موسيقا

بينك فلويد و”مدماك آخر” في جدار المقاطعة/ مالك ونوس

منطلقًا من السؤال الأبدي حول المعنى الذي يكمن خلف وجودنا وحياتنا، وهل من دور لنا في هذه الحياة، وما قيمته، يستمر الفنان الإنكليزي، روجر واترز، نجم فرقة الروك الأشهر، بينك فلويد، في زيادة مداميك جدار، أو حصن، المقاطعة الثقافية لدولة الاحتلال الإسرائيلية، عبر حثِّه النجم الموسيقي الأميركي، ستيفي وندر، على رفض استلام جائزة رسمية إسرائيلية تقدِّمها مؤسسة وولف التابعة لحكومة الاحتلال. ويريد واترز بذلك أن يعزز هذا الجدار، بأن يحشد له حتى يصبح جدارًا لمقاومة جدار الفصل العنصري العازل، الذي تبنيه دولة الاحتلال في الضفة الغربية في فلسطين، وهو الذي كتب على حجارته، مرةً، عبارة: “لا نريد سيطرةً على الأفكار”، العبارة التي وَرَدَت في أغنية “Another Brick in the Wall” (حجر آخر في الجدار)، والتي كانت نشيد المناضلين الأفارقة ضد نظام التمييز العنصري في جنوب أفريقيا.

نخضع أو لا نخضع، نُخدع أو لا نُخدع، نرمي القاتل بحجرٍ في زمنٍ ما، ثم نعود فنرميه بوردةٍ في زمنٍ آخر، ذلك ما يحدد سقوطنا ويظهر مدى تغيُّرنا. نحن الذين تغيَّرنا، إذ إن القاتل لم يتغيَّر، ولم تتغيَّر هويته وهواياته في قتل الضعفاء حين يستمر فرِحًا في اصطيادهم ببنادقه، ثم يبكي مدّعيًا أنهم كانوا يشكلون خطرًا عليه. ونحن إذ نصدِّق دموع التماسيح التي يذرفها، نكون قد ضيَّعنا هويتنا وصورتنا والمقاييس التي نقيس بها خطواتنا. ذلك ربما ما فعله المغني الأميركي الشهير، ستيفي وندر/ (Stevie Wonder) حين ألغى، سنة 2013، مشاركته في حفلٍ موسيقيٍّ أقيم على هامش حفل التبرعات السنوي الذي تنظمه “منظمة أصدقاء الجيش الإسرائيلي”، ثم يعود الآن لقبول جائزة مؤسسة وولف الإسرائيلية المخصصة للأشخاص الذين يقدمون مساهمات بارزة في مجالات الفن والعلوم، والتي تفرض على الحاصل عليها السفر إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة لاستلامها.

لماذا تناسى وندر الدوافع التي دفعته إلى رفض المشاركة في حفل القَتَلة قبل سنوات، ثم عاد الآن وقَبِلَ جائزتهم؟ ربما يحتاج إلى هزة من كتفيه لتوقظه وتذكِّره بأن من يرتدي رداء الحملان هو ذئبٌ، وليس حملًا. لذلك جاء تذكير روجر واترز له بموقفه القديم، وبأن الذئب ما زال هو الذئب، ولم يغير عاداته، فوضع فيلمًا مصورًا على صفحة وُندر على موقع تويتر، في 9 مارس/ آذار الجاري، يناشده فيه بالصوت والصورة الرفض قائلًا: “مع كل الاحترام يا ستيفي، وكما رفضتَ المشاركة في حفل التبرع أرجوك أن ترفض جائزة مؤسسة وولف!”. وأضاف واترز: “نظام أبارتهايد، هذه هي إسرائيل، فإن قبلت جائزة وولف ستكون كمن يبيِّض صفحتهم مخالفًا جميع المبادئ”.

