تراجع شعبية السلطة السورية/ حسام جزماتي

2026.03.23
يخطئ كثيرون حين يظنون أن أعداد من أيدوا الحكم السوري الحالي قليلة، أو أنها مزيفة بفعل السيطرة الرسمية على وسائل الإعلام واستخدام جيش إلكتروني منظم من «الذباب» على منصات التواصل الاجتماعي لإغراق «المواقع» التي توضع في مواجهة «الواقع» الذي يدّعي الكل وصلاً به.
يساعد غياب استطلاعات الرأي، أو قلتها الشديدة والخلاف حول دقتها، على زيادة الغموض الذي يستفيد منه كل من يريد أن يشدّ لحاف «الشارع» باتجاه ما يدعمه من تصورات. غير أن الأساليب الرقمية ليست سبيلاً وحيداً إلى المعرفة في مجتمع بات مفتوحاً للاستقراء. فضلاً عن أن تحرك السوريين كجماعات يسهّل الاستنتاج، بغض النظر الآن عن أن ذلك عيب في تكوين المواطن الفرد المستقل طبعاً.
وبناء عليه كان من الملاحظ أن موجة من التفاؤل غمرت أكثر السكان إثر سقوط النظام. أسهمت في هذا الطريقة التي تم بها ذلك من جهة انخفاض التكلفة البشرية وعدم وقوع معارك مدمرة طويلة كبرى وشيوع جو من التسامح المفاجئ. ولهذا لم يقتصر الأمل بـ«سوريا جديدة» على العرب السنّة، الذين عُدّوا «المنتصرين» بطبيعة الحال؛ بل أيضاً لدى أقليات أسكت في داخلها الأصوات المتذمرة من الانتقال، أو المشككة فيه، ولو إلى حين. ولم يتغير الوضع، في هذا السياق المخصص، إلا بعد تراكم الانتهاكات ووصولها إلى مجازر في مناسبتين حاسمتين، فانقلبت النسبة إلى درجة أصبح فيها مؤيدو السلطة أشبه بالمنشقين عن بعض البيئات الطائفية، تلاحقهم فيها تهمة التعاون مع «الغريب» ضد الأهل.
على الرغم من ذلك لم تتراجع شعبية الحكم عن حدّها المريح له طوال العام 2025، بالنظر إلى استناده إلى أغلبية من «الأغلبية» السنّية التي دأب خطباؤها على القول بأنها تمثل 85% من السكان. مع غياب إحصاءات خاصة بالمكونات، وبإغفال متعمد للفوارق المهمة، الآن، بين العرب والكرد في المشروع المنشود.
بين توالي «فتوحات» السياسة الخارجية وقبول العالم للحكم الجديد، وتناوب الاحتفالات بكل مناسبات «التحرير» الممكنة؛ مضى عام «انتقالي» أول انتظر فيه جمهور السلطة، وباقي السوريين، ثمرة مفتاحية للمستقبل تجلت في تعبير «رفع العقوبات» الذي بدا كأنه فك طلسم صدئ، ستعقبه الشركات والاستثمارات والخدمات وإعادة الإعمار.
والواقع أن رفع سقف سرعة التوقعات الإيجابية سبب رئيسي في البرود النسبي الذي أخذ يُلاحَظ، منذ مطلع العام، لدى مؤيدي السلطة باختلاف درجاتهم. فبعد أن بدا أن الازدهار قاب قوسين أو أدنى صارت آذانهم تسمع خطاباً «عقلانياً» عن «الطريق الطويل» الذي ينبغي أن يمرّ بمحطات معقدة كتحديث القوانين والإصلاح الإداري والحوكمة. وباتت التسريبات التي تصل إليهم تقول إن طريق الأموال بات سالكاً لكنه فارغ، مما جعل الإخوانيات الحميمة مع الدول العربية تشبه «مذكرات التفاهم» غير المثمرة. بعد أن عُرِفت النتيجة العملية لبعض المشهديات الجديدة التي جاءت بها السلطة، والتي كانت جذابة لأنها تتناقض مع الجمود البيروقراطي لنظام الأسد لكن التكرار أفقدها الإبهار، بانتظار نتائج لم تتحقق.
