الإعلان الدستوري لسوريا 2025العدالة الانتقاليةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

العدالة الانتقالية تحديث 07 تشرين الثاني 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي:

العدالة الانتقالية في سوريا

———————————————-

العدالة الشفائية: استرداد الحقّ في التعافي والتحوّل في سوريا/ مصطفى حايد

05-11-2025

        * تنويه من الكاتب: تم استخدام صيغة المذكر لسهولة الكتابة والقراءة، لذا أود التأكيد على أن المحتوى يشير للتنوع الجندري والجنساني الذي تشمله التعابير المستخدمة في هذا المقال.

         *****

        بعد أكثر من ثلاثة عشر عاماً من الصراع، لم تعد جراح سوريا محصورة في مدنها المدمّرة أو مؤسساتها المنهارة. الأضرار تتجسد أيضاً في الذكريات والعلاقات والمجتمعات، في الصمت بين عائلات فقدت أبناءها، وفي نظرات شباب وأطفال لم يعرفوا في حياتهم سوى العنف والنجاة. هذه الحرب لم تترك فقط خراباً ماديّاً، بل زرعت تعباً داخلياً جماعياً، يتسلّل إلى النفس واللغة والخيال. لذلك لن تكون العدالة، بالنسبة لكثير من السوريين، كلمة مرتبطة بالمحاكم أو بالمؤسسات الرسمية. العدالة تغدو، أيضاً، تطلعاً إلى حياة بلا خوف، إلى العثور على المفقودين أو معرفة مصيرهم، إلى روابط لم تعد موجودة. هي رغبة في الكلام دون ارتجاف، وفي ترميم الكرامة بعد سنوات من الإهانة والإذلال. في سياقٍ كهذا، تحطّمت فيه الأجساد والروابط الاجتماعية معاً، لا يمكن للشفاء أن يكون ملحقاً بالعدالة فقط، ولا يمكن للحديث عن العدالة أن يكتمل ما لم يتضمّن الحقّ في الشفاء. فالعدالة التي لا تشفي، تُعيد إنتاج الألم الذي جاءت لتكسره. وهنا تبرز فكرة العدالة الشفائية، أي أن يكون التعافي جزءاً من جوهر العدالة نفسها، لا نتيجة جانبية لها.

        ما معنى العدالة الشفائية؟

        ظهر مفهوم العدالة الشفائية أولاً في سياقات نضال الحركات النسوية السوداء في الولايات المتحدة، حيث واجهت المجتمعات التمييز والعنف البنيوي لأجيال. هذه الحركات رفضت الفصل بين النضال ضد الظلم وبين رعاية الذات والمجتمع المتألم. فالعدالة لا تقتصر على تغيير القوانين أو محاكمة الجناة، بل تمتدّ إلى الطريقة التي نطلب بها العدالة، وإلى النتائج العاطفية والاجتماعية التي تتركها في حياتنا. لذلك فهي تُعيد تعريف العدالة من منظور يدمج الجسدي والنفسي والاجتماعي. هذا المفهوم ينطلق من قناعة بأن القمع والعنف لا يُصيبان البنية السياسية فحسب، بل يتركان أثراً في الجسد والذاكرة والروح وكذلك البنية والروابط الاجتماعية. فعدالة الشفاء تسأل: كيف يمكن للناس وللمجتمعات التي عاشت الألم أن تستعيد قدرتها على الحياة، وعلى الفعل، وعلى الانتماء من جديد؟

        في السياق السوري، يُصبح هذا المفهوم أكثر إلحاحاً. فبعد كلّ ما حدث من قتل وتعذيب وتهجير وفقدان، لم تعد العدالة مجرد مسألة مؤسساتية أو قانونية، بل سؤالاً أعمق: كيف يمكن للعدالة أن تُعيد للسوريين إحساسهم بالإنسانية؟ كيف يمكنها أن ترمّم الثقة المُبددة، والقدرة على التعاطف، والرغبة في الحياة المشتركة؟ في ظل التحديات اليومية التي يعيشها السوريون بين الرغبة في التذكّر والخوف من الذاكرة، بين النجاة والرغبة في العيش، بين إعادة البناء والحذر من الانكسار من جديد، تمنحنا عدالة الشفاء إطاراً لفهم هذا الصراع ومقاربةً إنسانية للعمل عليه.

        الندوب غير المرئية

        على مدى أكثر من أربعة عشر عاماً، عاش السوريون طبقات متراكمة من الأذى: الاعتقال والتعذيب، النزوح واللجوء، والعنف الجنسي، والدمار البيئي، وفقدان الثقة الاجتماعية. وغالباً ما تكون مقاربات العدالة الانتقالية لمعالجة طبقات الأذى هذه مُحددة بالمحاسبة أو بالحقيقة أو بالإصلاح المؤسسي. لكن بالنسبة للناجين السوريين، هذه المصطلحات تبدو مُبهمة وبعيدة، فما يبحثون عنه أولاً هو الأمان، والاعتراف، وحقّهم في الشفاء دون أن يُعاد إيذاؤهم من خلال الإجراءات أو السياسات.

        حين نتجوّل اليوم في سوريا، نرى أَثرَ الدمار المادي في كل مكان، لكن ما لا نراه هو الدمار النفسي الذي تسلل إلى كل بيت وفرد. في المدن التي كانت محاصرة، يعيش الأطفال بين أنقاض مدارس تحوّلت إلى سجون. في الشتات، تُحيي العائلات ذكرى المفقودين بالصمت والصور القديمة والذكريات. والنساء اللواتي صمدن طوال سنوات الحرب، يجدن أنفسهن اليوم مهمّشات أو محاصرات بوصمة اجتماعية جديدة.

        هذا الإرث من الألم لن يزول تلقائياً بمرور الوقت. إنه ما يسميه بعض الأخصائيين النفسيين بـ«الحزن المتجمّد» 1 (Frozen Grief)، وهي حالة من الخدر العاطفي التي تمنع الناس من الحزن، أو حتى من الحلم. وهنا، تفرض العدالة الشفائية نفسها كضرورة أخلاقية: أن يكون التعافي الجماعي جزءاً من عملية العدالة الانتقالية نفسها، لا مجرد مشروع موازٍ لها.

        لذلك فإن عدالة الشفاء تغيّر زاوية النظر. فهي لا ترفض العدالة المؤسسية، لكنها توسّع معناها، معتبرة أن استعادة الكرامة لا تبدأ بالعدالة القضائية، بل بإعادة بناء القدرة الإنسانية: القدرة على الإحساس والتعاطف، على التواصل، وعلى العمل المشترك. وفي السياق السوري، يعني هذا طرح أسئلة أساسية: كيف يمكن للمجتمعات التي تمّ تفكيكها عمداً أن تتعلّم مجدداً كيف تحتوي بعضها؟ ماذا يعني أن يثق معتقل سابق بمنظمة محلية؟ أو أن تجد امرأة فقدت أفراداً من عائلتها دعماً يحترم ألمها ولا يستغله؟

        هذه أسئلة في جوهر العمل الميداني السوري، حيث يتقاطع الإنساني مع السياسي، والمجتمعي مع العلاجي.

        الشفاء كفعل سياسي

        في سوريا اليوم، أن تشفى يعني أن ترفض التعايش مع العنف، أن تُقاوم تطبيع الألم. الشفاء هنا فعل سياسي ليس بمعناه الحزبي، بل كاستعادة للوكالة (Agency) من الأنظمة التي جرّدت الناس من أصواتهم ومن إنسانيتهم.

        على سبيل المثال، مجموعة نسائية صغيرة في ريف حلب تعمل مع الأرامل على بناء تعاونيات صغيرة في الخياطة والزراعة والحرف اليدوية. ما يبدو للوهلة الأولى نشاطاً لتأمين سُبل العيش قد يكون في الحقيقة ممارسة جماعية للشفاء. النساء في هذه الدوائر لا يدعمن بعضهن نفسياً فحسب، بل يُعِدن تعريف معنى المجتمع من جديد. لقاءاتهن ليست جلسات علاجية باردة، بل طقوس مقاومة هادئة ضد الانكسار. ومن منظور عدالة الشفاء، هذا الفعل هو عدالة تُمارس في الحياة اليومية، عدالة تُعيد الجسر بين النفسي والاجتماعي، وتُدخل الأمل إلى فراغات أُريد لها أن تبقى صامتة.

        الأمر نفسه ينطبق على مجموعات الناجين من الاعتقال – التي تعمل على توثيق الانتهاكات – والذين يعانون من «إرهاق السرد»، وهو التعب الناتج عن تكرار الحكايات أمام من يراها بيانات لا تجارب. هنا، تدعو عدالة الشفاء إلى علاقة مختلفة مع الذاكرة، بحيث لا تُختزل الشهادة إلى دليل، بل تتحوّل إلى مساحة للتعبير الحر والآمن، وإلى أداة للمعنى والتضامن.

        لذلك، لا ترى العدالة الشفائية الناجين وأهالي الضحايا كمستفيدين فقط، بل كفاعلين أساسيين في عملية التحوّل. في سوريا، أثبتت مبادرات مثل عائلات من أجل الحرية أن الرعاية يمكن أن تكون شكلاً من أشكال المقاومة، وأن التعافي من الألم لا ينفصل عن استعادة الصوت والوكالة. فالنساء اللواتي يروين قصصهن لا يبحثن فقط عن الدعم النفسي، إنهن يُعِدن كتابة السردية الأخلاقية لسوريا. ولهذا، فإن العدالة الشفائية هي بطبيعتها نسوية، لأنها تُعيد تعريف الرعاية كقيمة سياسية وممارسة تحرّرية.

        الصدمة كحالة جماعية لا فردية

        كثيراً ما تنظر المنظومات الإنسانية والتنموية إلى الصدمة بوصفها مشكلة فردية. أمّا عدالة الشفاء فترى الصدمة كحالة جماعية، كنتاجٍ لبُنى قمعية وأوضاعٍ مزمنة من الخوف والحرمان.

        ففي سوريا، يعيش ملايين الناس بما يمكن تسميته بـ«الصدمة المحيطة»، وهو شعور دائم بالتوتر والتهديد، حتى في لحظات الهدوء. الأطفال يرثون الخوف من أهلهم، والناجون يحملون ذنب البقاء، والمجتمعات تفقد قدرتها على الثقة.

        وهنا، يصبح الشفاء مسؤولية جماعية. الدعم النفسي لا يمكن أن يُحصر في الجلسات العلاجية، بل يجب أن يتسرّب إلى الحياة اليومية: إلى المدارس، والمراكز المجتمعية، وحتى اللقاءات غير الرسمية. لذلك على المؤسسات العاملة في سوريا، الدولية والمحلية، أن توسّع أدواتها لتشمل أخلاقيات العلاقة الإنسانية: الإصغاء غير المتطفّل، احترام الصمت، وتوفير مساحات يشعر فيها الأفراد بالأمان دون وصم أو تصنيف.

        كما يجب الاعتراف بأن العاملين في هذا المجال أنفسهم بحاجة إلى الرعاية. فالميسّرون والناشطون المحليون يتعرّضون أيضا لما يسمّى بـ«الصدمة الثانوية». عدالة الشفاء ترى أن العناية بالمهنيين ليست رفاهية بل شرطاً للاستمرارية من خلال دوائر الدعم المتبادل، والإشراف الجماعي، والوقت المخصص للراحة النفسية. جميعها مكوّنات أساسية لعدالة شفاء مستدامة.

        لذلك فإن العمل في السياق السوري يتطلّب نقلة نوعية من تقديم الخدمات إلى بناء منظومات الشفاء المجتمعي. هذا يعني أن يكون العمل مع منظمات المجتمع المدني السورية والمبادرات المحلية علاقة شراكة لا تعاقد، وأن يُنظر إلى الفاعلين المحليين كـشركاء في الشفاء لا مجرّد منفّذين. لتحقيق ذلك يجب دعم المبادرات المحلية لدمج الرعاية النفسية والاجتماعية في الثقافة المحلية عبر الفنون، الحكي، الطقوس الجماعية، أو حتى الزراعة والطبخ المشترك. ويمكن للمشاريع الفنية التشاركية أن تُصبح وسيلة للتعافي الجماعي من الخسارة. بهذه الطريقة، لا تنفذ المؤسسات «مشاريع» فقط، بل تأسس لبنية ثقة، وهي البنية الأعمق التي يمكن أن تنشأ عليها أي عدالة حقيقية.

        الشفاء في مواجهة الانقسام

        المجال المدني السوري اليوم مجزأ على مستويات عدة: جغرافيّة، وسياسيّة، وعاطفيّة. والمنظمات المحلية تحمل جراحاً مختلفة، ورؤى متناقضة أحياناً حول العدالة والذاكرة والمسؤولية؛ لذلك فالتعاون بينها لا يتحقق بالتنسيق الإداري وحده، بل عبر حوارات شفاء؛ عدالة الشفاء تدعو إلى تسهيل مساحات تُقدَّم فيها العلاقات على النتيجة، حيث يُحتفى بالاختلاف بدلاً من إلغائه. فالغاية ليست الوصول إلى إجماع، بل إلى تواصل حرٍّ وآمن.

        في الواقع العملي، يُمكن ترجمة هذا النهج من خلال دوائر حوار بين مجموعات ناجين مختلفة، أو تبادل خبرات بين ناشطات من أجيال ومناطق متنوعة، أو حتى صياغة «مدوّنة رعاية» مشتركة تُحدد مبادئ التعامل مع الضحايا والناجين.

        هذه المبادرات الصغيرة تبني ما يمكن تسميته بـ«جماعة الألم المشترك»، وهي دوائر تتجاوز الانتماءات السياسية، وتستند إلى الذاكرة المشتركة والمعاناة كجذر للإنسانية لا كأداة للانقسام.

        الحقيقة كفعل رعاية

        عمليات البحث عن الحقيقة، سواء كانت لجان تحقيق رسمية أو مبادرات محلية، يمكن أن تكون مؤلمة إن لم تُبنَ على مبادئ الرعاية والموافقة المستنيرة والاحترام. فطريقة سرد الناجين لقصصهم تُحدد ما إذا كانت العملية ستفتح الجرح من جديد، أم ستساعد في التئامه.

        في سوريا، كثير من الناجين من الاعتقال أو التعذيب تعرّضوا لتجارب مؤذية مع بعض وسائل الإعلام أو المنظمات، حيث طُلبت منهم شهادات دون أي حماية نفسية. ومن ثم تُرِكوا مع أنفسهم في مواجهة ذاكرة الجراح والأذى. العدالة الشفائية تتطلب عكس ذلك: فضاءات حرّة وآمِنة للبوح تقوم على الثقة والمصاحبة والاختيار. يمكننا العمل على نموذج سوري لـ«دوائر السرد» تُقام في المجتمعات المحلية أو في الشتات، يُيسّرها مختصّون نفسيون واجتماعيون مدرَّبون، حيث يُسمح للضحايا برواية تجاربهم وفقاً لإرادتهم، بعيداً عن استغلال الصورة أو الألم. مبادرات مثل «بدائل» و «دولتي» أو «النساء الآن» طوّرت منذ سنوات أدوات سردية تشبه هذا النهج، حين استخدمت القصص الشخصية كوسيلة لإعادة الوكالة (Agency) إلى النساء والشباب. هنا تُصبح الحقيقة علاقة إنسانية، لا مجرد «شهادة» أمام لجنة أو مؤسسة.

        جبر الضرر كحقّ في العافية

        التعويض في سوريا لا يمكن أن يُختزل في المال أو الاعتذار الرمزي. ففكرة العدالة الشفائية تُوسِّع مفهوم جبر الضرر ليشمل استعادة العافية النفسية والاجتماعية.

        يُمكن تخيّل برامج تعويضات تُعيد تأهيل المراكز الصحية والمستشفيات في المدن المنكوبة، أو تقدّم دعماً نفسياً وقانونياً لعائلات المفقودين، أو تموّل مبادرات جماعية لإعادة إعمار المدارس والأراضي الزراعية والمساكن بمشاركة الناس أنفسهم.

        كما يُمكن توسيع فكرة التعويض لتشمل البيئة، فترميم الأراضي الملوثة وإعادة زراعة الغابات وتنقية المياه الملوّثة ليست فقط أعمالاً إنمائية، بل هي أيضاً عدالة بيئية وشفاء جماعي. لأن ما دُمّر لم يكن فقط البشر، بل علاقتهم بالمكان، بالأرض التي احتضنتهم وشهدت على آلامهم.

        الذاكرة كمساحة مشتركة للتعافي

        الذاكرة في سوريا ساحة صراع بحد ذاتها. لكل منطقة روايتها، ولكل جماعة سرديتها عن الظلم والمظالم. هذه التعدديّة تحولت في كثير من الحالات والأماكن إلى انقسام لأنها لم تُدر بروح تشاركية. العدالة الشفائية ترى في الذاكرة مساحة للحِداد الجماعي والتعلّم، لا لتبادل الاتهامات أو للمقارنات.

        من هذا المنطق، يمكن لمشاريع النصب التذكارية أو المعارض الفنيّة أو المنصات الرقمية أن تلعب هذا الدور، شرط أن تنبع من الناس أنفسهم. مبادرات مثل «عائلات من أجل الحرية» تجسّد هذا النوع من العمل. عندما تقف الأمهات والشريكات والعائلات في الشوارع يحملن صور أحبّائهن المفقودين، فإنهن لا يطالبن بالعدالة فقط، بل يخلقن طقساً من الشفاء الجماعي، يربط بين الألم والأمل. فكما تقول الباحثة النسوية جوديث باتلر، الحزن فعل سياسي. 2 فحين يُعلن الناس حزنهم في العلن، فإنهم يواجهون محاولات محوهم ويؤكدون حقهم في الوجود وفي الفعل. وفي سوريا، يمكن للذاكرة المشتركة أن تصبح جسراً بين الضحايا المختلفين، بدلاً من أن تكون جداراً جديداً للفصل. وهو ما تفعله الآن الكثير من النساء في سوريا.

        العدالة التصالحية: من الانتقام إلى الاعتراف

        في المدن التي شهدت صراعات بين الجيران والأقارب، لا يمكن للعدالة أن تكون مجرد محاكمات. فإعادة التعايش تتطلب أيضاً الاعتراف والاعتذار والمغفرة المشروطة.

        العدالة الشفائية تفتح الباب أمام العدالة التصالحية، أي الحوارات المحلية التي يقودها الأهالي أنفسهم بدعم من مختصّين أو نشطاء محلّيين. هذه الحوارات لا تعني الإفلات من العقاب، بل الاعتراف بالضرر وتحمل المسؤولية واستعادة الثقة تدريجياً.

        وقد شهدت بعض المناطق في الجنوب السوري بدايات لهذه التجارب، عبر لجان محليّة سعت لإعادة المهجّرين وضمان عدم الانتقام. يمكن لتجارب كهذه أن تتحول، ضمن إطار وطني أكبر، إلى أدوات لبناء سلام حقيقي. سلام عضوي يبدأه الناس ولا يُفرض عليهم.

        الإصلاح المؤسساتي من منظور الرعاية

        حتى الإصلاحات المؤسسية، التي تُقدّم عادة كإجراءات تقنيّة، يجب أن تنبع من منطق الشفاء والرعاية. فالمؤسسات التي لم تتعلّم التعاطف ستُعيد إنتاج الظلم نفسه وهو ما يحدث اليوم في أماكن كثيرة في سوريا.

        فينبغي أن تتضمّن برامج تدريب القضاة ورجال الأمن والعاملين الاجتماعيين مفاهيم الوعي بالصدمات النفسية، والعدالة الجندرية، وأخلاقيات الرعاية. كما يُمكن لوزارة التربية في المستقبل أن تُدرّس قيم الحوار واللاعنف والتعاطف في المناهج، لتساعد الأطفال على التخلّص من ميراث الخوف والكراهية. بهذا الشكل، يُصبح الشفاء جزءاً من بنية الدولة نفسها، لا شعاراً خارجها أو مفهوم يناقضها.

        ما تحتاجه سوريا اليوم ليس فقط خارطة طريق للمحاكمات أو لجان الحقيقة أو صناديق التعويضات، بل إطاراً وطنياً يدمج الشفاء في كل مسار من مسارات العدالة. إطار يضمن إدماج مبادئ الرعاية والوعي بالصدمات في كل مؤسسات العدالة الانتقالية، وإشراك المجتمعات المحلية في عمليات التوثيق والذاكرة والحقيقة. وربط التعويضات بالخدمات الاجتماعية وإعادة الإعمار البيئي. وتمويل طويل الأمد لبرامج الدعم النفسي والمجتمعي. ومشاركة الناجين في تصميم السياسات والإشراف على تنفيذها.

        تخيّل المستقبل ما بعد الصدمة

        عدالة الشفاء لا تتوقّف عند الترميم، بل تفتح أفق التحوّل. إنها تبدأ بسؤال: ماذا يمكن أن يحدث حين يشفى الناس؟

        الإجابة عن هذا السؤال في الحالة السورية يعني استعادة الخيال المدني بعد سنوات من القمع. أو مبادرات شبابية تُعيد بناء الاقتصاد المحلي من منظور تعاوني لا تنافسي. أو مجموعات نسائية تقود دوائر الحقيقة والمصالحة من البلدات صغيرة حتى مركز العاصمة، تربط بين التجربة الشخصية والبنية العامة للعدالة. هذه ليست فانتازيا، بل بوادر سوريا الممكنة، سوريا تستند عدالتها إلى الرعاية والمساءلة المجتمعية، لا إلى الانتقام أو التسييس أو التجييش.

        من هذا المنظور، يُمكن لعدالة الشفاء أن تشكّل جسراً بين العلاجي والتحويلي، بين الشفاء والعدالة. فهي لا تهدف فقط إلى دعم الناجين، بل إلى تمكينهم من أن يكونوا شركاء في صياغة العقد الاجتماعي الجديد.

        العدالة الشفائية ليست مجرد «نظرية مستوردة من الخارج»، بل هي امتداد للنضال السوري من أجل الكرامة. فهي تقول إن الطريق إلى المساءلة يمرّ عبر الرأفة، وإن الحقيقة يجب أن تُقال برفق، وإن بناء الوطن يبدأ من ترميم الإنسان واستعادة المشاعر والروابط الإنسانية. حين نُعيد وصل العدالة بالشفاء، نستعيد حقنا في أن نكون بشراً متساوين، ونمنح ذاكرتنا معنى جديداً، ونحوّل الألم إلى طاقة حياة.

        لن يتحدّد مستقبل سوريا في قاعات المفاوضات أو مؤسسات الدولة وحدها، بل في قدرة الناس على أن يشعروا بالأمان مجدداً. عدالة الشفاء تذكّرنا أن العدالة الحقيقية يجب أن تُشعر الناس بالأمان لا بالمراقبة، بالاعتراف لا بالتقييم، بالانتماء لا بالعزلة والانقسام.

        الطريق إلى ذلك طويل ومتعرّج، يتطلّب التواضع والإنصات والصبر. وحين يحدث ذلك، لن تكون العدالة في سوريا مجرّد محاكم أو قوانين، بل فعلاً جماعياً يُعيد إلينا القدرة على الحلم معاً، حلم بوطنٍ يمكن أن يُشفى.

        *****

        المراجع

        References:

        – ICRC, “Ambiguous Loss. Dealing with Frozen Grief.” (Factsheet). 2025. (Link)

        – Enloe, Cynthia. “Feminist Curiosity.” University of California Press, 2004. (Link)

        – Butler, Judith. “Precarious Life: The Powers of Mourning and Violence.” Verso, 2006. (Link)

        – International Center for Transitional Justice (ICTJ). “Transitional Justice and Mental Health: A Guide for Practitioners.” 2024. (Link)

موقع الجمهورية

———————————-

العدالة التدريجية في سورية ما بعد النزاع.. رؤية استراتيجية بديلة للعدالة الانتقالية/ نهلة نعنع

نشر في 5 تشرين الثاني/نوفمبر ,2025

تقترح نهلة نعنع، في بحثها (العدالة التدريجية في سورية ما بعد النزاع: رؤية استراتيجية بديلة للعدالة الانتقالية)، نموذجًا بديلًا من النموذج الكلاسيكي للعدالة الانتقالية، بما يستجيب لتعقيدات الواقع السوري، في مرحلة ما بعد النزاع، ولا سيما واقع انهيار الدولة المركزية وتعدد المرجعيات القانونية، وتفتت الشرعية المؤسسية والاجتماعية.

يعتمد البحث منهجًا بنيويًا تحليليًا نقديًا، بالإضافة إلى مقارنات بتجارب دولية مشابهة، ويجادل بأن كثيرًا من تطبيقات العدالة الانتقالية المعاصرة قد أخفقت، مبرزًا خمس ركائز لتصور العدالة التدريجية، وهي تعددية السرديات، وبناء الثقة، والتمكين الاقتصادي، والاستجابة القانونية، والاستمرارية التشاركية.

يتميز النموذج الذي يقاربه البحث بالسعي لربط مفهوم العدالة بالإرادة الاجتماعية والسياقات المحلية، متجاوزًا الأطر المعيارية الجاهزة، ومعيدًا تصور العدالة بوصفها ممارسة مدنية متدرجة. ويوفر البحث بذلك مساهمة نظرية في سياق أدبيات العدالة الانتقالية في سورية. يأتي البحث ضمن ملف مجلة قلمون (المجلة السورية للعلوم الاجتماعية والإنسانية)، في عددها الثاني والثلاثين، بعنوان (مسار العدالة الانتقالية في سورية: تحديات التعافي وبناء المستقبل)، وقد شارك فيه نخبة من الباحثين والأكاديميين المختصين.

يُذكر أن نهلة نعنع باحثة في مجال تقاطعات التقنية والسياسة والاقتصاد، والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

يمكن الاطلاع على البحث كاملًا من الرابط:

وفي العدد الثاني والثلاثين من قلمون من الرابط:

مركز حرمون

——————————–

عزل المتورّطين وانتهاج عدالة انتقالية بشأن الضحايا/ فضل عبد الغني

03 نوفمبر 2025

يشكّل انهيار الأنظمة الاستبدادية تحدّياً بالغاً للمجتمعات في مساري التحوّل المؤسّسي وتحقيق العدالة. وفي السياق السوري، وبعد أكثر من نصف قرن من سيطرة نظام الأسد، تغدو كيفية معالجة إرث الانتهاكات المنهجية لحقوق الإنسان بالتوازي مع بناء مؤسّسات ديمقراطية مسألةً بالغة الأهمية. ينطلق هذا المقال من فكرة مفادها بأنَّ إقصاء المتورّطين في الانتهاكات الجسيمة من مؤسّسات الدولة ضرورة قانونية وأخلاقية متجذّرة في مبادئ القانون الدولي وآليات العدالة الانتقالية. فالتحوّل الحقيقي لا يكفيه تغيير النظام، بل يقتضي تفكيك البنى التي مكّنت من ارتكاب الفظائع وإعادة تأسيس مؤسّسات تقوم على احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون. ومن دون معالجة حضور الجناة داخل هياكل الدولة، تفقد بقية أدوات العدالة الانتقالية فاعليتها، ما يفرغ العملية من مضمونها ويقوّض مسار الانتقال برمّته.

يبدأ الإطار النظري للإصلاح المؤسّسي في سياقات ما بعد الاستبداد بإدراك كيف تُحوّل الأنظمة القمعية مؤسّسات الدولة من حامية للمواطنين إلى أدوات قمع، وتمثّل الحالة السورية مثالاً بيّناً على التسييس والفساد المُمنهجَين اللذين استشريا في معظم مؤسّسات الدولة، إذ تمدّدت الأجهزة الأمنية لتغدو أداةً للقمع الوحشي تعمل بوصفها ذراعاً تنفيذية مباشرة، وفرضت السلطة التنفيذية هيمنتها على السلطتَين التشريعية والقضائية، فجرّدت القضاء من استقلاله وحوّلته أداةً سياسيةً لإصدار أحكام تعسفية وقمع المعارضة.

ولا يقتصر هذا الانهيار البنيوي لنزاهة المؤسّسات على أفعال أفرادٍ معزولين، بل يشمل شبكات واسعة من التواطؤ، وتؤكّد الدراسات المقارنة للأنظمة القمعية أنَّ بقاء هذه الأنظمة يعتمد على منظومات من المتعاونين تتجاوز مرتكبي الجرائم المباشرين لتطاول هياكل مؤسّسية واجتماعية متعدّدة. وتتضمن شبكة التواطؤ عناصر من الأجهزة الأمنية والعسكرية، وقضاة شرعنوا القمع بأحكامٍ تعسّفية، وموظّفين حكوميين سهّلوا الانتهاكات بإجراءاتٍ إدارية، فضلاً عن شخصيات اقتصادية وثقافية وفنية قدّمت دعماً رمزياً واجتماعياً للنظام. ويولّد هذا التواطؤ المتعدّد الطبقات ما يمكن تسميته “غطاء اجتماعيّاً” يطبع الانتهاكات، ويمنحها مظهراً من القبول يمكّن من استمرارها.

ويقتضي تحويل المؤسّسات الاعترافَ بأنَّ الانتهاكات لم تكن محصّلة قرارات فردية معزولة اتخذها قادة النظام فحسب، بل نتاج منظومة واسعة من التواطؤ شملت عشرات الآلاف داخل جهاز الدولة. ومن ثمّ، يتطلّب الإصلاح المؤسّسي نهجاً شاملاً لا يكتفي بمساءلة الجناة المباشرين، بل يطاول البنية التحتية التي مكّنت ارتكاب الانتهاكات المنهجية. وتنبع الضرورة الأخلاقية لهذا الإصلاح من الإقرار بأنَّ إبقاء المتّصلين بانتهاكات الماضي في مواقع النفوذ يعيد إنتاج ثقافة مؤسّسية مسؤولة عن تسهيل الانتهاكات، ويحول دون حدوث تحول حقيقي، ويهدّد استقرار أي انتقالٍ ديمقراطي.

ويُرسِي القانون الدولي أسساً واضحة لاستبعاد المتورّطين في انتهاكات حقوق الإنسان من المناصب العامة استناداً إلى مبدأ ضمان عدم التكرار. ويتجاوز هذا المبدأ، الذي يكتسب وزناً خاصاً عقب فترات الانتهاكات الجماعية، مجرّد وقف الانتهاكات إلى إلزام الدول بإعادة هيكلة مؤسّساتها على نحوٍ يحول دون تكرار الفظائع. ويُجسِّد عزل المتورّطين من المواقع الرسمية تطبيقاً مباشراً لهذا الالتزام، إذ إنَّ استمرارهم يرسّخ الثقافة المؤسّسية التي سهّلت الانتهاكات ابتداءً.

ويتجلّى هذا الإطار القانوني في عدد من الصكوك والفقه الدولي والإقليمي، فالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يوجب على الدول اتخاذ تدابير تشريعية ودستورية وإدارية تكفل إعمال الحقوق وحماية الأفراد من الانتهاكات، مع جواز فرض قيود ضرورية ومشروعة في سياقات ما بعد النزاع بشرط احترام ضمانات الإجراءات القانونية الواجبة. كما قضت هيئات قضائية إقليمية بوجوب قيام الدول بإعادة تنظيم أجهزتها والهياكل التي تُمارَس من خلالها السلطة العامة بما يضمن الاحترام الكامل والفعّال لحقوق الإنسان. وفي الاجتهاد الأوروبي لحقوق الإنسان، ثبّتت أحكام في قضايا بارزة أنّ تدابير “التطهير” متى نُفِّذت وفق ضمانات المحاكمة العادلة تتفق مع معايير حقوق الإنسان، بل قد تُعدّ لازمة في بعض السياقات لصون الأنظمة الديمقراطية من أخطار الفساد البنيوي.

وفي إطار العدالة الانتقالية، تبرز عمليات التدقيق والتطهير أداتَين محوريتَين لإصلاح مؤسّسات الدولة. فالتدقيق هو تقييم للنزاهة والملاءمة الوظيفية يهدف إلى التأكّد من أهلية الأشخاص لتولّي المناصب العامة في النظام الجديد بما ينسجم مع قيمه ومعاييره. أمَّا التطهير، المشتق من “lustratio”، فيرمي إلى تنقية المؤسّسات من إرث السلطوية عبر إبعاد من رسّخوا ثقافتها القمعية. وتخدم هاتان الآليتان غايات متكاملة: استعادة ثقة الجمهور بإقصاء المتورّطين، وتحويل المؤسّسات المسيئة إلى كيانات وطنية حامية للحقوق، وتفكيك البنى التي أتاحت وقوع الجرائم، والحيلولة دون ارتدادٍ سلطوي بأشكال جديدة.

ويُعدّ التمييز بين التدقيق وبين المتابعة الجزائية مسألةً حاسمة لفهم شمول الإصلاح المؤسّسي، إذ إنَّ التدقيق إجراءٌ إداري/سياسي لا يستهدف إيقاع عقوبات جنائية، بل يركّز في الصلاحية الأخلاقية والوظيفية لشغل المنصب العام. ويملأ هذا التمييز فجوة الإفلات من المساءلة التي قد لا تُعالجها الإجراءات القضائية وحدها، من خلال عزل أشخاص لا تبلغ أفعالهم عتبة الإدانة الجنائية، لكنَّها مع ذلك تقوّض ثقة الجمهور وتهزّ شرعية الدولة الديمقراطية.

يتجاوز البعد الأخلاقي للعزل الإداري نطاق الالتزامات القانونية ليشمل واجباتٍ أساسية تجاه الضحايا ومشروع المصالحة الاجتماعية الأوسع. فبالنسبة إلى ملايين المتضرّرين، يُعدّ استمرار وجود المتورّطين في الجرائم داخل مؤسّسات الدولة تذكيراً يومياً ومؤلماً بالظلم، بما يكرّس ما يسمّيه باحثون في حقل العدالة الانتقالية بـ”الإيذاء الثانوي”. ويغذّي هذا الوضع مشاعر الألم والغضب ويُظهر بوضوح أنَّ معاناة الضحايا لم تحظَ باعترافٍ كافٍ. في المقابل، يشكّل العزل الإداري لهؤلاء الأفراد تعويضاً رمزياً وعملياً في آنٍ معاً ينطوي على اعترافٍ رسمي بمعاناة الضحايا واستعادةٍ لكرامتهم وتأكيدٍ لمكانتهم مواطنين ذوي حقوق.

وتتجلّى الصلة بين التطهير المؤسّسي وبناء السلم الاجتماعي في منع دورات الانتقام وترميم الثقة العامة في مؤسّسات الدولة، فعندما تفشل السلطات في إقصاء الجناة المعروفين أو مساءلتهم، يتولّد فراغٌ خطير في منظومة العدالة يفتح الباب أمام الانتقام الفردي ويُمهّد لدوراتٍ جديدة من العنف تُهدّد الاستقرار وتُقوّض آفاق المصالحة الوطنية. وعلى النقيض من ذلك، تُعدّ عملية التدقيق المنهجية والشفافة أداةً أساسيةً لبناء السلام، إذ تُظهر للمجتمع أن لا أحد فوق القانون وتُقوّض ثقافة الإفلات من العقاب التي غذّتها الأنظمة السابقة.

وعليه، ينبغي فهم الإصلاح المؤسّسي بوصفه متشابكاً عضوياً مع كرامة الضحايا واحتياجاتهم، فالاعتراف بالمعاناة، عبر إبعاد الجناة عن مواقع السلطة، خطوةٌ لازمة لاستعادة الثقة والشرعية في المرفق العام. ويُقرّ هذا النهج بأنَّ العدالة الانتقالية لا يمكن أن تنجح إذا أبقت على الهياكل البشرية التي مكّنت الانتهاكات؛ لأنَّ ذلك يبعث رسائل متناقضة عن غياب القطيعة مع الماضي، ويُهدّد المشروع الانتقالي من خلال الإبقاء على البنية التي سمحت بحدوث الفظائع.

العربي الجديد

——————————

أصوات النساء الخافتة.. العدالة الانتقالية من منظور النوع الاجتماعي/ بتول الحكيم

6 نوفمبر 2025

تمثل العدالة الانتقالية نظامًا متكاملًا ينضوي على مجموعة من التدابير القضائية وغير القضائية، التي تتبعها المجتمعات والمنظمات الدولية بهدف التعامل مع إرث الانتهاكات الجسيمة والممنهجة لحقوق الإنسان، التي تحصل أثناء الصراعات والحكم القمعي، حيث تذهب العدالة لأبعد من العقاب فتعمل على إعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة، والاعتراف بحقوق الضحايا لبناء عقد مجتمعي جديد ومستدام.

تقول الخبيرة في بناء السلام والأمن الحساس للجندر، علا صالح، لـ”الترا سوريا”: “في الفترات التي تأتي بعد النزاعات والحروب، تتجه الأنظار نحو تحقيق السلم الأهلي والعدالة الانتقالية، عبر كشف الحقيقة وجبر الضرر، إلا أن أصوات النساء تبدو خافتة، رغم أنهن يدفعن الثمن الأكبر للحروب وتبعاتها، ما يجعل من الاعتراف بمعاناة النساء ومنحهن مواقع فاعلة في بناء السلام والذاكرة الجماعية، أداة من أدوات تحقيق العدالة الانتقالية”.

عناصر العدالة الانتقالية من منظور جندري

توضح صالح أن العدالة الانتقالية من المنظور الجندري، تتألف من عناصر عدة تتمثل في كشف الحقيقة الجندري، وتنبني نهج إصلاحي وتحويل بنيوي، عبر دمج توثيق انتهاكات العنف الجنسي وتجارب النساء في لجان الحقيقة والتوثيق، والتأكد من كشف الهياكل والديناميات التي سمحت بالانتهاكات، واستهدافها في الجوانب المجتمعية والمؤسسية، كما تمثل العدالة والمحاسبة الجنائية عنصرًا مهمًا من عناصر العدالة الانتقالية من منظور جندري، من خلال ضمان وصول الناجيات للعدالة معرفيًا وقانونيًا واقتصاديًا ونفسيًا، والتحقيق في الجرائم الجندرية، وتطبيق آليات مكافحة الإفلات من العقاب، وضمان حماية الضحايا أثناء العمليات القضائية.

ويعتبر “جبر الضرر التحويلي” عنصرًا مهمًا أيضًا، ولا يقتصر على التعويضات المالية، بل يتعداها إلى إصلاح القوانين والمؤسسات التي تعزز المساواة والعدالة الجندرية، وضمان حقوق النساء في السكن والأرض والموارد والميراث والتعليم والعمل، كما تشمل آليات التعويض، وفقًا لـ صالح، جوانب متعددة “مالية، اجتماعية، رمزية”، تتمثل في إعادة الاعتبار للنساء كأفراد ومجموعات، وتعمل على إعادة بناء كرامتهن وحقوقهن في المشاركة الفاعلة في الحياة العامة، إلى جانب ضمان عدم تكرار الانتهاكات، عن طريق إصلاح القوانين والمؤسسات، وتبني سياسات تكفل المساواة وخلق بيئة آمنة وممكنة للنساء والفئات الهشة.

وتضيف صالح أن “المشاركة الفعالة” تعتبر عنصرًا مهمًا لاكتمال العملية، ويمكن تحقيقها من خلال إشراك النساء في تصميم وتنفيذ ومراقبة آليات العدالة الانتقالية، والاعتراف بدور الناجيات ومنظمات النساء كمحركات رئيسية للعملية، مشيرة إلى أهمية توسيع مفهوم العدالة ومراعاة المنظور التقاطعي، ومراعاة التنوع داخل الفئات النسائية (كالعرق، الدين، الوضع الاجتماعي والاقتصادي، واللغة، وغيرها) وتصميم التدخلات بحيث تلبي احتياجات جميع الفئات لتشمل النواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، وتأخذ في الحسبان إعادة توزيع السلطة والموارد بطريقة تعالج التهميش والتفاوت البنيوي.

أهمية إشراك النساء في مسار العدالة الانتقالية

تؤكد صالح أنه غالبًا ما تتعرض النساء لانتهاكات مختلفة مثل العنف الجنسي والتمييز الاجتماعي والاقتصادي أثناء الصراعات، وتأتي هذه الانتهاكات على خلفية تمييز تاريخي تعاني منه النساء على مختلف الأصعدة، لذلك إشراكهن يضمن توثيقًا شاملًا لهذه الانتهاكات ومعالجتها بفعالية، موضحة أن مشاركة النساء في لجان الحقيقة والمحاكم وعمليات المصالحة وصياغة الدساتير، تعزز العدالة التوزيعية وتصحح العلاقات غير المتوازنة بين الجنسين في المجتمع، ما يمنح العدالة الانتقالية شرعية ومصداقية أكبر، ويجعل من العدالة الانتقالية بداية حقيقية لإعادة بناء المجتمعات بطريقة تراعي الحقوق والكرامة لكل النساء والرجال على حد سواء.

الفوارق في تأثير النزاعات

تتعرض النساء للعنف الجنسي أثناء الحروب، وتستخدم أجسادهن فعليًا ورمزيًا لتصفية حسابات أطراف النزاع وإذلال مجتمعات الخصم، وتقول صالح إن هذا النوع من الانتهاكات يترك أثرًا عميقًا على كرامة النساء، كما تقوم النساء بأعباء اجتماعية مزدوجة أثناء الحروب والنزاعات مرتبطة بأدوار رعائية واقتصادية، في ظل التهميش والتغييب السياسي، إذ لا تزال نسبة النساء في المفاوضات الرئيسية للسلام في العالم لا تتجاوز 13%، وغالبًا ما يُنظر إليهن كممثلات رمزيات دون نفوذ حقيقي، وهذا الاستبعاد يكرس عدم المساواة ويمنع تحصيل مصالح النساء وقضاياهن في صياغة حلول النزاعات، ولحظنا في سوريا تمثيلاً رمزياً للنساء لا يتجاوز الاستعراض للخارج والذي سقط عند أول احتكاك، إذ تتقلص مقاعد النساء لصالح الرجال ونرى اليوم غيابًا حادًا للنساء عن مواقع صنع القرار في سوريا.

الأدوات التي تعزز مشاركة النساء

لا يوجد وصفة جاهزة لتعزيز مشاركة النساء في المصالحة والسلم الأهلي، وفقًا لصالح، ففي كل سياق يجب أن تستجيب هذه الأدوات للتحديات التي تواجهها النساء المختلفات في بيئات مختلفة في السياق الوطني ذاته، لكن من الأهمية بمكان دعم القيادة النسائية المنبثقة من المجتمع وخلق شبكات دعم متينة تقود حوارات المصالحة وتتفاعل بفعالية مع الفاعلين الرئيسيين في العملية الانتقالية، إضافة الى خلق مساحات آمنة ومناطق حوار نسائية عن طريق إتاحة منصات حوار حرّة ومحمية للتعبير عن تجاربهن وصياغة المطالب والتخطيط المشترك، بعيدًا عن مظاهر العسكرة او الضغوط الاجتماعية.

ومن الجدير بالذكر أن النساء الراونديات لعبن بعد الإبادة الجماعية، عام 1994، دورًا حاسمًا في لجان المصالحة المحلية ضمن ما سمي بعملية العدالة التشاركية، حيث ساهمن في كشف الحقائق والمصالحة المجتمعية، وتمكين الناجين/ات، كما دفعن باتجاه تعزيز التمثيل النسائي في المؤسسات القضائية والسياسية، ما دعم تعزيز حقوق النساء وتحقيق العدالة على مستوى شامل، حيث اعتمدن على علاقاتهن الوثيقة بالمجتمع المبنية  واستجابتهن عقب الإبادة للاحتياجات المحلية، إذ حصلن على شرعيتهن من هذه الثقة القاعدية، الأمر الذي مكنهن من الضغط لتعزيز تمثيل النساء في عمليات العدالة الانتقالية الرسمية.

أشكال جبر الضرر التي تحتاجها السوريات

في ذات السياق تقول المعتقلة السابقة والمتطوعة في حملات المناصرة ودعم الناجيات إيمان ظريفي لـ”الترا سوريا”: “واجهت السوريات الكثير من أشكال العنف في فترة النزاع ولا تزال آثارها ممتدة حتى الآن، فقد تعرضن للقتل والتهجير والابتزاز أثناء المداهمات والذل والتجويع والاعتقال، حيث عانين شتى أنواع التعذيب النفسي والجسدي والجنسي، كما تعرض البعض للعنف المجتمعي بعد الخروج من المعتقل، والذي يتمثل في القتل والطلاق والنبذ المجتمعي؛ بسبب ما يسمى وصمة عار”.

وترى ظريفي من خلال تجربتها الشخصية كناجية ومن خلال احتكاكها المباشر بواقع الناجيات، أن أبرز أشكال “جبر الضرر” التي تحتاجها الناجيات هو توثيق الانتهاكات التي تعرضن لها، وضمان محاسبة الجناة ومرتكبي الانتهاكات، والاعتراف بكيانها واستقلاليتها، والعمل على دمج النساء بشكل فعال لضمان اكتفائهن الداتي والمادي، وتخصيص تعويضات ثابتة ومستمرة، للواتي لا يستطعن العمل، بالإضافة لتكريمهن في المناسبات، والعمل على نشر الوعي بسخافة فكرة “وصمة العار”.

وتضيف أن توثيق الانتهاكات التي تعرضت لها النساء، جزء لا يتجزأ من العدالة الانتقالية، ويكون عبر مؤسسات تابعة للدولة والمنظمات الحقوقية والإنسانية، موضحة أن البعض لا يزال يجد حرجًا من ذكر هذه الانتهاكات، خاصة ذات الطابع الجنسي، نظرًا للقيود المجتمعية التي لا تزال تفرض سيطرتها بفعل العادات والتقاليد، فيرى البعض أنها “وصمة عار” يجب طمسها وإخفاؤها.

الترا سوريا

———————————–

خليل معتوق: ظلّ الحقوق الطويل/ صبحي حديدي

في نصّ مفعم بحسّ الأسى والكرامة والاعتزاز، وبمقادير من الحزن منضبطة عن سابق قصد، نعت الفنانة السورية رنيم خليل معتوق، والدها المحامي والناشط الحقوقي (1959 ـ ؟؟؟)، الذي تأكد استشهاده في سجون نظام «الحركة التصحيحية» بعد 13 سنة من الغياب والتغييب والتعتيم التامّ على مصيره. وكان معتوق قد اعتُقل، صحبة صديقه وجاره محمد ظاظا، بتاريخ 2/10/2012 على حاجز أمني، ولم ترشح عن أخباره بعدئذ سوى شذرات متفرقة نقلها معتقلون قابلوه مصادفة في معتقلات مختلفة، خاصة زنازين الفرع 235 المعروف أكثر بـ»فرع فلسطين»، والشهير بأنه في عداد أجهزة آل الأسد الأشدّ توحشاً وسادية وهمجية.

الأرجح، ما لم تتضح لاحقاً تفاصيل أخرى مختلفة، أن أسرة معتوق لم تعثر على جثمانه في أيّ من الفروع الأمنية التي تلهف أهالي المفقودين على اقتحام زنازينها وأقبيتها ونبش ملفاتها بحثاً عن أثر ما، أية معلومة أو علامة، تدلّ على مصائر أحبابهم؛ خاصة وأن سلطات الرئيس الانتقالي أحمد الشرع لم تنجز، حتى الساعة، كفاية الحدّ الأدني مما هو ملقى على عاتقها من واجبات في هذا الملف. وأنْ تقوم رنيم خليل معتوق، نيابة عن الأسرة، بإعلان وفاة أبيها من جانب واحد، فهذا قرار غير عادي، وهو استثنائي من حيث طابعه الإجرائي، وعالي الشجاعة إنسانياً، وطافح بمشاعر شتى من الحزن والألم والاضطرار والواجب؛ عدا بالطبع، عن كونه خياراً فضّاحاً للجهات المكلفة أصلاً بتبيان الحقائق حول عشرات الآلاف من أمثال الشهيد معتوق.

«بعد أن أثقلنا الانتظار، وأرهقنا الأمل بعودته أو بالعثور على أي أثر له، قررنا أخيراً أن نقطع حبال الأمل، ونحرر روحه لتغادرنا بسلام. ننهي بذلك رحلة حياة لا تليق بها إلا أكاليل الشهادة- شهيد الحقّ والكلمة، شهيد العدل والإنسانية. هنا تنتهي قصة خليل معتوق، لتبدأ قصتنا نحن مع ما تركه لنا من نورٍ وإصرارٍ وحب للحياة»؛ هكذا كتبت رنيم معتوق، سائلة أن «نودّعه بالسلام، ونضيء الشموع لروحه». وثمة في هذا النصّ نبرة تحرير وتحرّر في آن معاً، غير عادية هنا أيضاً، تتجاوز الجرعات التي تُنتظر من ابنة تنعي الناشط الحقوقي والمناضل السياسي أسوة بالأب وعميد الأسرة، وتقيم توازناً غير خافٍ بين أكثر من شخصية واحدة مثّلها الراحل، وأكثر من مغزى يحمله استشهاده.

هي، في كلّ حال، الصبية ذاتها التي كانت بعدُ طالبة في كلية الفنون الجميلة حين اعتقلتها أجهزة آل الأسد خريف 2014، وأحالتها إلى محكمة الإرهاب دفعة واحدة. وكان واضحاً أنّ الاعتقال تمّ على خلفية أنشطة الصبية المعارضة من جانب أوّل، ولكنه أيضاً كان سبيل ضغط على أبيها المحامي، طبقاً لطرائق التنكيل التي اعتاد عليها مجرمو الحرب من زبانية «الحركة التصحيحية» بحقّ أفراد من أسرة المعتقل. وتتكشف اليوم، تباعاً وفي حدود دنيا للأسف، معطيات أكثر وضوحاً حول سعار وحشي أصاب كبار ضباط الأمن في النظام البائد، بوحي من كبيرهم الذي كان يعلمّهم أفانين جرائم الحرب، ضدّ هذه الشريحة تحديداً من المجتمع السوري: طالبات وطلاب الجامعات.

وقبل اختطافه واعتقاله وتغييبه، خريف 2012، واستشهاده تحت التعذيب غالباً؛ كانت النيابة العسكرية في مدينة حمص قد حرّكت دعوى «قضائية» بحقّ معتوق، بتُهَم «تحقير رئيس الجمهورية»، و»تحقير إدارة عامة»، و»إثارة النعرات الطائفية والمذهبية»؛ وأمّا «جريمة» معتوق الفعلية فقد كانت إصراره على مساءلة عناصر الأمن الذين قتلوا ابن شقيقه سامي معتوق، وكان بدوره ناشطاً حقوقياً في قريته المشيرفة غربي مدينة حمص، خريف 2008. لم تكن أجهزة النظام الأمنية متعودة، البتة في الواقع، على محامٍ يوجّه برقية مسجلة إلى رأس النظام، يطالبه فيها بتوجيه القضاء العسكري للتحقيق في جريمة مقتل الفتى معتوق، بعد تقاعس النيابة العسكرية في حمص، رغم صدور قرار من النائب العامّ العسكري بفتح التحقيق.

وكانت تلك الوقائع، قبل انتفاضة 2011 الشعبية وبعدها، بمثابة حيثيات تتكفل بردّ استبداد النظام في عهد الأسد الابن إلى جذورها الحقيقية في عهد الأسد الأب، حتى من دون حاجة إلى تعقيد «سوسيولوجي» عند تشخيص خصائص الامتداد الطبيعي للنظام الأمّ الواحد ذاته؛ أو بوصفه التطوّر الوحيد الطبيعي المنتظَر، في السياسة والأمن والاجتماع والاقتصاد. الاستبداد لم يكن طبيعة ثانية مقترنة بالسنوات ما بعد الـ 30 من عمر «الحركة التصحيحية» فحسب؛ بل كان أيضاً طبيعة أولى، أو طبيعة عليا أو طبيعية بنيوية تكوينية وجودية، لا تقوم للنظام قائمة من دونها أصلاً. ولهذا فإنّ ممارسة الاستبداد في أيّ قطاع وضدّ أية شريحة لم تكن تحتاج إلى مناسبة أو سياق أو مبرّر مباشر؛ لأنها كانت جزءاً تأسيسياً لا يتجزأ من ذلك النهج المتكامل، الذي اعتمده النظام في العلاقة مع المجتمع، وانطوى على مختلف طرائق الترهيب والقمع والتنكيل.

ولأنّ معتوق الشهيد مارس على الدوام دور ظلّ ثقيل طويل جسور، يخترق مسارح العبث والابتذال التي أطلقت عليها «الحركة التصحيحية» تسمية المحاكم، فدافع عن صبية مثل طلّ الملوحي أو رجل مثل مشعل تمو أو شيخ مثل رياض الترك؛ فإنّ تصفيته وعشرات الآلاف على شاكلته الكفاحية، كانت تحصيل حاصل فاشي لمنظومة استبداد فاشية.

القدس العربي

——————————–

العدالة الثقافية” أداة لتحقيق العدالة الانتقالية/ بتول الحكيم

31 أكتوبر 2025

تشكل العدالة الانتقالية مسارًا معقدًا تنتهجه المجتمعات الخارجة من الأزمات وحكم الأنظمة الاستبدادية، لمعالجة إرث الانتهاكات وتحقيق المصالحة وبناء السلم الأهلي، فيما تبرز “العدالة الثقافية” كمحور جوهري يساهم في تحقيق هذه العدالة، حيث تشمل إعادة الاعتبار للهويات التي تعرضت للتهميش أو الإبادة، والثقافات التي تعرضت للتشويه، وتسعى للاعتراف بالتنوع الثقافي واحترامه وتكريسه من خلال الأدوات الثقافية، ما يجعل من العدالة الثقافية أداة فاعلة في هذا المسار، تساهم في ترميم النسيج الاجتماعي وإعادة التوازن للذاكرة الجماعية، وبناء مجتمع يعترف بالآخر ويستثمر بالتنوع لخلق هوية وطنية جامعة، قوامها الاحترام والمساواة.

مفهوم “العدالة الثقافية”

يقول المدرب في الفنون الصحفية الكاتب والمؤلف رامي عبد الحق لـ”الترا سوريا” إن مصطلح “العدالة الثقافية” يضم عدة مفاهيم تهدف إلى تحقيق الإنصاف والمساواة والاحترام في مجال الثقافة بين الأفراد أو الجماعات أو المناطق المختلفة، وتضمن التوزيع المنصف للخدمات والمنتجات والفرص الثقافية، وتوفير المرافق الثقافية المتمثلة في المسارح ودور السينما والمكتبات ودور الثقافة بشكل عادل على كافة الجغرافيا السورية، وضمان إزالة العوائق الاقتصادية والاجتماعية التي تحول دون الوصول للمشاركة والاستفادة من الحياة الثقافية، مع الحفاظ على الخصوصية والهوية لكل فئة، ما يجعل من العدالة الثقافية امتدادًا للعدالة الاجتماعية.

وفي ذات السياق يوضح رئيس اتحاد الكتاب العرب د. أحمد جاسم الحسين لـ”الترا سوريا” أن “العدالة الثقافية” جزء لا يتجزأ من العدالة الانتقالية التي تتضمن جوانب قانونية وثقافية ومجتمعية واقتصادية وفكرية أيضًا، مؤكدًا أن الاتحاد كمنظمة لديه حرية في التحرك أكثر من الوزارات، بوصفه لا يمثل الحكومة بشكل مباشر، بل يمثل الأدباء، ما يتيح له التحرك بأريحية لتحقيق العدالة الثقافية التي لا تحمل طابعًا تجريميًا أو قانونيًا بالمفهوم المباشر، وهدفها الحفاظ على مستقبل البلاد، وتحقيق التعايش بين فئات المجتمع، ودفع المخطئ للإقرار بذنبه، للانتقال لمرحلة التسامح والغفران، ومحاولة التعويض وجبر الضرر “الثقافي”، من خلال تأليف كتب، مثلًا، تحمل فكرا معاكسًا لما قام به منكرو الجرائم.

مبادئ العدالة الثقافية

وعن أبرز مبادئ العدالة الثقافية، يوضح عبد الحق أنها ترتكز على الاعتراف والاحترام المتساوي وغير المشروط لكافة الثقافات وتقدير قيمتها داخل المجتمع السوري، وحماية التراث واللغة والتاريخ وخاصة للأقليات، وضمان تكافؤ الفرص في الوصول والمشاركة الثقافية للجميع على حد سواء، ومبدأ المساءلة وحقوق الإنسان، على اعتبار أن الحقوق الثقافية جزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان.

وتحتاج المجتمعات الخارجة من الأزمات للمصالحة الثقافية والاعتراف بذاكرة الجميع وهوياتهم، وهذا الأمر يتطلب مجهودًا مضاعفًا يركز على مجموعة أمور تتمثل في الاعتراف بالآلام المشتركة والمختلفة، وبناء ذاكرة جماعية جديدة تتسع لجميع الهويات التي يتألف منها المجتمع، وتضم كافة السرديات، كما في الحالة السورية، حيث لا يمكن بناء الذاكرة الجماعية برواية السردية من الجانب المنتصر فقط، وذلك من خلال لجان الحقيقة والمصالحة التي تعتبر أداة لتحقيق العدالة الانتقالية، وتوثيق كافة الروايات لبناء ذاكرة مجتمعية حقيقية وإعادة صياغة هوية وطنية جامعة.

آليات تفعيل العدالة الثقافية

 يوضح عبد الحق أن تفعيل العدالة الانتقالية يتم من خلال دمج الممارسات الثقافية في مبادئ العدالة الانتقالية، ما يضمن شمولية العدالة واعترافها بالهويات المتنوعة واستجابتها للصدمات الجماعية، وتفعيل ملاحقة الجرائم الثقافية من خلال الاستعانة بالقوانين الدولية لملاحقة المسؤولين عن تدمير التراث الثقافي ومرتكبي الجرائم ضد الهوية الجماعية، مؤكدًا أهمية العمل على إنشاء محاكم وتدريب قضاة ومحامين لفهم السياقات الثقافية للنزاع وتأثير الصدمات على طريقة إدلاء الشهود بشهاداتهم، وتوجيه برامج جبر الضرر لتشمل الأضرار الثقافية والرمزية كترميم المخطوطات والآثار التي تم نهبها وتدميرها والعمل على استعادتها وتوفير الدعم اللوجستي والمادي لدعم اللغات المهددة وضمان عدم تكرار الانتهاكات التي تهدد الثقافة عبر إصلاح المؤسسات الثقافية وسن تشريعات وقوانين لحمايتها ضمن الدستور القادم، وتطوير المناهج التعليمية لتعزيز الثقافة المدنية داخل المجتمعات.

ويشير الحسين إلى أن الحفاظ على الذاكرة الجماعية هو أحد أدوات تحقيق العدالة الثقافية خاصة والانتقالية عمومًا، ويشكل الحفاظ على التراث الشعبي السوري اللامادي ضرورة ملحة، حيث تعرضت أشكال التراث الشعبي من عادات وتقاليد ومنتجات للإهمال الشديد، بذريعة ترسيخ التراث القومي والخطاب الرسمي واللغة العربية الفصحى، في حين لا يوجد تضارب بين المسارين حقيقة.

ويلعب الخطاب الثقافي، بحسب الحسين، دورًا جامعًا في منظومة القيم المستمدة من حقوق الإنسان، موضحًا أن الموروثات الدينية والتراثية في منطقتنا تتضمن الكثير من مبادئ حقوق الإنسان، وتمثل مرجعيات تتيح للناس التعايش فيما بينها، مثل ثقافة التسامح والإيثار وإغاثة الملهوف، التي أصبحت معطى عالميًا إثر قوننتها من منظمات حقوق الإنسان، مؤكدًا أن التزامنا بها لا يكبدنا الكثير لأنها جزء من ثقافتنا، وما نحتاجه حالة من الوعي والشعور بالمسؤولية ممن أخطأ، ما يؤدي لصياغة سردية سورية جديدة جوهرها الاعتراف بحقوق الإنسان والاعتراف بالخطأ ممن أنكر المجازر، وهو موجه لكافة الأطراف.

معوقات تفعيل العدالة الثقافية

وعن معوقات تفعيل “العدالة الثقافية”، يوضح الحسين شعور البعض بأنها أمر ثانوي وأن العدالة الحقوقية هي الأولوية، في حين تنبع أهمية العدالة الثقافية من كون المثقفين أحد أهم ركائز المجتمعات، ما يجعل من المهم قيامهم بإعادة صياغة رؤاهم وأفكارهم، تبعًا لفاعليتهم وتأثيرهم على المجتمع بما يضمن الاعتراف بحق الآخر وتصحيح السردية لضمان عدم تكرار هذا الشكل من الانتهاكات، التي تتمثل في آراء تؤيد المجازر أو تبررها بشكل أو بآخر.

وعن خطة الاتحاد لتفعيل العدالة الثقافية، يوضح الحسين أنها قيد التنفيذ في غضون أيام قليلة، وقد انبثقت من الاطلاع على تجارب الشعوب الأخرى، حيث يتم العمل على جدول تصنيفي لكل إنكار أو فعل ارتكبه المثقفون، والعقوبة التي تتناسب معه، سواء كانت اجتماعية أو سردية كتابية وغير ذلك.

الترا سوريا

————————-

إبراهيم ملكي عضو هيئة الدفاع عن معتقلي الرأي في سوريا: المقاتلون الأجانب عامل ضغط على مشروع بناء الدولة الجديدة

إبراهيم ملكي: المقاتل الأجنبي في سوريا يصنف بأنه مقاتل غير شرعي

عمار زيدان

2025-11-04

شكل وجود المقاتلين الأجانب في سوريا عقب انطلاق الحراك الشعبي عام 2011 أحد أبرز العوامل التي عقدت الصراع وحولته إلى طابع إقليمي ودولي، كما دفع ذلك لدخول جماعات وأطراف خارجية نشطت بشكل كبير على الساحة السورية في الوقت الذي كان يعاني فيه السوريين من التهجير وعمليات القتل والدمار على يد النظام المخلوع.

وعلى مدار أكثر من 14 عاماً الماضية قالت تقارير صادرة عن الأمم المتحدة ومراكز أبحاث عالمية، إن تنظيم داعش كان يضم ما بين 30 إلى 40 ألف مقاتل أجنبي يتواجدون في سوريا كما ضمت الميليشيات الإيرانية وغيرها الموالية للنظام المخلوع نحو 25 ألف مقاتل أجنبي يضاف إلى ذلك وجود بضعة آلاف من المقاتلين الأجانب ضمن صفوف فصائل سورية معارضة قدموا من عدة دول.

وفي حوار خاص مع إبراهيم ملكي عضو هيئة الدفاع عن معتقلي الرأي في سوريا، أجاب فيه عن العديد من الأسئلة حول المقاتلين الأجانب المتواجدين في سوريا ومن بينها أثر هؤلاء المقاتلين في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد وهل ملف المقاتلين الأجانب له تأثير على العلاقات الخارجية السورية مع دول العالم؟

وفي ما يلي الحوار كاملاً:

كيف ترى أثر المقاتلين الأجانب في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد؟

المقاتلون الأجانب دخلوا إلى سوريا تحت غطاءات عديدة منها دينية وقومية وأيديولوجية معينة وباتوا الآن عوامل ضغط على مشروع بناء الدولة الجديدة، حيث يمكن اعتبارهم قنابل موقوتة وبحكم طبيعتهم كأجانب من الممكن إلى حد كبير أن يصطدموا مع مشروع بناء الأوطان وهذا يعني التوجه نحو العنف واستعمال السلاح. وفي حال لم يتم حلهم بشكل كامل فسوف يكون هناك استمرار للعنف في سوريا وكل ذلك بحكم طبيعتهم وتاريخهم السابق القائم على المشاركة في أعمال العنف بعدد من الدول حول العالم.

أرى بأن ملف المقاتلين الأجانب في سوريا مشكلة معقدة يجب التعاطي معها بطريقة ترسخ المبادئ الوطنية وبناء سوريا كدولة للجميع وذلك يترافق مع بناء جيش سوري وطني يضم كافة المكونات وفي الوقت نفسه عدم مشاركة المقاتلين الأجانب أو الانخراط بالمؤسسة العسكرية والأمنية. حيث أن حادثة مخيم الفرنسيين أكدت على خطورة وجود السلاح بشكل عشوائي سواء بيد الأجانب بالتالي يجب أن يُجمع السلاح وتبقى القوة الوحيدة العسكرية بيد الدولة لكي لا يصبح هناك انفلات أمني واسع، وعادة الدول عندما تخرج من حروب داخلية تعمل كخطوة أولى في عملية بناء مشروع الدولة من خلال سحب السلاح من يد كافة الفصائل والمقاتلين وتوحيدهم ضمن المؤسسة العسكرية. ما يحدث في سوريا حالياً هو بقاء السلاح في يد الأفراد والمجموعات غير المنضبطة كما أظهر ما حدث في “مخيم الفرنسيين” أن هناك بعض المقاتلين الأجانب غير المنضبطين بمعنى أن هذا السلاح يجب أن يسحب من كل هذه الأطراف وهذه المسألة تحمل الكثير من التعقيدات وهو ما يدفع لأن يكون هناك حل لهؤلاء المقاتلين وعوائلهم مع مراعاة الجانب الإنساني والقوانين الدولية بالدرجة الأولى. كما من الضروري إصدار قانون الجنسية في سوريا وتحديد المواد الذي يتضمنه هذا القانون بشكل مدروس ودقيق.

هل حادثة “مخيم الفرنسيين” أظهرت خطورة بعض المقاتلين الأجانب في سوريا؟

المقاتل الأجنبي في سوريا يصنف بأنه مقاتل غير شرعي ويصنف أيضاً كمقاتل ضمن صفوف مجموعات وميليشيات غير شرعية واتفاقيات جنيف وقوانينها لا تراعي وجود هؤلاء المقاتلين أو الجماعات والفصائل الأجنبية بالتالي فإن القانون الدولي يصفهم بأنهم مقاتلين غير نظاميين لا تشملهم الحماية الذي ينص عليها القانون الدولي كما يصنف المقاتلين الأجانب بناء على اتفاقيات جنيف لعام 1949 بأنهم أعضاء وعناصر في ميليشيات غير نظامية جاؤوا ليشاركوا في المعارك والقتال خارج بلدهم دون هدف وطني بل من أجل أهداف دينية أو قومية أو طائفية أو ايديولوجية أو غير ذلك ومع بقاء هذه المشكلة ستستمر مرحلة الصراع الدامي في سوريا والتي فرضت منذ عهد نظام بشار الأسد على ملايين السوريين خلال فترة تمتد لأكثر من 14 عاماً، ومن فعل ذلك هو بشار الأسد الذي يتحمل مسؤولية دخول المقاتلين الأجانب وبقائهم داخل الأراضي السورية بعد قيامه بالحرب ضد السوريين، وفي نهاية الإجابة عن هذه السؤال أرى بأن المقاتلين الأجانب يشكلون خطراً على مستقبل سوريا التي تحتاج إلى الاستقرار الأمني والتطور والازدهار الاقتصادي.

هل العدالة الانتقالية في سوريا يجب أن تشمل هؤلاء المقاتلين أيضاً إذا كانوا متورطين بمخالفة للقوانين وانتهاكات؟

بالتأكيد يجب أن تشملهم العدالة الانتقالية إذا كانوا متورطين بالانتهاكات وطبعاً العدالة الانتقالية يجب أن تكون شاملة وعامة وتشمل الجميع وكل من ارتكب انتهاكات لحقوق الإنسان في حق المدنيين السوريين يجب أن يحاسب ولا يوجد في العدالة الانتقالية أي استثناءات بل يجب مقاضاة أي مرتكب للانتهاكات والجرائم ضد الإنسانية والتي باتت بأعداد هائلة وأتحدث هنا ليس فقط على المنتمين للنظام المخلوع وإنما لجهات أخرى تعمل ضمن صفوف الحكومة السورية الجديدة أو المقاتلين الأجانب ويجب محاسبتهم بالاعتماد على القانون الدولي الإنساني والعهد الدولي لحقوق الإنسان اللذان يصنفان هؤلاء المقاتلين كما ذكرت في الإجابة عن السؤال السابق بأنهم لا حماية لهم وبالتالي هم مرتزقة. في الحقيقة هذا الاتجاه والإطار يعتبر معضلة يجب حلها بأسرع وقت ممكن من أجل بناء دولة سورية تحمل هوية وطنية فالبقاء على هذا الحال ينذر بالذهاب نحو صراع آخر جديد.

من الناحية القانونية، كيف يُصنف المقاتل الأجنبي في القانون الدولي؟

في القانون الدولي من الممكن منح الجنسية للأجانب والاندماج في المجتمع المحلي وهنا يتم التركيز على الجانب الإنساني بالدرجة الأولى وهناك العديد من الأمثلة حول ذلك في عدة دول أوروبية التي منحت الجنسية للأجانب بناء على قوانين البلد ومثال على ذلك في ألمانيا وهولندا وسويسرا وفرنسا. لكن يجب على الشخص الأجنبي الخضوع لمجموعة من القوانين عند منح الجنسية  ومن حقه أن يعيش في البلد الذي يقدم فيها للجنسية ويتواجد على أراضيها منذ عدة سنوات على الأقل خاصة أن البلد أو الدولة التي جاء منها ترفض استقباله مجدداً وقد يتعرض للمحاكمة والاعتقال بالتالي فإن سوريا تحتاج في الوقت الراهن إلى قانون جنسية جديد يعالج هذه القضية ويعالج قضايا أخرى مثلاً السيدة السورية لا تستطيع أن تمنح الجنسية لأبنائها إذا كان زوجها أجنبياً وهذه المشكلة موجودة منذ أكثر من 40 عاماً  فمن الضروري معالجة هذه التعقيدات والمحظورات من خلال طرحها في البرلمان ثم إقرارها في الدستور .

هل ملف المقاتلين الأجانب له تأثير على العلاقات الخارجية السورية مع دول العالم؟

مع بقاء الوضع الحالي كما هو فيما يتعلق بالمقاتلين الأجانب في سوريا قد تحمل الفترة المقبلة تأثيرات مباشرة على العلاقة بين الحكومة السورية التي تعمل بعد سقوط نظام بشار الأسد على تصفير المشاكل وخلق علاقات دولية جيدة وبعض الدول التي يتواجد مواطنيها من هؤلاء المقاتلين داخل الأراضي السورية واستمرار نشاطهم المسلح والفكري وهو ما شاهدناه في “مخيم الفرنسيين” بشكل واضح خاصة مع وجود عدد كبير من المقاتلين الأجانب في سوريا على ما يبدو لا يرغبون في العودة إلى بلادهم خوفاً من الاعتقال لكن في الوقت نفسه هم عامل قلق بالنسبة لدول عديدة في مقدمتها أوروبا والولايات المتحدة الأميركية ليبقى السؤال الذي ستحمل الأسابيع المقبلة الإجابة عنه هل ستستطيع الحكومة الجديدة من احتواء المقاتلين الأجانب وكيف ستفعل ذلك أم سيكون هناك توترات تشابه ما حدث في “مخيم الفرنسيين” وربما أكثر اتساعاً  وخطورة.

+963

——————————-

المصالحة والمساءلة.. أن تكون العدالة ضمانة للسلم الأهلي/ نغم قدسية

2 نوفمبر 2025

تتجه سوريا بعد سقوط نظام الأسد نحو العدالة الانتقالية كمسار حتمي لمستقبل أكثر إنصافًا واستقرارًا. وبين المصالحة التي تسعى إلى ترميم النسيج المجتمعي، والمساءلة التي تضمن عدم الإفلات من العقاب، تتشكل معادلة دقيقة تتطلب توازنًا بين الذاكرة والصفح وبين الاعتراف والإنصاف.

تمثل المحاسبة والمساءلة أبرز ركائز العدالة الانتقالية بعد سنوات من الصراع، لكن الإشكالية هي في آليات تنفيذ المصالحة والمساءلة، وفيما إذا كانت المساءلة تعرقل المصالحة أم تمهّد لها؟

يرى المعتصم الكيلاني، المتخصص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، أنّ المساءلة تمهّد للمصالحة ومن دونها يكون السلام مجتزأ. إذ تبدأ العدالة الانتقالية بتثبيت الحقيقة وإنصاف الضحايا ثم تأتي المصالحة كنتيجة طبيعية لهذا المسار. ويشدد الكيلاني على إشراك الضحايا منذ البداية، في التصميم والمتابعة وفي التقييم أيضًا.

لكن ماذا عن إمكانية المصالحة دون محاسبة؟ يقول الكيلاني، في حديثه لـ “الترا سوريا”، إن الإفلات من العقاب يعيد إنتاج العنف، والمصالحة دون محاسبة هي هدنة هشّة حيث جذور الصراع تبقى حيّة، بينما التحدّي يكمن في الجمع ما بين السلم الأهلي والعدالة.

ويعتقد الكيلاني أنّ الحل ما بين تنفيذ المصالحة والمساءلة هو مقاربة متدرّجة وشفافة تبدأ بإعطاء الأولوية للانتهاكات الأشدّ، مع تحقيق عدالة تفاضلية مشروطة بالحقيقة، إلى جانب إصلاح مؤسسي يضمن عدم الانتقائية أو التمييز.

وترى المحامية نهلة عثمان، رئيسة اتحاد الجمعيات الألمانية السورية، أن المصالحة تتطلب الانفتاح والتسوية وربما حتى الغفران، بينما المساءلة تتطلب عقوبات واضحة وعادلة، وهنا يكمن التحدّي الرئيس في كيفية لم شمل المجتمع دون تخفيف الطلب على العدالة.

وتشير عثمان إلى أن المصالحة ليست المرحلة النهائية إنما هي جزء من عملية العدالة الانتقالية مهمّتها إعادة ربط المجتمع وبناء الجسور بين المجموعات المختلفة.

وتعتقد عثمان أن الآن هو الوقت المناسب للتفكير في لجان الحقيقة والمصالحة، إذ يمكن تشكيل نموذج سوري يتضمن لجان حقيقة ومنتديات إقليمية تسهّل الحوار المحلي، مع ضمان استقلالية هذه اللجان وتمثيلها لجميع المكونات.

وتؤكد على شروط أساسية لضمان مساءلة فعالة، أبرزها الاستقلالية والتعويض وإصلاح المؤسسات، إلى جانب توثيق المحفوظات والتقارير والتسجيلات الصوتية والفيديو، كضرورة لا بد منها حتى يصبح الإنكار مستحيلًا فلا تضيع الذاكرة.

ويرى الحقوقي إبراهيم ملكي أن ليس هناك مصالحة دون محاسبة، والمصالحة تأتي بعد الاعتراف والمساءلة، لكن جلّ الاهتمام يجب أن يكون موجّهًا نحو الضحايا، لإعادة الحقوق لهم من خلال جبر الضرر.

ويعتقد ملكي أن حجم الانتهاكات وضخامتها يصعّب مسار العدالة الانتقالية في سوريا، بينما التحديات تكمن في قلّة الموارد.

ويشير ملكي إلى أن تأخّر مسار العدالة الانتقالية إلى جانب السلاح المنفلت خارج إطار الدولة يزيد من احتمالية إعادة إنتاج العنف، كما أن محاولات تحصين بعض الأفراد وإفلاتهم من المساءلة يعرقل مسار العدالة الانتقالية، إذ لا بد من محاسبة الجميع دون تمييز، ولو كانت المحاسبة بدرجات متفاوتة حسب نوع الانتهاكات.

ويؤكد ملكي على ضرورة حضور الجهة المدّعية، حيث لا تتحقق العدالة دون إشراك الضحايا، ويمكن تنفيذ ذلك ضمن لجان الحقيقة والمصالحة فيشعر الضحايا وذويهم برد الاعتبار وأنهم ركن أساسي في تحقيق العدالة الانتقالية، وعلى العكس، فإنّ محاولة إقصاء الضحايا عن المشاركة ربما يدفع البعض لأخذ الثأر باليد.

وفي الوقت ذاته، يرى ملكي أن استعادة ثقة المواطنين بأجهزة الدولة ليس بالأمر السهل، وتحتاج إلى عمل تراكمي مع تقليل الأخطاء، فيما تمثّل المحاسبة أولى خطوات بناء الثقة بين الطرفين، معولًا على مجلس الشعب لصياغة قوانين وطنية جامعة تمدّ الجسور بين المواطن والدولة من خلال الشفافية والتشاركية.

—————————-

التطهير الوظيفي في المرحلة الانتقالية.. ماذا يعني استبعاد “المتورطين” من الدوائر الحكومية؟/ محمد كساح

4 نوفمبر 2025

وجهت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” دعوة إلى السلطات في سوريا لاستبعاد مجرمي الحرب والمتورطين في الانتهاكات الجسيمة من مؤسسات الدولة. وأكدت الشبكة أن هذا الإجراء لا يعد قرارًا سياسيًا أو انتقاميًا، بل ضرورة قانونية وأخلاقية لضمان عدم تكرار الجرائم واستعادة ثقة السوريين بمؤسساتهم.

منطلقات وتوصيات

ينطلق التقرير من المرحلة المفصلية التي تمر بها سوريا عقب سقوط النظام في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 وتشكيل حكومة انتقالية. ويؤكد أن العدالة الانتقالية لا يمكن أن تتحقق في بيئة تُبقي على البُنى والشخصيات التي رسخت الاستبداد وشاركت في الانتهاكات.

كما يوضح أنَّ أي محاولة لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة، دون مساءلة وتطهير حقيقي، ستظل شكلية وعرضة للانهيار، مما يُنذر بدوامة جديدة من الإفلات من العقاب والانتقام.

ويشدّد التقرير على أنَّ الإقصاء الإداري للمتورطين لا يُعد انتقامًا، بل هو تجسيد لمبدأ “ضمان عدم التكرار” المنصوص عليه في القانون الدولي لحقوق الإنسان. ويؤكد أنَّ التغاضي عن مطلب تطهير مؤسسات الدولة من المتورطين في الانتهاكات الجسيمة من شأنه أن يُضعف مسار الانتقال، ويُتيح للإفلات من العقاب أن يتغلغل في مؤسسات الدولة المستقبلية.

ويُبرز التقرير أن الانتهاكات التي جرت بحق آلاف السوريين لم تكن نتاج قرارات فردية معزولة، بل ثمرة تواطؤ منظّم داخل أجهزة الدولة، شمل عناصر من الأجهزة الأمنية والميليشيات، وقضاة ومحامين ومشرعين، وموظفين مدنيين ومسؤولين إداريين. إضافة لشخصيات اقتصادية وثقافية وفنية قدمت الغطاء الإعلامي والاجتماعي للنظام. وقالت الشبكة إنها وثقت تورط 16,200 شخصًا في هذه الانتهاكات، من بينهم قادة أمنيون.

ويوصي تقرير الشبكة بإقرار قانون خاص بالتطهير والتدقيق الوظيفي ينظم عملية استبعاد المتورطين في الانتهاكات، بالتوازي مع إشراك المجتمع المدني ومجموعات الضحايا في صياغة القانون وتنفيذه، وإطلاق استشارة وطنية عامة حول مشروع القانون.

ويلفت إلى إمكانية الاستفادة من قاعدة بيانات الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان التي تمتلك قاعدة بيانات موثَّقة حول آلاف المتورطين في الانتهاكات داخل نظام الأسد، ما يُمكّن من استخدامها في تقييم الملفات الوظيفية واتخاذ قرارات مدروسة بشأن الاستبعاد أو الإدماج المشروط.

أهمية التأطير القانوني

من جانبه، يوضح مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، خلال حديث لـ”ألترا سوريا”، أن الدعوة التي وجهتها الشبكة لاستبعاد المتورطين مع النظام السابق من المؤسسات الحكومية، لا تعني عشوائية تحقيق هذا المطلب أو دخوله الفضاء الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي، الأمر الذي قد يقود إلى تحول المستبعدين إلى مجرمين نتيجة الضغوط الشعبية وحملات الفضح العلني.

ويؤكد أن الملف يحتاج إلى تأطير قانوني حتى لا يتم تسييسه، وحتى نضمن ألا يحدث بطرق انتقامية، لكن بنفس الوقت يعد هذا الاستبعاد ضروريًا. فهي إذن عملية مركبة، تتم من خلال الاستبعاد الذي ينبغي أن يحدث وفق طرق قانونية بعيدة عن روح الانتقام أو التجيير السياسي.

ويتابع بأن التأطير القانوني لهذا الملف لن يتم دون الرجوع إلى المجلس التشريعي ثم تشكيل لجنة على مستوى البلاد لضمان تمثيل مختلف أطياف الشعب السوري وتحقيق مبدأ استقلالية القرارات، وفق إطار قانوني منظِّم لعملها.

يلفت عبد الغني إلى أنه من غير الطبيعي بقاء المتورطين في الوظائف الحكومية، وما يحاول التقرير توضيحه هو تحديد الأطر والمستويات الناظمة لعملية التطهير الوظيفي، والتي يمكن أن تشمل كلًا من الاستبعاد الدائم والمؤقت.

ويشير إلى وجود حملات شعبية على مواقع التواصل الاجتماعي ضد مؤيدي النظام السابق، لكنها قد تقود إلى الفوضى وبث الهلع، الأمر الذي يقضي باعتماد قرارات مدروسة تؤطر هذه العملية التي تعد إحدى أدوات المحاسبة المتميزة بكونها أسرع من عمل المحاكم، وهذه العملية توجه رسالة إلى الضحايا بوجود عمليات محاسبة لكن الأهم أن تكون ضمن القانون.

هل السلطة جادة في تحقيق العدالة؟

وتعليقًا على تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، يرى مدير آليات التحقيق برابطة الحقوقيين السوريين الأحرار، ياسر الشلاتي، أن إصلاح المؤسسات الحكومية هو أحد أهم ركائز العدالة الانتقالية. يتفق الشلاتي تمامًا مع جاء في تقرير الشبكة، بحسب ما يؤكد لـ”ألترا سوريا”، لكنه يشير إلى وجود مشكلة تتمثل بصعوبة تطبيق التوصيات، خصوصًا في ظل ما يمكن لمسه من عدم توفر رغبة جادة من جهة السلطة السورية في العمل على هذا الملف.

وبناء على معطيات قام برصدها، كما يؤكد، يرى الشلاتي أن الحكومة لا تسعى الى تطبيق حتى هذا المحور فقد وضعت حججًا على المحور القضائي الحقوقي،  كما أجرت العديد من التسويات السياسية التي يبدو أنها تعلو عندها على مبدأ العدالة الانتقالية.

ومن المعطيات التي يوردها والتي تؤشر إلى غياب الإرادة الحكومية بتطهير الدولة من المتورطين، ما أسماه “إعادة تدوير رجالات النظام السابق”، ويشير إلى تقديم قادة عسكريين ومجرمين مدانين على أنهم جزء من بناء سوريا كما حصل مع فادي صقر قائد اللجان الشعبية في دمشق وريفها فقد تم تعيينه كعضو في لجنة السلم الأهلي وكأن السلم يجب أن يكون بين الضحية والقاتل وليس بين المجتمعات، ومثلما جرى مع المرسومي الذي كان قائدًا لإحدى الميليشيات المقاتلة، وأيضًا اللقاء الذي جمع قادة لواء الباقر مع معاون رئيس الجمهورية أبو أحمد زكور، وغيرهم من شخصيات النظام السابق كـ حمشو والخطيب والمنفوش.

ويحذر الشلاتي من أن استمرار مثل هذه العمليات، سيؤدي إلى تجميد ملف العدالة بكافة محاوره القضائية وغير القضائية، بغض النظر عن قصد الحكومة السير في هذا الاتجاه أو كونها لا تقصد تمييع الملف. وفقًا لتعبيره.

———————————

الأمم المتحدة: بعض المفقودين لا يزالون على قيد الحياة في سوريا

تشرين الثاني 4, 2025        

كشفت نائبة الأمين العام للأمم المتحدة ورئيسة “الجهاز المستقل للتحقيق في مصير المفقودين في سوريا” (IIMP)، عن وجود معلومات موثوقة تؤكد أن بعض المفقودين لا يزالون على قيد الحياة، بينهم أطفال ونساء يشتبه بتعرضهم للاستغلال الجنسي أو الاتجار بالبشر.

وأكدت المسؤولة الأممية أن الجهاز المستقل يملك أدلة موثوقة حول مصير عدد من المفقودين، مشيرة إلى أن التحقيقات تشمل فئات متعددة مثل المفقودين بسبب النظام والأطفال والمهاجرين وضحايا تنظيم داعش، حسب وكالة “الأناضول” التركية.

وأوضحت كوينتانا أن التطورات السياسية الأخيرة في سوريا، وعلى رأسها الإطاحة بنظام الأسد المخلوع، فتحت الباب أمام دخول فرق التحقيق إلى الأراضي السورية، وهو ما لم يكن ممكناً قبل عشرة أشهر فقط.

ولفتت إلى أن الجهاز المستقل (IIMP)، الذي تأسس قبل عامين بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، جاء نتيجة جهود حثيثة من عائلات المفقودين التي دفعت المجتمع الدولي للتحرك.

وأشارت كوينتانا إلى أن الجهاز يعمل حالياً بفريق يضم نحو 40 خبيراً، ويواجه تحديات ضخمة بالنظر إلى حجم المأساة.

وشددت رئيسة الجهاز على أنه لا يمكن لمؤسسة واحدة أن تتولى هذا العمل وحدها بسبب الإمكانات المحدودة، داعية إلى تعاون واسع يشمل المؤسسات الوطنية والمجتمع المدني وهيئات الأمم المتحدة والدول الأعضاء.

وكشفت عن مشاورات جارية لإطلاق مشاريع ملموسة بالتعاون مع اللجنة الوطنية السورية وعائلات المفقودين، بهدف تحديد أماكن وجودهم سواء كانوا أحياء أو موتى، مؤكدة أن الموارد المتاحة سيتم توجيهها نحو هذه المبادرات.

والجدير بالذكر أن المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية IIMP، تأسست عام 2023 من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة ، بهدف توضيح مصير المفقودين ومعرفة مكان وجودهم وتقديم الدعم لهم ، ويقع مقرها الرئيسي في جنيف بسويسرا، مع وجود مكتب لها في دمشق.

المصدر: الإخبارية

——————————–

أوقفوا خطف النساء في سورية/ سمر يزبك

28 أكتوبر 2025

حملة “أوقفوا خطف النساء السوريات” صرخةٌ في وجه ممارسةٍ تحوّلت سلاحاً لتفتيت ما تبقّى من النسيج الوطني السوري. فمنذ سقوط النظام، رُصدت موجات متكرّرة من اختطاف النساء المنتميات إلى أقلياتٍ محدّدة (خصوصاً من الطائفتَين العلوية والدرزية). وقد أشارت إلى هذا منظّمات حقوقية، منها منظمة العفو الدولية (أمنستي) التي وثّقت 38 حالة. وغالباً ما ترافق ذلك بعنفٍ ذي طابعٍ طائفي صريح أو مبطّن، ما يضفي على هذه الجرائم بُعداً سياسياً لا يمكن تجاهله. حين يُختطف إنسان بسبب انتمائه الطائفي، لا يكون المُستهدَف هو الفرد وحده، بقدر ما تكون المُستهدَفة هي الرموز الأخيرة للانتماء المشترك. واختطاف امرأة من جماعةٍ ما لمجرّد هويتها المذهبية يعني عملياً إعلانَ عزل هذه الجماعة وتجريدها من حقّها في الأمان، وإبلاغها بأنها “مُستباحة”. من هنا، ليست مواجهة الخطف مجرّد سعي إلى إنصاف الضحايا أو تخفيف معاناتهم فقط، بقدر ما هي فعلٌ وطنيٌ سياسيّ يسعى إلى ترميم ما تهدّم من الثقة بين السوريين، إن بقي لذلك سبيل. إذ لا مصالحة وطنية يمكن أن تُبنى في ظلّ مناخ يرى فيه بعض المواطنين أنفسهم هدفاً مستمرّاً للاختطاف أو للعقاب الجماعي بممارسات مختلفة.

يمثّل تحويل جسد المرأة ميداناً للصراع السياسي أقصى أشكال الإذلال. أسر النساء واستخدام أجسادهن لإهانة مجتمعٍ بأكمله يخلّف جرحاً عميقاً لا يندمل بين أبناء ذلك المجتمع. لذلك، الدفاع عن المختطفات هو دفاع عن كرامة مجتمعاتٍ بأكملها. وتجاهل السلطة هذه الجرائم يعني مشاركةً مباشرةً في حصولها وتكريساً لواقع الإفلات من العقاب، خصوصاً حين نعلم أنّ بعض هذه الممارسات ارتُكب بأيدي مجموعاتٍ تابعةٍ لها. وهكذا يُعاد إنتاج مناخٍ يشرعن الانتهاك ويمهّد لتوسيعه.

انطلقت الحملة من أجل سلامة سورية، ومن أجل وطنٍ يتهاوى بسرعة نحو التفكّك الاجتماعي. ومطالبتها بفتح تحقيقاتٍ مستقلّة تعبّر عن إدراكٍ عميق لانعدام المساءلة والشفافية. تحميل السلطة مسؤولية هذه الاختطافات والمطالبة بتحقيقاتٍ جادّة، ليس اتهاماً فحسب، إنها دعوةٌ صريحة إلى أن تمارس دورها في حماية المواطنين والتوقّف عن فتح باب التهرّب من العقاب. كما تؤكّد الحملة استعدادها للجوء إلى المساءلة الدولية وسيلةَ ضغطٍ تفرض العدالة وتمنع الإفلات من العقاب. لكن من الضروري ألا يُحصر النقاش في النساء وحدهن؛ فصحيح أنهن الضحايا، غير أن آثار هذا العنف تجاوزتهن لتصيب المجتمع بأسره، إذ تتعمّق مظاهر انعدام الثقة بين المكوّنات، وتتوتر العلاقات اليومية، ويزداد مناخ الانتقام، وجميعها عوامل تُسرّع انهياراً أخيراً في ما تبقّى من فتات الوطنية السورية.

لهذا، تدعو الحملة إلى صياغة خطابٍ وطني عامّ جديد يضع العدالة والكرامة في صدارة المطالب، بدلاً من حصرها في خطابٍ إنساني محدود يخلو من آليات مساءلةٍ فعليّة. ليست العدالة هنا مصطلحاً قانونياً جامداً، بقدر ما هي شرطٌ لازمٌ؛ سياسيٌ وأمنيٌ واجتماعيٌ في آنٍ واحد. فتح تحقيقاتٍ مستقلّة ومحاكمة الجناة خطوتان أساسيّتان لمنع تحوّل هذه الممارسات سياسةً ممنهجةً لتصفية حضور مكوّناتٍ بعينها داخل المجتمع. تدعو الحملة إلى خطابٍ واضح يؤكّد أن سورية لا تُبنى على حساب أجساد النساء ولا عبر عقوباتٍ جماعية تطاول مكوّناتٍ بعينها، فالدول التي تستحقّ البقاء وتستطيع الاستمرار هي التي تُبنى على أساس حماية الإنسان، أيّاً كان انتماؤه.

ندعو إلى وضع إنسانية الضحايا في الصدارة، ومحاسبة منتهكيها، وضمان حمايةٍ فعّالة للسوريين كلّهم، وأولهم النساء. إذا كان لسورية أن تُبنى من جديد، فأساسها يجب أن يكون رفضاً قاطعاً لاختطاف أيّ إنسان باسم أيّ عقيدة أو طائفة. إنها حملة للمطالبة بالعدالة. والعدالة لا تتحقّق إلا بكشف الحقيقة ومساءلة المسؤولين (محلّياً، ودولياً إن لزم الأمر)، لأن جراح المجتمع لا تندمل إلا حين يُغلق باب الإفلات من العقاب، وتُفتح أبواب الحقيقة والإنصاف.

العربي الجديد

—————————–

عن خطف السوريات الرمزي والمادي/ رشا عمران

31 أكتوبر 2025

يتجاهل مثقفون وحقوقيون ونسويات مناضلات وصحافيون كثر ما يحدُث من خطف نساء سوريات على أساس طائفي، وبعضهم يكذّب هذه الرواية، وينحدر في سرديّته عنها ليحولها إلى مجرّد فتيات هربن من ظروف مادية واجتماعية سيئة. وحين تنحدر السردية أكثر، وهذا يحدُث كثيراً، للأسف، يجري الحديث أن هاته الفتيات والسيدات يهربن مع عشّاقهن، وأن عادة الهرب مع العشّاق جزء من “العقيدة” التي تنتمي إليها تلك الهاربات، في أكثر تبريرات خطف النساء على أساس طائفي إساءة لا للنساء فقط ولا لطوائفهن وعقائدهن، بل للوطن والمجتمع السوريين أيضاً، وللتعايش الطبيعي بين البشر، وللذاكرة الجمعية الوطنية، ولكل قيمة إنسانية يمكنها أن تجمع الناس بعضهم ببعض، فما بالكم بمن يُفترض أنهم أبناء وطن واحد، وبينهم من التاريخ والعشرة ما يجب أن يجعل منهم جسداً واحداً، وأن يجعل من إهانة فردٍ واحدٍ على أساس الدين أو الطائفة أو العرق إهانةً تطاول الجميع.

ليس خطف النساء جديداً في سورية، هو ممتد منذ سنوات الثورة والحرب، مارسه الجميع ضد الجميع، لم يكن يحمل طابعاً طائفياً سابقاً، بل طابعاً ذكوريّاً تسلّطياً. كان شبّيحة الأسد يخطفون فتيات “علويات” من دون أن تتمكّن عائلاتهن من توجيه الاتهام إلى أحد، بسبب الخوف من العقاب الجماعي. وكانت الفصائل الجهادية تخطف فتيات “سنّيات” من دون أن تتمكّن عائلاتهن من توجيه الاتهام لأحد بسبب الخوف من العقاب الجماعي. وهذه كلها قصصٌ جرى السكوت عنها، كما لو أنها لم تحصل، فالمسكوتُ عنه منفيٌّ، ولا يدخل في الذاكرة الجمعية الوطنية، يبقى محدوداً ضمن إطار ضيّق جداً، ويجري تداوله كما لو أنه سرٌّ قاتل.

ضاعت عشرات قصص الخطف والسبي والاتجار بالنساء وسط جعجعة الصوت الذكوري القاتل، صوت الحرب والسلاح والموت؛ ضاعت حكايات المخطوفات، ليس فقط لأن كثيرين اعتبروها هامشيةً أمام متن الحرب المجنونة، بل لأن ثمّة نهجاً لمحو الصوت النسائي من الحضور لصالح صوتٍ ذكوريٍّ تسلّطي عنفي، لديه شعور باستحقاقية الإهانة والاذلال والقتل والاستباحة تحت كل المسمّيات. وللأسف، مسمّى ما يحدث اليوم هو الاستحقاق الطائفي، حيث يصبح خطف نساء الطوائف الأخرى هو خطف لشرف هذه الطائفة، كون الجميع يحصُرون الشرف بحدود جسد النساء، هو إعلانُ انتصار، فاستباحة شرف طرف آخر من دون خوفٍ من العقاب هو بمثابة إعلانٍ للقوة والسلطة التي تكون دائماً منتصرة.

يأخذ خطف النساء اليوم أيضاً بعداً ثقافياً، ذلك أن الخطف ليس للجسد فقط، بل للذاكرة الأخرى، وللسردية الأخرى، هو خطف رمزي بقدر واقعيته، فالجسد الأنثوي ليس فقط غنيمة حرب، بل احتلالاً للذاكرة، وخصوصاً أن اللواتي يعُدن يرفُضن مع عائلاتهن الحديث عما جرى، أو يختلقن قصصاً ركيكةً لغيابهن وعودتهن. لكنها قصصٌ محمّلة بخوفٍ وجوديٍّ يجعلهن أسيراتٍ حتى بعد تحريرهن. خطف النساء الطائفي يجعل نساء هذه الطائفة أو تلك جميعهن مخطوفات، يعِشن رهينات الخوف والصمت، بينما يعلن الخاطف بياناته مع كل مخطوفة جديدة: “أنا قادر على الوصول إليكن في أي لحظة أنا أريدها”. هكذا تخرج المرأة أو الشابة من دائرة الحياة العامة، تخرُج من حيّز الحياة اليومية لتعيش صامتة مكسورة ومرعوبة، ويعيش مجتمعها الصغير في حالة الخوف نفسها، فيما لو تحدّث أحدُهم عما جرى.

خطف النساء الطائفي هو خطف للهوية الأخرى، هو إعادة رسم للخريطة الوطنية والمجتمعية تُناسب صاحب السلطة الراهنة، وتعيد إنتاج تراتبياتٍ يحدّدها السلاح والعنف والطائفة. خطف النساء الطائفي في أصله خطفٌ للهوية الوطنية، للوطن عموماً، يشارك فيه كل من لا يرى في الوطن أكثر من غنيمة حرب. لهذا يبقى الخاطفون من دون عقاب. وحين يصمت عنه أو ينكره مثقفون وحقوقيون وصحافيون ونسويات، ويتم تبني سردياتٍ أقلّ ما يقال عنها إنها شديدة الانحطاط، فهذا يعني أن الوطن كله اليوم أصبح رهينة لدى خاطف ذكوري وعنفي، يحتمي بسلاح الطائفية وسيلة وحيدة لبقائه.

العربي الجديد

——————————–

أوقفوا خطف النساء السوريات”… حملة أهلية موثقة وفريق متابعة حكومي/ سارة مطر

31 أكتوبر 2025

وسط استمرار الشكاوى من الخطف المتكرر للنساء، انطلقت حملة حقوقية تناشد الحكومة السورية التدخل الحاسم لوقف هذه الجريمة، مؤكدة أن أجساد النساء ليست أداة للتصفية السياسية والطائفية.

“أوقفوا خطف النساء السوريات”، حملة تطوعية أطلقتها مؤخراً مجموعة من الناشطين والصحافيين والروائيين والكتّاب والشعراء السوريين من المقيمين في الخارج وداخل بلدهم، في محاولة لإعلاء الصوت بوجه ما وصفوه جرائم ممنهجة لخطف النساء في سورية على اختلاف طوائفهن، ولا سيما من الأقليات. ونشط أعضاء الحملة منذ أيام في نشر فيديوهات عبر وسائل التواصل الاجتماعي تدعو إلى الكشف عن مصير المختطفات واستعادتهن، ومحاسبة مرتكبي هذه الجرائم باعتبارها خطوة أولى نحو إرساء مصالحة وطنية شاملة. كما أدانوا الاستجابة الهشة للحكومة السورية تجاه هذه القضية الإنسانية العادلة، واستمرارها بإنكار حالات الخطف الطائفي، ما يعزز بنظر ناشطي الحملة، مشاعر الخوف والخذلان والعزلة.

وصدر عن وزير الداخلية السوري، أنس خطاب، في 29 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي عبر منصة إكس، أنه “حرصاً على الشفافية شكلت الوزارة فريقاً متخصصاً لمتابعة كل قضايا الاختفاء دون استثناء، وسيتم إعلان التفاصيل والحقائق بشأن حالات اختفاء عدد من الفتيات والإجراءات المتخذة، خلال مؤتمر صحافي سيُعقد قريباً للمتحدث باسم الداخلية”.

وعلى الرغم من مناشدة أعضاء الحملة بأخذ قضايا خطف النساء على محمل الجد، برزت حملة مضادة تتّهم ناشطي الحملة الأولى بأنهم من “فلول النظام السوري المخلوع وعملاء للعدو الصهيوني ودعاة لتقسيم البلاد”، بينما شدد ناشطو حملة “أوقفوا خطف النساء السوريات”، على أن جرائم الخطف لا تحمل طابعاً أمنياً فحسب إنما طابعاً طائفياً أيضاً.

توضح الكاتبة والروائية والصحافية السورية، سمر يزبك، أن “الحملة انطلقت منذ نحو 10 أيام لمطالبة السلطات السورية بتحقيق علني شامل بقضايا خطف النساء، بعد أن لاحظنا منذ نحو شهرين تصاعداً في عمليات الخطف بشكل مرعب، حتى صارت تحصل يومياً في بعض الأحيان، كما وثقنا حالات اغتصاب”. وتتابع لـ”العربي الجديد”: “لاحظنا نوعاً من التواطؤ، باعتبار أن الخطف يتم على أساس طائفي. ويأتي خطف العلويات بالدرجة الأولى ومن ثم الدرزيات، وذلك بعد المجازر الأخيرة في الساحل السوري ومحافظة السويداء، إلى جانب نساء من طوائف أخرى. لذلك، قررنا توحيد الجهود وتسليط الضوء على القضية من خلال حملة إعلامية تقض مضاجع السلطات السورية، استناداً إلى ما نملكه من وثائق عديدة”.

وتضيف: “أطلقنا الحملة بفيديوهات قصيرة تؤكد رفضنا المطلق لاستخدام النساء بوصفهن أداة عقاب جماعي من أجل إهانة جماعة معينة أو طائفة ما، وفي حال لم تحدّ السلطات السورية من عمليات الخطف أو لم تحقق فيها، سنتوجه نحو المحاكم الدولية، خصوصاً أننا لاحظنا تلاعبها بهذه القضية. وفي السياق، نتعاون مع العديد من المؤسسات والمنظمات الدولية ونمدها بكل المعطيات والبيانات التي وثّقناها من خلال متابعتنا الحثيثة لحالات الخطف”.