“ستيفي وندر، الذي ألغى، سنة 2013، مشاركته في حفلٍ موسيقيٍّ أقيم على هامش حفل التبرعات السنوي الذي تنظمه “منظمة أصدقاء الجيش الإسرائيلي”، يعود الآن لقبول جائزة مؤسسة وولف الإسرائيلية المخصصة للأشخاص الذين يقدمون مساهمات بارزة في مجالات الفن والعلوم”

لطالما بحثت فرقة بينك فلويد الإنكليزية في المعنى الكامن خلف وجودنا، وميَّزت بين الحياة، وعيش الحياة، وطريقة هذا العيش الذي يعطي لهذه الحياة معنى، أو يعطي لوجودنا على قيدها ذلك المعنى. وطَرقَ سؤال الوجود ومغزاه فلاسفةٌ وكتَّابٌ وشعراءٌ وباحثون، وسيطر على فلسفاتٍ، وسميت فلسفاتٌ باسمه. ولم يتردد الكاتب والشاعر التركي، ناظم حكمت، في تسمية روايته باسم “العيش شيء رائع يا عزيزي”، بدلًا من تسميتها “الحياة شيء رائع يا عزيزي”. فهو قد فرَّق بين الحياة التي عاشها والمصاعب التي ألمت به ورافقت سني عمله ونضاله السياسي واعتقاله، وبين العيش الذي تحدِّد شكله عوامل كثيرة، وتتحكم به عوامل داخلية تتعلق بالشخص وفهمه للحياة وطريقة العيش، وعوامل خارجية، جبرية، تريد أن تصبغه بصبغتها التي غالبًا ما يكون الشقاء والحزن من نتائجها. لكن هنالك الضوء المتخفي خلف كل تلك الستائر يجعل عيش الأوقات وسرقة جمالياتها، شيء فيه بعض الروعة، أو ربما جلُّها. وفي إطار بحثها، وصلت الفرقة إلى البحث في جدوى وجودنا في العالم الرأسمالي الذي يجعلنا نركض يوميًا في حلبة سباقٍ محمومٍ من أجل كسب العيش، أو من أجل الثروة والشهرة، مثلنا مثل ذلك الأرنب الذي تحدثت عنه أغنية “تنفس” (Breath)، الذي يحفر جحره عميقًا فعميقًا من دون استراحة، وفي النهاية لا يفعل شيئًا سوى أن يستعجل فقدانه الشمس، أي عزلته أو قبره، فيصبح العيش بهذه الطريقة فاقدًا لأي معنى.

فهل وجد واترز المعنى لوجوده وحياته وطريقة عيشه من خلال موقفه المناهض للاحتلال الإسرائيلي والوقوف في صف الضحية؟ في كل نشاطاته، أصبح واترز يلهج بفكرة معارضة الممارسات الإسرائيلية، خصوصًا بعدما أصبح من أبرز داعمي حركة المقاطعة، وسحب الاستثمارات، وفرض العقوبات (BDS)، إثر صدمةٍ أيقظته كونه “لم يكن يعرف”. حدث ذلك عندما تلقى، قبل 15 سنة، رسائل من عدد من الفلسطينيين يحثونه فيها على إلغاء حفله الموسيقي في تل أبيب، ويدعونه للتعرف على حركتهم، وعلى الاطلاع على جرائم الاحتلال الإسرائيلي في حق شعبهم وبلدهم.

وإذ قامت حركة المقاطعة، والمقاطعة الأكاديمية والثقافية الأوروبية لإسرائيل، من أجل تحقيق أهم أهدافها، وهو فصم تلك العلاقة الوطيدة بين الطرفين، فإن واترز أصبح واحدًا من كثيرين تبنوا العمل من أجل تحقيق هذه الأهداف. وقد قال في كندا، سنة 2017، على هامش حفلٍ موسيقيٍّ: “إن حركة المقاطعة هي الشيء الوحيد على الإطلاق الذي أرى أن له تأثير”. قال ذلك خلال نقاشٍ له مع 1000 شخص، اجتمعوا ليستمعوا إلى حديثه، في كنيسة “سانت أندروس ويسلي المتحدة” في فانكوفر، حول موسيقاه ومواقفه السياسية. يومها تحدّث عن دعمه للشعب الفلسطيني وموقفه من دولة الاحتلال فقال: “في الحقيقة إن ما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة يسمى تطهيرًا عرقيًا. ذلك هو ما يحدث، والنظام الذي يفعل ذلك يسمى نظام أبارتهايد”.

