أزمات الداخل السوريالناستشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

أزمات الداخل السوري الحياتية تحديث 31 أذار 2026

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي

أزمات الداخل السوري

—————————————

إزالة المخيّمات قد لا تكون نهاية النزوح :قراءة في القرار والمسار والمآل/ إبراهيم دراجي

نشر في 31 آذار/مارس ,2026

تتناول هذه الدراسة إشكالية إغلاق مخيمات النزوح في سورية، وتجادل بأن إزالة المخيمات لا تعني بالضرورة انتهاء النزوح، ما لم تسبقها أو ترافقها سياسة وطنية للحلول الدائمة تضمن الأمن، والسكن، والخدمات، والوثائق، وسبل العيش. وتستند الدراسة إلى قراءة الواقع السوري، وتحليل المعايير الدولية، ومقارنة عدد من السوابق الدولية، لتبيّن أن نجاح السياسة لا يقاس بعدد المخيمات المغلقة، بل بقدرة الأسر على الخروج الفعلي من حالة النزوح إلى استقرار مستدام. وتنبع أهمية البحث من كونه ينقل النقاش من منطق الإغلاق الإداري السريع إلى منطق المعالجة الحقوقية والسياساتية الشاملة، بما يجعله وثيق الصلة بصناعة القرار في المرحلة الانتقالية السورية.

إزالة المخيّمات قد لا تكون نهاية النزوح :قراءة في القرار والمسار والمآل

لقراءة المقالة كاملة اتبع الرابط التالي

المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة

———————————–

إنّهم يغتالون المخيّلة/ رباب هلال

31 مارس 2026

تبدع الصدمات المتتاليات المتسارعات وتمعن في إسقاطنا وسط التيه: الفلتان الأمنيّ الداميّ، الجوع يستشري، وخطاب الكراهية يستفحل، الشفافيّة منافقة، القانون المختفي، استباحة الأمكنة، والتاريخ والذاكرة، والمسكوت عنه يجلجل بالفضائح. ثمّة أيضاً ما يحدث لا يقلّ كارثيّة ومسكوت عنه، بل مرضيّ ومطلوب. أقصد قتل خيال الطفل وتخييله. هل يدري القتلة الجهلة أنّهم بذلك يسدّون الباب أمام السؤال والفضول المعرفي وغواية الاكتشاف، أي ما أوصل البشريّة إلى معرفة الإنسان، واكتشاف كوكبه الأزرق، والكون بمجرّاته، وإلى انفتاح أبواب الابتكار والإبداع على مصاريعها. السؤال من أوصل الفينيقيّين مخترعي السفن وروّاد الملاحة إلى أقاصيّ الأرض، والبشريّة لتوحيد الإله، ولاختراع الهاتف والطائرة والكمبيوتر، ولن يتوقّف عند الذكاء الصناعي. وتبعاً للموروث الدينيّ الذي يقضي بأنّ الإنسان هو خليفة الله على الأرض، أرى أنّ هذا الخليفة باعتماده السؤال أسّ الوجود، والتطوّر الحضاريّ العظيم، إنّما يعلن عن جدارته بأن يكون خليفة الإله بامتياز. وليس عبثاً أن نلقى في صحائف أديان البشريّة برمّتها؛ الأرضيّة والسماويّة، تمجيداً للعلماء والمفكّرين والعارفين عامّة، من دون أيّ تخصيص لأولياء الدين بينهم. ولا أذكر الآن من القائل من البحّاثة أو المفكّرين الغربيّين، بما معناه: إنّ كلّاً من المجتمعات تصوّر الله تبعاً لمقدراتها العقليّة. 

منذ أيّام، انتشر فيديو ليافع (13 سنة) من إدلب، عبره يعترف بارتكابه خطأ فادحاً، يعتذر ويبدي ندمه، ويعلن توبته عن تكرار جريرته. وجرم هذا الصغير أنّه حكى عن إحدى ذكريات صغره، فقد كان يظنّ أن صوت الرعد ينجم جرّاء عراك يحدث بين الله والشيطان. يا لبذخ هذه المخيّلة الصغيرة. تذكّر بأسئلة الإنسان الأوّل، تلك التي انبنى عليها التطوّر البشريّ.

اتّفق على أنّ الوعي بأهمّيّة الخيال يشترط بيئة أسرويّة وتربويّة منفتحة مرنة ومتسامحة. فكيف انبثقت لمخيّلة هذا الطفل، كزهرة لوتس، في بيئة تقفل باب العقل بمفتاح التشدّد الدينيّ القاتل؟ لعلّ الطفل حظي بحضن جدّة مترع بالحكايات. غير أنّه لم يكن يدرك أنّ التخييل حرام، وارتكابه جرم يستدعي العقوبة. يُسجن الطفل لسبعة أيّام، كما أعلن، من دون تصريح إن كان تعرّض لعنف لفظيّ أو جسديّ، ليخرج بعدها على الملأ، مصوّراً في فيديو، ويعلن توبته عن تشويه الذات الإلهيّة، ليكون عبرة لمن يعتبر أو من لا يعتبر من الأطفال. فهل يدري أولئك الشيوخ وسادتهم، ماذا يعني ردع الطفل عن التخييل؟ هل يدرون أنّهم يغتالون المخيّلة؟ إضافة إلى إهمالهم السافر لحقّ كافّة أطياف المجتمع في التعلّم والتعليم. ألم تفاجئنا سابقاً، وتخيفنا، معرفتنا بأنّ أغلب المقاتلين وأصحاب الفزعات الدمويّة أمّيّون، ومثلهم عناصر من الأمن العام المنتشرين على الحواجز؛ هؤلاء من بين ضحايا حربنا المديدة. وأنّ عديداً من المسؤولين الكبار والصغار لا يحملون شهادة علميّة عليا أو حتّى متوسّطة، ولا يجيدون اللغة العربيّة. فالمعروف عن أيّ كان ممّن تتلمذوا فعلاً على قراءة القرآن الكريم. وإن كان الشيوخ المتغلغلون في الدوائر والمؤسسات الرسميّة إدارة أو إشرافاً، يجيدون القراءة، فماذا يقرأون؟ وما مدى ثقافتهم ومعارفهم العامّة؟ والأخطر بينهم، من يدير شؤون التربية والتعليم في مختلف المحافظات حيث لكلّ منها مدير شؤونها المتفرّد بقراراته وفتاويه العجيبة؟ أيدرك التربويّون الجدد خطورة دور الخيال في حياة الطفل، وفي تنمية مقدراته على الابتكار والإبداع والتجديد، فلا يتشرّب كلّ ما يُعرض عليه. ألا تشير تجربة اغتيال المخيّلة الطفليّة إلى المستقبل العقيم لهذه البلاد الغنيمة؟

العربي الجديد

——————————–

 هكذا يمكن للمتقاعدين السوريين استعادة معاشاتهم المتوقّفة

السبت 2026/03/28

أصدرت وزارة المالية في سوريا الآلية المعتمدة للتسجيل من أجل إعادة صرف المعاشات التقاعدية المتوقفة، عبر نظام جديد يتيح للمستحقين تقديم طلباتهم بسهولة، ومن دون الحاجة إلى مراجعة أي جهة خلال المراحل الأولى من الإجراءات، وفق ما أكّده وزير المالية محمد يسر برنية.

وتمرّ عملية التسجيل بعدة مراحل، تبدأ المرحلة الأولى والتي تعتمد على التسجيل عبر رسالة نصية  (SMS)، اعتباراً من الأول من شهر نيسان القادم، إذ يقوم المستحقون بإرسال رسالة قصيرة إلى رقم مخصّص سيتم الإعلان عنه بتاريخ الأول من نيسان، وتتضمّن الإسم الثلاثي، اسم الأم، الرقم الوطني، والصفة (متقاعد أو وارث). وأشارت وزارة المالية إلى أن هذه الخطوة هي كل ما يحتاجه المستحق في هذه المرحلة، ولا حاجة للتوجّه إلى أي مؤسسة أو جهة حكومية.

وفي المرحلة الثانية بعد استلام الرسالة النصية، تُجري الأنظمة الإلكترونية تدقيقات أولية للبيانات المرسلة، على أن يتلقى المسجّل خلال مدة أقصاها أسبوعان رسالة على هاتفه تتضمّن رابطاً خاصاً للدخول إلى منصة إلكترونية مخصّصة، بحيث يكون كل رابط مرتبطاً بطلب صاحبه، ولا يمكن استخدامه من قبل أي شخص آخر، ويستكمل صاحب العلاقة عبر هذه المنصة تعبئة البيانات المطلوبة، وإرفاق الوثائق الثبوتية اللازمة، فيما تتم هذه المرحلة كاملة عن بُعد من دون الحاجة إلى الحضور الشخصي.

وفي المرحلة الثالثة، وبعد اجتياز الطلب مرحلة التدقيق الإلكتروني، وفي حال استيفاء الشروط، يتم تحديد موعد محدّد لصاحب العلاقة لزيارة فرع المؤسسة العامة للتأمين والمعاشات، وذلك حصراً لإثبات الهوية وتقديم البصمات، حيث يُبلَّغ صاحب العلاقة بالموعد عبر رقم هاتفه المسجّل.

أما المرحلة الرابعة، وبعد دراسة الطلب والموافقة عليه، يُحال إلى الجهة المعنية لدراسته والبتّ فيه، وعند الموافقة يصبح صاحب العلاقة مؤهلاً لاستلام مستحقاته المالية.

وتجدر الإشارة إلى أنّ الفئات المستحقة هي المتقاعدون العسكريون، والمدنيون الذين أوقِفت رواتبهم خلال الثورة بسبب مواقفهم الداعمة لها، والعسكريون المنشقون الذين لم يعودوا إلى خدمتهم وبلغوا سن التقاعد، وأصحاب المناصب الذين أيّدوا الثورة ولم يشاركوا في أي انتهاكات، إضافة إلى العسكريين المتقاعدين بعد عام 2011 ممن لم تتلطخ أياديهم بجرائم ضد الشعب السوري، وكذلك ورثة جميع المستحقين من هذه الفئات

——————————–

+ الناس

عودة اللاجئين السوريين من لبنان إلى سورية:قراءة في جاهزية الحكومة واستجابتها وإشكاليات خطاب الكراهية/ يمان زباد

25 آذار/مارس ,2026

في ظل تدفق اللاجئين السوريين من لبنان إلى سورية عقب الحرب الاسرائيلية على لبنان في آذار/مارس 2026، تطرح هذه الدراسة سؤالًا مركزيًا في سياق المرحلة الانتقالية: هل تمتلك الدولة القدرة على استيعاب هذه العودة، أم أنها تكتفي بإدارتها في حدودها الدنيا؟

تقدّم الدراسة قراءة تحليلية لواقع العودة من خلال ربطها بثلاثة مستويات متداخلة: جاهزية الدولة قطاعيًا، واستجابتها الفعلية على الأرض، والتوترات الاجتماعية المرافقة لها. وبدل النظر إلى العودة بوصفها نتيجة تلقائية لسقوط نظام الأسد، تركز الدراسة على معيار: إلى أي مدى استطاعت الدولة تحويل العودة من تدفق بشري ضاغط إلى عملية قابلة للإدارة والاستدامة.

وتكشف النتائج أن الجاهزية الحكومية بقيت محدودة في القطاعات الأساسية، في حين اتخذت الاستجابة طابعًا قصير الأمد ومتمركزًا في لحظة الوصول، دون أن تتطور إلى سياسات إدماج مستدامة، بالتوازي مع تصاعد خطاب الكراهية بوصفه عاملًا ضاغطًا إضافيًا على السلم الأهلي.

وتخلص الدراسة إلى أن التحدي لم يعد في فتح مسارات العودة، بل في قدرة الدولة على إدارة مسارين متزامنين: استقبال العائدين ودمجهم، ضمن بيئة لا تزال تعاني هشاشة بنيوية في الخدمات والمؤسسات.

عودة اللاجئين السوريين من لبنان إلى سورية:قراءة في جاهزية الحكومة واستجابتها وإشكاليات خطاب الكراهية

تحميل البحث كاملا اتبع الرابط التالي

——————

أزمة النزوح في سوريا بين المشكلة والحل/ يحيى السيد عمر

مارس 26, 2026

تُعدّ قضية النازحين في سوريا أحد أبرز التحديات الإنسانية والاجتماعية التي نتجت عن سنوات النظام البائد وما أَعْقبها من دمار؛ إذ اضطرّ ملايين السوريين للانتقال من مدنهم وبلداتهم إلى مناطق أخرى داخل الدولة، بحثاً عن الأمان والاستقرار. ومع مرور الوقت، أصبح النزوح واقعاً مستمراً يمتدّ أثره على مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، ويؤثّر في توزيع السكان والخدمات الأساسية؛ ما يجعل معالجة هذا الملف أمرًا محوريًّا في مسار التعافي الوطني وإعادة بناء المجتمعات المحلية.

الحياة اليومية للنازحين مليئة بالصعوبات المعيشية، مع ارتفاع معدلات الفقر والاعتماد على الدعم المؤقت؛ ما يجعل من الضرورة بمكان البحث عن حلول متكاملة تتجاوز المساعدات الطارئة.

ويستند النهج الفعّال لمعالجة أزمة النازحين إلى العمل على مستويين متوازيين: الأول إسعافي، يعمل على تقديم الدعم المؤقت الذي يساعد الأُسَر على الصمود، والثاني إستراتيجي علاجي، ويركّز على إعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية، واستعادة النشاط الاقتصادي لضمان استقرار النازحين على المدى الطويل. الحل المؤقت وحده لا يمكن أن يُنهي الأزمة؛ إعادة تأهيل البنية التحتية وتوفير فرص العمل وإعادة النشاط الاقتصادي تتطلّب سنوات من التخطيط والاستثمار؛ ما يجعل العمل على المستويين ضروريًّا ومتوازيًا.

المرسوم الرئاسي القاضي بتشكيل لجنة متخصِّصة لإعادة تأهيل البنية التحتية في المناطق المتضررة، يُشير إلى توجُّه رسمي للتعامل بواقعية مع قضية النازحين، من خلال التركيز على معالجة أحد أهم العوائق التي تَحدّ من عودتهم إلى مناطقهم الأصلية، وهو تضرُّر الخدمات الأساسية. ومن المتوقع أن تعمل هذه اللجنة على إعادة تأهيل شبكات المياه والكهرباء والطرق، إضافة إلى المدارس والمراكز الصحية، بما يُخفّف من معاناة النازحين في المرحلة الراهنة ويُمهّد لعودتهم التدريجية.

غير أن نجاح هذه الخطوة يبقى مرتبطًا بعدة تحديات، من أبرزها حجم الدمار الكبير في بعض المدن والبلدات، محدودية الموارد المالية المتاحة، وتعقيدات التنسيق بين الجهات الحكومية المختلفة، فضلًا عن الحاجة إلى تهيئة بيئة اقتصادية تسمح للأُسَر بالاعتماد على مصادر دخل مستقرة بدلًا من الاعتماد المستمر على الدعم المؤقت.

الانتقال المكثّف للسكان إلى بعض المناطق أدى إلى الضغط على الخدمات المحلية، بينما شهدت مناطق أخرى انخفاضًا في الكثافة السكانية؛ ما أحدث خللًا في التوازن السكاني والمجتمعي. كما تأثّرت شبكات الدعم الاجتماعي التقليدية نتيجة التشتّت، وظهرت فجوات في التعليم؛ إذ يُقدّر أن ملايين الأطفال خارج المدارس بسبب النزوح أو ضعف الإمكانيات التعليمية في مناطقهم الجديدة؛ ما يُهدّد فرص الأجيال القادمة في بناء مستقبل مستقر، ويبرز الحاجة إلى دمج إعادة تأهيل المدارس ضمن أيّ خطة شاملة لمعالَجة آثار النزوح.

البُعد الاقتصادي يُشكّل عنصرًا أساسيًّا في ضمان عودة النازحين واستقرارهم. إعادة تأهيل البنية التحتية يجب أن تترافق مع خلق فرص عمل، وتشغيل الأسواق المحلية، ودعم الأنشطة الإنتاجية التي تُمكّن الأُسَر من الاعتماد على دخلها الخاص. غياب هذه العناصر سيُحوّل إعادة الإعمار إلى مجرد إعادة بنية مادية بلا أثر حقيقي على حياة السكان، ويؤكّد ذلك التجارب الدولية.

فقد أثبتت برامج إعادة تأهيل المناطق المتضرّرة في العراق بعد 2003، وفي لبنان بعد الحرب الأهلية، وفي البوسنة بعد اتفاق دايتون 1995، أن دمج إعادة الإعمار مع دعم الاقتصاد المحلي والتعليم وإشراك المجتمع المدني يُعزّز استقرار النازحين ويدعم عودتهم التدريجية. هذه التجارب تُوضّح أن النهج متعدد المستويات بين الدعم المؤقت وإعادة البناء الشاملة هو الأكثر فاعلية لضمان الاستدامة.

إعادة تأهيل الخدمات الأساسية، بما فيها المدارس والمراكز الصحية والمرافق العامة، ليست مجرد عمل خدمي، بل تُمثّل خطوة لإعادة الثقة بين السكان ومؤسسات الدولة، وتُشجّع الأُسَر على العودة تدريجيًّا. كما أن حماية حقوق النازحين، وضمان كرامتهم، ودعم الفئات الأكثر ضعفًا من أطفال ونساء وكبار السّن، تُشكّل جزءًا أساسيًّا من أيّ إستراتيجية ناجحة على المدى الطويل. ومن هذا المنطلق، تُعدّ البنية الاجتماعية جزءًا من عملية إعادة البناء؛ إذ إن استقرار النازحين لا يتحقّق إلا إذا أُعِيد ربطهم بالمجتمع المحلي، وتوفّرت لهم بيئة آمِنة ومحفّزة على الاستقرار.

التحديات أمام هذه الجهود كبيرة ومعقّدة. تنسيق الجهات الحكومية في توزيع الموارد وتحديد الأولويات بين المناطق الأكثر تضررًا يحتاج إلى إدارة دقيقة، كما أن محدودية التمويل المحلي تجعل من الضروري الاستفادة من الدعم الدولي والتعاون مع المنظمات الدولية.

علاوةً على ذلك، فإن إعادة النشاط الاقتصادي وإعادة تشغيل الخدمات تتطلب وقتًا طويلًا؛ لأن المناطق المتضرّرة فَقَدت شبكاتها الإنتاجية، والعائلات تحتاج إلى موارد مستدامة لتتمكّن من الاعتماد على نفسها بعيدًا عن المساعدات المؤقتة. هذه التحديات تؤكّد أن العودة المستدامة للنازحين هي عملية تدريجية وطويلة الأمد، وليست قابلة للتحقيق في وقت قصير.

توضّح هذه المعطيات أن معالجة أزمة النازحين تتطلّب خطة متكاملة تجمع بين الدعم الإسعافي والخطط الإستراتيجية طويلة الأمد؛ بحيث يبدأ التدخّل بتوفير الدعم المؤقت الذي يُتيح للأُسَر الصمود، ثم الانتقال إلى مرحلة إعادة إعمار شاملة تشمل البنية التحتية والخدمات والتعليم والنشاط الاقتصادي. وإعادة تأهيل المدارس والمرافق الصحية، واستعادة الخدمات العامة، كل هذه عناصر مترابطة تضمن عودة تدريجية ومستقرة للنازحين، مع مراعاة الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية لكل فرد.

————————-

«الألغام ومخلفات الحرب»… تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

وزير الطوارئ في ألمانيا للاطلاع على التجربة المتقدمة في إدارة الكوارث

لندن: «الشرق الأوسط»

26 مارس 2026 م

بينما تواصل فرق الدفاع المدني السوري في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان، مثل الألغام ومخلفات الحرب التي كُشفت مع الفيضانات الأخيرة التي شهدتها المنطقة الشرقية في سوريا، خصوصاً بعد انجراف الألغام من مواقعها وظهورها على سطح التربة، ما وسّع نطاق تهديدها ووضعها في متناول السكان، وفرض واقعاً أكثر تعقيداً يتطلب استجابة عاجلة ومنظّمة.

وفي هذا السياق، أوضح مدير (إدارة الإزالة في المركز الوطني لمكافحة الألغام ومخلفات الحرب) رائد الحسون، أن الجهات المختصة تتابع من كثب تداعيات الفيضانات الأخيرة، مشيراً إلى أن السيول لم تقتصر على كشف الألغام المدفونة، بل أسهمت أيضاً في نقلها من مواقعها الأصلية، ما أدى إلى ظهور بؤر تلوث جديدة وانتشار غير متوقع لهذه المخلفات في مناطق مختلفة، بحسب «الإخبارية السورية».

وفي تعليق على المشاهد التي أظهرت أطفالاً يتعاملون مع الألغام بشكل مباشر، وصف الحسون هذه الحادثة بأنها «صادمة»، مشدداً على أن هذا الواقع يعكس حجم التحدي في مجال التوعية المجتمعية.

ودعا في هذا الإطار إلى تكاتف الجهود بين الجهات الرسمية والمجتمعات المحلية، بما في ذلك المدارس والأهالي، لنشر رسائل التحذير وتعزيز ثقافة الابتعاد عن الأجسام المشبوهة، ما يسهم في تقليل عدد الضحايا إلى الحد الأدنى.

وتعمل الوزارة بالتعاون مع المركز الوطني ضمن خطة استجابة شاملة للتعامل مع الألغام ومخلّفات الحرب على مستوى البلاد، ولفت الحسون، إلى أن المرحلة الحالية تشهد تنسيقاً مكثفاً مع الشركاء المحليين والدوليين، بهدف تعزيز الجهود الميدانية وتوجيه المنظمات المختصة نحو المناطق الأكثر تضرراً، مع السعي لتأمين الدعم اللازم لمواجهة هذا التحدي المتفاقم.

وأكد أن تحديد أولويات التدخل يتم وفق معايير واضحة تشمل الكثافة السكانية وطبيعة استخدام الأراضي، سواء كانت زراعية أو مخصّصة لإعادة تأهيل البنية التحتية، ما يسمح بتوجيه الجهود نحو المواقع الأكثر عرضة للخطر والأشد تأثيراً على حياة المدنيين.

أما على صعيد حماية المزارعين، مع اقتراب موسم الحراثة، فقد أكد مدير المركز الوطني لمكافحة الألغام ومخلّفات الحرب أن الإجراءات تتركز على تكثيف حملات التوعية في المناطق المتضررة، بالتوازي مع إرسال فرق المسح غير التقني لتحديد مواقع التلوث بدقة، تمهيداً للتعامل معها وفق الأولويات المعتمدة، بما يضمن تقليل المخاطر المرتبطة باستخدام الأراضي الزراعية.

وضمن هذه الظروف الشديدة الحساسية في الكوارث الجوية التي تضرب سوريا هذه الأيام, بحث وزير الطوارئ وإدارة الكوارث السوري رائد الصالح والوفد المرافق له، في بون بألمانيا، سبل تعزيز التعاون المشترك في مجال إدارة الطوارئ والكوارث، مع الوكالة الفيدرالية الألمانية للإغاثة التقنية «THW».

واستعرض الجانبان خلال اللقاء، أمس الأربعاء، الإمكانيات والخبرات الألمانية في مجالات الاستجابة للطوارئ، وآليات التنسيق والعمل الميداني، إضافة إلى فرص تطوير التعاون الفني، وتبادل الخبرات بين الجانبين، ما يسهم في دعم قدرات الاستجابة في مواجهة الكوارث.

الصالح قال في تصريح لمراسل (سانا)، أن الزيارة شكّلت فرصة مهمة للاطلاع على التجربة الألمانية المتقدمة في إدارة الطوارئ والكوارث: «ناقشنا مع الجانب الألماني إمكانياتهم الفنية والتقنية، وسبل الاستفادة منها في تطوير عملنا، كما قمنا بزيارة ميدانية إلى مركز Sinzig التابع للوكالة الألمانية، واطلعنا على التجهيزات وآليات العمل المعتمدة لديهم».

وأشار الصالح إلى أن هذه الزيارة تمهد لمرحلة من التعاون المشترك وتبادل الخبرات بين الجانبين خلال الفترة المقبلة. واطلع الوفد المرافق لوزير الطوارئ وإدارة الكوارث خلال جولة ميدانية في مركز Sinzig بمدينة بون، على أبرز التقنيات المستخدمة في الاستجابة للطوارئ، وآليات العمل داخل المركز.

——————————–

فواتير الكهرباء تقضم سلة غذاء السوريين

كشفت دراسة ميدانية حول أثر أزمة الكهرباء على الواقع المعيشي في سوريا، عن تحولات رقمية مهمة في سلوك المستهلك السوري، حيث أظهرت لغة الأرقام أن تكلفة الطاقة لم تعد مجرد “فاتورة”، بل أصبحت مؤثرًا مباشرًا يقتطع من حصة الاحتياجات الأساسية الأخرى، كالغذاء والصحة.

ووثقت نتائج الدراسة، التي قامت بها منصة “استبيانات سوريا”، رغبة تقنية عالية لدى المشاركين في التحول نحو الحلول البديلة ليس بدافع الرفاهية، بل للهرب من الارتفاع الكبير لسعر الكهرباء مع وجود فجوة كبيرة بين “القدرة المادية” وبين “تكاليف التأسيس”.

ولفتت الدراسة إلى أن الواقع الإحصائي بناء على العينة الميدانية للدراسة، يطلب حلولًا تمويلية مبتكرة.

شملت الدراسة 500 عينة من المواطنين السوريين، وقد نجح 201 مستخدم فقط في استكمال الاستبيان واعتماد إجاباتهم بعد اجتيازهم بنجاح اختبارات “الاستهداف والفلترة البرمجية” ومنظومة الجودة (بما في ذلك بصمة المتصفح والتحقق من الشبكة)، لضمان الوصول للأشخاص المسؤولين فعليًا عن إدارة المصاريف المنزلية ودفع الفواتير.

العينة التي تضمنت 201 مشارك، تم استطلاع رأيها حول رفع التعرفة الكهربائية، ومعرفة الحلول التي توصلوا إليها.

وكشف المشاركون في الاستبيان أن فاتورة التعرفة الكهربائية أعلى من بقية الفواتير الشهرية كالتدفئة والاتصالات والتعليم والصحة وغيرها، موضحين أن تعرفة الفواتير قبل الزيادة كانت تتراوح بين 1000 ليرة سورية وحتى 200 ألف، أما بعد الزيادة باتت تتجاوز ثلاثة ملايين ليرة سورية.

ورأى 156 مشارك من أصل 201، أن الزيادة غير منطقية ولا تتناسب مع المستوى المعيشي للمواطن، مشيرين إلى صدمتهم عند تلقي الفاتورة الأولى بعد رفع التعرفة، ولصعوبتهم بتأمين المبلغ ولجؤوهم للدّين.

وبينت الدراسة أن المشاركين اعتمدوا تقنين استخدام الأجهزة الكهربائية، كالسخان والمدفئة وجهاز طهي الطعام وغيره، وصولًا للإضاءة.

50% قلصوا وجبات الغذاء

غلاء فواتير الكهرباء، دفعت العائلات لتقليص مصاريفها ببعض الأساسيات الأخرى كالطعام، إذ أوضح حوالي 50% من المشاركين، أنهم قلصوا وجبات الغذاء، وخفضوا كمية ونوعية الطعام، بهدف تأمين مبلغ الفواتير، كما ضربت على وضعهم الاقتصادي وزادته سوءًا، مما أثر على العلاقات الأسرية كالمشاحنات.

ولفتوا إلى ضرورة إعادة النظر من قبل الحكومة السورية بفواتير الكهرباء وبتعرفتها الجديدة، بما يتناسب مع دخل الفرد.

الشفافية في هيكل الأسعار من أهم توصيات الدراسة

توصي الدراسة بناءً على معطيات المشاركين بضرورة:

    تبني التمويل الأخضر الميسر: لتسهيل امتلاك منظومات الطاقة البديلة للعائلات والمنشآت الصغيرة.

    الشفافية في هيكلة الأسعار: لضمان توازن عادل بين تكلفة الخدمة والقدرة الشرائية للمواطن.

    تحسين معايير الجودة: الربط بين رفع التكلفة وبين استقرار الخدمة ورفع مستوى المعيشة لتقليل الخسائر الإنتاجية.

رقمنة الرأي العام

مؤسس منصة “استبيانات سوريا”، طارق الحواري، قال لعنب بلدي، إن الدافع الرئيسي لإجراء الدراسة الميدانية هو قدرة المنصة على رقمنة الرأي العام وتحويل الشكوى العفوية إلى بيانات إحصائية صلبة.

المنصة أرادت من خلال هذه الدراسة، تقديم نموذج حي يوضح إمكانيات الوصول إلى شرائح مجتمعية دقيقة، وتطبيق معايير “الجودة والفلترة الرقمية” لفرز الإجابات الحقيقية، بما يخدم سد الفجوة المعلوماتية في القضايا الخدمية الأكثر إلحاحًا كارتفاع أسعار الكهرباء، بعيدًا عن أي انطباعات شخصية أو توجهات مسبقة.

وتسعى المنصة لتقديم مادة “موثقة تقنيًا” تكون مرجعًا لأي جهة (حكومية، دولية، أو تنموية) تسعى لفهم الاحتياج الحقيقي للسوق والشارع السوري، بحسب تعبيره.

ويرى أنه عندما تتحول معاناة المواطن إلى “رقم ومخطط بياني”، يصبح من السهل بناء خطط استراتيجية أكثر دقة تلامس الواقع الفعلي وتدعم صناعة القرار المبني على الحقائق .

وكشف أن المنصة حاولت التواصل مع الوزارات المعنية عند إجراء الدراسة، وتزويدهم بلوحات تحليلية حية وتفاعلية، إلا أن لم تحصل على أي رد.

وأضاف أن “استبيانات سوريا” تهدف لأن تكون كشريك تقني يسهم في إنجاح خطط التحول الرقمي والتنمية الاجتماعية، عبر توفير بيانات ميدانية دقيقة وبأقل التكاليف الممكنة مقارنة بالدراسات التقليدية.

الجدل الشعبي مستمر

تشهد قضية تسعير الكهرباء نقاشًا واسعًا في الأوساط الاجتماعية والاقتصادية، لما لها من تأثير مباشر على حياة المواطنين والنشاط الإنتاجي.

وأثار تقسيم التعرفة الكهربائية إلى شرائح حالة من الجدل الشعبي، إذ يرى كثير من المواطنين أن هذه الشرائح لا تتناسب مع مستويات الدخل السائدة ولا تراعي تفاقم معدلات الفقر لدى شريحة واسعة من السوريين، معتبرين أن آلية التسعير المعتمدة لا تعكس الواقع المعيشي ولا تلبّي الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية.

وأصدرت وزارة الطاقة السورية، في 30 من تشرين الأول 2025، تفاصيل قرار رفع أسعار الكهرباء وفقًا لأربع شرائح، قالت إنها “تراعي الفئات الاجتماعية ومستويات الاستهلاك المختلفة”، وذلك كجزء من خطة حكومية تهدف إلى إصلاح قطاع الكهرباء وتحسين الخدمة، في وقت يعاني فيه هذا القطاع من خسائر تقدّر بمليار دولار سنويًا، وسط تحديات في التمويل والبنية التحتية في معظم المناطق، بحسب ما ذكرته الوزارة.

توزع الشرائح والأسعار بحسب ما نشرته الوزارة عبر “فيسبوك“:

    الشريحة الأولى بسعر 600 ليرة سورية للكيلوواط الواحد، حتى كمية استهلاك 300 كيلوواط خلال دورة شهرين بنسبة دعم حكومي 60% من سعر التكلفة.

    الشريحة الثانية بسعر 1400 ليرة للكيلوواط الواحد، وتضم أصحاب الدخل المتوسط والمرتفع والمشاريع الصغيرة التي تستهلك أكثر من 300 كيلوواط خلال دورة شهرين.

    الشريحة الثالثة بسعر 1700 ليرة للكيلوواط الواحد، وتضم المعفيين من التقنين، مثل المؤسسات الحكومية والشركات والمصانع التي تحتاج إلى كهرباء على مدار الساعة.

    الشريحة الرابعة بسعر 1800 ليرة، وتضم المعامل والمصانع والاستهلاك الكهربائي العالي، مثل معامل الصهر وغيرها.

تناقض بين المبررات والنتائج

الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي في جامعة “حماة” عبد الرحمن محمد، يرى أن القراءة الاقتصادية للشرائح الجديدة تكشف عن تناقض جوهري بين مبرراتها النظرية ونتائجها العملية المباشرة، وفق:

أولًا، منطق الإصلاح المزعوم: يفترض النظام التصاعدي للشرائح ترشيد الاستهلاك وحماية محدودي الدخل عبر شريحة أولى مدعومة، بينما يتحمل ذوو الاستهلاك المرتفع أو القطاعات التجارية التكلفة الحقيقية، ونظريًا، يؤدي هذا إلى تخفيف العبء المالي عن الدولة (التي تخسر 0.14 دولار مقابل كل كيلوواط تُنتجه) وتوجيه الدعم للفئات المستحقة.

ثانيًا، صدمة الواقع المجتمعي: يصطدم هذا المنطق بعنف مع الواقع السوري، لعدة أسباب:

    القدرة الشرائية منهارة، إذ يُظهر تحليل مقارن أن الحد الأدنى للأجور في سوريا اليوم يستطيع شراء حوالي 707 كيلوواط/ساعة فقط شهريًا بموجب الأسعار الجديدة، وهو تراجع كارثي بنسبة تتجاوز 60% عن قدرته الشرائية في سبعينيات القرن الماضي، حتى الاستهلاك “المدعوم” ضمن الشريحة الأولى أصبح يشكل عبئًا كبيرًا.

    فواتير لا تُطاق: بعض فواتير تجاوزت أربعة أو خمسة ملايين ليرة لأسر لا تملك أساسيات الكهرباء، بسبب أخطاء في قراءة العدادات أو مشكلات تقنية، كما أن فاتورة متوسطة بقيمة 500 ألف ليرة لشهرين تمثل نصف راتب موظف يتقاضى مليون ليرة، وهذا يفسر الشعار المتداول في الشارع: “خليهن يجوا يفكوا عداد الكهربا”.

    غياب البدائل والخدمة: الغضب يتضاعف، لأن هذه الزيادة الصادمة (التي وصلت لنسبة 800% في بعض الحالات) لم تقترن بتحسن ملموس في جودة الخدمة، التي لا تزال تتسم بالتقنين.

————————————

 أبناء الحرب.. اللغة كأرشيف للعنف/ مؤيد اسكيف

2026.03.25

حينما أتأمل المقولات الشعبية المتداولة في سوريا قبل الحرب الأخيرة، أحاول أن أذهب عميقا لسبر أغوار الشروط التي أنتجتها وكرّستها. ففي أحاديث العائلة أو بين الأصدقاء، في سياق المزاح أو العتاب أو حتى التعبير عن الحب، وبالطبع عند الغضب والتهديد، كانت تتردد عبارات مثل: “والله لكسرك”، “بدي أدبحك”، “ترجع سالم غانم”، “تشكل آسي”، “تقبرني”، “اندفس”، “تسمم”.. وغيرها كثير من التعابير التي تتضمن عنفا لفظيا أو إشارات عدائية مباشرة تتضمن كلاما عن الموت والإلغاء أو التصفية، أو احتفاء غرائزيا بالانتصار المعنوي على الآخر.

مثل هذه العبارات وما تدل عليه لم تكن مجرد استثناء، بل هي جزء من نسيج اللغة اليومية التي يتم تداولها والاعتماد عليها في التواصل والتفاعل البشري. وكان سؤالا واحد يطرق باب التفكير: كيف تصبح مثل هذه المفردات التي تدعو للقتل والإلغاء والدفن أدوات حميمية في خطاب يومي عادي؟ أو وسيلة للتهديد وبث الرعب لحسم أي خلاف؟

لطالما تحدثت عن الحرب بوصفها فاعل رئيسي استوطن منذ القدم في الجغرافيا السورية. حرب تخبو لمدة من الزمن، ثم تعود من كهوف الماضي لتجتاح استقرار الإنسان وما أنتجه من فعل حضاري. وإذا ما تتبعنا مسارات الغزاة لهذه الأرض، وطبقات العنف المتراكمة التي خلفوها، والكوارث الطبيعية من زلازل وأوبئة وأزمات مناخية، فإن المشهد يبدو قاتما بما يكفي ليدفعنا إلى إعادة قراءة لغتنا ومفرداتنا اليومية بوصفها أرشيفا سمعيا وغير مكتوب لتلك الصدمات.

محتوى اللغة كذاكرة وأرشيف

قد تكون تلك العبارات والتي تتضمن إحالات للعنف شواهد باقية على حروب وأزمات اجتماعية سابقة، تسربت إلى المخيال الجمعي ثم وجدت طريقها إلى اللسان. فالحروب حينما تكون دورية عبر القرون لا تترك أثرها في العمران فقط، بل في بنية الإنسان النفسية، في عالمه المتخيل، وفي طريقة تسمية الأشياء، وفي شكل ردود الفعل.

في كل مجال فيه اتصال وتفاعل بشري، في البيوت، والشارع، والمدارس، والثكنات، وحتى في المؤسسات الرسمية، وبالطبع في وسائل الإعلام لاسيما مواقع التواصل الاجتماعي، كان العنف اللفظي وسيلة سريعة ومتاحة لحسم أي خلاف بين السوريين، مهما بدا بسيطا هذا الخلاف. وإذا لم يكن الحسم اللفظي كافيا لإثبات الهيمنة الرمزية، كان الانتقال إلى العنف الجسدي خيارا متاحا. يغيب منطق الحوار في ميدان التفاعل، ونادرا مايكون الوسيلة الأولى. ولكن غالبا ما كان العنف هو المرجعية المعتمدة أولا وأخيرا.

عندما انطلقت الثورة السورية في 15 آذار 2011 وأخذت الأحداث بالتصاعد، بدا لي فجأة أن تلك العبارات القديمة ليست عفوية ولا هي مجرد مبالغات لغوية أو استعارات فائضة. أدعي أني عثرت على سياقها الكامل. فاللغة المليئة بمعاني الذبح والكسر والدفن وغيرها، لن تجد حائلا أو صعوبة كبيرة في الانتقال من خانة المجاز إلى ساحة الفعل، وهذا ماحدث.

اللغة تنتج المعاني، والمعاني تصوغ المخيلة، والمخيلة توجه السلوك. وإذا كانت اللغة غير مصانة بالشكل الكافي، يصبح الوعي معرضا للاستباحة. وهكذا تنتقل الحرب – باعتقادي – من كونها مجرد مفردات إلى أفعال. فالكلمة المنطوقة ما أن تخرج من الفم تتحول إلى سلوك أو تؤثر به على نحو مباشر أو غير مباشر.

ونظرا لهذا التأثير الكبير للكلمة المنطوقة والصورة المتخيلة على السلوك البشري، تبرز الحاجة الملحة للآداب والفنون وقيم الجمال، فأهميتها كامنة في تأثير اللغة على الوعي والمخيلة والسلوك. إن منتجات الإبداع الجمالي الإنساني ليست ترفا، بل هي حاجة ضرورية وأساسية كونها أدوات تهذيب للذائقة والمخيلة، وبالتالي لسلوك الفرد اليومي.

الفن يوسع أفق الإنسان، ويهذب عالمه المتخيل، ويمنحه بدائل عن لغة العنف في التعبير والتفاعل، ولكنه يحتاج إلى دورة واسعة من الاستقرار ليتمكن المجتمع من انتاجه واستهلاكه، لأن الحرب، حين تهيمن، تنهش هذه المساحات، وتدفع بخطاب الجمال إلى الهامش. خطاب الحرب نقيض للتحضر الإنساني، لأنه يختزل العالم في ثنائية: “أنا أو لا أحد” أو “والله لأدبحك”.

أجيال من الصدمات

في مراحل لاحقة من عمر الثورة، بدأت تتكرر وبشكل منتظم مصطلحات مثل: الدعم النفسي لضحايا الحرب، إعادة التأهيل لضحايا العنف، علاج الصدمات، إلخ. حيث نشطت منظمات المجتمع المدني التي تستهدف الأطفال والنساء بالدرجة الأولى، بوصفهم الفئة الأكثر ضعفا وهشاشة في مواجهة العنف ولابد من إعادة تأهيلهم نفسيا.

لكن، وأمام حجم الدم والدمار الهائل، بدت تلك الجهود – رغم أهميتها – متواضعة جدا ومحدودة الأثر. فالمجتمع بأكمله كان ضحية. ووصمة اللجوء إلى طبيب نفسي ظلت حاضرة، وكأن الاعتراف بآلام الروح والنفس ضعف، أو مسا بالعقل. وهنا يفرض السؤال التالي نفسه:

إذا كانت أدوات العلاج النفسي الحديثة، والعدد الهائل من الكوادر والمؤهلين والمنظمات عاجزة عن احتواء آثار كل هذا الخراب في النفوس، فكيف كان حال ضحايا الحروب ممن سبقونا في القرون الغابرة؟ أولئك الذين تهجروا، أو استعبدوا، أو فقدوا أهاليهم في مذابح لم تُوثق كما توثق اليوم؟

أستحضر مثلا أطفال حارة “الصغار” في حلب، الذين جُمِعوا في هذا الحي بعد مقتل أهاليهم على يد المغول. ماذا حدث لهم؟ أي لغة تكلموا؟ أي عالوالم نفسية تشكلت في داخلهم؟ ماهو المخيال الذي كان يسيطر على وعيهم؟ وبالطبع هناك أطفال كثر تعرضوا لمعايشة العنف في مدن وحواضر سورية أخرى.

هؤلاء، وأمثالهم عبر التاريخ، هم أبناء حرب حقيقيون. ونحن ورثتهم نستلهم ونكرر عباراتهم! هم نشأوا في ظل فقدان شامل، من دون احتواء نفسي، من دون اعتراف جماعي بالصدمة. ومن الطبيعي أن يعيدوا إنتاج ما عاشوه، في لغتهم، في سلوكهم، في تربية أبنائهم.

قلق الحرب

لا تنتهي الحروب بتوقف المعارك، إنها راسخة في النفوس، وفي المخيال واللغة، وتتجلى برد الفعل السريع نحو العنف، في الاحتفاء بالقوة بوصفها قيمة عليا ومعيارا أعلى. وما أعتقد به وأشعر بالقلق حياله هو أننا، وبدون وعي منا، قد ورثنا بالفعل جمر حروب لم نخضها نحن، لكننا حملنا آثارها، وهاهي تتجلى في لغتنا اليومية. وأخشى أكثر أن نعيد توريثها للأجيال القادمة، وعلى المستوى الشخصي، لا أريد أن يكون في سوريا أبناء حرب. ولا أن تتعلم الأجيال القادمة أن العنف أول اللغة، وأن الإلغاء هو أسرع الطرق لحسم الخلاف وتحقيق النصر لاسيما في الخلافات الصغيرة. لا أتمنى أن نورث ذاكرة معطوبة ومليئة بالغضب، ذاكرة لم تُشف من أثر حروب ومخاوف الماضي.

وأعتقد بأن كسر هذه الدائرة يبدأ من اللغة، ومن إعادة تسمية الأشياء وتعريف المفاهيم، ومن خلال تهذيب المفردات. بالاعتراف بأن الحرب ليست قدرا أزليا، بل بنية يمكن تفكيكها. كي لا يكون هناك المزيد من أبناء الحرب.

تلفزيون سوريا

————————-

البطالة في الجنوب السوري.. واقع قاسٍ وآمال مؤجلة في ظل اقتصاد منهك/ نادر دبو

2026-03-25

تُعد البطالة واحدة من أكثر الأزمات الاقتصادية إلحاحاً في محافظة درعا ومناطق الجنوب السوري عموماً في ظل استمرار ضعف النشاط الاقتصادي وغياب الاستثمارات وندرة فرص العمل. وبعد أكثر من خمسة عشر عاماً من التدهور الاقتصادي المرتبط بسنوات الحرب لا يزال السكان يواجهون واقعاً معيشياً صعباً يفرض على كثير منهم البحث عن أي مصدر دخل مهما كان بسيطاً.

ومع غياب فرص العمل المستقرة يجد آلاف الشباب أنفسهم أمام خيارات محدودة تدفعهم إلى العمل في المهن المؤقتة أو اليومية أو في الأسواق الشعبية في محاولة لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة.

سوق عمل هش ومعاناة يومية

يقول شادي أبو يامن في تصريحات لـ”963+”: إن البحث عن فرصة عمل ما يزال مهمة شاقة تكاد تكون مستحيلة بالنسبة لكثير من الشباب موضحاً حجم المعاناة اليومية التي يعيشها العاملون في المهن البسيطة.

ويضيف بلهجته العامية: “أنا كعامل عادي بشتغل من الساعة ثمانية الصبح للساعة اثنا عشر الظهر في سوق الهال للخضار بمدينة نوى وبعد الظهر بروح بشتغل بورشة لصب البيتون مع ورشات البناء على شان اقدر اأمن مصروف بيتي وعائلتي وبقول الحمد لله انه ملاقي شغل لأنه في غيري ما عم يقدر يلاقي أي فرصة عمل”.

ويتابع: “في ناس عم تبحث ليل نهار على الانترنت على شان تلاقي شغل تشتغله لتقدر تعيش وفي عائلات الشباب كلها بتشتغل بالأعمال اليومية والبنات كمان عم تشتغل بمحلات بيع الألبسة النسائية وملابس الأطفال أو سكرتيرة عند دكتور أو دكتورة حتى تقدر العائلة تعيش نحن اليوم بمرحلة معيشة تحت المتوسطة يعني اللي بيلاقي شغل يشتغله هاد بتكون أمه راضية عليه”.

وتعكس هذه الشهادة جانباً من الواقع الصعب الذي يعيشه السكان حيث لم يعد العمل مرتبطاً بالتخصص أو الشهادة بل أصبح أي عمل متاح فرصة يجب التمسك بها

وفي السياق نفسه يقول وليد الخبي أحد الباعة في أحد الأسواق الشعبية بمدينة درعا لـ”963+”: إن كثيراً من العاملين في هذه الأسواق لم يعودوا يقتصرون على هذه المهنة فقط بل يجمعون بين أكثر من عمل في اليوم الواحد.

ويضيف: “على سبيل المثال في أساتذة بيشتغلوا الصبح بالتدريس وبعد الظهر بيجوا يشتغلوا محاسبين ماليين بمحلات سوق الهال وهذا الشي صار طبيعي بسبب ضعف الرواتب”.

ويوضح أن “الأستاذ رغم امتلاكه وظيفة ثابتة وراتب شهري إلا أنه يضطر للبحث عن عمل إضافي لأن الراتب لا يكفي لتأمين متطلبات الحياة”.

ويشير إلى أن هذا الواقع يخلق نوعاً من المنافسة القاسية على فرص العمل حيث أن الأستاذ الذي لديه دخل ثابت يأخذ فرصة عمل إضافية في حين يوجد أشخاص آخرون لا يملكون أي مصدر دخل وهم بحاجة ماسة لهذه الفرص.

ويتابع أن المشكلة لا تتعلق بطرف واحد فقط فالأستاذ بحاجة لهذا العمل الإضافي ليعيش والشخص الآخر بحاجة نفس العمل لأنه لا يملك أي دخل ثابت ما يجعل الجميع في سباق مفتوح على فرص محدودة.

ولا تقتصر البطالة على فئة الشباب غير المتعلمين فقط بل تمتد لتشمل خريجي الجامعات الذين يجدون أنفسهم مضطرين للعمل في مجالات بعيدة تماماً عن اختصاصاتهم بسبب عدم توفر فرص عمل مناسبة.

أرقام رسمية محدودة وواقع أكثر تعقيداً

رغم انتشار البطالة بشكل واضح في الحياة اليومية للسكان لا تزال البيانات الرسمية غير كافية لتعكس حجم الأزمة الحقيقي إذ تعود آخر الإحصاءات المتوفرة إلى عام 2022 عندما قدر المكتب المركزي للإحصاء معدل البطالة في سوريا بنحو 23.7 بالمئة.

وتشير الأرقام إلى أن عدد العاطلين عن العمل في محافظة درعا بلغ نحو واحد وسبعين ألف شخص بينما سجلت محافظة السويداء نحو سبعة وستين ألفاً في حين بلغ العدد في القنيطرة نحو خمسة وعشرين ألفاً.

كما تظهر البيانات أن الفئة العمرية بين عشرين وأربع وعشرين عاماً تسجل النسبة الأعلى من البطالة والتي تصل إلى نحو ثمانية وخمسين بالمئة ما يعكس حجم الضغط الكبير على سوق العمل وغياب الفرص أمام الفئة الأكثر نشاطاً.

ورغم أن هذه الأرقام تعود إلى فترة سابقة فإن كثيراً من الخبراء يرون أن الواقع الحالي قد يكون أكثر سوءاً في ظل استمرار التدهور الاقتصادي وضعف عجلة الإنتاج.

وفي هذا السياق قال وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار إن معدل البطالة في البلاد قد يتجاوز ستين بالمئة مشيراً إلى أن حجم الدمار الذي لحق بالاقتصاد خلال سنوات الحرب كان كبيراً جداً وفاق التوقعات.

كما تشير تقديرات اقتصادية إلى أن سوريا تحتاج إلى ما يقارب مئتي ألف فرصة عمل سنوياً فقط لاستيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل ومنع تفاقم الأزمة بشكل أكبر.

القطاع الزراعي من ركيزة اقتصادية إلى مصدر أزمة

يُعد القطاع الزراعي أحد أهم القطاعات التي كانت توفر فرص عمل واسعة في الجنوب السوري إلا أنه شهد تراجعاً كبيراً خلال السنوات الأخيرة نتيجة مجموعة من العوامل المتداخلة.

يقول المزارع أشرف العبود لـ”963+” إن الزراعة التي كانت تشكل مصدر رزق رئيسي لآلاف العائلات لم تعد قادرة على تأمين هذا الدور كما في السابق.

ويوضح أن موجات الجفاف التي ضربت المنطقة خلال العامين الماضيين أدت إلى انخفاض كبير في الإنتاج الزراعي وخسارة عدد كبير من المزارعين لمواسمهم ما انعكس بشكل مباشر على فرص العمل المرتبطة بهذا القطاع.

ويضيف أن التحديات لا تقتصر على الظروف المناخية فقط بل تشمل أيضاً عوامل أمنية حيث أدى وجود القوات الإسرائيلية وسيطرتها على مناطق زراعية ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم في وادي اليرموك والقنيطرة إلى توقف العمل في مساحات واسعة من الأراضي الزراعية.

هذا الواقع أدى إلى تراجع كبير في فرص العمل المرتبطة بالزراعة سواء في الزراعة نفسها أو في تربية المواشي أو في الأعمال الموسمية المرتبطة بالمواسم الزراعية.

ويقول الدكتور محمد الفقيه خبير اقتصادي ودكتور في جامعة دمشق، لـ”963+” إن القطاع الزراعي في الجنوب السوري يواجه أيضاً تحديات إضافية تتمثل في ارتفاع تكاليف الإنتاج ونقص الموارد وارتفاع أسعار مستلزمات الزراعة ما يجعل من الصعب استعادة هذا القطاع لدوره السابق في دعم الاقتصاد المحلي.

تعافٍ اقتصادي بطيء وخطط غير مكتملة

شهدت سوريا خلال الفترة الأخيرة تغيرات سياسية فتحت الباب أمام الحديث عن مرحلة جديدة وخطط لإعادة تنشيط الاقتصاد إلا أن الطريق نحو التعافي لا يزال طويلاً ومعقداً

ويرى خبراء أن إعادة بناء الاقتصاد تتطلب وقتاً طويلاً واستثمارات كبيرة لإعادة تأهيل البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية التي تضررت بشكل واسع خلال سنوات الحرب

وأكد تقرير صادر عن منظمة الهجرة الدولية عام 2025 أن قلة فرص العمل تعد من أبرز العوائق أمام عودة السوريين إلى مناطقهم إلى جانب ضعف الخدمات الأساسية والبنية التحتية.

وفي السياق ذاته أشار أحد الصحفيين الذين شاركوا في لقاء مع الرئيس السوري أحمد الشرع إلى أن الحكومة تعمل على إعداد خطة تنموية للمحافظات الجنوبية تشمل مشاريع زراعية وإنشاء مدن صناعية بهدف تحريك الاقتصاد المحلي.

وأضاف أن هناك مشروعاً آخر قيد الدراسة لم تتضح تفاصيله بعد إلا أنه قد يسهم في حل جزء كبير من المشكلات الاقتصادية في المنطقة في حال تنفيذه.

ورغم هذه الطروحات لا يزال كثير من السكان يتعاملون معها بحذر في ظل غياب نتائج ملموسة على أرض الواقع حتى الآن.

خيارات محدودة تدفع نحو المسار العسكري

في ظل غياب الفرص الاقتصادية الكافية اتجه عدد متزايد من الشباب في الجنوب السوري إلى الانضمام إلى المؤسسات العسكرية والأمنية بحثاً عن مصدر دخل ثابت يضمن لهم الحد الأدنى من الاستقرار.

ويقول أحد وجهاء منطقة الشجرة في ريف درعا الغربي إن هذا التوجه لم يعد خياراً بقدر ما أصبح ضرورة بالنسبة لكثير من الشباب الذين لم يجدوا أي بدائل اقتصادية أخرى.

ويضيف أن بعض القرى بات فيها في كل منزل شاب متطوع في إحدى الجهات العسكرية أو الأمنية وهو ما يعكس حجم الضغوط الاقتصادية التي تدفع الشباب إلى هذا المسار.

ويرى مختصون أن معالجة أزمة البطالة في الجنوب السوري تتطلب خطوات عملية وجدية تبدأ بدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتنشيط القطاع الزراعي وتوفير بيئة مناسبة للاستثمار.

كما يؤكدون أهمية إطلاق مشاريع تنموية حقيقية قادرة على خلق فرص عمل مستدامة وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي.

+963

——————–

تعيين الأقارب في سوريا رعب وحساسية الماضي وخوف المستقبل/ سلطان الكنج

مارس 25, 2026

كان من بين أسباب ثورة السوريين، وهي أسباب كثيرة اجتماعية وسياسية وطبقية واقتصادية، هو احتكار السلطة وتعيين الأقارب وانتشار المحسوبية وشتى أنواع الفساد المالي والإداري الذي كان ينخر كافة مؤسسات الدولة، بما فيها الأمنية والعسكرية.

وللحقيقة، لم تكن ظاهرة تعيين الأقارب شائعة على نطاق واسع ولم تكن مقتصرة على عائلة دون أخرى إنما كان المعيار هو الولاء المطلق لعائلة الاسد. كانت مجموعة من العوائل تمثل في واقعها “الدولة العميقة”.

ومع اتساع نطاق هيمنة تلك العوائل على مقدرات الدولة وتراجع الأداء الحكومي في تقديم الخدمات في عدة قطاعات من بينها القطاعات الصحية والتعليمية والبلدية، ومع ثورات الربيع العربي التي انطلقت من تونس نهاية 2010 وأوائل 2011 وجد الشعب السوري ما يكفي للخروج بثورة على النظام القائم في آذار 2011، انتقلت أهدافها من المطالبة بالإصلاح السياسي والاقتصادي إلى إسقاط النظام.

كان العديد من الكفاءات يُحرمون من استحقاقاتهم في التوظيف، إذ إن الأولوية لأقارب كبار المسؤولين الأمنيين، أو لحساب العائلات التي ارتبطت اقتصادياً بالثروة المتزاوجة مع سلطة الأسد، فكان صاحب الكفاءة يعود إلى بلدته يائساً من الحصول على فرصة تتناسب مع كفاءته في بلد تستشري فيه المحسوبيات.

كان نظام الأسد يدير المحسوبية بذكاء. كان يعلن أن هناك مسابقة ويحق لمن تتوفر بهم الشروط التقديم، فيقدمون، ثم، من وراء أبواب الغرف المغلقة، تُعتمد نتائج القبول بما ليس له صلة بالكفاءة أو الخبرة، إنما على أساس العلاقات والمحسوبيات وأحيانا الرشى.

بدأت تتشكل لدى الشعب السوري فوبيا الأقارب، تلك التي بدأت تظهر في وعيهم الجمعي، وتزيد من مخاوفهم. ثمة مخاوف اليوم من استنساخ حالة العوائل “المتنفذة” التي كانت تهيمن على معظم مقدرات البلد، بشكل أو بآخر. في عهد بشار الأسد، كانت للمحسوبيات الأسدية أساليب ووسائل قلّما تعرف عليها الشعب على نطاق واسع.

اليوم يبدو أن هناك تنامياً لنفس الظاهرة لكن دون اكتراث بالشعب، بل تبدو معلنة ويُروج علنا لبعض اللقاءات بين مسؤولين وعوائل باتت اليوم “متنفذة” أيضاً. في سوريا، يشكل هذا الملف حساسية مفرطة لدى السوريين الذين عرفوا وعانوا منه لعقود، حيث كانت سوريا البعث أو سوريا في حقبة الأسد تدار بالولاء والمحسوبية والرشاوى على حساب المصلحة والمهنية والعقل المؤسساتي.

لذا، أي مشهد من تولية الأقارب في سوريا الثورة اليوم، شئنا أم أبينا، يشكل هاجساً مخيفاً يذكّر بعقود الظلام ويفتح الجروح؛ كيف كانت تدار دولة الأسد. حتى من قبل من يروج للسياسات الحكومية أو يبرر لها، ولبعض القرارات الخاطئة، يعرف في قرارة نفسه أنه هو نفسه كان، عندما يتحدث عن نظام الأسد، يتحدث عن الولاء والقرابة التي كانت الذهنية التي تحكم سوريا الاستبداد.

ومن يستمع اليوم للشارع الثوري وغير الثوري، أي الشارع السوري بشكل عام، يسمع أصوات التذمر والتململ بل والتندر بأنها تذكّرهم بالعهد البائد. المشكلة في تعيين الأقارب الآن ليست مشكلة قد تضر العقل المؤسساتي الذي تسعى سوريا الثورة لتطبيقه، بل يشكل استعادة لرمزية حقبة الأسد. السوريون سابقاً لم يعانوا من مظاهر كبت الحريات والقمع الأمني فقط، بل من ذهنية تقريب وتولية الأقارب والأصدقاء، تلك العقلية التي أفشلت سوريا وجعلتها دولة تحتل دائماً مراتب متقدمة في قوائم الفساد.

على سوريا اليوم أن تعي تلك المخاطر الكارثية التي تحول دون خلق دولة تقوم على الطريقة المؤسساتية، بل على شكل دولة قبيلة وليست جمهورية كانت تفتخر بماضيها قبل وصول البعثيين إلى الحكم، الذين هم من رسّخ مفاهيم الولاء والقرابة على حساب الكفاءة والجدارة.

إن أي تعيين يحمل شبهة المحاباة يُقرأ اليوم من خلال هذه الذاكرة المتراكمة، لا بمعزل عنها. قد يقول البعض إن تعيين قريب في موقع ما لا يعني بالضرورة الفساد، خاصة إذا كان يتمتع بالكفاءة والخبرة. وهذا من حيث المبدأ صحيح؛ فالقانون لا يمنع القرابة بحد ذاتها، بل يمنع استغلال المنصب لتحقيق مصالح خاصة. لكن في الحالة السورية، لا يكفي أن يكون القرار قانونيًا، بل يجب أن يكون أخلاقيًا أيضًا يطمئن الرأي العام.

فالثقة بين المواطن والدولة هي الركيزة الأساس في بناء بلد يريد أن يتخلص من تركة الماضي بكل نواحيها، ويبني سوريا التي يستحقها السوريون الذين عانوا وقُتلوا وشُردوا وقدّموا الغالي والنفيس من أجل أن تحكم سوريا تحكم بالجدارة والعقل المؤسساتي بدلًا من أساليب القبيلة والإمارة العشائرية.

ثمة فارق دقيق أيضاً بين “الثقة الشخصية والمؤسساتية” في الدول المستقرة، يمكن احتواء حالات تعيين الأقارب ضمن أطر رقابية صارمة تضمن الشفافية وتمنع تضارب المصالح. أما في الحالة السورية، حيث لا تزال مؤسسات الرقابة ضعيفة، فإن أي إشارة إلى تغليب العلاقات الشخصية على المعايير المهنية قد تُفسَّر باعتبارها مؤشراً على عودة أنماط الحكم القديمة بوجوه جديدة. وهذا ما يضاعف حساسية الملف، حتى لو كانت النيات طيبة، وهي كذلك.

الثورة السورية

——————————–

أزمة “نصف الشهر” واستحقاقات رمضان والعيد تتوجها أزمة تأخر الرواتب/ مازن الشاهين

أسواق ممتلئة وجيوب فارغة: الاقتصاد السوري بين وهم الوفرة وواقع العجز

2026-03-24

بينما تتكدس أصناف الحلويات الدمشقية والمواد الغذائية المستوردة في واجهات المحال التجارية بأسواق “الحريقة” و”الشعلان”، يقف المواطن السوري أمامها كمتفرج في معرض للفنون، لا كمتسوق. المشهد السوري اليوم يقدم مفارقة اقتصادية كبرى، من وفرة في السلع، وانعدام في القدرة الشرائية، لتأتي أزمة تأخر الرواتب هذا الشهر لتزيد الطين بلة، ففي الوقت الذي تتضاعف فيه المصاريف مع اقتراب عيد الفطر، يجد الموظف نفسه في اليوم الخامس عشر من الشهر دون “سيولة” في يده.

لغة الأرقام.. الفجوة التي لا تُردَم

يقول الخبير الاقتصادي عدنان الجاسم في تصريحات لـ”٩٦٣+” تبدو الأسواق السورية اليوم في مشهدٍ لافت للنظر، رفوف ممتلئة بالسلع التركية والأردنية ومئات الماركات المستوردة، وحركة بيع لا تنقطع في الشوارع التجارية، لكن ما إن يقترب المواطن من البائع حتى تُفصح الأرقام عن حقيقة مغايرة تماماً، فالراتب الذي لم يُصرف بعد، والسلة الغذائية التي باتت حلم رمضان لا واقعه، والموظف الذي يعيش في منتصف الشهر أسير انتظار لا يُعرف متى ينتهي، كلها مشاهد تكشف أن وفرة السلع لا تعني صحة الاقتصاد، بل قد تكون دليلاً على خلله العميق، فلا يمكن الحديث عن اقتصاد صحي دون النظر إلى ميزان “الدخل مقابل الإنفاق”.

وتشير التقديرات الحالية (وفقاً لمراكز دراسات اقتصادية محلية وتقاطعات الأسعار) إلى أن متوسط تكلفة المعيشة للأسرة السورية المكونة من 5 أفراد إلى ما يقارب 12 مليون ليرة سورية شهرياً لتأمين الاحتياجات الأساسية (غذاء، سكن، طاقة) في حين لا يزال متوسط رواتب الموظفين في القطاع العام يتراوح بين مليون إلى مليون 200 ألف ليرة سورية، أي نحن نتحدث عن راتب يغطي أقل من 10% من الاحتياجات الأساسية للأسرة.

وهم الرفاه.. استيراد الاستهلاك لا استيراد الإنتاج

يتابع الجاسم إن امتلاء الأسواق بالبضائع ليس دليلاً على قوة الليرة أو متانة الاقتصاد، بل هو نتيجة لسياسة “توفير السلع بأي ثمن” مع نزيف القطع الأجنبي، فاستيراد الكماليات والسلع الجاهزة يستنزف ما تبقى من احتياطيات القطع الأجنبي، بدلاً من توجيهها لدعم مدخلات الإنتاج (المواد الأولية، الطاقة، الآلات)، إضافة إلى غياب الإنتاج المحلي، وتحول الاقتصاد السوري من “اقتصاد منتج” كان يحقق اكتفاءً ذاتياً في الغذاء والنسيج، إلى “اقتصاد ريعي/تجاري” يعتمد على الوساطة التجارية واستيراد الجاهز.

والوفرة في الأسواق تتحول إلى عبء على التاجر أيضاً؛ فالبضائع مكدسة، وحركة المبيعات في أدنى مستوياتها، مما يهدد بإفلاس صغار الكسبة، ويمكن أن يطلق على الاقتصاد السوري ” اقتصاد الحوالات” لأن الاعتماد على الحوالات هو المنقذ الوحيد للمواطنين وباتت “الحوالات الخارجية” من المغتربين هي المحرك الوحيد والوهمي للسوق، وهي لا تبني اقتصاداً، بل توفر “بقاءً على قيد الحياة” لجزء من الشعب.

ميزان التجارة الخارجية.. الخلل القاتل

يختم الجاسم: الاقتصاد القوي هو الذي يصدر أكثر مما يستورد، وفي الحالة السورية هناك عجز في الميزان التجاري، وفجوة هائلة بين الصادرات الخجولة (فواكه، بعض النسيج) والواردات الضخمة، وما تشهده الأسواق السورية من وفرة في السلع التركية ليس مؤشر عافية، بل شاهد على الخلل الهيكلي العميق في الاقتصاد.

وبحسب الإحصائيات التركية، بلغت الواردات السورية من تركيا وحدها 1.8 مليار دولار خلال سبعة أشهر من 2025، في مقابل صادرات سورية إلى تركيا لم تتجاوز 143 ألف دولار في الفترة ذاتها، والواردات التركية وحدها تساوي 12,500 ضعف الصادرات السورية إليها، رقم يختصر أزمة بأكملها، فاستيراد السلع الجاهزة يعني “توفير فرص عمل لعمال الخارج”، بينما يعاني الشباب السوري من البطالة أو الهجرة نتيجة توقف المصانع المحلية عن العمل بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة.

ويضيف: وما نعيشه اليوم هو حالة “ركود تضخمي” حادة، الأسعار مرتفعة جداً (تضخم) والأسواق متوقفة عن الحركة (ركود)، إن الرفاه الذي نراه على الرفوف هو “قشرة رقيقة” تخفي خلفها هيكلاً اقتصادياً يحتاج إلى جراحة عاجلة تبدأ من دعم الإنتاج الزراعي والصناعي لتقليل الاعتماد على المستورد، وربط الأجور بالواقع المعيشي بشكل حقيقي لا ترقيعي، وتوفير بيئة استثمارية تعيد تحريك المصانع المتوقفة.

وأخيراً لن يكون الاقتصاد السوري قوياً بمجرد امتلاء “الواجهات” بالبضائع، بل عندما يمتلئ “البراد” في منزل كل مواطن من عرق جبينه وإنتاج بلده.

رمضان والعيد: عبء موسمي على هشاشة دائمة

في رمضان 2026، تُعاد القصة ذاتها بأسعار أعلى، فبينما ارتفعت الرواتب الاسمية مقارنةً بالعام الماضي، فإن أسعار المواد الأساسية تجاوزتها بمراحل، وبينما تعترف الحكومة بأن المشكلة في القدرة الشرائية لا في توافر السلع، تظل الموائد الرمضانية مؤشراً لا يُخطئ على واقع الدخل الحقيقي.

وفي مقارنة بسيطة على بعض السلع الغذائية الأساسية بين رمضان 2025 ورمضان 2026 نجد كيلو الأرز من 8,000 ل.س إلى 10,500 ل.س بنسبة زيادة +31% ، وكيلو لحم العجل من 100,000 ل.س إلى 155,000 ل.س بنسبة زيادة +55% ، وكيلو لحم الخروف من 135,000 ل.س إلى 180,000 ل.س بنسبة زيادة +33%، وكيلو الدجاج الحي من 19,000 ل.س إلى 27,000 ل.س بنسبة زيادة +42%، وكيلو السكر من 6,000 ل.س إلى 8,500 ل.س بنسبة زيادة +41%، وكيلو البندورة من 3,000 ل.س إلى 9,000 ل.س بنسبة زيادة +200%، وكيلو البطاطا من 2,500 ل.س إلى 6,500 ل.س بنسبة زيادة +160%.

وفي نهاية المطاف، تكشف المقارنة عن ارتفاع في الأسعار رغم توفر السلع ومفارقة موجعة، فسوريا اليوم تعيش وفرة في عرض السلع وشُحاً حاداً في الطلب الفعلي، فالأسواق مليئة لأن المستورد وجد سوقاً مفتوحة، لا لأن الاقتصاد أنتج ووزّع الثروة على مواطنيه، والموظف الذي لم يتسلم راتبه في منتصف الشهر هو الوجه الحقيقي لهذا الاقتصاد، لا الرف الممتلئ بالواجهة التجارية.

وعلى الرغم من مرور أكثر من نصف شهر مارس 2026، لم يتسلّم كثير من موظفي القطاع العام رواتبهم بعد، وهذا ليس استثناءً، بل نمط متكرر في ظل خزينة تعتمد على الإصدار النقدي وليس على إيرادات حقيقية، يقول عامر الحسن، موظف في إحدى المديريات الحكومية في حماة لـ”963+”: “نحن في منتصف رمضان، والراتب لم يأتِ بعد، كيف أُعدّ إفطار أولادي؟”

مفارقة الوفرة والفقر

يرصد الباحث الاقتصادي رائد المشرف في تصريح لـ”963+” جوهر المعضلة في عبارة واحدة: الاقتصاد السوري “خرج من حالة الجمود لكنه لم يدخل في مسار تعافٍ منظم” فالتحسّن الطفيف في الليرة السورية، لم يكن ثمرة نمو إنتاجي، بل ارتبط بشح السيولة وتحويلات المغتربين وتخفيف للعقوبات، وهو ما يجعله تحسناً هشاً لا يصمد أمام أي ضغط، ويكشف عن وجود اقتصادين متوازيين في سوريا: اقتصاد رسمي يعاني من شُح الموارد ويعتمد على المساعدات والإصدار النقدي، واقتصاد غير رسمي يتحكم بالاستيراد والتوزيع وأسعار الصرف، والمفارقة أن الثاني يمنع الأول من الانهيار التام، لكنه يحول دون أي إصلاح حقيقي لأنه يقوم على مصالح لا تريد الاستقرار.

ويؤكد المشرف أن الاقتصاد القوي هو الذي يخلق فرص عمل لمواطنيه، ويحقق توازناً في ميزانه التجاري، ويحوّل الموارد الطبيعية إلى قيمة مضافة، وسوريا تمتلك المقومات أراضٍ زراعية خصبة كانت تُصدّر القمح والقطن، واحتياطيات نفط وغاز، ومناجم فوسفات، وكفاءات بشرية في الوطن والمهجر، ولكن الفجوة بين الموارد الكامنة والواقع المعاش واسعة جداً.

الاقتصاد الصحي لا يُقاس بحجم الاستيراد، بل بحجم الإنتاج والتشغيل والتصدير. ويختم “المشرف” أن سوريا بناتج محلي يساوي نحو 15% من حجمه عام 2010، وبعجز تجاري يتجاوز 2.8 مليار دولار، وبموظفين ينتظرون رواتبهم وأسعار رمضان تأكل ما تبقى من مدخراتهم، يعني أن سوريا لا تزال بعيدة عن الاقتصاد الذي يستحقه مواطنوها، والطريق الوحيد نحوه يمر عبر الإنتاج، لا الاستيراد، وأن وفرة السلع في الأسواق السورية مظهر مؤقت للرفاه، لا دليل على صحة اقتصادية، والفرق بين الاثنين هو الفرق بين الحياة والمعيشة.

+963

——————————–

بين سقوط الخوف وغياب القانون.. لماذا ترتفع نسبة الجريمة في سوريا بعد التحرير؟/ وفاء علوش

2026.03.24

بعد سنوات طويلة من الحكم الأمني الصارم، بدا وكأن المجتمع السوري يعيش مفارقة قاسية بعد التحرير؛ فمع تراجع الخوف من السلطة، لم تحلّ مكانه بسرعة منظومة قانونية قادرة على ضبط الحياة العامة. بدأت معدلات الجريمة بالارتفاع في بعض المناطق، لا بوصفها انحرافًا أخلاقيًا مفاجئًا، بل كعرضٍ طبيعي لمرحلة انتقالية مضطربة.

ولكي نفهم هذه الظاهرة، لا يكفي التوقف عند الأرقام أو الحوادث اليومية؛ ففي ذلك مجافاة للحقيقة. ولا بد هنا من العودة إلى طبيعة النظام الذي حكم السوريين لعقود. إذ لم يكن ذلك النظام يعتمد فقط على القمع السياسي، بل على إنتاج شكل خاص من الاستقرار؛ استقرار هش قائم على الخوف، وعلى وجود سلطة قادرة على التدخل في كل تفصيل من تفاصيل الحياة. استقرار لا يُبنى على الثقة أو العدالة، بل على الردع، وعلى شعور دائم بأن هناك من يراقب ويستطيع العقاب في أي لحظة.

مع سقوط هذا النموذج، لم يسقط الخوف وحده، بل سقط معه الإطار الذي كان ينظّم — ولو بشكل قسري — سلوك الأفراد داخل المجتمع. فوجد كثيرون أنفسهم فجأة خارج منظومة الضبط التي اعتادوا عليها، من دون أن تكون هناك بدائل واضحة أو جاهزة. ولم يكن القانون — الذي يفترض أن يحل محل تلك القبضة — حاضرًا بالفاعلية نفسها، لا على مستوى المؤسسات، ولا على مستوى الثقة العامة.

نحن هنا أمام حالة معقدة بعض الشيء؛ فالتحرر من الخوف لا يعني الانتقال إلى الأمان تلقائيًا، بل قد يكون، في لحظاته الأولى، مدخلًا إلى حالة من الارتباك، حيث تختلط الحدود بين المسموح والممنوع، ويتراجع الإحساس بالعواقب. وفي مثل هذه الظروف، لا تظهر الجريمة كفعل شاذ، بل كاحتمال متاح ضمن بيئة فقدت توازنها.

تمرّ المجتمعات الخارجة من الاستبداد غالبًا بمرحلة انتقالية تتسم بعدم الاستقرار، ليس فقط على المستوى السياسي، بل الاجتماعي أيضًا. وخلال هذه المرحلة، تعاني المنظومات القيمية من اهتزاز واضح؛ فالقواعد التي كانت مفروضة بالقوة تسقط، لكن القواعد البديلة — تلك التي تُبنى على التوافق والثقة — تحتاج وقتًا طويلًا حتى تتشكل. وبين هذين النموذجين، تنشأ مساحة رمادية يمكن أن تزدهر فيها أنماط سلوك لم تكن ممكنة من قبل.

في الحالة السورية، يتعقّد هذا المشهد أكثر بسبب سنوات الحرب الطويلة، التي لم تدمّر البنية التحتية فقط، بل أصابت النسيج الاجتماعي بضرر عميق. كما أن العنف، الذي كان في السابق محتكرًا من طرف السلطة، أصبح جزءًا من التجربة اليومية لكثيرين. ومع تكرار التعرض له، يفقد العنف شيئًا من صدمته، ويتحوّل تدريجيًا إلى سلوك أقل غرابة، وأحيانًا إلى وسيلة مقبولة لتحقيق أهداف معينة.

لا يمكن أيضًا إغفال الأثر العميق لانهيار منظومات الضبط غير الرسمية، كالعائلة الممتدة والروابط المجتمعية التقليدية التي كانت تؤدي دورًا في احتواء السلوك الفردي. ولكن مع النزوح، والتفكك الأسري، وتغيّر أنماط العيش، تراجعت هذه الأطر، ووجد الأفراد أنفسهم أكثر عزلة، وأقل خضوعًا لأي شكل من أشكال الرقابة الاجتماعية. وفي هذا السياق، لا تصبح الجريمة فقط نتيجة غياب الدولة، بل نتيجة غياب المجتمع بوصفه مساحة ضابطة.

كان للظروف الاقتصادية، إلى جانب ذلك، دور حاسم في دفع بعض الأفراد نحو الجريمة؛ فالفقر، والبطالة، وفقدان مصادر الدخل، عوامل فاعلة تخلق ضغطًا مستمرًا، قد يدفع إلى اتخاذ قرارات لم تكن مطروحة في ظروف أكثر استقرارًا. وهذا يمنع اختزال الجريمة في بعدها الأخلاقي فقط، بل يفرض النظر إليها أيضًا بوصفها استجابة — وإن كانت مرفوضة — لواقع معيشي قاسٍ.

لقد خلق اقتصاد الحرب بدوره أنماطًا جديدة من الكسب غير المشروع، ووسّع دائرة الأنشطة الخارجة عن القانون. فحين تصبح بعض أشكال التهريب، أو الابتزاز، أو استغلال النفوذ وسائل شائعة للبقاء، تتغير المفاهيم القيمية. ومع الوقت، لا تعود المشكلة في وجود هذه الممارسات، بل في اعتيادها، وفي تراجع القدرة على إدراك خطورتها.

وعلى الرغم من ذلك، سيكون اختزال الظاهرة في العامل الاقتصادي وحده تبسيطًا مخلًا؛ فالجريمة لا ترتفع فقط لأن الناس أصبحت أفقر، بل لأن الإطار الذي كان يضبط السلوك لم يعد قائمًا. وهنا تتداخل عوامل سياسية، واجتماعية، واقتصادية، ونفسية مختلفة.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في هذه المرحلة هو التطبيع مع الفوضى؛ فعندما تتكرر حوادث السرقة أو العنف من دون محاسبة واضحة، يبدأ المجتمع تدريجيًا في التكيف معها. وتتحول الجريمة من حدث صادم إلى خبر عادي، ومن استثناء إلى جزء من الحياة اليومية. ومع الوقت، يتآكل الإحساس بالحدود، ويصبح من الصعب إعادة ترسيخها.

لا يحدث هذا التطبيع عادة دفعة واحدة، بل يتسلل ببطء، عبر تفاصيل صغيرة: تبرير حادثة هنا، أو التغاضي عن تجاوز هناك، أو إعادة تفسير السلوكيات بوصفها مفهومة في ظل الظروف. ومع تراكم هذه التنازلات، يتشكل واقع جديد تصبح فيه الحدود أكثر مرونة، ويصبح من الصعب التمييز بين ما هو اضطراري وما هو انتهاك صريح.

في هذا السياق، يظهر نوع آخر من التحديات، يتمثل في محاولات بعض الأطراف إعادة صياغة مفهوم الأمان عبر وسائل غير قانونية، مثل التسلح الفردي أو تشكيل مجموعات حماية محلية. وعلى الرغم من أن هذه الحلول قد تبدو مفهومة في ظل غياب سلطة الدولة، فإنها تحمل في طياتها خطرًا كبيرًا، لأنها قد تؤدي إلى تكريس منطق القوة بدل القانون، وتفتح الباب أمام صراعات جديدة داخل المجتمع نفسه.

كما يبرز خطر آخر يتمثل في نشوء أشكال من العدالة تعتمد على الأعراف أو موازين القوة بدل القانون. وقد توفر هذه الأنماط حلولًا سريعة في بعض الحالات، إلا أنها تفتقر إلى الضمانات، وتفتح المجال أمام الظلم، خاصة بحق الفئات الأضعف. ومع غياب مرجعية قانونية موحدة، يصبح الحق نسبيًا، خاضعًا للنفوذ لا لمعايير العدالة.

السؤال الذي يجب أن يُطرح هنا: هل كان الأمان في ظل النظام السابق حقيقيًا؟

لا تبدو الإجابة بسيطة تمامًا؛ فربما كانت هناك درجة من الاستقرار الظاهري، وربما كانت الجريمة أقل ظهورًا في كثير من الحالات، لكن ذلك كان نتيجة الخوف، لا نتيجة وجود نظام عدالة عادل وفعّال. بمعنى آخر، كان الأمان ظاهريًا، مفروضًا وهشًا، وقابلًا للانهيار بمجرد زوال أدوات القمع التي تحميه.

إن ما نراه اليوم ليس انهيارًا مفاجئًا للقيم، بل انكشافًا لمدى هشاشة الأسس التي كان يقوم عليها الاستقرار المفترض. وهذا لا يعني التقليل من خطورة الوضع الحالي، بل على العكس، يستدعي التعامل معه بوعي أكبر، بعيدًا عن الحنين إلى الماضي أو تبسيط الواقع.

لا يكمن التحدي الحقيقي في استعادة شكل من أشكال الضبط بأي ثمن، بل في بناء منظومة جديدة قادرة على تحقيق التوازن بين الحرية والأمان. ولا يمكن أن تقوم هذه المنظومة فقط على إعادة تفعيل الأجهزة الأمنية، بل تحتاج إلى إصلاح شامل يشمل القضاء، والقوانين، وآليات المحاسبة.

لقد تآكلت الثقة على مدى سنوات طويلة، وأصبح من غير الممكن استعادتها بسرعة، لكنها شرط أساسي لأي استقرار حقيقي. فعندما يشعر الأفراد أن القانون يُطبّق بعدالة، وأن حقوقهم مصانة، يصبح الالتزام بالقواعد خيارًا منطقيًا، لا مجرد استجابة للخوف.

ثمة بُعد آخر لا يقل أهمية، يتعلق بالإرث النفسي الذي خلّفته سنوات القمع والعنف؛ فالمجتمعات التي عاشت طويلًا تحت الضغط، ثم خاضت تجربة حرب قاسية، لا يخرج الفرد منها سليمًا على المستوى النفسي، ما قد يدفعه إلى سلوكيات أكثر حدّة أو اندفاعًا. وفي غياب دعم نفسي ومجتمعي حقيقي، يبقى هذا العامل غير المرئي حاضرًا في خلفية كثير من الظواهر، ومنها الجريمة.

إن ما يحدث اليوم هو جزء من مسار طويل ومعقد، تتحول فيه المجتمعات من الخوف إلى محاولة بناء الحرية. وهذا المسار، كما تُظهر تجارب كثيرة، لا يخلو من التعثر. وبين سقوط الخوف وغياب القانون، تقف سوريا اليوم أمام اختبار حقيقي: هل يمكن تحويل هذه الفوضى المؤقتة إلى فرصة لبناء نظام أكثر عدلًا؟ أم أن الفراغ سيُملأ مجددًا بأشكال جديدة من السيطرة؟

الإجابة لم تُحسم بعد، لكنها تتشكل يومًا بعد يوم، في سلوك الأفراد، وفي قرارات المؤسسات، وفي قدرة المجتمع على رفض الفوضى دون أن يحنّ إلى الخوف.

وبين سقوط الخوف وغياب القانون، لا تختبر سوريا قدرتها على استعادة الأمن فقط، بل تختبر قدرتها على تعريفه من جديد.

فإما أن يُبنى الأمان هذه المرة على العدالة، أو سيعود — بأشكال مختلفة — مرتبطًا بالخوف نفسه الذي ظنّ الجميع أنهم تخلّصوا منه.

تلفزيون سوريا

——————————–

 زيادة الرواتب في سوريا… المتقاعدون خارج الحسابات/ ناظم عيد

الاثنين 2026/03/23

بقيت نصف فرحة السوريين مؤجلة مع استثناء المتقاعدين من زيادة 50% على الرواتب الصادرة  بمرسوم رئيس الجمهورية مؤخراً.

476 ألف متقاعد لم تشملهم الزيادة، وهم الشريحة الأولى بالرعاية، وهذا ما طرح بالفعل تساؤلات ملحّة، على اعتبار أنها المرة الأولى التي يستثنى فيها المتقاعدون من مراسيم الزيادات على الرواتب والأجور، وكان آخرها الزيادة 200% التي شملت المتقاعدين وقفزت بمعاشاتهم إلى عتبة لم يعودوا يخجلون من البوح بها لشدة تواضعها وهُزالها كما كان في السابق.

حافز لمعالجة البطالة المقنعة

الواقع أن الزيادة ما قبل الأخيرة التي شملت المتقاعدين، طمأنت المقبلين على التقاعد إلى أن حقوقهم محفوظة فيما لو تقاعدوا، وحفزت حالات التقاعد المبكر لمن استوفوا شروط التقاعد بحدودها الدنيا، وشهدت المؤسسات العامة كثافة غير مسبوقة لطلبات الاستقالة، وباتت مؤسسة التأمينات الاجتماعية أمام خطر عدم قدرتها على الإيفاء بالتزاماتها تجاه الأعداد الكبيرة من “زبائنها الجدد”. فكما درجت العادة كانت الاقتطاعات من كل خمسة موظفين على رأس عملهم تموّل راتب متقاعد واحد، لكن اليوم مع تناقص أعداد الموظفين وزيادة أعداد المتقاعدين، بات كل عشرة موظفين بالكاد يمولون راتب متقاعد واحد. وهذا يعني أن رواتب المتقاعدين و”معاشاتهم” لم تعد في وضع آمن.

منبع هواجس جديد

الواقع أن الأحاديث المضطردة والتحليلات عن احتمالات عجز المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية عن الإيفاء بالتزاماتها تجاه “جمهورها الآخذ بالازدياد، كانت طيلة الفترة الماضية الشغل الشاغل والهاجس الذي يقلق متقاعدي سوريا”.

واليوم مع عدم شمولهم بالزيادة الممنوحة للعاملين في الدولة، تعززت المخاوف لدى المتقاعدين من مصير مجهول، وبعضهم ندم على استقالته وإحالة استحقاقاته المالية من مؤسسته إلى مؤسسة التأمينات الاجتماعية. وهذا سيعني أن ظاهرة الاستقالات ستأخذ بعداً أخر؛ أي لن يكون ثمة استقالات مبكرة، وسيقتصر الأمر على من بلغوا الستين من العمر، وهو سن التقاعد القانوني وفق مقتضيات القانون رقم 50 الصادر عام 2004؛ أي أن المسألة ستنعكس على المعالجات الجارية على مشكلة فائض الموظفين الذي تحدثت عنه الجهات المعنية: “البطالة المقنعة” في الإدارة الجديدة للبلاد.

طمأنة قصيرة الأمد

قد تكون بادرة طيبة من وزير المالية الدكتور يسر برنية أنه خرج ليكتب على صفحته الشخصية في فايسبوك بياناً كاملاً بخصوص مرسومي الزيادة رقم 67 و68 المتعلقين بزيادة رواتب كافة العاملين في الدولة بنسبة 50% وزيادات نوعية على العاملين في بعض الوزارات كالتعليم العالي والتربية والأجهزة الرقابية وغيرها.

وتضمن منشور الوزير فقرة خاصة بمن سماهم “أصحاب القدر” أي المتقاعدين، وطمأنهم إلى أن هناك معالجة قادمة لن تتأخر لأوضاعهم في سياق معالجة عامة للنظام التأميني على نحوٍ عام في سوريا.

وللدقة نعرض ما كتبه الوزير خطياً: “لم نهمل كبار القدر من أهلنا المتقاعدين، وهناك زيادة لهم في الفترة القادمة، حيث العمل جارٍ الآن لإصلاح منظومة التقاعد والمعاشات برمتها، لضمان الاستدامة المالية لهذه النظم (المؤسسات التأمينية) من جهة، وتحسين الخدمة للمتقاعدين من جهة اخرى. ولا يطول الوقت بعون الله”.

ملامسة جديدة لخط الفقر

لكن بصراحة، ووفقاً لما استنتجناه من الحديث مع عدد غير قليل من المتقاعدين، أنهم فاقدو الثقة بالوعود الحكومية منذ زمن النظام البائد، بالتالي لم تكن طمأنة الوزير قاطعة ونافذة في عقولهم.

لم تقتصر حالة الترقب الحذر على مئات آلاف المتقاعدين، بل للخبراء هواجسهم أيضاً. فالخبير الاقتصادي والأكاديمي الدكتور فاخر قربي، يرى في حديث مع “المدن” أن حرمان المتقاعدين من الزيادة سوف يؤدي إلى مشاكل اقتصادية كثيرة حيث يقودهم هذا الحرمان إلى تآكل القوة الشرائية، لأن حرمانهم يعني انخفاض دخلهم الحقيقي المباشر أمام ارتفاع الأسعار، ما يضعهم في دائرة الفقر الشديد.

كما يتسبب الحرمان في عدم التوازن الاجتماعي، حيث يؤدي إلى فجوة كبيرة بين الموظفين على رأس عملهم والمتقاعدين الذين يعتمدون على دخول ثابتة. كما يضعف القدرة على المواجهة. فالمتقاعدون يميلون للاستهلاك من مدخرات ثابتة، والزيادة السنوية المحدودة غالباً لا تواكب التضخم،مما يجعلهم أكثر الفئات تضرراً.

تفادي السلبية

لتجنب الآثار السلبية لهذه الزيادة يقترح د. قربي زيادة الإنتاج المحلي لتلبية الطلب المتزايد وتجنب التضخم، وضبط السيولة عبر سياسات نقدية مثل رفع الفائدة على الودائع.

إضافة إلى دعم المتقاعدين، من الواجب شمولهم بأي زيادات لضمان العدالة الاجتماعية وتلبية احتياجاتهم. كما يتطلب العمل بشكل حقيقي لخلق إصلاحات إدارية تضمن تحسن أداء المؤسسات مع زيادة الرواتب.

لكن على المقلب الآخر لم يقلل د. قربي من أهمية مرسوم الزيادة، إذ يرى أن مرسوم زيادة الرواتب خطوة جريئة لتعزيز الثقة بين الموظف والحكومة. فهي تحمل في طياتها الكثير من الدلالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتترك آثاراً كبيرة على الاقتصاد، كما تشكل دافعاً قوياً للنمو الاقتصادي، طالما جاءت في إطار سياسة مالية متوازنة تعزز التنمية الاقتصادية.

رفع القدرة الشرائية

ستؤدي الزيادة إلى رفع القوة الشرائية للمواطنين بشكل كبير، وهذا ما يعزز الاستهلاك المحلي وينعش القطاعات الاقتصادية بأكملها. كما تُسهم في تحسين مستوى المعيشة وتقليص الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، وهذا سينعكس على الاستقرار المجتمعي ويخفف من البطالة.

وتأتي هذه الزيادة كنقطة انطلاق لتحفيز سوق العمل عبر جذب الكفاءات وزيادة الإنتاجية وتحسين الأداء الوظيفي. كما تشجّع على الادخار والاستثمار، ما يدعم القطاع المصرفي ويزيد من حجم السيولة في الاقتصاد بشكل كامل.

كما تلعب الزيادة دوراً محورياً ورئيسياً في تعزيز الأداء الاقتصادي والاجتماعي في كل من القطاعين العام والخاص، حيث تؤدي الزيادة في الدخل إلى تحسين مستوى المعيشة وتقليل الضغوط النفسية وزيادة القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية والترفيهية، ما ينعكس إيجاباً على جودة حياة الموظف وأسرته. كما تساهم في تحفيز أداء العاملين وزيادة ولائهم الوظيفي وانتمائهم لمؤسساتهم، وهو ما يزيد من إنتاجيتهم ويقلل من معدلات التهرب من الأداء الوظيفي.

كما تسهم هذه الزيادة في تحريك عجلة الاقتصاد السوري من خلال زيادة الإنفاق الاستهلاكي، ما يدعم نمو الأسواق المحلية ويشجع المنتجين على الاستثمار والعرض نظراً لزيادة الطلب. كما أنها تلعب دوراً اجتماعياً من خلال تقليل الفوارق الاجتماعية وتعزيز الشعور بالعدالة الاقتصادية.

والأهم في هذه الزيادة أنها مدروسة ومتوازنة لتجنب التضخم أو الضغط على الميزانية العامة، حيث تأتي بعد فترة جيدة من ضبط سعر الصرف. ولا بد من الإشارة إلى أن الأجور العادلة تعدّ استثماراً في رأس المال البشري وضمانة لاستقرار اقتصادي واجتماعي مستدام.

أمل على وعد

على العموم يبقى أمل من التقتهم “المدن” من المتقاعدين معلقاً على ما يشبه “تهدئة الخواطر” التي دفع بها وزير المالية فايسبوكياً، حتى لو كان من الأفضل أن يُخرج ما كتبه على شكل بيان باسم الوزارة لا على صفحة شخصية.

لكن المتحدث يبقى وزيراً وبالتالي كلامه يؤخذ على محمل الجد. ويتمنى الجميع ألا يتأخر تنفيذ وعد الوزير لأن أوضاع المتقاعدين ليست بخير.

المدن

——————————–

 حين يصبح اللعب خطرا.. عيد الأطفال في سهل الغاب تحت تهديد القنابل

2026.03.22

يراقب أحمد العبد الرحيم أطفاله خلال أيام العيد، في أثناء لعبهم بجوار المنزل، خوفًا من عثورهم على أجسام غريبة وتضررهم بها، لا سيما أنهم عائدون حديثًا من تركيا إلى منطقة سهل الغاب غربي حماة.

ويقول أحمد، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، ثاني أيام عيد الفطر: “خلال الأيام الماضية انفجرت مخلفات حرب على أطفال كانوا يلعبون في قرية العنكاوي في سهل الغاب، وأخشى أن يتكرر السيناريو ذاته مع أطفالي، خاصة أنهم منذ فترة ليست ببعيدة عثروا على قنابل عنقودية بالقرب من المنزل، وكان لطف الله حاضرًا بأن تلك القنابل لم تنفجر عليهم، وأنا أعيش في حيرة من أمري خلال أيام العيد، بين حبس الأطفال عن اللعب وبين الخوف عليهم”.

حصدت الألغام والذخائر غير المنفجرة أرواح 1400 شخص منذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024 حتى نهاية العام 2025، بحسب منظمة هانديكاب إنترناشونال، إذ يواجه أكثر من 15 مليون سوري خطر مخلفات الحرب.

أطفال سوريون يلعبون وسط الموت

في مساء 4 من آذار الحالي، هزّ صوت انفجار قرية العنكاوي مع حلول ساعات المساء، الذي لم ينتهِ إلا بإصابة 8 أطفال بجروح متوسطة وشديدة الخطورة، بحسب الناشط حسان حنان.

ووقع الانفجار في الحارة الشرقية الجنوبية من القرية، في أثناء تجمع أطفال عائدين من مخيمات النزوح إلى القرية، وفرحهم ولعبهم في أحيائها.

يقول حنان: لموقع تلفزيون سوريا، “كنت أول الواصلين إلى موقع الانفجار، لم يكن مشهدًا عاديًا؛ 8 أطفال ممددون على الأرض والدماء تنزف منهم، أيقنت حينها أن لغمًا أو ذخيرة عنقودية انفجرت بهم، لأن قريتنا ملوثة بالكامل بمخلفات الحرب”.

يروي أحمد العبد الرحيم تفاصيل حادثة كادت أن تسجل نهاية حياة أطفاله، الذين رُزق بهم في أثناء هجرته القسرية إلى تركيا، فبينما كان الأطفال يلعبون بالقرب من المنزل، جاؤوا بقنبلة عنقودية وهم فرحون، ويصيحون لوالدهم: “وجدنا جرة!”.

يصف العبد الرحيم حالته حينها بأن الشلل أصاب رجليه، ولم يعد قادرًا على الحركة لبرهة حين رأى القنبلة، لينتزعها من أطفاله ويذهب بها بعيدًا ويدفنها، والدموع تنهمر من عينيه، وهو يتخيل ماذا لو انفجرت القنبلة بالأطفال.

وبعد هذه الحادثة، لم يعد يطمئن لحركة أطفاله خارج المنزل، ودائمًا ما يرافقهم عن قرب في أثناء لعبهم.

يمر العيد الثاني بعد عودة قسم من السكان إلى سهل الغاب، ولا تزال مقومات الحياة الأساسية غير حاضرة، وفي مقدمتها مياه الشرب والكهرباء، ولا حتى المدارس بالشكل الصحيح، بحسب هدى الشهال، وهي أم لـ5 أطفال.

وتقول، في حديثها لتلفزيون سوريا: “في أثناء هجرتنا القسرية إلى تركيا، كان يوجد بالقرب من مخيمنا في أضنة حديقة ملاهٍ، يذهب الأطفال وحتى الكبار لقضاء وقت ممتع خلال أيام العيد، وأنا كنت أصطحب أطفالي يومًا كاملًا إلى مدينة الملاهي، حيث نقضي أوقاتًا تضفي السرور والرضا إلى نفوس الأطفال وتشعرهم بالعيد”.

وتضيف “أما هنا في سهل الغاب، وبعد عودتنا من تركيا، فلا توجد حتى مطاعم أو مقاهٍ أو كافيتريات يمكن أن نصطحب الأطفال إليها، أما مدن الملاهي فهذا طلب بعيد المنال هنا”.

ونتيجة ذلك، يقضي الأطفال أيام العيد باللعب في ألعاب بسيطة، يسيطر عليها الركض وراء بعضهم في الحقول الزراعية وقرب المنازل في المساحات المفتوحة، والصعود على ركام المنازل المهدمة، وأخطر أماكن اللعب على السواتر التي أُنشئت لأغراض حربية، ولا نعلم ماذا تخفي تحتها. ولا نستطيع منع الأطفال من اللعب، ولو بمستوى بسيط مقارنة بغيرهم من الأطفال في العالم.

أطفال في ريف حماة

“أكثر ما يمكن أن نشتريه من المحلات لألعاب العيد هي مسدسات الفتيش، ولا يوجد ألعاب غيرها”، بحسب ما يقول الطفل سعيد المحمد، حيث “نلعب أنا وأبناء حارتنا ألعاب الشرطة والحرامية، أو الثوار وعساكر بشار الأسد، ونركض خلف بعضنا البعض. وأحيانًا نلعب كمجموعة كبيرة من الأطفال بلعبة الغميضة أو “فتحي يا وردة”، إذ نمسك بأيدي بعضنا البعض ونغني ضمن دائرة تضم أكثر من 10 أطفال، كما نلعب لعبة التحدي: من يستطيع أن يقفز من على جدار منزل مهدوم”.

فرق إزالة الذخائر تعمل يوميا

أصبحت مشاهدة سيارات فرق إزالة الذخائر غير المنفجرة ومخلفات الحرب في الدفاع المدني السوري أمرًا شائعًا في ناحية الزيارة في سهل الغاب غربي حماة، بحسب ما جاء على لسان الناشط بشار الفارس، الذي يؤكد أنه بشكل شبه يومي يشاهد فرق إزالة الذخائر التي تعمل على الاستجابة لاتصالات السكان، من جراء وجود أجسام غريبة قرب منازلهم.

وبسبب كثرة البلاغات من ناحية الزيارة، عملت فرق الدفاع المدني على حملة للتعريف بالذخائر غير المنفجرة وخطرها، إذ استهدفت الحملة الأطفال في المدارس وفي المنازل.

يقول الناشط بشار الفارس لموقع تلفزيون سوريا، إن المشكلة الكبرى تكمن في أن الأطفال هم الأكثر عرضة للإصابة بمخلفات الحرب، لأن هؤلاء الأطفال تربوا وعاشوا بعيدًا عن المنطقة التي كانت تتعرض للقصف، ولم يشاهدوا في حياتهم قنبلة أو مقذوفًا حربيًا أو شظايا، مما يدفعهم للمس تلك الأجسام أو ضربها، وهذا بحد ذاته تحدٍ خطير في المنطقة التي يغلب عليها العمل الزراعي، وعمل الأطفال بمساعدة أهلهم في الزراعة أو رعي الأبقار والأغنام.

أطفال في ريف حماة

يرى الفارس أن الحل الأمثل في المنطقة هو تخصيص فرق مسح وكشف عن الألغام والذخائر غير المنفجرة، لا سيما في السواتر الترابية وقنوات التصريف، لأن هذين المكانين من أكثر أماكن التلوث، إذ كانت قوات النظام تزرع في هذه الأماكن الألغام.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، كانت قرى وبلدات ناحية الزيارة تتعرض للقصف بصواريخ سميرتش، وهي صواريخ حاملة للقنابل العنقودية، وعند اصطدامها بالأرض تنتشر تلك القنابل في كل مكان، منها ما ينفجر ومنها ما يبقى كامنًا، ولم يهدأ القصف على البلدة منذ العام 2015 حتى سقوط نظام الأسد.

الأطفال أكثر عرضة لمخلفات الحرب

تقول الشبكة السورية لحقوق الإنسان إن غياب الخرائط الشاملة للتلوث يزيد من تعقيد التخطيط الفعّال، ويدفع المجتمعات إلى التعامل مع حقول ألغام ومخلفات غير مُعلّمة بوصفها جزءًا من واقعها اليومي، بما يفاقم المخاطر ويحد من القدرة على الاستفادة من الأراضي والطرق.

ويتحمل الأطفال عبئًا غير متناسب من هذه الأزمة؛ وتشير المعطيات إلى ارتفاع نسبة الضحايا من الأطفال، وهو نمط يتسق مع الاتجاهات العالمية في ضحايا مخلفات الحرب المتفجرة. ويعود ذلك إلى جملة عوامل، أبرزها الفضول الطبيعي لدى الأطفال، واعتماد اللعب في الهواء الطلق، إلى جانب المظهر الخادع لكثير من الذخائر الصغيرة التي قد تبدو كأشياء غير ضارة أو تشبه الألعاب.

وإلى جانب الأطفال، يواجه النازحون العائدون إلى مناطقهم، والعمال الزراعيون، والرعاة، وسكان المناطق الريفية وشبه الريفية مخاطر متزايدة، لأن سبل عيشهم تتطلب الاحتكاك المباشر بالأراضي الملوثة، واستخدام طرق غير معبّدة أو مسارات جانبية تقل فيها مؤشرات التحذير أو تغيب كليًا.

ولا تقتصر آثار الإصابات على الأذى الجسدي المباشر، إذ كثيرًا ما تخلّف هذه الحوادث إعاقات دائمة، وتداعيات نفسية عميقة، وأشكالًا من التهميش الاجتماعي والاقتصادي.

وبذلك تتجاوز الأزمة نطاق السلامة العامة لتأخذ شكل طوارئ صحية عامة ممتدة، ذات آثار طويلة الأمد على مؤشرات الإعاقة والفقر والقدرة المجتمعية على التعافي والصمود.

وتشير الدلائل المتاحة إلى أن زرع الألغام في سوريا اتبع، في حالات عديدة، أنماطًا تتجاوز الضرورات التكتيكية المؤقتة لتقترب من ممارسات منهجية ذات أثر مدني متوقع.

وتشمل هذه الأنماط إنشاء أحزمة ألغام دفاعية على امتداد خطوط المواجهة، والتلويث المتعمد للأراضي الزراعية والممرات الحيوية بما يقوّض سبل عيش المدنيين ويعرقل عودتهم، إضافة إلى التفجير المنهجي للمباني السكنية والبنية التحتية ذات الطابع المدني.

ويلفت أحمد العبد الرحيم أنه لم يشاهد فرق إزالة ذخائر سوى الدفاع المدني السوري، ولم تأتِ إلى المنطقة التي يعيش فيها في ناحية الزيارة فرق متخصصة للمسح، ولا الائتلاف، سوى مرة واحدة.

وعملت وزارة الدفاع على تنظيف حقل بالقرب من بلدة المشاريع أم القرى، بينما البلدات الأخرى التي يوجد بها ذخائر غير منفجرة وقنابل عنقودية وألغام متفرقة لم يتم التعامل معها حتى الآن، وكثير من السكان متخوفون على مصير أبنائهم، حتى في ذهابهم إلى المدارس ومشيهم في الطرقات وبين المنازل المدمرة.

تلفزيون سوريا

————————–

 ضابطة منقبة تُثير الجدل.. هل يتعارض النقاب مع العمل الأمني في سوريا؟/ زينب مصري

2026.03.23

في سابقة لم تألفها المؤسسات الأمنية السورية لعقود، أثار ظهور ضابطة منقبة خلال افتتاح معهد الشرطة النسائية في 14 من آذار الحالي موجة من التساؤلات، في مشهد يعكس تحولات لافتة في شكل الجهاز الأمني بعد تحرير البلاد من حكم آل الأسد.

ففي فترة حكم الأسد الأب، ظل الحجاب محدود الحضور في المؤسسات الرسمية فضلًا عن الأجهزة الأمنية، في ظل قيود غير معلنة أجبرت النساء على خلعه في سياقات أمنية وسياسية مرتبطة بتوجهات حزب البعث وقمعه للتيارات الإسلامية.

وامتدت هذه السياسات إلى المدارس، حيث أُجبرت طالبات على نزع الحجاب عند أبوابها، في ممارسات استمرت حتى عام 2001، وسط ربط ممنهج بين الحجاب والانتماء إلى “الإخوان المسلمين”.

أما في عهد ابنه المخلوع، فقد بدا المشهد أقل تشددًا في الفضاء العام، إذ أصبح الحجاب أكثر حضورًا، مع انعكاس محدود لذلك داخل الأجهزة الأمنية، التي حافظت على طابع غير ديني في زيها الرسمي، مع غياب كامل للنقاب.

غير أن اندلاع الثورة عام 2011 وما تبعها من تحولات ميدانية، فرض واقعًا مختلفًا في بعض المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، حيث ظهرت عناصر من الشرطة النسائية بزي يحمل طابعًا دينيًا، خاصة في ريف حلب الذي كان خاضعًا لفصائل الجيش الوطني.

وبين تضييق سابق على المظاهر الدينية، وظهور محجبات فضلًا عن منقبات اليوم في الجهاز الأمني السوري، يبرز الجدل حول ارتداء النقاب في وظائف عامة مثل الشرطة، بين اعتباره حقًا شخصيًا ودينيًا، وبين اعتبارات مهنية تتعلق بطبيعة العمل الأمني، الذي يتطلب إظهار الوجه كجزء من تحديد الهوية.

أمام هذا الجدل، يستند مؤيدو ارتداء النقاب إلى ما يعتبرونه تجارب ناجحة في بعض الدول التي تسمح بعمل نساء منقبات في المؤسسات العامة ومنها الأجهزة الأمنية كالسعودية واليمن، فضلًا عن الطرح الذي يربط النقاب بالعمل المكتبي غير الميداني.

بينما يستند معارضون إلى قرار منع ارتداء اللثام لعناصر الأمن، مستشهدين بحالات ارتبطت بصعوبة التعرف إلى مرتكبي الانتهاكات أو بانتحال صفة عناصر أمنية.

آراء متباينة

وتتباين الآراء حول هذه المسألة، إذ يرى تامبي قاسم في منشور عبر فيس بوك أن إخفاء هوية عنصر الأمن، سواء كان رجلًا أم امرأة، يُعد أمرًا غير مقبول من الناحية المهنية، بالنظر إلى طبيعة العمل الأمني وضرورة إظهار الهوية، معتبرًا أن ذلك من متطلبات تحقيق الأمن في أي مجتمع.

في المقابل، يطرح سعيد الحلاق تساؤلًا على المنشور نفسه حول طبيعة العمل، معتبرًا أنه في حال كان الدور إداريًا داخل المؤسسة الأمنية، وليس ميدانيًا، فإن مسألة إظهار الوجه قد لا تكون شرطًا ملزمًا، خاصة في سياق استكمال المعاملات والإجراءات.

أما تيماء عزام، فترى أن العمل الأمني يتطلب وضوح الهوية والتعامل المباشر، معتبرة أن النقاب قد يقيّد طبيعة هذا الدور، إلى جانب تعارضه، بحسب رأيها، مع بعض الضوابط الاجتماعية المرتبطة بالاختلاط وطبيعة العمل.

خيار شخصي

ولا يوجد في سوريا قانون معلن يحدد شكل اللباس للأجهزة الأمنية بشكل تفصيلي، لكن هناك أنظمة وتعليمات داخلية غير منشورة للعامة تنظم الزي الرسمي لكل جهاز وتحدد نوعه.

وفي هذا السياق، يقول الضابط المنشق حمادة سلات إنه لم يصادف خلال فترة خدمته، قبل انشقاقه عن الجيش، أي موظفة في قوى الجيش أو الشرطة ترتدي النقاب، مشيرًا إلى أن النظام الداخلي كان يحدد اللباس لكل العاملين من ضباط وأفراد، ويمنع ارتداء النقاب.

ويضيف سلات في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن النقاب لا يتناسب مع العمل في سلك الشرطة أو الجيش، كونه قد يشكل عائقًا أمام أداء المهام، خاصة أن طبيعة العمل الأمني تتطلب إظهار الهوية، لافتًا إلى أن ملامح الوجه تُعد جزءًا أساسيًا من هذه الهوية، في حين أن الحجاب لا يخفي هوية الشخص ولا يعيق العمل.

ويؤكد سلات أن النقاب يظل خيارًا شخصيًا من حيث المبدأ، لكنه لا يراه مناسبًا أو قابلًا للتطبيق داخل مؤسسات الجيش أو الشرطة، وفق ما يقول.

ما حدود تدخل الدولة في المظهر؟

ويعد ارتداء النقاب يعد من حيث الأصل، تعبيرًا عن حرية الدين والمعتقد، وهي حرية مكفولة صراحةً في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 18)، وكذلك في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يضمن لكل فرد حرية إظهار دينه أو معتقده، سواء بالممارسة أو المظهر، بحسب حديث الباحث القانوني المعتصم الكيلاني، لموقع تلفزيون سوريا.

وفي الإطار السوري، ومع افتراض مرحلة انتقالية، يشير الكيلاني إلى أن المرجعية تكون في الإعلان الدستوري المؤقت، الذي يُفترض أنه كرّس حرية الاعتقاد ويؤكد على احترام الحقوق والحريات الأساسية، باعتبارها أساسًا لبناء النظام الجمهوري الجديد، وعليه، فإن الأصل القانوني هو الإباحة لا المنع.

ويقول إن هذه الحرية، وفقًا للقانون الدولي ذاته، ليست مطلقة، بل يمكن تقييدها بشروط صارمة: أن يكون التقييد منصوصًا عليه في القانون، وأن يهدف إلى حماية مصلحة مشروعة (كالأمن أو النظام العام)، وأن يكون ضروريًا ومتناسبًا.

وعليه، فإن ارتداء النقاب في الوظائف العامة يبقى حقًا مشروعًا، ما لم تتعارض ممارسته مع متطلبات جوهرية للعمل، كضرورة التحقق من الهوية أو ضمان التواصل المباشر أو الحفاظ على حياد المرفق العام.

ولذا، فإن النقاب لا يُحظر بوصفه مظهرًا دينيًا، بل قد يُنظَّم بوصفه حالة وظيفية تخضع لمعايير موضوعية، لا لاعتبارات أيديولوجية أو تمييزية.

جدلية النقاب واللثام

ولا يُعالج التعارض بين متطلبات الوظيفة وحرية المعتقد بمنطق الغلبة المطلقة، بل وفق منهج قانوني راسخ في القانون الدولي لحقوق الإنسان، وهو مبدأ التناسب، بحسب الباحث، فهذا المبدأ يفرض اختبارًا دقيقًا يقوم على: مشروعية الهدف (كالأمن أو حسن سير المرفق العام)، وضرورة الإجراء، وغياب البدائل الأقل تقييدًا، والتوازن بين المصلحة العامة والحق الفردي.

وفي السياق السوري، يُفترض أن الإعلان الدستوري المؤقت كرّس هذا المنهج بوصفه معيارًا حاكمًا لأي تقييد للحقوق، بحيث لا يجوز المساس بحرية المعتقد إلا ضمن حدود ضيقة ومبررة.

وبناءً عليه، لا تُقدَّم متطلبات الوظيفة بشكل مطلق، ولا تُمنح الحرية الدينية حصانة كاملة، بل يتم الترجيح وفق طبيعة الوظيفة ذاتها. فكلما كانت الوظيفة مرتبطة مباشرة بالسلطة العامة أو الأمن أو القضاء، زادت مشروعية فرض القيود، والعكس صحيح، وعليه، فإن الفيصل ليس في أولوية أحد الحقين، بل في مدى احترام التقييد لمبدأ التناسب.

ويشير الكيلاني إلى أن الجدل حول منع اللثام لعناصر الأمن الذكور مقابل السماح بالنقاب للنساء يخضع لمبدأ جوهري في القانون الدولي، وهو مبدأ المساواة وعدم التمييز، المنصوص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 7)، والذي يُفترض أن عاد تأكيده في الإعلان الدستوري المؤقت كقاعدة دستورية ملزمة.

فإذا كان سبب المنع هو إخفاء الوجه لدواعٍ أمنية أو وظيفية، فإن القاعدة القانونية السليمة تقتضي اعتماد معيار عام ومجرد يُطبّق على جميع الأفراد دون تمييز. أما التمييز بين اللثام والنقاب من دون أساس موضوعي مرتبط بطبيعة الوظيفة، فيُعدّ إخلالًا بمبدأ المساواة، وقد يرقى إلى تمييز غير مشروع، خاصة إذا لم يكن قائمًا على ضرورة حقيقية.

ويرى الكيلاني أن الحل القانوني المتوازن يتمثل في تبنّي قاعدة وظيفية محايدة، مثل اشتراط إظهار الوجه في وظائف محددة تتطلب ذلك، مع تطبيقها على الجميع من دون استثناء، وبما ينسجم مع متطلبات العدالة والمساواة.

وتُظهر التجارب المقارنة أن الدول، رغم اختلاف أنظمتها، تعتمد في النهاية على مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان. ففي فرنسا، يُطبق نموذج صارم قائم على حياد الدولة، مع قيود واسعة على الرموز الدينية في الوظائف العامة، وقد أقرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بشرعية بعض هذه القيود، بشرط احترام مبدأ التناسب.

في المقابل، تتبنى دول مثل المملكة المتحدة وكندا نهجًا أكثر مرونة، يقوم على مبدأ “التكييف المعقول”، حيث يُسمح بالمظاهر الدينية ما لم تُعرقل أداء الوظيفة بشكل جوهري.

——————-

عيد سوري سعيد ولكن أقل مما يجب/ عبسي سميسم

22 مارس 2026

كان عيد الفطر السعيد عند السوريين أقل سعادة هذا العام من العام السابق رغم زيادة رواتب الموظفين بنسبة 50% التي بشرهم بها الرئيس أحمد الشرع صبيحة يوم العيد، ولكنه بالتأكيد أكثر بهجة وسعادة من الأعوام التي سبقت تحرير البلاد من حكم آل الأسد. العيد السابق كان عيداً ممزوجاً بطعم التحرير، والآمال الكبيرة التي علّقها السوريون على الإدارة الجديدة للبلاد، بتحسين أوضاعهم المعيشية بعد سنوات من القتل والإذلال والقهر والتهجير، فكانت توقعاتهم تفوق ما تم تحقيقه خلال السنة الماضية على المستوى المعيشي.

لا يزال الوضع المعيشي للمواطنين يسير بخط بياني منحدر رغم الزيادات التي حصلت على دخل عموم المواطنين بسبب تآكل هذه المداخيل بارتفاع أسعار يفوقها، فحديث النسب بارتفاع المؤشرات الحكومية على مستوى الناتج المحلي الإجمالي والميزانيات الحكومية، وارتفاع مستوى الدخل لا يمكن اعتباره تحسناً ما لم يوضع ضمن سياقه الصحيح وربطه بنسب التضخم وارتفاع كلفة الدخل وبالسياق العام لهذه المؤشرات، التي تصبح بلا معنى دون هذا الربط. ولعل الإنجاز الأكبر الذي تم تحقيقه منذ العيد السابق هو توحيد الجزء الأكبر من الجغرافية السورية تحت سلطة الحكومة السورية، وقطع شوط كبير في حل معضلة قوات سوريا الديمقراطية “قسد” التي كانت تسيطر على أكثر من ثلث البلاد، ومعظم ثرواتها.

إلا أن الهم الأكبر الذي أفقد العيد بهجته لهذا العام هو تخوف السوريين من دخول حكومتهم طرفاً في الحرب الدائرة بين دولة الاحتلال الإسرائيلي وإيران، مع ورود تسريبات عن ضغوط أميركية، لتشجيع سورية على الدخول في هذه الحرب من الجبهة اللبنانية من خلال المساهمة في نزع سلاح حزب الله اللبناني، وهي خطوة فيما لو استجابت لها الحكومة السورية فإن من شأنها أن تعيد سورية إلى ساحة الحرب والدمار، كما أن قرار عدم الدخول طرفاً في هذه الحرب لم يؤكده بشكل قطعي الرئيس الشرع خلال لقائه صبيحة يوم العيد بعدد من الشخصيات في قصر الشعب، الأمر الذي يجعل مخاطر هذا الدخول قائمة.

كما أن الأمطار التي عمت البلاد أيام العيد والتي كانت مصدر فرح للفلاحين، تسببت أيضاً بمنغصات حدت من فرحة العيد بسبب غرق خيم اللاجئين في كثير من المناطق ووقوع وفيات في بعض المناطق التي تحتوي بيوتاً متصدعة وهشة.

العربي الجديد

—————————

الحرب الخفية: عندما يصبح جسد المرأة ساحة صراع/ مازن الشاهين

حرب لا تنتهي بانتهاء المعارك.. حين يصبح الجسد ساحة معركة

2026-03-21

بينما تتصاعد أعمدة الدخان فوق المدن المدمرة، تتكشف مأساة أقل ظهوراً وأكثر إيلاماً، مأساة المرأة التي أصبح جسدها ساحة حرب موازية. هذه المرأة تحمل عبء الحرب مرتين؛ مرة حين تُجبر على النزوح من أرضها، ومرة حين يُنتهك جسدها. النزوح القسري لا يكون فقط خوفاً من القصف، بل أيضاً لحماية “العرض”. بينما تتصدر صور الدمار والضحايا نشرات الأخبار، وتتنافس الإحصاءات في وصف الخسائر العسكرية والاقتصادية، يظل العنف الجنسي أحد أكثر الجروح البشرية عمقاً، لكنه الأقل ظهوراً ومحاسبة.

لقد أثبت التاريخ أن العنف الجنسي في النزاعات المسلحة ليس حادثاً عابراً، بل نمط متكرر. فمن حرب البوسنة في التسعينيات، مروراً بالانتهاكات التي تعرضت لها النساء الإيزيديات في العراق، وصولاً إلى النزاعات المعاصرة في أوكرانيا وسوريا، تتكرر الصورة نفسها: أجساد النساء تتحول إلى أدوات حرب، وغالباً ما يُستهدف المجتمع بأسره من خلال هذا الاعتداء.

القانون الدولي يجرّم هذه الجرائم بوضوح، لكن تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان تؤكد أن العنف الجنسي في الحروب لا يزال من أكثر الجرائم انتشاراً وأقلها محاسبة. فقد وثق تقرير أممي صدر عام 2025 أكثر من 12,000 حالة عنف جنسي في مناطق نزاع خلال عام واحد فقط.

العنف الجنسي كسلاح: الأرقام، القانون، والآثار الاجتماعية

الأرقام تعكس حجم المأساة، وإن كانت تمثل جزءاً ضئيلاً من الواقع. في أبريل 2024، قدمت براميلا باتن، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالعنف الجنسي أثناء الصراعات، أمام مجلس الأمن إحصاءات صادمة، حيث ارتفعت انتهاكات العنف الجنسي المرتبط بالنزاع بنسبة 50% خلال عام 2023 مقارنة بالعام السابق، وفي عام 2024 بلغ عدد الحالات الموثقة 4,600 حالة، بزيادة 25% عن العام السابق.

لكن هذه الأرقام ليست سوى رأس جبل الجليد، إذ أن الإبلاغ عن العنف الجنسي يعاني من نقص مزمن وهيكلي نتيجة الوصم الاجتماعي والخوف من الانتقام وانهيار أنظمة التوثيق في مناطق النزاع. الحرب في رواندا عام 1994 تشكل مثالاً صارخاً، فقد قدّرت الأمم المتحدة لاحقاً أن ما بين 250,000 و500,000 امرأة تعرضن للاغتصاب، بينما لم يُسجّل التوثيق الفوري سوى جزء ضئيل من هذه الجرائم.

وتشير التقارير الأممية إلى أن أكثر من 60,000 امرأة اغتُصِبن خلال النزاع في سيراليون بين 1991 و2002، وأكثر من 200,000 في رواندا خلال مئة يوم من الإبادة الجماعية عام 1994، أما في البوسنة فقد وثقت الأرقام ما بين 20,000 و50,000 حالة ضمن سياسة التطهير العرقي.

وفي دارفور بالسودان بين 2003 و2008، تم توثيق أكثر من 12,000 حالة اغتصاب واعتُبرت جريمة ضد الإنسانية، وفي ميانمار “الروهينغا” بين 2016 و2017، رُصدت تقديرات بحوالي 18,000 حالة اغتصاب خلال أشهر قليلة كجزء من عملية تطهير عرقي.

أما في سوريا والعراق واليمن وليبيا، فتشير التقارير الحقوقية إلى آلاف حالات العنف الجنسي المنهجية التي لم تُبلّغ إلا عن جزء صغير منها، حيث تُقدّر منظمة العفو الدولية أن أقل من 10% من جرائم الاغتصاب في مناطق النزاع يتم الإبلاغ عنها رسمياً، مما يجعل الأرقام المعلنة مجرد “قمة جبل الجليد”.

ومنظمة هيومن رايتس ووتش أكدت أن العنف الجنسي في سوريا ليس استثناءً، بل أصبح أداة منهجية مستخدمة لترهيب المجتمعات.

القانون الدولي حاول مواكبة هذه الجرائم، ففي أكتوبر 2000 اعتمد مجلس الأمن بالإجماع القرار 1325 حول “المرأة والسلام والأمن”، وهو أول وثيقة قانونية دولية ملزمة تربط بين تجربة المرأة في النزاعات وملف السلم والأمن الدوليين، ويركز على أربع ركائز: مشاركة المرأة في منع النزاعات، ومشاركتها في عمليات بناء السلام، وحمايتها أثناء النزاعات وبعدها، ومراعاة احتياجاتها الخاصة في مرحلة التعافي.

ومنذ اعتماده توسعت المنظومة القانونية لتشمل تسعة قرارات مكمّلة، أبرزها القرار 1820 (2008) الذي صنّف الاغتصاب سلاحاً للحرب، والقرار 2106 (2013) الذي شدد على المساءلة، والقرار 2493 (2019) الذي طالب بالتطبيق الكامل للمنظومة.

ومع ذلك، من بين 193 دولة عضو في الأمم المتحدة، أعدّت أقل من 100 دولة خطة عمل وطنية لتطبيق القرار بعد 25 عاماً من اعتماده، ما يعكس فجوة ضخمة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي.

آثار الحرب على الجسد والعقل: من الضحية إلى الأجيال القادمة

الاغتصاب لم يعد سلوكاً فردياً عابراً، بل أداة ضمن استراتيجيات الحرب. تقول الباحثة الاجتماعية ليلى السليمان في تصريحات لـ”٩٦٣+”: “العنف الجنسي في الحروب مرتبط بالبنى الثقافية التي تربط شرف المجتمع بالنساء. الاعتداء على النساء يُنظر إليه كإهانة للمجتمع بأكمله وليس للضحية وحدها، لذلك يُستخدم الاغتصاب كأداة لإذلال المجتمع وكسر إرادته. الوصمة الاجتماعية تجعل هذه الجريمة فعالة لأنها تمتد لتشمل الضحية وأسرتها والمجتمع بأسره، وقد تُستخدم لإرهاب السكان المدنيين، وإجبار المجتمعات على النزوح، وتفكيك الروابط الاجتماعية، وإذلال الخصم”.

وتوضح السليمان أن المحاسبة عن هذه الجرائم غالباً ما تكون محدودة، وغالباً ما تبقى بلا عقاب بسبب صعوبة جمع الأدلة وخوف الضحايا من الإدلاء بشهاداتهم، والتسويات السياسية بعد انتهاء النزاعات.

من الناحية النفسية، يشير الدكتور مالك حداوي، أخصائي علم النفس الجنائي، إلى أن العنف الجنسي في الحروب يترك أثراً مضاعفاً، لأنه مرتبط بالعار الاجتماعي و”الرجولة الجمعية” المفروضة على الجنود.

ويقول لـ”963+”: “الاغتصاب في الحرب ليس فعلاً رغباتياً لحظياً، بل فعل سيادة، والجندي الذي يغتصب جماعياً يحاول إثبات انتمائه للمجموعة وتعزيز مكانته. الاغتصاب الجماعي أداة حرب صامتة لإرسال رسائل متعددة للضحية ولمجتمعها وللقوات المعادية، وحتى لإحداث تغيير ديموغرافي في حالات مثل البوسنة ورواندا”.

ويضيف أن أثر الاغتصاب يمتد إلى ما هو أبعد من الضحية المباشرة، بما في ذلك الحمل القسري، والأمراض المنقولة جنسياً، واضطراب ما بعد الصدمة، والاكتئاب، وصعوبات إعادة الاندماج الاجتماعي، وأحياناً ولادة أطفال نتيجة الاعتداء، ليواجهوا هم أيضاً تحديات اجتماعية ونفسية معقدة.

ويشير الباحث العسكري خليل الابراهيم إلى أن بيئة الحرب تلغي “الأنا الأعلى” للفرد وتستبدله بأمر القائد، وأن بعض القيادات تستخدم الاغتصاب كحافز للجنود أو كعقوبة جماعية للقرى المتمردة. في النزاعات التي تدور حول الهوية أو الأرض، يُنظر إلى جسد المرأة كامتداد للأرض أو الجماعة، ويصبح الاعتداء وسيلة لإعلان السيطرة وكسر إرادة المجتمع المنافس. الاغتصاب هنا ليس جريمة فردية عابرة، بل تكتيك عسكري يرسل رسائل سياسية ونفسية مزدوجة، ويُستخدم لإرهاب السكان المدنيين وتفكيك الروابط الاجتماعية. غياب المحاسبة وغياب الرقابة من القيادة يزيد احتمال ارتكاب هذه الجرائم بشكل كبير.

أما الأطفال المولودون من اغتصاب الحرب، فيواجهون تبعات مركّبة تمتد عبر الأجيال، حاملين وصمة مزدوجة، لا ينتمون كلياً لهوية أمهاتهم ولا يُقبَلون في مجتمعاتهم.

يقول الباحث الاجتماعي صالح خير الدين: “المأساة الكبرى في السياق العربي والشرق أوسطي تكمن في ارتباك المفاهيم؛ الناجية تُعامل كمن جلبت العار، والأطفال يولدون في بيئة مشحونة بالوصمة، ما يعقد إعادة دمجهم اجتماعياً ونفسياً. الهدف من الاغتصاب هو تفتيت النسيج الاجتماعي، وعندما يُنبذ الضحايا، ينجح العدو في تحقيق هدفه بتمزيق التضامن الداخلي للأسرة والمجتمع”.

وعلى المستوى القانوني، يشير المحامي مجد الرداوي إلى أن العنف الجنسي في النزاعات أصبح جريمة معترف بها دولياً، لكن العقبات في تطبيق العدالة ما زالت كبيرة، وتشمل غياب الإرادة السياسية، وهشاشة البنى القضائية، والصمت الجمعي الذي يتحول إلى تواطؤ ضمني.

ويضيف الرداوي في تصريحات لـ”963+” أن مواجهة هذه الجرائم تتطلب تعزيز المساءلة الدولية، تدريب الجيوش على القانون الدولي الإنساني، حماية الضحايا والشهود، تقديم الدعم النفسي والطبي للناجيات، مكافحة الوصمة الاجتماعية، وعدم شمول المحاكمات بأي “عفو عام”، وتوفير برامج تعويضية تشمل الدعم النفسي وإعادة الإدماج الاقتصادي. ويختم بالقول: “الاعتراف بهذه الجرائم وتوثيقها هو الخطوة الأولى نحو العدالة، والانتصار في معركة كسر الصمت هو الرهان الحقيقي”.

+963

——————————–

الأعياد وفقر النساء/ سلوى زكزك

21 مارس 2026

في دوامة التمييز الواقع على النساء والمستمرّ يتعزّز مصطلح “تأنيث الفقر” وينمو باطراد عالمياً، على الرغم من التغيّرات الإيجابية بما يخصّ حقوق النساء من النواحي القانونية وبخاصة المتابعة الأممية، ومن الناحية الاقتصادية المُتعلّقة بانخراط أعداد أكبر من النساء في بيئات العمل وازدياد القدرات المالية للنساء. لكن الإفقار المُمنهج يبقى واقعاً تزيده الجغرافيا حدّةً وتمييزاً فاقعاً في البلاد التي تتآكل فيها حصص النساء المُستحَقة من الكرامة الإنسانية والاكتفاء الاقتصادي والمشاركة في ملفات التغيير وآلياته نحو العدالة.

 في سورية زادت نسبة النساء الفقيرات في غضون عامٍ واحد، حتى العاملات منهن أصبحن في دائرة العوَز بعد تسريحهن من أعمالهن، أو بعد تخليهن عنها طوعاً، عبر تقديمهن الاستقالة من أعمالهن، بسبب أوامر مُفاجئة وسريعة بالنقل إلى أماكن عمل أخرى قد تبعد مئات الكيلومترات عن مكان السكن والعمل الأصلي، وربّما بسبب طردهن من البيوت أو الاستيلاء عليها أو عجزهن عن تسديد إيجاراتها، وربّما لأسباب تتعلّق بوفاة الأزواج أو خسارة الأزواج لأعمالهم ودخولهم بعد تسريحهم من العمل أيضاً. ولا بُدّ من الإشارة إلى أنّ بعض النساء فقدن مشاريعهن الصغيرة الخاصة والمُستقلة في المدن والريف معاً. إنّ فقر النساء هو فعلياً إحدى القواعد الهيكلية المتينة التي تعيق فوزهن بالمساواة وانطلاقهن إلى المشاركة المجتمعية والسياسية والاقتصادية حتى لتغطية حاجاتهن الأساسية اليومية. كلّ ما سبق وتفاصيل أخرى لا تُحصى تجعل من مواسم الأعياد مواسم بالغة القسوة، وتجعل النساء عاجزات عن تقديم الفرح المُرتجى أو إدارة العجز بأقلّ الطرق صعوبة وأوفرها عطاءً.

قرّرت سحر بمناسبة الأعياد، التي تزامن قدومها معاً وشكّل زحمةً في الأعياد، عيد الفطر وعيد الأم وعيد المعلم، أن تبدّد تلك القسوة المعيشية، خصوصاً بعد شهر صوم كان بالغ الصعوبة على الجميع بسبب تردّي الأوضاع الاقتصادية وضعف في القوّة الشرائية، صاحبهما ارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية، وصل بعضها إلى أكثر من خمسين بالمئة. بدأت العمل على مشروع مُرتجل قوامه كيسان من الطحين وافق أحدهم على التبرّع بقيمتيهما، وتمكّنت من إيجاد مُتبرّعين آخرين لمكوّنات كعك العيد من سكر وزيت وسمن نباتي وبعض أنواع الحشوة مثل العجوة أو النارنج مع بهارات خاصة لكعك العيد. كذلك أعدّت قائمة بعدد من النساء المتطوّعات لصناعة الكعك والمعمول بمن فيهن صاحب فرن للخبز الأسمر والكعك تطوّع لخَبز الحلويات كلّها في يوم محدّد، وتعهّد صديق بالتوصيل إلى عدّة نقاط في مدينة دمشق.

اعترضت هذه التجربة، على بساطتها وضآلة حجمها، مشاكل عديدة، أوّلها الحاجة المُتزايدة للأسر التي عبّرت صراحة بأنّ الحلوى قد تسرّبت كالهواء فور تسلّمها، وخصوصاً من الأطفال. كذلك اتسع الطلب بما يشبه العدوى، وخصوصاً من قبل عائلات تسكن أو تعيش قريباً أو ترتبط بقرابة مباشرة مثل الوالدين للعائلات التي سمحت الفرصة لها بأن تحصل على الحلويات.

في مبادرة أخرى، قرّرت رهام التخلّي عن مبلغ المائة دولار الذي أرسله إليها ابن أخيها معايدةً بمناسبة عيد الأم، لتدفعها ثمناً لعشرين عبوة من حبوب الكلس والفيتامين (د) للسيدات كبيرات السن في العائلة أو الجارات والصديقات، خصوصاً المُحتاجات طبياً لهذين المُكمّلين الأساسيين، وبتنَ اليوم في وضعٍ اقتصادي لا يسمح لهنّ بشراء أدويتهن، ولا بتعويض الفاقد الكبير من تلك الفيتامينات من الطعام الذي تحوّل بحدّ ذاته إلى شبح مخيف، وعنوانٍ ساطع ٍ للعجز المالي والصحي.

تتحوّل الأعياد إلى كوابيس موجعة، تفقد جذوتها الاحتفالية بسبب غياب الأحبة وتراجع الصحة الجسدية والنفسية، وبخاصة للنساء الوحيدات، كذلك يبلغ العجز فيها نسبةً غير قابلة للترميم أو للدعم، ما يؤكّد تثبيت تأنيث الفقر قاعدةً للتمييز ضدّ النساء.

العربي الجديد

——————————–

مرسوم رئاسي بزيادة الرواتب 50 بالمئة ورفع الحد الأدنى للأجور إلى 12,560 ليرة جديدة

مارس 20, 2026

أصدر السيد الرئيس أحمد الشرع، المرسوم رقم 67 لعام 2026، الذي يقضي بإضافة نسبة 50 بالمئة إلى الرواتب والأجور المقطوعة النافذة بتاريخ صدوره، للعاملين في الجهات العامة والقطاع العام والمشترك الذي لا تقل مساهمة الدولة فيه عن 50 بالمئة.

ويشمل المرسوم، العاملين الدائمين والمؤقتين والمياومين والمتعاقدين، بمن فيهم العاملون بدوام جزئي أو على أساس الإنتاج، وفق ضوابط تتعلق بمستوى الأجر والمؤهل، فيما يستثني العاملين الخاضعين لقانون العاملين الأساسي رقم /53/ لعام 2021 الصادر عن حكومة “الإنقاذ” سابقاً، إضافة إلى المستفيدين من زيادات نوعية سابقة.

كما نص المرسوم على رفع الحد الأدنى العام للأجور والحد الأدنى لأجور المهن لعمال القطاع العام الخاص والتعاوني والمشترك غير المشمولة بأحكام القانون الأساسي للعاملين بالدولة رقم /50/ لعام /2004/ وتعديلاته ليصبح /12,560/ ل.س.ج ليرة سورية جديدة (1,256,000 ليرة قديمة) شهرياً.

وكلّف المرسوم، وزير المالية بتعديل جداول الرواتب والأجور بما يتوافق مع الزيادة، مع صلاحية جبر الكسور، على أن تبقى التعويضات محسوبة على الأجور السابقة.

ويُعمل بالمرسوم اعتباراً من 1 أيار 2026.

وفيما يلي نص المرسوم رقم (67) لعام 2026:

رئيس الجمهورية

بناء على أحكام الإعلان الدستوري،

وعلى مقتضيات المصلحة الوطنية العليا،

يرسم ما يلي:

المادة (1):

تُضاف نسبة (50 بالمئة) خمسين بالمئة إلى الرواتب والأجور المقطوعة النافذة بتاريخ صدور هذا المرسوم لكل من العاملين في الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة وشركات ومنشآت القطاع العام وسائر الوحدات الإدارية، وجهات القطاع العام متضمنة علاوة الترفيع المستحقة بموجب القانون رقم /50/ لعام /2004/، وكذلك جهات القطاع المشترك التي لا تقل نسبة مساهمة الدولة فيها عن (50 بالمئة) خمسين في المئة من رأسمالها.

المادة (2):

أ. يدخل في شمول المادة (1) من هذا المرسوم المشاهرون والمياومون والمؤقتون، سواء أكانوا وكلاء أم عرضيين أم موسميين أم متعاقدين أم بعقود استخدام أم معينين بجداول تنقيط أم بموجب صكوك إدارية، وكذلك العاملون على أساس الدوام الجزئي أو على أساس الإنتاج أو الأجر الثابت والمتحول وذلك كله بمراعاة ما يلي:

    تسري الزيادة المحددة في المادة (1) من هذا المرسوم حكماً على المتعاقدين من السوريين ومن في حكمهم متى كان الراتب أو الأجر الشهري المتعاقد عليه لا يزيد على الأجر الشهري الذي عين فيه أمثالهم من حملة الشهادة نفسها أو المؤهل بصفة دائمة لدى الجهة العامة المتعاقد معها، وذلك بمراعاة المدة المنقضية على تخرجهم أو حصولهم على المؤهل.

    يجري استخدام العاملين بمختلف أنواعهم على أساس الرواتب والأجور الناجمة عن الزيادة المقررة في المادة (1) من هذا المرسوم.

    ب. لا تسري الزيادة المحددة في المادة (1) من هذا المرسوم على العاملين المدنيين والعسكريين في الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة وشركات ومنشآت القطاع العام وسائر الوحدات الإدارية، المشمولين بأحكام قانون العاملين الأساسي رقم /53/ العام /2021/ الصادر عن حكومة الإنقاذ السورية (سابقاً)، كما لا تسري على العاملين المستفيدين من الزيادات النوعية التي أقرت لعدد من الوزارات والهيئات.

المادة (3):

يُزاد الحد الأدنى العام للأجور والحد الأدنى لأجور المهن لعمال القطاع العام الخاص والتعاوني والمشترك غير المشمولة بأحكام القانون الأساسي للعاملين بالدولة رقم /50/ لعام /2004/ وتعديلاته ليصبح /12,560/ ل.س.ج ليرة سورية جديدة شهرياً.

المادة (4):

تُعدل بقرارات من وزير المالية:

أ. جداول الأجور الملحقة بالقانون الأساسي للعاملين بالدولة والتعديلات الطارئة عليها بموجب الصكوك التشريعية النافذة وبما يتفق وأحكام المادة (1) من هذا المرسوم، وله جبر الكسور وتدوير الأرقام في حدود عشر ليرات سورية جديدة إلى الأعلى.

ب. جداول الرواتب والأجور النافذة بشأن فئات العاملين المستثناة من أحكام القانون الأساسي للعاملين في الدولة رقم /50/ لعام /2004/، بموجب المادة (159) منه بما يتفق وأحكام المادة (1) من هذا المرسوم، وله جبر الكسور وتدوير الأرقام في حدود عشر ليرات سورية جديدة إلى الأعلى.

المادة (5):

تبقى التعويضات كافّة الممنوحة وفق القوانين والأنظمة النافذة محسوبة على الأجور النافذة قبل صدور هذا المرسوم.

المادة (6):

يُصدر وزير المالية التعليمات التنفيذية اللازمة لتطبيق أحكام هذا المرسوم، بما فيها مصدر تمويل النفقة الناجمة عنه.

المادة (7) :

يُنشر هذا المرسوم في الجريدة الرسمية، ويُعدّ نافذاً اعتباراً من تاريخ 2026/5/1.

——————————

مرسوم رئاسي بزيادات نوعية لرواتب العاملين في قطاعات عدة بينها الصحة والتربية والتعليم العالي

مارس 20, 2026

أصدر السيد الرئيس أحمد الشرع، المرسوم رقم 68 لعام 2026، الذي يقضي بتطبيق لائحة زيادة نوعية على رواتب وأجور العاملين في عدد من الجهات، متضمنة علاوة الترفيع المستحقة بموجب القانون رقم /50/ لعام /2004/.

وتشمل الزيادة، العاملين في وزارات الصحة، التعليم العالي والبحث العلمي، التربية والتعليم، والأوقاف، إضافة إلى الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، الجهاز المركزي للرقابة المالية، هيئة الطاقة الذرية، ومصرف سوريا المركزي.

ونصّ المرسوم على أن تشمل الزيادات جميع المسميات الوظيفية الواردة في اللائحة المرفقة، كما منح العاملين في القطاع الصحي ووزارة التربية والتعليم في المناطق النائية وشبه النائية تعويضاً إضافياً يُحدد بموجب التعليمات التنفيذية.

وفيما يلي نص المرسوم رقم (68) لعام 2026:

رئيس الجمهورية

بناء على أحكام الإعلان الدستوري،

وعلى مقتضيات المصلحة الوطنية العليا،

يرسم ما يلي:

المادة (1):

تُطبّق لائحة زيادة نوعية مرفقة بهذا المرسوم على رواتب وأجور العاملين في الجهات العامة الآتية، متضمنة علاوة الترفيع المستحقة بموجب القانون رقم /50/ لعام /2004/:

أ- وزارة الصحة

ب- وزارة التعليم العالي والبحث العلمي

ج- وزارة التربية والتعليم

د- وزارة الأوقاف

ه- مصرف سورية المركزي

و- الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش

ز- الجهاز المركزي للرقابة المالية

ح- هيئة الطاقة الذرية

المادة (2):

يدخل في شمول المادة الأولى المسميات الوظيفية المذكورة في اللائحة المرفقة بهذا المرسوم جميعها.

المادة (3):

يتقاضى العاملون في الشأن الصحي ووزارة التربية والتعليم المستفيدون من الزيادات المذكورة بالمادة (1) بالمناطق النائية وشبه النائية تعويضاً يُحدّد بالتعليمات التنفيذية.

المادة (4):

يُصدر وزير المالية بالتنسيق مع السادة الوزراء ورؤساء الهيئات المعنيين، التعليمات التنفيذية اللازمة لتطبيق أحكام هذا المرسوم.

المادة (5):

يُنشر هذا المرسوم، ويُعد نافذاً اعتباراً من تاريخ 2026/5/1.

——————————–

الشرع يصدر مرسومًا لتسوية الديون المتعثرة وإعادة جدولة القروض

أصدر الرئيس السوري، أحمد الشرع، المرسوم رقم “70” لعام 2026، القاضي بتطبيق أحكام تسوية الديون والتسهيلات الائتمانية المتعثرة في المصارف العامة، ومنح إعفاءات من الفوائد التأخيرية والعقدية والغرامات، مع تنظيم إعادة جدولة الديون.

ويطبق المرسوم على القروض والتسهيلات الائتمانية المتعثرة الممنوحة من المصارف العامة.

ويستثنى من المرسوم التسهيلات الائتمانية الممنوحة من بنك الاستثمار الأوروبي، على أن تشكل لجنة للنظر فيها بقرار من وزير المالية، حسبما ورد في المرسوم، الصادر اليوم الجمعة 20 آذار، والشي نشرته وكالة الأنباء السورية (سانا).

كتلة الدين أقل من 100 مليون

وحدد المرسوم، أنه يطبق على الديون التي لا تزيد كتلة الدين فيها عن 100 مليون ليرة سورية، حسب ما يلي:

    يعفى المدين من كامل الفوائد التأخيرية والغرامات والفوائد العقدية، في حال تسديد كامل رصيد الدين خلال ثلاثة أشهر من تاريخ نفاذ هذا المرسوم.

    يعفى المدين من كامل الفوائد التأخيرية والغرامات دون الفوائد العقدية، في حال تسديد كامل رصيد الدين خلال ستة أشهر من تاريخ نفاذ هذا المرسوم.

    يجوز تسديد رصيد دين العملة السورية بالدولار الأمريكي وفقًا لسعر الصرف المحدد في النشرة الصادرة عن مصرف سورية المركزي بتاريخ التسديد.

كتلة الدين أكثر من 100 مليون

أما الديون التي تزيد كتلة الدين فيها عن 100 مليون ليرة سورية، تطبق أحكام المرسوم حسب ما يلي:

    يعفى المدين من 50% من الفوائد العقدية والتأخيرية والغرامات، في حال تسديد كامل رصيد الدين خلال ثلاثة أشهر من تاريخ نفاذ هذا المرسوم.

    يعفى المدين من 30% من الفوائد العقدية والتأخيرية والغرامات، في حال تسديد كامل رصيد الدين خلال ستة أشهر من تاريخ نفاذ هذا المرسوم.

    يجوز تسديد رصيد دين العملة السورية بالدولار الأمريكي، وفقًا لسعر الصرف المحدد في النشرة الصادرة عن مصرف سورية المركزي بتاريخ التسديد.

العملات الأجنبية

أما ديون العملات الأجنبية، فيجري التعامل معها وفق ما يلي:

    يعفى المدين من كامل الفوائد العقدية والتأخيرية والغرامات في حال تسديد كامل رصيد الدين خلال ثلاثة أشهر من تاريخ نفاذ هذا المرسوم.

    يعفى المدين من 50% من الفوائد العقدية والتأخيرية وكامل الغرامات، في حال تسديد كامل رصيد الدين خلال ستة أشهر من تاريخ نفاذ هذا المرسوم.

    يجوز تسديد رصيد الدين بالعملة المحددة في عقد الإقراض أو ما يعادلها بالليرة السورية، وفقًا لسعر الصرف المحدد في النشرة الصادرة عن مصرف سورية المركزي بتاريخ التسديد.

ويجيز المرسوم، استثناءً من أحكام السرية المصرفية، تزويد طالب التسديد برصيد دينه من قبل المصارف العامة لتسهيل تطبيق أحكام التسوية.

إعادة جدولة الديون

وفي بند إعادة الجدولة، يسمح المرسوم للمدينين الذين تتجاوز ديونهم 100 مليون ليرة بطلب إعادة جدولة ديونهم على أقساط شهرية، شرط أن يكون التعثر سابقًا لتاريخ نفاذ المرسوم، وأن يُقدّم الطلب خلال ستة أشهر، من قبل صاحب العلاقة أو وكيله القانوني.

ويحدد المرسوم مدة إعادة الجدولة بثلاث سنوات كحد أقصى، مع اشتراط دفع 15% من كتلة الدين كدفعة حسن نية تُعفى من الفوائد التأخيرية والغرامات عند احتساب الرصيد الجديد، إضافة إلى إعادة تحديد معدلات الفائدة وفق ما هو معتمد في المصرف عند توقيع الاتفاق.

ويُلزم المرسوم بتسجيل طلبات الجدولة في الإدارة العامة للمصرف أو فروعه مرفقة بإيصال دفع الدفعة المطلوبة، على أن يبت المصرف بالطلب خلال مدة لا تتجاوز شهرًا، ويُبلّغ المدين للقدوم وتوقيع الاتفاق خلال 15 يومًا من تاريخ التبليغ عبر الوسائل المحددة.

تأجيل الفوائد التأخيرية للقسط الأخير

كما ينص على تأجيل الفوائد التأخيرية والغرامات إلى القسط الأخير، مع منح إعفاء بنسبة 25% منها في حال الالتزام الكامل بشروط الجدولة، في حين تُلغى إعادة الجدولة إذا لم يتم توقيع الاتفاق ضمن المهلة المحددة، أو في حال تخلف المدين عن سداد ثلاثة أقساط متتالية أو خمسة أقساط خلال فترة الجدولة.

وفي حال إلغاء الجدولة، يُعاد احتساب كتلة الدين كما كانت عند تقديم الطلب، بعد حسم دفعة حسن النية والأقساط المسددة.

ويؤكد المرسوم أن الإعفاءات لا تشمل الرسوم والمصاريف والنفقات القضائية، مع بقاء الضمانات والكفلاء ملتزمين بتعهداتهم، وإمكانية طلب ضمانات إضافية عند الحاجة.

كما ينص على وقف الملاحقات القضائية، بما فيها إجراءات التنفيذ والأحكام القضائية، بحق المدينين والكفلاء عند إجراء التسوية أو توقيع اتفاق إعادة الجدولة، على أن تُستأنف في حال إلغاء الجدولة من المرحلة التي وصلت إليها.

ويمنح المرسوم وزير المالية صلاحية استثناء بعض المقترضين من أحكامه بناءً على مقترحات الجهات الرقابية، إضافة إلى إمكانية تمديد المهل لمدة شهر واحد عند وجود مبررات، على أن يصدر التعليمات التنفيذية اللازمة لتطبيقه، ويُعمل به اعتبارًا من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.

إعفاءات ضريبية في سوريا

وقد أصدر الرئيس الشرع، في 11 من كانون الأول 2025، المرسوم رقم “275”، القاضي بإعفاء المكلفين بضريبة دخل الأرباح الحقيقية والضرائب والرسوم المالية المباشرة الأخرى، ورسم الإنفاق الاستهلاكي ورسم الطابع المالي وإضافاتها العائدة لأعوام 2024 وما قبل من كامل الفوائد والجزاءات والغرامات، إذا سددوا المستحقات حتى نهاية آذار 2026.

كما عفى المرسوم بضريبة دخل الأرباح الحقيقية وإضافاتها العائدة لأعوام 2024 وما قبل، وكذلك المكلفون بالضرائب والرسوم المالية المباشرة الأخرى ورسم الإنفاق الاستهلاكي ورسم الطابع المالي وإضافاتها العائدة لأي من سنوات 2024 وما قبل، بنسبة 50% من الفوائد والجزاءات والغرامات على اختلاف أنواعها.

وأوضح المرسوم أن المكلفين يعفون من نصف هذه الغرامات في حال تسديد الضريبة، أو الرسم العائد لأي من السنوات المذكورة في الفترة الممتدة من 1 نيسان وحتى 30 من حزيران 2026.

—————————-

هل يُُنتج الإصلاح الإداري في سورية بيئة عمل طاردة للمرأة؟/ مدى شريقي

نشر في 20 آذار/مارس ,2026

تناقش هذه الورقة موضوع الإصلاح الإداري الذي يشكِّل ضرورةً وأولوية في سورية اليوم. وتفترض أن نجاح هذا الإصلاح رهنٌ بأن يأخذ في الحسبان البعد الجندري في إجراءاته، لكيلا يُخِلّ بتوازنات سابقة كانت قائمة على منظومة فساد وترهّل إداري وأسهمت في مساعدة المرأة السورية على الاستمرار في العمل المأجور في القطاع العام؛ فيؤدي بذلك إلى خلق بيئة عمل طاردة للمرأة وغير مساعِدة لها، لما يُنتجه من تناقض بين واجباتها المهنية، ومسؤولياتها وأدوارها الأسرية.

ذلك أنّ ضعف نوعية الخدمات الرعائية الداعمة لعمل المرأة (كالحضانات ورياض الأطفال ودور رعاية المسنين)، وقلّة عددها كمًّا؛ من شأنه أن يضع المرأة أمام تحدٍّ كبير، قد تفشل في تجاوزه، إذ تشعر بأنها لم تعد قادرة على تلبية احتياجات أبنائها وأسرتها كما يجب وبالصورة التي اعتادت عليها سابقًا. ومن هنا تأتي ضرورة ربط الإصلاح الإداري بالبعدين الاجتماعي والاقتصادي معًا، ليكون جزءًا داعمًا لجهود التمكين الاقتصادي والاجتماعي للمرأة، وحماية الأسرة في آن.

لقراءة المقالة كاملة اتبع الرابط التالي

هل يُُنتج الإصلاح الإداري في سورية بيئة عمل طاردة للمرأة؟

المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة

————————————

 مكافحة الكسب غير المشروع تنفي مزاعم تسوية مالية مع “خالد قدور

2026.03.20

نفت لجنة مكافحة الكسب غير المشروع السورية، ما تم تداوله عبر بعض الصفحات ووسائل التواصل الاجتماعي بشأن بدء تسوية مالية رجل الأعمال مع المدعو (خالد قدور)، مؤكدة أن هذه المعلومات “غير صحيحة”.

وبحسب وكالة الأنباء السورية “سانا”، أوضحت اللجنة، أن جميع الإجراءات المتعلقة بملفات الكسب غير المشروع، بما في ذلك الإفصاح الطوعي أو التسويات، تخضع لأطر قانونية ومؤسسية واضحة، ولا يتم الإعلان عنها إلا عبر القنوات الرسمية المعتمدة، وفي مقدمتها موقع اللجنة الرسمي أو التصريحات المنشورة عبر “سانا”.

وأكدت اللجنة أنها تتابع ما يُنشر في بعض الصفحات غير المهنية، محذّرة من الانجرار وراء ما وصفته بـ”الصفحات المشبوهة”، بما فيها تلك المرتبطة “بفلول النظام السابق، والتي تسعى إلى نشر معلومات مضللة والتشويش على الرأي العام”، حسب تعبيره.

ودعت اللجنة المواطنين ووسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نقل المعلومات، والاعتماد حصراً على المصادر الرسمية، حفاظاً على مصداقية العمل الإعلامي وثقة الجمهور بالمؤسسات.

من هو رجل الأعمال السوري خالد قدور؟

يبرز اسم رجل الأعمال السوري خالد ناصر قدور، المولود في دمشق عام 1970، كأحد أبرز الشخصيات المرتبطة بشبكات المصالح الاقتصادية المقربة من دوائر النظام المخلوع في سوريا، وسط تقارير متزايدة عن دوره في إدارة ملفات مالية وتجارية معقدة داخل البلاد وخارجها.

وعُرف قدور كشريك لرجل الأعمال محمد حمشو في عدد من الشركات، من بينها “الشهباء للاتصالات”، و”آبار للاستثمار”، و”تطوير”، و”سيف الشام”، وهي شركات تنشط في قطاعات متعددة، ما عزز حضوره ضمن طبقة رجال الأعمال النافذين خلال سنوات الحرب.

وتربط تقارير إعلامية اسم قدور بشبكة رجال الأعمال المقربين من ماهر الأسد، حيث يُنظر إليه كأحد المسؤولين عن إدارة مصالحه الاقتصادية، بما يشمل الإشراف على شركات ومصانع، إضافة إلى لعب دور في إدارة مناقصات وعلاقات تجارية خارجية، بهدف توسيع الحضور الاقتصادي خارج سوريا.

وكان قدور قد أُدرج سابقًا على قوائم العقوبات الأوروبية والبريطانية، قبل أن تُرفع عنه لاحقًا بقرار صادر عن محكمة الاستئناف الأوروبية، في خطوة أثارت تساؤلات حول مسار ملاحقته القانونية.

وتضعه بعض التوصيفات ضمن ما يُعرف بـ”اقتصاد الظل” في سوريا، في إشارة إلى شبكات اقتصادية غير رسمية نشأت وتوسعت خلال سنوات الحرب.

وبحسب تقارير متداولة، غادر قدور سوريا قبيل سقوط النظام السابق، بعد سحب سيولة مالية كبيرة، ما فتح باب التساؤلات حول حجم أصوله الخارجية، خاصة في دبي، إضافة إلى ممتلكات مسجلة بأسماء مقربين منه.

كما تربط هذه التقارير اسمه بملفات تتعلق بغسل الأموال وعمليات مالية عابرة للحدود، فضلًا عن اتهامات بالارتباط بتمويل أنشطة غير مشروعة، من بينها تجارة المخدرات، وهي اتهامات استندت إليها عقوبات دولية فُرضت عليه في وقت سابق.

وفي الجانب الأمني، تشير تقارير إعلامية إلى أن قدور لعب دورًا في دعم تشكيلات مسلحة محلية خلال السنوات الأولى من الحرب السورية، ضمن ما عُرف بـ”اللجان الشعبية”، التي تطورت لاحقًا إلى مجموعات أكبر، ارتبطت عسكرياً وأمنية بالنظام المخلوع.

الإفصاح الطوعي سيبقى مفتوحاً حتى حزيران

وفي سياق متصل، أشارت اللجنة إلى أن باب الإفصاح الطوعي عن الكسب غير المشروع سيبقى مفتوحاً حتى نهاية شهر حزيران المقبل، ضمن الإطار الزمني المحدد.

وأشارت إلى أن تقديم طلب الإفصاح لا يعني بالضرورة قبوله، إذ تخضع جميع الطلبات لمعايير تقييم دقيقة وإجراءات صارمة قبل اتخاذ القرار النهائي.

وجددت اللجنة التزامها بمبادئ الشفافية والعمل وفق القانون، مؤكدة استمرارها في حماية المال العام وملاحقة قضايا الكسب غير المشروع وفق الأطر القانونية المعتمدة.

——————————–

====================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى