها. ثم في 12 يوليو/تموز، حلت أيام من الدماء، وامتلأت الشوارع بالجثث، عقب الأنشطة الإجرامية والعنف المتبادل بين الدروز والبدو، وسادت حالة من الذعر المشوش على الإنترنت وخارجه.
وعلى الرغم من الاعتقاد بأن المئات قد قتلوا، فإن قلة عدد الصحافيين المحترفين، الذين سمح لهم بالدخول بعد بدء الصراع، أدت إلى زيادة انعدام الثقة، حيث تنافست منشورات وسائل التواصل الاجتماعي والمؤثرون على الآراء والعواطف في جو متوتر بالأصل.
خلال موجة حر شديدة في 6 أغسطس/آب، حملت النساء أطفالهن الرضع إلى الحافلة، بينما تزاحم الشباب على أدراجها، وعندما لم يتبق مقاعد شاغرة، عاد العشرات ممن حاولوا الركوب، على الرغم مما يصفه البعض بـ”حصار” المدينة، وإن كان ذلك غير دقيق تماما، لأن تدفق المساعدات والأفراد استمر على الرغم من صعوبة ذلك التدفق وطول الوقت الذي يستغرقه.
وفي رحلة العودة إلى العاصمة، ولعدم توفر مقعد شاغر، جلست مراسلة “المجلة” أيضا على درجات مدخل الحافلة، بالقرب من السائق الذي كان ينقع منشفة في الماء مرارا ويبلل وجهه في محاولة للحفاظ على شيء من البرودة تكفيه للتركيز على الطريق.
تجنبت الحافلة المرور عبر المناطق الغربية من محافظة السويداء وابتعدت عنها، سواء في طريقها من وإلى عاصمة المحافظة، التي لا تزال غير مستقرة بعد ثلاثة أسابيع من اندلاع الاشتباكات العنيفة.
بعد أن عبرت الحافلة محافظة درعا، التي تفصل بين السويداء والأراضي الخاضعة لإسرائيل، واقترابها من الحدود الجنوبية لسوريا مع الأردن عبر طريقها الدائري، توجهت بنا إلى نقاط التفتيش الجنوبية قرب بصرى الشام، حيث أجرت قوات الأمن العام السورية تفتيشا سريعا، ولم تجر الميليشيا الدرزية المحلية أي تفتيش تقريبا على نقاط تفتيشها. إلا أن مسلحين دروزا أنزلوا مراسلة “المجلة” من الحافلة في طريق العودة، وأمروها أن تظهر الصور التي التقطتها خلال زيارتها. وبعد أن اطمأنوا إلى أن الصور هي صور لتدمير الممتلكات، طلبوا منها أن “تعمل على نشرها” ثم أخلوا سبيلها.
كل عمليات القتل وتدمير الممتلكات، التي وقعت على نطاق واسع في النصف الثاني من يوليو/تموز، لم توثق أو يُحقق فيها على نحو مناسب، إلا أنها أثرت على صورة الحكومة الجديدة في نظر الغرب إلى حد كبير. كما أن السوريين منقسمون، ويجدون أنفسهم في الغالب بلا وسائل إعلام مهنية موثوقة يلجأون إليها، حيث أصبحت وسائل الإعلام التي يعدونها مستقلة، نادرة للغاية.
في حافلة العودة من السويداء، صعد صحافي سوري وسأل هل يرغب أحد في إجراء مقابلة. بعد أن أخبر أحد الركاب بأنه مراسل “تلفزيون سوريا”، ساد الصمت حتى بين الراغبين في التحدث إلى مراسلة “المجلة” غير السورية.
وعلى الرغم من أن الأقلية الدرزية تشكل 3 في المئة أو أقل من عدد السكان، فقد حظيت طيلة فترة طويلة بتغطية إعلامية كبيرة من وسائل الإعلام الغربية، بسبب قلق هذا الإعلام من التداعيات المحتملة على الأقليات في البلاد بعد سقوط الأسد.
في الأيام الأولى للمعارك بين الميليشيات الدرزية وفصائل البدو المحلية، وبينما كانت القوات الحكومية تتقدم نحو السويداء، قصفت إسرائيل، في ساعة مبكرة من صباح 16 يوليو، وسط دمشق، بما في ذلك مباني وزارة الدفاع المتاخمة لساحة الأمويين الشهيرة، التي تقع بالتحديد بين اثنين من أشهر الفنادق الفاخرة في البلاد.
وقد ادعت إسرائيل أنها تحمي الطائفة الدرزية، على الرغم من أن الكثير من أفراد الطائفة يرفضون بشدة الحاجة إلى مثل هذه “الحماية” الأجنبية أو فائدتها.
يواجه حطام أحد المباني المطلة على الساحة الآن، الحشود السورية التي تمر به يوميا، كتذكير دائم بأن البلاد يمكن أن يدمرها بسهولة جار قريب إلى حد الإزعاج، جار ينظر إليه أيضا على أنه الداعم الرئيس للقوات التي يقودها حكمت الهجري، أحد كبار شيوخ الدروز في السويداء.
التضليل وتشكيل لجنة للتحقيق في الوفيات
لا يزال الجدل الحاد يدور حول ما حدث في 16 يوليو في السويداء، عندما دخلت القوات الحكومية لفترة وجيزة هذه المدينة، التي كانت خارج سيطرة الحكومة منذ الإطاحة بنظام الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول، كما لا يزال الجدل الحاد يدور أيضا حول ما حدث بالضبط في أحد مستشفياتها. فقد نشر مقطع فيديو في 10 أغسطس/آب، تظهر فيه القوات الحكومية كما يبدو وهي تعدم رجلا، بين الساعة الثالثة والرابعة عصرا، حسبما ورد.
وفي 10 أغسطس، أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بيانا قال فيه إنه “يدين بشدة العنف المرتكب ضد المدنيين (…) ويدعو جميع الأطراف إلى الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار وضمان حماية السكان المدنيين”.
وكان موقع “زمان الوصل” الإخباري السوري المستقل، قد شكك في تقرير هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في يوليو بشأن عمليات القتل في هذا المستشفى نفسه، قائلا إن “المستشفى كان قد وقع من قبل تحت سيطرة الفصائل الدرزية المسلحة قبل ساعات من وقوع المذبحة”.
إذا كان الضحايا، كما زعمت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، من سكان السويداء (مدنيين دروزا)، فلماذا دفنوا سرا في مقابر جماعية، دون جنازات أو تعازي أو حتى أسماء منشورة؟ (…) والحقيقة هي أن الضحايا كانوا مجهولي الهوية، وكثير منهم على الأرجح هم من البدو أو عناصر الأمن الذين أعدموا أثناء الحصار، وحسب تحقيق أجرته صحيفة “زمان الوصل” بتاريخ 24 يوليو، “لقد دُفن ما لا يقل عن 134 جثة في تلال متعددة، باستخدام أساليب مماثلة على نحو مقلق لعمليات الدفن الجماعي التي اتبعها نظام السابق، في كل من نجها والقطيفة: دفن متعدد الطبقات، دون أسماء، دون توثيق، دون إشراف طبي أو قانوني”.
كما أن الإشارة إلى ارتباط الميليشيات الدرزية بالنظام السابق، باتت أكثر تواترا في الأسابيع الأخيرة، وعلى الأخص بعد أن عيّن الهجري عددا من الضباط من ذوي الرتب العالية في قوات الأسد، في مناصب رئيسة ضمن قواته المحلية.
في هذه الأثناء، أشار موقع للتأكد من الحقائق (آي أكد فاكتس) في 26 يوليو، إلى أنه بحلول نهاية اليوم السابق للإعدام المفترض، الذي ظهر في فيديو 16 يوليو، “بدا أن الفصائل الدرزية قد فرضت سيطرتها الكاملة على شارع المستشفى الوطني”، وأنه “في الكثير من مقاطع الفيديو التي سجلوها بأنفسهم، تحدث المقاتلون علانية عن تطويق قوات الأمن العام داخل المستشفى وأطلقوا تهديدات صريحة بالقضاء عليهم”.
وقد عينت وزارة العدل السورية في 31 يوليو، لجنة مكونة من سبعة أعضاء، بينهم الكثير من الخبراء القانونيين ذوي الخبرة العالية، للتحقيق في أعمال العنف في السويداء، مع تحديد مهلة ثلاثة أشهر لتقديم تقريرها إلى الحكومة عن نتائج التحقيق.
أدلة على الحرق والنهب
خلال رحلة مراسلة “المجلة” إلى المدينة، شاهدت عشرات الشاحنات المحملة بالمساعدات تنتظر التفتيش على طول الطريق. بعضها يحمل شعار برنامج الغذاء العالمي، بينما حمل بعضها الآخر شعار الهلال الأحمر.
عند دخولها إلى المدينة، كان شطر المدينة القريب من محطة الحافلات، يعج بالحركة على الرغم من أن المحلات التجارية في معظم الشوارع كانت مغلقة.
في جزء واحد على الأقل من غرب المدينة، احترقت منازل كثيرة بوضوح. وبينما كانت مراسلة “المجلة” تتجول في هذه المنطقة، أخبرها رجل مسن أنه طبيب أسنان، وقال إن “رجالا قدموا إلى باب بيتي، ففتحته ظنا مني أنهم من قوات الأمن. ظننت أنهم هنا لحمايتي. لكنهم كانوا عصابات تكفيرية، كما زعم. “أخذ الرجال المال والذهب من زوجتي وزوجة ابني. قالوا لي إنهم سيقتلونني أو يقتلون ابني. لكنهم وافقوا في النهاية على أخذ سيارتي وتركونا وشأننا”.
وأضاف: “حدث هذا في مئات المنازل. نهبوا المنازل وأضرموا فيها النار. اختطفوا بعض العائلات وقتلوا أفرادها في الساحات، ثم قطعوا رؤوسهم”.
تفيد تقارير متعددة أن عمليات إعدام نفذها كل من المسلحين الدروز والقوات العشائرية أو الحكومية، سواء في المدينة أو في القرى المحيطة بها.
التقت مراسلة “المجلة” في أثناء تفقدها المباني المحترقة في الجزء الغربي من المدينة في 6 أغسطس، التقت بأسعد ناصر (55 عاما) وهو مدرب على قيادة السيارات، أرانا منزله والأضرار التي لحقت به على يد من ادعى أنهم “من القوات الحكومية أو أشخاص يرتدون ملابس مشابهة للقوات الحكومية”.
“جاءوا إلى منزلنا، وحطموا أثاثنا. في اليوم التالي عدنا إليه ونظفنا المكان، لكن وقع هجوم فغادرنا الساعة الواحدة بعد منتصف الليل. في اليوم التالي عدنا، فوجدنا المنزل محترقا بكامله”. قال ذلك وهو يرافق مراسلة “المجلة” في جولة في منزله الفخم المكون من ثلاثة طوابق، وقد أمسى متفحما وشظايا الزجاج في كل مكان.
وعلى بعد كيلومترات قليلة، رصدت المراسلة أعمدة الدخان تتصاعد على مسافة جهة الغرب، خارج حدود المدينة. فقال رجل يقف في الجوار، وهو يشير إلى حيث يتصاعد الدخان الرمادي: “هذا الجزء من الريف خارج سيطرتنا”.
“ربما يحرقون المنازل أو المحاصيل”، قال ملمحا إلى قوات العشائر. “جثث كثيرة لا تزال تتعفن تحت أشعة الشمس هنا وهناك في ذلك المكان. ولكن الذهاب إليه خطير للغاية”.
وفي منطقة قريبة أخرى، تحدثت المراسلة إلى أشخاص داخل مكان كان مستودعا للمساعدات الإنسانية، كما قال سكان المدينة.
“كما ترون، توجد هنا مركبات الهلال الأحمر. قصفوا هذا الجدار، فانتشرت النيران وتسببت في الدمار الذي ترونه. وضعنا سيارة محترقة هناك لتغطية الثقب في الجدار”، قال أحدهم، وأضاف بوضوح ردا على سؤال عمن أطلق الصاروخ: “لا صواريخ لدينا نحن”.
“نريد الرحيل فحسب”
التقت “المجلة” بأخصائي طبي يبلغ من العمر 55 عاماً من السويداء، بعد أن أحضر عائلته إلى العاصمة.
كان في حالة توتر شديد للغاية، وأصر على عدم ذكر اسمه خلال المقابلة، رغم تطمينه بأن أخلاقيات العمل الصحافي تضمن ذلك.
قال: “بالطبع، وقعت جرائم قتل بحق أبرياء، لقد شاهدنا مقاطع الفيديو حتى لو لم نرها بأعيننا”، لكنه أوضح أن سبب مغادرته يعود إلى انعدام الماء والطعام، مضيفاً: “هناك الآن الكثير من النازحين من القرى إلى المدينة. في جميع القرى غرب السويداء، لا توجد حياة تُذكر”.
وأضاف: “لا مستقبل هناك”، وكان يجيب مراراً نيابة عن زوجته حين وُجهت إليها الأسئلة، قائلاً: “ولا علاقة لنا بالسياسة. لا نعرف عنها شيئاً. نريد فقط مغادرة سوريا”.
وأشار إلى أنه يشعر حالياً بأمان أكبر في دمشق مقارنة بالسويداء، لكنه ما زال متوجساً من أن بطاقة هويته التي تُظهر أنه من السويداء وأنه درزي قد تتسبب له بمشكلات في المستقبل، ولهذا يسعى لإيجاد وسيلة لمغادرة البلاد في أسرع وقت ممكن.
صراعات السلطة والخطط والألم
في أواخر ديسمبر، وبعد أسابيع قليلة من سقوط نظام الأسد، رافقت “المجلة” وفداً من شيوخ العرب السنّة وشخصيات مجتمعية من شرق سوريا للقاء الشيخ حكمت الهجري في دار ضيافته الواقعة على قمة تل في قنوات شمال غرب مدينة السويداء، والشيخ الدرزي الأصغر سناً ليث البلعوس في دار ضيافته المتواضعة في كرامة.
كان واضحاً حينها أن التوترات مرشحة للتصاعد بين القبائل وبعض الفصائل الدرزية، إذ كان الطرف الأخير على تواصل ملحوظ مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) التي “تحتل” الأراضي الأصلية للكثير من الشخصيات القبلية الحاضرة.
وكان بانتظار الوفد، إلى جانب الهجري، باحث أجنبي يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره مقرباً من “قسد”، الأمر الذي أثار قلق بعض أعضاء الوفد عند وصول القافلة. فقد طلب هؤلاء، قبل مغادرتهم دمشق، من الصحافية الوحيدة المصرح لها بمرافقتهم– وهي من “المجلة”– عدم تصوير بعض الأفراد الذين قدموا سراً من مناطق تسيطر عليها “قسد”، خشية تعرضهم للاعتقال عند عودتهم إلى شرق الفرات.
ومنذ الثامن من ديسمبر، سُجلت عشرات الاعتقالات بحق عرب محليين أعربوا عن دعمهم لحكومة دمشق، في ظل إحكام “قسد” سيطرتها على الإعلام ومنع التغطية الميدانية الكافية للمناطق الخاضعة لها.
كما ازدادت القيود الإعلامية في دمشق خلال الأشهر الأخيرة. ففي الأسبوع الأول من أغسطس، أصبح الحصول على تصريح صحافي مدته يومان لمحافظتي درعا والسويداء يتطلب أياما من الانتظار. وأعرب أعضاء من المجتمع الإغاثي الدولي، ممن كانوا في سوريا قبل سقوط نظام الأسد، عن أسفهم لتفاقم “ثقافة التصاريح” وتعقيد الإجراءات البيروقراطية في عهد الحكومة الجديدة، لأسباب غير واضحة لهم.
وفي السابع من أغسطس، أصدر الهلال الأحمر العربي السوري بياناً أعلن فيه سحب قافلة مساعدات قدمتها منظمة “ميزوبوتاميا للإغاثة والتنمية” المسجلة لدى “قسد”، بعد أن رفضت الأخيرة تفريغ المساعدات من شاحناتها لإعادة تحميلها على شاحنات الهلال الأحمر، فعادت القافلة إلى الحسكة.
وفي اليوم التالي، قال الهلال الأحمر إنه “تعرض مباشرة لإطلاق نار” خلال “استجابته الإنسانية في المنطقة الجنوبية”، مضيفاً أن “عدداً من المركبات تعرض لأضرار”.
كما شهد الثامن من أغسطس مؤتمراً في مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) حضره عدد من شيوخ القبائل ورجال دين دروز وعلويون، وأثار انتقادات واسعة. فقد وجّه أحد رجال الدين الدروز الشكر لإسرائيل، فيما غادر زعيم قبلي في الصف الأمامي بعدما بدأ الهجري– الذي وصفه بـ”العميل الإسرائيلي الخائن”– بإلقاء كلمته. ولاحظ مراقبون أن “قسد”، رغم علمانيتها المعلنة، اختارت رجالا دينيين مسنين لتمثيل مجتمعاتهم.
ويتساءل البعض ما إذا كانت أعمال العنف في السويداء قد جرى التخطيط لها لإبقاء هذه المحافظة الجنوبية خارج سيطرة حكومة دمشق وضمان شعور الدروز بالخوف والحاجة إلى “حامٍ”.
وقال مسؤول عراقي لـ”المجلة” مؤخراً إنه يعتقد أن إسرائيل تسعى إلى “السيطرة على الحدود السورية مع العراق” عبر “قسد” في شمال شرقي سوريا والقوات الدرزية في جنوب البلاد.
كما يشير آخرون إلى أن تهريب المخدرات أمر شائع في المحافظة، وأن استعادة الحكومة المركزية السيطرة عليها قد تلحق خسائر مالية كبيرة ببعض النافذين. ولا يوجد للسويداء معبر حدودي رسمي مع الأردن، لكن في 31 يوليو أعلنت السلطات الأردنية إحباط ما لا يقل عن ثلاث محاولات تهريب مخدرات من المحافظة، اثنتان منها باستخدام بالونات حمولة ثقيلة، والثالثة عبر طائرة مسيّرة.
ويشعر كثير من السوريين بأن السويداء تُستخدم كأداة في لعبة نفوذ بين رجال أقوياء مرتبطين بدول أجنبية، وهو شعور يقترن بخوف الكثير من عائلات المحافظة. ففي السادس من أغسطس، وصلت إلى جنوب دمشق حافلة تقل عائلة متعددة الأجيال تضم عدة أطفال. وما إن هرعت طفلة صغيرة لمعانقة رجل كان في انتظارهم، حتى انهمرت دموعه. النساء عانقن مراسلة “المجلة” وقبّلنها وسط دموعهن أيضاً.
كان الشعور بالارتياح واضحاً، كما عبّرت عنه عائلات أخرى تحدثت إليها “المجلة” بعد وصولها إلى دمشق: أوضاع أفضل بكثير مما كانت عليه، وإن لم تكن آمنة تماماً.
ومع ذلك، إذا فشلت دمشق في إقناع الدول الغربية بقدرتها على بسط الاستقرار على كامل الأراضي السورية والتحقيق في الانتهاكات المزعومة لقواتها، فقد تكون الأوقات العصيبة بانتظار معظم مناطق البلاد.
المجلة
——————————-
دعوات للانفصال تحت رايات الاحتلال.. احتجاجات السويداء تضع سوريا أمام منعطف جديد
2025.08.17
تعيش محافظة السويداء السورية واحدة من أكثر محطاتها توتراً منذ بدء الخلاف مع الحكومة الجديدة، لكن هذه المرة لم تقتصر المطالب على المشاركة في الحكم أو التغيير السياسي، بل اتخذت مساراً تصعيدياً غير مسبوق: مطالب بالانفصال الكامل عن الدولة السورية، ترافقها شعارات ورايات تثير مخاوف الانقسام.
في مشهد غير مألوف على الساحة السورية، خرجت حشود من أبناء السويداء في مظاهرات رُفعت خلالها أعلام الطائفة الدرزية إلى جانب علم الاحتلال الإسرائيلي، في ساحة السير وسط المدينة، مرددين هتافات تدعو إلى الاستقلال، وإخراج الحكومة من المحافظة، وفتح المعابر، في خطوات وصفها مراقبون بأنها “تفجير متعمد” لأي محاولات تهدئة سابقة.
المطالب تتجاوز اللامركزية
مظاهرات السبت في السويداء لم تأتِ فجأة، بل كانت ثمرة تراكمات سياسية وأمنية، لكنها هذه المرة تخطت خطوطاً حمراء، بحسب توصيف متابعين للشأن السوري، إذ لم يكتفِ المتظاهرون بالمطالبة بالإصلاح أو الحكم الذاتي، بل تجاوزت مطالبهم إلى “حق تقرير المصير” واستقلال إداري وسياسي صريح.
اللافت في هذه الموجة من الاحتجاجات لم يكن فقط طبيعة المطالب، بل أيضاً الرموز التي رُفعت، وأهمها علم إسرائيل، ما أثار جدلاً واسعاً حول أبعاد هذه الحركة، ومدى تمثيلها لأهالي السويداء ككل، ومدى ارتباطها بتحركات سياسية إقليمية أو أجندات خارجية.
تصعيد بعد دعوة إلى التهدئة
أعلنت الحكومة السورية في بيانات رسمية أنها شكلت لجنة تحقيق في الأحداث الأخيرة وستلاحق المتورطين في الانتهاكات، مؤكدة في الوقت نفسه التمسك بخيار “الدبلوماسية والتهدئة”. غير أن هذا لم يُرضِ معارضيها الذين يشككون في حياد هذه اللجان، ويطالبون بتحقيق دولي أو رعاية أممية لأي مسار تصالحي، وهو أمر ترفضه دمشق.
وقبل يوم من هذه الاحتجاجات، دعا محافظ السويداء مصطفى البكور إلى تغليب لغة العقل وتبني مبادرات الصلح وبناء جسور الثقة وتعزيز الوحدة الوطنية، بما يضمن وحدة الصف ويصون النسيج الوطني من أي خلاف أو فرقة.
وشدد البكور على أن السلم الأهلي ليس خياراً بل ضرورة وطنية وأخلاقية، وهو حجر الأساس في أي مشروع تنموي أو إصلاحي، داعياً جميع الأطراف إلى الانفتاح على مبادرات الصلح والتفاعل الإيجابي مع جهود الإصلاح بعيداً عن التوتر والانقسام.
كما أشاد البكور بالمواقف الحكيمة التي تبادر إلى الصلح وترفع من شأن الحوار وتغلب المصلحة العامة على الاعتبارات الضيقة، مثمناً دور الوجهاء والعقلاء في تقريب وجهات النظر وتجاوز الخلافات.
رغم ذلك، لم تلقَ دعوات التهدئة آذاناً مصغية من شريحة المحتجين الذين صعّدوا من لهجتهم، موجهين انتقادات حادة للحكومة، ومطالبين بخروج كافة القوات الحكومية من المحافظة، في مشهد ينبئ بتفاقم الأزمة.
خطابات متناقضة
في حلقة جديدة من برنامج “سوريا اليوم” على شاشة تلفزيون سوريا، التي جمعت عدداً من المحللين والباحثين السياسيين، برز تباين واضح في الآراء بشأن ما يجري في السويداء بين مبرر لشعارات المتظاهرين ومنتقد لها.
الباحث السياسي حسن الدغيم وصف ما يحدث بأنه “مشروع انفصالي مفضوح” تدعمه أطراف داخلية وخارجية أبرزها الاحتلال الإسرائيلي، متّهماً حكمت الهجري، أحد شيوخ عقل طائفة الدروز في السويداء، بأنه يقود “تياراً كهنوتياً مرتبطاً بعصابات الكبتاغون وفلول النظام المخلوع، ويسعى إلى فرض سلطة أمر واقع على السويداء”.
وقال الدغيم إن رفع علم إسرائيل لا يمكن أن يُفهم إلا كمحاولة للاستقواء بالخارج والتخلي عن الهوية الوطنية، مضيفاً: “هؤلاء لا يمثلون أهل السويداء الحقيقيين. الحكومة تحاول استعادة النظام ومؤسسات الدولة، لكن هناك من يسعى لإفشال ذلك عبر التجييش الطائفي”.
على الجانب الآخر، رفض المحامي والمحلل السياسي بسام العيسمي اتهامات الدغيم، موجهاً انتقادات لاذعة للحكومة السورية بقوله: “هذه ليست دولة، بل عصابة لا تصنع هوية وطنية ولا مواطنة متساوية، بل تُعمّق الانقسام الطائفي وتزرع الحقد بين السوريين”.
العيسمي اعتبر أن ما شهدته السويداء هو رد فعل على ما وصفه بـ”الإبادة الممنهجة والتمييز”، مشيراً إلى أن من رفعوا علم إسرائيل لا يمثلون إلا أنفسهم، لكن الحكومة أيضاً مسؤولة عن غياب البدائل الوطنية، على حد قوله.
أما الكاتب والمحلل السياسي رامي نخلة، فحاول طرح وجهة نظر أكثر توازناً، موضحاً أن ما يدفع المحتجين في السويداء إلى هذا السلوك ليس الطموح للانفصال، بل “الخوف الحقيقي على حياتهم ومستقبل أطفالهم”.
وأضاف: “إسرائيل تحاول استغلال الوضع، لكن أيضاً هناك من يصدّق دعايتها بسبب غياب الثقة بالحكومة السورية. هؤلاء الناس بحاجة إلى تطمينات حقيقية، لا إلى تخوين مستمر”.
نخلة دعا إلى التهدئة، مشيراً إلى أن هذه المرحلة تتطلب “مد الأيادي البيضاء” وعدم تصعيد الأمور إعلامياً.
إسرائيل في الخلفية: وساطة ومعبر
من جهته، أكد الخبير الأمني عمر الرداد أن الأردن يراقب تطورات السويداء بقلق بالغ، لكنه يتمسك بعدم التعامل مع الفصائل أو التيارات الانفصالية، موضحاً أن المملكة رفضت وساطة إسرائيلية لفتح معبر إغاثي بين إسرائيل والسويداء عبر أراضيها.
وقال الرداد: “الأردن يتعامل مع دول، لا مع فصائل. وما يجري في الجنوب السوري مدعوم من تل أبيب ويهدف إلى تقسيم سوريا على أسس طائفية وعرقية”.
وأضاف أن أي انزلاق في الجنوب سيؤثر مباشرة على الأمن الأردني، مشيراً إلى وجود تنسيق عربي تقوده السعودية لاحتواء الموقف.
وتزامنت هذه التطورات مع صدور تقارير إعلامية، أبرزها من موقع “أكسيوس” الأميركي، تفيد بوجود وساطة أميركية لفتح معبر إنساني بين إسرائيل والسويداء. ورغم نفي واشنطن بشكل غير رسمي، فإن التسريبات المتكررة تطرح تساؤلات عن الأبعاد الإقليمية للأزمة الحالية.
الخشية الكبرى لدى المراقبين هي أن يتحول الملف من شأن داخلي إلى ورقة تفاوض إقليمي، ما يعني دخول أطراف مثل تل أبيب وواشنطن وربما قوى إقليمية أخرى على خط الأزمة.
سيناريوهات مفتوحة
يبقى الوضع في السويداء معقّداً ومفتوحاً على عدة احتمالات، بما في ذلك التصعيد في حال استمرار تجاهل الأصوات المعتدلة في المحافظة، وهو ما ينذر بموجات احتجاج أعنف.
أما السيناريو الثاني فيتمثل بالاحتواء عبر مبادرات مصالحة داخلية حقيقية تعترف بالمظالم وتضمن مشاركة سياسية عادلة. في حين يتمثل السيناريو الثالث بالتدويل في حال تدخل أطراف خارجية، خصوصاً إسرائيل أو الولايات المتحدة، ما قد يحوّل الملف إلى أزمة إقليمية.
لكن الثابت حتى الآن أن السويداء دخلت فعلياً مرحلة مفصلية في التاريخ السوري الحديث، تتطلب من الجميع، حكومةً وشعباً، قدراً كبيراً من الحكمة والمسؤولية في إدارة الخلاف قبل فوات الأوان، وفقاً لآراء المحللين.
تلفزيون سوريا
—————————-
إسرائيل تقضم المزيد من قرى سورية مستغلة غياب الحكومة/ محمد أمين
17 اغسطس 2025
يعمل الجيش الإسرائيلي بشكل حثيث وسافر على خلق واقع جديد يتيح له قضم قرى سورية سكّانها من الطائفة الدرزية تحت شعارات “إنسانية”، مستغلاً غياب الدولة السورية التي تواجه اليوم تحديات جمّة لعل في عمقها التهديد الأكبر الذي تشكله إسرائيل والذي بات مهدداً رئيسياً لوحدة سورية الجغرافية والاجتماعية.
خطط طويلة للبقاء
وبحسب مصادر محلية، بات للجانب الإسرائيلي حضور كبير في قرى سورية تقع على سفح جبل الشيخ المقابل لهضبة الجولان المحتلة وهي قرى: حضر، الواقعة إدارياً في محافظة القنيطرة، وعرنة وريمة وبقعسم وقلعة جندل التابعة إدارياً لمحافظة ريف دمشق. وبيّنت المصادر لـ”العربي الجديد” أن هذه القرى باتت معزولة اليوم عن بقية سورية، وتعتمد في معاشها وطبابتها على إسرائيل التي يتجوّل جنودها فيها بكل أريحية، ومنهم المتحدث باسم جيش الاحتلال أفيخاي أدرعي الذي التقط صورة في عرنة قبل أيام، في ظل غياب تام للدولة ومؤسساتها. كما أوضحت المصادر الموجودة في مدينة القنيطرة أن الجيش الإسرائيلي يُدخل كل أسبوع تقريباً ما يقول إنها “مساعدات إنسانية” تضم أدوية وقمحاً ومحروقات ومواد غذائية لسكان هذه القرى، مشيراً إلى عناصر من الكتيبة الدرزية (299) في الجيش الإسرائيلي لهم أقارب في هذه القرى يدخلون إليها بشكل دائم.
كما أوضحت المصادر أن المنطقة مختلطة ديمغرافياً، فالقرى الدرزية متداخلة مع أخرى سنّية ومسيحية، مشيرة إلى أن القرى تقع على سفح جبل الشيخ وتتبع إدارياً لمنطقة قطنا بريف دمشق، مضيفة أنه “قبل سقوط نظام بشار الأسد (في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024) كان ينتشر بالقرب من هذه القرى لواء وكتيبتان من “جيش التحرير” الفلسطيني وتحديداً من قرية عرنة إلى جبل الشيخ الذي “بات هو وسفحه تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة منذ مطلع العام الحالي”، وفق المصادر.
وكان الجيش الإسرائيلي أعلن في مايو/أيار الماضي عن إقامة منشأة طبية ميدانية متنقلة لتصنيف المصابين ولتقديم العلاج الطبي في منطقة قرية حضر جنوبي سورية. وتقع بلدة حضر الدرزية على بعد نحو 75 كيلومتراً عن دمشق، وتقع ضمن المنطقة العازلة التي حددتها اتفاقية “فكّ الاشتباك” في عام 1974 والتي أطاحتها إسرائيل عقب سقوط نظام الأسد. واحتلت بعد ذلك التاريخ المنطقة العازلة بين سورية والجولان المحتل وأقامت فيها نقاط ارتكاز، وتتوغل بين وقت وآخر داخل الأراضي السورية، وتعتقل أشخاصا تزعم أنهم يشكلون خطراً على أمنها.
وتعليقاً على التحركات الإسرائيلية جنوب غربي سورية، رأى المحلل العسكري العميد عبد الله الأسعد، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “هدف جيش الاحتلال السيطرة النارية على المناطق المحيطة بالقرى الدرزية في ريفي دمشق والقنيطرة”، مضيفاً: “يريد الاحتلال تأمين طرق مفتوحة لجيشه ما بين هضبة الجولان المحتلة والقرى الدرزية في داخل سورية”. وبيّن أن جبل الشيخ وسفحه “لهما أهمية تكتيكية من الناحية العسكرية وخصوصاً لجهة الرصد في داخل سورية”.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن لدى إسرائيل خططاً للبقاء في جنوب غرب سورية طويلاً، واحتلال المزيد من الأراضي في عمقه، للحيلولة دون عودة الجيش السوري بسلاحه الثقيل إلى الجنوب السوري بمجمله. ولم تنقطع التهديدات الإسرائيلية لسورية منذ سقوط نظام الأسد الذي حافظ على هدوء الجبهات مع إسرائيل على مدى نصف قرن.
وأقام الجيش الإسرائيلي عدة نقاط عسكرية في العمق السوري، منها نقطة مراقبة في أعلى جبل الشيخ الذي يبلغ ارتفاعه نحو 2800 متر وكانت قبل الثامن من ديسمبر 2024 تحت السيطرة السورية. ولا يمكن عزل ما يجري في القرى الدرزية في سفح جبل الشيخ عما يجري في محافظة السويداء جنوبي سورية، فتل أبيب تتخذ من ذريعة “حماية الدروز” مدخلاً واسعاً للتدخل في الشأن السوري بشكل سافر في استغلال واضح لغياب الدولة السورية الناشئة التي تواجه تحديات يغذيها هذا التدخّل.
استغلال أزمة وطنية في سورية
واعتبر الباحث السياسي (المتحدر من الجولان) حازم نهار، في حديث مع “العربي الجديد”، السلوك الإسرائيلي في جنوب غرب سورية واحتلال قرى “انتهاكاً واضحاً للسيادة السورية وللقوانين الدولية”. وتابع: “ما يجري خطير على سورية من نواحٍ عدة، فقوات الاحتلال تسيطر على جبل الشيخ بأكمله تقريباً بعد أن كانت تسيطر على أقل من 10% منه، وهذا يوفر لها حاجزاً استراتيجياً ضد أي قوة عسكرية سورية”. وأشار إلى أن “هذا الاحتلال الإسرائيلي الجديد خطر على المنطقة الجنوبية من سورية بأكملها، لا سيَّما من حيث فتح إمكان التدخل الإسرائيلي في النسيج الوطني السوري إمعاناً في تمزيقه”. وبرأيه، فإن “الحكومة السورية أسهمت بطريقة أو أخرى في نمو هذه المخاطر الجديدة”، مضيفاً: “آثرت الحل العسكري الأمني قصير النفس في محافظ السويداء (ذات الغالبية الدرزية من السكان)، بدلاً من الحلول السياسية طويلة النفس، ما حوَّلها إلى مركز منفِّر للأطراف بدلاً من أن تكون مركزاً جاذباً، لا سيما خلال المرحلة الانتقالية التي تمر بها سورية والمتخمة بالأخطار الداخلية والخارجية”.
واعتبر نهار أن “على الحكومة السورية اليوم الإسراع بحل سياسي على المستوى الوطني”، مضيفاً: “ما يقال اليوم عن أزمة السويداء غير صحيح، فالأزمة وطنية سورية، والسويداء إحدى تجلياتها”. وتابع: “تأتي في مقدمة هذا الحل إجراءات إسعافية تتمثل برفع الحصار عن السويداء وتقديم المتورطين في الانتهاكات إلى محاكمات علنية وعادلة وإجراء مصالحة وطنية على أساس حفظ الحقوق لا تجاوزها والقفز فوقها، ومن ثم الدعوة إلى مؤتمر وطني سوري عام بمشاركة عادلة من جميع أنحاء سورية لرسم ملامح الوطنية السورية الجديدة والنظام السياسي الجديد، وسبل المواجهة الجماعية السورية للمخاطر الخارجية، وفي القلب منها الاحتلال الإسرائيلي، فمن دون دولة وطنية ديمقراطية ونسيج اجتماعي متماسك لا تمكن مواجهة هذا الخطر”.
من جهته، قال الباحث السياسي محمد صبرا (وهو أيضاً يتحدر من الجولان المحتل)، في حديث مع “العربي الجديد”، إن “إسرائيل ومنذ لحظة سقوط النظام وهي تحاول تغيير الواقع الذي أفرزته اتفاقية عام 1974، واحتلالها الجديد لأجزاء من المنطقة العازلة أو توغلها في بعض القرى السورية هو جزء من سياساتها العدوانية ضد سورية والمستمرة منذ عام 1948”. وتابع: “يجب ألا ننسى أن هناك تاريخاً من الحروب والدماء سالت في هذه المنطقة واستشهد الآلاف من السوريين في الجولان وفي مناطق حوران وفي ريف دمشق من جراء الاعتداءات الاسرائيلية المستمرة منذ عام 1948 والتي لم تتوقف مطلقاً خلال العقود السبعة الماضية”.
واعتبر صبرا ما يجري اليوم من محاولات إسرائيلية لتغيير واقع السيطرة في جنوب غرب سورية “محاولة للتقدم في ظل أن الدولة السورية محطمة نتيجة الحرب التي شنها بشار الأسد على السوريين”، مشيراً إلى أن إسرائيل “أجهزت على ما تبقى من أصول عسكرية سورية خلال الأسبوع الأول من تحرير سورية من قبضة المجرم الهارب”، مضيفاً: “من المهم اليوم أن يحافظ السوريون على موقفهم الموحد الرافض للسياسات العدوانية الإسرائيلية والرافض لتمزيق سورية بما يخدم مصالح واستراتيجيات العدو”.
العربي الجديد
—————————–
الشرع: تقسيم سورية مستحيل وهذه خطتنا للحل في السويداء ومع “قسد”/ عدنان علي
17 اغسطس 2025
أكد الرئيس السوري أحمد الشرع رفض المجتمع السوري لفكرة التقسيم، واصفاً من يطالب بالتقسيم بأنه “جاهل وحالم”، مشدداً على أن مسألتي وحدة سورية واحتكار الدولة للسلاح، عليهما إجماع إقليمي ودولي، باستثناء إسرائيل. وقال الشرع خلال جلسة حوارية عقدها، مساء أمس السبت، مع أكاديميين وسياسيين وأعضاء من النقابات المهنية والوجهاء في محافظة إدلب: “أسقطنا نظام الأسد في معركة تحرير سورية، وأمامنا معركة توحيدها”. ولفت إلى أنّ “هناك قواعد عامة رسخت في سورية، ونالت مباركة جميع الدول الإقليمية والكبرى، تتمثل في وحدة الأراضي السورية وحصر السلاح بيد الدولة، وهذه البنود متفق عليها محلياً وإقليمياً ودولياً، وغير قابلة للمساومة”.
ووصف من يطالب بالتقسيم في سورية بأنه “جاهل سياسي وحالم”، مشدداً على أنّ “المجتمع في سورية غير قابل للتقسيم، ويرفض فكرة التقسيم”. ورأى الشرع أن “عوامل وظروف التقسيم في سورية غير متوافرة لدى أي طرف”، لافتاً إلى أنه “لا توجد مخاطر حقيقية للتقسيم، وإنما هناك رغبات لدى بعض الناس في محاولات إنشاء كانتونات محلية داخلية، ولكن هذا الأمر مستحيل أن يحدث”. واستبعد الرئيس السوري تقسيم سورية، واصفاً هذا الأمر بـ”المستحيل أن يحدث منطقياً وسياسياً وعرفياً وعقلياً”.
واعتبر أن “تغيير الخرائط الحالية على المستوى العالمي خطر كبير يصعب تنفيذه”. ولفت إلى وجود أطراف خارجية “لا تريد لسورية أن تكون قوية، ولذلك تحاول ضرب أهم أساس فيها وهو وحدتها الداخلية”. وخص بالذكر إسرائيل التي قال إنّ استقواء بعض الأطراف بها، “أمر صعب جداً، فالمنطقة الجنوبية ذات كثافة بشرية وأي عدو يريد الدخول إليها سيضطر إلى أن يضع شرطياً على باب كل بيت، وهذا الشيء صعب في واقع الحال”.
الشرع: ندير الأزمة في السويداء ضمن تفكير من خارج الصندوق
وحول الوضع في السويداء جنوبي سورية، أشار الشرع إلى تواصله ودعمه للمجموعات في السويداء ودرعا خلال سنوات الصراع الماضية، معتبراً أنّ هناك فئة “ليست بالكبيرة في السويداء تحاول تأزيم المشهد وتتجنب الحوارات المباشرة، ولديها أحلام أو نيات ليست جيدة”. وشجب الرئيس السوري “التجاوزات” التي حصلت أخيراً بين البدو والدروز ومن الأمن والجيش، مشيراً إلى أن السياسة الحالية للدولة تجاه السويداء تركز على “تهدئة الأوضاع، وتثبيت وقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، ورعاية صلح اجتماعي، ثم مناقشة عودة مؤسسات الدولة”، مجدداً رفضه لأي فكرة تقسيم أو بقاء سلاح منفلت.
وألمح الرئيس السوري إلى التفكير في حل لمعضلة السويداء قائلاً: “ندير الأزمة في السويداء ضمن تفكير من خارج الصندوق وسترون النتائج قريباً”.
الشرع عن التعامل مع ملف “قسد”: هناك مفاوضات كثيرة
وحول الوضع في شرق سورية، قال الشرع إنّ هناك “مفاوضات كثيرة” مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وحصل “توافق لأول مرة منذ عشر سنوات في 10 مارس/ آذار بين سورية، وقسد، وتركيا، والأميركيين”، مبدياً تفاؤله بحل الملف خلال “بضعة أشهر” بشكل سلمي، مؤكداً أن سورية “لن تتنازل عن ذرة تراب واحدة”. واعتبر الشرع أن “إدارة مشهد الثورة كانت أصعب من إدارة الدولة حالياً، رغم تضخم حجم المخاطر والصعوبات في المرحلة الراهنة”، مشدداً على أهمية “تحليل المشهد تحليلاً منطقياً وواقعياً كخطوة أولى نحو اتخاذ الحلول الصحيحة”.
وحول الشكاوى من تهميش المناطق التي كانت تحت سيطرة المعارضة قبل سقوط النظام، قال الشرع إنّ “المناطق المحررة سابقاً على رأسها إدلب، أصبحت محفورة في ذاكرة العالم كله”، لكنه أقرّ بالتقصير تجاه هذه المناطق، لأن الدولة ورثت “تركة ثقيلة”، لكن الحلول ليست “علاجات سحرية تحدث بين عشية وضحاها”، بل تتطلب “فترتها الزمنية ونموها الطبيعي”، مؤكداً ضرورة وجود “أهداف وخطط استراتيجية” ومنهجية واضحة في تحديد الأولويات لبناء البلاد”.
وأقرّ بأنّ تحسينات البنية التحتية في المناطق المتضررة “غير كافية وبطيئة”. وعزا ذلك إلى “ضغوطات كثيرة منها العقوبات الاقتصادية، وتآكل إيرادات الدولة، وصفرية البنك المركزي عند سقوط النظام، والترهلات الإدارية، وتذبذب سعر الصرف، وتراجع الإنتاج الزراعي”. ولمواجهة هذه التحديات المالية، أعلن الشرع قرب الإعلان عن “صندوق التنمية” لجمع التبرعات من السوريين والمغتربين، مؤكداً الاعتماد على الموارد السورية لـ”تجنب القروض الطويلة التي قد تقيد القرار السياسي”.
وكشف عن فتح الباب “للاستثمارات الأجنبية”، التي بلغت قيمتها المباشرة خلال الأشهر السبعة الماضية 28.5 مليار دولار، ومن المتوقع أن تصل إلى 80-100 مليار دولار حتى نهاية العام، ما سيوفر فرص عمل ويعيد بناء البنى التحتية، وسيركز الصندوق على “إعادة بناء المناطق المدمرة ودعم الزراعة والصناعات المتعثرة”. وشدد الشرع على أن مهمة “أبناء الثورة” لم تنتهِ بوصولهم إلى دمشق، وحذر من خطورة السعي لـ”تقاسم السلطة والغنائم”، داعياً إلى تبني “عقلية دولة” تتسم بالتصالح والشمولية، لا “عقلية إقصائية وأحادية التفكير”، مشيراً إلى أن لدى سورية “فرصة عظيمة جداً لتكون رائدة”، معتبراً أن “رأس مالها الأساسي هو وحدتها الداخلية” التي تسعى بعض الأطراف الدولية لضربها.
وقال إنّ “الثورة بالنسبة إلينا انتهت كمرحلة، وأن إدارة الدولة يجب أن تتم بعقلية جديدة ومختلفة عن بيئة الثورة”. وشدد على أن توحيد سورية يجب أن يتم “دون دماء وقوة عسكرية، بل بالتفاهم، لأن البلاد تعبت خلال السنوات الماضية من الحرب”. وأكد الشرع التزام الحكومة الكامل بإعادة الناس إلى مناطقهم وبيوتهم، على الرغم من صعوبة المهمة وحجم الهدم الهائل، خاتماً بالقول إنّ الشعب السوري لا يريد “سوى البنية التحتية والخدمات لتعود الحياة، وإن القيادة ستسعى لتحقيق ذلك”.
—————————-
ممر بصرى الشام يشهد “حركة نشطة تجارياً وإنسانياً“
“رفع العلم الإسرائيلي” خلال احتجاجات في السويداء
بي. بي. سي.
شهدت مدينة السويداء جنوب سوريا، السبت، مظاهرة شارك فيها المئات تحت شعار “حق تقرير المصير”، في أعقاب أعمال عنف شهدتها المحافظة الشهر الماضي وأدت إلى مقتل أكثر من 1,600 شخص، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان.
وبحسب وكالة الأنباء الفرنسية، رفع المحتجون الأعلام الدرزية وصور شيخ العقل حكمت الهجري، أحد أبرز المرجعيات الدينية الدرزية في سوريا، فيما “حمل بعضهم علم إسرائيل”.
وذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان أن بعض المشاركين رفعوا صور الضحايا ولافتات تطالب بالقصاص، في حين اعترض آخرون على رفع العلم الإسرائيلي، مؤكدين أنه “لا يمثل جميع المحتجين”.
كما شوهدت لافتات تطالب بـ “فتح معبر إنساني” و”إخراج الأمن العام من القرى”، وأخرى اعتبرت “حق تقرير المصير حقاً مقدساً للسويداء”.
من جانب آخر، قالت وكالة “سانا” للأنباء إنَّ الدفاع المدني السوري “أمّن اليوم خروج عدد من المدنيين من محافظة السويداء عبر ممر بصرى الشام الإنساني… في إطار الجهود المبذولة لتسهيل حركة الأهالي وتأمين وصولهم إلى مناطق أكثر أماناً”.
وبينما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بترديد متظاهرين هتافات تطالب بـ “الاستقلال وتدخل إسرائيلي لدعم فصل السويداء عن الحكومة الانتقالية في دمشق”، نقلت “سانا” بياناً صادراً عن محافظ السويداء يطالب فيه بـ “تغليب لغة العقل والتسامح والانفتاح على مبادرات الصلح بين العشائر وأهالي السويداء”، مؤكداً أن “السلم الأهلي ليس خياراً، بل ضرورة وطنية وأخلاقية”.
“نحن تحت الحصار منذ أكثر من شهر”
قالت وكالة “سانا” إنَّ ممر بصرى الشام الإنساني في ريف درعا الشرقي شهد اليوم حركة نشطة على الصعيدين التجاري والإنساني، حيث دخلت صباح السبت قافلة مساعدات إنسانية جديدة إلى محافظة السويداء، بالتزامن مع عبور عشرات الشاحنات التجارية المحملة بالمواد الأساسية والسلع التموينية، وفقاً للوكالة.
من جهة أخرى، قال مصطفى صحناوي، وهو سوري يحمل الجنسية الأمريكية، لوكالة الأنباء الفرنسية: “نحن تحت الحصار منذ أكثر من شهر، لا ماء لا كهرباء… لا مساعدات إنسانية”، داعياً المجتمع الدولي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى “المساعدة في أسرع وقت وفتح الممرات”.
فيما نقلت الوكالة عن منيف رشيد -أحد المشاركين في الاحتجاجات-، قوله: “اليوم اتخذت السويداء موقفاً واجتمعت بساحة الكرامة، بشعار حق تقرير المصير… ولا يلامون لأن الهجمة التي تعرضت لها لم تكن طبيعية”.
خلفية الأحداث
شهدت السويداء اشتباكات في 13 يوليو/تموز الماضي بين مسلحين من الطائفة الدرزية ومقاتلين بدو، قبل أن تتوسع مع تدخل القوات الحكومية.
وأسفرت أعمال العنف -وفقاً للمرصد السوري- عن مقتل أكثر من 1,600 شخص، بينهم عدد كبير من المدنيين الدروز، بالإضافة إلى تسجيل “انتهاكات وعمليات إعدام ميدانية”.
وخلال تلك الأحداث، شنّت إسرائيل ضربات استهدفت مقر هيئة الأركان ومحيط القصر الرئاسي في دمشق، متعهدة بحماية الأقلية الدرزية.
وكانت وزارة العدل السورية قد أعلنت نهاية الشهر الماضي تشكيل لجنة للتحقيق في أحداث السويداء، على أن تنجز تقريرها خلال ثلاثة أشهر، بينما يطالب ناشطون ومرجعيات درزية بتحقيق مستقل.
————————-
جرحى مدنيون بإطلاق نار على سيارة أثناء خروجها من السويداء
السيارة المدنية تعرضت لإطلاق النار في ريف درعا الشرقي
963+ 963+
أصيب ثلاثة مدنيين بجروح اليوم الأحد، جراء إطلاق نار على سيارة كانت تقلهم أثناء خروجهم من محافظة السويداء جنوبي سوريا.
وقال مراسل “963+”، إن سيارة خرجت من السويداء رفقة حافلة ركاب كبيرة، تعرضت لإطلاق نار من قبل مجهولين قرب بلدة كحيل بريف درعا الشرقي، ما أسفر إن إصابة ثلاثة مدنيين.
وأفادت مواقع إخبارية محلية في السويداء، أن المصابين هم الطفل كنان بلان والشابتين كندا بلان وهيلين مهنا، وجرى نقلهم إلى مشافي العاصمة دمشق لتلقي العلاج.
وأشارت، إلى إن إطلاق النار أثار حالة من الخوف والهلع في صفوف ركاب البولمان، الذي اضطر للعودة إلى السويداء.
ويوم الجمعة الماضي، قتلت السيدة ندى عامر، وأصيبت طفلتها رهف نوفل، إثر إطلاق نار على سيارة كانت تقلهما قرب بلدة كحيل بريف درعا الشرقي، أثناء خروجهما من محافظة السويداء.
وخرجت أمس السبت، عشرات العوائل من محافظة السويداء، عبر معبر بصرى الشام الإنساني بريف درعا الشرقي.
وأفاد الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء) في منشور على “فيسبوك”، أن 97 عائلة تضم 385 شخصاً بينهم نساء وأطفال، خرجت من محافظة السويداء عبر معبر بصرى الشام.
وقالت “الخوذ البيضاء”، إن فرقها قدمت المساعدة للعوائل الخارجة، وساهمت في تأمين انتقالها إلى الوجهات التي اختارتها بأمان.
وأضافت، أن “57 عائلة تضم 227 شخصاً، دخلت عبر معبر بصرى الشام الإنساني إلى محافظة السويداء”.
كما نقلت فرق الإسعاف في الدفاع المدني مسناً مصاباً بمرض السرطان من مدينة جرمانا إلى معبر بصرى الشام الإنساني وتأمين دخوله لمحافظة السويداء عبر الهلال الأحمر السوري، بحسب “الخوذ البيضاء”.
والأسبوع الماضي، غادرت أكثر من 200 عائلة محافظة السويداء، عبر معبر بصرى الشام الإنساني بريف درعا الشرقي.
وأفادت منظمة الدفاع المدني السوري في منشور على صفحتها في “فيسبوك“، أن 171 عائلة تضم 681 شخصاً بينهم نساء وأطفال، خرجت بشكل إفرادي من محافظة السويداء عبر معبر بصرى الشام الإنساني.
وقالت، إن “فرقها قدمت المساعدة للعوائل الخارجة، وساهمت في تأمين انتقالها إلى الوجهات التي اختارتها بأمان”.
وأشارت “الخوذ البيضاء”، إلى خروج قافلة للهلال الأحمر السوري، تضم 145 شخصاً من نحو 35 عائلة، من محافظة السويداء عبر معبر بصرى الشام الإنساني.
—————————
=======================
تحديث 16 آب 2025
————————
اللامركزية بوصفها ضرورةً سوريّة غير طائفية/ عمر قدور
السبت 2025/08/16
بعيداً عن الأضواء أعلنتْ، قبل حوالي أسبوع، حملةُ “لعيونك يا حلب” عن قرب إطلاق أول مستشفىً خيري في المحافظة، بالتعاون مع “الجمعية الطبية السورية الأميركية”. الحملة كانت قد انطلقت في نهاية شهر حزيران الفائت، وأعلنت عن العديد من المبادرات أو الإنجازات، مثل تنظيف بعض الأحياء وترميم بعض المدارس، والتطوع للمساعدة في تنظيم المرور… إلخ.
كما يُفهم من السياق، تعتمد الحملة الحلبية على التبرعات والمتطوِّعين. استمراريتها ونجاحها المتناسب مع الإمكانيات ربما حفّزا انطلاق حملة أُطلق عليها اسم “أربعاء حمص”، حيث أمكن جمع تبرعات بقيمة حوالي 13 مليون دولار في انطلاق الحملة الحمصية التي شهدت بهرجة إعلامية حكومية، بخلاف نظيرتها الحلبية. الأخبار كانت في الوقت نفسه تأتي من الغاب والساحل عن الحرائق الواسعة المدعومة بارتفاع شديد في درجات الحرارة، ومن بين الصور المؤلمة وردت صور أهالي تلك المناطق الذين اندفعوا لإطفاء حرائق الغابات بأدواتهم البدائية، أو لتقديم الدعم للذين يقومون بالإطفاء.
هذه مجرد أمثلة، متواضعة بطبيعة الحال، عن مبادرات مجتمعية. من أسباب تواضعها أنها جاءت بعد دمار شديد جداً أنهك البشر والحجر، وعدم دخول البلد في حالة استقرار سياسي واقتصادي وأمني. وهو الأمر الذي يلجم العديد من المبادرات؛ الداخلية والخارجية. والجدير بالتذكير أن ستة عقود من حكم البعث والأسد أجهزت على روح المبادرة التي تنتعش ضمن نمط سياسي مختلف عن حكم العسكر والمخابرات؛ بل هناك حالات معروفة اعتُقل فيها أصحاب مبادرات، منها مثلاً اعتقال ناشطين في داريّا قبل الثورة.
الحكم المركزي، في واحد من وجوهه، يقضي على المبادرات المجتمعية، ليصبح المجتمع بأكمله في حالة انتظار لما يصدر عن السلطة. السلطة المركزية نفسها، بغياب روح المبادرة، تتحول إلى مستحاثة بيروقراطية في أحسن الأحوال. ذلك سينعكس على كافة الأصعدة، لخضوعها جميعاً لمبدأ المركزية، فالتنمية غير المتوازنة نتيجة أخرى منطقية، سواءً كانت بسبب تخطيط مركزي أو بسبب تفضيل رأس المال القرب من مركز السلطة، والشراكة الإجبارية بين الجانبين يعرفها السوريون جيداً.
لا مبالغة في القول إن المركزية هي أمّ الكوارث، وهي بطبيعتها أمّ أنظمة الاستبداد. الديموقراطية في بداياتها كانت كسراً لما تعنيه المركزية لجهة احتكار السلطة، عبر تداول الأخيرة. إلا أن الديموقراطيات بمعظمها اتجهت إلى كسر الاحتكار عبر إعادة توزيع السلطة، من رأس الهرم إلى قاعدته، بحيث تكون السلطات أكثر تشاركية.
ثمة نماذج لامركزية توحيدية؛ أي إنها قامت أساساً على اتحاد المختلفين إثنياً أو دينياً، (أو حتى بلا اختلاف ديني وإثني كما هو حال دولة الإمارات العربية)، وثمة نماذج لديموقراطيات مركزية اتجهت إلى اللامركزية. مشكلة سوريا أنها اليوم عالقة في الخيار الأول، فلا هو قيد التحقيق، بل يبدو دونه الكثير من الدماء، ولا يسمح أيضاً بفتح نقاش معمم حول الخيار الثاني؛ أي في اللامركزية السورية بوصفها ضرورةً وطنية غير طائفية.
لقد وصل الأمر، في عهد قريب، ببعض من الذين هم الآن في السلطة إلى التنظير للكيان السنّي، عندما كان الكيان العتيد يقتصر على إدلب. هذا نموذج واقع تحت ضغط الظروف، مثلما هو الحديث اليوم عن كيان درزي في السويداء، فالدافع في الحالتين هو القطيعة المستحكمة مع المركز. والقطيعة التي تأخذ هذا المنحى الراديكالي تنجم دائماً عن منطق الاستئثار والهيمنة؛ هذا ما كان عليه الحال عندما احتكر الأسد المركز، وهذا هو الحال أيضاً مع الذين ينظرون إلى التغيير في سوريا على أنه تغيير في مَن يستحوذ على المركز، لا في فكرة المركز من أساسها.
هناك مسؤولية في المقام الأول على الجهة الممسكة بالمركز، وتريد إخضاع البلد لهيمنتها، وهي حالياً السلطة التي تسلمته بعد الثامن من كانون الأول/ ديسمبر، وتقدّم نفسها على نحوٍ مباشر أو غير مباشر بصفتها ممثّلةً للعرب السنّة بوصفهم الأكثرية العددية. يلقى توجّه السلطة دعماً من بعض الشرائح على أساس ضحل، مفاده استنكار دعوات اللامركزية عندما عاد الحكم إلى الأكثرية السنية، وهو ما يُستنتج منه أن اللامركزية مؤامرة على السنّة. هذا المنطق الشكلاني يحجب عدم امتلاك السوريين جميعاً خلال العقود السابقة الحق في تقرير النظام السياسي الذي يريدونه، ويتجاهل أيضاً حق السنّة أنفسهم في نظام تشاركي لامركزي.
من جهتها، لا تقصّر الدعوات إلى اللامركزية في إقامة فصل ثقافي بين أصحابها والأكثرية السنية، في أحسن الأحوال بفهم شعبية السلطة الحالية بوصفها خياراً ثقافياً، وفي أسوئها عبر الأقوال الصريحة التي تنصّ على استحالة العيش مع السنّة، كأن الأخيرين كتلة منسجمة ذات خصائص ثابتة لا تحول ولا تزول. ومع أن هذه الدعوات تُطرح غالباً بوصفها خياراً أرحم من الانفصال، إلا أن ما تنطوي عليه من فصل ثقافي يشير عملياً إلى انفصال أبعد من فكرة اللامركزية، فضلاً عن أن الطرح نفسه يستبعد تلقائياً النقاش في اللامركزية بوصفها حاجةً للأكثرية، وفي المحصلة بوصفها حاجةً وطنية لعموم السوريين.