وتختم يزبك بالقول: “تُعدّ حملتنا صرخة أخيرة في وجه ممارسة تحولت سلاحاً لتفتيت ما تبقى من النسيج الوطني السوري. فمنذ سقوط النظام، رُصدت موجات متكررة من اختطاف النساء المنتميات إلى أقليات محددة. وغالباً ما ترافق ذلك مع عنف ذي طابع طائفي صريح أو مبطّن، ما يضفي على هذه الجرائم بُعداً سياسياً لا يمكن تجاهله. مع العلم، أن اختطاف امرأة من جماعة ما لمجرد هويتها المذهبية يعني عملياً إعلان عزل هذه الجماعة وتجريدها من حقها في الأمان، وإبلاغها بأنها مُستباحة”.

ويرى ناشط سوري فضل إبقاء اسمه طي الكتمان خوفاً على سلامته، أنه “رغم تكذيب حالات الخطف وإنكارها، اعترفت وزارة الداخلية السورية مؤخراً أنها شكلت فريقاً متخصصاً بمتابعة قضايا الاختفاء، وهذا اعتراف كامل بوجود حالات خطف، رغم أن الفريق سيكون مثل ذرّ الرماد في العيون”. ويؤكد لـ”العربي الجديد” أنه “لولا تأثير حملة أوقفوا خطف النساء السوريات لما شهدنا حملة معاكسة تطلق اتهامات مُريبة بحق المختطفات، وتسخّف القضية”. ويكشف أن “44 شابة سورية لا زلن مختطفات من أصل 112 حالة خطف وثقتها الحملة منذ سقوط نظام الأسد”.

ويتحدث الناشط نفسه عن “ثلاثين شابة إضافية أُفرج عنهن، لكن أسماءهن حُذفت من القائمة، بسبب رفض تلك الشابات أو أهاليهن الإفصاح عن تعرضهن للخطف. وقد علمت الحملة أن بعضهن كنّ مختطفات في حلب، وأخريات في إدلب وريف حماة، بينما جرى اقتياد عدد منهن إلى الحدود السورية – اللبنانية، قبل أن يعيدهن الأمن العام اللبناني، ما يرفع الحالات الموثقة من قبلنا إلى 142 حالة”.

ويضيف: “بشهادة شابة مُفرج عنها، جرى اقتيادهن إلى الحدود اللبنانية بعد إلزامهن بالحجاب، وكان من بين المختطفين عدد من الشباب والأطفال. وأفادت شابة من إدلب بأن عشرات النساء من المناطق التي شهدت المجازر، تم خطفهن وتزويجهن في ريف إدلب لرجال من الفصائل المسلحة”. ويذكّر بتقارير دولية بشأن الخطف في سورية، بينها منظمة العفو الدولية التي وثقت 36 حالة على الأقل، بينما رصدت الأمم المتحدة 38 حالة، وكشفت وكالة رويترز عن 33 حالة على الأقل. ويؤكد وجود حالات خطف أخرى غير موثقة بعد.

الصورة

وعن تعرض بعض المختطفات للاغتصاب، يشير الناشط نفسه إلى أن “كشف التعرض للاغتصاب مسألة معقدة، خصوصاً جراء صعوبة تأكيده طبياً بعد انقضاء فترة على الجريمة، وإزاء خوف الشابات من وصمة المجتمع، لكن بعضهن تجرّأن بعد شهر ونصف الشهر على كشف المستور، وأكدت شابة بعمر 21 عاماً أنها تعرضت رفقة شقيقتها القاصر (17 عاماً) للاغتصاب على يد فصائل مسلحة منذ اليوم الأول للخطف. وهناك من رفضن الحديث لكنهن يعانين حالة نفسية سيئة، ولاحظنا أن أهاليهن منعوا عنهن الهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي أو الخروج من المنزل أو الذهاب حتى إلى الجامعة، وهذه ردة فعل قد تؤشر لاحتمال تعرضهن للاغتصاب، وهناك من واجهن الطلاق بعد عودتهن من الخطف. حتى أن إحدى المختطفات العائدات التي رُميت مقيّدة في الشارع وتعاني انهياراً نفسياً، كانت تجري مؤخراً فحوصاً شاملة في أحد مستشفيات طرطوس برفقة أهلها، قبل أن تقتحم القوى الأمنية المستشفى وتقتادها إلى مركز التحقيق، بذريعة الإدلاء بإفادتها. وهناك قاصر من اللاذقية لم تتجاوز حينها 15 عاماً، أرغموها على وضع الحجاب والظهور بفيديو تدّعي فيه أنها هربت مع حبيبها وتزوجته، علماً أنها تعرضت للتعذيب وطُلب من أهلها فدية، لكن لم يتم الإفراج عنها لغاية اليوم”.

ويشرح الناشط نفسه: “وثّقنا حالات الخطف في سورية منذ فبراير/ شباط 2025 وحتى أكتوبر/ تشرين الأول 2025، وهناك تسجيلات صوتية وفيديوهات، كوننا نقوم بعمل ميداني ونتواصل مع عائلات الضحايا، رغم أن معظم المختطفات لا يردن الكلام ولا زلن يعشن القهر والعذاب النفسي، وهناك ضغوط أمنية تُمارس لإسكات الأهالي وطمس الملف”.

ويضيف: “تختلف النتائج حسب نوع الخطف ودوافعه، فهناك الدوافع الطائفية والانتقامية، حيث وُجهت في بعض الحالات إهانات طائفية للضحايا، ووثقنا شهادات عن ضرب وتعذيب مصحوب بشتائم طائفية، وعن ربط صريح بين الاختطاف والانتماء الطائفي للضحية، إلى جانب الدوافع السياسية والأمنية بهدف زعزعة الاستقرار وتأجيج التوترات الطائفية وخلق مناخ من الخوف والانعدام الأمني. وهناك الدوافع الاقتصادية حيث أُفرج عن نسبة لا بأس بها من المختطفين والمختطفات مقابل فدية تراوحت بين 15 ألف دولار أميركي ومائة ألف دولار. لكن في حالة موثقة، دُفعت فدية خمسة ملايين دولار لرجل أعمال لم يُفرج عنه، ودفعت عائلة إحدى الضحايا 15 ألف دولار لكن الفتاة لم تعد. ولمسنا احتمال وجود شبكات دولية للاتجار بالبشر، إذ ذكرت إحدى الضحايا أن الخاطفين كانوا ينوون بيعها، وأخرى تواصلت مع أهلها وأبلغتهم أنها خارج البلاد، دون أن تستطيع معرفة اسم البلد. وهناك مؤشرات تدل على اختطاف شابات بهدف جعلهن سبايا أو تزويجهن بشكل قسري، غير أن العديد من الحالات لا تزال مجهولة المصير، بينها النساء المختطفات خلال مجازر الساحل السوري، رغم أن ذويهم يرجحون وفاتهن بسبب العدد الكبير من الجثث المشوهة”.

ويشرح الناشط السوري آليات الخطف وأساليبه، مشيراً إلى أن “معظم الحالات وقعت في وضح النهار، بين الثامنة صباحاً والسادسة مساء، ما يؤكد اطمئنان الخاطفين وسط انتشار ثقافة الإفلات من العقاب. واللافت أن الأماكن المستهدفة لم تكن معزولة، بل مناطق حضرية نشطة، حيث جرى الخطف من الشوارع العامة أثناء التنقل باتجاه المدرسة أو الجامعة، أو أثناء قيام الضحية بالتسوق أو زيارة الأقارب، وفي بعض الحالات تم الخطف من المنازل. أما المركبات الأكثر شيوعاً واستخداماً في عمليات الخطف، فهي فانات بيضاء، وقد تمكنا من تحديد نوع معين من هذه الفانات، إلى جانب سيارات مدنية عادية”.

العربي الجديد

—————————

دعوا الأهالي يعيشون… لتتولّى المؤسّسات مهمّة البحث عن المفقودين/ ميشال شمّاس

28 أكتوبر 2025

منذ اندلاع الثورة السورية، تحوّلت قضية المفقودين إلى جرح مفتوح لا يندمل في جسد المجتمع السوري. عشرات آلاف من العائلات تعيش منذ أكثر من عقد في حالة انتظار معلّق.

انتظار عودة غائب قد لا يعود، أو خبر قد لا يأتي، أو جثمان قد لا يُعثر عليه أبداً. وبين الأمل واليأس، باتت حياة هذه العائلات رهينة سؤال واحد لم يجد طريقه إلى جواب: أين أحباؤنا؟

ومع كل مبادرة أو حملة أو نداء، تتكرّر الدعوات الموجّهة إلى الأهالي لمراجعة سجلات النفوس أو القضاء العسكري أو المؤسّسات الرسمية. وكأن الحقيقة تختبئ في درج إداري مغلق أو في سجل مدني متآكل. لكن واقع الحال أن هذه الدعوات لا تقود إلى كشف مصير المفقودين، بل إلى إعادة إنتاج الألم نفسه بصيغة جديدة، وإلقاء مزيدٍ من الأعباء على كاهل الأهالي.

عندما يُقال لعائلة أن تراجع النفوس أو القضاء العسكري، ماذا تنتظر أن تجد؟ أقصى ما تقدّمه هذه المؤسّسات ورقة رسمية تعلن “وفاة” شخص مفقود من دون أن تقول متى أو كيف أو أين. إنها مجرّد شهادة إدارية، لا تُجيب عن الأسئلة الجوهرية التي تنتمي للإنسانية لا للسجلات: كيف مات؟ من المسؤول عن موته؟ وأين مثواه الأخير حيث يرقد جسده؟

بل تحمل هذه الإجراءات في طياتها إهانة مضاعفة، فهي تطلب من الأهل أن يتحوّلوا إلى باحثين في أرشيف قاتل، أو مراجعين لمؤسّسات كانوا يعرفون أنها شريكة في الجريمة. إنها ليست طريقاً إلى الحقيقة، بل طريقاً إلى تثبيت الموت على الورق، وترك الفراغ الحقيقي معلّقاً في قلوب العائلات. وهذا بالإضافة إلى ما قد يسبّبه البحث العشوائي والكيفي من ضياع وثائق، وفقدان ثبوتيات تخصّ مفقودين آخرين، كما جرى في الأسابيع الأولى من التحرير في السجون والفروع الأمنية، حيث كانت الوثائق والسجلات والهويات ملقاة في العراء، ويستطيع أي عابر طريق أن يقلّب فيها أو يأخذ منها كما يشاء.

من لم يخرج حياً بعد عشرة أشهر على إسقاط الأسد وفتح السجون والمعتقلات، فهو على الأرجح مات. هذه ليست دعوة إلى الاستسلام، بل دعوة إلى الواقعية. إن أي حديث عن إمكانية العثور على الحقيقة في السجلات الرسمية أو القضاء العسكري ليس إلا وهماً يعيد الجراح إلى نقطة الصفر.

لم يفقد الأهالي أشخاصاً فحسب؛ لقد فقدوا جزءاً من ذواتهم، من تاريخهم، من حاضرهم ومستقبلهم. إنهم يعيشون في دائرة انتظار لا نهاية لها، تتآكل فيها الأعمار والأحلام. وما يترتّب على عدم الوصول إلى جواب شافٍ ومعلومة دقيقة من تعطيل لمصائر الناس والعائلات، والكثير من القضايا الشرعية والاجتماعية، من حصر إرث، وزواج الزوجات المنتظرات، ومستقبل الأولاد. ومع ذلك، يُطلب من هؤلاء الأهالي اليوم أن يتحمّلوا مهمّة البحث عن مصائر أحبائهم، وكأنهم محققون جنائيون أو خبراء حمض نووي. لكن الحقيقة أن الأهالي لا يملكون الأدوات ولا الخبرة ولا الموارد اللازمة لهذه المهمّة. كل ما يملكونه هو الحزن والذاكرة والانتظار. تحميلهم مسؤولية البحث ظلم مضاعف: ظلم لأنهم خسروا أبناءهم أو أزواجهم أو إخوتهم، وظلم لأنهم يُتركون ليواجهوا عبء البحث وحدهم.

تحويل قضية المفقودين إلى شأن عائلي بحت يعني التنصّل من المسؤولية السياسية والمؤسّساتية. يعني إلقاء العدالة على أكتاف أفراد مثقلين بالفقد، بدل أن تتحمّلها الدولة والهيئات المختصة، والمؤسّسات التي أحدثت لهذا الغرض مثل هيئة المفقودين.

في ظل غياب الحقيقة، وجد بعض تجار الوهم واستغلال الألم من المحتالين في قضية المفقودين فرصة جديدة للابتزاز. يروّجون بين الأهالي روايات غير موثقة، وغالباً غير صحيحة، عن نقل معتقلين إلى سجون حزب الله في لبنان، أو الحشد الشعبي في العراق، أو إلى معتقلات في السويداء، ويطلبون أموالاً أو وعوداً مقابل “معلومات”.

لا تقوم هذه الادّعاءات على أي دليل، بل هي صناعة للوهم من أجل الاستفادة من مأساة العائلات. الأخطر أن استمرار تداول هذه الروايات يُبقي الأهالي في حالة انتظار زائف، ويُشتّت الجهود عن المسار الحقيقي: المطالبة بعمل مؤسّسي شفاف، بإشراف وطني ودولي، يكشف المصير من خلال الطب الشرعي والتوثيق العلمي.

لا يكون قطع الطريق أمام هؤلاء المحتالين فقط بالتحذير منهم، بل أيضاً بتأكيد أن البحث الفردي أو الاعتماد على الوسطاء هو باب جديد للصدمة والخذلان. وحدها المؤسسات الرسمية والدولية، عبر أدوات التحقيق الحديثة، قادرة على وضع حد لهذه المتاجرة بالألم.

ما يجب فعله الآن:

الطريق إلى الحقيقة لا يمر عبر دوائر النفوس أو القضاء بشقيه المدني والعسكري، ولا عبر قصص الوهم التي يروّجها المحتالون، بل عبر جهد مؤسسي منهجي، يستخدم أدوات علمية وتقنية وقانونية. المطلوب اليوم خطوات واضحة:

• تحديد مواقع المقابر الجماعية عبر تقنيات الاستشعار الجوي، والصور الفضائية، والتحليل الجغرافي.

• التنقيب الجنائي وفحص الرفات بإشراف خبراء دوليين في الطب الشرعي، وبالتعاون مع مختبرات متخصّصة.

• إنشاء قاعدة بيانات وطنية – دولية موحدة تضم شهادات الناجين من الاعتقال، والمعلومات الميدانية، والعينات الوراثية التي يقدمها الأهالي.

• تأمين تمويل دولي يضمن استمرارية هذه الجهود على المدى الطويل، بعيداً عن الارتجال أو المبادرات المؤقتة.

• إشراك الأهالي كشركاء في التوثيق من خلال تقديم العينات الوراثية ورواية القصص، لكن من دون تحميلهم مسؤولية التحقيق أو البحث الجنائي.

وليست هذه الخطوات ترفاً حقوقياً، بل واجباً إنسانياً وسياسياً. وهي أيضاً الضمان الوحيد لمنع تكرار الجرائم، فالإفلات من العقاب يولّد جرائم جديدة، بينما العدالة تُعيد بناء الثقة بالمجتمع والدولة.

وعلى المنظمات الحقوقية والناشطين أن يُعيدوا النظر في خطابهم الموجّه إلى الأهالي، فالدعوة إلى مراجعة النفوس أو القضاء العسكري لا تفيد سوى في تسجيل الموت رسمياً، لكنها لا تقترب من الحقيقة. وإن ترويج روايات غير موثقة عن “سجون سرّية” خارج البلاد لا يخدم سوى المحتالين.

المطلوب من المنظمات أن تركّز على تمكين الأهالي من ممارسة حياتهم دون شعور بالذنب، وفي الوقت نفسه، الضغط على المؤسّسات الوطنية والدولية لتحمّل مسؤولية البحث والكشف والتوثيق. واجب الناشطين ليس إلقاء مهمّة التحقيق على كاهل الضحايا، بل تحويل القضية إلى ملف وطني ودولي دائم، لا يسقط بالتقادم ولا يُختزل بورقة وفاة أو إشاعة.

قد يعتقد بعضهم أن التوقف عن البحث الفردي خيانة لذكرى المفقودين. لكن الحقيقة أن الإصرار على طرق مسدودة قد يكون الخيانة الأكبر: خيانة لحق الأحياء في أن يعيشوا، ولحق الأموات في أن يُكشف مصيرهم بطريقة لائقة ومسؤولة.

الوفاء الحقيقي لا يكون في إنهاك الذات داخل دوامة انتظار بلا أفق، بل في المطالبة المستمرة بالحق من المؤسسات التي تملك القدرة على الوصول إليه. الوفاء هو في تحويل الألم إلى قوة ضغط، والذاكرة إلى قضية عامة، والفقد الفردي إلى مطلب عدالة جماعي.

لا يمكن فصل قضية المفقودين عن مسار العدالة الانتقالية في سورية، فهي ليست مجرّد قضية إنسانية أو اجتماعية، بل سياسية بامتياز. تجاهل هذا الملف يعني الإبقاء على جرح مفتوح في قلب أي عملية مصالحة أو بناء دولة جديدة.

لا يمكن الحديث عن مصالحة وطنية أو إعادة بناء الثقة من دون مواجهة الحقيقة كاملة: أين المفقودون؟ من قتلهم؟ كيف يمكن محاسبة المسؤولين؟ وما الضمانات لعدم تكرار هذه الجرائم؟

إذاً، ليس حل قضية المفقودين فقط عملاً إنسانياً تجاه الأهالي، بل شرطاً أساسياً لبناء دولة قانون في المستقبل. … قضية المفقودين في سورية ليست قضية الأهالي وحدهم. إنها قضية وطنية وإنسانية وسياسية. لا يحتاج الأهالي إلى ورقة تقول “مات”، ولا إلى رواية وهمية تقول “نُقل إلى مكان آخر”، بل إلى مؤسسات تقول: نعمل من أجلكم، ومن أجل الحقيقة.

دعونا نحرّر العائلات من عبء البحث الفردي، ونحوّل الملف إلى مسؤولية مؤسّسية منهجية، تملك الأدوات والخبرة والسلطة للوصول إلى الحقيقة. فالأهالي يستحقون أن يعيشوا بسلام، بينما تتحمّل المؤسسات واجب البحث عن العدالة والإنصاف.

لأن العدالة لا تتحقق بالانتظار الفردي أو بالوهم، بل بالعمل المؤسّسي المنهجي، وبالاعتراف بأن هذا الجرح لا يمكن أن يلتئم إلا حين تُكشف الحقيقة كاملة، ويُعاد الحق إلى أصحابه.

العربي الجديد

——————————

 لأول مرة.. حوار في حمص حول إدارة التنوع لرؤية جديدة للتعايش والعدالة الانتقالية/ صبا حمود

2025.10.30

نظّمت مديرية الشؤون السياسية اليوم الخميس في المركز الثقافي بحمص بالتعاون مع مركز الحوار السوري محاضرة تفاعلية بعنوان “إدارة التنوع السوري: كيف نحوله إلى عامل قوة واستقرار في المرحلة الانتقالية”، ناقشت سبل تعزيز التعايش المشترك وإدارة التنوع بوصفه ركيزة أساسية لتحقيق الاستقرار والتنمية في المرحلة المقبلة.

وتخلل اللقاء حوار مفتوح مع الحضور ركز على أهمية بناء رؤية وطنية جامعة تسهم في ترسيخ ثقافة الحوار والتفاهم بين مختلف مكونات المجتمع السوري.

كشف الحقيقة طريق التئام الجراح وبناء الثقة الوطنية

قال مستشار الرئيس السوري للشؤون الإعلامية الدكتور أحمد موفق زيدان إن الجلسة تسعى لتسليط الضوء على “الاختلاف بوصفه تنوعاً لا تضاداً”، مشيراً إلى أن التنوع يمكن أن يكون عامل إثراء وقوة للدولة والمجتمع السوري، كما هو الحال في العديد من الدول الغربية التي حولت تعدديتها إلى مصدر قوة وطنية.

وأضاف زيدان لموقع تلفزيون سوريا أن للإعلام دوراً محورياً في فهم هموم كل مكون سوري ونقلها إلى السطح بشفافية، قائلاً: “علينا ألا نخفي الأوجاع تحت السجاد، بل أن ننظف بيتنا باستمرار. دور الإعلام أن يكشف الحقيقة لصالح الضحية والجاني معاً، لأن كشف الحقيقة هو بداية التئام الجراح”.

وأكد زيدان أن معالجة آثار العقود الماضية تتطلب شجاعة أخلاقية من مختلف المكونات، مضيفاً: “من المهم أن يبادر العقلاء والشرفاء من المكونات التي ارتكبت الجرائم بحق السوريين إلى الاعتذار، فذلك جزء أساسي من العدالة الانتقالية ومن شعور الضحايا بأن قلوبهم بردت”.

حمص نموذج للتعددية السورية وفرصة لبناء دولة وطنية جامعة

أوضح مدير مركز الحوار السوري الدكتور أحمد القربي أن ملف التنوع في سوريا حساس وبشكل خاص في مدينة حمص لما تحمله من تعددية ديموغرافية وطائفية، مؤكداً أن المرحلة الانتقالية تستدعي تأسيس رؤية جديدة لإدارة هذا التنوع.

وقال القربي لموقع تلفزيون سوريا إن النظام السوري المخلوع استخدم التعددية لزرع الانقسام بين السوريين، مشيراً إلى أن الندوة ناقشت أسباب فشل إدارة التنوع سابقاً، وطرحت نماذج ناجحة من دول مثل ماليزيا وكندا، وكيف استطاعت تحويل تنوعها إلى مصدر قوة وطنية.

وأضاف القربي: “قبل سقوط النظام لم يكن ممكناً الحديث عن التنوع أو مناقشته بحرية، اليوم لدينا فرصة لبناء دولة وطنية تحافظ على هذا التنوع وتستفيد منه في بناء المستقبل”.

كما شدد على أهمية المنصات الحوارية في المرحلة الراهنة قائلاً: “كل تفاعل بين المكونات السورية يساهم في كسر الصور النمطية التي غذّاها النظام المخلوع لعقود، هدفنا أن يسمع السوريون بعضهم بعيداً عن الحواجز والخوف”.

محاولة رسم ملامح إدارة التنوع في سوريا الجديدة

 ميسر الجلسة ومدير مكتب التنمية السياسية حسين المحمد، أوضح أن الندوة تتضمن أربعة محاور رئيسية:

    مفهوم إدارة التنوع.

    إدارة التنوع في المرحلة الانتقالية.

    تجارب الدول الأخرى بعد الحروب أو مراحل عدم الاستقرار.

    الحلول المستقبلية الممكنة في السياق السوري.

وأشار المحمد لموقع تلفزيون سوريا إلى أن “اختيار الموضوع جاء لعمقه وحساسيته في الحالة السورية، مؤكداً أن الوقت بات مناسباً لفتح الملفات الجوهرية بعد التحرير”، وأن “التنوع يجب أن يُنظر إليه كمصدر قوة لا ضعف”.

الحوار ركيزة للعدالة الانتقالية والسلم الأهلي

وشاركت في الندوة شخصيات من المجتمع المدني، من بينها العاملة في المجال الإنساني حسناء خرفان، التي أكدت أن إدارة التنوع ضرورة أساسية بعد عقود من العزلة السياسية، مضيفة أن الفعالية تسهم في تعزيز الثقة ونقل المفاهيم الصحيحة حول التعايش بين المكونات السورية.

أما الدكتور عبد السلام البيطار فاعتبر بحديثه لموقع تلفزيون سوريا أن اللقاء يشكل خطوة مهمة نحو تحقيق العدالة الانتقالية والسلم الأهلي، لافتاً إلى أن الاعتذار من المكونات المتضررة يمكن أن يخفف الاحتقان ويساعد على التفاهم المتبادل، لكنه تساءل عن مدى استعداد الأطراف الفاعلة لتحمل هذه المسؤولية بشجاعة.

وختم بالقول إن إدارة التنوع في سوريا يجب أن تمتد إلى مختلف المجالات من الاقتصاد والتعليم إلى الثقافة، مستغربا عدم حضور جميع المكونات بقوة رغم أن الدعوة عامة، داعيا لحضورهم في النقاشات القادمة لأهمية ذلك في تعزيز مفهوم الدولة الوطنية الجامعة.

تخللت المحاضرة مجموعة من الأسئلة والمداخلات التي عبّر من خلالها الحضور عن رؤى متباينة حول سبل إدارة التنوع وتحقيق العدالة الانتقالية في سوريا.

وطالب عدد من المشاركين بضرورة حماية التنوع السوري وإدارته بشكل واعٍ وعادل، مؤكدين على أهمية الإسراع في تطبيق العدالة الانتقالية. وتباينت الآراء بين من يرى أن الاعتذار خطوة كافية في حال تم بصدق، وبين من شدد على ضرورة محاكمة المسؤولين عن الانتهاكات والجرائم بحق الشعب السوري.

كما دعا بعض الحضور إلى التركيز على التعليم كركيزة أساسية لبناء المجتمع الجديد، فيما أشار آخرون إلى أن السوريين تعرفوا إلى بعضهم عبر “صور قيصر” التي كشفت جانباً من المأساة، مؤكدين ضرورة وضع آليات واضحة للعدالة الانتقالية.

وفي ملف العمل السياسي، طالب مشاركون بتفعيل الحياة الحزبية والنقابية، بينما رأى آخرون أن التعددية الحزبية في الماضي أسهمت في ظهور حزب البعث الذي احتكر السلطة وأنتج نظام الأسد المخلوع، معتبرين أن الشعب السوري بطبيعته سياسي لكنه حُرم من ممارسة السياسة الحقيقية لعقود.

وتطرق بعض المتحدثين إلى ثقافة الاعتذار، معتبرين أنها تحتاج إلى تصحيح في الشكل والمضمون، وأنها يجب أن تعبّر عن اعتراف صريح بالرهان الخاطئ على الجانب غير العادل من التاريخ، مع ضرورة تسليم المجرمين للعدالة.

كما شدد المشاركون على أهمية توثيق الحكاية السورية بكل تفاصيلها، إذ “في كل منزل قصة تستحق أن تُروى”، ودعوا الإعلام إلى أخذ دوره في تسليط الضوء على هذه القصص لتكون جزءاً من سردية وطنية جامعة، وإعطاء مساحة للإعلام لتسليط الضوء على قضايا المفقودين والمغيبين قسراً والأيتام والعائدين من المخيمات.

ورأى بعض الحضور أن المطلوب اليوم سردية موحدة للوطن السوري تعترف بالخلافات دون أن تقسّم المجتمع، مؤكدين أنه “لا يوجد طرف مجرم بالكامل ولا آخر ثائر بالكامل”.

وانتقد متحدثون الفكرة الغربية التي صوّرت التنوع في سوريا كمصدر خلاف، مشيرين إلى أن الهوية السورية تحمل قواسم مشتركة واسعة في اللغة والثقافة والانتماء، وأن ما جرى خلال العقود الماضية هو صراع سياسي على السلطة والثروة استغل العصبيات الطائفية وحوّلها إلى أدوات سياسية.

وتحدث آخرون عن غياب العدالة في توزيع الدخل القومي على مدى ستة عقود، معتبرين أن الفساد والاستئثار بالثروة والسلطة عمّق الفوارق الاجتماعية وأنتج جماعات تدافع عن مصالحها بالقوة.

وأشارت بعض المداخلات+ إلى أن المشروع الوطني للحكومة الحالية يجب أن يركز على التنمية والعدالة الاجتماعية لضمان بناء هوية وطنية جامعة، داعين النخب الفكرية والسياسية إلى دعم هذا التوجه وإرساء مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع السوريين.

كما شدد عدد من الحضور على أهمية بقاء السوريين في وطنهم ورفض تكرار أخطاء النظام المخلوع عبر تفريغ البلاد من أبنائها، مطالبين بتعزيز الحوار، مؤكدين أن التواصل والتعاطف بين السوريين هو الخطوة الأولى نحو المصالحة الحقيقية.

تلفزيون سوريا

—————————-

مؤتمر في دمشق يدعو إلى ربط إعادة الإعمار بالعدالة وحقوق الإنسان/ عبد الله السعد

05 نوفمبر 2025

بينما تستعد الحكومة السورية لطرح مزيد من مشاريع إعادة الإعمار، تصاعدت في دمشق أصوات مدنية تحذّر من أن “الإعمار بلا عدالة” قد يعني ببساطة إعادة إنتاج النظام القديم بأشكال جديدة. ففي العاصمة التي ما زالت تحمل آثار الدمار، اجتمع حقوقيون واقتصاديون ومسؤولون سوريون على مدار يومين متتاليين في فندق الشام في مؤتمر بعنوان “من الأنقاض إلى المسؤولية: حقوق الإنسان والأعمال التجارية ومستقبل سورية”، لمناقشة العلاقة بين التنمية والحقوق، والدعوة إلى بناء اقتصاد يقوم على المساءلة واحترام الكرامة الإنسانية.

المؤتمر الذي بدأ الأحد، ونظمته ثلاث منظمات سورية، هي “البرنامج السوري للتطوير القانوني” و”جمعية الأعمال السورية العالمية” و”سيريا ريبورت”، جمع ممثلين عن الوزارات ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص، إضافة إلى ممثلين عن الأمم المتحدة والدول المانحة، في محاولة لصياغة رؤية مشتركة لمستقبل أكثر استدامة وإنصافاً.

العدالة في قلب التنمية

في السياق، قال سعد بارود، مدير إدارة المنظمات والمؤتمرات الدولية في وزارة الخارجية السورية، لـ”العربي الجديد”، إن “التنمية وحقوق الإنسان توءمان لا ينفصلان”، معتبراً أن الثورة السورية التي انطلقت عام 2011 “جعلت الكرامة الإنسانية في صلب النقاش العام، ما يجعل إعادة الإعمار جزءاً من العدالة الانتقالية لا مجرد عملية هندسية”.

وأوضح بارود أن ملف حقوق السكن والممتلكات “يمثل جوهر عملية إعادة الإعمار، باعتباره السبيل لتصحيح ما جرى من مصادرات وعمليات تهجير قسري”، مؤكداً أن “بناء الثقة بين الدولة والمواطن أصعب بكثير من بناء الأبنية المهدمة”. وأشار إلى أن الحكومة “تعمل على تطوير الأطر التشريعية والمؤسساتية التي تضمن مشاركة المجتمع المدني في صياغة سياسات الإعمار”، مضيفاً أن “أي عملية تنموية لن تكون ذات جدوى ما لم تُبنَ على أسس العدالة والمساءلة”.

الاقتصاد والمسؤولية

من جهتها، اعتبرت سنا كيخيا، المديرة التنفيذية للبرنامج السوري للتطوير القانوني، في حديث خاص مع “العربي الجديد”، أن الحرب في سورية كشفت عن تورط قطاعات اقتصادية واسعة في الانتهاكات، سواء عبر الاستيلاء على الأملاك أو دعم آلة القمع. وأضافت أن “بعض الشركات المحلية والأجنبية استفادت من مصادرة أملاك المهجرين والمعتقلين، وساهمت في بناء منظومة اقتصادية غير شرعية”.

وأكدت كيخيا أن “إعادة الإعمار المقبلة يجب أن تُبنى على قاعدة (لا ضرر ولا ضرار)، وأن أي نشاط تجاري استفاد من انتهاكات حقوق الإنسان لا يمكن اعتباره مشروعًا شرعيًّا في سورية الجديدة”. وشددت على أن المؤتمر يسعى إلى “الانتقال من منطق الإنقاذ إلى منطق المسؤولية، ومن اقتصاد الريع والولاء إلى اقتصاد قائم على الشفافية واحترام الإنسان”.

شراكة جديدة للقطاع الخاص

بدوره، قال ناصر يوسف، عضو مجلس إدارة جمعية الأعمال السورية العالمية، لـ”العربي الجديد”، إن إعادة الإعمار ليست مشروعًا سياسيًّا أو سكانيًّا فحسب، بل عملية اقتصادية كبرى تتطلب شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني. وأوضح أن “الشركات التي ستشارك في مشاريع الإعمار مطالبة بالالتزام بمعايير بيئية وإنسانية واضحة، لأن النمو الاقتصادي بلا عدالة يكرّس الانقسام ولا يداويه”.

أما رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها، أيمن المولوي، فاعتبر أن العدالة وحقوق الإنسان “قضية مقدسة”، مشيرًا إلى أن “التجار والمستثمرين تلقوا تنبيهات بضرورة التأكد من أن الأراضي والممتلكات المستخدمة في مشاريعهم ليست مغتصبة أو مصادرة”. وأكد أن الغرفة “مستعدة لتقديم أي بيانات تطلبها الجهات المعنية في إطار التحقيقات أو تطبيق قانون العدالة الانتقالية”.

تشريعات جديدة ومناطق مدمرة

وأشار المشاركون إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب مراجعة أكثر من 190 قانونًا لتلائم متطلبات التنمية، مؤكدين أن “غياب رؤية واضحة لقطاع السكن ما زال أحد أبرز عوائق جذب الاستثمار إلى هذا المجال الحيوي”. كما لفتوا إلى وجود سبع مناطق مدمرة بالكامل نتيجة التهجير والتدمير الممنهج، ما يستدعي “إعمارًا عادلاً وشفافًا يضمن حقوق السكان الأصليين ويمنع نشوء نزاعات جديدة”. واختتم المؤتمر أعماله بالدعوة إلى تحويل الجهود من الإغاثة إلى المسؤولية، ومن الإعمار المادي إلى الإعمار الحقوقي، مشددين على أن “مستقبل سورية لا يمكن أن يُبنى فقط على الإسمنت والحديد، بل على العدالة والكرامة، باعتبارهما أساس أي استقرار دائم”.

————————-

=====================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى