ضباط النظام السوري المخلوع في لبنان.. من معابر غير شرعية إلى مقاهي بيروت

2025.12.04
حين انهار نظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، لم يكن ذلك مجرّد نهاية سياسية لمنظومة حكم امتدت خمسة عقود، بل كان انهياراً شخصياً لطبقة كاملة من الضباط الذين عرفوا جيداً أنّ مصيرهم بات مرتبطاً بثوانٍ وساعات.
والأجهزة الأمنية التي كانت، حتى اللحظة الأخيرة، تتصرّف بثقة مطلقة، انهارت مثل جدار من الرمل. ومع انهيارها، وجد الضباط أنفسهم مكشوفين أمام كل من خاصمهم لسنوات. كانت العائلات تهرب من المساكن الرسمية، والضباط يتخلّون عن مركباتهم العسكرية ويبحثون عن أي وسيلة خروج. وسط هذا المشهد المقلق، راجت كلمة واحدة: “إلى لبنان.”
لم يكن اختيار لبنان عفوياً. على مدى سنوات طويلة، كان ضباط المخابرات العسكرية والجوية والفرقة الرابعة قد بنوا شبكة علاقات دقيقة مع ضباط لبنانيين مقربين من حزب الله والحرس الثوري الإيراني. هذه العلاقات ظهرت في التنسيق خلال الحرب، وفي التهريب، وفي العمليات المشتركة عبر الحدود.
ومع لحظة السقوط، لم يحتج الضباط السوريون سوى مكالمة واحدة لفتح الطرق التي عرفوها مسبقاً، والتي تربط القلمون والقصير وريف حمص بعشرات المعابر غير الشرعية في البقاع وعكار، وفق معلومات خاصة حصل عليها موقع “تلفزيون سوريا”.
المعابر الجانبية… وفتح الطرق للفرار
بدأت موجة الهروب من مناطق الزبداني وسرغايا ويبرود والقصير نحو نقاط يعرفها المهربون والضباط على حد سواء. فجراً، شوهدت سيارات رباعية الدفع بلا لوحات تدخل الأراضي اللبنانية عبر مسارات ترابية تُستخدم منذ سنوات في تهريب السلاح والمخدرات. كان عناصر محليون مرتبطون بشبكات حزب الله يشرفون على دخول هذه السيارات، ويمنحونها “غطاءً مؤقتاً” قبل نقلها إلى الداخل بقاع، وهذا الغطاء تزامن مع خروج حزب الله من سوريا بعد تدخلات إقليمية تجنباً لحصول معارك عسكرية.
ومع أن الكثير من الضباط وصلوا عبر خطوط غير شرعية، إلا أن المسار الأكثر حساسية كان ما جرى عبر معبر المصنع الرسمي، حيث بدأت تظهر ملامح عملية مدبّرة تتجاوز التهريب التقليدي.
دور عباس إبراهيم… المنظمة التي فتحت الطريق
المدير العام السابق للأمن العام اللبناني، اللواء عباس إبراهيم، كان الشخصية الأكثر حضوراً في كل الروايات التي ظهرت لاحقاً. فقد تبيّن من معلومات سياسية وأمنية كان “تلفزيون سوريا” أول من كشفها، وهي متقاطعة أنّ إبراهيم لعب الدور المركزي في تأمين ممر منظم لرجال أعمال وشخصيات أمنية سورية كانت على صلة وثيقة بالنظام قبل سقوطه، والرجل الذي كان يعتبر نفسه وزيراً لخارجية الأسد وأحد أبرز عرابي تسويقه في الأروقة المخابراتية الخارجية، أكمل مهمته على أكمل وجه حتى اللحظة الأخيرة.
تمّ ذلك عبر مواكب سيارات عبرت معبر المصنع خلال الأيام الثلاث الأولى، وكانت المواكب تتمتع بحماية رسمية واضحة، وتضم سيارات تتقدّمها وترافقها وحدات أمنية لبنانية.