هل هي صدفة غريبة أن يشارك عالم الفيزياء الإنكليزي الأشهر، ستيفن هوكينغ، في أغاني فرقة بينك فلويد، سنة 1994، وهو الذي سيصبح في ما بعد، هو وواترز، من أهم رموز المقاطعة الأكاديمية لدولة الاحتلال الإسرائيلية؟ لقد شارك هوكينغ مع فرقة بينك فلويد مرتين، عبر التحدث بصوته الإلكتروني في أغنية “Keep Talking” (استمروا في الكلام)، سنة 1994، وأغنية “Talkin’ Hawkin” (هوكينغ المتحدث)، سنة 2014. ربما الأمر صدفة، أو أن طبيعة الرجلين والبعد الإنساني في شخصيتيهما الذي لم يغب مع الشهرة في عالم الغناء لدى واترز، أو مع الانغماس في عالم الفيزياء لدى هوكينغ. وانطلاقًا من هذا البعد الإنساني أعلن هوكينغ، سنة 2013، رفضه المشاركة في مؤتمر علمي أقيم في مدينة القدس المحتلة، رافضًا دعوة رئيس دولة الاحتلال، شمعون بيريز، له لحضوره، معلنًا انضمامه لحركة المقاطعة الأكاديمية، ردًا على ممارسات الإسرائيليين بحق أبناء الشعب الفلسطيني.

ويستمر طرح السؤال حول جدوى المقاطعة الأكاديمية والثقافية لدولة الاحتلال. إن مجرد طرح كلمة مقاطعة يعيد أذهان كثيرين إلى زمن مقاطعة نظام الأبارتهايد الأبيض في جنوب أفريقيا، تلك الحملات العالمية التي أثمرت في النهاية، بالتوازي مع نضال الأفارقة السود، عن زوال ذلك النظام، بعدما بقي معزولًا من دون أصدقاء، سوى دولة الاحتلال الإسرائيلية، ودول قمعية شبيهة بها.

لم يكن كثيرون يتخيَّلون أن تنضج فكرة المقاطعة الثقافية والأكاديمية لدولة الاحتلال التي ظهرت في الغرب سنة 1998، وتصبح شغل دولة الاحتلال الشاغل. هي التي ظهرت أول مرة عبر مقالات في الصحف الغربية تدعو إلى مقاطعة المؤسسة الطبية الإسرائيلية بعد اكتشاف أن أطقمها تشارك الجنود في تعذيب المعتقلين الفلسطينيين. كما كانت سنة 2002 العلامة الفارقة في تاريخ ما أصبح حركة منظمة من نوع القوة الناعمة المؤثرة. إذ نشر أكاديميان بريطانيان هما ستيفن روز، البروفيسور في علم الأحياء، وزوجته هيلاري، المتخصصة في علم الاجتماع، رسالةً مفتوحةً في صحيفة الغارديان البريطانية تحمل 123 توقيعًا لأكاديميين بريطانيين تدعو مؤسسات الثقافة والأبحاث الأوروبية والقومية التي يمولها الاتحاد الأوروبي، ومؤسسة العلوم الأوروبية، إلى فرض عقوبات على إسرائيل وقطع التمويل عنها، إن لم تلتزم بقرارات الأمم المتحدة، والبدء في المفاوضات السلمية مع الجانب الفلسطيني.

وبعد فترة وجيزة، اكتسب هذا التحرك تأييدا لافتًا، عندما تحولت الرسالة إلى عريضة تحمل 1000 توقيع من بلدان متعددة، من بينهم 10 أكاديميين إسرائيليين، وشددت على رفض التعاون الأكاديمي مع الجامعات الإسرائيلية، وغيرها من المؤسسات الأكاديمية. كما أنشأت مواقع على شبكة الإنترنت تحمل الهدف ذاته. ثم توالت التحركات التي تدعو إلى مقاطعة الكليات العلمية الإسرائيلية التي لم تتخذ يومًا موقف إدانة قتل الجنود الإسرائيليين الطلاب الفلسطينيين المتوجهين إلى مدارسهم وجامعاتهم.

تدعو تجربة فرقة بينك فلويد، وروجر واترز، بالتحديد، إلى الاستمرار في نهج حركة المقاطعة لإظهار الصورة على كل الجدران، فكل الذين أصبحوا مناصرين لها كانوا قبل ذلك “لا يعرفون”. لم يكونوا يعرفون عن جرائم الإسرائيليين شيئًا، كانت جرائمهم تغلف بغلاف البطولة، مظهرين أنفسهم كمن يحاول النجاة وسط غابةٍ من الأعداء والغزاة. من عرف أن الإسرائيليين هم الغزاة لم يكن يركن إلى هذه المعرفة فحسب، بل تبناها وصار يحاول نقلها، ربما بذلك يعطي لحياته معنى، ربما بذلك يجعل الآخرين يتوقفون عن الجري، وعن حفر الجحور ليخرجوا منها، يخرجوا إلى الشمس، ربما لكي يعرفوا.

ضفة ثالثة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى