أربعة مقالات تناولت تدمير تمثال الشهداء في حلب

تهشيم تمثال الشهداء/ زياد بركات
07 يوليو 2025
تبدو الأسباب التي سيقت لتبرير “نقل” تمثال الشهداء من ساحة سعد الله الجابري في حلب قاصرة عن الإقناع، والأسوأ أن تهشّم النصف العلوي من التمثال أثناء نقله يبدو نتاج عدم اكتراث شائن، إن لم نقل استهتاراً بكل المعايير الاحترافية المفترضة للتعامل مع عمل فني يبلغ طوله عشرة أمتار وعرضه خمسة أخرى، ما يفترض أن يكون موضوع تحقيق ومساءلة، خاصةً أن التمثال كان جزءاً من “الهوية البصرية” للساحة والمدينة. إلا إذا كانت الهوية البصرية الجديدة لسورية، التي أُعلنت قبل أيام، تقوم على إلغاء كل هوية أخرى سابقة عليها، حتى لو كانت تأسيسية وجمالية.
التماثيل جزء من بناء الهوية الوطنية العابرة للحكومات والأنظمة في تاريخ سورية، وكان أول تمثال عرفته البلاد في هذا المعنى للشهيد يوسف العظمة (1884 – 1920)، وزير الدفاع خلال معركة ميسلون ضد الاستعمار الفرنسي. بل إن أشهر أعمال رائد النحت السوري محمد فتحي هما تمثالا الجنرال عدنان المالكي وإبراهيم هنانو، والأخير من قادة الثورة السورية ضد الفرنسيين، إضافةً إلى تماثيل كثيرة تجدها حيثما ذهبت في مدن سورية.
ولا علاقة للأمر من قريب أو بعيد بتماثيل الرئيس الراحل حافظ الأسد، التي كانت تفتقر إلى الإبداع، ودورها وظيفي، تمجيدي، لرأس النظام؛ فهدف نحتها وإقامتها كان جزءاً من رسالة النظام القائمة على تأبيد نفسه ورئيسه وترهيب مواطنيه، في تقليد مبتذل وفج لنموذج توظيف الفنون في دول أوروبا الشرقية في الحقبة السوفييتية.
وهو ما لا ينطبق على تمثال الشهداء الذي صمّمه ونفّذه النحّات عبد الرحمن مؤقت، بناءً على تكليف من بلدية حلب، وبهدف تجميل إحدى ساحاتها. فكيف لعمل فني كان الهدف الأساسي منه جمالياً ووطنياً أن يصبح عبئاً في حلب، بينما لم يحدث الأمر نفسه بخصوص نُصب السيف الدمشقي في ساحة الأمويين، الذي أُبقي عليه بل تمت صيانته أيضاً؟
ربما لأن الأخير تجريد، بينما الأول واقعي-تعبيري، وقد يعود سبب إزالة، وليس نقل، تمثال الشهداء إلى مرجعيات أيديولوجية – ولا نقول دينية – لمفهوم الفنون ودورها، وهذا مرجّح وشائن إذا صح. فما سيق وما حدث من تهشيم للنصف العلوي من التمثال، على ما رأينا، يدلان على موقف مسبق أكثر منه غياب احتراف؛ فلو كانت ثمة جدية مشفوعة بفهم حقيقي للفنون وتقدير لها ولأدوارها المتعددة، وأهمها الجمالي، لما شهدنا تلك المهزلة التي وثقتها فيديوهات الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي.
والمفارقة المحزنة أن هذا حدث قبل يوم واحد من إعلان الهوية البصرية الجديدة للبلاد، كأن ما هو حداثوي ومعاصر (الهوية البصرية) لا يمكن تقبّله إلا بمضامين انتقائية وأيديولوجية، تستأصل وتُزيل وتمهّد الأرضية لحداثة مدّعاة ومشوّهة، تُعنى بالاستعراض والبث الحي، وليس بمفهوم الهوية الحقيقي، وهو تعدّدي بالضرورة في حالة سورية، وليس أحادياً. وإلا فبماذا يختلف العهد الجديد عن عائلة الأسد والحال هذه؟
تخلّص السوريون والمنطقة أيضاً من كابوس الأسد الطويل والبشع والمديد، ولكن ثمة ما ينبغي عدم إغفاله هنا، وهو أن الفنون في عهدي الأب والابن حققت درجة من الاستقلالية عن العسف والغباء، لا يجوز إنكارها. ونشأت هذه الاستقلالية إما بالتحايل على القبضة الأمنية المشدّدة، وإما بانسجامها مع أهداف مضمرة لدى النظام، تتيح له استثمارها لصالحه، بإنتاج صورة عن نفسه باعتباره معاصراً، يمثّل جميع مكونات شعبه، و”متسامحاً” مع منتقديه حتى لو وجّهوا سهامهم إلى رجالات النظام نفسه، كما في بعض أعمال الدراما التلفزيونية.
ومن البؤس الآن وهنا، الظنّ بأن كل إنتاج فني في عهد الأسدين كان يمثّل هذا النظام وفي خدمته؛ بينما الحقيقة أنه كان عملاً من أعمال المقاومة على نحوٍ ما، وبعضها ذكي ومركّب وليس غنائياً في بنائه ورسالته وجمالياته.
ما حدث في حلب شائن في كل المقاييس، ويذكّر بنظام الأسد ومعارضيه من متشدّدين فاخروا بتدمير تمثال أبي العلاء المعري. كان المأمول أن يذهب النظام بإرثه، الذي يشمل أيضاً أساليب معارضيه المتشددين، باعتبارها ردّات فعل تكتسب صفات الفعل نفسه. لكن ما شاهدناه يمثّل تمدّد النظام الراحل وتسلّله إلى العهد الجديد، فإذا بنيتهما واحدة، ما لم نقرأ عن قرارات تصدر لتحاسب وتعاقب وتُصوّب.
العربي الجديد
—————————————-
من يخاف التمثال؟/ سلام الكواكبي
الأحد، ٦ يوليو / تموز ٢٠٢٥
في مشهد صادم لأبناء المدينة، أو بعضهم، حتى لا يجري اتهامي بالتعميم من بعضهم، حُطِّم تمثال “شهداء سورية” في ساحة سعد الله الجابري بحلب، على أيدي متعهدين ضمن مشروع لإعادة تأهيل بعض المواقع العامة. الحادثة، التي اعتبرتها جهات سورية رسمية “خطأً في التنفيذ”، أثارت موجة غضب واستياءً واسعَين، تجاوزا الوسط الثقافي والمعارض، لتصل إلى شرائح من أهالي المدينة الذين نادراً ما يعبّرون عن مواقف سياسية، لكنهم شعروا هذه المرّة بأن هوية مدينتهم تتعرّض للإهانة.
لا يحمل تمثال الشهداء أي دلالة على تمجيد “النظام السابق” كما حاول بعضهم تصويره دفاعاً عن عملية التحطيم، بل هو تخليد لذكرى الذين قاتلوا وناضلوا ضد الاحتلال الفرنسي، وقدّموا أرواحهم من أجل استقلال سورية. هؤلاء الشهداء لا ينتمون إلى حزب أو تيار، بل إلى تاريخ وطني جامع، سبق كل الانقسامات السياسية والعسكرية التي عرفها البلد لاحقاً. ولهذا السبب بالتحديد، يشكل التمثال جزءاً من الذاكرة الجمعية لأهالي حلب، على اختلاف انتماءاتهم، ويُعد مسّه أو تغييره من دون إجماع أو تشاور تعدّياً على أحد ثوابت المدينة الرمزية.
المؤسف أن العملية بدت أقرب إلى الهدم منها إلى الترميم. لم تُسجل أي خطوات تمهيدية أو إشعار رسمي يوضح ما سيحدث للنصب، ولا بدّ أن هناك إشرافاً من الهيئات الثقافية أو البلدية المعنية بحماية الرموز العامة. ومع أن سلطات المدينة أعلنت أن “التمثال سيُعاد تركيبه بعد الترميم”، زادت الطريقة العنيفة في التفكيك وغياب الشفافية من الشكوك، وطرحت تساؤلاتٍ حقيقية بشأن النيات خلف ما جرى، وعن الأسباب التي دفعت جهات مجهولة فعليّاً إلى اتخاذ قرار بإزالة النصب من دون أي نقاش عام.
لا يمكن فصل ما جرى عن منطق إدارة يزداد انفصالاً عن الناس، ويعتمد أسلوباً وصائيّاً يعتبر كل شيء ملكاً للسلطة، من دون أي اعتبار لحقّ السكان في الاعتراض أو حتى التعبير عن رأيهم. ولا يتعلّق الأمر هنا فقط بتمثال، بل بتقليد متكرّر في التعامل مع الموروث الثقافي: إزالة، استبدال، إعادة صياغة، من دون استشارة أو تفسير أو إشراك حقيقي للناس في ما يخص ذاكرتهم ومدينتهم. ومع أن أصواتاً رأت في التمثال عنصراً “قبيحاً” أو “قديماً”، إلا أن قيمته لا تنبع من جمالياته الشكلية، بل من رمزيته التاريخية والمعنوية، التي لا يملك أحد حقّ العبث بها أو احتكار تأويلها.
المقلق في الحادثة أيضاً الصبغة العقائدية التي بدأت تطفو على السطح. إذ برّر بعض من عملوا على إزالة التمثال، ومن دافعوا عنهم لاحقاً، فعلهم من منطلق ديني متشدّد، واصفين النصب بأنه “صنم” يُحرّم بقاؤه في الشارع العام. تعيد هذه المقاربة، المستندة إلى خلفيات سلفية، فتح باب خطير لطالما هدّد الحياة الثقافية والمدنية في مجتمعاتنا: فرض رؤية دينية ضيقة على الفضاء العام، واستباحة كل ما لا ينسجم معها.
يرسل هذا الخطاب رسالة ترهيب واضحة لكل من لا يشارك هؤلاء تصوّراتهم الدينية، سواء من المسيحيين أو المسلمين غير السلفيين أو من العلمانيين. فحين يُنظر إلى تمثال للشهداء بوصفه “شركاً” أو “وثناً”، فإننا لا نكون بصدد نقاش حضاري حول الذاكرة العامة، بل أمام محاولة ممنهجة لطمس معالم المدينة الثقافية والتاريخية، واستبدالها بسردية دينية صارمة لا تقبل التعدّد. وهو النهج نفسه الذي شهدناه في تجارب مريرة أخرى، حين سُحقت التماثيل والمتاحف والمراقد في مدن مثل الموصل وتدمر، باسم العقيدة والطهارة.
لا يقتصر الاحتقان الذي أحدثته الحادثة، كما ظهر في التعليقات وردود الفعل، على طرف سياسي دون آخر. حتى بين من يُفترض أنهم مؤيدون للسلطة الحالية، كان هناك من عبّر عن استيائه ورفضه ما جرى، لأن القضية تمسّ ذاكرة مشتركة، ولأن ما حدث جرى بطريقة فوقية ومهينة، وكأن لا أحد في المدينة يستحق أن يُسأل أو يُحترم رأيه.
يكشف ما جرى بوضوح حجم الهوة بين من يتخذ القرار ومن يعيش تداعياته. وهو أيضاً تعبير عن نزعة متزايدة لفرض نمط ثقافي وديني وسياسي أحادي على مجتمع متنوّع مثل حلب، اعتاد أن يكون متعدّد الهويات، غنيّاً بتناقضاته، وليس خاضعاً لنمط واحد.
لم يكن تحطيم التمثال مجرّد كسر لحجر، بل كسر صمت طويل كان كثيرون يظنونه قبولاً. أن تُنتزع ذكرى الشهداء من ساحة المدينة بهذه الطريقة أشبه بأن يُنتزع قلب أم من صدرها من دون وداع. لم تبك الناس التمثال لأنه جميل، بل لأنه بقي واقفاً حين انهارت أشياء كثيرة من حولهم: صداقات، بيوت، ثقة، أحلام. كان التمثال شاهداً صامتاً على من عبروا الحياة بشجاعة، وعلى من بقوا يحاولون حفظ المعنى وسط الركام. وما حدث له، في لحظة واحدة، كشف كم أن هذه المدينة لا تزال تُعامل غنيمةً لا وطناً، وكأن من ضحّوا لأجلها لم يكونوا أكثر من حجر يمكن استبداله أو طمسه إذا خالف المزاج السائد.
ولمن يسارع إلى التهكّم على من انتقدوا الحادثة، متهماً إياهم بـ”التلهي بالتماثيل” في وقت الجوع والانهيار، نقول: إنّ من لا يغضب لرمز شهدائه، لن يُبالي إن سُرقت كرامته. ليس التمثال رفاهية، بل مرآة لما تبقى من إحساس جماعي مشترك. وحين تُمحى الرموز، تنهار المعاني، ويصبح كل شيء قابلاً للاستبدال: الذاكرة، والحقّ، وحتى الوطن نفسه.
——————————————
عن تمثال الشهداء والتدمير الثقافي
السبت، ٥ يوليو / تموز ٢٠٢٥
قال ابن خلدون: “إن الناس في الغالب تتبع لأهل السلطان في اعتقاداتهم، يميلون إلى دين الدولة وطريقتها في الاقتداء والتشبه”.
استفاق السوريون منذ أيام على مشهد مؤلم ومخيّب لآمالهم، وهو مشهد عملية تحطيم تمثال الشهداء المُنتصب في مدينة حلب في حديقة أخذت اسمها من اسم الزعيم الوطني والسياسي السوري ورئيس وزراء سورية الحلبي، سعد الله الجابري. أعاد المسؤولون في مدينة حلب تحطّم التمثال إلى خطأ تقني حدث من دون توقّع له، لا بل اعتبروا أنّ تصحيح هذا الخطأ ممكن جداً وسيحصل فعلياً، وسيتم ترميمه وإعادته إلى مستودع دائرة الآثار والمتاحف.
حتى في خضم التأثّر والضجة البالغة التي أحدثها تحطيم التمثال لم يعلن المسؤولون أيّ نيّة أو احتمال ممكنين لإعادة التمثال إلى قواعده سالماً. أما ذريعة النقل البريء التي لم تكن تقصد إيذاء التمثال أبداً، فمشكوك فيها لدرجة اليقين، خاصة أنّ عملية التصوير الرسمية والمُعلنة المُرافقة لعملية الهدم تشي فعلياً بحقيقة الهدف من ربط رأس التمثال وليس قاعدته بحبل معدني لتسحبه بعدها شاحنة بطريقة عشوائية، مما سبّب فوراً تحطيم الجزء العلوي منه ووقوعه على الأرض وتفتيت بعضٍ من أجزائه جرّاء السقوط أو الإسقاط لا فرق.
أسمى أحد المسؤولين في مديرية ثقافة حلب التمثال (بالمجسّم) وهذه التسمية كافية لتحديد ماهية وحقيقة الموقف من التمثال! وهذا ما يتطابق فعلاً ومضموناً مع القول الوارد سابقاً لابن خلدون. أما الأسباب الرسمية الموجبة لنقله فهي ببساطة وبحسب التصريحات المكرّرة: إفساح المجال أمام أعين المتابعين للشاشة العملاقة المنصوبة في الساحة لمتابعة احتفالية إعلان الهُويّة البصرية السورية التي نُقلت في بثٍّ مباشر.
أسمى أحد المسؤولين في مديرية ثقافة حلب التمثال (بالمجسّم) وهذه التسمية كافية لتحديد ماهية وحقيقة الموقف من التمثال!
زمنياً، ما بين حضور التمثال وتركيب الشاشة أربعون عاماً فقط، أي إن التمثال راسخ في ثباته وحضوره في الساحة التي يزورها يومياً أهل حلب ويعتبرونها رئة جمالية ومكانية مهمة، عاطفياً ورمزياً وجمالياً.
من ثم، كان على المسؤولين إدراك أنّ تثبيت الشاشة لا بُدّ أن يراعي الموجودات الثابتة غير القابلة للتحريك، مما يعني، وببساطة متناهية، أن يكون التحكّم في مكان الشاشة وليس بإزالة التمثال. ولا بُدّ من الإشارة إلى التصفيق الذي تمّ من قبل بعض الحاضرين، وهم هنا موظفون عموميون وليسوا أفراداً عاديين، مما يثبت بما لا يقبل الشك أنّ الإزالة مقصودة، وأنّ أيّ تلف للتمثال سيسجّل حُكماً أنه “خطأ فردي” قابل للتصحيح. وقد بات هذا التبرير سلوكاً عامّاً في آليات الرد الرسمي على كلّ الخروق الجارية.
وفي الردود المبرّرة لعملية الإزالة المشوّهة، تمّ تعميم رواية تقول إن التمثال قد شُيِّد لتكريم أفراد الجيش السوري في فترة حكم حافظ الأسد الساقط خلال معارك قمع تحرّكات الإخوان المسلمين، والتي استمرت من 1979 وإلى 1984، وترتكز الرواية الداعمة للإزالة على نظرية القطع اللازمة والضرورية مع الحقبة الأسدية السوداء التي قتلت وشرّدت الشعب السوري وكتمت على أنفاسه وصادرت حرياته في التعبير والكرامة.
لكن، تمّ نفي هذه الرواية من عدّة مصادر مطلعة من فنانين وكتّاب ومؤرخين لمدينة حلب وتاريخها الفني، ومنها صديق للمصمّم والنحات كان قد رافقه أثناء عملية تثبيت النصب، إضافة إلى مصدر مقرّب من عائلة الفنان الراحل، عبد الرحمن المؤقت، ابن مدينة حلب الذي صمّم ونحت هذا التمثال وتابع تفاصيل تثبيته مع فريقه الفني لحظة بلحظة.
يشير البعض إلى مشهد وطبيعة الأجساد المنحوتة في التمثال، ويؤكّد وجود مساحات من العُري في الأجسام المنحوتة، ويربط هذه الإشارة بالتضييق الجاري على حرية الأجساد، خاصة حرية المرء في ارتداء ما يريد وإبراز ما يريده أو إخفاءه، لأنه يمارس قناعته/ها بأنّ جسده/ها ملك حصري له/ا، وهي التجلي الأوضح لعلاقة كلّ فرد بجسده.
لا يمكن حماية الثقافة من التدمير بمجرّد تعهدات شفهية بإجراءات عقابية لمدمريها، بل تتم حماية الثقافة باعتبارها جزء أصيل من ماضي الدول وحاضرها ومستقبلها، وإرث يجب حمايته ورد أيدي العابثين عنه، خاصة الغلاة الرافضين لكلّ ثقافة لا تنسجم مع ولاءاتهم واعتقاداتهم.
العربي الجديد
———————————————-
السوريون أمام امتحان العيش المشترك.. ساحة سعد الله الجابري نموذجاً/ محمود عثمان
2025.07.06
أثار تحطيم “نصب الشهداء” في ساحة سعد الله الجابري وسط مدينة حلب، جدلاً واسعاً بين أوساط السوريين، بعد انتشار مقطع مصور جرى تداوله على نطاق واسع، ظهرت فيه رافعة عملاقة تقوم بجر التمثال وسحبه بأكبال، مما تسبب في تحطيم جزئه العلوي ليقع على الأرض !.
تعددت أسباب النقد وتباينت حدته، بين نقد طريقة النقل البدائية، التي نجم عنها تحطيم النصب الذي يحمل رمزية لدى سكان المدينة، إلى اعتبار أن عملية التحطيم كانت متعمّدة، إلى مسألة إهمال سكان حلب، وعدم استشارتهم على غرار ما يحدث في جميع بلدان العالم، حيث تقوم السلطات المحلية بعمل استفتاء لأهل المدينة قبل اتخاذ أي قرار يمس هوية المدينة، أو يؤثر على الحياة اليومية للمواطنين.
من جانبها قالت مديرية الآثار في بيان توضيحي نُشر على معرفات محافظة حلب الرسمية، إنها نقلت “نصب الشهداء” إلى مكان آخر حفاظاً عليه وعلى قيمته الفنية، ليصار بعد ذلك إلى ترميمه وصيانته من قبل مختصين فنيين، واعتبرت أن هذا الإجراء يهدف أن تكون الساحة مهيئة ومناسبة لإقامة الفعاليات والنشاطات الشعبية.
بيان المديرية عن نقل النصب، لاقى استهجانا واسعا بين السوريين، خصوصا بعد ظهور النصب محطماً في الساحة بحسب الصور والمقاطع المصوّرة، واعتبره كثيرون استخفافا بهم، في حين طالب آخرون مجلس المدينة بفتح تحقيق شفاف بالحادثة، يفضي إلى معاقبة المسؤولين عن هذه المهزلة، وإعادة النصب على ما كان عليه، لما له من رمزية في ذاكرة سكان المدينة.
وكانت الشركة المتعهدة لإعادة تأهيل وتجميل الساحة، قد نشرت في وقت سابق تصاميم لا تتضمن نصب الشهداء، الأمر الذي دفع أهالي حلب إلى الاعتراض على الحلة الجديدة للساحة، واعتبار محاولة إزالة نصب الشهداء عملية مقصودة ومبيتة مسبقا.
ساحة سعد الله الجابري
بُنيت ساحة سعد الله الجابري عام 1947، وتُعد الساحة المركزية الأهم في مدينة حلب، حيث تقع في قلب المدينة إلى جوار الحديقة العامة، وقد سميت باسم الزعيم الوطني سعد الله الجابري.
ويوجد النصب التذكاري لشهداء سوريا في شمال الساحة، وهو من تصميم النحات الحلبي عبد الرحمن مؤقت، الذي نحته من الحجر الحلبي الأصفر.
ويعد سعد الله الجابري الذي سميت الساحة باسمه، أحد أبرز الزعماء الوطنيين. ولد في حلب عام 1893 وتوفي عام 1947، ويعتبر أحد الآباء المؤسسين للدولة السورية الحديثة، ترأس ثلاث حكومات في عهد الرئيس شكري القوتلي، وكان رئيساً لمجلس النواب، وهو أحد مؤسسي الجمعية العربية الفتاة، ومن أركان الكتلة الوطنية المعارضة للانتداب الفرنسي.
النحات والفنان التشكيلي عبد الرحمن مؤقت
ولد النحات عبد الرحمن مؤقت في حلب 1946 وسط عائلة محافظة، وبدأ دراسة الفن دراسة حرة اعتمد فيها على التعلم الذاتي، ثم تابع دراسته الأكاديمية في إيطاليا، ونال ثلاث جوائز تقديرية في مسابقات النصب التذكارية في سورية.
بعد أن وقع الاختيار على عمله الكبير (الشهداء) -شهداء سوريا خلال الاستعمار الفرنسي- وتم وضعه في ساحة سعدالله الجابري، ونال إعجاب الجماهير، ثارت شهية أزلام السلطة يومها، لوضع صنم حافظ الأسد في الموقع نفسه، فحصلت نقاشات وتجاذبات ضمن لجنة تجميل الساحة، مما استدعى تدخل الجهات الأمنية، بذريعة أن المنحوتة تعبّر عن شهداء حي المشارقة في حلب، في محاولة من النظام البائد لإزالة النصب ووضع صنم حافظ مكانه.
وتعتبر أعمال المؤقت من أهم التجارب النحتية في الحركة التشكيلية السورية المعاصرة، وخاصة أنه أول فنان سوري حاول تطويع الحجر والرخام بأحجام كبيرة وبأسلوب تجريدي بعيداً عن التفاصيل النحتية في محاولة منه الابتعاد عن التصوير قدر الإمكان. فتجد في منحوتاته خروجاً عن الكلاسيكية والتقليدية والتسجيلية وقيودها الصارمة.
خلال فترة حكم الدكتاتور حافظ أسد طلب من المؤقت العمل على نصب عدّة، منها صنم الدكتاتور في مدخل الرستن، الذي قام الثوار بتحطيمه في جمعة الإصرار 15 نيسان 2011 ، فقامت سلطات النظام البائد بالاتصال به، وأمرته بإصلاحه أو بناء صنم غيره. لكنه رفض الأمر، وهاجر إلى تركيا هروباً من بطش القبضة الأمنية، فقاموا بالاتصال بابنه الفنان جاد ليقوم بإصلاح الصنم، فاضطر هو الآخر إلى الهروب والهجرة مثل والده.
أما فيما يخص تمثال باسل الذي كان في الأصل جواداً فقط، ثم أجبر الفنان مؤقت على إضافة تمثال باسل على صهوة الجواد، فقام بالعمل، لكنه أوصى العاملين بعدم تلحيم الصنم على صهوة الجواد، لكي ينفصل ويسقط بسهولة. هذا الأمر يعرفه الذين قاموا بإنزال الصنم من على الجواد بعد تحرير حلب، خلال معركة ردع العدوان، مما سهل عملية إنزاله وفصله عن صهوة الجواد.
خلال إقامته في مدينة غازي عنتاب التركية، رسم الفنان عبد الرحمن مؤقت عدداً من اللوحات التشكيلية يحكي فيها عن حلب والثورة والنزوح والدمار والشهداء.
توفي الفنان عبد الرحمن مؤقت في مهجره بتاريخ 5 أيار 2023.
التعديلات الأخيرة والجدل الحالي
لا شك بأن ساحة سعد الله الجابري تمثل محور الحياة المدنية والعمرانية في حلب، وقد شهدت مراحل مختلفة تراوحت بين العناية إلى درجة التمجيد وبين الإهمال، ومن التفجير إلى مشاريع التحديث والتجميل. مما يدل على أهميتها في الحفاظ على الذاكرة الثقافية لمدينة حلب.
أُعيد افتتاح الساحة مؤخرًا ضمن نشاطات حملة “لعيونك حلب”، وشمل حفل الافتتاح فعاليات واحتفالات بمشاركة رسمية.
من الطبيعي أن يظهر الخلاف حول نقل نصب الشهداء، لأن المسألة تتعدى كيفية إدارة مساحة عامة تعبّر عن هوية المدينة، إلى قضية إدارة مدينة حلب الكبرى، بصناعتها وتجارتها وعمرانها، مع المحافظة على هويتها وإرثها التاريخي.
خلاصة
بالرغم من أن المصارحة والشفافية أقل كلفة وأقصر طريقا، وأدعى لبناء الثقة وتقوية اللحمة الوطنية، فقد لوحظ نشاط محموم لما يمكن تسميته بالذباب الإلكتروني، الذي اعتمد الشخصنة في الرد على المنتقدين، بتكفيرهم وتسفيه آرائهم، والتشكيك بهم وتخوينهم، واستخدام عبارات سوقية وألفاظا نابية، في محاولة لفرض رؤية متشددة، بعيدة عن ثقافة الشعب السوري، كل ذلك بذريعة الدفاع عن الدولة والإدارة الجديدة !.
ثمة قلق بدأ يراود كثيرين، منهم المهندس المعماري كاتب السطور، حول مصير الإرث التاريخي لمدينة حلب، بعد التصريحات التي صدرت عن بعض المسؤولين المحليين. كيف يؤتمن مثل هؤلاء على خزينة تاريخية عمرها آلاف السنين بحجم حلب؟!.
إذا كانت هذه طريقة التعاطي مع ساحة سعد الله الجابري، فكيف سيكون الحال مع ترميم قلعة حلب وغيرها من الآثار التاريخية؟!.
من البديهي أن يتعرض السوريون وهم يعيدون بناء وطنهم من جديد إلى مثل هذه المطبات المفزعة. المهم هو استعادة التوازن المجتمعي وضبط الأمور ومعالجة الخلل بعقلية الدولة.
تلفزيون سوريا