واقعياً، حاجة حلب (مثلاً) إلى اللامركزية ليست أقل من حاجة السويداء أو القامشلي أو اللاذقية؛ بل إن ثقل المحافظة الاقتصادي والسكاني يجعل من اللامركزية أشد إلحاحاً، فوق أنه يعفي المركز من عبء الانشغال بما يُستحسن أن يُترك لأهلها. يجدر التنويه بأن الوجه الآخر للمركزية هو تزايد العبء على المركز، وذلك لا يكون مرغوباً فيه عادةً إلا عندما يكون في المقابل سبيلاً لتحقيق المكاسب الاقتصادية والسلطوية في آن معاً.
وبما يخصّ المركز بوصفه “مكاناً”، دمشق في حالتنا، فهو يدفع ثمن المركزية لأن الطامحين يريدونه على نية الاستحواذ والتغيير. أما تمركز الوظائف العامة، وإلى حد كبير النشاط الاقتصادي، فسيدفع بالملايين إلى مدينة غير مهيَّأة لاستقبالهم؛ أي إنها ستدفع ثمن التنمية غير المتوازنة، برغم أنها تحظى ظاهرياً بالمحاباة. في مثال قريب، كنا قد أشرنا في مقال عن مذكرات التفاهم الاقتصادية الأخيرة إلى تركيز الاستثمارات في دمشق، وإذا صحّت الأرقام المعلنة، عن أكثر من مليون فرصة عمل، فذلك سيعني تدفق العمال مع أسرهم، بسبب مشاريع ليس لها أصلاً طابع استثماري مستدام، وهو ما سيولد مشاكل مستقبلية جمّة.
قد تكون الإشارة واجبة إلى الربط الشائع بين المركزية والدولة القوية، بخلاف ما تثبته تجارب عالمية كبرى لبلدان لامركزية وقوية بكافة المعايير. وفي الحالة السورية، وهي حالة تأسيسية بحكم الأمر الواقع، يصعب تخيُّل إعادة بناء دولة من دون عملية تشاركية على نطاق واسع، إلا إذا كانت على غرار دولة الأسد التي كان شكل انهيارها أفضل برهان على الأفق المسدود الذي وصلت إليه.
ينبغي للأكثرية العددية ألا تهاب اللامركزية، لأنها ستحكم نفسها بنفسها بواسطتها أيضاً، وهي الأقدر على مواجهة لامركزية الطوائف بلامركزية ذات أفق وطني جامع. السير في هذا السبيل ليس شأناً سورياً بالمعنى الضيق، لأنه في النهاية هو المسار المرشَّح ليكون الأنسب للإقليم ككل، ولأن تقدُّم اللامركزية في بلدان الإقليم سيكون خطوة في اتجاه انفتاحها وتكاملها. تستعيد سوريا مكانتها الإقليمية إذا قدّمت النموذج؛ هذا يتطلب مكابدةً شاقة على صعيد الفكر والواقع، إلا أن الخيارات الأخرى لم تثبت حتى الآن صلاحيتها، ولم تثبت أنها أقل مشقّة.
المدن
————————-
حكاية الأكثرية والأقليات وصراع الأُمم في بلاد الشام/ ناصر زيدان
الجمعة 2025/08/15
يصرُف المُحللون وبعض الصحافة حبراً وفيراً في الكتابة عن الأقليات والأكثرية، وعن مظلوميات كل منهما في الصراع القائم، لا سيما في بلاد الشام “المنظورةِ والمنكوبة”، بينما لا يحتاج الموضوع الى مثل كل هذه المقاربات والمطولات، لأن التعابير والمفاهيم وتولَّيف الحكايات؛ تُستحضر وفقاً للسيناريو المرسوم وللنتيجة المنتظرة، في مشهديةٍ تتحكَّم فيها لعبة الأُمم ومصالح الدول الكبرى.
ولعلَّ أكثر ما سلَّط الضوء على الوضعية الراهنة، هو الإقتتال الذي جرى في أكثر من منطقة سورية، لا سيما في السويداء في الجنوب وفي جبلة في الساحل وفي المناطق الشمالية الشرقية من البلاد، إضافة إلى تفجير الكنائس ودور العبادة، وعمليات الإغتيال والسَبي التي حصلت خلال الأشهر الماضية. وكانت ذات الظاهرة طُرحت في العراق بُعيدَ مرحلة الغزو الأميركي، حيث طفت على سطح المفاهيم تعابير لم تكُن مستخدمة فيما سبق، لا سيما مفهوم “المكونات” الشعبية، ومَا هو حجم كلٍ منهم، أقصد؛ الشيعة والسنة والأكراد والمجموعات الأخرى من المسيحيين والأيزيدين والصائبة والكاكائيين.
وساهمت الأحداث المؤلمة التي حصلت في لبنان خلال العام الماضي من جراء العدوان الإسرائيلي، في استحضار لغة الضمانات التي يتحدث عنها حزب الله بمناسبة مطالبتهِ بتسليم سلاحه للقوى النظامية اللبنانية بموجب اتفاق وقف النار بتاريخ 27 تشرين الثاني/ نوفبر 2024، وما تضمنه من إشارات واضحة حول تطبيق القرارات الدولية ذات الصلة، لا سيما القرار 1701، والذي يتحدث بوضوح عن حصر امتلاك السلاح في لبنان بالقوى الحكومية من دون غيرها.
إسرائيل، كما الدول الاستعمارية السابقة والجديدة، تستغل ملف “الأقليات” لتنفيذ مآربها التوسعية والتفتيتية، ولإحداث شرخ بين مكونات الأمة. وهو ما اشتغلت عليه – ولو على شاكلة مختلفة – السلطنة العثمانية خلال 400 عام كانت “الخلافة” مُناطة بسلاطينها. وبالفعل، وبواقع الحال؛ هناك تباينات جوهرية في الرؤى بين قوى أساسية في بلاد ما بين النهرين والمنطقة الشامية، او ما يطلق عليها “سوريا الكبرى”، كذلك هناك تنوُّع ديني ومذهبي وإثني، يتم استغلاله بمناسبة الأحداث الكبيرة، وفي سياق رسم الخرائط وتوزيع النفوذ في كل زمان. والإشارة مفيدة في هذا السياق لما قامت به بريطانيا وفرنسا بُعيد انتهاء الحرب العالمية الأولى، حيث أخلتا بوعودهما للملك فيصل الهاشمي، فأغدقت الأولى على الحركة الصهيونية بوعد “بلفور” الذي سبّب اغتصاب فلسطين، بينما قسَّمت الثانية سوريا الى أربع دويلات على أسس مذهبية.
العرب أمةٌ واحدة وليسوا أكثرية وأقليات. والأمة فيها تنوع طبيعي، أكد على احترامه الرسول العربي الكريم محمد (ص). والغساسنة المسيحيون دافعوا عن العروبة بما لا يقل عن دفاع المسلمين عنها، بينما الفِرق والمذاهب الإسلامية، لم تكن في أي يوم مضى موحدة في رؤاها السياسية. والصراعات الدموية، غالباً كانت تحصل في سياق السِباق على السلطة، بينما الاختلافات الفقهية والمذهبية لا تُفسد في الودِّ قضية. وما يثار اليوم عن أكثرية إسلامية “سُنية” دائماً ما كانت تواجه بتحالف الأقليات لمنعها من الحكم؛ غير صحيح على الإطلاق. فلا الأكثرية السنية موحدة، وهي مؤلفة من عدة مدارس فقهية (وهابية وأشعرية وصوفية وحنفية ومالكية)، ولا الفِرق الإسلامية الأخرى كانت على حالة من الوحدة السياسية المُتماسكة، حيث كان للشيعة عدة مرجعيات، بينما الموحدون الدروز كانوا مع السُنَّة كأمة وليس كطائفة، ولدى العلويين تنوع ولا يتحملون بمجملهم موبقات حكم آل الأسد، بينما عاون هؤلاء عدد كبير من السُنَّة.
تحاول إسرائيل في توجهاتها العدوانية المُتفاقمة، تسعير حِدَّة التباينات بين مكونات الأمة، وهي تتعاطى مع البدو كونهم قومية خاصة، ومع الدروز كونهم قومية أخرى ايضاً، بينما كل هؤلاء لا يتحدثون إلا العربية، حتى أن أسماءهم عربية بالكامل ويلفظون العربية بفصاحة متناهية.
تجربة الشهور الماضية للإدارة السورية الجديدة، كانت وبالاً على “الحكاية” وهي أعطت فرصاً لإسرائيل لتتدخل بعدوانية شرسة، وتحت شعاراتٍ انسانية واهية، للدفاع عن الأقليات، بينما هي مصدر الخطر الأساسي على الجميع. وبعض دوائر السلطة الجديدة في دمشق، بالغت في توظيف المجموعات المُتفلِّته لتأديب المُطالبين بالمزيد من الحريات والديمقراطية وباللامركزية، بما فيهم الفصائل الكردية في شمال شرق سوريا، وغالبية هؤلاء جاءوا من تركيا واحتضنهم العرب واستقبلوهم برحابة صدر، بعد أن تعرَّضوا للظلمِ في الأزمنة الماضية.
والفصائل الخارجة عن القانون “كما تصفهم الإدارة الجديدة”، هم بالفعل مَن يقود الحملات التأديبية البغيضة في مناطق تعيش فيها “أقليات إسلامية”، خصوصاً في الساحل، وفي السويداء التي انخرط أبناؤها في معارضة النظام السابق بشراسة متناهية قبل سقوطه. والمكونات السورية المُختلفة، بما فيهم أغلبية “سنية” في دمشق وحلب وحمص، متخوفون من تركيبة الجيش العربي السوري الجديدة، بينما ما زالت المجموعات المُتفلِّتة تسرح وتمرح، وتقود الأعمال الحربية بغطاء من الحكومة، مثل فصائل “الحمزات” و “العمشات”، وغالبية هؤلاء لا يعرفون العربية، وليس لهم أي عاطفة اتجاه التاريخ والحضارة العربيتين… الأكثرية إذا وجدت فهي حضنٌ فسيح، وليست مقصَلة، وفي الحالة الثانية؛ فإن الأقليات سيخافون بطبيعة الحال.
المدن
———————————–
سورية: تحالف الأقليات بين الضرر والفشل/ بشير البكر
16 اغسطس 2025
يشكّل مؤتمر الحسكة بداية حراك متعدّد الأطراف ضدّ السلطة السورية. وما أن اختتم أعماله، حتى بدأ المشاركون فيه (قوات سوريا الديمقراطية، ومشايخ العقل في السويداء، ومجموعات الفلول في الساحل)، تحرّكات سياسية وإعلامية صريحة، وتنظيم فعّاليات دولية مشتركة، وحملة واسعة في وسائل التواصل الاجتماعي، ولدى المنظّمات الدولية، هدفها هزّ صورة النظام الذي حاز على قبول دولي جيّد، واعتُرف فيه دبلوماسياً وسياسياً، وجرى تتويج ذلك بلقاء الرئيس أحمد الشرع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الرياض، وزيارته إلى باريس، بوابة أوروبا.
تراهن الأطراف الثلاثة، التي أشهرت تحالفها في مؤتمر الحسكة، على تأمين ضغط عالمي يسحب الاعتراف الدولي بالإدارة السورية. وليس مصادفةً صدور بيان مجلس الأمن في العاشر من أغسطس/ آب الحالي، الذي أحيا قرار مجلس الأمن 2254، بعدما انتهى مفعوله بسقوط نظام بشّار الأسد. والمغزى من ذلك إعادة تفصيل المرحلة الانتقالية على نحو مختلف عن توجّهات الإدارة الجديدة، ويعني هذا إعادة النظر في تركيبة السلطة الحالية بكل تشكيلاتها ومسمّياتها، من الرئاسة إلى الحكومة إلى جهازها الدبلوماسي وأسلوب الحكم الذي تعمل بموجبه، ولذلك وصف إدارة الرئيس أحمد الشرع بـ”السلطات السورية المؤقتة”، بدلاً من “الحكومة السورية” أو “الحكومة السورية الانتقالية”، كما كلّف المجلس المبعوث الأممي غير بيدرسون تقديم إحاطة في 21 أغسطس/ آب الجاري، قد ترفع سقف الطلبات من الإدارة السورية.
من المؤشّرات المهمّة رفض مشايخ العقل في السويداء لجنة التحقيق التي شكّلتها السلطات الرسمية، ومطالبتهم بتشكيل محكمة دولية للتحقيق، لإحالة المتورّطين إلى المحكمة الجنائية الدولية، وفق ما جاء في البيان الذي صدر عن الشيخ حكمت الهجري، الذي اعتبر ما حصل في السويداء “جرائم حرب”، و”إبادة ممنهجة”، ووجّه اتهامات للحكومة السورية بارتكاب مجازر وتطهير عرقي بحقّ المدنيين. وإذا استُجيب لهذه الدعوة، فإنها ستشكّل سابقةً تتجاوز الجانب القانوني، إلى التدخّل في الشؤون الداخلية السورية، وانتهاك السيادة، لا سيّما أنها ستتولّى التحقيق مع مسؤولين أمنيين وعسكريين، وتصدر مذكّرات توقيف.
واضحٌ أن الحراك المشترك بين الأطراف الثلاثة دبلوماسي وسياسي وإعلامي، ومن دون إطار رسمي مُعلَن. ومن غير المُستبعَد أن يتطوّر في المستقبل القريب إعلان لجان أو هيئات عمل مشترك، تنشط داخلياً وعربياً ودولياً ضدّ السلطة، وسينعكس ذلك في توتّر أمني وعسكري حسب الظروف والإمكانات، ووفق ما هو ظاهر، فإن جبهة شرقي سورية مرشّحة أكثر من غيرها لذلك، إذ تشهد المحاور حشوداً عسكريةً متبادلةً بعد فشل مساعي باريس في استضافة وفدَين، حكومي وآخر من قوات سوريا الديمقراطية (قسد). وقد أعلنت السلطة عدم مشاركتها بعد انعقاد مؤتمر الحسكة.
أضرار هذا الحراك على سورية كبيرة، لكن حظوظ نجاحه في إسقاط النظام معدومة، وذلك لعدّة أسباب. الأول تقديم الأطراف نفسها بوصفها تحالف أقليات عرقية وطائفية، الأمر الذي سيؤدّي إلى نتائج معاكسة، أهمها استنفار حسّ وطني سوري جامع للوقوف ضدّ تقسيم وتفكيك سورية. والثاني، الاستعانة المُعلَنة بإسرائيل، وقد شكرها الشيخ الهجري صراحةً في بيانه أخيراً، ما أدّى إلى حالة غضب وإدانة داخلية عامّة. والثالث، هناك جهات عربية وإقليمية تدعم السلطة السورية، ومنها السعودية وقطر والأردن وتركيا، وترى أن من واجبها الوقوف إلى جانبها في هذه المرحلة كي تجتازها بأقلّ الخسائر، غير أن ذلك لن يتم على بياض كما حصل خلال الأشهر الماضية، وقد تقدّم بعض هؤلاء بنصائح صريحة كي تغيّر أسلوب إدارتها للملفّات الداخلية، وتشكّل بديلاً مقنعاً لمشاريع الإدارة الذاتية والانفصال، التي تتبنّاها بعض الأطراف الداخلية، بدعم من إسرائيل.
العربي الجديد
——————————–
كيف تتعامل إسرائيل مع “سوريا الشرع” دبلوماسيا وعسكريا؟/ أمال شحادة
حكومة نتنياهو تكثف جهودها لدعم الدروز وقائد منطقة الشمال يعلن عن مزيد من العدوانية والحزم
السبت 16 أغسطس 2025 11:35
بحثت الأجهزة الأمنية في إسرائيل بالتعاون مع القيادة العسكرية سبل استمرار “الدعم الإنساني” لدروز سوريا بأقل ما يمكن من الاحتكاك داخل منطقة الجنوب السوري.
في وقت تواصل فيه إسرائيل جهودها عبر مبعوثي الولايات المتحدة في المنطقة لإقناع دمشق بالسماح لها بفتح ما سمته ممراً إنسانياً يبدأ من الحدود عند الجولان المحتل ويمتد عشرات الكيلومترات وصولاً إلى السويداء ومناطق سورية، هدد قائد منطقة الشمال أوري غوردين باستمرار استخدام مزيد من القوة والعدوانية تجاه سوريا، وتحديداً منطقة الجنوب “لمنع تنامي محور سني متطرف يشكل تهديداً على أمن إسرائيل وحدودها”.
وقال غوردين، الذي سينهي قريباً ولايته كقائد لمنطقة الشمال، إن الجيش الإسرائيلي يواصل بذل جهوده لمنع تطور أي تهديد والسماح به على مختلف الجبهات، وتحديداً الشمالية تجاه لبنان وسوريا.
وبحسب غوردين فإن الجيش يواصل تحركاته التي بدأها منذ انهيار نظام بشار الأسد للدفاع عن دروز سوريا، والسويداء بصورة خاصة، مضيفاً “على رغم أن رأي إخواننا الدروز في إسرائيل أن دعمنا جاء متأخراً، فإننا في رأيي قمنا بكثير من العمليات والتحركات لمنع إلحاق الضرر بدروز سوريا ويجب القول حقيقة إن السويداء بعيدة من هنا بصورة ملحوظة”.
ورأى أن إنجازات الجيش الإسرائيلي تجاه “حزب الله” في لبنان تنعكس أيضاً على الجبهة السورية، قائلاً “لقد نجحنا في لبنان وسوريا في تحقيق إنجاز باهر بقطع المحور الشيعي بصورة كبيرة. هذا الأمر الجيد لا يجعل بالضرورة ميليشيات متطرفة أمراً جيداً من الجهة الأخرى، وهو ما يدفعنا إلى تكثيف نشاطاتنا تجاه سوريا بكثافة، ولكن في الوقت نفسه بحذر من ألا يتطور لدينا محور سني متطرف في هذه المنطقة يمكن أن يجلب تهديداً من نوع آخر باتجاه إسرائيل”. وأكد أن “هذا يتطلب من إسرائيل كثيراً من العدوانية والحزم من أجل إبقاء هذا التهديد بعيداً، والأهم، أن يكون جنوب سوريا منزوع السلاح، وبالتأكيد من السلاح الثقيل”.
جهود باءت بالفشل
في أعقاب احتدام التوتر ووقوع صدامات مستمرة بين الجيش الإسرائيلي وعناصر مقاتلة في جنوب سوريا بعد الأحداث العنيفة التي شهدتها السويداء وأدت إلى مقتل المئات من الدروز، بحثت الأجهزة الأمنية بالتعاون مع القيادة العسكرية سبل استمرار “الدعم الإنساني”، كما تسميه إسرائيل، لدروز سوريا بأقل ما يمكن من الاحتكاك داخل هذه المنطقة.
وأعدت خطة لفتح “ممر إنساني” تنقل عبره جميع متطلبات دروز السويداء من مساعدات إنسانية، بما في ذلك الدواء، إذ تتواصل إسرائيل منذ نحو شهر عبر طرف ثالث بالأساس هو واشنطن مع الحكومة السورية للسماح لها بفتح هذا الممر، لكن، وفق ما قاله مسؤولون إسرائيليون رفضت دمشق ذلك خشية استغلال الممر من قبل تنظيمات معادية للنظام لنقل أسلحة عبره.
وكان متوقعاً أن يبحث وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر، هذا الأسبوع، مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني والمبعوث الأميركي توم براك في باريس هذا المطلب مع جوانب أخرى، لكنه جرى تأجيل اللقاء، وفق مسؤول إسرائيلي كبير، لضرورة بلورة الوضع على هذه الجبهة بما يضمن موقفاً واضحاً لمختلف النقاط التي سبق وطرحت للنقاش وجرى تأجيلها في أعقاب أحداث السويداء.
ويرى مراقبون أن فتح “الممر الإنساني” يشكل في مضمونه خطوة استيلاء جديدة على الأرض السورية وتريد إسرائيل من خلاله تنفيذ مشروعها الجديد ضمن مشاريع أخرى تسعى إليها تحت ذريعة التزام استمرار الدعم لدروز سوريا.
وبحسب سياسيين وعسكريين فإن حكومة بنيامين نتنياهو تسعى إلى إعادة بناء الثقة مع نظيرتها السورية، وهناك توقعات بأن يسهم الممر الإنساني من جهة في هذا الأمر، علاوة على الآمال المعقودة على لقاء ديرمر والشيباني، حيث تبذل الجهود لعقده الأسبوع المقبل، لدفع ترتيبات إضافية لتخفيف التوتر على هذه الجبهة التي شهدت تصعيداً أمنياً بعد الهجوم الذي تعرضت له السويداء كما المساهمة في تطبيع علاقات مستقبلية بين الطرفين.
وكشف عسكريون عن أن إسرائيل بذلت جهوداً لنقل مساعدات إلى السويداء بواسطة الأردن، إلا أن الأخير رفض، مما دفع الجيش إلى إسقاط مساعدات من الجو، لكنها خطوة يرفض الجيش الاستمرار بها كما توصي أجهزة الأمن بعدم استخدامها لمنع احتكاك بين الجيش وعناصر سورية معادية.
تزامناً مع ذلك وخلافاً لادعاءات الإسرائيليين بالعمل لتخفيف التوتر يواصل الجيش الإسرائيلي عملياته على الجبهة السورية ويركز نشاطه العسكري هناك، وذلك من خلال لواء غولاني بتنفيذ عمليات شبه يومية في جنوب سوريا تشمل اعتقالات بادعاء صلة العناصر الذين تقاتلهم بالإرهاب كما يقوم اللواء بمصادرة أسلحة قتالية.
وهدد الجيش الإسرائيلي باستمرار هذه العمليات وتكثيفها بذريعة حماية أمن إسرائيل ومستوطنات الجولان، وهو ما يناقض كلياً جهود تخفيف التوتر على هذه الجبهة الشمالية وما يطلقه الإسرائيليون من تصريحات، خصوصاً هذه الأيام قبيل لقاء ديرمر والشيباني المتوقع قريباً.
الخطر في تعدد التنظيمات
في مقابل النقاش حول مدى أهمية استمرار الدعم للدروز تسيطر على أبحاث الأمنيين تداعيات الوضع الداخلي في سوريا على إسرائيل لعدم وجود تنظيم واحد ونظام واحد، بل عدة تنظيمات وهي بمضمونها معادية لتل أبيب، كما أن نظام أحمد الشرع لا يقل خطورة عن هذه التنظيمات، وفق مسؤولين في حكومة نتنياهو.
ويقول المستشرق والمتخصص في شؤون الشرق الأوسط حاييم غولدونفيتش إن المصلحة الإسرائيلية اليوم تتطلب الحفاظ على طرف مركزي واحد يسيطر على سوريا، مضيفاً “الخطر اليوم أن الرئيس الشرع غير قادر على السيطرة على سوريا وهو بنفسه قال ذلك خصوصاً سيطرته على الفصائل المنتشرة في الجبال”. ولفت إلى أن إسرائيل تدير اليوم مفاوضات بطريقة جيدة عبر أطراف أخرى للوصول إلى وقف إطلاق نار مع إمكان التطبيع مستقبلاً، لكنها حتى اليوم، “لم تحقق هذه الجهود نجاحاً، ومع هذا على إسرائيل أن تضع أمامها هدف الحفاظ على نظام الشرع، بغض النظر إذا نجحت الجهود في الاستمرار بدعم دروز سوريا، ففي نهاية الأمر هم ليسوا في إسرائيل وبعيدون منا، ونحن في حاجة أولاً ضمان مصلحة أمن إسرائيل وحدودها”.
الأيديولوجية المتطرفة
وفي حين تضع إسرائيل مسألة منع أي اعتداء على الدروز في سوريا ذريعة لتنفيذ أهدافها في السيطرة على سوريا تحذر جهات أخرى من خطر التعامل مع نظام الشرع من منطلق ثقة.
وفي تصريحات إعلامية حذر الباحث في شؤون الأقليات دولياً والأقلية الدرزية في الشرق الأوسط يعقوب حلبي من أن السكان في سوريا في خطر إبادة بعدما اتخذ الصراع طابعاً متطرفاً.
وقال إن الأحداث الأخيرة تضع الدروز في خطر إبادة جسدية حقيقية، فالأجواء العامة في سوريا التي سادت مع صعود الشرع إلى الحكم كانت أجواء نشوة، سرعان ما تحولت إلى أجواء كئيبة وقاسية لا تحتمل بالنسبة إلى الأقليات في سوريا.
وبحسب قوله فإن “خشية الأقليات ليست فقط من سن قوانين الشريعة الأصولية، بل من الأيديولوجية المتطرفة السائدة بين الجماهير في سوريا، والتي تحرضهم ضد الأقليات، وبخاصة الدروز”.
وعد حلبي التصريحات السياسية الإسرائيلية أسهمت في تفاقم الوضع، موضحاً أن “على إسرائيل أن توضح وتضغط على القيادة الدرزية في السويداء للتوصل إلى تفاهمات مع النظام الجديد. هذه القيادة رفضت المشاركة في مؤتمر عمان بسبب الغضب من المجزرة التي ارتكبها نظام الشرع ضد الدروز، لكن هذا الرفض من الدروز قد يجلب عليهم كارثة ومجزرة أخرى. على إسرائيل أن توضح لزعماء الدروز أنها تستطيع فقط أن تضمن إنشاء منطقة منزوعة السلاح في جنوب سوريا، لكن فقط النظام يمكنه أن يضمن تنفيذ رفع الحصار عن السويداء، ووقف القتال مع البدو، وإعادة جميع المخطوفين بخاصة المخطوفات، وعودة الطلاب إلى الحرم الجامعي، وإعادة دمج الأقليات في حياة الدولة”.
دعوى قضائية ضد الشرع
من ناحية أخرى بادر الوزير الإسرائيلي السابق الدرزي أيوب قرا إلى حملة دولية ضد أحمد الشرع معلناً رفع دعوى قضائية في ألمانيا ضد الرئيس السوري.
وبحسب قرا فإنه “بعد تحقيقات قانونية في دول أوروبية مختلفة ومنظمات حقوق الإنسان، بما فيها محكمة العدل الدولية في لاهاي، قررنا رفع دعوى قضائية قريباً في ألمانيا ضد الشرع وعصابته الإرهابية على جرائم الحرب التي ارتكبوها في السويداء، وضد الشعب السوري الذي يقدس الحياة لا الموت. كما سنبذل قصارى جهدنا لاستبدال زعيم سوري سني يؤمن بالحرية والديمقراطية بالشرع في أقرب وقت ممكن”.
———————–
المظاهرة في السويداء التي طالبت بالاستقلال عن سوريا، وتم خلالها رفع العلم الإسرائيلي، لم تأت من كون المتظاهرين ما هم إلا ” دروز” ولديهم نزعة انفصاليّة أصيلة كما يعتقد غلاة الطائفيين والغوغاء، الواقع والتاريخ يقولان غير ذلك.
إلى اليوم، وبعد 58 عاماً من الاحتلال الإسرائيلي لهضبة الجولان السورية، لا يزال كثيرون من مواطني الجولان الدروز يرفضون الهوية الإسرائيلية، وعبروا خلال تلك الأعوام عن تمسكهم بالوطن الأم ، لا يزال كثيرون منهم يعرّفون أنفسهم كمواطنين سوريين. أيضا التاريخ ، ومنذ الاستقلال، يقول كثيراً عن وطنية وانتماء أبناء الطائفة الدرزية الأصيل للوطن.
لكن هل يمكن فعلاً قراءة رفع العلم الإسرائيلي كمؤشر على تبدّل جذري في الهوية والانتماء؟
من المؤكد أن هذا التصرف لا يمثل جميع أبناء السويداء، بل يعكس غضبًا متفجّرًا ويأسًا عميقًا من الدولة المركزية. إنه، في جوهره، صرخة احتجاج وليس بالضرورة دعوة صريحة للتبعية لإسرائيل أو إعجاباً شعبياً بها، بل قد يكون تحديًا صارخًا لنظام جديد لم يشعر المواطنين الدروز السوريين بالثقة به والأمان معه، ورسالة فحواها أن المواطن حين تُداس كرامته ، ويُقص شارب كباره، ولا يجد من يحميه، قد يلجأ حتى لأقصى الرموز صدمةً.
ما حدث اليوم لا يُقرأ فقط كتحوّل سياسي، بل كلحظة انهيار ثقة كاملة بين الدولة المتهمة بالإقصاء وارتكاب الانتهاكات وبين أحد مكوناتها. هو موقف صادم، حاد، مؤلم .. لكنه ليس أصيلاً . الكرة الآن في ملعب الدولة المركزية. هل تستطيع أن تتجاوز هذه اللحظة المفصلية الأخطر منذ الاستقلال ؟ هل لديها المقومات؟
شعبان عبود
—————————–
أمام سوريا اليوم مساران محددان للنجاة
ما يجري في السويداء يكشف بوضوح عن تبعات غياب أي رابطة حقيقية بين المجتمع والسلطة، ولا علاقة له بأزمة ولاء أو بخيار سياسي عابر.
ما يُسمى بالدولة لم يعد إطاراً جامعاً، وتحوّل إلى سلطة قسرية تحاصر الناس وتمنع عنهم الغذاء والدواء. هذه الممارسات تجسد عقلية عصابية منفصلة عن أي مسؤولية حكم.
الرايات الفردية التي ظهرت اليوم تعبر عن انسداد أفق وغياب بدائل. ومع انسداد كل سبل التعايش، يصبح الحديث عن الانفصال تعبيراً عن احتجاج وجودي أمام سلطة أغلقت الطريق أمام أي صيغة للتفاهم.
الرهان على إسرائيل وهم حماية يفضي إلى مزيد من الارتهان والخسارة. رفع أي راية خارجية لا يغيّر في جوهر المعضلة؛ فالمظلوميات قد تُفهم وجدانياً، لكنها لا تمنح شرعية لأي ارتهان خارجي.
المسؤولية الأولى عمّا يحدث تقع على عاتق السلطة الحالية. وإنقاذ سوريا يفرض مسارين محتملين، فإما مؤتمر وطني جامع ترعاه سلطة تعترف بأخطائها وتسعى لتصحيحها، أو تشكيل هيئة حكم انتقالي تستند إلى القرار 2254، بما يضمن إدارة المرحلة الجديدة وتغيير الوجوه التي عمّقت الارتهان للخارج وأحيت العصبيات والهويات الطائفية.
الوطنية الحقيقية تُقاس بصون حياة الناس وكرامتهم. أمّا الحديث عن وحدة وطنية بلا رفع الحصار وتعويض الضحايا وضمان العدالة، فهو غطاء يضاعف العنف الرمزي فوق المادي، ويترك الجرح مفتوحاً.
مالك حافظ
————————————-
حزينٌ جداً.. ومتوجع!
من ورّطَ (أهلنا) الدروز في أكبر خطأ استراتيجي (عبثي)، يمكن لجماعة بشرية أن ترتكبه في تاريخها؟
هذا هو أكبر تعبير وأوضح مثال عن (المصيبة) التي تحصل عندما يقود رجال دين (الطريق)!..
هذا هو الدرس المرير (المتأخر) حين تتحول (العمامة) إلى بوصلة سياسية، ويُصبخ الغضب الشعبي رهينة نزوات فردية!
هذا هو أداء (موفق طريق داوود) مدعوماً بما يُفترضُ أنه عقلُ و(حكمة.. الهجري).. هذا الرجل المُصرُّ منذ يوم التحرير على أنه يريد (الهجرة) إلى ذلك الطريق!
هكذا، في لحظة غضب واحدة.. يجري (مسح)، ليس فقط، كل (مَظلَمة) حقيقية للسويداء وأهلها، في عيون سوريين كثر متفهمين ومتعاطفين..ولكن، أيضاً تشويه تاريخ أهلنا في جبل العرب.. وربما إلى أبد الآبدين!
اقرؤوا ماذا يكتب الآن كل الذين وقفوا مع أهل السويداء، ولو بتعصبٍ ونظرةٍ أحادية، ووجدوا لهم كل الأعذار والمبررات!
هذا خطر ماحذّرنا منه.. حين برّر هؤلاء كل نزوةٍ وتصريحٍ انفصالي، وصوّروا التحريض على الدولة “مطالب مشروعة”. ثم إنهم حين وقعت الكارثة، هربوا من المسؤولية، تاركين أهل السويداء وحدهم في مواجهة هاويةٍ، كانوا ممن ساهم بقوةٍ في دفعهم إليها!
وكل أملهم اليوم أن ينسى التاريخ مواقفهم المُخزية، وينساها معه السوريون!
يرحم الله من قال في تراثنا: “إنّا لله.. كيف تصنعُ جهنّمُ حَطَبَها!
وائل ميرزا
——————————————-
أيها السوريون: انتظروا الجحيم إذا لم تصحوا/ د. فيصل القاسم
16 آب 2025
هناك حقيقة واحدة لا تحتاج إلى لجان تحقيق ولا مؤتمرات حوار وطني: سوريا، بعد كل ما جرى، ما زالت، كغيرها من الكيانات المسماة دولاً عربية، تعيش بعقلية ما قبل الدولة… وبكثير. نحن لا نتحدث عن خلل بسيط في الإدارة أو الفساد أو سوء التخطيط. نحن نتحدث عن مجتمع سياسي واجتماعي وثقافي وديني بأكمله يرفض ـ عن قصد ـ أن ينتقل إلى مرحلة الدولة، وكأنه مهووس بالبقاء في غابة الطوائف والمذاهب والأديان والأعراق والقوميات والعصابات والفصائل. من المؤلم أن نقرّ بأن سوريا، بعد أكثر من عقد من الدماء والخراب وقبله عقود من الحكم الشمولي، لم تقترب حتى من عتبة عقلية المواطنة. لا سلطة ولا معارضة، ولا مكوّن سياسي أو اجتماعي أو ديني، استطاع أن يتجاوز أنانياته العصبوية أو يضع مصلحة الوطن فوق مصالح الطائفة والعشيرة والحزب والفصيل. الجميع دون استثناء ما زالوا غارقين في جاهلية سياسية، حتى الكثير ممن ظنناهم «مثقفين».
هذه الذهنية المريضة ليست مجرد عثرة في طريق النهوض، بل هي العائق الأكبر أمام أي مستقبل مستقر. فما دامت العصبيات القاتلة تحكم العقول والقلوب، فلن يكون هناك دستور عادل، ولا مؤسسات مستقلة، ولا قضاء نزيه، ولا جيش وطني موحد، بل ستكون الساحة مفتوحة أمام صراعات لا تنتهي.
من المسؤول إلى المعارض، من زعيم الميليشيا إلى شيخ العشيرة أو الطائفة، من قائد الفصيل إلى المثقف المتخم بالشعارات الفارغة… الكل يسبح في مستنقع العصبيات المريضة. لا أحد يفكر كمواطن في دولة، بل كفرد من طائفة أو مذهب أو قبيلة أو حزب أو شبكة مصالح. عقلية «أنا ومن بعدي الطوفان» صارت عقيدة وطنية غير مكتوبة، لكن الجميع يحفظها عن ظهر قلب.
هذه العقلية ليست مجرد خلل يمكن إصلاحه بانتخابات أو دستور جديد. إنها فيروس فتاك يدمّر أي محاولة للنهضة قبل أن تولد. لأن الدولة، أي دولة، لا يمكن أن تقوم إذا كانت الهوية الطائفية أو الدينية أو العشائرية أو الفصائلية أهم من الهوية الوطنية. وما دامت هذه القاعدة تحكم العقول، والجميع يستغلها ويتاجر بها، فإن أي علم سيرفرف في سماء سوريا سيكون مجرّد خرقة ملوّنة فوق أنقاض.
وما نراه اليوم من اشتباكات وصراعات داخلية، رغم وحشيته، هو مجرد بروفة رديئة للجحيم القادم. اليوم، ما زالت هناك بقايا «خطوط حمراء» شكلية تمنع الانفجار الشامل. لكن حين تنهار تلك البقايا ـ وهي ستنهار عاجلاً أو آجلاً إذا لم تصحوا ـ ستشتعل الحروب بين المدن وداخلها، ثم بين الأحياء، ثم بين الشوارع، ثم داخل البيوت. حينها لن نرى حرباً بين «النظام» و«المعارضة»، بل سنرى حروباً أفقية وعمودية، طائفية وداخل طائفية ومذهبية ومناطقية، سياسية واقتصادية، وحتى عائلية. في الجحيم الحقيقي لا توجد مناطق آمنة، ولا «خطوط تماس» تحفظك، ولا عصابة أو طائفة تحميك. النار ستأكل الكل، وبالعدل التام هذه المرة. وما رأيناه في الساحل والسويداء كان ناقوس خطر مرعباً بكل المقاييس. إذاً نحن مازلنا في مرحلة المقبلات على وحشيتها وهمجيتها، إذا استمرت هذه العقلية المنحطة في حكم المشهد. حين ينهار ما تبقى من ضوابط ـ ولو شكلية ـ وتغيب أي مرجعية جامعة، ستتحول البلاد إلى ساحة حرب دائمة، وستصبح جرائم اليوم التي نراها على الشاشات مجرد ذكريات باهتة أمام حجم الفوضى والانهيار القادم. حينها سيتمنى الناس لو عادوا إلى هذه «الأيام السوداء» التي كانوا يظنونها قمة المأساة، وسيدركون ـ بعد فوات الأوان ـ أنهم كانوا يعيشون في نصف الجحيم، قبل أن يغرقوا في الجحيم الكامل.
والأغرب أن هذا الانهيار لن يكون نتيجة مؤامرة خارجية بحتة. نعم، سيأتي الغرب والشرق ليصطادوا في الماء العكر، لكن المادة الخام للفوضى هي إنتاج محلي 100٪، لأننا صنعناها بأيدينا كل يوم، وفرشنا الطريق بالدم والجهل والتعصب والطائفية. نحن الذين غذّينا العصبيات، نحن الذين فرّغنا فكرة الدولة من معناها، نحن الذين استبدلنا المواطنة بالولاء الأعمى، نحن الذين أبدعنا في صناعة الزعامات والمشيخات الورقية والمقدسات الوهمية. هذه العقلية هي التي ستقود سوريا إلى نقطة اللاعودة، إن لم يتم كسرها بوعي جمعي جديد، وإرادة صلبة لتأسيس دولة تحترم الإنسان قبل أي شيء آخر.
تذكروا هذه الجملة جيداً: «الأيام بيننا»… إلا إذا استخدمنا مكابحنا الطائفية والمذهبية والاجتماعية والدينية والعشائرية، واستخدمنا عقولنا، وحكّمنا ضمائرنا، وفكرنا كسوريين وليس كطوائف وأديان ومذاهب وعشائر وأفخاذ وملل ونحل. إني خيّرتكم فاختاروا!
كاتب واعلامي سوري
القدس العربي
—————————-
محافظ السويداء يدعو للصلح بين العشائر والدروز..”السلم ضرورة“
البكور أكد على أهمية السعي الجاد لإصلاح ذات البين بين العشائر وأهالي السويداء
الرياض- العربية.نت
16 أغسطس ,2025
دعا محافظ السويداء السورية مصطفى البكور إلى الصلح بين العشائر وأهالي المحافظة، وتغليب لغة العقل، حرصا على تعزيز السلم الأهلي.
وقال البكور في بيان نشرته محافظة السويداء (جنوب البلاد) على قناتها بمنصة تلغرام: “انطلاقا من مسؤوليتنا الوطنية والاجتماعية، وحرصا على تعزيز السلم الأهلي، فإننا نؤكد أهمية السعي الجاد لإصلاح ذات البين، وتأليف القلوب بين العشائر وأهالي السويداء، بما يضمن وحدة الصف، ويصون النسيج الوطني من كل ما يهدده من خلاف أو فرقة”.
كما أشار إلى “المواقف الحكيمة التي تبادر إلى الصلح، الحوار، وتُغلب المصلحة العامة على الاعتبارات الضيقة.”
“السلم الأهلي ليس خيارا”
إلى ذلك، أشاد البكور بـدور الوجهاء والعقلاء في تقريب وجهات النظر، وتجاوز الخلافات. وشدد على أن السلم الأهلي ليس خيارا، بل ضرورة وطنية
كذلك، دعا جميع الأطراف إلى تغليب لغة العقل، والانفتاح على مبادرات الصلح، بعيدا عن التوتر والانقسام.
وكانت السويداء الواقعة جنوب البلاد، شهدت اشتباكات ومواجهات استمرت أسبوعا في 13 يوليو الماضي بين مقاتلين دروز وعشائر بدوية، فتدخلت قوات الأمن الحكومية لوقف المواجهات بين الجانبين. بينما نزح نحو 200 ألف جراء النزاع، وفق تقديرات الأمم المتحدة.
لكن منذ 19 تموز الماضي، تشهد المحافظة وقفا لإطلاق النار عقب الاشتباكات الدامية التي خلفت مئات القتلى.
——————–
اشتباكات متقطعة في ريف السويداء.. بين الأمن ومسلحين
الرياض- العربية.نت
16 أغسطس ,2025
رغم الهدوء النسبي في محافظة السويداء، جنوب سوريا، اندلعت اليوم السبت اشتباكات متقطعة وفق ما أفادت مصادر العربية/الحدث.
ولفتت المصادر إلى حصول مواجهات بين مسلحين محليين في وعناصر من قوى الأمن الداخلي.
كما أضافت أن الاشتباكات وقعت على محاور عريقة، قراصة وداما بريف السويداء.
دعوة للصلح
أتى ذلك، بعدما دعا محافظ السويداء مصطفى البكور أمس إلى الصلح بين العشائر وأهالي المحافظة، وتغليب لغة العقل، حرصا على تعزيز السلم الأهلي.
كما شدد على أهمية الحفاظ على التصالح بين أهالي المنطقة وتغليب العقل ونبذ الفتن.
يذكر أن السويداء كانت شهدت اشتباكات ومواجهات استمرت أسبوعاً في 13 يوليو الماضي بين مقاتلين دروز وعشائر بدوية، فتدخلت قوات الأمن الحكومية لوقف المواجهات بين الجانبين. بينما نزح نحو 200 ألف جراء النزاع، وفق تقديرات الأمم المتحدة.
لكن منذ 19 تموز الماضي، تشهد المحافظة وقفا لإطلاق النار عقب الاشتباكات الدامية التي خلفت مئات القتلى.
—————————
قافلة إنسانية تدخل السويداء وسط استمرار أزمة الوقود وتوقف معظم سيارات الإسعاف
16 أغسطس 2025
أفادت وكالة الأنباء السورية “سانا”، صباح اليوم السبت، بوصول قافلة مساعدات إغاثية وإنسانية إلى محافظة درعا، تمهيدًا لدخولها إلى محافظة السويداء.
وذكرت الوكالة أن القافلة مؤلفة من 11 شاحنة، وصلت إلى جسر بلدة نامر بريف درعا، وهي في طريقها إلى السويداء بإشراف الهلال الأحمر العربي السوري.
من جانبها، أوضحت قناة “الإخبارية” أن القافلة تحمل على متنها مادة الطحين، مشيرةً إلى أنها وصلت إلى معبر بصرى الشام الإنساني بريف درعا، استعدادًا لدخولها إلى محافظة السويداء.
وفي سياق متصل، أفاد “الدفاع المدني السوري” (الخوذ البيضاء) بخروج 30 عائلة، تضم 119 شخصًا بينهم نساء وأطفال، من محافظة السويداء بشكل فردي عبر معبر بصرى الشام الإنساني، مشيرًا إلى أن فرقه قدمت لهم المساعدة وساهمت في تأمين انتقالهم إلى الوجهات التي اختاروها.
وأضاف الدفاع المدني، عبر قناته الرسمية على “تلغرام”، أن 19 عائلة مؤلفة من 76 شخصًا عادت إلى محافظة السويداء. كما أوضح أن فرق الإسعاف التابعة له نقلت امرأة مصابة بمرض السرطان من مشفى الراضي في جرمانا إلى معبر بصرى الشام الإنساني، حيث أُمنت عودتها إلى المحافظة بالتنسيق مع الهلال الأحمر العربي السوري.
في المقابل، أفادت مصادر محلية باستمرار توقف خدمات الإسعاف في المستشفى الوطني بالسويداء بسبب أزمة الوقود، مشيرةً إلى أن المستشفى لم يتسلم أي مخصصات منذ بداية الحصار الذي تفرضه الحكومة على المحافظة، على حد تعبيرها.
وأوضحت المصادر أن معظم سيارات الإسعاف توقفت عن العمل، باستثناء أربع فقط: اثنتان في مدينة السويداء، وواحدة في صلخد، وأخرى في شهبا، لافتةً إلى أن السيارتين العاملتين في المدينة تعملان بأقصى طاقتهما.
كما أشارت إلى أن المستشفى الوطني يعاني أزمة متفاقمة تتعلق برواتب الكوادر الطبية، والنقص الحاد في المستلزمات والتجهيزات الطبية الحيوية.
وكانت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” قد دعت، في بيان صادر عنها الأربعاء الفائت، إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق إلى المجتمعات الأكثر تضررًا في محافظة السويداء، محذّرة من استمرار تداعيات العنف الذي شهدته المحافظة في شهري تموز/يوليو الماضي ومطلع آب/أغسطس الجاري.
وبحسب بيان “اليونيسف”، فقد أسفرت أحداث العنف التي شهدتها السويداء منذ منتصف تموز/يوليو الماضي عن مقتل ما لا يقل عن 22 طفلًا وإصابة 21 آخرين، فضلًا عن تسبّبها بأضرار كبيرة في البنية التحتية المدنية، الأمر الذي فاقم من تعقيد جهود الاستجابة الإنسانية.
وأضافت المنظمة الأممية أنه خلال موجة العنف، التي بلغت ذروتها بين 13 و20 تموز/يوليو مع تصاعد قصير في مطلع آب/أغسطس، تم استهداف ما لا يقل عن خمسة مراكز صحية، ما أسفر عن مقتل طبيبين وتعرض سيارات الإسعاف للهجوم وعرقلة عملها.
وأشارت “اليونيسف” إلى تعرض البنية التحتية لأضرار جسيمة، بما في ذلك خدمات توفير المياه والكهرباء والوقود، مؤكدةً أنه في ظل استمرار انعدام الأمن وقيود الوصول، ما تزال المواد الغذائية والأدوية وغيرها من المستلزمات الأساسية شحيحة، لافتةً إلى اضطرار أكثر من 190 ألف شخص، غالبيتهم من النساء والأطفال، للنزوح عن منازلهم خلال أعمال العنف.
—————————-
======================
تحديث 14 آب
—————————
سوريا…. في شرعية القيادة الانتقالية والحق في مساءلتها/ ماجد كيالي
لا يمكن القول ببناء دولة مؤسسات وقانون دون القول بدولة مواطنين
آخر تحديث 14 أغسطس 2025
استمد العهد السوري الجديد، برئاسة أحمد الشرع، شرعيته من ثلاثة مصادر أساسية، تمثلت أولا بدوره في انهيار نظام الأسد، بعد استعصاء طويل ودامٍ ومدمر دام 14 عاما، إذ اعتبر من قبل معظم السوريين بمثابة المخلص من نظام وراثي واستبدادي حكم البلد أكثر من نصف قرن. ثانيا، عدم استغلاله قوته العسكرية في لحظة الانهيار الكبيرة تلك بأخذ البلد نحو معارك دامية ومدمرة للانتقام من نظام الأسد بمؤسساته وتشكيلاته ومواليه.
ثالثا، كبح النزوع نحو انفجار الصراعات الهوياتية الثأرية وفقا للهويات الأولية الدينية والإثنية والعشائرية في البلد، مع الحديث بلغة التحول إلى الدولة، والميل إلى التسامح، حتى مع بعض رموز معروفة بمشاركتها الإجرام بحق السوريين مباشرة أو بشكل غير مباشر.
ومعلوم أن العاملين الأخيرين كانا ضمن خشية أكثر المتفائلين، بالنظر لمظلوميات عمرها خمسة عقود، منها الـ14 سنة الماضية، التي تم فيها تشريد نصف السوريين من بيوتهم ومن بلدهم، وقتل مئات ألوف منهم، مع تدمير عمرانهم.
المهم أن العوامل الثلاثة المذكورة لعبت دورا كبيرا في تعزيز قبول أغلبية السوريين بالرئيس السوري الجديد، للمرحلة الانتقالية، ومنحه نوعا من الإجماع لم يحظ به أي رئيس سابق لسوريا، وقد أسهم في تكريس ذلك القبول العربي والدولي (وضمنه الأميركي) بالقيادة الجديدة، واحتضانها، وتقديم الدعم لها.
بيد أن مشكلة القيادة الانتقالية الجديدة، أنها لم تقرأ بطريقة صحيحة، ولم تستثمر بطريقة جيدة، العوامل الثلاثة المذكورة، إذ إن معنى العامل الأول يستوجب التأكيد للسوريين أن ثمة عهدا جديدا يقطع مع نظام الفساد والاستبداد، ويتأسس على المشاركة السياسية، واستعادة دولة المؤسسات والقانون، وتأكيد حقوق السوريين كمواطنين أحرار ومتساوين.
ما تقدم لا يعدّ تطلّبا زائدا، فمن المفهوم استحالة تحول سوريا إلى بلد مثل السويد، أو ماليزيا، او سنغافورا، مثلا، في ظرف أشهر أو عدة سنوات، وإنما المطلوب تأكيد السير في ذلك الاتجاه، بتأكيد التحول إلى دولة مؤسسات وقانون لجميع المواطنين، وليس لجماعة معينة، تبعا للشعار الخاطئ والمتسرع: “من يحرر يقرر”، علما أن معظم السوريين المنكوبين كانوا دفعوا ثمنا باهظا للثورة السورية، بطريقة أو بأخرى، طوال 14 عاما، وما حصل يوم 8/12/24، أتى تتويجا لمسار التضحيات والمعاناة والبطولات التي بذلها السوريون، على امتداد الجغرافيا السورية، بحيث تضافر العامل الذاتي مع العامل الموضوعي، بتوفر البعدين الدولي والإقليمي للتغيير في سوريا.
القصد أن معظم السوريين شركاء في الإنجاز التاريخي الحاصل، وهؤلاء منحوا الشرعية للرئيس الشرع، لكن في المقابل لم يتم التعامل معهم على قدم المساواة، في اختيار المؤهلين والمخلصين من بينهم لملء مفاصل الدولة، وإدارة عجلتها، إذ ظل الأمر محصورا في المقربين، باعتبارهم أهل الثقة.
وقد فاقم من ذلك فرض شخصيات مقربة في النقابات، علما أن هذه ليست من مهمة الدولة، فهذا ما كان يفعله نظام الأسد، أي كان الأجدى توجيه النقابات نحو إجراء انتخابات يختار فيها الأعضاء قيادتهم في ظرف شهرين أو ستة أشهر، أو أي فترة مناسبة. ينطبق ما تقدم على الانتخابات التشريعية، فإذا كان يمكن تفهم تأجيل تلك العملية ريثما يتم سن قانون للأحزاب، وترسيخ حرية الرأي والإعلام والتجمع، لخلق تفاعلات سياسية تمهد لتشكيل كيانات سياسية، فقد كان بالإمكان التوجه نحو إجراء انتخابات محلية، مناطقية، لإدارة القرى والبلدات وأحياء المدن، بعد أشهر محددة، ما كان من شأنه تخفيف ثقل المهمات والمسؤوليات التي تقع على القيادة الجديدة، وخلق شركاء مؤهلين، فاعلين، وموثوقين، وشبكات وسيطة منتخبة بينها وبين الشعب، في مختلف الجغرافيا السورية، ما يجدد الثقة لدى السوريين في المستقبل، بانتظار انتخابات تشريعية في ظروف سياسية واجتماعية ودستورية مناسبة.
طبعا، يأتي ضمن تلك الأخطاء المتسرعة حل الجيش، وأجهزة الشرطة، والكثير من أجهزة الدولة، في حين كان يمكن إقالة كبار الضباط، والأشخاص المعروفين بولائهم للنظام السابق، والفاسدين، وتاليا الحفاظ على جسم الدولة، كجهاز لا بد منه لإدارة البلد، ما كان من شأنه التسهيل على القيادة الجديدة، الإمساك بكل مفاصل الدولة، بطريقة سلسة أكثر، والالتفات إلى القضايا الأكثر أهمية.
في العامل الثاني، بدا أن القيادة السورية الجديدة التي حرصت على تجنّب أي اقتتال، وهذا يحسب لها، إلا أنها لم تحصّن ذاتها وشعبها جيدا ضد ذلك، سياسيا وأمنيا وأخلاقيا، ما أدى إلى استسهال استدراجها للاقتتال، وتوريطها فيه، ضد هذا الطرف أو ذاك.
في المرة الأولى حصل ذلك في الساحل بحكم القوى المضادة، الموالية لنظام الأسد، والمتربصة بالعهد الجديد، والتي استطاعت تحميل القيادة الجديدة المسؤولية عن بعض الانتهاكات بحق مدنيين أبرياء وعزل، إنْ من القوى الأمنية غير المحصنة ثقافيا وأخلاقيا ضد ذلك، أو من قبل الفصائل غير المنضبطة، التي تضمر للقيادة الجديدة نوايا خبيثة لإفشالها.
على كلٍ، فقد اعترف الرئيس نفسه بوجود انتهاكات، وشكل لجنة للتحقيق (قدمت تقريرها وتوصياتها يوم 22/7)، لكن تلك الأحداث أدت إلى توريط القيادة الجديدة، وكشفت عدم تجانس قواها الأمنية، وضعف أهليتها، كما أنها عززت الشرخ بين السوريين.
في المرة الثانية، حصل ذلك في السويداء، بيد أن البيئة هنا تختلف عن بيئة الساحل، كونها محسوبة على الثورة السورية، ومعادية لنظام الأسد، وخاضت عصيانا مدنيا لمدة عامين، وكان مجتمع “الدروز” امتنع عن مشاركة أبنائه في “جيش الأسد”، لتجنب جريمة قتل إخوتهم من السوريين، كما كانت السويداء بمثابة ملاذ آمن للسوريين من أرياف درعا ودمشق.
في هذا الإطار يمكن الحديث كثيرا عن مسؤولية هذا الطرف أو ذاك عن القتال، لكن الأمر الأساسي الآن أن ثمة خطأ من طرفين، فمن المعروف أن ثمة قوى محسوبة على مجتمع “الدروز” كانت قريبة من نظام الأسد، وأن ثمة طرفا في هذا المجتمع يتخوف من الذوبان، أو يرتاب من العهد الجديد، ويتوسل الدعم من الخارج، وضمنه من إسرائيل، لكن مع كل ذلك ثمة طرف ثالث يتمثل في قيادات روحية وسياسية وثقافية، لها رأي آخر، بأن السويداء جزء من سوريا، وأن مجتمع “الدروز” جزء من المجتمع السوري.
على ذلك فإن المسؤولية الأساسية هنا تقع على عاتق الدولة، لأنها مسؤولة عن كل السوريين، ولأنها لم تقرأ تعقيدات الوضع الدرزي، ومداخلاته الداخلية والخارجية، ولأنها لم تفتح المجال لتمكين أصحاب الرأي من القيادات الروحية والمدنية لتعزيز مكانتهم، عبر إشراكهم في العملية السياسية، وتمكينهم من إدارة المجتمع في السويداء، بدل الذهاب نحو الحل الأمني، الذي قوّى الأطراف المضادة، وسهل دخول إسرائيل على الخط.
بيد أن ما فاقم الأمر أكثر هو سماح القيادة السورية للعشائر بحمل السلاح والقدوم إلى السويداء، إذ إن هذه الخطوة تعني تخليها عن مبدأ سيادة الدولة على أراضيها، وعن حق الدولة احتكار السلاح، لصالح طرف غير دولتي، وغير ممأسس، وغير قانوني، ما يشكل خطورة مستقبلا على الدولة ذاتها.
المسألة أيضا أن هذا الوضع يفيد بعدم المساواة بين المواطنين، بين عشائر يسمح لها بحمل السلاح، ومواطنين ممنوع عليهم ذلك، إضافة إلى أن ذلك يتناقض مع قول القيادة الانتقالية بحل كل الفصائل العسكرية، وتوحيدها بالجيش السوري.
نأتي إلى العامل الثالث، إذ إن الحؤول دون انفجار الصراعات الهوياتية، كإنجاز للقيادة الجديدة، بدا في مهب الريح، بخاصة بعد أحداث السويداء، الدامية والمريرة والمؤلمة، لأن هذا الوضع أثار علامات شك حول إقامة دولة لكل السوريين.
أ.ف.ب أ.ف.ب
إجراءات إسرائيلية لمنع السوريين الدروز من عبور الخط الفاصل من سوريا إلى مرتفعات الجولان، في 16 يوليو 2025
فإذا كان ثمة في أحداث الساحل محاولة لوأد محاولات فلول النظام، وأتباع إيران و”حزب الله”، العبث في الوضع السوري، فإن أحداث السويداء بدت كحرب غلط، وكورطة خالصة، وربما كفخ، وقعت فيه القيادة الجديدة، نجم عنه وضعها صراحة كدولة لجماعة من السوريين، وليس لكلهم، لأن السويداء كانت عصية على نظام الأسد أساسا.
مشكلة السويداء، أيضا، كشفت ضعف قراءة القيادة الجديدة للوضع الإقليمي والدولي، إذ إن إسرائيل هنا التي تتربص بسوريا، منذ اليوم الأول لانهيار النظام، ظلت تتطلع إلى الاستثمار في ضعف البلد في المرحلة الانتقالية، للحؤول دون تخليق إجماعات وطنية جديدة فيه، وإبقائه كدولة فاشلة وغير مستقرة، سياسيا وأمنيا واقتصاديا، وضمن ذلك يأتي طرحها فكرة حماية “الأقليات”، ومنع أي وجود للجيش السوري في الجنوب في القنيطرة ودرعا والسويداء.
في نتيجة كل ماحصل، وبغض النظر عن تحميل هذا الطرف أو ذاك المسؤولية عما جرى، فإن القيادة الانتقالية الجديدة خسرت من رصيدها، الذي شكلته من العوامل الثلاث المذكورة آنفا، وهي تقف اليوم أمام واقع تآكل في شرعيتها وشعبيتها، بالقياس للأشهر الأولى بعد إسقاط نظام الأسد البائد.
كل ما تقدم لا يعني أن القيادة الجديدة باتت ضعيفة، أو معزولة، فهذه القيادة، برئاسة الشرع، ما زالت هي القوة الأكثر شرعية وتماسكا وقوة في سوريا، وهي لذلك، وفي ظل الفراغ السياسي المهول في البلد، ما زالت بمثابة الطرف الذي يتحمل المسؤولية عن إيجاد حلول للخروج من كل الاستدراجات التي تورطت فيها، عن قصد أو من دونه، إضافة إلى تحملها المسؤولية مع الأطراف الآخرين عما جرى.
أيضا، فإن هذه القيادة معنية بإدراك أهمية بناء إجماعات وطنية للسوريين، كسوريين أحرار ومتساوين، ليس فقط في البعدين القانوني والسياسي وإنما في البعد الأخلاقي أيضا، فمن يلاحظ منشورات السوريين في “فيسبوك” يمكنه أن يلاحظ مدى الشرخ الحاصل، ومدى ضعف الحصانة السياسية والأخلاقية إزاء الاستدراج لحرب الكل ضد الكل، والوقوع في فخ العصبيات الطائفية والإثنية، ونبذ أي تفكير نقدي.
على ذلك، فإن أي حل في سوريا لا بد أن ينطلق من وحدة الشعب السوري على أرضه، وسيادته عليها، بمعنى أن كل طرف يجب أن يعترف بالأطراف الآخرين، ويقبل بالتعايش معهم، لأن الاتكاء على الحل الأمني، أو الحل بالغلبة، ليس حلا، وإنما هو وصفة للتصدع الداخلي، وكشف لسوريا أمام التدخلات الخارجية، كما حصل، إذ إن الاثنين، أي التصدع والانكشاف، يشكلان عقبة كأداء دون إقامة دولة للسوريين، بمعنى الكلمة، أي دولة مؤسسات وقانون، كما أنهما يحولان دون إقامة دولة مواطنين أحرار ومتساوين ومستقلين، عن هوياتهم الأولية (أي دون التخلي عنها).
في المحصلة، فإن القيادة السورية الجديدة، كونها قيادة للدولة، وفي ظل الفراغ السياسي الحاصل، وتفشي الحالة الفصائلية-الميليشياوية، هي المسؤولة عن تدارك الوضع الحاصل في السويداء، كما في شمال شرقي سوريا، وفي عموم سوريا، وإدراك حقيقة أن الحل الأمني، بالطريقة التي تم فيها، بخاصة مع فزعة “العشائر”، أضرّ بصدقية إقامتها دولة لكل السوريين، كما أضر بوعدها بتمكين المواطنة، وهي حجر الأساس في توليد دولة سورية جديدة، تكون نقيضا لنظام الأسد البائد.
باختصار، لا يمكن القول بوحدة سوريا الجغرافية وسيادتها على أراضيها، دون القول بوحدة الشعب السوري، واعتباره صاحب السيادة في بلده، ولا يمكن القول ببناء دولة مؤسسات وقانون دون القول بدولة مواطنين، أحرار ومتساوين، إذ إن سوريا، بخاصة في هذا الظرف، تقوى بوحدة شعبها، فهذا ما يصد التدخلات الخارجية، وضمنه محاولات التدخل الإسرائيلي.
المجلة
————————————
أي مستقبل لملف السويداء السورية؟/ فراس فحام
14/8/2025
دخل ملف السويداء جنوب سوريا مرحلة جديدة تتسم بتزايد الفجوة بين القوى المسيطرة على المحافظة والحكومة السورية، في امتداد لارتدادات المواجهات المسلحة التي استمرت نحو أسبوعين في يوليو/تموز الماضي.
ورغم الإجراءات التي اتخذتها الحكومة السورية لمعالجة تداعيات التصعيد الميداني، مثل تسهيل مغادرة عشائر البدو من مناطق التماس مع الدروز في السويداء، والعمل على استدامة دخول المساعدات، وتشكيل لجنة تحقيق في الانتهاكات، فإن هذه الخطوات لا يبدو أنها كفيلة بالتوصل إلى حل نهائي قريب لهذا الملف الشائك.
تصعيد سياسي
في العاشر من أغسطس/آب الجاري، أصدر اثنان من أبرز مشايخ العقل في السويداء، يوسف جربوع وحمود الحناوي المعروفان سابقا بتأييدهما للحوار مع الحكومة السورية، بيانات هاجما فيها الحكومة واتهما قواتها بارتكاب انتهاكات وعمليات “تطهير العرقي” في المحافظة، كما وجها الشكر لرئيس المحكمة الدرزية في إسرائيل موفق طريف.
وبدا ذلك وكأنه اصطفاف مع موقف حكمت الهجري، أحد مشايخ العقل للدروز في السويداء، الذي شارك في التاسع من الشهر الجاري بكلمة عن بعد ضمن مؤتمر نظمه تنظيم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بمحافظة الحسكة وصفه مؤيدو الحكومة السورية بأنه “مؤتمر لحشد الأقليات ضد الأكثرية والحكومة”.
وفي كلمته، دعا الهجري لأن يكون الاجتماع بداية لمسار جديد في “بناء الوطن”، وهو ما اعتُبر إشارة لعدم الاعتراف بدور الحكومة السورية، خاصة مع ظهوره وإلى جانبه راية الطائفة الدرزية من دون وجود العلم السوري.
وسبقت هذه التطورات خطوة لافتة تمثلت في إعلان المجلس العسكري والمرجعية الدينية في السويداء، في السابع من أغسطس/آب، تشكيل “اللجنة القانونية العليا” التي أسست بدورها مكتبا تنفيذيا لإدارة شؤون الخدمات، وجهازا للأمن الداخلي.
وفسر مراقبون هذه الخطوة بأنها محاولة لترسيخ استقلالية المحافظة عن دمشق، التي ردّت بإحالة القضاة المشاركين في اللجنة إلى التحقيق.
وقد دفعت تلك الخطوات التصعيدية باتجاه إعطاء الأزمة طابعا شعبيا ولم تعد محصورة بالحكومة، حيث لاقت رفضا واسعا في الأوساط السورية واعتبرت خطوة أولية باتجاه الانفصال خاصة مع إزالة العلم السوري من السويداء.
ومن جهة أخرى، فإن الهياكل التي أعلنت عنها اللجنة القانونية تضم شخصيات عملت في نظام الأسد، وعلى رأسهم العميد أجود نصر الذي تم تكليفه بمنصب مدير الأمن الداخلي، وشغل سابقا منصب رئيس فرع الأمن السياسي في عهد بشار الأسد.
تكريس التدخل الدولي في السويداء
تصدر حكمت الهجري الأصوات التي طالبت بتدويل ملف السويداء وتوفير الحماية الدولية، وهو موقف عبر عنه منذ وقت مبكر وقبل اندلاع المواجهات الدامية التي شهدتها السويداء منتصف يوليو/تموز الماضي بين قوات عشائرية وفصائل درزية محلية، وما تبعه من تدخل للقوات الحكومية.
الجديد في مسار الدعوة للتدويل تمثل في انضمام شيخَي العقل الآخرين، يوسف جربوع وحمود الحناوي، اللذين يتقاسمان المرجعية الدينية مع الهجري، إلى المطالبة بالتدخل الدولي.
فقد تضمنت بياناتهما الأخيرة دعوة لتشكيل لجنة تحقيق دولية للتقصي عن الانتهاكات التي شهدتها السويداء، إلى جانب مطالبة الدول الضامنة بالتدخل لضمان انسحاب القوات الحكومية من المحافظة، في إشارة إلى الأردن والولايات المتحدة، اللذين يرعيان مفاوضات مع إسرائيل لخفض التصعيد بينها وبين دمشق، ويبحثان مع الحكومة السورية مستقبل المحافظة.
ومنذ موجة التصعيد الأخيرة في السويداء، ترفض الجهة المسيطرة على المدينة المتمثلة بالمجلس العسكري وبعض المجموعات المحلية أي تعاون مع الحكومة السورية حتى في إدخال المساعدات الإنسانية، حيث وافقت هذه الجهات فقط على أن يتولى الهلال الأحمر السوري مرافقة قوافل المساعدات التي ترسلها الحكومة ومنظمات إنسانية، مع رفض دخول أي وفد وزاري إلى المدينة، كما نادت أصوات من السويداء يتقدمها الهجري بفتح معبر حدودي مع الأردن.
وقد فتح التصعيد العسكري والتوترات الأمنية الباب أمام تدخل إسرائيلي أوسع، حيث أرسلت تل أبيب عبر طائرات مروحية مساعدات إلى السويداء منذ منتصف يوليو/تموز الماضي، بالإضافة إلى نقلها جرحى إلى المشافي الإسرائيلية.
كما أكدت تقارير صدرت عن وسائل إعلام سورية أن المروحيات الإسرائيلية حملت أيضا أسلحة لمقاتلي المجلس العسكري في السويداء، الأمر الذي يكرس البعد الخارجي في الأزمة، ويعقد من جهود حلها داخليا.
وأكد موقع أكسيوس بعيد اللقاء، الذي احتضنه الأردن في 12 أغسطس/آب الجاري، أن واشنطن تتوسط لدى دمشق من أجل الموافقة على فتح معبر إنساني بين إسرائيل والسويداء، وتعارض دمشق هذه الخطوة تحسبا من استخدام الممر لتهريب السلاح، ويعكس هذا التطور حالة تدويل ملف السويداء.
عوامل مؤثرة في مستقبل الأزمة
يرتبط مستقبل أزمة السويداء بجملة من العوامل الإقليمية والمحلية، في مقدمتها:
الموقف الإسرائيلي، ومدى استعداد تل أبيب لدعم المجلس العسكري وبعض المجموعات المحلية.
وكان هذا العامل من أبرز أسباب تفاقم الأزمة، حيث زوّدت إسرائيل المجلس العسكري ببعض إمدادات السلاح قبيل المواجهات مع القوات الحكومية وبعدها، وتدخلت عسكريا عبر قصف القوات السورية التي دخلت المدينة منتصف يوليو/تموز الماضي، مما دفع الأطراف المحلية إلى مزيد من التشدد في مواقفها.
ورغم هذا الانخراط المباشر، لا تبدو إسرائيل معنية بالشكل الإداري أو القانوني الذي ستؤول إليه أوضاع السويداء بقدر ما تسعى إلى استثمار المكوّن الدرزي لضمان عدم وصول الجيش السوري إلى مناطق قريبة من الجولان المحتل.
وقد نقلت تقارير عبرية أن تل أبيب طالبت، خلال مفاوضات مع دمشق في باكو وباريس، بإبقاء الجنوب السوري منطقة منزوعة السلاح.
كما تكشف متابعة مراكز الأبحاث الإسرائيلية، ومنها معهد “ألما” الاستخباراتي، أن لدى تل أبيب هواجس من عقيدة الجيش السوري الجديد، خصوصا مع وجود قيادات ذات خلفيات جهادية ضمن صفوفه.
أما الموقف الأميركي، فسيحدد ما إذا كانت واشنطن ستضغط على تل أبيب لوقف تدخلها في السويداء.
وقد شهد 12 أغسطس/آب الجاري اجتماعا ثلاثيا في الأردن حول الجنوب السوري، انتهى بتشكيل مجموعة سورية أردنية أميركية لدعم جهود وقف إطلاق النار في السويداء، على أن تواصل اجتماعاتها لصياغة تصورات للحل.
ويندرج الموقف الأردني أيضا ضمن العوامل المؤثرة على مصير الأزمة.
وذلك، لما لدى عمّان من قدرة على لعب دور الوساطة بين الحكومة السورية والسويداء، فمن ناحية يمتلك الأردن علاقات جيدة مع الحكومة السورية، بالإضافة إلى اتصالات قديمة من قبل سنوات مع قيادات دينية ومجتمعية في السويداء.
ويبرز في هذا السياق مطلب فتح معبر مباشر بين الأردن والسويداء، حيث إن افتتاح المعبر سيسهم في تعزيز قدرات السويداء على الاستمرار في الاستقلالية عن دمشق وسيكون بطبيعة الحال مكسبا سياسيا مهما للجهات المسيطرة على السويداء في مواجهة الحكومة السورية.
ولا تتوفر حتى اللحظة مؤشرات على إمكانية موافقة عمان على هذا المطلب، في ظل تأكيدات على أنها تتعامل مع الجهات السيادية في سوريا.
أداء الحكومة السورية هو الآخر له انعكاسه على مصير أزمة السويداء.
فإظهار قدرتها على ضبط الأوضاع ومنع اندلاع موجات جديدة من التصعيد بين المكونات العشائرية والفصائل المحلية في السويداء، إضافة لقدرتها على تأمين الخدمات، ونجاحها في تعزيز التواصل مع الحراك السياسي والمجتمع الوطني سيساهم إلى حد كبير في تهدئة الأوساط الشعبية بالمحافظة، ويسحب ذرائع التدخل الخارجي وخاصة الإسرائيلي.
السيناريوهات المستقبلية المحتملة
في ظل الظروف والعوامل المحيطة والمؤثرة بأزمة السويداء، فيمكن القول إن مستقبل الأزمة سيسير وفق واحد من سيناريوهين:
السيناريو الأول
التوصل إلى حل قريب برعاية الوسطاء الدوليين، ويتضمن بقاء السويداء في إطار سوريا الموحدة، والعمل تدريجيا على إعادة الخدمات إلى المحافظة مع ربطها بالسلطة المركزية، على أن يتولى أبناء المحافظة إدارة شؤون هذه الخدمات، وخاصة من ناحية ضبط الأمن وعدم دخول عناصر من خارج المحافظة تجنبا لاحتكاكات جديدة، ليكون هذا الحل القريب من اللامركزية بمثابة بوابة لإعادة بناء الثقة مجددا.
ومما يعطي مؤشرات على إمكانية تحقق هذا السيناريو التأكيدات التي تضمنها البيان الثلاثي الأميركي الأردني السوري عقب لقاء عمان، والذي أكد على أن السويداء جزء من سوريا الموحدة، مع إشارات من المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك إلى التزام الحكومة السورية بزيادة تدفق المساعدات وتقديم الخدمات.
السيناريو الثاني
من المحتمل أن تتحول أزمة السويداء إلى مشكلة مزمنة مع بقاء الوضع على ما هو عليه من انتشار للقوات الحكومية في ريف المحافظة وبقاء المدينة تحت سيطرة المجلس العسكري، وضمان الحكومة السورية لمرور المساعدات لقطع الطريق على محاولات إسرائيل فتح ممرات مع السويداء بحجة تقديم المساعدات الإنسانية.
ومن العوامل التي تدفع باتجاه هذا السيناريو التدخل الخارجي وخاصة الإسرائيلي الذي يساهم دوما في عرقلة التفاهمات بين الحكومة السورية والفعاليات في المحافظة.
ومن الممكن أن تعول الحكومة السورية هي الأخرى على عامل الزمن وحصول تغيرات في الحكومة الإسرائيلية مما يؤدي لاحقا إلى فك التعقيدات، بدلا من تقديم تنازلات تتعلق بشكل الدولة ونظام الحكم فيها، أو توقيع اتفاقيات أمنية مجحفة مع إسرائيل.
المصدر: الجزيرة
———————————
العدالة الانتقالية في سورية من بوابة السويداء/ أحمد مظهر سعدو
14 اغسطس 2025
لعل عقدة السويداء (في جنوب سورية) التي لم تحل بعد، ولا يبدو أنها تمتلك (في المنظور القريب) بوادر جدّية عملانية لحلها، حيث ما زالت المسائل تتعقّد قضية إثر قضية، وتتلاطم الأمواج وتتوسّع، كما تتّسع الشقوق بشكل كبير، التي اقتربت (حسب بعض المتابعين) من أن تكون شاقولية، وصعبة الحل أو المراس أو البلسمة على الأقل بوجود جراح مفتوحة وغير مندملة.
ولكن أيضاً لا بد من السؤال: هل يمكن لمسار العدالة الانتقالية في سورية أن يتحرّك ويمضي بشكل حقيقي وجدّي، ضمن أنساقه المطلوبة من دون المرور والتوقف طويلا مع مشكلات السويداء التي باتت مستعصية، والتي تتصاعد يوميّاً من دون هوادة، وتتعقد أكثر وأكثر، ثم تلعب بها قوى خارجية، ليس آخرها إسرائيل، التي لا تريد بالضرورة لسورية إلا أن تكون دولة ضعيفة مهلهلة مفتّتة، قابلة للانقسام والتشظي، إنفاذًا للرؤيا الإسرائيلية التي تقول: لا يمكن لإسرائيل أن تستمر بالوجود والعيش إلا بالتساوق مع وجود محيط إقليمي عربي ضعيف قابل في كل لحظة للتشظي والانشقاق.
ما زال مسار العدالة الانتقالية الذي بدأ في سورية أخيراً على استحياء يعثر في الأكم وفي الوهد محتملاً المزيد من الأعباء والأثقال، التي تساهم في إعاقة تقدّمه أو مضيه في مساراته التي أضحت ضرورية جدّاً لإنجاز وحدة السوريين، ومحاسبة الجاني، وجبر الضرر الكبير جدّاً، الذي وقع فوق رؤوس البلاد والعباد في سورية منعاً لأية احتمالات جديدة للاحتراب البيني، وهي التي قد لا تغلق فيما لو فُتحت لا قدّر الله.
أما عن السويداء التي لم تعد مستريحة البال، كما كان سابقاً، على سفح جبل العرب الذي يحضنها بعطفٍ وحنان، فهي ما زالت محتاجة إلى الكثير جدّاً، وكذلك للاشتغال حثيثاً على مسألة إنفاذ كل مسارات العدالة الانتقالية، لأنها كانت وما زالت ولا يمكن إلا أن تكون المدخل الأكيد الضروري واللازم، للسلم الأهلي في سورية والمنشود من الجميع، عدا التدخّلات الإسرائيلية العدوانية، التي لا تريد لسورية استقراراً ولا خيراً بكل تأكيد.
لا يمكن أن يُنجز السلم الأهلي في السويداء وجبل العرب بدون عملية البدء في سياقات جدّية لانبثاقات الاشتغال في أتون مسألة العدالة الانتقالية في سورية، التي هي وحدها ومع وجود مساراتٍ حقيقيةٍ لحوار جدّي يوازيها ويتساوق معها، يمكنها بذلك أن تعبر بسلاسة وهدوء عنق الزجاجة، خروجاً نحو فضاءات أرحب لإنجاز مهام الدولة الوطنية السورية المبتغاة، وتعيد بالضرورة إنتاج الوطن السوري الواحد الموحّد، عالي الأسوار، توطئةً لصياغة الدستور الوطني الدائم للبلاد، وكذلك العقد الاجتماعي السوري، الذي يجمع ولا يفرّق ولا يستثني أحداً على المستوى الإثني أو الطائفي أو الأيديولوجي… ثم إقامة دولة المواطنة التي يحلم بها كل السوريين، بعد أن حرموا منها 54 عاماً خلت من حكم حافظ الأسد وابنه الوريث غير الشرعي بشّار الأسد، قبل أن يفرّ إلى موسكو.
ارتكاباتٌ كثيرة تتكشف وتتمظهر إلى السطح، قضية إثر أخرى في السويداء، وهذه القضايا كانت وما زالت ويجب أن تكون في صلب اشتغال هيئة العدالة الانتقالية، وضمن مهامّها، ولعل العمل عليها سريعاً في جبل العرب والسويداء، بات أكثر ضرورة وحاجة، حيث ستساعد العدالة الانتقالية والبدء في مساراتها كذلك، على رأب الصدع وعودة السويداء إلى أهلها السوريين، فمحاسبة الجناة وجبر الضرر باتا ضرورتيْن ملحّتين كل الإلحاح، ولا خروج من ماهية الانقسام الذي حصل، من دون العودة ومن ثم الدخول في أتون عمل يومي حقيقي وقانوني وعادل، يبلسم الجراح، ويحاسب كل المرتكبين، من كل الأطراف، بلا مهادنة، ولا تسويفات، إذ لا بدّ من أن يُعاقَب كل من ارتكب فعلاً يُحاسِب عليه القانون، لابد من أن يعاقب قانونيّاً من دون رحمة وضمن سياقات القانون السوري الوضعي.
تحتاج السويداء الآن جميع السوريين من كل ألوان الطيف السياسي، والأيديولوجي، لمنع كل التحرّكات والأدوات التي تفعل يوميّاً وبشكل دؤوب لجرّها إلى مآلاتٍ لا يريدونها، وارتماءات في أحضان إسرائيل، العدو الرئيسي للأمة وللوطن، كما لا يريدها أهل السويداء الوطنيون العروبيون، وهم أغلبية مطلقة في جبل العرب، حيث لا يشكّل هؤلاء الذين يستقوون بالإسرائيلي إلا قلة قليلة لا تعبّر، ويجب ألا تعبّر، عن جموع السوريين في السويداء وخارجها.
نعود إلى القول إن الدفع الجدي بمسار العدالة الانتقالية، ومن ثم المضي به مباشرة في السويداء خاصة، وبعدها في كل أصقاع الجغرافيا السورية، بات ضرورة ملحّة ومهمّة أيما إلحاح، ولوجاً بمسألة السلم الأهلي المبتغى. وبغير ذلك، حسب رؤية الكاتب، قد يكون الاستقرار السوري برمته، ليس فقط في السويداء، صعباً وخطراً، لأن من السهل العمل عليها خارجيّاً من إسرائيل وسواها، إن لم يسارع السوريون إلى كبح جماحها وعرقلتها كليّاً عبر الإصرار المباشر على المضي في مسار العدالة الانتقالية في السويداء وخارجها. وهذا عمل سياسي وطني مطلوب من الحكومة السورية الحالية التي عليها حقّاً الاشتغال عليه ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً. وبشكل سريع، قبل أن تكون هناك انزياحات كبرى قد تؤدّي إلى تفتّت الوضع السوري وتشظّيه. فهل من مستمع لذلك ضمن الفاعلين الأساسيين من أهل الحكم في دمشق؟ كما أن الأمل ما زال قائماً والتعويل عليه ممكناً، في مقبل الأيام، من أجل سورية ديمقراطية تعدّدية، تعمل على إقامة دولة المواطنة المطلوبة شعبيًاً.
العربي الجديد
——————————-
“اجتماع عمّان”… عين الأردن على دور أميركي رادع لإسرائيل في سوريا/ محمد الرنتيسي
“الأردن أبدى مخاوفه من المواقف والإجراءات الإسرائيلية بشأن محافظة السويداء”.
يواصل الأردن مساعيه الرامية إلى دعم جهود خلق حالة من الاستقرار في سوريا، في الوقت الذي يطمح فيه إلى لعب دور محوري في إعادة إعمارها، وهو ما تجلى في الاجتماع الثلاثي الذي عقد في عمّان أمس الثلاثاء، والذي ضم وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي ونظيره السوري أسعد الشيباني والمبعوث الأميركي توم برّاك.
وبحسب ما ذكر لـ”النهار” مصدر مطلع، فإن “الأردن أبدى مخاوفه من المواقف والإجراءات الإسرائيلية بشأن محافظة السويداء، ويخشى من مفاجآت أمنية أو عسكرية إسرائيلية بهذا الخصوص، من شأنها أن تقوض جهود خلق الاستقرار هناك، خصوصاً ما يتعلق بمحاولة التقسيم وإشاعة الفوضى أو احتلال مناطق سورية”.
ويؤكد المصدر الذي طلب عدم نشر اسمه أن “الأردن وسوريا طلبا من برّاك أن “تتعامل الولايات المتحدة مع إسرائيل بشكل أكثر جدية وحزم”، وشددتا على أن “الدور الإسرائيلي بشأن السويداء تحديداً من شأنه أن يخلط الأوراق ويعيد سوريا إلى مربع الانفلات ويمنح القوة للتطرف”.
وبشأن ملف إعادة الإعمار، يقول إن “الأردن يخشى أن يخسر فرصة ذهبية لصالح دول إقليمية أخرى تنافسه في الملف، ويريد أن يكثف حراكه خشية اختطاف دوره”.
خطورة في المشروع الإسرائيلي
إلى ذلك، يقول وزير الإعلام الأردني الأسبق سميح المعايطة لـ”النهار” إن الاجتماع الثلاثي يمثل إحدى المحاولات الأردنية الرامية لمساعدة الدولة السورية على مواجهة أزماتها وتحدياتها الداخلية”.
ويضيف أن “الدولة السورية اليوم تواجه أزمات وتحديات داخلية، إضافة إلى محاولات نشر فكر الانقسام والتقسيم لسوريا. وهذا ما يرفضه الأردن بشكل قاطع، فالدولة الأردنية هي بطبيعتها دولة موحدة وضد أي شكل من أشكال التقسيم، وكذلك الدولة السورية ترفض التقسيم بأي صيغة كانت”.
ويتابع المعايطة: “هناك خطورة في المشروع الإسرائيلي، إذ يحاول الإسرائيليون تقديم أنفسهم كوكلاء ومدافعين عن أهل السويداء، بينما في الواقع هناك تحرك إسرائيلي داخلي ومحاولة لفتح الأبواب أمام مشروع تقسيم، والسعي لدخول الإسرائيليين عسكرياً إلى مناطق في سوريا تحت عنوان ما يُعرف بمشروع ممر داود، وهو يمتد من مناطق الحدود السورية مع إسرائيل إلى السويداء، ثم إلى الحدود مع الأكراد، وصولاً إلى الحدود السورية – العراقية، ما يشكل تهديداً استراتيجياً لجنوب وشرق سوريا وعلى حدودنا الشمالية”.
ويشير إلى أن “هذا أمر خطير يفتح الأبواب لأفكار ومشاريع تقسيم، إضافة إلى أن الأردن في هذا الملف يسعى لمنع أي دخول إسرائيلي إلى الأراضي السورية، إذ يعتبر أن هذا الدخول يشكل مصدر قلق كبير، لأنه سيكون على تماس مباشر مع حدودنا الشمالية والشرقية مع سوريا، شرقاً وجنوباً”، مضيفا أن “الدور الأميركي اليوم يردع الإسرائيليين عن محاولات الدخول العسكري، مقابل مفاوضات سورية – إسرائيلية، وهو ما لمسناه من خلال جولات جرت في الفترات الماضية، في حين يسعى الأردن دائماً للإبقاء على هذا الدعم الأميركي في سوريا، لضمان استمرار الردع الأميركي لإسرائيل”.
لذلك، يقول المعايطة: “كان الأمر مقلقاً ومزعجاً للأردن، ولهذا لاحظنا الشهر الماضي تحركاً عسكرياً أردنياً مكثفاً على الحدود، في رسالة واضحة حول جدية وخطورة الأمر، وبعد ذلك جاء الجهد الأردني بالتعاون مع الأميركيين والأتراك للوصول إلى مشروع وقف إطلاق النار في السويداء. أما الاجتماع الثلاثي فيُعد محاولة أردنية لاستكمال وقف إطلاق النار وفتح أبواب حل الإشكالات التاريخية بين السويداء والدولة السورية”.
ماذا عن إعادة الإعمار؟
يرى رئيس جمعية سيدات ورجال الأعمال الأردنيين المغتربين فادي المجالي، فإن “الأردن أمام فرصة لا تعوض في ظل تحديات هيكلية يواجهها الاقتصاد الأردني تتطلب روافع جديدة للنمو. وهنا تبرز سوريا ما بعد الحرب كمساحة واعدة لتفعيل قطاعاتنا الإنتاجية والخدمية، وفتح أسواق جديدة للصادرات الأردنية، خصوصاً في مجالات المواد الإنشائية، الأدوية، المعدات، والخدمات الهندسية”.
ويضيف المجالي لـ”النهار” أن “الأردن حافظ طيلة السنوات الماضية على موقف متوازن من الأزمة السورية، ونجح في بناء جسور سياسية مع جميع الأطراف وهذا الموقع الوسط يجب أن يتحول اليوم إلى موقع قيادة اقتصادية عبر دعم دخول الشركات الأردنية إلى مشروعات الإعمار، وتمثيل الأردن في المؤتمرات الدولية ذات الصلة كمساهم وشريك، لا كمراقب، وتعزيز التكامل مع الشركاء السوريين في قطاعات المقاولات، الكهرباء، الاتصالات، والطاقة المتجددة”.
ويستذكر “أخطاء الماضي في تجربة إعادة إعمار العراق التي انطلقت بشعارات كبيرة ومؤتمرات إعلامية صاخبة، ولم تُحقق المأمول بسبب غياب التخطيط، وترك الملف بيد المجاملات البروتوكولية”، مشدداً على “ضرورة التعلم من تلك الأخطاء”.
وحتى لا تكرر تلك الأخطاء من وجهة نظر المجالي، فإنه “يجب أن تقوم مشاركة الأردن على أسس استراتيجية واضحة، تبدأ من تحديد الأولويات والقطاعات المطلوبة في السوق السورية، مثل البنية التحتية والمياه، والإسكان والمدن الذكية، والصحة والتعليم، والخدمات اللوجستية والطاقة”.
النهار العربي
—————————–
جهود دولية وإقليمية لحل معضلات جنوبي سورية وشرقيها/ حسام رستم و جابر عمر
14 اغسطس 2025
يتسارع الحراك الإقليمي والدولي حول سورية بهدف معالجة ملفات شائكة عدة، أبرزها أزمة محافظة السويداء جنوبي البلاد، ومستقبل “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وهو ما ترجم بتكثيف اللقاءات في عواصم عدة بين مسؤولين سوريين وإقليميين ودوليين. ورغم تعدد اللقاءات، فإن هذا المشهد يكشف عن حجم الانخراط الخارجي على حساب الحوار السوري – السوري، باعتباره المسار الأقدر على صياغة حلول محلية متوافق عليها من أبناء البلاد أنفسهم، قادرة على الصمود وإرساء تشاركية سياسية ومصالحة وطنية حقيقية.
تشكيل مجموعة عمل
واستضافت العاصمة الأردنية عمّان، أول من أمس الثلاثاء، اجتماعاً أردنياً سورياً أميركياً، حضره وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي ونظيره السوري أسعد الشيباني والمبعوث الأميركي إلى سورية توم برّاك، وذلك لبحث الأوضاع في سورية و”سبل دعم عملية إعادة بنائها على الأسس التي تضمن أمنها واستقرارها وسيادتها ووحدتها وعدم التدخل في شؤونها، وتلبي طموحات شعبها وتحفظ حقوق كل السوريين”، بحسب بيان مشترك إثر الاجتماع، نشرته وزارة الخارجية السورية.
وأكّد المجتمعون في البيان على أن “محافظة السويداء بكل مجتمعاتها المحلية جزء أصيل من الجمهورية العربية السورية، محمية ومحفوظة حقوق أبنائها في مسيرة إعادة بناء سورية الجديدة نحو مستقبل منجز آمن لكل مواطني الدولة السورية، وبما يضمن تمثيلهم وإشراكهم في بناء مستقبل سورية”. وبحسب البيان، رحبت المملكة والولايات المتحدة بخطوات الحكومة السورية بما فيها: “إجراء التحقيقات الكاملة ومحاسبة كافة مرتكبي الجرائم والانتهاكات في محافظة السويداء، إضافة إلى استعدادها للتعاون مع هيئات الأمم المتحدة المعنية وإشراكها بمسار التحقيق بالجرائم والانتهاكات التي ارتكبت، زيادة دخول المساعدات الإنسانية لجميع المناطق في محافظة السويداء وتعزيز تدفقها، بما يشمل التعاون مع وكالات الأمم المتحدة المعنية، تكثيف عمل المؤسسات الخدمية لاستعادة الخدمات التي تعطلت جراء الأحداث في المحافظة، بدء عمليات إعادة تأهيل المناطق التي تضررت من الأحداث التي شهدتها المحافظة”. كما رحبت واشنطن وعمّان بـ”إسهامات المجتمع الدولي المستهدفة تلك الجهود، وإسناد الحكومة السورية في جهود عودة النازحين لمناطقهم”، إلى جانب “الشروع بمسار المصالحات المجتمعية في محافظة السويداء، وتعزيز السلم الأهلي”. واتفقت الأطراف الثلاثة على عقد اجتماع آخر في الأسابيع المقبلة، لاستكمال المداولات التي جرت، إضافة إلى الاستجابة لطلب الحكومة السورية تشكيل مجموعة عمل ثلاثية تستهدف إسنادها في جهودها لتثبيت وقف إطلاق النار في محافظة السويداء وإنهاء الأزمة فيها.
وتلا هذا الاجتماع بيوم، زيارة لم يعلن عنها سابقاً، أجراها وزيرا الخارجية أسعد الشيباني والدفاع مرهف أبو قصرة، ورئيس جهاز الاستخبارات حسن سلامة، أمس الأربعاء، إلى العاصمة التركية أنقرة، لإجراء محادثات مع الجانب التركي، وذلك بعد أيام قليلة فقط من زيارة أجراها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى دمشق (يوم الخميس الماضي) اجتمع خلالها مع الرئيس السوري أحمد الشرع.
وتخلل الزيارة أمس توقيع وزارتي الدفاع في سورية وتركيا اتفاقية تعاون عسكري مشترك بين البلدين، تهدف إلى تعزيز قدرات الجيش السوري، وتطوير مؤسساته، وهيكليته، ودعم عملية إصلاح قطاع الأمن بشكل شامل، وفق ما ذكرت وكالة الأنباء السورية “سانا” أمس.
وقال الشيباني، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع فيدان: “نواجه اليوم تحديات جديدة لا تقل خطورة عن تلك التي واجهناها خلال سنوات الحرب، وفي مقدمتها التهديدات الإسرائيلية المتكررة التي تمثل انتهاكاً واضحاً للسيادة السورية من خلال غارات تستهدف البنية التحتية وتعرض أمن المواطنين للخطر، رغم إطلاقنا لمحادثات تهدف إلى حفظ الأمن والاستقرار في المنطقة”. وتابع: “كما نواجه تدخلات خارجية متعددة بعضها مباشر وبعضها غير مباشر، تسعى إلى إضعاف الدولة السورية وإلى خلق وقائع تقسيم هشّة، في محاولة لدفع البلاد نحو فتنة طائفية ومناطقية، لكن نعول على وعي شعبنا الذي كان وسيبقى واحداً مهما حاول البعض تفتيته أو تمزيق وحدته الوطنية”.
وقال الشيباني إن “السويداء مدينة سورية وحماية أهلها مسؤولية الدولة”، مبيناً أن ما حدث في السويداء “أمر مفتعل من قبل إسرائيل لبث الفتنة الطائفية”، داعياً إلى “دعم المسار التصالحي الذي يؤمن السلم المجتمعي ويحافظ على رمزية السويداء بعداً تاريخياً ووطنياً من تاريخ سورية”، مشدّداً على أن “الدولة السورية ملتزمة بمحاسبة جميع مرتكبي الانتهاكات التي حصلت في السويداء”.
من جهة أخرى، أكد الشيباني أن المؤتمر الذي حدث في الحسكة يوم الجمعة الماضي (عقدته مكونات من شمال وشرق البلاد ودعا إلى إنشاء دولة لا مركزية) لا يمثل الشعب السوري ولا يمثل الغالبية العظمى من النخب العشائرية والدينية ولا حتى النخب الكردية، حيث جاء محاولة يائسة لاستغلال ما يحدث في السويداء، كما أنه انتهاك للاتفاق الذي وقع في 10 مارس/آذار الماضي (بين الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي).
تقاطع حول ضرورة استقرار سورية
من جهته، أكد وزير الخارجية التركي أن “هناك مساعيَ إسرائيلية من أجل إضعاف سورية وخلق أجواء من الفوضى فيها وهذا مرفوض”، محذراً “قسد” من المماطلة بتنفيذ الاتفاقية مع دمشق. وصعّد وزير الخارجية التركي من نبرة الحديث عن التدخلات الخارجية في سورية، مؤكداً أن “هناك أطرافاً تسعى إلى افتعال الأزمات للحكم الجديد، ولكن يجب الجميع أن يدعم هذه المرحلة، كما يجب حماية حقوق الدروز والعلويين كما أن الأكراد يجب عدم إنكار هويتهم”. ورداً على سؤال حول تصرفات “قسد”، أجاب فيدان أن “هناك تصريحات عديدة نجد أنها متباينة مع بنود اتفاق مارس، ولديهم تصريحات تتحدث عن عدم التزامهم بها، ولا يهمهم ما يجري في تركيا من مرحلة خالية من الإرهاب (في إشارة إلى قرار حزب العمال الكردستاني التخلي عن سلاحه)”. وأضاف: “أقول لهم، هل يهمكم تحولكم إلى أداة لإسرائيل؟ يجب التخلي عن هذه الاستراتيجية. كيف ذلك؟ ستأتي دولة لتحميكم”.
وكان موقع أكسيوس، قد نقل أول من أمس، عن مسؤول أميركي ومسؤولين إسرائيليين، أن باريس ستستضيف، الأسبوع المقبل، اجتماعاً ثلاثياً يجمع برّاك ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر والشيباني، لبحث تطورات الأوضاع في السويداء. وقالت مصادر أكسيوس، إن “إدارة (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب تحاول الوساطة بين إسرائيل وسورية من أجل التوصل إلى اتفاق لإقامة ممر إنساني بين إسرائيل ومدينة السويداء، من أجل نقل مساعدات للمواطنين الدروز”. غير أن مصدراً حكومياً سورياً أبلغ تلفزيون “العربي” أن الأخبار المتداولة عن لقاء سوري إسرائيلي في باريس عارية عن الصحة.
ورأى الباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن الحراك الإقليمي والدولي النشط حالياً يهدف إلى احتواء الأزمة التي أحدثها التدخل الإسرائيلي في سورية بعد أحداث السويداء وترتيب الأوضاع في المحافظة بعد اتفاق وقف النار. وأضاف أن القوى الإقليمية وعلى رأسها السعودية وتركيا، والدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة، جادّون في دعم الاستقرار السياسي والأمني، وبالتالي الدخول من بوابة الاستثمارات والإنعاش الاقتصادي في سورية، ليس حبّاً بالحكومة السورية الجديدة، وفق تعبيره، وإنما لمصالح متقاطعة تحتاج إلى بيئة استقرار حقيقية في المنطقة. وأكد علوان أن استقرار سورية هو جزء من هذا المشهد. وأشار الباحث إلى أن اجتماعي عمّان وأنقرة وما سيلحقهما من اجتماعات، تهدف إلى إيجاد تنسيق عال جداً ما بين الحكومة السورية وضامني وقف إطلاق النار مع إسرائيل وهما الأردن وتركيا. وهذا التنسيق برأيه، سيساهم ليس في حل أزمة السويداء فقط، وإنما حلّ أزمة شمال شرقي سورية.
واللافت في التحركات السياسية الأخيرة في سورية هو زيارة وفد من “الإدارة الذاتية” لشمال شرقي سورية أول من أمس، دمشق، وعقد اجتماع مع الحكومة السورية، ضمّ رئيسة دائرة العلاقات الخارجية إلهام أحمد، التي عقدت اجتماعاً مع الشيباني، تلاه بيان صدر عن “الإدارة الذاتية” أكدت فيه استعدادها للمشاركة في تنفيذ القرار الأممي 2254، والمشاركة في تشكيل هيئة حكم انتقالي، مطالبة بوقف العمليات العسكرية وصياغة دستور توافقي جديد.
وتزامنت هذه الاجتماعات مع تصعيد عسكري على الأرض بين الجيش السوري و”قسد”، عقب مؤتمر الحسكة الذي أغضب الحكومة السورية. ويوم أول من أمس، اتهمت وزارة الدفاع السورية، مجموعتين تابعتين لـ”قسد” بالتسلّل إلى نقاط انتشار الجيش السوري شرق حلب (منطقة تل ماعز)، ما أسفر عن اندلاع اشتباكات بين الطرفين ومقتل جندي سوري، وهو ما نفته “قسد”.
ورأى الباحث السياسي، درويش خليفة، أن طبيعة المرحلة فرضت ضرورة تحرك إقليمي – دولي لمعالجة الأزمات التي عادت لتعصف ببنية المجتمع والدولة السورية، نتيجة الاضطرابات الأمنية التي خلّفت شروخاً مجتمعية بين بعض المكوّنات والسلطات السورية، عقب أحداث الساحل وجرمانا وصحنايا، ثم السويداء، التي دفعت بالأوضاع إلى طريق شبه مسدود بفعل التدخل الإسرائيلي وأقلمة ملف السويداء. وأضاف خليفة في حديث لـ”العربي الجديد” أن شرق البلاد يشهد بالتوازي توتراً مضبوطاً بموجب اتفاق 10 مارس برعاية أميركية ومتابعة فرنسية. واعتبر أنه انطلاقاً من هذا الواقع، جاءت التحركات الأخيرة للأردن والولايات المتحدة في محاولة لإيجاد حلول تعيد الأمور إلى نقطة الانطلاق، عبر طرح خيار “اللامركزية الإدارية” كأحد المخارج المحتملة لتجاوز الاضطرابات المتكررة.
ومع استعصاء الحل في السويداء وصعوبة إيجاد توافق أو تقارب بين الحكومة السورية والقوى الفاعلة في السويداء وأبرزها مجلس السويداء العسكري والرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز الشيخ حكمت الهجري، رأى الحقوقي السوري والناشط في مجال السلم الأهلي بالساحل، أمجد الغريب، أن فشل السلطة الحالية داخلياً، منذ بداية استلامها مهامها ومحاولة تمسكها بالحكم دون إشراك أحد وعدم أخذ الحوار الوطني على محمل الجد، هو ما أدى إلى الوصول إلى طريق مسدود وتدخل الدول الإقليمية والدولية في تفاصيل الملف السوري. ورأى في حديث لـ”العربي الجديد”، أن هناك ضغوطاً كبيرة تمارس حالياً على دمشق بعد أحداث السويداء للحصول على تنازلات منها ومصدرها، تحديداً، إسرائيل والولايات المتحدة، مضيفاً أن دمشق تواجه في الوقت ذاته ضغوطاً تركية لحل مسألة شمال شرقي سورية. واعتبر أنه “دون حلول توافقية وتغيير عقلية الحكومة والتوجه للداخل بدل الخارج، ستبقى حالة الاستعصاء السياسي مع غياب الثقة بين مكونات المجتمع السياسي، وسيبحث كل طرف عن حليف إقليمي أو دولي يدعمه، والحل ببساطة هو العودة للحوار السوري الحقيقي وعدم إقصاء أحد”.
———————-
مصدر رسمي: الأردن رفض مرور مساعدات إسرائيلية للسويداء عبر أراضيه/ حبيب أبو محفوظ
14/8/2025
عمان- أكد مصدر رسمي أردني رفيع المستوى للجزيرة نت أن “المملكة رفضت طلبا إسرائيليا للسماح بمرور مساعدات عبر أراضيها إلى محافظة السويداء جنوب سوريا”.
وشدد المصدر على أن “أي عمليات إغاثة يجب أن تتم بالتنسيق مع الحكومة السورية، ووفق القنوات المعتمدة دوليا”.
وجاء التصريح الأردني متوافقا مع ما كشفه موقع “أكسيوس” الأميركي، نقلا عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين، بشأن رفض عمّان الطلب الإسرائيلي قبل أيام، الأمر الذي دفع القوات الإسرائيلية إلى إسقاط تلك المساعدات جوا مباشرة في المنطقة المستهدفة.
سياق سياسي
يتزامن هذا الكشف مع انعقاد مؤتمر ثلاثي رفيع المستوى في العاصمة الأردنية عمّان، جمع وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك.
وأفضى المؤتمر إلى تشكيل مجموعة عمل ثلاثية سورية-أردنية-أميركية لدعم جهود تثبيت وقف إطلاق النار في السويداء ومعالجة أزمتها الراهنة، بناء على طلب رسمي من دمشق.
وأكد الاجتماع على الالتزام بأمن واستقرار ووحدة الأراضي السورية، في خطوة تعكس -وفق مراقبين- تزايد الزخم في التحركات السياسية الأردنية تجاه الملف السوري، لا سيما في الجنوب.
خلفية الأزمة
وتشهد محافظة السويداء منذ أسابيع توترات أمنية واشتباكات متقطعة، ترافقت مع أوضاع إنسانية صعبة في ظل محدودية الإمدادات الغذائية والطبية، وتخشى عمّان -بحسب مصادر سياسية- أن يؤدي أي إدخال للمساعدات خارج الإطار الرسمي إلى فتح الباب أمام ترتيبات سياسية أو عسكرية قد تعقد المشهد الميداني على حدودها الشمالية.
ويرى مراقبون أن عمّان تحاول تجنب أي خطوات قد تُفسر إقليميا أو سوريا بأنها انحياز لمحور سياسي على حساب آخر، مع حرصها على إبقاء الملف الإنساني ضمن إطار عمل منسق مع دمشق والمنظمات الدولية، بما يحمي أمنها الحدودي ويعزز دورها كوسيط إقليمي.
وبحسب مراقبين، فإن تل أبيب تسعى عبر المشروع لتحقيق عدة أهداف، أبرزها تحسين صورتها دوليا بعد الانتقادات الواسعة التي طالتها جراء حصار قطاع غزة، واتهام الحكومة السورية بمنع المساعدات عن الدروز، إضافة إلى توطيد نفوذها داخل سوريا عبر إنشاء قوى محلية موالية لها، والتحريض على مواجهات داخلية بين مكونات المجتمع السوري.
من جانبها، أكدت دمشق، عبر بيان مشترك مع عمّان في 12 آب/أغسطس، التزامها بزيادة دخول المساعدات الإنسانية إلى السويداء عبر قنوات الأمم المتحدة، وفتح ممرات آمنة لإيصال المواد الإغاثية واستعادة الخدمات الأساسية، مع السماح بحرية تنقل المدنيين دون تعرضهم للمضايقة أو الاعتقال.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن الحكومة السورية تتجه لرفض أي طلب إسرائيلي لإقامة ممر مباشر إلى السويداء، مع تمسكها بالتعاون مع وكالات الأمم المتحدة في تلبية الاحتياجات الإنسانية.
——————————–
======================
13 آب 2025
——————————–
بيان مجلس الأمن حول السويداء.. مصطلحات خطرة ولغة غير إيجابية/ أنيس المهنا
الأربعاء 2025/08/13
في ممرات مستشفى السويداء الوطني، حيث التقطت كاميرات المراقبة مشهداً يُجسِّد مأساة سوريا المستمرة فصولها – رجل أعزل يسقط تحت رصاص مسلحين بالزي العسكري بين جثث تنتظر الدفن وأسراب من النازحين المتسللين عبر الجبال – تبدأ حكاية فصل دموي جديد.
منذ الثاني عشر من تموز/يوليو 2025، تحولت المحافظة الدرزية إلى ساحة حرب ثلاثية تدور رحاها بين قبائل بدوية وفصائل درزية مسلحة وبين قوات الأمن العام السوري، مخلفةً وراءها أكثر من ألف و600 قتيل ونزوحاً جماعياً لـ192 ألف مدني، وفق ما رصده المرصد السوري لحقوق الإنسان.
وفي نيويورك، على بعد تسعة آلاف كيلومتر من السويداء، اجتمع مجلس الأمن الدولي في العاشر من آب/أغسطس الجاري، ليصدر بياناً رئاسياً يدين العنف، لكنه يعترف ضمناً بأن السلام في السويداء أبعد منالاً من قاعات الأمم المتحدة. هنا يقدم المفكر السوري برهان غليون تشخيصاً جوهرياً يقلب البوصلة نحو الداخل: “لا أعتقد بوجود تغيير جوهري في الموقف الدولي أو الإقليمي تجاه سوريا الآن. المشكلة والحل معاً في الداخل”، مؤكداً في حديثه لـ”المدن”، تنامي أزمة ثقة خانقة نتيجة المجازر الأخيرة، والتي أثارت خوفاً مزدوجاً: خوف المؤيدين للنظام عليه، وخوف المعارضين له منه. ويطالب غليون الحكم بـ”إظهار شفافية أكبر، والإسراع في إصدار قانون للأحزاب يفتح أفق المستقبل أمام المعارضين والخائفين”.
بيان بلا أدوات..
صدر البيان الرئاسي لمجلس الأمن بإجماع أعضائه الخمسة عشر، مُديناً “أعمال القتل الجماعي” في السويداء، داعياً لوقف إطلاق النار وضمان وصول المساعدات الإنسانية. لكن هذا الإجماع الشكلي أخفى تناقضاً صارخاً. ففي حين رحب المجلس ببيان الحكومة السورية المؤقتة حول تشكيل “لجنة تحقيق”، تنصل إعلام الحكومة المؤقتة من النقاط الجوهرية في البيان الدولي، وأبرزها ضرورة الانتقال السياسي وفق القرار 2254. كما تجنب الإدانة الدولية بطبيعة العنف الطائفي الذي حوّل أحداث السويداء إلى حرب أهلية مصغرة، على غرار ما شهدته مناطق الساحل قبل أشهر.
وفي تعليقه على البيان، أشار السياسي السوري أيمن عبد النور، إلى خطورة المصطلحات المستخدمة، موضحاً أن تعبير “السلطة المؤقتة” يعني اختزالها لمجرد “جزء من مكونات المجتمع” في حوارات الأمم المتحدة، وليس الطرف السوري الفاعل كدولة.
ودعا عبد النور حكام دمشق إلى “حوار وطني شامل وإعلان دستوري ينهي الصراعات، مع تطبيق ذاتي للقرار 2254 قبل فرضه خارجياً”، محذراً من أن تدويل أزمة السويداء – وهي المرة الأولى التي تُحل فيها مشكلة داخلية سورية بأطراف غير سورية – يمثل “بداية إعلان فشل صريح” قد يمتد لملفات أخرى.
من جهته، اعترف المحلل السياسي بسام السليمان المقرب من دمشق، بأن البيان الرئاسي لم يكن إيجابياً، لكنه أشار إلى أن هذا البيان يأتي في سياق طبيعي جداً، وهو ليس ملزما بطبيعة الحال، لكن في واقع الحال سيكون هذا البيان تعزيزا لوجود الأمم المتحدة ودورها وهذا يمكن اعتباره أمراً جيداً على أن “لا يتناقض مع سيادة الدولة السورية”.
هي رسالة واضحة، يختم السليمان، بأن هناك مشاكل في معالجة الأمور و”دعوة للحوار مع كافة مكونات الشعب السوري”.
حدود من دم.. وحوار في الفراغ
تحت رماد السويداء، يُطرح السؤال المصيري: هل تُرسم حدود سوريا الجديدة بالرصاص؟ فبينما يرى الزعيم اللبناني الدرزي وليد جنبلاط، أن “مساطر خفية ترسم حدوداً جديدة في سوريا والعراق”، يرى الدكتور رضوان زيادة أن البيان الرئاسي الصادر مؤخراً، رغم عدم إمكانية الاعتداد به كمرجع قانوني ملزم في ملف السويداء، إلا أن خطورته تكمن في كونه أول بيان رئاسي يصدر منذ سقوط نظام الأسد عملياً.
ويُحذّر زيادة في حديثه لـ”المدن”، من أن هذا البيان يُشكِّل إعادةً لتدويل الأزمة السورية، كما يُذكّر بمتطلبات العملية السياسية وقرار الأمم المتحدة رقم 2254. ويُعدّ البيان – وفق تحليل زيادة – إعلاناً واضحاً برفض الخطوات التي اتخذتها الحكومة السورية الحالية (الانتقالية)”.
من جهته، يحلل المحامي أدوار حشوة في حديثه لـ”المدن”، البيان الدولي بحدّة، مركزاً على ثلاث نقاط. يرى حشوة في مصطلح “السلطة المؤقتة” إنكاراً ضمنياً لشرعية النظام واستقراره. كذلك، يصف الدعوة لتشكيل “هيئة حكم انتقالي” بـ”السباحة في الفراغ”، لأنها تتجاهل انتصار الثورة السورية. أيضا هاجم حشوة دور المبعوث الدولي غير بيدرسون واصفاً إياه بـ”التخريبي”، وداعياً إلى إحالته للتقاعد.
يردد بيان مجلس الأمن كالمعتاد شعار “الحل السياسي بقيادة سورية”، لكنه يتغافل عن تحول السوريين إلى رهائن في قبضة ثلاثية قاتلة: تدخلات إقليمية تزعزع الاستقرار، وإرهاب يتجدد تحت رماد الحرب، وانقسامات مجتمعية أعمق من أي وقت مضى. وعندما تعلن المتحدثة باسم الخارجية الأميركية تامي بروس، أن “السلام بين سوريا وإسرائيل ضروري”، تذكرنا بأن اللعبة الكبرى تُلعب بعيداً عن دمشق.
المدن
——————————-
سوريا..ملعب كل الأطراف إلا الشرع و”مصفوفته”: ماذا عن “ثلاثية الأردن”؟/ تسفي برئيل
مر ثمانية أشهر منذ أسقطت قوات أحمد الشرع نظام بشار الأسد وما تزال سوريا تستصعب الوقوف على أرجلها. في الواقع، يجلس في دمشق زعيم له حكومة، وأموال عديدة بدأت تتدفق إلى خزينة الدولة – خصوصاً من السعودية وقطر وتركيا – وفي آذار، صيغ دستور مؤقت، والرئيس زار دولاً عديدة، ورفعت الولايات المتحدة معظم العقوبات الاقتصادية، وألغى ترامب الجائزة التي وضعت لرأس الشرع حين كانت تعتبره إرهابياً كبيراً، وحتى إن إطاراً أولياً لجيش وطني بدأ بالتبلور.
ولكنه نظام لا يسيطر إلا على 60 إلى 70% من أراضي الدولة، وعشرات المليشيات المسلحة لم تنضم بعد إلى الجيش، وحدود الدولة تنتظر الترسيم النهائي والمتفق عليه، وقوات أجنبية “تتواجد” في الدولة سواء باعتبارها محتلة مثل تركيا وإسرائيل، أو كـ “ضيوف” مثل قوات الولايات المتحدة وروسيا. ثلاث أقليات كبيرة، الأكراد والدروز والعلويون، يهددون بتمزيق الدولة إلى كنتونات من الحكم الذاتي. علاوة على ذلك، يتعين على النظام محاربة عصابات ومليشيات مثل وحدات لداعش، التي زادت نشاطاتها في الآونة الأخيرة.
النتيجة، أن سوريا تشبه اليوم مخزناً لقطع غيار والتي قد تشكل منها دولة، ولكنها فقدت دليل تركيب الأجزاء وهي في الطريق. المشكلة أنه لا يوجد حتى الآن بديل قيادي للشرع، أما مؤيدوه، زعماء الدول العربية والغربية فعليهم مواصلة تعزيز مبنى السقالات التي يستند إليها حكمه ويأملون في استكماله لهذه المهمة.
الجهد الأساسي الآن مكرس لمعالجة قوات الطرد المركزي التي تعمل داخل الدولة. بعد المذبحة في آذار التي وقعت في أبناء الأقلية العلوية والتي قتل فيها 1500-1700 شخص، وفق التقديرات، يبدو أن النظام نجح في تهدئة محافظة اللاذقية، والتي يتركز فيها معظم العلويين والجهات التي تعتبر “بقايا نظام الأسد”. لكن اندلعت لاحقاً أحداث السويداء، وكانت تأثيراتها أوسع من الإطار الجغرافي الذي وقعت فيه. وقف النار، الذي دخل حيز التنفيذ بعد المواجهات القاتلة – والتي قتل فيها أيضاً حوالي 1500 شخص، حسب مركز متابعة حقوق الإنسان في سوريا والذي مقره لندن – لم ينجح في وقف القتال تمامًا.
السويداء تخضع لحصار مشدد، وحسب ما يقول الدروز فإن النظام هو الذي يفرضه، في حين أن النظام نفسه يدعي بأن قوات محلية بالتحديد، عصابات وقبائل، هي التي تمنع انتقال قوافل المساعدة. حسب تقديرات الأمم المتحدة، فإن حوالي 200 ألف شخص هربوا من السويداء إلى مدن مجاورة مثل درعا أو إلى باقي بلدات مجاورة أو حتى إلى دمشق. نشطاء منظمات إغاثة محلية ودولية يقولون إنه في الطرق التي تقود من دمشق إلى السويداء، ثمة قوات محلية تسيطر على الحواجز. أحياناً، يسمحون بمرور بضائع وأحياناً يمنعونها، حسب ما يرونه مناسباً. المافيات لا تعمل، والوقود يدخل بالقطارة، والبنى التحتية للماء والكهرباء مدمرة، ورفوف المستشفيات والعيادات فارغة من الأدوية، والمدينة تقف على شفا إفلاس.
حسب اتفاق وقف إطلاق النار، فإن قوات النظام هي التي ستضمن مرور البضائع والأمن في المحاور الرئيسية. في حين أن قوات مسلحة درزية، برعاية نظرية للنظام، هي المسؤولة عن أمن المدينة داخل المدينة نفسها. بيد أنه حتى داخل المنظومة الدرزية، السياسية والعسكرية والدينية، ثمة انقسامات عميقة. هذه الانقسامات لم تسمح بإجراء مفاوضات، وناهيك عن التوصل إلى اتفاق حول خطة عمل يتفق عليها الجميع.
حتى الأسبوع الماضي، بدا أن النظام يمكنه الاستناد إلى دعم اثنين من زعماء الطائفة الروحيين الثلاثة، وهما الشيخ يوسف الجربوع والشيخ حمود الحناوي، اللذان عبرا عن خط مؤيد لوحدة سوريا وإجراء مفاوضات مع النظام حول مكانة وحقوق الدروز. هذا مقابل موقف الشيخ حكمت الهجري، الذي طلب مساعدة قوات دولية، ومن بينها إسرائيل (على الرغم من أنه اعتبرها عدواً من قبل)، ويرى في نظام الشرع عدواً يتطلع إلى تدمير الطائفة. بيد أنه في نهاية الأسبوع، بدا وكأن الزعيمين الآخرين انضما إلى موقف الهجري، وصرح الحناوي بشدة غير مسبوقة ضد القبائل البدوية، واعتبرها من نتائج النظام – والذي مس بثقة الدروز وغرس في ظهرهم سكيناً، و”يلوح بسيف على رقبة الأبرياء”.
نقطة الانعطاف كما يبدو تطورت عقب اجتماع عقد الجمعة الماضي في مدينة الحسكة شمال شرق سوريا، والتي تسيطر عليها القوات الكردية. هذا اللقاء نظمه الحكم الذاتي الكردي، وشارك فيه حوالي 400 مندوب للطوائف الدرزية، والكردية، والعلويين، والمسيحيين، وخطب فيه الشيخ الهجري. وطالب المشاركون بوضع تعديلات في الدستور المؤقت بصورة تضمن فيها حياة الأقليات وحقوقهم. ولكن هدف اللقاء الأساسي كما جاء في البيان الإجمالي، هو المطالبة بتأسيس نظام “لا مركزي” في الدولة – وهو مفهوم معناه إقامة حكم ذاتي قانوني طائفي، وليس واضحاً تماماً كيف ستخضع هذه الحكومات الذاتية للنظام في دمشق.
يرى النظام هذا اللقاء بمثابة غرس سكين في ظهر الاتفاق، مع الأكراد بالتحديد، عندما خطط الأطراف لإجراء جولة أخرى من المحادثات هذا الأسبوع في باريس برعاية فرنسا والولايات المتحدة. رداً على ذلك، ألغى النظام نيته المشاركة في المحادثات، وفعلياً هذه المحادثات عالقة ومجمدة، ومثلها المفاوضات التي كانت تجري حول مكانة الأقلية الكردية في الدولة. في غضون ذلك، انتشرت تقارير، لم تؤكد، حول استعدادات لجيش سوريا لمواجهة مع القوات الكردية.
بدلاً من هذا اللقاء، من المتوقع اليوم عقد قمة ثلاثية في الأردن بمشاركة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، والمبعوث الخاص الأمريكي توم باركر، ووزير خارجية الأردن أيمن الصفدي؛ لمناقشة “الطرق والوسائل لإعادة إعمار سوريا”. يجب أن لا نحبس الأنفاس قبيل هذا اللقاء، الذي لم يخصص لاختراع حلول لقضية الأكراد أو الدروز، ولكن التعاون بين الدروز والأكراد يوسع ساحة النزاع بين النظام والأقليات المسلحة الرئيسية، ويعزز إلحاحية الحسم بشأن تعريف الدولة في سوريا. أي: هل ستكون دولة موحدة مثلما تتطلع الولايات المتحدة وتركيا، أم مقسمة – وهذه نية وطموح الذي يتهم بها النظام إسرائيل.
في الواقع، الولايات المتحدة تمارس ضغطاً مكثفاً على الأكراد للتوصل إلى اتفاق مع النظام، وحتى الآن بدون نتائج باهرة؛ ولا تملك تركيا أدوات ضغط على الدروز. وبخصوص الأكراد، هي تحاول استغلال عملية المصالحة التي بدأت مع حزب العمال الكردي (PKK) لإقناع الأكراد الموجودين في سوريا أيضاً بإلقاء سلاحهم والانضمام للجيش السوري. ومثل الولايات المتحدة أيضاً، وجدت أنقرة نفسها في طريق مسدود. إسرائيل تعتبر العامل الذي بإمكانه التأثير على الدروز، ومن أجل ذلك حاول الشرع تجنيد روسيا لإقناعها السماح للدروز وتشجعهم على دعم النظام. وحتى إن هذا الموضوع طرح في محادثة بوتين مع نتنياهو في نهاية الشهر الماضي. في هذه المحادثة، أكد الرئيس الروسي بلغة شبه تهديدية على الحاجة “للمحافظة على وحدة سوريا”، ضد دعم إسرائيل للأقلية الدرزية.
إسرائيل سمعت، ولكنها لم تتأثر. في الوقت نفسه، روسيا نفسها توطد علاقاتها مع القوات الكردية في شمال سوريا، ونقلت معدات وطائرات من قاعدتها في حميميم إلى مطار مدينة القامشلي في الإقليم الكردي. إلى جانب ذلك، رسخت منظومة علاقاتها الوطيدة مع قيادة الأقلية العلوية في محافظة اللاذقية. إذا بدا أن موسكو أبعدت من منظومة اتخاذ القرارات في سوريا بعد إسقاط نظام الأسد، فإن لقاء وزير الخارجية السوري مع بوتين ومع وزير خارجية روسيا لافروف في الشهر الماضي، وللمرة الأولى منذ سقوط نظام الأسد، يبقى دليلاً على أن روسيا عادت لتسير نحو مسار التأثير في دمشق – وهذه المرة بأدوات نفوذها وعلاقاتها مع الأكراد والعلويين. وكل هذا في الوقت الذي تستضيف فيه روسيا بشار الأسد وعائلته، وآلاف الضباط السوريين اللذين هربوا إليها بعد الانقلاب.
تبدو النتيجة في هذا الوقت، أن الشرع يجد نفسه سجيناً داخل مصفوفة ضغوط وتأثيرات تحدد حدود ساحة التنافس الدولي في سوريا، مما يضيق عليه هامش المناورة. هذه ساحة لعب ميسرة لجميع المشاركين في المنافسة باستثناء الحكومة السورية نفسها ومواطنيها.
هآرتس
القدس العربي
—————————
لقاء الشيباني وفيدان بأنقرة: تحديات تدخلات إسرائيل في سورية ومعالجة ملف قسد/ محمد أمين و عبد الله البشير و جابر عمر
13 اغسطس 2025
قال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، اليوم الأربعاء، إن بلاده تواجه تحديات في مقدمتها تدخلات إسرائيل واعتداءاتها التي تهدد استقرار سورية والمنطقة برمتها، إضافة إلى تحديات خارجية تسعى لفرض واقع تقسيم البلاد وإثارة الفوضى فيها، مؤكداً أن إسرائيل افتعلت الأزمة في السويداء لبث الفتنة وأن “الدروز جزء أصيل من الشعب السوري”.
وقال الشيباني خلال مؤتمر صحافي مع نظيره التركي هاكان فيدان في أنقرة، “نواجه اليوم تحديات جديدة لا تقل عن تلك التي واجهناها في سنوات الحرب، وفي مقدمة هذه التحديات تأتي التهديدات الإسرائيلية المتكررة والتي تمثل انتهاكاً واضحاً للسيادة السورية من خلال غارات تستهدف البنية التحتية ومواقع مدنية وعسكرية، وتعرض أمن المواطنين للخطر”. وأضاف “على الرغم من إطلاقنا لمحادثات تهدف إلى حفظ الأمن والاستقرار في المنطقة جميعاً، نواجه تدخلات خارجية متعددة بعضها مباشر وبعضها غير مباشر، تسعى إلى إضعاف الدولة السورية وخلق وقائع تقسيم هشة، وهذه التدخلات تحاول دفع البلاد نحو فتنة طائفية ومناطقية إلا أننا نعول على وعي شعبنا الذي كان وسيبقى واحداً مهما حاول البعض تفتيته او تمزيق وحدته الوطنية”.
وتابع “نحن في سورية الجديدة نمد يدنا لكل شراكة تحترم أمن ووحدة وسلامة أراضي سورية، ونؤمن أن استقرار سورية هو استقرار للمنطقة جمعاء، ونحذر من دعم الفوضى، وندعو إلى ضرورة تكاتف الدول الصديقة والحليفة إلى جانب سورية”. ورداً على سؤال حول مجريات اجتماع عمّان أمس بين سورية والأردن والولايات المتحدة، أجاب الشيباني “كان الحديث حول عدة قضايا ومنها السويداء، وما يحدث للسويداء هو ما يحدث في مدينة سورية، أهلها هم أهلنا وحماية جميع السكان فيها هي من مسؤولية الدولة سواء كانوا من الدروز أو البدو أو المسيحيين”. وأكمل “ما حدث في السويداء هو أمر مفتعل من قبل إسرائيل لبث الفتنة الطائفية في تلك المنطقة، ولكن نحن على تواصل مباشر مع النخب المجتمعية ومشايخ العقل، وكذلك ندعو إلى دعم مسار تصالحي يؤمن السلم المجتمعي وأيضاً يحافظ على رمزية الشهداء كبعد تاريخي ووطني من تاريخ سورية”.
في حين أشار إلى أن مؤتمر الحسكة لا يمثل الشعب السوري ولا نخبه وهو محاولة يائسة لاستغلال ما حصل في السويداء، وأوضح أن “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) نقضت الاتفاق الذي وقع مع الحكومة في مارس/ آذار الماضي. من جانبه، قال فيدان إن علاقات سورية مع دول المنطقة بما فيها تركيا حققت قفزات نوعية خلال الأشهر الماضية، مؤكداً “العمل مع سورية لوضع حلول للمشاكل التي تواجهها في هذه المرحلة بهدف القضاء على المؤامرات وتذليل العراقيل وتطوير جميع المجالات وفي مقدمتها الاقتصاد لخلق أجواء مناسبة لعودة اللاجئين”.
وفيها جدد تأكيد دعم بلاده استقلال سورية وسيادتها والحفاظ على وحدة أراضيها، عبّر فيدان عن تفاؤله بإيجاد حلول جذرية لجميع المشكلات التي تواجهها شرط عدم التدخل في شؤونها الداخلية و”خاصة من قبل الذين يريدون نشر الفوضى”. وقال فيدان “هناك مساع إسرائيلية من أجل إضعاف سورية وخلق أجواء من الفوضى”، معبراً عن رفض بلاده لذلك. وقال فيدان “إسرائيل هي أحد أكبر الأطراف الفاعلة في الصورة المظلمة التي كشفت عنها أحداث السويداء”. وأكد ضرورة عدم “التسامح مع أي خطوات لمنع استقرار الشعب السوري (..) هناك صعوبات بالطبع ولكن ما دام أنه لا يوجد تدخل خارجي يساهم التعاون الإقليمي والدولي في مداواة جراح سورية”.
وزير الخارجية التركي صعّد من نبرة الانتقادات للتدخلات في سورية، قائلاً “هناك أطراف تسعى لافتعال الأزمات للحكم الجديد، ونتيجة هذه التدخلات كانت هناك بعض المشكلات لعدم الاستقرار، لكن إخوتنا يرغبون في تشكيل سورية موحدة تشمل الجميع”، وفي هذا السياق، دعا إلى حماية حقوق الدروز والعلويين. وأردف “يجب أن تكون سورية حافظة لجميع المكونات للعيش في وحدة تامة (..) يجب تحديد الأولويات وأهمها تأمين حياة الناس وعدم وجود مشكلات أمنية ووحدة البلاد وسيادتها وإنعاش المؤسسات السياسية وإعادة بناء المؤسسات الأمنية، وهناك خطوات فعلية وهناك تحسينات، ولكن نحن في البداية والدول في المنطقة والعالم ترى ذلك”. واستطرد قائلاً “هناك حاجة إلى مرحلة من دون تدخل وتهديدات أمنية، ويجب مساعدة سورية”.
ورداً على سؤال حول تصرفات قسد أجاب فيدان “هناك تصريحات عديدة من قسد ولو قارنا بين التصريحات الأخيرة والاتفاقية وبنودها في 10 مارس نجد أنها متباينة وبعضها مخالف لبعض، ولديهم تصريحات بعدم التزامهم بها ولا يهمهم ما يجري في تركيا من مرحلة خالية من الإرهاب”. وأضاف “نرى تطورات خطيرة هناك، إذ لا يزال عناصر من تركيا وإيران وأوروبا في قسد بسورية. قسد لا يقوم بأي تحركات تزيل خطر السلاح، رغم التطورات مع الحكومة والتطورات في تركيا يحاولون إطالة عمر التنظيم ومراقبة التطورات واستغلالها، نحن نرى ونراقب ذلك”.
واستدرك “دمشق وأنقرة لديها نوايا إيجابية بأن تكون الحقوق محفوظة للجميع ولكن مقاربة أن يكون عبر الحفاظ على السلاح والحفظ على المجموعات التي تهدد تركيا واستدعاء إسرائيل للدعم، هي سياسة غير جيدة”. وشدد على “وجودة مرحلة جديدة وروح جديدة في المنطقة (..) في تركيا لسنا سذجاً لكي لا نرى ألاعيب قسد، ولكن تركيا دولة كبيرة تعمل وفق قواعد وقوانين”. وختم محذراً “لكن عدم الاستجابة لمطالب تركيا الأمنية لا يستدعي بقاء تركيا هادئة والرئيس (رجب طيب) أردوغان قال ذلك عدة مرات لدينا رؤية نحو السلام ولكن لن نكون الطرف المخدوع. أدعو قسد إلى أن يدخلوا في حوار مع دمشق وعمل كل ما يلزم لبناء سورية وأن يخرجوا المجموعات التي تشكل تهديداً لتركيا والمنطقة”.
وكان الشيباني قد وصل اليوم الأربعاء إلى العاصمة التركية أنقرة. ويضم الوفد وزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة ورئيس جهاز الاستخبارات حسين سلامة. وجاءت هذه الخطوة بعد يوم واحد من اجتماع ثلاثي في العاصمة الأردنية عمّان ضمّ الشيباني ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي والمبعوث الأميركي إلى سورية توماس برّاك للتباحث حول ملف محافظة السويداء جنوبي سورية، والتي كانت شهدت الشهر الفائت اشتباكات واسعة قبيل التوصل إلى اتفاق.
ومن المتوقع أن يضع الوفد السوري الذي يضم أيضاً إلى جانب الشيباني وأبو قصرة، رئيس جهاز الاستخبارات حسين سلامة، الجانب التركي بصورة المباحثات التي جرت في العاصمة الأردنية ومتابعة التباحث بين الجانبين حول ملف “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) التي تسيطر على الشمال الشرقي من سورية. وأكد الشيباني في سلسلة تدوينات على منصة إكس، أمس الثلاثاء، التزام الحكومة السورية بـ”محاسبة كل من ارتكب الانتهاكات من أي طرف كان، لأن المساءلة هي الطريق الأمثل نحو دولة القانون والعدالة”، في إشارة إلى ما جرى في السويداء. كما أكد استعداد الحكومة الدائم لـ”استمرار إرسال المساعدات لأهلنا في السويداء، ودعم المبادرات التي تهدف إلى إعادة الخدمات، وتعزيز المصالحة، وردم الفجوة مع الدولة”. وأضاف “أهلنا الدروز جزء أصيل من سورية، ولهم مكانتهم التاريخية والوطنية، ونرفض بشكل قاطع أي محاولة لوضعهم في معادلة الإقصاء أو التهميش تحت أي ذريعة أو ظرف”.
وتأتي زيارة الوفد السوري في ظل حراك لدفع عجلة التفاوض ما بين الحكومة السورية و”قسد” لتطبيق اتفاق وقّع في مارس/ آذار الفائت نص على إدماج قواتها في الجيش السوري الجديد. وفي هذا السياق، ذكرت مصادر مطلعة لـ”العربي الجديد”، أنّ وفداً من هذه القوات و”الإدارة الذاتية” التابعة زار خلال اليومين الأخيرين دمشق، في إطار استمرار التفاوض بين الجانبين وللتحضير لجولة تفاوض رسمية جديدة كان من المقرر عقدها خلال الشهر الجاري في باريس، إلا أن الحكومة أعلنت أنها لن تشارك فيها احتجاجاً على عقد مؤتمر في الحسكة اعتبرته دمشق ضربة لجهود المفاوضات الجارية. وقالت في بيان إنها لن تتفاوض مع أي طرف يسعى لإعادة النظام البائد تحت أي غطاء أو مسمى.
إلى ذلك، نقل التلفزيون “العربي” عن مصدر حكومي قوله، إن الأخبار المتداولة عن لقاء سوري إسرائيلي في باريس عارية عن الصحة. وكان موقع “أكسيوس” الأميركي قد ذكر أنّ وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون دِرمر من المتوقع أن يجتمع اليوم الأربعاء في باريس مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني والمبعوث الأميركي إلى سورية توماس براك، قبل أن ينشر مراسله باراك رافيد على عبر صفحته على “إكس” تحديثاً يشير فيه إلى أن اللقاء تأجل إلى الأسبوع المُقبل، لأسباب تتعلق بالحاجة إلى مزيد من الوقت لإنهاء التحضيرات.
وفي الخصوص أوضح الباحث السياسي أنس الخطيب لـ”العربي الجديد”، أن “الحديث عن لقاء سوري إسرائيلي في فرنسا ثم الحديث عن تأجيل اللقاء بالتزامن مع زيارة الوفد السوري رفيع المستوى إلى تركيا، يأتي في إطار عملية الشد والجذب بين أنقرة وباريس في التدخل بملفات قسد والسويداء، وقد يكون نقل إسرائيل مساعداتها جواً إلى السويداء الليلة الفائتة بعد رفض الأردن عبور تلك المساعدات من أراضيها، عاملاً مهماً في امتناع الجانب السوري عن اللقاء مع الإسرائيليين في باريس”، وفق قوله.
وأوضح الخطيب الذي يعمل في مركز أبحاث عسكري متخصص في مراقبة المنطقة الجنوبية أنه رصد غطاء من الطيران الحربي الإسرائيلي لعملية إدخال المساعدات، لافتاً إلى أن “جيش الاحتلال الإسرائيلي يعمد كل بضعة أيام إلى إسقاط مساعدات من الجو في محافظة السويداء”، مضيفاً أن “هناك مؤشرات على أن عمليات الإسقاط تضمنت أيضاً أسلحة ومعدات عسكرية، لكن لم يتم التأكد من ذلك حتى الآن”. ورأى أن ملف “قسد” هو الملف الأبرز في إطار العلاقات السورية التركية، وهو محور اهتمام واضح من الجانب التركي.
وتابع الخطيب “يبدو أن التحديات التي تواجهها الحكومة السورية الجديدة تفوق ما كانت تتوقع أو ما كانت تخطط لمواجهته، لا سيما بعد فشل احتواء ملف السويداء وتراكم ملفات أخرى إضافي، فالحكومة توجهت لانفتاح واسع خارجياً، ومن الواضح أنها واجهت ضعفاً في الملفات الداخلية”. وأضاف “تركيا دولة ذات ثقل إقليمي وعضو في حلف الناتو، ولديها توجه واضح لحسم ملف قوات سوريا الديمقراطية على حدودها الجنوبية، وتضغط أيضاً في الجنوب السوري لإنهاء حالة الاستعصاء الحاصلة هناك”. وأشار الخطيب إلى أن المطلوب في الوقت الراهن من الحكومة “التراجع خطوات للوراء في الملفات الداخلية وآلية التعاطي معها لا سيما مشكلة السويداء، من جانب آخر يتطلب منها التعامل مع ملف قسد كما الحذر من كون مشروعها بشكله الحالي تهديداً واضحاً لوحدة الأراضي السورية”، وفق قوله.
العربي الجديد
—————————-
“اقتصاد المخدرات” يؤجج التوتر جنوب سوريا/ كارولين روز
المشهد في محافظتي درعا والسويداء بعد أشهر من سقوط الأسد
آخر تحديث 12 أغسطس 2025
شكل جنوب سوريا، الذي يُعد ملتقى لطرق التجارة والهجرة، معبرا استراتيجيا ومركزا حيويا لتهريب السلع غير المشروعة، بما في ذلك الأسلحة والسجائر والوقود والمواد الغذائية والآثار. وقد تحولت محافظتا درعا والسويداء في السنوات الأخيرة إلى مركزين رئيسين لتهريب المخدرات، مثل الميثامفيتامين الكريستالي والكبتاغون، خصوصا بعدما بات الأردن معبرا رئيسا لهذه المنشطات الشبيهة بالأمفيتامين.
وتوقع البعض أن يؤدي سقوط الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 إلى انهيار شبه كامل لتجارة المخدرات في سوريا، نظرا لاحتكار النظام السابق إنتاج هذه المواد والإتجار بها. غير أن ما حدث كان عكس ذلك، إذ تطورت هذه التجارة في سوريا ما بعد الأسد، حيث تتنافس فلول النظام وجهات خارجية متحالفة على ملء الفراغ الذي خلفته الفرقة المدرعة الرابعة التابعة للنظام السابق.
وفيما تسعى الإدارة الجديدة لإعادة بناء البلاد، برزت بؤر توتر عديدة في الجنوب، وتحديدا في درعا والسويداء. وعلى الرغم من توصيف الكثير من الحوادث العنيفة هناك بأنها صراعات طائفية، فإن عامل التنافس على السيطرة على طرق التهريب غير المشروع يلعب دورا محوريا في تأجيجها.
الدور التاريخي للجنوب كمركز للتهريب عبر الحدود
أسهم الموقع الجغرافي للجنوب السوري في جعله ممرا طبيعيا للتهريب. فالمنطقة، التي يحدها الأردن من الجنوب ولبنان من الغرب، تضم صحراء شاسعة وتضاريس جبلية ومعابر حدودية تخضع لرقابة ضعيفة. وقد أدت الفوضى الناتجة عن الحرب إلى تفتت سيطرة الدولة، مما سمح للمهربين والجماعات المسلحة والميليشيات المحلية بترسيخ وجودهم في الاقتصادات غير المشروعة.
وتؤدي الظروف الجوية في الحدود الجنوبية السورية مع لبنان والأردن والعراق دورا ملائما بشكل خاص لأنشطة التهريب. فالأجواء الصحراوية المغبرة ودرجات الحرارة المرتفعة في الصيف تُصعب مهام الرصد التي تنفذها قوات أمن الحدود، بينما تُقيد الثلوج والأمطار المختلطة بالثلج خلال الشتاء قدرة عناصر الحدود على اكتشاف عمليات التهريب واعتراضها. وهذا ما دفع الدول المجاورة إلى السعي للحصول على تمويل خارجي وتدريب إضافي لفرق مراقبة الحدود، أو- في بعض الأحيان- إلى استمالة جهات محلية فاعلة من ميليشيات وقبائل وعائلات نافذة لتولي مهام المراقبة في ظل غياب القوات الرسمية.
وعلى الرغم من أن الجنوب السوري كان تاريخيا نقطة نشطة للتهريب، فإنه لم يشهد تصاعدا كبيرا في الحوادث العنيفة المرتبطة به إلا مؤخرا. فمنذ عام 2021، اتخذت عمليات التهريب المنطلقة من جنوب سوريا طابعا مسلحا وعنيفا على نحو متزايد. ولم تقتصر تقارير الدول المجاورة على زيادة في كميات المصادرات، بل شملت أيضا تصاعدا في الاشتباكات مع المهربين، الذين كثيرا ما كانوا مجهزين بأسلحة متطورة وتقنيات مثل الطائرات المسيرة والبالونات الموجهة بنظام تحديد المواقع، بل وحتى قوافل مدرعة محمية بمسلحين.
برز هذا النمط بوضوح في عهد بشار الأسد، عندما تحركت الفرقة المدرعة الرابعة و”حزب الله” والميليشيات المرتبطة بإيران جنوبا لاستقطاب العصابات الإجرامية المحلية والعائلات النافذة المنخرطة في التهريب، وتسليحها ودعمها عبر الحدود. وقد أشارت الأدلة إلى قيام النظام بإنشاء مصانع صغيرة في الجنوب داخل مقار الميليشيات، كما في حالة مداهمة مقر ميليشيا راجي فلحوط، حيث اكتُشف مصنع صغير لإنتاج الكبتاغون. كما حاول النظام أحيانا اللعب على كلا الجانبين، متغاضيا عن أنشطة التهريب مقابل ضمان ولاء بعض العشائر، بينما تسامح مع الميليشيات الدرزية طالما لم تتحدَ دمشق بشكل مباشر.
ومع سقوط النظام، استمرت الحوادث العنيفة بين جماعات التهريب المتنافسة. بعضها فر إلى خارج البلاد وبعضها بقي يسعى إلى ملء الفراغ الأمني والاستفادة من ارتفاع أسعار المخدرات في ظل الطلب المستقر.
المنافسة بعد النظام
على مدى أجيال، أدارت الميليشيات المحلية والشبكات القبلية، وخصوصا في السويداء ودرعا، طرق التهريب وسهلت نقل البضائع غير المشروعة، بدءا من المواد الغذائية والأدوية وصولا إلى المخدرات والوقود والحيوانات البرية والآثار. وقد عملت هذه الجهات أحيانا بشكل مستقل، وأحيانا أخرى بالتعاون مع شبكات إقليمية أكبر أو مع عصابات مرتبطة بالدولة مثل شبكة الكبتاغون التابعة لنظام الأسد.
وتشير التقارير إلى أن عناصر من الجيش السوري وأجهزة الأمن كانت متورطة مباشرة، أو على الأقل متواطئة وتغض الطرف مقابل مكاسب مالية. فقد تورطت وحدات من الفرقة الرابعة المدرعة، بقيادة شقيق الرئيس السابق ماهر الأسد، وأجهزة المخابرات التابعة للنظام بشكل متكرر في أنشطة التهريب، وسعت إلى استقطاب العائلات والقبائل المحلية لتيسير نقل المخدرات خارج البلاد. كما سهل حلفاء النظام، وعلى رأسهم “حزب الله” والجماعات المرتبطة بإيران، هذه الأنشطة، لا سيما عندما تداخلت مع طرقهم الاستراتيجية بين لبنان وسوريا.
وبعد سقوط النظام وانهيار الروابط مع الشبكات الموالية لإيران، تصاعدت التوترات بين ثلاث قوى محلية رئيسة منخرطة في المشهد غير المشروع في سوريا: الميليشيات الدرزية المحلية، والجماعات القبلية البدوية، والشبكات المرتبطة بالنظام السابق وحلفائه.
وقد تجلت هذه التوترات داخل الأراضي السورية، وخصوصا في الجنوب. ففي محافظة السويداء، يتمتع الشيخ حكمت الهجري، الزعيم الروحي الأبرز للطائفة الدرزية، بنفوذ واسع من خلال شبكة غير رسمية من الفصائل المسلحة المحلية التي تخضع لإشراف “مجلس السويداء العسكري” التابع له. وتُعرف هذه الميليشيات باسم “قوات الدفاع المحلية”، وقد اضطلعت تدريجيا بدور أجهزة الأمن غير الرسمية في ظل غياب فعلي لسلطة الدولة.
وخلال عهد الأسد، اشتبكت هذه الجماعات مع شبكات التهريب في محاولة لحماية الحكم الذاتي الطائفي ومنع تسلل تجار المخدرات المدعومين من الدولة. ومع ذلك، تورط الكثير من عناصر هذه الميليشيات في تهريب المخدرات. ففي مارس/آذار 2025 قُتل أحد المقاتلين الدروز، المعروف باسم الشويعر، في بلدة صلخد خلال عملية تهريب مفترضة، وقد ارتبط اسمه بشبكة الكبتاغون التابعة للنظام.
وفي العام نفسه، أفادت التقارير أن تجار ماشية دروزا تعاونوا مع بدو البلعاس، المقيمين في مزرعة ريفية بجنوب سوريا، في تهريب المخدرات والأسلحة. كما بقيت عائلة مزهر، المتحالفة مع النظام والناشطة في شبكات التهريب، فاعلة بعد سقوط الأسد، مستمرة في التنافس مع ميليشيا “شيخ الكرامة” ذات النفوذ، والتي سبق أن اختطفت عدة مهربين خلال فترة حكم النظام السابق، من أبرزهم راجي فلحوط. إلا أن تقارير عدة أفادت بانخراط هذه الميليشيا أيضا في أنشطة تهريب، حيث تسعى إلى فرض سيطرتها على الطرق الحيوية لنقل المخدرات.
وفي المقابل، تورطت بعض القبائل البدوية في ريف السويداء الجنوبي والشرقي، خصوصا تلك القريبة من مناطق البادية في اللجاة والحدود السورية-الأردنية، في عمليات تهريب المخدرات عبر الطرق القبلية الممتدة بين درعا والأردن. ورغم أن هذه الأنشطة لا تشمل جميع الجماعات البدوية، فقد استغلت شبكات التهريب البنية التحتية اللوجستية التقليدية، من وسائل النقل المحلية إلى المعرفة الدقيقة بالطرق والتضاريس، بالإضافة إلى شبكات الثقة القبلية. كما ساهم التهميش التاريخي للبدو في جعلهم هدفا سهلا للتجنيد ضمن هذه العمليات المربحة.
واستفاد الكثير من الجماعات البدوية من الروابط العائلية الممتدة خارج سوريا، لا سيما إلى الأردن، ما مكنها من فرض سيطرتها على الكثير من المسارات الحيوية بين الجنوب السوري والأراضي الأردنية. وإلى جانب العشائر والشبكات النشطة مثل جماعة البلعاس، برزت عائلة الرمثان كلاعب محوري في تهريب المخدرات، حيث تعرضت لضربات متكررة نفذتها الدول المجاورة، وعلى رأسها الأردن، بهدف استهداف مواقعها ونقاط تجمعها. وقد قُتل مرعي الرمثان، أحد أبرز أفراد العشيرة، في غارة جوية أردنية في مايو/أيار 2023، إلى جانب أفراد من عائلته في مجمع اشتُبه في استخدامه كنقطة انطلاق للتهريب. ويُعتقد أنه، بمساعدة قريبه الشيخ محمد عوض الرمثان، جند مئات المهربين من البدو في جنوب سوريا.
وتصاعدت التوترات بين الميليشيات الدرزية وجماعات التهريب المرتبطة بالبدو، لتتحول في بعض الأحيان إلى صراع مفتوح، لا سيما عندما يلجأ المهربون إلى العنف أو يستهدفون المدنيين. وشهدت السويداء تصاعدا في عمليات الخطف والكمائن على الطرق والغارات الانتقامية، في مؤشرات واضحة على تعمق الفراغ الأمني وتفكك البنية المجتمعية. وفي 11 يوليو/تموز 2025، أشعلت عملية سطو على طريق دمشق–السويداء السريع صراعا مسلحا على خلفية التنافس على الطرق، سرعان ما تطور إلى عنف طائفي واسع بين الدروز والبدو والمجتمعات السنية.
ويعد تهريب المخدرات في جنوب سوريا نتاجا قاتما للحرب، والفساد، والإهمال الدولي. ومع استمرار تحول اقتصاد الحرب وتجاوزه نموذج “دولة المخدرات” الذي رسخه نظام الأسد، تتفاقم تداعياته العميقة على سوريا وجيرانها. ولا يمكن احتواء هذه المعضلة عبر ضبط الحدود وحده، بل يتطلب الأمر إرادة سياسية راسخة، وتنسيقا إقليميا فعالا، واستراتيجية طويلة الأمد لإعادة بناء منظومة الحكم، وخلق فرص اقتصادية، وترسيخ سيادة القانون في الجنوب السوري.
وفي مائدة مستديرة استضافها مؤخرا معهد “نيو لاينز” بالتعاون مع “المنتدى السوري” ومنظمة “ميدغلوبال” في دمشق، أقر مسؤولون من وزارة الداخلية في الإدارة الجديدة بأن جنوب سوريا يشكل إحدى الجبهات الأخيرة في المعركة ضد تجارة المخدرات غير المشروعة، وعلى رأسها الكبتاغون. غير أن استمرار التوترات الطائفية، ومخاطر اندلاع اشتباكات عنيفة، يجعل هذه المنطقة في الوقت الراهن خارج نطاق قدرة وزارة الداخلية وإدارة مكافحة المخدرات على التدخل الميداني الفعال، ما يعيق إحراز أي تقدم جوهري في مواجهة شبكات الجريمة المحلية.
وقد خلف تصاعد نشاط التهريب أثرا مدمرا على المجتمعات المحلية. ففي السويداء، أدى انتشار المخدرات، وتغلغل الشبكات الإجرامية، وتكرار الاشتباكات المسلحة، إلى موجة غضب واسعة، ترجمت إلى احتجاجات نظمها مدنيون، ولا سيما الموالون للقيادة الدينية الدرزية، مطالبين بحوكمة محلية أكثر فاعلية. وفي درعا، حيث لا تزال مقاومة السيطرة الحكومية قائمة، يعاني الاقتصاد من الانهيار، وتتفاقم البطالة بين الشباب، ما جعل تجارة المخدرات، على الرغم من مخاطرها البالغة، مصدر الدخل الوحيد لكثيرين. وفي المقابل، كثيرا ما تؤدي عمليات مكافحة التهريب التي تنفذها القوات الأردنية أو الجماعات المنافسة إلى تبادل لإطلاق النار عبر الحدود أو إلى أعمال عنف انتقامية.
وعلى الإدارة الجديدة وشركائها الدوليين أن يدركوا الدور المحوري الذي يلعبه الفاعلون غير الشرعيين- وفي مقدمتهم مهربو المخدرات- في بعض من أكبر الحوادث العنيفة التي شهدتها سوريا بعد سقوط الأسد. ويتعين عليهم العمل على تحديد المحركات الأساسية للجريمة في مناطق مثل السويداء ودرعا، بما في ذلك غياب مصادر الدخل، والبطالة، وانعدام الأمن الغذائي، مع تنفيذ تدخلات موجهة للمجتمعات الدرزية والبدوية المتضررة من هذه الظاهرة. إن معالجة الجذور العميقة لهذه الأنشطة غير المشروعة يمكن أن تسهم في تخفيف التوترات والتنافسات المحلية التي قد تشعل شرارة عنف طائفي واسع النطاق، وتضع أساسا متينا لسلام مجتمعي مستدام في جنوب سوريا.
المجلة
——————————
لماذا تتحشد الأقليات القوية وليس الضعيفة.. عقدة الخوف أم نزعة القوة؟/ أحمد الشمام
2025.08.13
لا يقصد بمفهوم “القوة” هنا البعد الحضاري أو الثقافي أو الاجتماعي، بل القوة بمعناها المباشر: امتلاك ذراع عسكرية أو قدرة على التعبئة الجماعية، انطلاقًا من اصطفاف ما دون الدولة، بما يمنح جماعة ما موقعًا فاعلًا في معادلة السلطة، و رُب قائل إن التحشيد غير ممكن لمن لا يملك سلاحا؛ ويدحض هذا القول أن السويداء نفسها لم تكن جزءا من هذه الجماعات لولا الفعل الحديث والمشتغل عليه؛ لتغيير دورها من قبل قوى خارجية وجدت فواعل محلية قابلة للاستثمار، لنجد أن التحشيد والتسلح ديناميكيتان تتبادلان الدور في الأسباب والنتائج.
سادت في الآونة الأخيرة مفردة التحشيد الطائفي التي يتم تداولها وكأنها نوع من التحريض؛ غير أن التحريض يعد جزءا أو خطوة تؤسس لما بعدها وهو التحشيد؛ الذي ينتج سواد حالة الحشد Crowd؛ والمفهوم الأخير مقارب لمفهوم آخر هو القطيع Herd وفقا لعلم النفس الاجتماعي، حيث تغيب المحاكمات والقرارات الخاصة بكل فرد ضمن جماعة ما – موجودة أو متخيلة- لصالح حركة وموجة الحشد / القطيع. ويميز علم الاجتماع الحشد عن القطيع من حيث طبيعة التشكّل ودرجة الوعي الفردي، فـالحشد هو تجمع بشري عفوي لا تراتبية فيه يتكوّن حول هدف ما، بفعل تعاطف متبادل بين أفراده مع هامش نسبي للاستقلالية في الرأي والسلوك. أما القطيع، فهو حالة من السلوك الجمعي القائم على الانقياد غير النقدي والاتباع الأعمى لحركة الجماعة ورموزها، بشعور غريزي يؤججه الخوف، ما يجعلها بيئة خصبة للاستغلال والتحكم، وتختلف طبيعته بين أبناء مدينة لها وجهاؤها وأعيانها؛ تخشى من الفيضان أو من هجوم معاد، وبين جماعة إثنية أو دينية تمتلك في ذاكرتها الجمعية سردية تاريخية بعيدا عن دقة تلك السردية والمظلومية.
في السياق السوري ورغم اشتغال الأسد على عقدة خوف الجميع من الجميع؛ لا يمكن القول بوجود حالة تحشيد أو خوف حقيقي بين المكونات، لذا فإن مفهوم التحشيد لتحقيق مجتمع القطيع بتعريفه العلمي؛ لا يشمل الأقليات الدينية أو العرقية السورية، وليس سمة لها عموما. أدى سقوط النظام لتظافر شركائه من أفراد وميليشيات مرتبطة لحماية نفسها، أو تأمين حصة من الحكم والنفوذ عبر تحشيد احترفته ضمن الجماعات التي تنتمي لها، لذا فإن الحديث عن التحشيد يتركز حول مناقشته كآلية تحترفها رموز وقوى ضمن الجماعة ولا يعني وصم الجماعة برمتها؛ ويؤدي تحليله وقياسه لاستكناه قدرته على تشكيل وزن اعتباري عبر نزوع يقود الجماعة، أو يورطها لاحتكار تمثيلها وقيادتها، وفرض سلطة التكريس، وتعويم الاتباع والانقياد؛ تحقيقا لمطامح ونفوذ تحت مسمى مصلحة الجماعة.
تلجأ الأقليات إلى مفهوم التحشيد بوصفه أداة سياسية واجتماعية تمنحها وزنًا يتجاوز حجمها العددي، فيُستخدم لإظهار القوة الرمزية وتعزيز الموقف التفاوضي مع السلطة أو الأطراف الأخرى، وهو إذ يحمل الهوية الثقافية للجماعة ويطرحها كهوية موازية ذات هدف سياسي يدفعها باتجاه دور خارج أطر الدولة؛ ما يفضي إلى تكريس التفارق والتمايز، وتعميق الانقسامات المجتمعية، وإعاقة بناء مشروع وطني جامع. يجب على السلطة لتحقيق كيان الدولة وضمان استقرارها؛ إنهاء شتى آليات التفارق بين الجماعة المحلية والجماعة الوطنية- الشعب- سواء عبر الحوار والبرامج المدنية كما حصل في تركيا في ملف الأكراد عموما، أو كما يجب في المراحل المفصلية عبر إجراءات تقييدية أو أمنية تهدف إلى تفكيك شبكات التعبئة، ومنع تحوّلها إلى قوة ضاغطة على القرار المركزي، وفي كلتا الحالتين، يتحدد شرط استيعاب التحشيد أو تفكيكه بألا يتبع الأخير نهج العنف أو التخابر مع قوى خارج الدولة.
تتجلى إشكالية التحشيد في مثالين بارزين: الجزيرة السورية الخاضعة لقوة أمر واقع كردية لا تمثل الكرد؛ حيث توفر القوة العسكرية التي ولدت نزوعا للسلطة دافعا يبرر استمرار التعبئة والتحشيد، وفي السويداء ذات الأغلبية الدرزية، تحقيقا لنزعة قوة تسعى للنفوذ والاستحواذ تحتذي بسابقتها؛ لنجد أن الحقيقة ليست عقدة خوف بل نزعة قوة وتمرد، ودليل ذلك أنه إذا كان الخوف هو المحرك الأساس، فلماذا يتركز في مناطق الأقليات التي تمتلك قوة عسكرية، أو طاقة تحشيد بينما لم يظهر لدى أقليات مشابهة كالإسماعيليين والمسيحيين، الذين يفتقرون لهذه المقومات العسكرية، ويحتاجون – منطقياً – إلى تحشيد أكبر لمواجهة الخوف المتخيل، ومع ذلك لم يلجؤوا إليه؟
لا يمكن نكران ظاهرة التحشيد في السويداء؛ التي أربكت مثقفين كثر وجعلتهم متضامنين تيمنا بعقدة الخوف، أو استجابة للغة الحشد وانفعاليته، وتأثرا بحالة التجييش والعنف و العنف المقابل، قوبلت بموقف عام يطالبهم باتخاذ موقف أكثر جرأة ضد الهجرية السياسية ما ولد انكماشا أو شعورا بالتنحية، ترافق بإدانة للهجري وتعميمات خاطئة ضد الدروز من العامة، فولد شعورًا بالغبن دفعهم إلى تحيز مبرر إنسانيًا واجتماعيًا، لكنه منحرف سياسيًا. هذا الشعور لم يُقابل بقيود كبيرة على التعبير في قنوات مثل تلفزيون سوريا أو الإخبارية السورية، بخلاف ما واجهته الأكثرية، التي تتعالى على العصبية وتفتقر لمقومات البنية وتتسم بالتعدد وتنوع الواقف وتناقضها كذلك، فماذا لو قسنا ذلك على ما عانته الأكثرية من إقصاء وتدجين وجلد؟ فقد عانت الأكثرية التحييد الإعلامي والسياسي في عهد النظام، ثم في إعلام الثورة، نتيجة وصمها بالإسلام السياسي أو حواضن لتنظيم داعش، ما ولّد لديها جرحًا نرجسيًا مركبًا، شعور بالظلم من التحييد، وإحساس بمحاولة إفشال دورها التاريخي كأكثرية يفترض أن تتحمل مسؤولية “الأب” أو “الأمة” كما صاغه ياسين الحافظ، لكنها حُرمت من ممارسة هذا الدور، وعوملت كندّ لا كأخ، بما يجردها من شعور التكليف ومسؤوليته التاريخية كأكثرية وحامل للتغيير وفقًا للمفهوم الماركسي.
وردا على الفعل السياسي الأقلوي الذي يستثمر في العصبيات تحضر مقولة مصطفى حجازي: “العصبيات يمكنها بناء سلطات، ولكنها لا تبني وطنا يتجاوزها ،ذلك أن مفهومها للمجال الحيوي لا يعدو عن كونه مناطق نفوذ وصراعا عليه، ما يفتح حالات متنوعة في شدتها من فقدان المناعة الوطنية، ويصل فقدان المناعة أقصاه عندما تبحث هذه العصبيات عن حلفاء أو حماة خارجيين في حربها مع سواها في الداخل، وحين لا يتشكل مفهوم الوطن، فإن كيانه ذاته هو الذي سيهدد، وإذا هدر كيان الوطن من قبل العصبيات الداخلية فإنه سيسهل على القوى الخارجية السطو عليه وسرقته سواء بالاحتلال أو الاستغلال أو كليهما معا “
تلفزيون سوريا
———————————–
من الدفاع عن السلطة إلى السقوط في الجحيم/ علي سفر
2025.08.13
يندر في هذه الآونة، ولا سيما بعد ما جرى في محافظة السويداء، أن تخلو يوميات السوريين من صعود الجدال بين الفئات المكوِّنة للمجتمع، بسبب تصريح رسمي ما أو حادثة، تُمتَحن فيها سياسة سلطة الحكومة المؤقتة أو ردود أفعالها!
جزء كبير من الحاضرين على منصات التواصل الاجتماعي يظن أنه عليه الدفاع عن سلطة “السنّة”، وعما قامت به، ليس في الجنوب السوري فحسب، بل في أي بقعة نشبت فيها الأزمة، ويفترض أن قراءتها للحلول الممكنة صائبة، حتى وإن أدّت إلى إراقة الدماء مجددًا، في مواجهة جزء آخر يراقب ويدعو للكشف عمّا تفعله في كل الإدارات والمؤسسات، ويطالبها بسياق سياسي لا تهيمن فيه على المجتمع، ولا تستولي من خلاله على القرار، إذ إن كل خطوة تُتَّخذ الآن مصيرية، تسهم في النجاة المحتملة من الانهيار، أو تدفع بالجميع نحوه!
المدافعون الحريصون على ألّا تُمس هيبة الرئيس المؤقت أحمد الشرع، يتطرّفون في مواجهة المنتقدين، فيتهمونهم بـ”الأقلوية”، أي أن هؤلاء يريدون إعادة الحكم إلى يد إحدى الأقليات الدينية، أو أنهم يريدون الانفصال عن سوريا الموحّدة، في استعادة ذهنية لواقع حال البلاد إبّان الانتداب الفرنسي عليها، حين قام بتقسيمها وفق الانتماء الطائفي، فصنع دولة علوية وأخرى درزية ودولتين سنّيتين في دمشق وحلب!
وراء المعارك اللفظية المشتعلة على الشاشات، ثمة واقع يتدهور بسرعة لا تخطئه العين. فالأصوات التي تظن أنها تدافع عن “هيبة السلطة” إنما تسهم، من حيث لا تدري، في جرّ المشهد العام نحو هاوية أعمق.
تكاثفت الأخطاء، واتسع الشرخ بين المكوّنات، وتآكلت الثقة التي وُلدت هشّة أصلًا بعد سقوط النظام السابق. أما المؤسسات التي يُفترض بها أن تبعث الأمل بقدرتها على إدارة الانتقال، فتتحول، تحت وطأة الولاءات الضيقة والاتهامات المتبادلة، إلى أدوات لتصفية الحسابات.
كل ذلك يجعل اللحظة الحالية حرجة، وما انكماش مساحات الحوار، وتضخم مشاعر الارتياب، والتشكيك بالنوايا، إلا علامات على الكارثة. فهنا يصير أي نقد علني تهمة، وأي مساءلة علامة على “خيانة وطنية”. إننا، ببساطة، نشهد سقوطًا مريعًا نحو جحيمٍ تتغذى نيرانه من العصبيات المتقابلة، ويتكفّل عجز السلطة عن احتوائها بتوسيعها حتى تلتهم ما تبقّى من فرصة لبناء وطن سليم.
وإذا ما استمرت الأمور على هذا المنوال، فلن نكون أمام مجرّد إخفاق سياسي عابر، بل أمام انهيار شامل يبدّد ما تبقّى من تماسك اجتماعي، ويقود إلى إعادة إنتاج كل ما ثار السوريون ضده، ولكن بثياب جديدة وأسماء مختلفة. فاللغة التي تُشيطن الآخر وتطعن في انتمائه، والسلطة التي ترفض النقد وتحتمي بكتائب المدافعين عنها، هما الوصفة الأكيدة لصناعة طغيان جديد، ربما أشد قسوة لأنه يتغذى من خيبات الثورة نفسها.
هبوطنا نحو الجحيم لم يبدأ بإطلاق الرصاص، بل بدأ حين صرنا عاجزين عن الإصغاء لبعضنا بعد لحظة التحرير، والتفكير المشترك بما كان يتوجب فعله تجاه الملفات السورية الحارة، وحين تحولت السلطة المؤقتة إلى غاية بذاتها، لا إلى وسيلة لعبور هذه المرحلة الحرجة. وبعد هذا، لم يبق أمام السوريين سوى أن يشاهدوا، من على ضفاف الخوف والخذلان، كيف تُغلق أبواب الخلاص واحدة تلو الأخرى، حتى يستوي المشهد على صمت ثقيل، يشبه ما قبل الانفجار الكبير.
وفي هذه اللحظة، الجحيم ليس صورة مجازية فحسب، بل واقعًا يوميًا يتجسّد في اقتصاد منهار، وأمن هش، وسلطة تتنازعها مراكز قوى متعطشة للهيمنة، وجمهور منهك فقد الثقة بأي وعود.
سيكتشف الجميع، إن تنبّهوا قبل فوات الأوان، أن الدفاع الأعمى عن الأشخاص لا يصنع دولة، وأن الاتهامات المتبادلة لا تبني جسورًا، بل تحرق ما تبقّى من خشب العبور. وحينها، لن تنفع الخطب ولا الشعارات، لأن النار التي التهمت فرصة التغيير ستحتاج أجيالًا لتخمد، وربما لن تخمد أبدًا إذا استمر الانقسام وقُبرت فكرة الوطن الجامع.
إن إنقاذ ما يمكن إنقاذه يقتضي أن تتوقف السلطة عن النظر إلى نفسها كطرف منتصر، وأن تدرك أن شرعيتها تُستمد من قدرتها على حماية كل السوريين، لا من ولاء فئة واحدة. كما يقتضي أن يخرج السوريون من خنادق التخوين إلى ساحات الحوار الصريح، قبل أن يتحول الطريق الذي نسير فيه جميعًا إلى منحدر لا عودة منه.
في النهاية، ليست الكارثة أن نختلف، بل أن نسمح لاختلافنا بأن يصبح معول هدمٍ للوطن. فإذا استمر هذا الهبوط المتسارع، فلن ينجُ أحد من الجحيم الآتي، ولن يكون أمام الأجيال القادمة سوى أن تحصي، بمرارة، كم مرة أضعنا فيها الفرصة الأخيرة.
تلفزيون سوريا
——————————
اجتماع عمان: مجموعة عمل لتعزيز وقف إطلاق النار في السويداء/ هبة محمد
13 آب 2025
دمشق ـ «القدس العربي»: أكد اجتماع عمان حول سوريا على أن السويداء جزء من سوريا، وحقوق أبنائها مصونة، فيما اتُّفق على تشكيل مجموعة عمل سورية أردنية أمريكية لدعم جهود الحكومة السورية في تعزيز وقف إطلاق النار في المحافظة التي شهدت اشتباكات خلال الشهر الفائت.
وجمع اللقاء وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، ونظيره السوري أسعد الشيباني، والمبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا وسفير واشنطن لدى تركيا توماس براك.
وجاء اللقاء استكمالا لمباحثات سابقة جرت منتصف يوليو/تموز، حيث بحث المجتمعون سبل دعم استقرار سوريا، وتعزيز التعاون الإقليمي، والمساهمة في إعادة إعمار المناطق المتضررة، كما تناول الاجتماع ملفات إنسانية وخدمية وأمنية، مع التأكيد على وحدة وسيادة الأراضي السورية، وضرورة تهيئة الظروف لعودة النازحين وإطلاق مسار المصالحات المجتمعية.
ووفق وكالة الأنباء الرسمية «سانا» فقد جرى خلال اللقاء بحث سبل تعزيز التعاون والتنسيق بين الأطراف الثلاثة بما يخدم استقرار الجمهورية العربية السورية وسيادتها وأمنها الإقليمي.
كما تم الاتفاق على تشكيل مجموعة عمل سورية ـ أردنية – أمريكية لدعم جهود الحكومة السورية في تعزيز وقف إطلاق النار في محافظة السويداء، والعمل على إيجاد حل شامل للأزمة، كما تم الترحيب بجهود الحكومة السورية في المجال الإنساني، ولا سيما ما يتعلق باستعادة الخدمات الأساسية، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، وتهيئة الظروف لعودة النازحين إلى منازلهم.
وطبقا لبيان مشترك سوري أمريكي أردني، فإن الاجتماع جاء لبحث الأوضاع في سوريا، وسبل دعم عملية إعادة بناء سوريا على الأسس التي تضمن أمنها واستقرارها وسيادتها ووحدتها وعدم التدخل بشؤونها وتلبي طموحات شعبها الشقيق وتحفظ حقوق كل السوريين.
وأكد المجتمعون، وفق ما جاء في البيان الختامي للاجتماع الثلاثي، أن محافظة السويداء، بجميع مكوناتها المجتمعية، تمثل جزءًا أصيلامن الجمهورية العربية السورية، وأن حقوق أبنائها مصونة في إطار عملية إعادة بناء سوريا الجديدة، بما يفضي إلى مستقبل آمن ومستقر لجميع مواطني الدولة السورية، ويضمن تمثيلهم وإشراكهم في صياغة ملامح هذا المستقبل.
ورحبت المملكة الأردنية الهاشمية والولايات المتحدة الأمريكية، حسب البيان المشترك، بالخطوات التي اتخذتها الحكومة السورية، وفي مقدمتها إجراء تحقيقات شاملة ومحاسبة جميع مرتكبي الجرائم والانتهاكات في محافظة السويداء، إضافة إلى إبداء استعدادها للتعاون مع الهيئات الأممية المختصة، وإشراكها في مسار التحقيقات المتعلقة بهذه الجرائم والانتهاكات.
كما أشاد البيان بجهود دمشق في زيادة وصول المساعدات الإنسانية إلى مختلف مناطق المحافظة وتعزيز تدفقها، بالتعاون مع وكالات الأمم المتحدة، فضلاعن تكثيف عمل المؤسسات الخدمية لإعادة الخدمات التي تعطلت نتيجة الأحداث.
كذلك رحبت الأطراف المعنية بانطلاق عمليات إعادة تأهيل المناطق المتضررة جراء الأحداث التي شهدتها السويداء، وبمساهمات المجتمع الدولي الموجهة لدعم هذه الجهود، إضافة إلى مساندة الحكومة السورية في خططها لعودة النازحين إلى مناطقهم، والشروع في مسار المصالحات المجتمعية، وتعزيز السلم الأهلي في المحافظة.
وفي هذا السياق، أعرب البيان عن تقدير ودعم المملكة الأردنية والولايات المتحدة لهذه المساعي.
وجدد الصفدي وبراك موقف بلديهما الداعم لسوريا ولأمنها واستقرارها ووحدة أراضيها، مؤكدين تضامنهما الكامل مع الشعب السوري، وداعين المجتمع الدولي إلى مساندة جهود دمشق في إعادة الإعمار على أسس تضمن أمنها واستقرارها وسيادتها، وتحافظ على حقوق جميع السوريين وتلبي تطلعاتهم.
واتفقت الأطراف الثلاثة على عقد اجتماع جديد خلال الأسابيع المقبلة، لاستكمال المداولات، والاستجابة لطلب الحكومة السورية تشكيل مجموعة عمل ثلاثية (سورية أردنية أمريكية) لدعم جهود تثبيت وقف إطلاق النار في محافظة السويداء، والسعي نحو إنهاء الأزمة فيها.
ووصف المبعوث الأمريكي عبر منصة «أكس» المناقشات بأنها كانت «مثمرة»، مشيرا الى أن «الحكومة السورية تعهدت بتسخير جميع الموارد لمحاسبة مرتكبي فظائع السويداء، وضمان عدم إفلات أي شخص من العدالة على الانتهاكات المرتكبة ضد مواطنيها». وأضاف أن «تحقيق العدالة وإنهاء الإفلات من العقاب أمران ضروريان لتحقيق السلام الدائم» في سوريا، مشيرا إلى أن «سوريا ستتعاون بشكل كامل مع الأمم المتحدة للتحقيق في هذه الجرائم، بما في ذلك العنف المروع في مستشفى السويداء الوطني».
وقال الباحث السياسي محمد السكري لـ «القدس العربي» أن البيان اتسم بطابع بروتوكولي، دون أن يتضمن نتائج مباشرة أو ملموسة بخصوص السويداء، باستثناء الاتفاق على وقف التصعيد عمليا، والتنسيق المستمر لإدخال المساعدات وتعزيز عمل المنظمات الإنسانية.
وأوضح أن من غير المرجح أن يرى المشهد التفاوضي تغييرات جوهرية، معتبرا أن الموقف الأمريكي المؤكد على وحدة الأراضي السورية يستبعد أي خيار لانفصال السويداء أو إنشاء كيان مستقل فيها بالتعاون مع أطراف خارجية، حتى وإن كان هذا الاحتمال ضعيفا أصلا.
وأضاف أن هناك جهودا أمريكية سابقة تبنت مخرجات مؤتمر عمّان، ومن المتوقع أن تضغط واشنطن على إسرائيل لخفض التصعيد في السويداء، وهو ما قد يفتح المجال لمحادثات مباشرة بين دمشق والسويداء، للوصول إلى حلول نهائية.
واعتبر أن ذلك مشروط بعدة أمور أولها «تلبية المطالب المحلية، وفي مقدمتها عدم تدخل الجيش وقوى الأمن، وإعادة النظر في السياسات الحكومية تجاه المحافظة، واحترام خصوصيتها»، معتبرا أن هذه «الشروط قابلة للتحقق».
فيما أوضح الباحث السياسي عباس شريفة لـ«القدس العربي» أن الاجتماع كان مخصصا لتقييم مدى التزام الأطراف كافة بالاتفاق الموقع في شهر تموز/يوليو، والمتعلق بوقف إطلاق النار، وتبادل الأسرى، واستعادة الخدمات، وتقديم المساعدات، والسماح بدخول القوافل الإغاثية.
وأكد أن الهدف من هذا التقييم هو تمهيد الطريق للانتقال إلى المرحلة التالية، والتي ستتناول بحث الملفات السياسية العالقة بين الأطراف.
القدس العربي
——————————
اجتماع ثلاثي في عمّان يبحث إعادة بناء واستقرار سوريا
استضافت المملكة الأردنية الهاشمية، اليوم الثلاثاء 12 أغسطس/آب 2025، اجتماعًا ثلاثيًا جمع الأردن وسوريا والولايات المتحدة، لبحث الأوضاع في سوريا وسبل دعم عملية إعادة بنائها على أسس تحفظ أمنها واستقرارها وسيادتها ووحدتها، وتلبي تطلعات شعبها وتصون حقوق جميع مواطنيها.
شارك في الاجتماع نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا وسفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس باراك، إلى جانب ممثلين عن المؤسسات المعنية في الدول الثلاث. ويأتي اللقاء استكمالًا لمباحثات عُقدت في عمّان بتاريخ 19 تموز/يوليو 2025، خُصصت لمناقشة وقف إطلاق النار في محافظة السويداء ومعالجة تداعياتها.
وأكد المجتمعون أن محافظة السويداء جزء أصيل من الدولة السورية، وأن حقوق أبنائها ستظل مصانة ضمن مسار إعادة بناء سوريا الجديدة، بما يضمن مشاركة جميع المكونات في صياغة مستقبل البلاد.
ورحبت عمّان وواشنطن بخطوات الحكومة السورية، والتي شملت:
فتح تحقيقات شاملة ومحاسبة المتورطين في الجرائم والانتهاكات، بالتعاون مع هيئات الأمم المتحدة.
تعزيز وصول المساعدات الإنسانية إلى السويداء، بالشراكة مع وكالات الأمم المتحدة.
تكثيف عمل المؤسسات الخدمية لإعادة الخدمات الأساسية.
إعادة تأهيل المناطق المتضررة ودعم عودة النازحين.
إطلاق مسار للمصالحات المجتمعية وتعزيز السلم الأهلي.
كما جدد الصفدي وباراك تضامن بلديهما مع سوريا ودعم أمنها ووحدة أراضيها، ودعوا المجتمع الدولي إلى مساندة جهود إعادة البناء على أسس تضمن الاستقرار والسيادة.
واتفق الأطراف على عقد اجتماع جديد خلال الأسابيع المقبلة، تلبية لطلب دمشق بتشكيل مجموعة عمل ثلاثية (سورية ـ أردنية ـ أميركية) لدعم جهود تثبيت وقف إطلاق النار في السويداء وإنهاء أزمتها.
—————————–
======================