وأظهرت المعلومات أنّ العملية جرت بتنسيق مباشر بين فريق إبراهيم وضباط لبنانيين كانوا مكلّفين بالمواكبة، إلى جانب عناصر “حزبية” على الحدود سهّلوا مرور هذه السيارات من دون تسجيل دخولها في السجلات.
لم يكن الأمر يتحرك في الظلّ الكامل، إذ وصلت تقارير إلى سفارات غربية تتضمن أرقام سيارات وتحركات غير اعتيادية عند الحدود. ما جعل القصة تتحول من “عبور ضباط هاربين” إلى “عملية سياسية–أمنية ذات أبعاد إقليمية”.
الصدمة الدبلوماسية… وضغوط على ميقاتي وتغييرات داخل الأجهزة
بعد أيام قليلة، أبلغت السفارة الأميركية والسفارات الإقليمية رئيس الحكومة آنذاك نجيب ميقاتي بتقارير موثّقة تشير إلى دخول شخصيات سورية مرتبطة بالنظام السابق بغطاء أمني رسمي. الضغط اشتدّ إلى درجة أنّ الاتصالات شملت رئيس مجلس النواب نبيه بري شخصياً، مع طلب واضح بوقف العملية فوراً، وأن هذا المسار يعني انحياز الدولة اللبنانية لنظام تهاوى، ما قد يحمله ما لا يحتمل.
أمام هذا الضغط، تحرّك المدير العام للأمن العام حينها، إلياس البيسري، بشكل سريع وطارئ. زار المعبر ليلاً، وأجرى تغييرات جذرية شملت استبدال الضابط المسؤول عن النقطة، أحمد نكد، واقتياده مخفوراً إلى التحقيق بعد رفضه تنفيذ أوامر قيادته الأمنية. كما فُرضت إجراءات تفتيش صارمة على كل القادمين من سوريا، بما في ذلك العربات التي كانت تُترك سابقاً تمرّ بسهولة.
هذا الإجراء كان أول إقرار ضمني بأنّ ما جرى لم يكن تفلّتاً بسيطاً، بل عملية واسعة تطلّبت “علاجاً سريعاً”.
حماية أمن الدولة… وتورّط صامت قبل انتخاب جوزيف عون
لم يكن جهاز أمن الدولة بعيداً عن المشهد في تلك الحقبة. فبحسب معلومات خاصة، قام مديره آنذاك، طوني صليبا، بتوفير حماية مباشرة لعدد من الضباط السوريين الذين دخلوا لبنان عبر خطوط خاصة. تمّ حماية هؤلاء إلى منازل آمنة لهم قد جهزت قبيل أيام من سقوط الأسد، وتأمين عناصر حراسة لهم، وقطع الطريق على أي ملاحقة محتملة.
هذه الوقائع فتحت لاحقاً نقاشاً داخل الجهاز نفسه، ودفعت إلى إعادة رسم آليات العمل بعد تسلّم الإدارة الجديدة مهامها بعيد انتخاب الرئيس جوزيف عون، والذي أجرى تغييراً شاملاً في عمل الجهاز وسلوكه، وخاصة أنه وفي مراحل سابقة اتهم بأعمال تعذيب واعتقال بحق ناشطين سوريين، إبان الثورة السورية.
الفرقة الرابعة في لبنان… والتحريض في الساحل والسويداء
بالتوازي مع ذلك، بدأت تقارير إعلامية مفتوحة تتحدّث عن وجود مئات من عناصر وضباط الفرقة الرابعة في لبنان، متوزعين بين البقاع والضاحية الجنوبية. المصادر تشير إلى أنّ هؤلاء يتحركون تحت حماية مباشرة من حزب الله أولاً، ورجال أعمال لبنانيين ثانياً، وأن بعضهم شارك في التحريض على مواجهات شهدها الساحل السوري لاحقاً، خصوصاً في اللاذقية وجبلة، حيث حاولت مجموعات مرتبطة بشبكات النظام القديمة إعادة الإمساك ببعض النفوذ هناك.
وتضيف تقارير أخرى أن جزءاً من الضباط الذين وصلوا إلى لبنان حافظوا على اتصال مباشر برامي مخلوف، الذي عاد ليشكّل نقطة ارتكاز لبعض التحركات المالية والتنظيمية داخل البيئات العلوية بعد سقوط النظام.
الحكومة السورية الجديدة لم تلتزم الصمت. فقد أبلغ وزير الخارجية، أسعد شيباني، السلطات اللبنانية رسمياً بأنّ ضباطاً سابقين مطلوبين يتحركون داخل لبنان بحرية لافتة، وطالب بتسليمهم أو على الأقل تتبع نشاطهم.
وإلى جانب ذلك، إضافة إلى التحرك الفرنسي بعد توجيه باريس مذكرات رسمية إلى بيروت تطلب فيها متابعة أسماء ضباط يُشتبه بضلوعهم في ملفات قضائية مرتبطة بجرائم حرب، وتسليمهم فوراً، إضافة إلى الموقف
المستمر للزعيم اللبناني وليد جنبلاط، والذي يطالب بشكل مستمر بإجراء تحقيقات حول نشاط هؤلاء في بيروت.
وسط هذه الوقائع، ظهر اسم العميد السابق كمال الحسن الذي أسّس جمعية “غرب سوريا” في لبنان. الجمعية بدأت بسرعة بتوزيع مساعدات على عائلات ضباط الفرقة الرابعة المقيمين في لبنان، وسط اتهامات لجهة إقليمية بتمويل النشاط. وبدا واضحاً أنّ الجمعية ليست مجرد مبادرة اجتماعية، بل جزء من بنية موازية تُعنى بحماية شبكات الضباط وترميم ولاءاتهم.
ضباط في مطاعم بيروت؟
ومع مرور الوقت، بدأت تظهر مؤشرات أخرى من قلب الحياة اليومية في بيروت، بعيداً عن المسارات الحدودية وغرف الأجهزة. فعمال وموظفون سوريون يعملون في مطاعم ومقاهٍ وسط العاصمة بيروت لاحظوا، خلال الأشهر الماضية، تردّد وجوه يعرفونها جيداً من زمن الأجهزة الأمنية السورية. كانوا يرون ضباطاً سابقين من المخابرات العسكرية والجوية، بعضهم برتب عقيد وعميد، يجلسون في مطاعم محددة برفقة شخصيات لبنانية سياسية وحزبية، وأحياناً برفقة رجال أعمال سوريين وصلوا إلى لبنان منذ سقوط النظام.
وأحد هذه المشاهد تحوّل إلى مواجهة علنية، حين تعرّف عامل سوري في أحد المقاهي على ضابط من المخابرات الجوية برتبة عقيد كان قد شارك في اعتقاله وتعذيبه قبل سنوات. اقترب العامل، وتوجّه إليه بكلمة واحدة أثارت التوتر: “بتعرفني؟”. سرعان ما تطور الأمر إلى تلاسن حاد كاد أن يتحول إلى اشتباك لولا تدخل إدارة المطعم. التي طالبت المسؤول السابق بالخروج من المطعم.
الحادثة، التي جرت في أحد مقاهي الوسط التجاري، انتشرت بصمت بين العاملين السوريين، وأكدت أن عدداً من الضباط الهاربين باتوا يتحركون في بيروت بلا تحفظ، ويجلسون في أماكن عامة كأنهم خارج أي مساءلة.
من هنا يمكن اعتبار أن ما بدأ كهروب جماعي لضباط يخشون الملاحقة تحوّل خلال أسابيع إلى شبكة منظمة تمتد من الحدود، إلى البقاع، إلى الضاحية، وصولاً إلى الساحل السوري، ولبنان لم يكن محطة عبور فقط، بل مساحة إعادة تموضع، يختلط فيها الأمن بالسياسة، ويظهر فيها أنّ سقوط النظام لم يُنهِ نفوذ رجاله، بل نقلهم إلى ساحة جديدة للمراوغة. التقرير يضع سؤالاً واحداً إن كانت تسعى أطراف لاستغلال هذه الوجوه في مرحلة لاحقة ضد سوريا الجديدة أو لبنان المتأثر تلقائياً بما جرى في سوريا؟
تلفزيون سوريا