ما حدث أيضاً هو أن السلطة، سواء أفكّرت بعقلية «الدولة» أم بذهنية «الجماعة»، لم تستطع أن تلبي طموح الجميع في حصة أكبر من موارد ومناصب الكعكة السورية الفقيرة أصلاً والخارجة من خراب السنوات الطويلة الفائتة.
وفي هذا المجال يمكن عرض عدد من الأمثلة الدالة.
فمن الناحية الأيديولوجية بات معروفاً أن أحشاء السلطة تعاني من تناقض وتزاحم وتنافس واختلاط عنصرين؛ قديم يرجع إلى جذرها المتشدد الذي لم يتراخ إلا قليلاً قبل سقوط النظام بسنوات ليست كثيرة، وجديد فرضه تسارع الأحداث والتعهدات للخارج والاضطرار إلى حكم داخل متعدد طائفياً وفكرياً وسلوكياً. ولقيادة المركب تستخدم قمة هرم السلطة كل ما أوتيت من «براغماتية» في الكلام المحايد، فتعِد أنصار الدولة المدنية بحكم القانون وتهدّئ العاملين لإقامة الحكم الإسلامي بانتظار «التمكين». وبين هذا وذاك تمنح كل فريق، بطريقة غير مدروسة، فرصة تسجيل بعض النقاط على الآخر، ما يجعل الصورة مشوشة وقابلة لتأويلات متباينة. لكن الأهم هنا هو أن كلا المعسكرين، العلماني والإسلامي، لم يرض بما حصّله وظل ساخطاً بسبب النصف الذي ملأه الآخر.
من الناحية السياسية نعرض لمثال طازج هو الاندماج الجاري لهياكل «الإدارة الذاتية» وقوات «قسد» في الدولة. وهو أمر نلحظ فيه، أيضاً، تذمر طرفي النزاع المحلي. إذ تريد القوى الكردية، الجهة التي حكمت مناطق واسعة من شمال وشرق البلاد لسنوات، أن تحافظ على أكبر درجة ممكنة من الاستقلالية داخل الدولة والحصول، من هذه الأخيرة، على أعلى حد متاح من التمثيل والمشاركة في تحديد هوية البلاد ودستورها وقوانينها. ومن الجهة المقابلة يشعر عرب المنطقة بالغبن، لا سيما بعد أن أخرجوا «قسد» بأيديهم من دير الزور والرقة وبعض أرياف الحسكة قبل أن تصل قوات دمشق، التي انتظروها لأكثر من عام وأمِلوا في أن تحمل لهم انفراجاً فورياً في سبل العيش فضلاً عن السيطرة السياسية. وهو ما يبدو لهم الآن أمراً بعيد المنال في ظل «وسطية» العاصمة، ما أشعرهم بإحباط واضح العلامات.
الأمثلة كثيرة، ويمكن رصدها على كل فوالق النزاع/ التعدد السوري الذي لا يُترجَم إلى غنى كما تقول الأماني. والمشترك بينها هو أن كل طرف لا ينظر إلى ما بين يديه بل إلى ما في حوزة جاره. وفي كل محل للنزاع، العسكري أو السياسي أو الثقافي، يطالب أحد الأطراف «الدولة» بأن تفي بتعهداتها بأن تكون لكل مواطنيها فيما يتحرّق الثاني لإطلاق يده ليسوّي المسألة بطريقة «لبّت… لبّت» التي لم تعد السلطة تستطيع، لأسباب خارجية أساساً، تحمّل عواقبها بعد الآن. مما جعل قطاعاً متزايداً من جمهورها المتنمر يفقد حماسه وينضم إلى مجموعات العاتبين، حتى تاريخه..
تلفزيون سوريا



