تطور الاقتصاد السوري تحديث 31 أذار 2026

لمتابعة الملف اتبع الرابط التالي:
—————————————
تحديث 31 أذار 2026
——————————–
موازنة 2026 : بين أولويات الإنفاق وقدرة التمويل
29 آذار/مارس ,2026
لا تُُستمدّّ أهمية موازنة سورية لعام 2026 من حجمها الاسمي فحسب، بل من الدلالة السياسية-
الاقتصادية التي تنطوي عليها في سياق مرحلة انتقالية لم تستقر فيها بعدُُ محددات الاقتصاد الكلي،
ولا الأطر المؤسسية، ولا آليات تعبئة الموارد العامة.
فالإعلان عن موازنة بقيمة 10.5 مليارات دولار)))،إلى جانب إنشاء صندوق للبنية التحتية
لا يقلّّ عن 3 مليارات دولار، وتخصيص % 40 من الإنفاق
للخدمات، وزيادة الأجور بنسبة % 50 ، والإشارة إلى تحقيق فائض في عام 2025 ، لا يعكس مجرّّد
توسّّع كمي في الإنفاق، بل يعبّّر عن محاولة لإعادة تموضع المالية العامة بوصفها أداة لإدارة التعافي
وإعادة بناء الدور الاقتصادي للدولة، بعد أن ظلّّت طوال سنوات أداةًً لإدارة الندرة والانكماش. غير
أن هذا التحوّّل، على أهمّّيته، يظلّّ رهينًًا بمدى اتساقه مع الشروط الموضوعية للاقتصاد السياسي
التي تتمثل بصلابة القاعدة الاقتصادية التي يستند إليها، وحدود الحيّّز المالي المتاح، وقدرة الدولة
المؤسسية والتنفيذية على تحويل الاعتمادات المعلنة إلى أثر اقتصادي واجتماعي ملموس، بدالًا من
أن تبقى في حدود الدلالة السياسية أو المحاسبية.
تبدو موازنة عام 2026 أقرب إلى إعلان توجّّه اقتصادي شامل منها إلى وثيقة مالية تقليدية، إذ
تنطوي ضمنًًا على افتراض قدرة الاقتصاد والدولة على استيعاب قفزة إنفاقية كبيرة خلال فترة
زمنية قصيرة. غير أن تقييمها لا يُُبنى على وجاهة الأولويات المعلنة بحدّّ ذاتها، بل على مدى توافر
الشروط التي تجعل هذه الأولويات قابلة للتحقق، وفي مقدّّمتها صلابة القاعدة الاقتصادية التي
تستند إليها، وطبيعة الموارد التي يُُفترض أن تموّّل هذا التوسع، وقدرة الجهاز التنفيذي على ترجمة
الاعتمادات المالية إلى نتائج فعلية على مستوى الإنتاج والخدمات.
وبناء على ذلك، يكون السؤال
الجوهري في الموضوع: إلى أيّّ مدًًى تعكس موازنة 2026 تحوّّالًا فعليًًا في وظيفة المالية العامة نحو
إدارة التعافي؟
موازنة 2026 : بين أولويات الإنفاق وقدرة التمويل
لتحميل المقالة كاملة اتبع الرابط التالي
المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة
————————–
الاقتصاد السوري وصدمة الحرب الإقليمية… سيناريوهات وقنوات التأثير/ جمعة حجازي
31 مارس 2026
أصدر صندوق النقد الدولي، في 24 فبراير/ شباط 2026 بياناً ختامياً لزيارة بعثته إلى سورية، وصف فيه النشاط الاقتصادي بأنه “ازداد بوتيرة متسارعة” مدفوعاً بتحسّن الثقة وعودة اللاجئين وزيادة إتاحة الكهرباء وعوامل أخرى. لم تمضِ أربعة أيام على التقرير حتى اندلعت عملية “حرب الخليج الرابعة”.
بعد سنوات من الحرب المدمّرة، أصبحت سورية عميقة الارتباط بالمحاور الإقليمية، ما يجعلها في مرمى النيران المباشرة وغير المباشرة لأي صراع. ولا تقتصر التداعيات المتوقعة لمثل هذه الحرب على الخسائر البشرية والميدانية فحسب، بل تمتد لتُحدِث صدمة مركّبة تطاول كل مفاصل الاقتصاد: الطاقة، الشحن، سعر الصرف، الاستثمار، والتجارة الخارجية.
صورة الاقتصاد عشيّة التصعيد
وكي نفهم ما يمكن أن يحدث، ربما من المفيد أن نعود أولاً إلى الأرقام، إذ كان الاقتصاد السوري آنذاك في مرحلة يمكن وصفها بـ “التعافي الهش”. ويُقدّر البنك الدولي الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لسورية عام 2024 بنحو 21.4 مليار دولار. وسجّل الاقتصاد السوري انكماشاً تراكمياً بلغ 54% بين عامي 2011 و2025، وهو أكبر انكماش تشهده أي دولة في المنطقة خلال العقود الأخيرة. وللمقارنة، كان الناتج المحلي الإجمالي قبل عام 2011 حوالي 67.5 مليار دولار.
تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى نمو بلغ 4.8% عام 2025، مع التأكيد على أنه نمو ينطلق من قاعدة منخفضة للغاية. أما تقديرات النمو لعام 2026 فكانت تتراوح بين 5% و10% في التصريحات الحكومية، لكن صندوق النقد الدولي خفّض توقعاته إلى 4–6% عقب التصعيد أخيراً، محذّراً من أن “التعافي الاقتصادي لا يزال هشاً وقابلاً للتراجع عند أول صدمة خارجية كبرى”.
وتُقدّر تكاليف إعادة الإعمار (بشكل محافظ) بنحو 216 مليار دولار (World Bank, 2025)، أي ما يعادل عشرة أضعاف الناتج المحلي تقريباً. وتفيد تقارير حديثة بأن هذا الرقم قد يرتفع إلى 250 مليار دولار بسبب الدمار الإضافي الذي لحق بالبنية التحتية للطاقة والنقل.
مؤشّرات نقدية … وقطاع الطاقة
سجّل سعر الصرف الرسمي لليرة السورية مستوى ثابتاً عند 11 ألف ليرة للدولار (Central Bank of Syria, 2026). وفي السوق الموازية، تراوح السعر بين 11,800 و12,500 ليرة للدولار في الأسبوع الأول من مارس/ آذار 2026. وقدّر المركز السوري للبحوث السياسية معدل التضخّم السنوي لعام 2025 بنحو 95%.
ويعاني الموظفون من تآكل كبير في رواتبهم. إذ متوسط راتب الموظف الحكومي ما بين 900 ألف و1.5 مليون ليرة سورية (ما يعادل 80– 150 دولاراً)، وهو ما لا يغطي احتياجات أسرة متوسّطة لأكثر من عشرة أيام. ويُقدَّر خط الفقر الأدنى لأسرة مؤلفة من خمسة أفراد بحوالي 4.37 مليون ليرة سورية شهرياً (تقديرات محلية). وقد أقرت الحكومة بمشكلة الرواتب ووعدت بزيادة طارئة بنسبة 400%، ما يعكس عمق الأزمة المعيشية.
ويُقدّر استهلاك المشتقات النفطية بنحو 120 ألف برميل يومياً، يُستورد أكثر من 50% منها (تقديرات تشغيلية). أما إنتاج النفط المحلي فيبلغ حوالي 30 ألف برميل يومياً، مقارنة بـ380 ألف برميل يومياً قبل عام 2011 (تقديرات قطاعية).
ويُقدّر إنتاج الكهرباء بنحو 1800 ميغاواط، مقابل طلب بين 4500 وخمسة آلاف ميغاواط، ما يعني انقطاع التيار الكهربائي بين 20 و22 ساعة يومياً في معظم المناطق (تقديرات ميدانية).
ويشهد قطاع التجارة الخارجية محاولات انفتاح واسعة، لكنها لا تزال في مرحلة الوعود. فعلى صعيد الصادرات، هناك استراتيجيات للعودة إلى الأسواق العربية والأوروبية عبر تحسين اللوجستيات. أما الاستثمارات، فقد أعلنت الحكومة عن أرقام ضخمة (56 مليار دولار في 2025)، لكنها في الواقع تمثل مذكرات تفاهم واتفاقيات مبدئية (يُقدّر جزء فعلي منها بنحو 28 مليار دولار)، وليست تدفقات نقدية حقيقية منفّذة على الأرض.
ويُقدّر مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية عدد المحتاجين إلى مساعدات إنسانية بـ16.7 مليون شخص، وعدد النازحين داخلياً بـ7.4 ملايين. أما خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026 البالغة 4.2 مليارات دولار فلم تحصل سوى على 18% من تمويلها حتى مارس/ آذار 2026. ويفيد برنامج الأغذية العالمي بأن أكثر من 80% من الأسر غير قادرة على تلبية احتياجات غذائية كافية، مع وجود 13 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي. كما تحذر اللجنة الدولية للصليب الأحمر من أن 50% من المستشفيات خارج الخدمة جزئياً أو كلياً، وأن 70% من الكوادر الطبية تعمل بلا رواتب منتظمة منذ أشهر. وأدّى التصعيد على الحدود مع لبنان إلى نزوح 115 ألف شخص جديد خلال فبراير/ شباط 2026.
أسبوعان من الحرب
يمكن قراءة ما حدث في الأيام السبعة الأولى من الحرب الجارية بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل عبر أربع قنوات تأثير رئيسية: الأولى الطاقة. ففي الأول من مارس/ آذار أعلنت وزارة الطاقة السورية تخفيض ساعات تغذية الكهرباء. ووفق بيان رسمي، جاء السبب نتيجة “انخفاض واردات الغاز الطبيعي من الأردن” إثر التصعيد الإقليمي.
توقّف هذا الغاز الذي كانت سورية تستقبله بمعدل مائة مليون قدم مكعبة يومياً بسبب تعطل الإمدادات المصرية المغذّية للخط. ومن المحتمل أن تكون الشبكة الوطنية قد فقدت ما بين 1500 و2000 ميغاواط من قدرتها التوليدية. وفي الأسواق، قفز سعر أسطوانة الغاز المنزلي من 126 ألف ليرة إلى ما بين 200 و300 ألف ليرة.
الثانية، التجارة الخارجية. … سورية بلد يمكن القول إنه يستورد معظم ما يحتاجه. ومع اشتعال المنطقة، لم يعد بإمكان السفن المرور من مضيق هرمز أو عبور البحر الأحمر بسهولة. ووفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية، يعبر مضيق هرمز ما بين 20 و25% من النفط العالمي. ومن المتوقع أن ترتفع تكاليف الشحن والتأمين بشكل كبير. وفي معبر نصيب الحدودي مع الأردن، قد يتحوّل زمن الانتظار من ساعات إلى أيام، الأمر الذي قد يؤثر على الصادرات الزراعية الطازجة، ويؤدّي إلى تراجعها.
الثالثة، العملة والتحويلات. … تشكّل تحويلات المغتربين أحد المصادر الرئيسية للعملة الصعبة. وفي السوق الموازية، يقال إن الطلب على الدولار ارتفع بشكل ملحوظ. قد تبدأ الليرة السورية، التي كانت تحاول التماسك رحلة هبوط جديدة. ويظل السعر الرسمي ثابتاً عند 11,100 ليرة للدولار وفق مصرف سورية المركزي. وكانت القناة الرابعة هي الاستثمار. فقبل أيام فقط من التصعيد، شهدت سورية لحظة يمكن وصفها بالنادرة: توقيع مذكرة تفاهم مع شركتي “شيفرون” و”يو سي سي” القطرية للتنقيب البحري، وتعهدات سعودية باستثمارات تتجاوز ملياري دولار. ومع التصعيد، من المرجّح أن يعيد المستثمرون تقييم المخاطر. وقد تتحوّل تلك التعهدات إلى حبر على ورق، على الأقل في المدى المنظور.
عندما تبدأ التأثيرات بالتعمّق والتشابك
مع نهاية الشهر الأول، يمكن أن تتحول الصدمة تدريجياً إلى أزمة أكثر عمقاً. إذ يمكن القول إن الحرب الإقليمية ستترك آثارها على اقتصادات المنطقة، بما فيها الخليجية، فكيف بالنسبة للاقتصاد السوري الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية جسيمة نتيجة الحرب المدمّرة.
قد يبدأ القطاع الخاص بتسريح بعض العمال. وقد تتّجه نسبة البطالة التي كانت 20% بداية العام (البنك الدولي، 2026) نحو 30% أو أكثر. وفي الأسواق، قد تبدأ موجة تضخم جديدة. قد يتّجه التضخم السنوي (كان في حدود 95% بداية العام (SCPR, 2025)، نحو مستويات ثلاثية الأرقام. سلة الغذاء الشهرية قد ترتفع بشكل كبير. وفي الموازنة الحكومية، قد تتشكل معادلة صعبة: فاتورة الاستيراد ترتفع بالدولار، بينما تتآكل الإيرادات المحلية.
وربما يكون ملف عودة اللاجئين السوريين من أكثر الملفات حساسية وتأثراً بالتصعيد الحالي. وتشير تقديرات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى وجود حوالي 5.5 ملايين لاجئ سوري مسجّل في الدول المجاورة (UNHCR, 2025).
قبل التصعيد، كانت هناك مؤشرات على تحسّن في وتيرة العودة: تحسّن نسبي في الخدمات، واستقرار أمني جزئي، وانفتاح عربي ودولي على دمشق كلها عوامل شجعت بعض العائلات على دراسة إمكانية العودة. ومع التصعيد، يمكن القول إن هذا السيناريو قد تعقّد بشكل كبير. انقطاع الكهرباء المتوقع، وارتفاع الأسعار، وتوقف الخدمات، عوامل قد تدفع حتى العائلات التي كانت جادة في التفكير بالعودة إلى إعادة حساباتها. بل إن عائلاتٍ عادت أخيراً قد تفكر مجدّداً في المغادرة إذا استمر تدهور الأوضاع. وهذا يعني ضياع فرصة ثمينة للاقتصاد السوري، الذي كان يعوّل على عودة اللاجئين لتنشيط سوق العمل وزيادة الطلب المحلي.
أربع طرق إلى المجهول
عند محاولة استشراف الأسابيع المقبلة، لا يمكن الجزم بسيناريو واحد. الأحداث تتسارع، والمتغيرات الإقليمية تتشابك. لكن يمكن رسم ثلاثة مسارات محتملة:
السيناريو الأول: تصعيد محدود مدة أربعة إلى ثمانية أسابيع … إذا استمر التصعيد بشكل محدود شهرين، فقد نواجه أزمة كهرباء مزمنة. سعر الصرف قد يصل إلى 15–18 ألف ليرة. الاستثمارات الجديدة قد تتجمّد كلياً لمدة ستة أشهر إلى 12 شهراً. قد ينكمش الاقتصاد بشكل طفيف. وعودة اللاجئين قد تتوقف تماماً.
السيناريو الثاني: تصعيد واسع ثمانية أشهر إلى 12 أسبوعاً. إذا اتسعت رقعة الحرب وطاولت البنية التحتية، فقد نشهد انهياراً حقيقياً. سعر الصرف قد يتجاوز 20 ألف ليرة للدولار. التضخم السنوي قد يتجاوز 200%. الاقتصاد قد ينكمش بنسبة 4–6%. البطالة قد تلامس 60%. الأزمة الإنسانية قد تدخل مرحلة حادة مع موجات نزوح جديدة.
السيناريو الثالث: حرب مفتوحة. … وهو سيناريو يمكن وصفه بالكابوس. إذا تحوّلت المواجهة إلى حرب مفتوحة تطاول البنية التحتية مباشرة، فقد تكون محطّات الكهرباء وخطوط الغاز والموانئ في مرمى النيران. العودة إلى 22 ساعة قطع يومياً قد تصبح حقيقة.
ماذا تفعل الحكومة؟
في مواجهة هذه التداعيات المتسارعة، بدأت الحكومة السورية عدة إجراءات احترازية في عدة مجالات.
في قطاع الطاقة: فعّلت وزارة الطاقة خطط الطوارئ لترشيد استهلاك الكهرباء وتوزيع الأحمال بكفاءة أكبر. مُنحت الأولوية للمرافق الحيوية: المستشفيات، محطات المياه، المخابز. التواصل مع الجانب الأردني والوساطات الدولية لمحاولة استئناف ضخ الغاز في أسرع وقت. وبالتوازي، جرى تفعيل خطط لزيادة الاعتماد على المازوت المحلي لتوليد الكهرباء، رغم كلفته العالية وكفاءته المنخفضة.
وقد شكّلت وزارة التجارة الداخلية غرفة عمليات دائمة لمتابعة توافر السلع الأساسية في الأسواق. وتم تفعيل آليات الرقابة على الأسواق لضبط الأسعار ومنع الاحتكار. كما تم تعزيز الكميات المطروحة من المواد الأساسية عبر منافذ المؤسسة الاستهلاكية للتخفيف من تأثير ارتفاع الأسعار في السوق الحرة. وبالنسبة للمواد المدعومة (الخبز، المازوت، الغاز)، فقد تم التشديد على توجيه الدعم لمستحقيه عبر البطاقات الذكية.
وأكد مصرف سورية المركزي استقرار سعر الصرف الرسمي عند 11,100 ليرة للدولار، مع تشديد الرقابة على شركات الصرافة والحوالات المالية للحد من المضاربة. وتم تفعيل خطط طوارئ لضمان استمرارية التحويلات المالية من المغتربين عبر القنوات الرسمية. كما أكد المصرف أن الاحتياطيات المتوفرة تكفي لتأمين استيراد المواد الأساسية فترة لا تقل عن ثلاثة أشهر.
وبالتنسيق مع المنظمات الدولية، فُعّلت خطط الطوارئ لمواجهة أي موجة نزوح جديدة من المناطق المتاخمة للحدود مع لبنان. وشكّلت وزارة الإدارة المحلية غرف عمليات في المحافظات لاستقبال النازحين وتأمين احتياجاتهم الأساسية. كما تم التنسيق مع برنامج الأغذية العالمي والمنظمات الإنسانية الأخرى لضمان توافر المخزون الغذائي والدوائي اللازم.
ووجّهت وزارة الزراعة بتأمين مستلزمات الإنتاج الزراعي للموسم الربيعي، سيما الأسمدة والبذار، من المخزون المتوفر. كما جرى العمل على دعم المزارعين المتضررين من ارتفاع تكاليف الإنتاج نتيجة الأزمة.
وأجرت الحكومة اتصالات دبلوماسية مع دول عربية وأحنبية عديدة لشرح تأثيرات التصعيد على الوضعين الإنساني والاقتصادي في سورية، وحثّها على تقديم الدعم اللازم وتكثيف الضغط لوقف التصعيد. كما تواصلت مع الشركات المستثمرة لطمأنتها بشأن التزام الحكومة بتوفير بيئة استثمارية آمنة فور استقرار الأوضاع.
مفترق طرق
يمكن القول إن الاقتصاد السوري كان، قبل أسابيع قليلة، في مرحلة تعافٍ هش يعتمد على عوامل خارجية تتجاوز قدرته الإنتاجية المحلية: التحويلات، المساعدات، تخفيف العقوبات، وعودة اللاجئين، كلها كانت تشكل عكازات أساسية يعتمد عليها الاقتصاد. واليوم، يضرب التصعيد الإقليمي هذا الاقتصاد عبر أربع قنوات رئيسية في وقت واحد. وتلفت الانتباه المفارقة التي قد تحملها الأيام المقبلة: فالجراح القصيرة الأجل (انقطاع الغاز، تراجع الكهرباء، تجميد الاستثمار، تعثر عودة اللاجئين) قد تترافق مع احتمالات أخرى أكثر خطورة في الأفق. ورغم أن الحكومة السورية حاولت تدارك نقص الإمدادات، إلا أن النافذة المتاحة تبدو ضيقة للغاية. وستكون الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد أي السيناريوهات الأربعة سيسود. وفي كل الأحوال، يبقى المواطن السوري الأكثر تضرّراً: 90% من السكان تحت خط الفقر (البنك الدولي، 2026). 13 مليونا يعانون من انعدام الأمن الغذائي (WFP, 2026). %30 من المستشفيات خارج الخدمة جزئياً أو كلياً (ICRC, 2026)
هو المواطن نفسه الذي قد يُطلب منه مجدّداً دفع فاتورة حرب إقليمية لا يملك قرارها ولا دوراً فيها…. في 24 من فبراير/ شباط، كان الحديث يدور عن التعافي. وبعد أقل من شهر، أصبح الحديث عن الصمود والسيناريوهات المحتملة.
العربي الجديد
——————————–
أرقام الرئيس الجامحة… بين النمو الحسابي والحياة اليومية/ مرشد النايف
31 مارس 2026
ليست الأرقام في سياق كهذا أرقاماً. هي حياة الناس، ومعيشتهم، ومستقبل أبنائهم، لذلك تحتاج منّا أن نكون موضوعيين وصارمين ودقيقين عن التعامل معها، أو تحليلها، أو التعليق عليها. وعلينا تحمّل المسؤولية، مسؤولين كنا أو مراقبين أو صحافيين أو مواطنين، فهذه أشياء لا تحتمل المحاباة أو اللطف.
في خطاب عيد الفطر، 20 مارس/ آذار 2026، وضع الرئيس السوري أحمد الشرع أرقاما طموحة على طاولة النقاش الاقتصادي: نسبة نمو اقتصادي بلغت 30 -35% خلال العام الماضي (2025)، وارتفاع الناتج المحلي الإجمالي من 20 مليار دولار في عام 2024 إلى 32 مليار دولار في عام 2025، مع استهداف مستوى يتراوح بين 50 و60 مليار دولار بحلول نهاية العام الجاري (2026)، مدعوما بموازنة حكومية معتمدة بقيمة 10,5 مليارات دولار.
لا تقتصر هذه الأرقام على أنها مجرّد توصيف اقتصادي، بل يمكن فهمها ضمن ما يُعرف بـ “التأطير الانتقائي للأداء الاقتصادي”، إذ تُعرض المؤشّرات بطريقة تُعطي انطباعا بتعاف أكثر صلابة وثباتاً مما هو عليه واقعا. وهذا لا يُنكر على إدارة الرئيس الشرع إنجازاتها التي يمكن وصف بعضها بالإعجاز السياسي، سواء على صعيد تحرير الجزيرة السورية وتوحيد مؤسساتها، أو في مستوى رفع العقوبات الأميركية وجذب الاستثمارات الخليجية والدولية. غير أن هذه التحوّلات الكبيرة لم تنعكس بعد بزيادة ملموسة في عدد الأطباق على موائد السوريين، ولا بتحسّن متكافئ في قدرتهم على الوصول إلى الغذاء والخدمات الأساسية.
وأمام هذه الأرقام، يبرز سؤال مركزي: هل تعكس هذه البيانات قراءة واقعية للاقتصاد السوري؟
للتحقق من هذا، لا يكفي النظر إليها بمعزل عن سياقها، إنما ينبغي وضعها ضمن ثلاثة مسارات تحليلية مترابطة: أولها ديناميات النمو في اقتصادات ما بعد النزاع، من حيث الطفرات السريعة وحدود تحوّلها إلى استقرار مستدام، وثانيها أثر القاعدة الاقتصادية المنخفضة، وثالثها المتغيرات الجديدة التي شهدتها سورية مؤخرا، ولا سيما ما يتعلق بوحدة الجغرافيا وإعادة تشكّل المجال الاقتصادي. وانطلاقا من المسار الأول، المتعلق بديناميات النمو في اقتصادات ما بعد النزاع، يصبح من الضروري التوقف عند الكيفية التي تتشكل بها الطفرات الاقتصادية في المراحل الأولى من التعافي، وحدود قدرتها على التحول إلى استقرار مستدام.
انتعاش ما بعد النزاع
لتوضيح ما قد تعنيه هذه الأرقام في سياق التعافي الاقتصادي، يمكن النظر إلى تجارب الدول التي خرجت من صراعات كبرى، حيث يظهر أن النمو السريع ليس استثناء، بل سمة متكرّرة في المراحل الأولى، غير أنه يظل مشروطا بقدرته على التحول إلى مسار مستدام. لنأخذ العراق بعد عام 2003 نموذجا: عاد النشاط الاقتصادي للارتفاع في عام 2004، حيث يُقدّر أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي قد ارتفع بنحو 50%، وفق صندوق النقد الدولي، بدعم من عودة الإنتاج النفطي من نحو 1,3 إلى 2,5 مليون برميل يوميا، ورفع العقوبات، وإعادة الربط بالنظام المالي العالمي عبر “سويفت”. مع ذلك، لم يترجم هذا النمو المرتفع إلى استقرار معيشي أو خدمات أساسية موثوقة، بسبب الانقسام السياسي والصراعات الداخلية.
بمعنى آخر، قد يكون النمو السريع ممكناً في سياقات ما بعد النزاع، لكنه يظل هشّاً ما لم يُدعَم بتماسك سياسي وجغرافي يحوّله إلى حالة استقرار راسخة. أما ليبيا بعد عام 2011، فقد قدّمت نموذجا أكثر دراماتيكية وأقل استدامة: حين قفزت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها في 2012، نما الاقتصاد بنسبة تقارب 87%، لكنه انخفض لاحقا بنحو 20% خلال العامين التاليين، وانكمش بنسبة 8,3% في 2022 قبل أن يعود إلى النمو بنسبة 10,2% في 2023. في المقابل، تُقدّم رواندا نموذجا لدولة خرجت من نزاع من دون موارد نفطية، حيث اعتمدت بعد الإبادة الجماعية عام 1994 على الاستقرار السياسي، والإصلاح المؤسسي، والانفتاح على الاستثمار الأجنبي، محققة نمواً سنوياً يقارب 9% وفق صحيفة The New Times الرواندية، ولكن من دون أي قفزات مفاجئة.
ما تكشفه هذه المقارنات أن تحقيق معدلات نمو مرتفعة في عام يتطلب عادة وجود “رافعة” استثنائية: مورد طبيعي يعود فجأة إلى التصدير، أو انفتاح مالي يعيد تدفق رؤوس الأموال، أو استقرار سياسي يتيح تشغيل الموارد بكفاءة. وسورية اليوم لا تمتلك جميع هذه الروافع التقليدية دفعة واحدة، لكنها تمتلك ما يعادلها، وربما أكثر، وهو ما سنوضحه لاحقاً في ختام هذا العرض. غير أن قراءة هذه المعدلات لا تكتمل بمجرّد البحث في مصادر الدفع للنمو، بل تستدعي الانتباه أيضاً إلى الكيفية التي تُقاس بها هذه المعدلات، أي إلى الأساس الإحصائي الذي تُستمد منه. وهنا يبرز تحديداً ما يُعرف في الأدبيات الاقتصادية بـ “تأثير القاعدة المنخفضة”.
تأثير القاعدة المنخفضة
تُشير ظاهرة “القاعدة المنخفضة” إلى حالة إحصائية تحدث عندما تؤدي زيادة نسبية محدودة، انطلاقا من مستوى منخفض جدا، إلى تسجيل معدل نمو مرتفع يبدو مبالغا فيه مقارنة بالتحسّن الفعلي في النشاط الاقتصادي. وهذه الظاهرة شائعة في علم الاقتصاد، إذ قد تجعل الأداء الاقتصادي الحالي، عند مقارنته بفترة سابقة ضعيفة، يبدو أقوى بكثير مما هو عليه فعليا. على سبيل المثال، إذا ارتفع الناتج المحلي من عشرة مليارات إلى 15 مليارا، فإن النمو المحسوب سيكون 50%، رغم أن الزيادة المطلقة لم تتجاوز خمسة مليارات فقط.
في أعقاب الغزو الأميركي للعراق عام 2003، شهد الاقتصاد العراقي انكماشا حادًا بلغت نسبته 36,3%، نتيجة توقف شبه كامل للنشاطين النفطي وغير النفطي. وقد أتاح هذا الانهيار في القاعدة الإنتاجية ظهور “تأثير القاعدة المنخفضة”، إذ أي انتعاش جزئي للنشاط الاقتصادي يترجم تلقائيا إلى نسب نمو مرتفعة. وهذا ما حدث بالفعل؛ ففي عام 2004، سجّل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نمواً بنسبة 52%، مدفوعاً بشكل رئيسي بانتعاش قطاع النفط الذي قفز إنتاجه من نحو 1,3 إلى 2,5 مليون برميل يوميا.
غير أن هذا الرقم، رغم ضخامته، قد يكون مضلّلا إذا قُرئ بمعزل عن سياقه؛ فالقفزة في النسبة المئوية لم تعنِ عودة العراق إلى مستويات ما قبل الحرب، بل كانت تعبيرا رياضيا عن انتقال الاقتصاد من الركود شبه التام إلى تعافٍ جزئي. وفي عام 2005، انخفض معدل النمو إلى 17%، ثم استقر عند متوسط يقارب 10% سنويا بين عامي 2006 و2009. ولم يكن هذا التراجع انعكاسا لتدهور الأداء، بل نتيجة طبيعية لارتفاع القاعدة؛ فكلما ارتفعت، أصبح تحقيق نسب نمو مرتفعة أصعب.
ينطبق هذا الإطار التحليلي على الحالة السورية بدرجة كبيرة. فقد نقلت وكالة الأناضول عن البنك الدولي إن الناتج المحلي الإجمالي لسورية انكمش بنسبة 53% بين عامي 2010 و2022، بينما تراجعت قيمته الاسمية من نحو 67.5 مليار دولار عام 1011 إلى 21,4 مليار دولار عام 2024، مع تقديرات تفيد بأن الانكماش بلغ 68% خلال هذه الفترة.
وفي هذا السياق، فإن إعلان الرئيس الشرع وصول الناتج المحلي إلى 32 مليار دولار، وتحقيق نمو يتراوح بين 30% و35% خلال عام 2025، لا يعد قراءة خاطئة حسابيا بالضرورة؛ فمع نقطة انطلاق منخفضة (نحو 20 مليار دولار وفق تقديرات الرئيس)، يمكن لأي انتعاش جزئي، مدفوع بعودة نحو 1,2 مليون لاجئ، وانفتاح تجاري محدود، واستعادة بعض الموارد، أن يُترجم إلى هذه النسبة.
قبل الغوص في الأرقام، يجدر التذكير بأن نمو الناتج المحلي الإجمالي (المؤشّر الأكثر استخداما لقياس الأداء الاقتصادي) لا يُقرأ بطريقة واحدة، بل عبر مستويين مختلفين: أرقام قد ترتفع نتيجة تغيّر الأسعار (قيمة اسمية)، وأخرى تعكس زيادة فعلية في الإنتاج (قيمة حقيقية). ويصبح هذا التمييز حاسما عند تفسير معدلات النمو المرتفعة، خصوصاً في سياق اقتصاد خارج من انكماش عميق.
وفي الحالة السورية تحديداً، يكتسب هذا التمييز أهمية مضاعفة، إذ لا بد من التفريق بين مصدرين محتملين للزيادة في عام 2026: الأولى زيادة حقيقية ناتجة من استعادة أصول إنتاجية مثل الأراضي الزراعية والمعامل وآبار النفط، إلى جانب عودة القوة العاملة من النازحين واللاجئين، ما يزيد فعليا حجم السلع والخدمات المنتجة. والثانية زيادة اسمية قد تنجم عن ارتفاع الأسعار المحلية (التضخم) أو تعديل سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار في القنوات الرسمية. ومن ثم، قد يعكس وصول الناتج إلى 31 مليار دولار تعافياً في القيمة النقدية للدولة، لكنه لا يترجم بالضرورة إلى استعادة الاقتصاد لما يقارب 50% من قدرته الإنتاجية قبل عام 2011، نظراً إلى اتساع الفجوة بين النموين، الاسمي والحقيقي، بفعل سنوات التضخم المفرط.
النموان الاسمي والحقيقي
النمو الوهمي (الناتج الاسمي والتضخم): تخيل محلا لبيع “السندويشات” أنتج في عامه الأول ألف وحدة بسعر دولار للسندويش، فكان ناتجه الإجمالي ألف دولار. في العام التالي، وبسبب موجة تضخّم، ارتفع السعر إلى دولارين، بينما ظل البائع ينتج الكمية نفسها (ألف) وحدة من دون زيادة. النتيجة: قفز الناتج الاسمي إلى ألفي دولار.
القراءة الاقتصادية: هذه الزيادة “نمو وهمي”؛ فرغم تضاعف الرقم النقدي، إلا أن المجتمع لم يحصل على لقمة إضافية واحدة. هذا هو الناتج بالأسعار الجارية الذي يخدعنا ببريق الأرقام، بينما الحقيقة مجرّد ارتفاع في تكاليف المعيشة.
النمو الفعلي (الناتج الحقيقي والإنتاج)… لننتقل إلى “ورشة قمصان” في قبو بناء بائع السندويش؛ في عامها الأول أنتجت ألف قميص بسعر عشر دولارات للواحد، فكان ناتجها عشرة ىلاف دولار. في العام التالي، وبفضل عودة العمالة السورية الماهرة وتحسن سلاسل التوريد، وزيادة ساعات التغذية الكهربائية، تضاعف الإنتاج ليصل إلى ألفي قميص، مع استقرار السعر عند عشرة دولارات.
• النتيجة: ارتفع الناتج إلى عشرين ألف دولار. والقراءة الاقتصادية: هذا هو “النمو الحقيقي”؛ فالزيادة هنا لم تأتِ من ارتفاع الأسعار، بل من زيادة “الكمية الفيزيائية” للسلع. هذا النوع من النمو هو الذي يوجِد الوظائف، ويشير إلى اقتصاد معافى وقوي.
الأرقام تخدع العين
يمكن تفسير نمو الناتج بنسبة مرتفعة في ضوء تأثير القاعدة المنخفضة، غير أن هذا لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد قد تعافى فعلياً، فهناك فرق جوهري بين النمو في الناتج المحلي بوصفه رقماً محاسبياً والنمو الاقتصادي الحقيقي الذي ينعكس على حياة المواطنين. ويزداد هذا التعقيد عند التمييز بين القيمتين، الاسمية والحقيقية، كما سبقت الإشارة، فالقيم الاسمية تُقاس بالأسعار الجارية، وتتأثر بالتضخم وتغيرات الأسعار وسعر الصرف، بينما تعكس القيم الحقيقية التغير الفعلي في حجم الإنتاج بعد استبعاد هذه العوامل. ولتجسيد هذا، لنستخدم سلعة أساسية تقيس القدرة الشرائية: رغيف الخبز.
في عام 2011، كان سعر الصرف نحو 50 ليرة للدولار، وسعر ربطة الخبز حوالي 15 ليرة (سبعة إلى ثمانية أرغفة). مع الناتج المحلي الاسمي 67,5 مليار دولار، كان ذلك يعادل شراء نحو 225 مليار ربطة خبز. وفي عام 2025، ارتفع الناتج المحلي الاسمي من 20 مليارا قبل عام، إلى 32 مليار دولار، أي بنسبة 60%، لكن سعر ربطة الخبز ارتفع إلى ستة آلاف ليرة، وتراجع سعر الصرف إلى 12 ألف ليرة لكل دولار (بالعملة القديمة). عند تحويل الناتج (32 مليار) إلى الليرة، يصبح بالإمكان شراء نحو 64 مليار ربطة خبز فقط، أي أقل من نصف ما كان يشتريه المواطن عام 2011.
وهكذا، يظهر جليا أن النمو الاسمي وحده قد يعطي انطباعا رقمياً زائفاً، من دون أن يعكس تعافياً حقيقياً في المعيشة، فالناتج المحلي الكبير، أمام ارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية، يظل عاجزاً عن ترجمة الأرقام إلى تحسين ملموس في حياة المواطنين. النمو الحقيقي يظل رهينا باستقرار الأسعار ورفع القدرة الشرائية، وليس بمجرّد قفزات رقمية في الناتج.
ماذا يعني نمو؟
وعلى الرغم من تسجيل أرقام نمو اقتصادي مرتفعة (30- 35%)، لا تعكس هذه الأرقام الاستفادة الفعلية من كامل إمكانات البلاد، خصوصاً أن نحو 60% من مساحة سورية، أي محافظات الرقة والحسكة ودير الزور، كانت محتلة ولم تُحرر إلا في بداية 2026، ما يعني أن هذه المناطق لم تسهم عمليا في النمو الماضي، رغم ثرواتها الهائلة من الموارد البشرية والزراعية والطاقة والمياه، والتي يمكن أن تكون رافعة حقيقية للنمو في المستقبل. وهذا يعني أن جزءاً كبيراً من الزيادة جاء من مناطق محدودة. دمشق وحلب أساساً، حيث كان النشاط الاستثماري والتجاري والخدمي والفندقي والإطعام أكثر حيوية، بينما لم يكن النشاط الزراعي والصناعي والخدمات في باقي المدن مساهما طليعيا في النمو.
غير أن استهداف رفع الناتج المحلي من نحو 32 مليار دولار إلى ما بين 50 و60 ملياراً خلال عام يطرح سؤالاً جوهرياً: من أين ستأتي هذه الزيادة التي تقارب 18 مليار دولار؟ إذ لا تحدُث تحقيق قفزة بهذا الحجم عادة إلا بوجود رافعة استثنائية كبرى، كتدفقات مالية خارجية ضخمة أو طفرة في قطاع سيادي كالنفط أو الإعمار. وفي الحالة السورية، ورغم التحسّن الملحوظ في البيئة السياسية والانفتاح الخارجي، لا تبدو هذه الروافع متوفّرة بالسرعة والحجم الكافيين لإنتاج مثل هذه القفزة في عام. ومع ذلك، يظلّ الأمل في بلوغ اقتصاد بهذا الحجم قاسما مشتركا بين السوريين مواطنين ومسؤولين، شريطة أن يقوم على أسس تنموية شاملة ومستدامة، لا على طفراتٍ ظرفيةٍ أو قراءاتٍ متفائلة للمؤشرات.
الخلاصة
الرقمان المعلنان عن نمو الناتج المحلي الإجمالي والنمو الاقتصادي صحيحان حسابيا، لكنهما يعكسان فقط قاعدة منخفضة وتحسّناً جزئياً في مناطق محدّدة، وليس تعافيا اقتصاديا حقيقيا شاملا أو مستداما. النمو الرمزي الذي سجّلته البلاد لم يترجم بعد إلى حياة المواطن اليومية؛ فالكهرباء والمدارس والأسواق لم تستقر، ومحافظاتٌ كثيرة لا تزال خارج دائرة التأثير المباشر للنمو. ومع ذلك، توفر الرافعات الجديدة: الجغرافيا الموحدة التي أعادت تكامل المناطق بعد سنوات الانقسام، والعودة التدريجية إلى النظام المالي العالمي التي تتيح تدفق رؤوس الأموال والاستثمار، إلى جانب الاهتمام الاستثماري العربي والدولي المتزايد؛ فرصة لإيجاد روافع نهوض استراتيجية. ولا تقتصر هذه الروافع على أرقام النمو، بل تمتلك القدرة على تحويل الارتداد الجزئي إلى انتعاش ملموس ومستدام، من خلال تعزيز الإنتاج المحلي، دعم البنية التحتية، تنشيط الأسواق، وتحسين القدرة الشرائية للأسر السورية. بمعنى آخر، يمكن لهذه الظروف أن تجعل النمو الاقتصادي حقيقيّاً ومرئياً على الأرض، حيث تقاس القوة الاقتصادية باستعادة المدارس والمشافي، وإيجاد فرص عمل، وتحسين استقرار الأسواق، وتفعيل حياة المواطنين اليومية، لتتحول القفزات الرقمية إلى واقع ملموس يشعر به السوريون بعد نصف قرن من القيود والهيمنة والفساد والاقتصاد المعطّل.
العربي الجديد
————————-
سورية عقدة مواصلات للإقليم؟/ فاطمة ياسين
29 مارس 2026
مع نهاية الحرب العالمية الثانية وارتفاع الطلب على الطاقة من أوروبا الغربية واليابان، زاد الاعتماد بشكل متصاعد على نفط الخليج، وتحوّل مضيق هرمز إلى بوابة بحرية أساسية لعبور الناقلات من منطقة الخليج إلى العالم. جعل هذا الطريق الإنتاج النفطي من السعودية وبقية الدول الخليجية يتصاعد باطراد، وأصبحت قيمة المضيق مرتبطةً بتوسّع التجارة والتصنيع في العالم، وليس على مستوى الإقليم فحسب. … خلال أزمة الناقلات في أثناء الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات، ظهرت قيمة مضيق هرمز الأمنية والاقتصادية، والتأثير الشديد للحالة العسكرية في المنطقة بالاقتصاد العالمي، وانتشرت فكرة أن أمن المضيق جزء من استقرار الاقتصاد الدولي. ومع ازدياد الطلب الآسيوي من الصين والهند على النفط خلال التسعينيات، أصبح للمضيق قيمة إضافية، إلى أن وصل إلى تسجيل مرور 20 مليون برميل نفط يومياً في عام 2024. ويعادل هذا الرقم تقريباً ربع كمية النفط المستهلكة عالمياً، ووقوع إيران على الساحل الشمالي لهذا الممرّ وقدرتها على السيطرة النارية عليه، جعلاها مكمن خطر على مؤشّرات اقتصاد العالم.
إطلالة إيران تمنحها القدرة على مراقبة المضيق وتطبيق الضغوط والتهديد أيضاً، وقد مارست ذلك كله منذ عقود. وشهد العالم اختناقات متفاوتة بسبب التهديد الإيراني، بالرغم من أن المضيق تحكُمه قواعد الملاحة الدولية، وممرّات عبوره المتاحة من الجهة الجنوبية تقع داخل المياه الدولية العُمانية. عرض المضيق في أضيق نقطة لا يتجاوز 29 ميلاً بحرياً، وهناك ممران للعبور (ذهاب وإياب)، عرض كل منهما حوالى ميلين بحريين، ما يجعل أي تهديد إيراني ذا أثر كبير على مرور النفط. ولكن إيران في الواقع غير قادرة على السيطرة الكاملة على المضيق، ولا بد من التفريق بين القدرة على التعطيل بشكل كلي وإمكانية إعاقة المرور، ونحن نتابع حالياً محاولات تصدٍّ دولي للضغوط الإيرانية على الاقتصاد العالمي، بعدّة طرق، منها التفكير في إيجاد بدائل للمضيق في سورية، وهو ما قاله المبعوث الأميركي، توم برّاك بالفعل. طبعاً، لا يمكن لسورية أن تكون بديلاً كاملاً لممرٍّ مائي يسهل للعالم وصول أكثر من 20 مليون برميل من النفط في اليوم. ولكن يمكن إعادة تأهيل شبكات أنبوبية قائمة فيها مثل خط الغاز العربي الذي يربط مصر والأردن وسورية ولبنان، بتوسيع الربط إلى تركيا ومرافئ المتوسّط في اللاذقية وطرطوس.
لا تجعل هذه الشبكة سورية بديلاً كاملاً لهرمز، ولكن يمكنها أن تلعب دور رئةٍ إضافية تخفّف الضغط على المضيق في حالات الحرب والسلم، ويمكن بناء خطوط برّية متنوعة للنقل من طرق سريعة إلى خطوط سكة حديدية، مع مخازن للربط ومحطّات لإعادة الضخ، ما يحوّل سورية بالفعل إلى جسر برّي حيّ. ولا يحيل هذا “هرمز” إلى التقاعد، ولكنه يخفّف الاعتماد عليه بصورة كبيرة. ويفترض التصريح السياسي لبراك أن تتحول البادية السورية إلى عامل أميركي، وتدخل في حسابات الولايات المتحدة السياسية والاقتصادية. وهذا مرهون بمتانة الأواصر التي يجري مدّها حالياً بين الطرفين.
البنية التحتية في سورية اليوم ضعيفة ومهشّمة، وإنتاجها النفطي قليل، لكنها في المستقبل يمكنها أن تلعب دور جسرٍ للعبور. ويتطلب نجاح فكرة تقديم سورية متنفّساً للنفط يعمل بكفاءة وقت الأزمات الخليجية تفاهمات إقليميةً واسعةً مع تركيا والعراق والأردن ودول ثانية، ويتطلب تفاهماتٍ أخرى مع منتجين ومستثمرين، وربما مؤسّسات عالية القدرة على التمويل، وبنية قانونية وحقوقية، لتضع كل ذلك الاستثمار في موقعه الصحيح. وفوق ذلك كله مناخ أمني مستدام في الداخل السوري كله، فالمسألة ليست تقنية صِرفاً، لكنها بالإضافة إلى ذلك تدخل في نطاق الصراعات على مواقع النفوذ الإقليمي. وتحويل سورية إلى عقدة مواصلات يوجب إعادة رسم التوازنات بين الخليج وتركيا. ولذلك ما قاله برّاك يوجد في طياته من السياسة أكثر مما يحمله من الاقتصاد.
العربي الجديد
——————————–
هل تحول سوريا إلى ممر دولي للطاقة خيار واقعي؟/ عدنان علي
2026.03.31
أعادت الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إلى الواجهة مشاريع قديمة مع التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره يومياً نحو 20 مليون برميل نفط تمثل 20 في المئة من الاستهلاك العالمي.
وفي هذا السياق، تبرز العديد من البدائل عن مضيق هرمز ولو جزئياً، لتظهر سوريا كمرشح محتمل للعب دور “عقدة عبور” بين الخليج وأوروبا.
واكتسب هذا الطرح زخماً مع تصريحات المبعوث الأميركي إلى سوريا، التي وضعت دمشق في قلب إعادة رسم خريطة الطاقة الإقليمية، عبر خطط لنقل نفط الخليج بخطوط أنابيب تمر بالأردن وسوريا وصولاً إلى البحر المتوسط. إضافة إلى إحياء مشاريع قديمة مثل خط كركوك–بانياس، أو حتى “التابلاين” الذي كان يبدأ من شمالي السعودية وينتهي بمدينة صيدا في جنوبي لبنان، مع اقتراح تعديل مساره ليتحول إلى بانياس على الساحل السوري، حتى لا يكون تحت رحمة حزب الله المرتبط بإيران، إضافة إلى طموحات لمدّ الغاز القطري نحو أوروبا عبر الأراضي السورية.
والواقع أن لدى سوريا بالفعل مقومات جغرافية فريدة، فهي تقع بين الخليج وتركيا وأوروبا، وتشرف على البحر المتوسط، ما يمنحها موقعاً مثالياً كممر بري بديل للممرات البحرية المهددة. وهذا الموقع، إذا ترافق مع استقرار سياسي، قد يحولها إلى ممر رئيسي لتدفق الطاقة نحو أوروبا، ويعيد دمجها في الاقتصاد الإقليمي.
كما أن إعادة إحياء قطاع النفط السوري، مع خطط لرفع الإنتاج تدريجياً (إلى 800 ألف برميل يومياً خلال 3 سنوات وفق تصريحات مدير الشركة السورية للنفط)، يعزز جاذبية البلاد للاستثمارات، خاصة إذا ترافق ذلك مع مشاريع بنية تحتية عابرة للحدود.
غير أن هذه الإمكانات النظرية تصطدم سريعاً بواقع أكثر تعقيداً. وأحد أبرز التحديات هو الفارق الهائل في القدرة الاستيعابية، فمضيق هرمز يمر عبره يومياً ما يقارب 20 مليون برميل من النفط، في حين أن خطوط الأنابيب المقترحة، حتى في أفضل حالاتها، لن تنقل سوى جزء محدود من هذه الكميات، حتى مع إعادة تأهيل خط التابلاين، في حين خط كركوك–بانياس فقد كان ينقل نحو 300 ألف برميل يومياً قبل توقفه في الثمانينيات، برغم عودته للواجهة في السنوات الأخيرة، علماً أن لدى الجانب العراقي بدائل أخرى، أبرزها خط جيهان التركي.
ومن بين العقبات أمام هذه المشاريع الوضع الداخلي في سوريا، فنجاح أي مشروع طاقة عابر يتطلب بيئة مستقرة سياسياً وأمنياً، وهو شرط لم يتحقق بعد بشكل كامل. كما أن البنية التحتية السورية، من أنابيب ومرافئ ومحطات تخزين، تعرضت لدمار واسع، وتحتاج إلى استثمارات بمليارات الدولارات لإعادة تأهيلها.
صحيح أن إعادة تشغيل خطوط قائمة مثل كركوك–بانياس أقل كلفة من إنشاء خطوط جديدة، لكنها لا تزال تحتاج إلى تمويل كبير وضمانات طويلة الأجل لتدفق النفط، وهي عوامل يصعب تأمينها في بيئة غير مستقرة.
وتزداد الصورة تعقيداً في المشهد الإقليمي، ذلك أن مشاريع الطاقة العابرة للحدود تقوم على تعاون سياسي بين دول متعددة، لكن المنطقة تعج بتضارب المصالح، حيث ترى إيران في هذه المشاريع تهديداً لدورها الاستراتيجي، في حين تسعى تركيا لترسيخ نفسها كممر رئيسي للطاقة إلى أوروبا، أما العراق فلديه حساباته الخاصة في تصدير نفطه. وهناك أيضاً دول قد ترى في المشروع منافساً لممراتها التقليدية، مثل مصر التي تعتمد على قناة السويس، وتركيا التي تمتلك خطوط أنابيب نحو أوروبا. كما أن دولة الاحتلال الإسرائيلي تعمل على مشاريع بديلة لنقل الطاقة، وتسعى لتثبيت موقعها كمركز إقليمي للغاز في شرق المتوسط. وأي توتر بين هذه الأطراف يمكن أن يعطل المشاريع أو يرفع مخاطرها، ما يجعلها أقل جاذبية للمستثمرين.
وحتى من الناحية الاقتصادية البحتة، تبقى خطوط الأنابيب أقل مرونة من النقل البحري، الذي يتميز بكلفة أقل وقدرة على التكيف مع تغير الأسواق. لذلك، فإن الاستثمار في خطوط طويلة الأمد يتطلب استقراراً سياسياً وضمانات تشغيل مستمرة، وهي شروط غير مضمونة حالياً.
وفي المحصلة، يمكن القول إن فكرة تحويل سوريا إلى مركز عبور للطاقة ليست مستحيلة، لكنها أقرب إلى مشروع استراتيجي طويل الأمد منها إلى خطة قابلة للتنفيذ على المدى القصير. ويشير الواقع إلى أن الدور الأكثر واقعية لسوريا في المرحلة المقبلة قد يكون تدريجياً ومحدوداً، يبدأ بإعادة تأهيل خطوط قائمة وتطوير موانئها الوطنية، قبل التفكير في مشاريع كبرى عابرة للإقليم. أما تحويلها إلى بديل حقيقي لمضيق هرمز، فيبقى رهناً بتحولات عميقة تتمثل في الوصول إلى استقرار سياسي مستدام، وتوافقات إقليمية نادرة، واستثمارات ضخمة. وحتى يتحقق ذلك، ستظل هذه المشاريع في إطار الطموحات الجيوسياسية، أكثر منها الحقائق الاقتصادية.
تلفزيون سوريا
—————————-
الاقتصاد السوري.. فجوة كبيرة بين أرقام الإنجازات وحقائق الواقع
29 مارس 2026
نُشرت قبل أيام، (20/3/2026)، تصريحات رسمية تضمنت أرقامًا تتعلق بالموازنة ونسب النمو والناتج المحلي الإجمالي في سوريا، رأى كثير من المختصين والمهتمين أنها أرقام مبالغ فيها جدًا، فضلًا عن انطوائها على مغالطات منهجية وقانونية.
مما ورد في تلك التصريحات أن موازنة عام 2026 بلغت نحو 10.5 مليار دولار، أي ما يقارب ثلاثة أمثال العام الماضي، وأنه من المتوقع وصول الناتج المحلي الإجمالي إلى ما بين 60 و65 مليار دولار هذا العام، وبأن الاقتصاد سيعود إلى مستويات عام 2010 ويشهد تحسنًا في الخدمات. وبأن ذلك يعني نموًا بنسبة 30 إلى 35%، وبأنه “لأول مرة في سوريا يحصل فائض في الموازنة”.
والسؤال الذي يُطرح هنا؛ كيف يمكن أن يزيد الناتج المحلي الإجمالي لسورية، خلال عام فقط، ٥٠ مليار دولار، إذا كان النمو المتحقق يتراوح بين النصف إلى الواحد بالمائة فقط، وفقًا لتقديرات البنك الدولي وكثير من خبراء الاقتصاد؟ أي أن الأمر يبدو مجانبًا للعقل والمنطق السليم، إلا إذا كان ثمة “طفرة” اقتصادية لا نعلم عنها شيئًا؟ والأقرب للعقل هو أن البون ما يزال شاسعًا بين ما تشير إليه الأرقام من أمانٍ ورغبات وبين واقع الحال الذي لا زال يئن تحت ثقل الكثير من الأزمات والمشاكل؛ سواءً تلك الموروثة من العهد البائد، أم الجديدة منها أيضًا.
وفي دراسة صدرت قبل أيام قليلة، قدّر “المركز السوري لبحوث السياسات” أن الناتج المحلي الإجمالي لعام 2025 لم يصل سوى إلى أقل من نصف المستوى الذي كان عليه في عام 2010، (45%)، حسب الأسعار الثابتة. وأن معدل النمو الحقيقي للعام نفسه لم يتجاوز 0.3% مقارنة بالعام الذي قبله 2024. وذلك استنادًا إلى مؤشرات قطاعية تدلل على حدوث انكماش شديد في الانتاج الزراعي (نمو سلبي) تحت تأثير الجفاف وارتفاع التكاليف، وكذلك تراجع الصناعات التحويلية بفعل نقص المدخلات والطاقة والسيولة وانكشافها أمام الواردات، إضافة إلى انخفاض القيمة الحقيقية للخدمات الحكومية نتيجة سياسات التقشف، في حين شهدت قطاعات أخرى تحسنًا نسبيًا، (نموًا إيجابيًا)؛ مثل الاتصالات والنقل والتجارة والبناء، لكنه تحسن لا يكفي للحديث عن تعافٍ اقتصادي مستدام. وبالنسبة للتجارة فإن الزيادة كانت ملحوظة، وذلك بسبب زيادة الواردات، التي يتم خصمها من الناتج المحلي الإجمالي، (لأنه كلما زادت الواردات كان تأثيرها على هذا “الناتج” سلبيًا).
غياب الإحصاءات الرسمية
وحسب قول البعض، فإنه يمكن تقدير حصول زيادات أو انخفاضات في إنتاج هذا القطاع أو ذاك، ولكن من دون القدرة على تقديم أرقام محددة لها، لأن هذه الأرقام ببساطة غير موجودة. وكان البنك الدولي هو المؤسسة الوحيدة التي قدمت تقديرًا لنمو الناتج المحلي الإجمالي للعام الماضي (من 0.5 إلى 1%)، وذلك في منتصف عام 2025، بينما قال مسؤول في وزارة المالية في شباط/ فبراير الماضي، أن نمو الناتج المحلي الإجمالي للعام الماضي بلغ 5%، وأن الموازنة ستكون 5 مليار، فكيف قفز هذا الرقم ليصبح 10.5 مليار دولار، خلال أقل من شهرين؟
يجدر بنا أن نشير هنا إلى أن نسبة نمو 5%، قد تحلم بها الصين وألمانيا، وكثير من دول “مجموعة العشرين” في ظل الظروف الدولية التي نشهدها، فكيف ببلد قليل الموارد وخارج من حرب وحصار وعقوبات؟ وتشير تقديرات المحللين الاقتصاديين، في أحسن الأحوال، إلى أن الاقتصاد السوري ما زال يواجه معوقات كثيرة تتعلق بتوفر رأس المال والبنية التحتية المهترئة وباختناقات أخرى عديدة، وبأن السياسات الاقتصادية، أو “الحوكمة الاقتصادية” الرشيدة، يُفترض أن تقوم على أرقام وإحصاءات مستقلة ومهنية وشفافة، وليس على “بيانات بديلة متفائلة”، عوضًا عن البيانات الرسمية الضعيفة.
ومثلما أنرفع الرواتب لا يعني بالضرورة تحسنًا في مستوى المعيشة، لأن المعيار الحقيقي لذلك هو القدرة الشرائية للراتب وليس قيمته الاسمية، فإن “القيمة الاسمية” للموازنة، (50 مليار دولار مثلًا)، لا معنى لها بحد ذاتها، ما لم تدرج ضمن سياق يتصل بقيمة “الإنفاق الجاري” و”الإنفاق الاستثماري”، وإيضاح مصادر التمويل، الإيرادات، وأولويات الإنفاق، وتقدير حجم العجز المتوقع.. الخ. وفي غياب ذلك تتحول الموازنة، في ألطف الأقوال، من أداة إدارة مالية إلى أداة خطاب سياسي.
ويقصد بالإنفاق الاستثماري حجم تمويل المشاريع الإنتاجية العامة، مثل مشاريع البنية التحتية (طرق، كهرباء، مياه)، بناء مدارس ومشافي، والاستثمار في التكنولوجيا، أي الإنفاق ذو الطابع التنموي الذي يساهم في رفع الإنتاجية وتحفيز النمو الاقتصادي، وخلق فرص عمل على المدى المتوسط والطويل. أما الإنفاق الجاري، (وخصوصًا غير المنتج)، فإن حجمه الكبير يُعدّ مؤشرًا على ضعف الكفاءة المالية وتآكل القدرة التنموية للدولة.
الجانب الدستوري
وإلى ذلك، فإن إقرار موازنة الدولة يتم حصرًا من قبل المجلس التشريعي، وذلك عبر لجان مختصة تُجري تدقيقًا ونقاشًا مع وزير المالية حول الأرقام الواردة في الموازنة، قبل أن تُطرح للنقاش العام داخل المجلس، وفي حال تم قبولها بالتصويت، يتم إصدارها بقانون خاص. وقد نص الإعلان الدستوري على ذلك بوضوح، أي أن الموازنة لا يمكن أن تقر من قبل وزير المالية أو الرئيس، بمفردهما أو بمشاركتهما معًا، فهذا مخالف لأبسط الأعراف الدستورية.
كما أن الموازنة ليست مجرد أرقام تُقر، إنما يُفترض أن تتضمن كذلك أولويات الحكومة وسياساتها الاقتصادية التي تدافع عنها، والتي ينبغي على أعضاء مجلس الشعب أن يشاركوا في نقاشها، أو المطالبة بتضمينها، مثل أولوية إعادة الإعمار، وإغلاق المخيمات ورفع الأنقاض، وفتح مسار العدالة الانتقالية والكشف عن مصير المفقودين.. الخ، وكلها تحتاج إلى رصد “موازنات”، أو كلف تقديرية لها.
وعندما يقترب الإنفاق الحكومي من الصفر، وتحقق سورية فائضًا، فهذا شيء لا يدعو للفخر أبدًا في نظر الخبراء، وذلك في بلد لديه مئات المخيمات وملايين المهجرين وعشرات المدارس والمشافي المدمرة، ونسبة فقر تتجاوز ٩٠ %، وشكاوى متزايدة من الغلاء، (حيث بات المواطن من ذوي الدخل المحدود يذهب، مثلًا، لدفع فاتورة الكهرباء وهو يمسك قلبه بيده لأنها يمكن ببساطة أن تتجاوز قيمة راتبه الشهري كله!). ولو كان العمل جارٍ على إعادة الإعمار وترميم البنى التحتية في شتى المحافظات السورية، إضافة إلى بناء مساكن للمهجرين، وتخفيف الأعباء المعيشية على القطاعات الفقيرة من الشعب، لما حققت الحكومة فائضًا لتفخر به، بل كان يتوجب أن يكون هنالك عجز بمئات الملايين من الدولارات.
والحال، فإذا كنا نريد إعادة تحريك عجلة التنمية وتنشيط الاقتصاد، وتحسين الأوضاع المعيشية للسكان عامة، فمن الواضح أن ثمة حاجة ماسة لاعتماد الحكومة على أكاديميين واختصاصيين من أجل الوقوف على الحقائق العلمية المتصلة بالأزمات والمشكلات المعيشية والاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها المجتمع السوري، ومقاربة حلول علمية وواقعية لها. كما يفترض بالفريق الاقتصادي العامل مع الحكومة، أن يكون لصيقًا بالناس وقريبًا من معاناة الفئات الأكثر ضعفًا وتهميشًا منهم، وأن يضع في سلم أولوياته مكافحة التضخم وغلاء الأسعار والوقوف على الاحتياجات الأكثر الحاحًا للسوريين والعمل على تلبيتها.
أما في حال الاستمرار في تجاهل تلك الاحتياجات، والمضي في طريق مراكمة الأخطاء، والاعتماد على أشخاص من أهل الولاء وليس الكفاءة، (حيث بتنا نرى أحيانا شخصًا واحدًا يتولى أربعة أو خمسة مناصب في قطاعات مختلفة لا رابط بينها)، فإن ذلك لن يفضي سوى إلى مفاقمة المشكلات وتعقيد سبل حلها، قبل أن يدخلنا في نفق الاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
————————————-
دمشق ـ لندن… حصاد اقتصادي لمسار دعم طويل
الثلاثاء 2026/03/31
لعله ليس من الحكمة الاقتصار في قراءة زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى لندن “عاصمة الإمبراطورية التي لم تكن تغيب عنها الشمس” يوماً، ضمن حدود علاقة دمشق مع الاتحاد الأوروبي كتكتّل كلاسيكي، بما أن بريطانيا انسحبت من الاتحاد منذ عام 2016.
فثمة خصوصية معهودة دوماً في علاقة بريطانيا مع العالم وتعاطيها مع مصالحها التي يغلب عليها البُعد العميق في تلقّف الفرص الكامنة، هكذا تقول تجارب التاريخ.
شريك الانتصار
وعلى الأرجح لا تبدو قراءة المشهد المقبل لعلاقة دمشق ولندن صعبة إن تم التقاط ونسج ملامح المشهد الجديد في إطار الموقف البريطاني من “المسألة السورية”، منذ اندلاع الثورة.. و تالياً منذ ثم التحول الواضح الذي تكرّس مباشرة مع سقوط نظام بشار الأسد وتحرير البلاد.
فبريطانيا منذ بدايات الثورة السورية أبدت موقفاً سياسياً حازماً ضد نظام بشار الأسد، ودعمت علناً مطلب الشعب السوري في التغيير، ومع تصاعد العنف وتحول الثورة إلى مواجهات مسلحة، أصبح الموقف البريطاني أكثر رسوخاً في الدعوة إلى تنحي الأسد كشرط لأي حل.
ومع بداية عام 2012 دعمت بريطانيا قرارات لمجلس الأمن أدانت الانتهاكات، وبدأت بالتواصل مع قوى المعارضة السورية الناشئة. ثم أعلنت لندن الاعتراف بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية بوصفه “الممثل الشرعي الوحيد للشعب السوري”.
وشاركت بريطانيا في مجموعة “أصدقاء سوريا” التي ضمت عشرات الدول الداعمة للمعارضة، وساندت بيان جنيف 1 (2012) الذي رسم معالم انتقال سياسي عبر حكومة انتقالية.
كما استمرت لندن بتقديم دعم مادي ولوجستي للمعارضة السورية (كالمساعدات الإنسانية، وبرامج تدريب الشرطة المحلية في مناطق المعارضة، ودعم الدفاع المدني “الخوذ البيضاء”، وغيرها).. أي لعبت المملكة المتحدة دوراً فاعلاً في الجانب الإنساني، وقدمت مساعدات إنسانية واسعة الطيف، وركزت على دعم النازحين داخلياً واللاجئين في دول الجوار، إضافة إلى تمويل مشاريع التعليم والصحة والإغاثة الطارئة.
ووفقاً لدراسة أعدها المركز الديمقراطي العربي، تجاوز إجمالي الدعم البريطاني الإنساني لسوريا والدول المضيفة للاجئين أكثر من 3.8 مليارات جنيه إسترليني حتى عام 2023، مما يجعل بريطانيا من أكبر المانحين الدوليين في هذا الملف. وشمل الدعم تمويل برامج الغذاء والتعليم والرعاية الصحية للاجئين والنازحين. ودعم المجالس المحلية السورية في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام قبل عام 2019، ودعم منظمات الدفاع المدني، وتقديم مساعدات عاجلة بعد الزلازل التي ضربت شمال سوريا في شباط 2023. أيضاً شاركت المنظمات البريطانية في دعم وتمويل لسوريا ومخيمات اللاجئين السوريين في تركيا والأردن ولبنان.
التحوّل الأسرع
كان لافتاً في 9 كانون الأول 2024، بعد سقوط نظام بشار الأسد بيوم واحد، الموقف البريطاني من بين المواقف الأسرع ربما، إذ وصف وزير الخارجية ديفيد لامي، في بيان أمام مجلس العموم، بشار الأسد بأنه “وحش ومجرم”، وبدأت الحكومة البريطانية في التواصل مع القيادة السورية الجديدة في دمشق عبر قنوات دبلوماسية واستخباراتية.
وفي 16 كانون الأول 2024، “بعد 8 أيام من التحرير” زار مسؤولون كبار من وزارة الخارجية البريطانية دمشق، حيث التقوا بمسؤولين في الإدارة السورية الجديدة، وممثلي المجتمع المدني.
كما شاركت بريطانيا في اجتماعات دولية لمناقشة الوضع في سوريا، بما في ذلك اجتماع في روما في كانون الثاني 2025.
وأعلنت بريطانيا عن حزمة مساعدات بقيمة 50 مليون جنيه إسترليني لدعم السوريين المتضررين من النزاع، بما في ذلك توفير الغذاء والرعاية الصحية والمأوى. وتم توجيه هذه المساعدات عبر الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية داخل سوريا وفي دول الجوار مثل لبنان والأردن.
وسارعت بريطانيا إلى رفع العقوبات التي كانت فرضتها على سوريا خلال ” حقبة الأسد”، ففي آذار 2025، رفعت بريطانيا العقوبات عن 24 كياناً سورياً، بما في ذلك البنك المركزي، وشركات النفط. وفي نيسان 2025، تم رفع العقوبات عن وزارتي الدفاع والداخلية، بالإضافة إلى وكالات الاستخبارات ووسائل الإعلام الحكومية وكيانات إعلامية أخرى، بهدف دعم جهود إعادة بناء الاقتصاد السوري، وتأمين الاستقرار في سوريا.
استئناف اقتصادي مُعلن
بما أنه لا يمكن تفهّم أي علاقة سياسية بين بلدين دون “إثمار اقتصادي”.. انطلق مجلس الأعمال السوري البريطاني في دمشق في 1/12/ 2025 بهدف واضح.. أعلنت دمشق أنه يركز على بناء شراكات عمل متبادلة المنفعة بين الشركات والجامعات والمنظمات العاملة في جميع أنحاء سوريا والمملكة المتحدة.
ورأى وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار أن المجلس انطلاقة مهمة تعكس عودة سوريا إلى المجتمع الدولي واستعادة مكانتها الاقتصادية.
فيما اعتبر وزير المالية محمد يسر برنية أن المجلس المشترك منصة لتعزيز فرص العمل وتنمية العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين .
أما مستشار مجلس الأعمال السوري البريطاني جون ويلكس فأشار إلى أهمية المجلس في تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا وبريطانيا بعد سنوات من التراجع.. فأي أفق اقتصادي حقيقي يمكن استشرافه بين دمشق ولندن مع زيارة الرئيس الشرع؟
نقطة فاصلة
يعتبر المستشار الاقتصادي الدكتور زياد أيوب عربش، أن زيارة الرئيس الشرع إلى لندن فرصة للاستفادة من التحولات “البازغة” في الإقليم والتوجه الغربي الجديد.
ففي إطار التحولات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط، تأتي الزيارة إلى بريطانيا كنقطة فاصلة تاريخية تعكس تحولاً استراتيجياً في مسار العلاقات الثنائية بعد رفع العقوبات واستئناف الدبلوماسية.
ويتحدث د. عربش إلى “المدن” بنبرة لا تخلو من اليقين بأن الزيارة ستركز على إعادة الإعمار السوري وجذب الاستثمارات البريطانية، مع إعلان متوقع عن خطة تمويل صادرات للشركات البريطانية.
وبما أن اللقاءات ستُعقد في خضم حرب إقليمية دائرة، سيكون وضع الاستقرار المستدام والسلام على رأس الأولويات.
وللتوقيت حساسيته هنا بشكل مقترن ومواكب للأهمية الجيوسياسية، إذ تأتي الزيارة عقب زيارة الرئيس الشرع إلى ألمانيا، حيث تم التوقيع على مذكرات تفاهم مع شركات كبرى مثل سيمنس لتطوير شبكات الطاقة، فالمجال مفتوحاً أمام فضاء تنسيق أوروبي- بريطاني متزايد حول الملف السوري.
وبرأي المستشار عربش تتجاوز أهمية هذه الزيارة البعد الثنائي، حيث تعيد اكتشاف سورية من موقعها الجيوستراتيجي الأصيل كحلقة وصل بين البحر الأبيض المتوسط وعمق آسيا، وهذا الموقع الحيوي يجذب الشركات الأوروبية والبريطانية للاستثمار في إعادة الإعمار والسلاسل اللوجستية الإقليمية، مع إمكانية جذب استثمارات خليجية إضافية.
أفق استثماري
يفتح المسار الاقتصادي آفاقاً واسعة للاستثمار في إعادة الإعمار، مدعوماً بقانون الاستثمار السوري الجديد الذي يسمح بالملكية الأجنبية بنسبة 100%، ويقدم إعفاءات ضريبية تصل إلى 100% في القطاع الطبي و80% في التصنيع. مع توقعات رسمية بنمو اقتصادي سوري يقارب 10% في عام 2026، عبر عودة الصادرات النفطية ودعم مجلس الأعمال السوري-البريطاني.
ومن المتوقع ـ وفق عربش ـ أن تلعب الجالية السورية في بريطانيا دوراً محفزاً نحو تنفيذ مشاريع سريعة العائد، رغم التحديات المرتبطة بالبنوك والأمن. كما ستجد الشركات البريطانية العاملة في الخليج والعراق، في سوريا ممراً حيوياً يعيد تعريف الربط بين الشرق والغرب، أشبه بـ “نفق المانش” الجديد.
الأولويات المتوقعة
يؤكد د. عربش أن الأولويات الرئيسية التي حددتها الحكومة البريطانية تشمل، دعم التعافي الاقتصادي ومكافحة داعش وتقليل الهجرة غير الشرعية، ثم معالجة ملف الأسلحة الكيميائية.
كما تتضمن الزيارة مساراً دبلوماسياً لإعادة فتح السفارات بشكل كامل، وتعزيز الشرعية الدولية للرئيس الشرع كقائد انتقالي، إلى جانب إصلاحات هيكلية مثل الرقمنة والذكاء الاصطناعي المستوحاة من نموذج دبي.
مجالات التعاون المفتوحة
يعتبر المستشار الاقتصادي أن قطاعي الطاقة والإنشاءات يتصدران القطاعات الأكثر انفتاحاً على آفاق التعاون المرتقب بسبب الحاجة السورية العاجلة والخبرة البريطانية. وتشمل تمويل مشاريع سريعة العائد، وعقود في الموانئ والطيران والطاقة المتجددة، بالإضافة إلى ترحيل النفط من دول الخليج العربي عبر أنابيب بطاقة 4 إلى 6 مليون برميل يومياً، مما يحقق استقلالاً وقودياً ويزيد الصادرات بنسبة تزيد عن 20%.
الزراعة والتصنيع
وربما سيكون للزراعة والتصنيع حصة وافية في سياق التعاون الاقتصادي المشترك، الذي سيكون مجزياً من خلال استثمارات خليجية – بريطانية مشتركة، مع إعفاءات ضريبية تشجع التصدير، مما يؤدي لنمو تصديري واستثمار الأراضي الزراعية الإقليمية.
التكنولوجيا والتعليم
وتبدو الفرصة قائمة للتعاون الخلّاق في مجال بناء المعارف والقدرات.. والتدريب في الذكاء الاصطناعي، وشراكات مصرفية، ودعم الشركات الصغيرة لتعزيز الرقمنة ورفع الكفاءة بنسبة تصل إلى 15%.
الأمن والإغاثة الإنسانية
كما أن من المفترض، من وجهة نظر الدكتور عربش، تعزيز التعاون في مجال مكافحة الإرهاب، وتقديم المساعدات بقيمة 94.5 مليون جنيه الضرورية لتحقيق الاستقرار الإقليمي ومعالجة أزمة النزوح واللاجئين.
أخيراً، لعله من نافل القول أن انفتاح بريطانيا على سوريا بعد سقوط النظام سيكون مدفوعاً ببراغماتية متبادلة، تبدو مشروعة ومطلوبة اقتصادياً وأمنياً تتمثّل في استقرار المنطقة، واستفادة الشركات البريطانية، وإعادة اللاجئين.. وهذا الملف الأخير “اللاجئين” سيكون مرتبطاً بالمعالجة المتكاملة الجارية على نطاق أوروبي.
المدن
——————————–
ممرات عربية بديلة لإنهاء تحكّم إيران بسلاسل الإمداد العالمية
تنسجم مع «رؤية 2030»… قطار سريع يربط السعودية بالمتوسط وإحياء «التابلاين»
موفق محمد
30 مارس 2026 م
في خضم التحولات الجيوسياسية التي تعصف بممرات الطاقة العالمية، طُرحت رؤية اقتصادية سورية طموحة تتقاطع مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030»؛ لإنهاء عقود من الارتهان لمضيق هرمز.
وتطرح مبادرة (4+1)، التي كشف عنها مستشار وزارة الاقتصاد والصناعة السورية أسامة قاضي لـ«الشرق الأوسط»، خريطة طريق تجمع بين إنشاء شبكة قطارات سريعة حديثة وإعادة إحياء أنابيب النفط (التابلاين) التاريخي؛ بهدف تحويل الجغرافيا السورية والسعودية منصةً لوجيستيةً عالمية تربط ثلاث قارات.
وتستهدف هذه المبادرة الاستراتيجية، التي تأتي في توقيت بالغ الحساسية، تأمين تدفق نحو 7 ملايين برميل نفط يومياً بعيداً عن التهديدات الإيرانية، وضمان استقرار أسواق الغذاء والطاقة عالمياً.
وتهدف المشاريع المطروحة إلى كسر حلقة «الابتزاز الجيوسياسي» المرتبط بمرور أكثر من 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، من خلال إيجاد ممرات برية آمنة ومستقرة تخفض تكاليف النقل وتعزز أمن الإمدادات.
وجاء الإعلان عن هذه الرؤية في ظل تعطل حركة الملاحة البحرية وتصاعد التوترات الإقليمية؛ ما يمنح مشاريع الربط السككي وأنابيب النفط العابرة للحدود زخماً استثنائياً بصفتها بدائل مستدامة تضع المملكة في قلب تدفقات التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا.
قطار سريع
ويعد مشروع إنشاء خط قطار سريع تتراوح سرعته بين 200 و300 كيلومتر/ساعة، يربط المملكة بسوريا مروراً بالأردن، مستفيداً من امتداد شبكة السكك الحديدية السعودية إلى منفذ الحديثة، من أبرز تلك المشاريع.
وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، أوضح قاضي أن هذا المشروع يترجم عملياً مستهدفات «رؤية السعودية»، من حيث تنويع الاقتصاد وتعظيم دور المملكة بصفتها مركزاً لوجيستياً عالمياً، ورفع كفاءة سلاسل الإمداد، وإعمار سوريا، والمساهمة في النهوض الاقتصادي العربي، كما أنه يحوّل الجغرافيا قيمةً اقتصادية مباشرة، ويضع المملكة في قلب تدفقات التجارة بين آسيا وأوروبا.
والجدوى الخاصة بهذا المشروع ليست نظرية، بحكم أن أكثر من 70 في المائة من البنية داخل السعودية قائمة حتى منفذ الحديثة؛ ما يخفّض تكلفته وتسارعه، حسب قاضي، الذي قال: «إن كل دولار يُستثمر فيه سيولّد عائداً مركباً عبر رسوم عبور، وخدمات لوجيستية، ومناطق صناعية، وتوسّع الصادرات، وفي الوقت نفسه يوفر مساراً مكمّلاً يحدّ من اختناقات الممرات البحرية، ويعزّز استقرار تدفقات النفط والغاز، وهذه ليست فقط بنية نقل، بل أداة لخفض تذبذب الأسعار ورفع موثوقية الإمدادات ويخلق قيمة مضافة ويعزّز الأمن الغذائي العربي».
ويتضمن المشروع إحياء مسار خط الحجاز بحكم أنها جزء من الشبكة الحديثة؛ ما يمنح المشروع عمقاً تاريخياً ويخفض التكاليف، ويفتح الربط شمالاً نحو تركيا، وجنوباً نحو المدينة المنورة.
وللوصول إلى المشروع قبل عام 2030، يجب تقسيمه حزماً تعمل بالتوازي داخل الأردن وسوريا، مع قيادة برامج مشتركة، بحيث يتم، وفقاً لقاضي، البدء بـ«خط شحن» حديث عالي الكفاءة و«خط ركاب» متوسط السرعة، ثم رفع السرعات تدريجياً في المقاطع ذات الجدوى.
وأوضح قاضي أن التكلفة التقديرية لهذا المشروع تتراوح بين 12 و25 مليار دولار لسيناريو مختلط (شحن + ركاب سريع جزئياً)، وترتفع في حال تعميم السرعات العالية على كامل المسار، لكن العائد الاستراتيجي – لوجيستياً وطاقياً وغذائياً – يجعله من أعلى المشاريع مردوداً في المنطقة.
ومما يسرع من تنفيذ المشروع أن الجزء السعودي قائم حتى مدينة الحديثة، بينما تصل المسافة من الحديثة إلى دمشق نحو 700 كيلومتر، وبين دمشق وأنطاكيا نحو 350 كيلومتر.
وأشار قاضي إلى أن سرعة القطار في المرحلة الأولى من المشروع ستصل إلى نحو 120 – 200 كيلومتر/ساعة، وفي المرحلة الثانية إلى 200 – 300 كيلومتر/ساعة، في حين يستغرق تحضيره وتمويله أقل من سنة، والتنفيذ المرحلي المتوازي أقل من ٤ سنوات، بحيث يحتفل البلدان بتشغيل أولي للخط قبل عام 2030.
ورأى أن الأمن الغذائي العربي لن يتحقق عبر الاستيراد فقط، بل عبر بناء ممرات لوجيستية ذكية، وهذا المشروع يحول المنطقة منصةً لإعادة توزيع الغذاء عالمياً، تبدأ من الهند وآسيا، وتعبر الخليج وسوريا، لتصل إلى أوروبا.
«التابلاين» لتحييد «هرمز»
من ضمن مشاريع (4+1)، إعادة إحياء خط أنابيب نقل النفط «التابلاين» الذي نشأ عام 1947 بطول 1664 كيلومتراً، ويمتد من مدينة بقيق السعودية إلى ميناء صيدا اللبناني على البحر الأبيض المتوسط، مع تعديل نهايته ليصب في ميناء بانياس السوري، بحيث يتم ضخ ما بين 5 و7 ملايين برميل يومياً عبر أربعة خطوط متوازية، وذلك بعدما أغلق المشروع بشكل نهائي في تسعينات القرن الماضي.
هذا المشروع، وفق قاضي، هو صمام أمان لاستقرار أسواق الطاقة العالمية؛ لأنه «عندما نخلق ممراً برياً آمناً للنفط والغاز من الخليج إلى البحر المتوسط، فإننا نُخرج جزءاً كبيراً من تجارة الطاقة العالمية من دائرة المخاطر الجيوسياسية، وخاصة تلك المرتبطة بمضيق هرمز. بمعنى آخر، نحن لا ننقل الطاقة فقط، بل ننقل العالم من اقتصاد مهدد بالاختناقات إلى اقتصاد مستقر متعدد المسارات».
كركوك – بانياس والغاز القطري
المشروع الثالث، هو إعادة تأهيل خط «كركوك – بانياس» لنقل النفط، واستبداله بخطوط متوازية تضخ من مليون إلى 3 ملايين برميل نفط يومياً من مدينة كركوك العراقية إلى ميناء بانياس، بعدما كان يضخ نحو 300 ألف برميل.
ويتمثل المشروع الرابع بمد خط لنقل الغاز القطري الذي بدأ ينقطع بسبب «مشاكل مضيق هرمز وإيران».
ويبدأ الخط من قطر إلى الأردن وبعد ذلك سوريا وصولاً إلى تركيا ومن ثم أوروبا، على أن ينبثق منه المشروع الخامس بمد وصلة نقل إلى بانياس.
وأوضح قاضي في حديثه، أن سوريا كانت تاريخياً قلب طرق التجارة العالمية، واليوم يمكن أن تعود إلى هذا الدور، ولكن بمنطق القرن الحادي والعشرين: «سكك حديدية سريعة، وموانٍ ذكية، وممرات طاقة متكاملة»، وإذا نجحت مشاريع (4+1)، فإن دمشق لن تكون فقط عاصمة سياسية، بل عاصمة لوجيستية واقتصادية تربط ثلاث قارات. أضاف: «نحن ننتقل من مفهوم الجغرافيا السياسية إلى الجيو-اقتصاد، ومن يملك الممرات يملك التأثير، وسوريا مؤهلة لأن تكون أحد أهم الممرات في العالم، ومشاريع (4+1) تعيد تعريف المنطقة ليس كمنطقة صراعات، بل كمنطقة عبور وازدهار».
بعد الأزمات الأخيرة، أدرك العالم أن الاعتماد على الممرات البحرية فقط هو مخاطرة استراتيجية، وما يتم تقديمه من مشاريع وفق قاضي هو «بديل بري مستقر، يقلل من تكلفة النقل ويزيد من أمن الإمدادات، وهي ليست بديلاً عن البحر، بل توازن ضروري يمنع أي جهة من احتكار حركة التجارة العالمية».
وشدد قاضي على أن إعمار سوريا يجب ألا تكون إعادة بناء حجارة، بل بناء دور اقتصادي، وهذه المشاريع تخلق اقتصاد عبور يدر مليارات الدولارات سنوياً، وعشرات ألوف فرص العمل، وتدفع بعجلة النمو الاقتصادي السوري، وبهذا النموذج، تصبح سوريا دولة منتجة للخدمات اللوجيستية والطاقة، وليست فقط متلقية للمساعدات».
وبينما علمت «الشرق الأوسط»، أن هذه المشاريع هي «قيد الدراسة من قِبل كثير من الجهات الحكومية السورية والعربية»، أبان قاضي أن تكلفتها تصل إلى أقل من 30 مليار دولار، وهي في حاجة إلى تمويل من ثلاثة صناديق سيادية عربية على الأقل في المنطقة وصندوق سيادي أوروبي. وعدّ المشاريع أنها «أول اختبار حقيقي لفكرة التكامل الاقتصادي العربي، وإذا نجح هذا النموذج، يمكن تعميمه ليصبح نواة لسوق عربية مشتركة حقيقية، وستُذكر في التاريخ بصفتها أحد أهم مشاريع القرن الحادي والعشرين في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي التي تتناغم مع (رؤية السعودية 2030) بجعل الشرق الأوسط أوروبا جديدة، وسوريا هي درّة الشرق الأوسط».
من جهته، رأى الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية، باسل كويفي، أن الحديث عن هذه المشاريع يمثل طرحاً لاستراتيجية «الجيوبوليتيك الطاقي» التي يمكن أن تعيد تشكيل وجه الشرق الأوسط بالكامل. لكنه لفت لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه رغم النظرة المتفائلة، فحزمة هذه المشاريع تحتاج إلى تمويل ضخم واستثمارات كبيرة، وثقة ائتمانية عالية واستقرار نقدي، والأهم توافق سياسي شامل.
الشرق الاوسط
——————————–
العراق يستأنف تصدير النفط براً عبر سوريا.. لأول مرة منذ عقود
الثلاثاء 2026/03/31
في ظل اضطرابات الشحن البحري، عاد العراق إلى استخدام المسار البري عبر سوريا لتصدير النفط، في خطوة تُعد الأولى من نوعها منذ عقود، رغم ارتفاع تكاليف النقل مقارنة بالشحن البحري.
وبحسب وكالة “رويترز”، أبرمت شركة تسويق النفط العراقية الحكومية (سومو) عقوداً لتصدير نحو 650 ألف طن متري من زيت الوقود شهرياً خلال الفترة الممتدة من نيسان إلى حزيران، على أن يتم نقل الكميات براً بواسطة الشاحنات عبر الأراضي السورية.
ويُنظر إلى هذا الخيار على أنه الأنسب في الوقت الراهن، رغم كلفته المرتفعة، في ظل استمرار تعثر عمليات الشحن البحري. وقد انطلقت أول قافلة من الشاحنات فعلياً اليوم الثلاثاء، عقب توقيع عقود متوسطة الأجل مع أربعة تجار نفط عراقيين.
وتأتي هذه الخطوة بعد تطورات إقليمية متسارعة، شملت تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب على إيران، وما رافقها من اضطرابات أثّرت بشكل مباشر على حركة الملاحة، بما في ذلك إغلاق فعلي لمضيق هرمز، وفق مصادر مطلعة.
انخفاض الإنتاج وضغوط التخزين
وتزامناً مع هذه التطورات، خفّض العراق إنتاجه النفطي بشكل ملحوظ نتيجة امتلاء خزانات التخزين وصعوبة التصدير. وأفاد ثلاثة مسؤولين في قطاع الطاقة بأن إنتاج الحقول الرئيسية في جنوب البلاد تراجع بنحو 80%، ليبلغ حوالي 800 ألف برميل يومياً.
وكان العراق يعتمد بشكل أساسي على التصدير البحري عبر ميناء خور الزبير للوصول إلى الأسواق العالمية، إلا أن التحديات الحالية فرضت التحول نحو بدائل أكثر كلفة وتعقيداً من الناحية التشغيلية.
تفاصيل العقود
وتشير وثائق شركة “سومو” إلى أن اثنين من المتعاملين سيقومان بتصدير نحو 720 ألف طن من زيت الوقود عالي الكبريت خلال ثلاثة أشهر، موزعة بالتساوي بين مصافي الشمال والوسط والجنوب، بخصومات تتراوح بين 160 و170 دولاراً للطن.
كما سيُصدر متعامل ثالث نحو 401 ألف طن خلال الفترة نفسها بخصم يقارب 160 دولاراً للطن، فيما حصل المتعامل الرابع على عقد أصغر لتصدير 90 ألف طن بخصم يُقدّر بنحو 155 دولاراً للطن.
ورغم أن النقل البري يُعد خياراً أكثر كلفة وتعقيداً مقارنة بالناقلات البحرية، إلا أن الظروف الحالية تفرضه كحلّ مؤقت لضمان استمرار تدفق الصادرات النفطية العراقية.
——————–
====================
تحديث 28 أذار 2026
——————————–
كنوز الذهب السوري بحسب توم باراك/ عمر قدور
السبت 2026/03/28
مساء الخميس انتشر تصريح لتوم باراك مفاده: يمكن لسوريا أن تكون بديلاً عن مضيق هرمز والبحر الأحمر. التصريح سرعان ما استُقبِل بحفاوة شديدة من سوريين متحمّسين سلفاً لكل ما يجعلهم متفائلين بالتعافي السريع، وأن الحرب الحالية في المنطقة ستكون مكسباً خالصاً. فهي، بموجب وجهة النظر هذه، ستقضي على القوة الإيرانية وتستنزف إسرائيل، وتنتهي على توزيع جديد للأدوار في المنطقة؛ وها هو الأميركي باراك يشير إلى واحد من التغييرات المقبلة في قطاع الطاقة، وهو قطاع شديد الحساسية والأهمية!
بدايةً، كان تصريح باراك قد انتُزع من سياقه، فهو من ضمن حديث له في مؤتمر للطاقة نظّمه سوريون في الولايات المتحدة. ومثل هذه المؤتمرات دائمة الانعقاد في بلد تنشط فيه اللوبيات من كل حدب وصوب، ولو جمعنا تصريحات المسؤولين الأميركيين فيها لرأينا العجب مما يندرج في التفاؤل المفرط أو مجاملة المضيفين. لكن، رغم ذلك، وضَعَ باراك تصريحه في قالب يُراد أن يبدو منطقياً، فهو استخدم (قد) كي لا يكون جازماً في الإشارة إلى تحوّل خط تجارة النفط، وربط تنبؤه بأن سوريا اليوم من أكثر بلدان المنطقة استقراراً(!)، ما يؤهّلها للعب هذا الدور، مع تنويهه بأن المخطط ليس جديداً، إذ كان من ضمن مشاريع النظام السابق قبل اندلاع الثورة.
ليست المرة الأولى التي يطلق فيها باراك تصريحات مفرطة في التفاؤل حول سوريا، ولا هي المرة الأولى التي يوحي فيها بإمكانية حدوث تغييرات حتى في خرائط المنطقة. لذا ينبغي التدقيق في حديثه عن استقرار سوريا، ما يتيح الشروع في مشاريع دولية شديدة الضخامة، من مدّ خطوط الأنابيب وصولاً إلى تجهيز المرافئ السورية بما يتناسب مع حجم تدفق ملايين براميل النفط يومياً.
الحديث اليوم هو عن بلد متهالك تماماً من حيث البنية التحتية، وحتى الرواتب وزياداتها مموَّلة بمنح خليجية، أي أن الجزء الأعظم من الإنفاق الحكومي ليس من الدخل المحلّي. وبخلاف ما أشيع قبل أيام، فإن معدّل النمو أقلّ بكثير مما هو منتَظر لبلد خارج من الحرب والعزلة، والسياسات المالية والنقدية تعكس هذا الوضع لجهة التقشّف الذي انعكس انفاقاً حكومياً أقل من المتوقع، ولجهة حبس السيولة النقدية للحفاظ نسبياً على قيمة الليرة، أما تحرير التجارة فكان على حساب بعض القطاعات الإنتاجية لصالح بضائع مستوردة أعلى بقدرتها التنافسية.
حالُ الاقتصاد السوري منذ إسقاط الأسد يشير إلى بلد متروك، تأتي المساعدات فقط لمنع الانهيار الحكومي، ورفعُ العقوبات الدولية لم يحفّز الدول والشركات على المجيء من أجل الاستثمار فيه. حيث يدلّ الشطر الخاص بالدول على أنها لا تضع سوريا ضمن اهتماماتها، أو أنها لم تمنح ثقتها للحكم الجديد، بخلاف ما تشيعه المظاهر والمجاملات الدبلوماسية. ولعلّ هذا ما يفسّر المنح والمساعدات المتواضعة جداً بالمقارنة مع المطلوب لبلد مدمّر، ويعطي مؤشراً سلبياً فيما يخص الاستقرار السياسي فيه، بما أن سلطته لا تزال تحت الاختبار. ومن نافل القول أن الرأسمال الخاص العالمي (بما فيه الرأسمال السوري المهاجر) يستبطن السلوك الدولي الحذِر، مع التأكيد على كونه أكثر تطلّباً لجهة الاستقرار بكافة معانيه؛ السياسية والاقتصادية والقانونية.
يمكن تشبيه الفرح بأقوال باراك بتلك الأفراح التي راجت (أو تم ترويجها) بين السوريين من قبل، ففي أيام الأسد شاعت مثلاً أقاويل عن اكتشاف احتياطي من الألماس، والحديث عن اكتشافات النفط والغاز في دير الزور وصل إلى تصوير المحافظة تعوم على بحار منهما، بما يفوق الاحتياطيات الخليجية. واستئنافاً للمبالغة الأخيرة، تم تصوير انتزاع السيطرة على حقول النفط من قسد كأنه الحل السحري للتدهور الاقتصادي الحالي، علماً أنه لم يظهر أي تأثير يُذكر حتى الآن، وتراجعت تصريحات مسؤولي الطاقة لتَعِد بالتحسن المنشود بعد سنوات.
في كل الأحوال يبدو الكنز، أو الثروة التي تهبط بلا جهد، بمثابة الحل السحري لاستحقاقات الواقع. وطالما أن انتظاره قائم، بدليل تلقّف أي تلويح به، فلن يكون مطلوباً التفكير في المشكلات والسبل الواقعية لحلّها، بإمكانيات ذاتية حقيقية؛ من دون انتظار حلول سحرية. لقد ترك النظام السابق الكثير من المشكلات المزمنة بلا حل خلال عقود، وبعد سقوطه كثر الإنشاء الذي يفيد بأن أوضاع السوريين ستنقلب إلى الأفضل برمشة عين. هذا النمط من الإنشاء لا ينتقص فقط من حجم المشكلات الموروثة، بل يحيل أيضاً إلى الزمن السابق حيث كان للإنشاء وظيفة التحايل على الأزمات وتركها تتفاقم بلا حل.
هذه العقلية كفيلة بإضاعة الفرص، عندما تكون فرصاً حقيقية، لا مجرد تصريحات تُرمى مجاملةً أو نفاقاً. ففي نتائج الحرب الحالية، ربما يكون من مصلحة بعض البلدان إيجاد ممر إضافي لصادرات النفط، وقد تكون سوريا وجهة مناسبة. ذلك بالطبع يقتضي الثقة بأن إسرائيل لن تقصف خطوط الأنابيب، وأن تنظيم داعش لم يعد موجوداً بما يهدد بتفجيرها هنا وهناك. وهذه مجرد أمثلة على العقبات المباشرة التي قد تعيق التفكير بجدية في الموضوع، يُضاف إليها أن البلد غير موحد أو متحد على نحو يوحي بالاستقرار مستقبلاً، وهو شرط ضروري لإنشاء بنية تحتية قد يستغرق سنوات، ثم استثمار يطول سنوات أيضاً لضمان أن تكون تكاليف الإنشاء مجدية.
السيء في الأمر أن رهط المتفائلين، بلا سند حقيقي، لم يتعلّم من درس السنوات الماضية منذ انطلاق الثورة. فقد ثبت خلالها خواء تلك الدعاوى عن القيمة الاستراتيجية العظيمة لسوريا، ورأى السوريون كيف لم تكترث القوة الدولية الأكبر بهم وبهذه القيمة المدّعاة، وتركتهما عن طيب خاطر للخصم الروسي وللإيراني. لقد كان يُنظر إلى القيمة الاستراتيجية المزعومة بوصفها رأسمالاً رمزياً ومادياً، أي أنها ستأتي بثروة حقيقية في وقت ما، وهو اتكال لم يظهر في أي يوم ما يبرره، بل كان البلد ينحدر من سيء إلى أسوأ مع تدهور أحواله الاقتصادية والسياسية، أسوة بما يحدث في بلدان العالم جميعاً، حيث لا يتغنّى أهلها بمواقعهم الجغرافية.
ليست مصادفة أن الأوساط المحتفية بتصريح باراك الأخير لم تطرح، منذ اندلعت الحرب، أفكاراً جادة تتعلق بآثارها المحتملة على سوريا، انطلاقاً من الوقائع المعروفة لا الأمنيات، وفي رأسها الآثار الاقتصادية السلبية المتوقعة على عموم المنطقة، مثلما لم يكن مصادفة أنها لم تقدّم أفكاراً وتصورات لعموم الاستحقاقات في سوريا ما بعد الأسد. ليست مصادفة أن يصدّق هؤلاء توم باراك أكثر من الواقع، وبالطبع أكثر من سوريين آخرين.
المدن
——————————
سوريا على خريطة الطاقة العالمية.. هل تصبح بديلاً لمضيق هرمز؟/ بيسان خلف
2026.03.28
في تحول لافت في مقاربة ملف الطاقة إقليمياً، برزت تصريحات المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك لتضع دمشق في قلب نقاشات إعادة رسم خريطة نقل النفط، عبر طرحها كبديل محتمل لمضيق هرمز.
وخلال ندوة الطاقة الأميركية – السورية، دعا باراك إلى البحث عن بدائل آمنة لممرات الشحن البحري المهددة، مشيراً إلى أن سوريا يمكن أن تلعب دوراً محورياً في هذا التحول من خلال نقل نفط الخليج عبر خطوط الأنابيب، مستفيدة من موقعها الجغرافي الذي يربط بين الخليج العربي والبحر المتوسط وأوروبا.
ويعكس هذا الطرح تحولاً في أولويات قطاع الطاقة العالمي، من التركيز على كفاءة التوزيع إلى أمن الإمدادات، في ظل الحرب الإقليمية بين إيران وإسرائيل والتي تركت أثراً على حركة نقل النفط البحري عبر مضيق هرمز والبحر الأحمر، ما يعزز أهمية المسارات البرية البديلة.
وبحسب باراك، فإن سوريا مرشحة لأن تكون جزءاً من مشروع إقليمي أوسع يعرف بـ”البحار الأربعة”، يربط بين الخليج وبحر قزوين والبحر المتوسط والبحر الأسود، ما يضعها في موقع مركز عبور إقليمي للطاقة، وليس مجرد دولة منتجة.
سوريا من دولة منتجة إلى ممر إقليمي للطاقة
هذا التوجه يتقاطع مع تقييمات خبراء في الجلسة، اعتبروا أن استقرار سوريا “في حال استمر” قد يحولها إلى “الباب الخلفي” لنقل الطاقة نحو أوروبا، ويغير موازين القوى في المنطقة، عبر ربط مصالح دول الخليج وتركيا وأوروبا بالاستقرار داخل الأراضي السورية.
وفي موازاة الطرح الأميركي، تتسارع خطوات إعادة بناء قطاع النفط في البلاد، إذ قال الرئيس التنفيذي للمؤسسة العامة للنفط يوسف قبلاوي إن إنتاج سوريا تجاوز 100 ألف برميل يومياً بعد استعادة السيطرة على الحقول الرئيسية، مع خطة لمضاعفة الرقم قريباً.
وأضاف أن الحكومة تستهدف الوصول إلى نحو 800 ألف برميل يومياً بحلول عام 2029، ضمن استراتيجية تقوم على تطوير الحقول غير المستغلة وفتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية، خاصة في المناطق البحرية والبلوكات الجديدة.
وفي هذا السياق، دخلت دمشق في مباحثات مع شركات طاقة كبرى مثل Chevron وConocoPhillips وTotalEnergies، سواء في مجال الاستكشاف أو إعادة تأهيل البنية التحتية، بما في ذلك مشاريع خطوط الأنابيب.
استثمارات مرتقبة وتحالفات جديدة
من جهته، اعتبر رئيس شركة هانت إنرجي، هانتر هانت، أن السوق السورية تمثل “مزيجاً فريداً” من احتياطيات غير مستغلة وبنية تحتية قابلة للتحديث، كاشفاً عن توجه لتشكيل تحالف استثماري لدخول قطاع النفط والغاز.
وتشير تقديرات الخبراء إلى أن إعادة تأهيل البنية التحتية قد ترفع الإنتاج إلى حدود 200 ألف برميل يومياً خلال السنوات القليلة المقبلة، مع إمكانية زيادته مع تدفق الاستثمارات الأجنبية.
تحديات أمام “الحلم النفطي”
ورغم هذا الزخم، يبقى تحويل سوريا إلى بديل فعلي لمضيق هرمز رهناً بعوامل عدة، أبرزها استقرار الوضع الأمني، وقدرة الحكومة على تنفيذ مشاريع بنى تحتية معقدة، إضافة إلى استمرار الدعم الدولي.
وفي تقييمه للمقترح، قال الدكتور في كلية الاقتصاد في جامعة حماة عبد الرحمن محمد لموقع تلفزيون سوريا، إن طرح توم باراك من الناحية الاقتصادية، يواجه مجموعة من التحديات الجوهرية التي تحد من واقعيته، وإن إعادة تأهيل هذا القطاع تتطلب بيئة سياسية وأمنية مستقرة، وهو ما لا يزال بعيد المنال في سوريا.
وأضاف أن التحديات الخارجية تمثل عقبة اقتصادية كبرى، حيث يعترف المبعوث الأميركي بوجود أطراف معادية محتملة، مثل إيران وروسيا وحتى دول الجوار كالعراق وتركيا، لكل منها مصالح متعارضة قد تعرقل المشروع، مشيراً إلى أن الاقتصاد القائم على أنابيب النفط هو اقتصاد تعاون إقليمي بامتياز، وأي توتر سياسي بين هذه الدول يمكن أن يؤدي إلى تعطيل التدفقات أو إعادة توجيهها، مما يجعل الاستثمار في مثل هذا المشروع محفوفاً بمخاطر تجارية وسياسية عالية.
ويصف عبد الرحمن محمد مقترح باراك بأنه أقرب إلى “استراتيجية طموحة أقرب منها إلى مشروع اقتصادي واقعي وقابل للتنفيذ على أرض الواقع”.
الكلفة التقديرية لإعادة تأهيل خطوط أنابيب تمر عبر سوريا
يرى الدكتور في الاقتصاد عبد الرحمن محمد، أنه بناءً على التصريحات الصادرة عن المسؤولين السوريين والمناقشات الجارية مع الجانب العراقي، فإن التركيز حالياً ينصب على إعادة تأهيل خط أنابيب كركوك – بانياس، الذي كان بطاقة تصل إلى 300 ألف برميل يومياً قبل أن يتوقف عن العمل بسبب الحرب والعقوبات في مطلع الألفية.
وأوضح أن إعادة تأهيل خط كركوك – بانياس تتراوح في نطاق مئات الملايين من الدولارات، وهو مبلغ أقل بكثير من تكلفة إنشاء خط جديد بالكامل، إلا أن الاستثمار في الأنابيب طويل الأجل يحتاج لضمانات تدفق مستمر للنفط لتحقيق الربحية، بينما النقل البحري يتمتع بالمرونة والتكلفة الأقل في الظروف الطبيعية.
أما العوائد، فيرى محمد أن المشروع يمكن أن يوفر إيرادات عبور ثابتة ويعيد دمج سوريا في شبكات الطاقة الإقليمية، لكنه ليس حلاً للتعافي الاقتصادي الشامل ما لم يصاحبه إصلاحات هيكلية شاملة.
عقبات إقليمية معقدة
من جانبه، قال الباحث السياسي درويش خليفة لموقع تلفزيون سوريا: إن الطرح الذي أعاد المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك تداوله، امتدادًا لأفكار سبق أن طرحتها السفيرة الأميركية السابقة في لبنان دوروثي شيا بشأن إعادة إحياء خط أنابيب النفط المعروف بـ”التابلاين”، الذي كان يربط شمال المملكة العربية السعودية بمدينة صيدا، إضافة إلى خطوط أخرى كانت تمر عبر الأراضي السورية قبل احتلال الجولان.
واعتبر خلفية أن إعادة طرح هذا المشروع في السياق الإقليمي الراهن تبدو محدودة الواقعية، سواء من الزاوية السياسية أو الاقتصادية، فضلًا عن القيود التقنية، فمضيق هرمز، الذي يشكّل شريانًا حيويًا للطاقة العالمية، تمر عبره يوميًا نحو 20 مليون برميل من النفط، في حين أن أقصى ما يمكن أن تنقله خطوط برية بديلة في المنطقة مثل خط كركوك – بانياس، لا يتجاوز بضع مئات آلاف البراميل يوميًا.
وأشار إلى أن هذه الفجوة الهائلة في القدرة الاستيعابية تجعل من الصعب تصور أي بديل بري قادر على تعويض الدور المركزي لهرمز، خاصة في ظل اقتصاد عالمي مترابط تقوده شركات عابرة للحدود وسلاسل إمداد معولمة.
وأوضح أن فكرة البحث عن بدائل لمضيق هرمز أو للبحر الأحمر ليست جديدة في حد ذاتها، لكنها تصطدم بواقع معقّد يجعل تنفيذها بعيدًا عن البساطة أو السرعة.
وبحسب خلفية فإنه على الرغم من الأهمية الجيوسياسية لسوريا وموقعها الاستراتيجي، إلا أن تحويل هذا الموقع إلى ممر طاقة عالمي يتطلب توافر شروط بنيوية غير متحققة حتى الآن، في مقدمتها:
استقرار سياسي شامل ومستدام
استثمارات ضخمة في البنية التحتية تُقدّر بمليارات الدولارات
تفاهمات إقليمية معقدة ومتعددة الأطراف
ضمانات أمنية طويلة الأمد لحماية خطوط النقل
التحديات وفقاً لـ خلفية لا تقتصر على قدرة دول الخليج على تمويل مثل هذه المشاريع، بل تمتد إلى غياب التفاهمات مع إسرائيل، التي يُرجّح أن تنظر بعين الريبة إلى أي مسارات طاقة منافسة، في ظل سعيها لترسيخ موقعها كمركز إقليمي للطاقة، خصوصًا عبر انخراطها في منتدى شرق المتوسط للغاز إلى جانب مصر واليونان وقبرص.
وفي ضوء ما سبق، تبدو سوريا في مرحلتها الراهنة والمستقبل المنظور غير مهيأة للانخراط في مشاريع طاقة عابرة بهذا الحجم، لا سيما في ظل احتدام المنافسة الدولية على ممرات النقل والطاقة، مع فاعلين كبار مثل الصين والهند وروسيا وتركيا، ومع ذلك، لا ينفي هذا الواقع أهمية العمل التدريجي على تطوير الموانئ السورية وتأهيل بنيتها البشرية والتقنية، بما يسمح لها بلعب دور جزئي في حركة النقل البحري، خاصة باتجاه أوروبا ودول حوض المتوسط، تبعاً لـ خلفية.
تلفزيون سوريا
—————————
مرورا بالاردن (قطارات سريعة وأنابيب عملاقة) .. خطة سورية لربط الخليج بأوروبا
25 آذار 2026
أكد مستشار وزارة الاقتصاد والصناعة السورية، أسامة القاضي، يوم الأربعاء، وجود مجموعة من المشاريع الاستراتيجية قيد الدراسة، والتي تهدف إلى تعزيز الدور الاقتصادي والجيوسياسي لسورية والمنطقة العربية.
وبحسب اعلام سوري ، قال القاضي إن “من أبرز هذه المشاريع إنشاء خط قطار سريع تتراوح سرعته بين 200 و300 كم/ساعة، يربط السعودية بسوريا مروراً بالأردن، مستفيداً من امتداد شبكة السكك الحديدية السعودية إلى مدينة الحديثة”.
كما أكد أهمية تعديل مسار خط أنابيب “التابلاين”، الذي يبلغ طوله 1664 كيلومتراً، بحيث يتم نقل النفط من منطقة القيصومة في شمال شرق السعودية إلى موانئ بانياس أو اللاذقية بدلاً من صيدا، عبر خط جديد قادر على ضخ ما يصل إلى أربعة ملايين برميل يومياً.
ووفق القاضي، تشمل المشاريع أيضاً مد خط الغاز القطري عبر سوريا إلى تركيا ثم أوروبا، مع إمكانية إنشاء فرع داخلي يصل إلى أحد الموانئ السورية على البحر المتوسط، الأمر الذي يتطلب تطوير بنية تحتية للغاز المسال في المناطق الساحلية، بما يعزز موقع سوريا كمحطة رئيسية لتصدير الغاز إلى الأسواق العالمية.
ويجري العمل على إعادة تأهيل خط أنابيب كركوك–بانياس، ورفع طاقته الاستيعابية من 300 ألف برميل يومياً إلى نحو مليون برميل يومياً باستخدام أنابيب حديثة، بحسب المسؤول السوري.
ويرى القاضي، أن تنفيذ هذه المشاريع سيساهم في تقليل الاعتماد على مضيق هرمز، وتعزيز أمن الطاقة والتجارة للدول العربية، إلى جانب دعم الاقتصاد العالمي بإمدادات مستقرة من النفط والغاز.
وأوضح أن الاستثمار في هذه المشاريع الخمسة سيؤثر بشكل كبير على الخريطة الجيوسياسية والاقتصادية للمنطقة لعقود قادمة، داعياً إلى إدراجها ضمن أولويات التنمية، خاصة في دول الخليج.
وأشار أيضاً إلى الفوائد التي قد تجنيها تركيا، سواء عبر مرور الغاز القطري أو من خلال ربط خط القطار “السعودي– السوري” بشبكات السكك الحديدية التركية، وربما إحياء خط الحجاز بعد تحديثه ليواكب السرعات الحديثة.
وفي سياق متصل، طرح القاضي فكرة “ممر الأمن الغذائي السريع” بين السعودية وسوريا، كمشروع استراتيجي يهدف إلى إنشاء خط سكة حديد سريع لنقل المنتجات الغذائية والبضائع بكفاءة عالية.
وينطلق هذا الخط من مدينة عرعر شمال السعودية باتجاه المدن السورية، بسرعة تتجاوز 200 كم/ساعة، ما يتيح نقل السلع الطازجة خلال ساعات.
ويهدف المشروع إلى معالجة هشاشة سلاسل الإمداد التي تعتمد بشكل كبير على النقل البحري عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، إضافة إلى نسبة كبيرة من تجارة السلع.
وبيّن القاضي، أن سورية، بما تمتلكه من تنوع مناخي وإنتاج زراعي، يمكن أن تتحول إلى قاعدة إمداد غذائي لدول الخليج، مما يقلل الحاجة للاستيراد من مناطق بعيدة، كما يسهم المشروع في تنشيط الاقتصاد الزراعي السوري من خلال إنشاء مناطق إنتاج مخصصة للتصدير، ومراكز فرز وتوضيب، ومستودعات تبريد، وبنية تحتية حديثة للنقل.
وتابع قائلاً إن “المشروع قد يشمل تطوير ممرات جمركية سريعة تعتمد على أنظمة رقمية لتسهيل حركة البضائع، إلى جانب إنشاء مراكز توزيع وسلاسل تبريد داخل السعودية، مع إمكانية امتداد الشبكة إلى بقية دول الخليج”.
وختتم القاضي، حديثه بالإشارة إلى إمكانية تكامل هذا المشروع مع الممر الاقتصادي “الهندي– الأوروبي”، بحيث يشكل المسار “السوري– السعودي” جزءاً من شبكة تجارة عالمية تمتد من الهند عبر الخليج إلى أوروبا، مروراً بسوريا وموانئها على البحر المتوسط، ما يعيد إحياء دورها التاريخي كمحور تجاري على طريق الحرير.
——————————–
سوريا بديل محتمل عن مضيق هرمز
موقع سوريا الجغرافي: ميزة استراتيجية لنقل بديل وآمن للطاقة.
2026/03/28
فكرة قديمة متجددة
دمشق- أعاد المبعوث الأميركي توم براك النقاش الدولي إلى الواجهة حول إمكانية تحويل سوريا إلى محور استراتيجي لنقل الطاقة، في ظل استمرار إغلاق مضيق هرمز على وقع الحرب مع إيران وما خلفه من تداعيات سلبية على الاقتصاد العالمي.
وخلال مشاركته في فعالية اقتصادية حول الطاقة عُقدت في واشنطن، أشار براك إلى أن الأراضي السورية قد تتحول إلى نقطة عبور لخطوط أنابيب تربط مناطق إنتاج الطاقة بأسواق الاستهلاك، في حال توفرت الظروف الملائمة لذلك، مؤكداً أن الفكرة ليست جديدة بالكامل، بل تعود إلى تصورات سابقة هدفت إلى جعل سوريا حلقة وصل بين الخليج العربي، بحر قزوين، البحر المتوسط، والبحر الأسود، بما يمنحها موقعاً استراتيجياً بالغ الأهمية على خريطة الطاقة الدولية.
وأوضح براك أن استثمار الموقع الجغرافي لسوريا في قطاع الطاقة يمكن أن يخفف الاعتماد على مضيق هرمز، الذي يمر منه حوالي 20 في المئة من الإمدادات النفطية العالمية، ويعكس القلق العالمي المستمر بشأن أمن إمدادات النفط والغاز في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.
وشدد على أن الحديث عن سوريا كبديل محتمل يأتي ضمن إطار دراسة الفرص الاقتصادية، وليس على أساس تطبيق فوري، مشيراً إلى أن التحولات الأخيرة في الوضع الداخلي السوري فتحت الباب أمام التفكير في مرحلة جديدة تركز على استثمار الموارد الاقتصادية والبنية التحتية المتاحة.
ورغم هذه التصريحات والتصورات، لا يزال المشروع يواجه تحديات كبيرة على أرض الواقع. فقد أدى التدهور الأمني والبنية التحتية المتضررة بفعل الحرب إلى صعوبة تنفيذ أي مشاريع كبيرة في قطاع الطاقة، فضلاً عن استمرار بعض العقوبات الدولية التي تشكل عائقاً أمام تمويل المشاريع العابرة للحدود.
كما تضيف التعقيدات الجيوسياسية، وتعدد القوى الفاعلة على الأرض السورية، مزيداً من الصعوبات أمام التوصل إلى توافقات إقليمية ودولية تمكن من تنفيذ أي خطط استراتيجية بهذا الحجم.
وتظل العلاقة مع القوى الإقليمية المجاورة – العراق، تركيا، وإيران – أحد العوامل الحاسمة التي قد تحدد مصير أي مشروع لنقل الطاقة عبر الأراضي السورية.
ومن منظور جيوسياسي، فإن سوريا تقع في قلب شبكة معقدة من المصالح المتضاربة، ما يجعل أي محاولة لإنشاء ممر طاقة استراتيجي بحاجة إلى توافقات دقيقة على الصعيدين الإقليمي والدولي. فإيران، على سبيل المثال، التي تمتلك تأثيراً كبيراً في سوريا، قد ترى في المشروع تهديداً لمصالحها أو كأداة ضغط إضافية على الخليج، بينما تحتاج واشنطن وشركاؤها الأوروبيون إلى ضمان عدم استخدام خطوط الطاقة الجديدة كورقة ضغط سياسية أو أداة لنزاعات إقليمية.
وتستند فكرة استخدام سوريا كممر بديل لمضيق هرمز على موقعها الاستراتيجي، إذ تطل البلاد على البحر المتوسط، ما يجعلها نقطة وصول مثالية لربط موارد الطاقة في الشرق الأوسط بالأسواق الأوروبية دون المرور بالممرات البحرية الحساسة.
ويُعد هذا الامتداد الساحلي ميزة كبيرة من الناحية النظرية، لكنه يواجه عقبات كبيرة على الأرض، بما في ذلك الحاجة إلى إعادة بناء الموانئ، شبكات النقل، وأنظمة التخزين والمعالجة. كما يشكل الدمار الواسع للبنية التحتية، الناتج عن سنوات الحرب، أحد أبرز التحديات التي تتطلب استثمارات ضخمة وجهود إعادة إعمار طويلة الأمد.
وليس هذا الطرح جديداً، فقد تداولت السنوات الماضية عدة مشاريع مشابهة لمد خطوط أنابيب عبر الأراضي السورية.
و من أبرزها مشروع لنقل الغاز من إيران مروراً بالعراق وصولاً إلى الساحل السوري، إلى جانب مقترحات أخرى لنقل نفط الخليج عبر السعودية أو الإمارات العربية المتحدة ثم عبر الأردن إلى المتوسط. إلا أن هذه المشاريع بقيت حبراً على ورق بفعل تعقيدات سياسية وأمنية ومالية حالت دون تنفيذها، مما يجعل أي مشروع جديد يحتاج إلى رؤية واضحة، خطة تنفيذية دقيقة، ودعم دولي وإقليمي واسع.
ومن الجانب الاجتماعي، فإن أي مشروع استراتيجي يتطلب استقراراً داخلياً، وهو ما يواجه تحديات كبيرة بسبب التنوع المجتمعي في سوريا وتعدد الفصائل المسلحة، فضلاً عن آثار النزوح الداخلي والدمار الذي أصاب المدن والبنية التحتية الحيوية.
ووفق تصريحات براك، فإن دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة يمثل خطوة مهمة لتعزيز الاستقرار الداخلي، وهو شرط مسبق لنجاح أي مشروع استراتيجي في مجال الطاقة.
وتشير تصريحات براك إلى أن الولايات المتحدة تراهن على استغلال الفرص الاقتصادية في سوريا بطريقة مدروسة، ضمن إطار ضمان استقرار البلاد ودمج الفصائل المسلحة في مؤسسات الدولة، وإعادة بناء البنية التحتية، بالإضافة إلى التوافق مع المجتمع الدولي لتذليل العقبات السياسية والمالية.
ويرى مراقبون أن نجاح أي مشروع مستقبلي لنقل الطاقة عبر سوريا يعتمد على قدرة القيادة السورية على خلق بيئة مستقرة وجاذبة للاستثمارات، إلى جانب ضمان توافق إقليمي ودولي يمنع أي استغلال سياسي أو عسكري للممر الجديد.
وتؤكد تصريحات توم براك أن سوريا قد تصبح خياراً استراتيجياً في خريطة الطاقة العالمية، لكنها تواجه عقبات جسيمة تتعلق بالواقع الأمني والسياسي والاقتصادي، وهو ما يجعل الحديث عنها حالياً أكثر في إطار الدراسة والتحليل منه كخيار قابل للتطبيق الفوري.
وتبقى الأولوية لضمان الاستقرار الداخلي، دمج الفصائل المسلحة، إصلاح البنية التحتية، والتهيئة الاقتصادية والسياسية، قبل التفكير في تحويل الأراضي السورية إلى ممر فعلي لنقل النفط والغاز بعيداً عن مضيق هرمز، ما يضمن فعالية المشروع واستدامته على المدى الطويل.
ويعكس الطرح الأميركي قلق واشنطن والمجتمع الدولي من استمرار التوترات الإقليمية وتأثيرها على أسواق الطاقة العالمية، ويكشف عن حرص الولايات المتحدة على البحث عن حلول استراتيجية مبتكرة لضمان أمن الإمدادات، مع الأخذ في الاعتبار العوامل الأمنية والسياسية والاقتصادية التي قد تحدد مستقبل أي مشروع في سوريا.
ويعطي هذا الطرح مؤشراً واضحاً على الدور الذي يمكن أن تلعبه سوريا مستقبلاً في خريطة الطاقة العالمية، شرط أن تتحقق الاستقرار الداخلي والتوافق الدولي والإقليمي الضروري لإنجاح أي مشروع استراتيجي بهذا الحجم.
——————————–
رغم حجم الدمار.. الحكومة تستعد لبدء مسار تنمية منطقة الجزيرة كضرورة وطنية/ علي إسماعيل
مارس 26, 2026
في 4 أيلول عام 2002 صدر عن مؤتمر القمة العالمي للتنمية المستدامة الذي انعقد في جوهانسبرغ في جنوب إفريقيا ما يعرف بـ”إعلان جوهانسبرغ بشأن التنمية المستدامة”.
وشدد هذا الإعلان على العديد من القضايا، أبرزها القضاء على الفقر، وتغيير أنماط الإنتاج والاستهلاك غير المستدامة، وحماية قاعدة الموارد الطبيعية وإدارتها، وردم الهوة بين الأغنياء والفقراء، وتراجع التنوع البيولوجي والتصحر، وسد الفجوة المتزايدة بين العالمين المتقدم والنامي، ومعالجة تلوث المياه والهواء والبحار، وتكامل الأسواق السريعة، وحركة رؤوس الأموال، والزيادات المهمة في تدفقات الاستثمار حول العالم.
تلك القضايا أو العناوين السابقة التي هي محور التنمية المستدامة كانت غائبة تماما في سوريا خلال العقد الماضي، ولا سيما في المنطقة الشرقية التي عانت ما عانته من تدهور البنى التحتية وضعف الخدمات الأساسية، نتيجة الاستهداف والإهمال المتواصل من قبل النظام المخلوع، ثم تنظيم داعش، ولاحقا تنظيم “قسد”، الذي ترك السكان يواجهون هذه المشكلات بمفردهم عقب المعارك التي شهدتها المنطقة.
ومن هذا المنطلق كشف الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال لقائه وفدا من أبناء المكون الكردي في قصر الشعب بدمشق، عن دراسة أصبحت جاهزة تتضمن تخصيص صندوق لإعادة تأهيل البنى التحتية بقيمة تقارب مليار دولار، ينفذ على مراحل، ويخصص لمحافظات دير الزور والحسكة والرقة، ويهدف إلى إعادة توجيه جزء من عوائد المنطقة وإيراداتها لصالح البنية التحتية، على أمل أن ينعكس ذلك على مستوى الخدمات.
كما أشار إلى جهود توجيه الاستثمارات نحو المناطق الشرقية، ولا سيما في مجالات الزراعة والري والصناعات التحويلية المرتبطة بالمواد الأولية المتوفرة فيها، وأكد أن المنطقة الشرقية تعرضت لدمار كبير، وأن عملية البناء ستستغرق وقتا، إلا أن خطة واضحة وضعت لجعلها من المناطق النموذجية في سوريا.
ما هي أهمية التنمية الشاملة المستدامة على المستوى الوطني انطلاقا من واقع الحال في المنطقة الشرقية وحاجتها الضرورية للتنمية الشاملة باعتبارها منطقة استراتيجية واسعة في سوريا.
ما هي التنمية الشاملة وأهميتها على المستوى الوطني؟
التنمية، كتعريف، هي عملية تحويل من حالة إلى حالة أفضل، كما تعني الفعل التطويري بأشكاله المختلفة الذي يؤدي إلى رفع مستوى المجتمع، باعتبار أن التنمية عملية متعددة الأبعاد تتضمن إجراء تغييرات عملية جذرية شاملة ومتكاملة تشمل كل جوانب الحياة، وذلك بهدف التحسين المستمر لرفاهية السكان على أساس مشاركتهم النشطة والحرة والهادفة في التنمية.
أما التنمية كمفهوم لمصطلح معين ومحدد، فهي تختلف بحسب الفكر والأنظمة والثقافة وحتى اللغة، فالتنمية في الفكر الأوروبي هي العلم حين يصبح ثقافة، وهذا العلم لا يمكن أن يتم خارج شروطه الموضوعية، وأهمها البحث العلمي، الذي يجعل من التنمية قاعدة في سياسات الدولة وليس استثناء.
مصطلح التنمية يعود إلى الاقتصادي البريطاني البارز آدم سميث في القرن الثامن عشر، ويعد من أهم المفاهيم التي طبعت الحياة السياسية والاقتصادية في العالم، وخلال القرن الماضي ارتبط بعملية تأسيس نظم اقتصادية واجتماعية وسياسية جديدة، ومترابطة مع العديد من المفاهيم الأخرى، في مقدمتها مفاهيم التخطيط والإنتاج والتقدم.
وفي المفهوم العلمي الحديث يشير مصطلح التنمية المستدامة إلى التنمية الاقتصادية والبيئية والاجتماعية، وهذه التنمية ليست حالة ثابتة من الانسجام، وإنما هي عملية تغيير واستغلال الموارد، وتوجيه الاستثمارات، واتجاه التطور التكنولوجي، والتغييرات المؤسسية التي تتماشى مع الاحتياجات المستقبلية.
ويرى الدكتور نصر محمد عارف، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، أن أخطر قضيتين في مسألة التنمية هما الشمول والعدالة، فالشمول ينصرف إلى قدرة السياسات التنموية على استيعاب جميع القطاعات الاقتصادية، بحيث لا تكون تنمية مشوهة أو مبتورة الأطراف أو مشلولة، فذلك يحدث عندما تركز التنمية على بعض القطاعات الاقتصادية وتتجاهل قطاعات أخرى، كأن تكون تنمية صناعية غير مصحوبة بتنمية زراعية.
ويضيف بأن التنمية الشاملة هي تلك التي تخلق بنية اقتصادية يكمل بعضها بعضا، فتكون الصناعة فيها مبنية على إنتاج زراعي أو تعديني قوي، ومعتمدة على بنية تجارية داخلية وخارجية قوية، تساندها بنية أساسية من طرق ووسائل تواصل ومواصلات تتناسب مع المستوى الصناعي الذي تصل إليه الدولة، موضحا أن مسألة العدالة، كجناح ثان لعملية التنمية، تركز على العدالة بين طبقات المجتمع.
وفي العقد الأخير من القرن الماضي اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة إعلان الحق في التنمية كقفزة نوعية في اتجاه تعزيز وتشجيع احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع، حيث إن تحويل التنمية إلى حق يعني تحويلها إلى سياسة تلجأ إليها الدول النامية لكي تتخلص من التبعية الاقتصادية، وتتحول إلى الإنتاج الصناعي.
وإحدى أهم مؤشراتها ارتفاع مستوى الاستهلاك الفردي، وتوزيع اليد العاملة على كافة القطاعات الاقتصادية، ونمو القطاع الصناعي، وتحسين قطاع الخدمات والمواصلات، وتراكم رأس المال، وازدياد حجم المشاريع الاقتصادية.
وفي هذا السياق يقول الباحث والمحلل في الاقتصاد السياسي الدكتور يحيى السيد عمر في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”: “التنمية الشاملة هنا لا تعني فقط إصلاح الطرق أو إعادة تشغيل شبكات الكهرباء والمياه، بل تتجاوز ذلك نحو بناء منظومة متكاملة تشمل الاقتصاد والخدمات وفرص العمل، وهذا النوع من التنمية يهدف إلى تحسين جودة الحياة، وتقليل الفوارق بين المناطق، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي. وعلى المستوى الوطني، تمثل التنمية الشاملة أداة لإعادة توزيع الموارد بشكل أكثر توازنا، وتخفيف الضغط عن المدن الرئيسية، وخلق بيئة اقتصادية أكثر تنوعا واستدامة”.
ويضيف بالقول: “إن نجاح هذا المسار يرتبط بقدرة الجهات المعنية على تنفيذ الخطط بشكل متدرج ومنظم، مع مراعاة الأولويات، وضمان وصول المشروعات إلى الفئات الأكثر تضررا، وأيضا إعادة بناء الثقة بين السكان والمؤسسات التي تلعب دورا أساسيا في هذا السياق، خاصة بعد سنوات من التحديات التي أثرت في مختلف جوانب الحياة”.
واقع الحال في المنطقة الشرقية
مع انطلاق الثورة السورية التي شملت معظم أجزاء المنطقة الشرقية في محافظاتها الثلاث، وما قابله النظام المخلوع حينها من عنف ممنهج، وما تلا ذلك من انتقال للسيطرة إلى داعش ومن ثم “قسد”، تسببت المعارك بين هذه الأطراف بدمار واسع ونزوح السكان بأرقام كبيرة، إضافة إلى انعدام الخدمات وأضرار بالغة في البنية التحتية في كل القطاعات.
القطاع الصحي كان أهم القطاعات المتضررة، خاصة مع انتشار التلوث وتعاظم المشكلات البيئية نتيجة استخراج النفط بطرق بدائية لا تراعي معايير الصحة والسلامة، إضافة إلى إهمال إجراءات الحفاظ على البيئة الصحية، الأمر الذي أدى، بحسب تقرير حمل عنوان “الصحة في شمال شرقي سوريا… أرقام مرعبة وتلوث قاتل”، نشرته مجلة المجلة في شباط 2024، إلى ارتفاع ملحوظ في معدلات الإصابة بأمراض مزمنة وخطيرة، مثل أمراض الرئة والكلى والكبد، والأمراض الصدرية والضغط، إضافة إلى حالات الفشل الكلوي، وأمراض الدم، والربو، واللشمانيا، والسكري، وصولا إلى الكوليرا، إلى جانب مشكلات العقم وأمراض القلب. وكل ذلك التلوث والقطاع الصحي يعاني من ضعف التجهيزات التي لا تتناسب مع احتياجات المرضى، وفي حال توفرها فإنها لا تتناسب مع أجورهم.
وأشارت العديد من التقارير الإعلامية والبحثية، وأبرزها التقارير الصادرة عن الوحدة المجتمعية في مركز الحوار السوري، إلى أن سكان المنطقة يواجهون مشكلة في تأمين المياه، إما بسبب تردي البنى التحتية لمحطات المياه أو توقفها عن العمل بسبب المعارك، وخاصة محطة مياه علوك الواقعة في تل أبيض والتي تغذي مدينة الحسكة والعديد من المدن والقرى، ويتجاوز عدد المحرومين من المياه في المحافظات الشرقية نحو 400 ألف شخص.
وكذلك الأمر بالنسبة للزراعة، فإن سوء إدارة ملف الزراعة والري، وانخفاض حصة سوريا من نهر الفرات بسبب السدود في تركيا، وانخفاض معدلات الأمطار، إضافة إلى مشكلات البنية التحتية لقطاع المياه، كلها عوامل سلبية أدت إلى تراجع القطاع الزراعي والغذائي في هذه المناطق.
وتقول الأرقام إن زراعة القمح تراجعت بنسبة تقارب 30%، وهو المحصول الأكبر في المنطقة والذي يعتمد عليه سكان سوريا كلها، بسبب ارتفاع أسعار المحروقات التي تستخدم لاستخراج المياه الجوفية وسقاية الأراضي، وانخفاض سعر شراء المحاصيل، وارتفاع تكاليف الزراعة، الأمر الذي دفع المزارعين إلى عدم زراعة أراضيهم بالقمح.
ومن القطاعات الزراعية والاستراتيجية قطاع تربية المواشي واستنزاف الثروة الحيوانية، إضافة إلى الاحتكار وتخزين المواد الغذائية دون أفق أو تخطيط من قبل القوى التي تعاقبت بالسيطرة على المنطقة الشرقية.
أما القطاع التعليمي فقد عانى من أمرين: الأول تمثل بمحاولة “قسد” فرض تدريس منهاج طورته بنفسها باللغتين العربية أو الكردية على المدارس في مناطق سيطرتها. وقد كانت هذه المناهج مختلفة عن مناهج النظام المخلوع أو التي تدرس في مناطق المعارضة السورية، ولاقت ردة فعل شعبية غاضبة في كثير من المدن.
وفي هذا السياق يقول الدكتور السيد عمر: “الواقع الحالي يعكس صورة صعبة نتيجة سياسات النظام المخلوع والتهميش. في القطاع الصحي تعاني المنطقة من نقص حاد في الكوادر الطبية وضعف في التجهيزات وتراجع في قدرة المشافي على تقديم الخدمات الأساسية، كما أن كثيرا من المراكز الصحية خرجت عن الخدمة، فيما يضطر السكان إلى التنقل لمسافات طويلة للحصول على الرعاية”.
ويضيف بالقول: “وفي القطاع التعليمي تظهر تحديات مشابهة من المدارس المتضررة ونقص المعلمين إلى ارتفاع نسب التسرب، كلها عوامل أثرت في جودة التعليم وخلقت فجوة واضحة في فرص التعلم بين هذه المنطقة وبقية المناطق، وهذا الواقع ينعكس بشكل مباشر على مستقبل الأجيال القادمة ويحد من قدرتها على الاندماج في سوق العمل لاحقا. كما أن البنى التحتية والخدمات الأساسية تعكس حجم التحديات، من شبكات الكهرباء والمياه والطرق والصرف الصحي، ما ينعكس على الصحة العامة والبيئة”.
الأهمية الاستراتيجية وتمويل التنمية
المنطقة الشرقية، أو ما يسمى بمنطقة الجزيرة، وسبب التسمية أنها تقع بين نهري دجلة والفرات، وتقع في شمال شرق سوريا على امتداد ثلاث محافظات هي الحسكة والرقة ودير الزور.
تعد المنطقة الشرقية أكبر تجمع للموارد في سوريا، وبقيت خزانا للمواد الخام أكثر من كونها محركا للتنمية. وتحيط بها حدود طويلة مع تركيا شمالا، والعراق شرقا وجنوبا، إذ يشكل نهر الفرات قاعدتها الجنوبية، فيما تتقدم منطقة المالكية لتشكل قمتها عند نهر دجلة.
تبلغ مساحة الجزيرة السورية نحو 76 ألف كيلومتر مربع، أي ما يقارب 41% من إجمالي مساحة سوريا، مما يجعلها واحدة من أوسع الأقاليم الجغرافية في البلاد، وتعتبر الخزان المائي والاقتصادي الأهم لسوريا، إذ تحتضن أنهارا رئيسة مثل الخابور والبليخ والجغجغ إلى جانب الفرات ودجلة، فضلا عن احتوائها على أبرز السهول الزراعية المنتجة للقمح والقطن.
على المستوى الجيوسياسي تقع الجزيرة عند تقاطع حدود تركيا والعراق، مما يمنحها دورا تاريخيا باعتبارها ممرا استراتيجيا يربط المشرق بالأناضول وبلاد ما بين النهرين، بما يشكل عقدة نقل وطاقة تمر عبرها خطوط أنابيب وطرق وسكك حديدية تربط سوريا بالعراق وتركيا.
المنطقة الشرقية تضم كامل إنتاج سوريا من النفط عبر حقول رئيسية مثل رميلان والسويدية في الحسكة، والعمر والتنك في دير الزور، إضافة إلى احتياطات غازية كبيرة تمثل نحو 58% من احتياطي البلاد.
ويعمل معظم سكان المنطقة في الزراعة والرعي، مع حضور محدود لقطاع النفط والصناعات الغذائية والحرفية التي اشتهرت بإنتاج المواد الغذائية والصوف والجلود. كما لعبت المدن الحدودية مثل القامشلي دورا مهما في التجارة وتبادل السلع. أما على مستوى المشاريع الكبرى فتبرز مشاريع استخراج النفط والغاز وسد الفرات الذي شكل ركيزة للطاقة والري، إضافة إلى مشاريع زراعية تاريخية وشبكات نقل وسكك حديد ربطت الجزيرة بحلب والعراق وتركيا.
وفي هذا السياق يقول الدكتور السيد عمر لصحيفة “الثورة السورية”: “إن توجه الحكومة السورية نحو إطلاق مسار تنموي جديد في المنطقة الشرقية يعكس إدراكا متزايدا بأهمية هذه المنطقة في إعادة التوازن الاقتصادي والخدمي، ويشير إلى بداية توجه عملي لإعادة الإعمار، مع التركيز على محافظات دير الزور والحسكة والرقة التي تحملت أعباء سنوات طويلة من التدهور”.
ويضيف بالقول: “تمتلك المنطقة الشرقية مقومات تجعلها قادرة على لعب دور محوري في هذا المسار التنموي، وتمنحها وزنا استراتيجيا وتجعل الاستثمار فيها خطوة لها انعكاسات تتجاوز حدودها الجغرافية. كما يكتسب تمويل التنمية من موارد المنطقة أهمية خاصة، من خلال توجيه جزء من العوائد المحلية نحو مشروعات البنية التحتية والخدمات، وهو ما يسهم في تسريع عملية التعافي، ويعزز شعور السكان بجدوى هذه المشروعات، حيث إن هذا النهج يربط بين الموارد والاحتياجات بشكل مباشر، ويخلق نوعا من الاستدامة في التمويل، خاصة إذا ترافق مع فعالية وشفافية”.
ويختتم حديثه لصحيفة الثورة السورية بالقول: “إن المؤشرات الحالية تعكس بداية مرحلة جديدة تتطلب وقتا وجهدا لتحقيق نتائج ملموسة، إذ إن المنطقة الشرقية تقف اليوم أمام فرصة لإعادة ترتيب أولوياتها والانطلاق نحو نموذج تنموي أكثر توازنا، يستند إلى مواردها وقدراتها، ويهدف إلى تحسين الواقع المعيشي لسكانها ضمن رؤية وطنية أوسع”.
الثورة السورية
——————————–
====================
تحديث 27 أذار 2026
——————————–
أرقام صادمة من دمشق: هل يقفز الاقتصاد السوري أم تُصنع الأوهام؟/ طارق علي
تشكيك واسع في تقديرات الموازنة والنمو وسط غياب البيانات وتناقض المؤشرات مع واقع الإنتاج والاستثمار وحياة المواطنين
الخميس 26 مارس 2026
تحدث الرئيس السوري أحمد الشرع أخيراً في كلمة عامة أمام جمع من المسؤولين والمعنيين والمتخصصين عن المؤشرات الاقتصادية الخاصة بالموازنة السورية لعام 2026 ضمن استفاضة بدت لافتة منذ أول رقم طرحها فيها، مؤكداً أن موازنة هذا العام بلغت نحو 10.5 مليار دولار، وأنه من المتوقع وصول الناتج الإجمالي المحلي إلى أرقام تراوح ما بين 60 و65 مليار دولار لهذا العام، مرجحاً أن تعود مستويات الاقتصاد إلى عام 2010، وهو العام الذي سبق بداية الحرب، كذلك أشار إلى أن الإنفاق الحكومي ارتفع إلى 30 في المئة، والناتج المحلي وصل إلى 32 مليار دولار، ووفق هذا الرقم ذلك يعني أن سوريا حققت نمواً بنسبة 30 إلى 35 مئوية، مع تأكيده رصد مليارات أخرى كإنفاق حكومي لدعم البنى التحتية، خصوصاً في المناطق الشرقية.
قراءة أولية
أي اقتصادي يقرأ تلك الأرقام سيلتمس على الفور مؤشرات فائقة لبداية مرحلة تعاف تعفي سوريا من الانكماش الحاد في إنتاجها وتدلل على قفزة نوعية تنطلق من سياق مدروس راعى الاستثمار والإنتاج والتجارة والاستيراد والتصدير والعائدات، هذا في العام، لكن في الأوساط البحثية التخصصية كانت هناك آراء كثيرة تدقق في أصول المعلومات وطبيعة تقديرها.
وفي هذا السياق يرى الاقتصادي مازن هلال أن “طرح الأرقام التي تبعث على الآمال بالجملة شيء جميل، لكن على الأرض ليس هناك أي معقولية لهذه الأرقام فعلاً، في سوريا بعد سقوط النظام ولأشهر عدة استورد التجار ما قيمته أكثر من 3 مليارات دولار سيارات مستعملة، في وقت كانت فيه البلد في ضائقة اقتصادية مركبة على صعيد موازنة شبه صفرية في خضم الحرب والعقوبات، تلك الأموال التي صرفت على السيارات التي غزت السوق من دون عوائد فعلية للدولة كان يمكن من خلالها بناء مصنع سيارات، وهنا يبدأ الحديث عما بعد الفوضى، متى تمكنت سوريا من تحقيق هذه القفزة الهائلة في الموازنة؟ وفي أشهر قليلة جداً، أرى أن تلك الأرقام، كلها، مجرد توقعات متفائلة لا شبه أساس لها من الصحة على الأرض، هناك تغييب للبيانات والحدود الواقعية، وما حصل هو مجرد رمي أرقام مليارية في فضاء التداول، لكن على الأرض، الأسد سقط أواخر عام 2024 وكانت الموازنة لذلك العام تقريباً 3 مليارات دولار بعجز يقارب 50 في المئة عن العام الذي سبقه، بصراحة الأرقام التي قرأتها فلكية”.
سوريا تتفوق… نظرياً
لفهم طبيعة الأرقام التي طرحها الرئيس الشرع أكثر يجب النظر إلى معدلات النمو الفعلية في دول العالم، وبالتأكيد ليست تلك الغارقة في العجز بسبب الحروب، بل إلى أفضل الاقتصادات، كمثل أميركا التي يتوقع صندوق النقد الدولي أن يكون معدل نموها عند حدود اثنين في المئة أو أكثر قليلاً، فرنسا 0.9 في المئة، أستراليا 0.6 في المئة، كندا بمتوسط 1.5 في المئة، ألمانيا واحد في المئة، بينما يعتبر العملاق الصيني من بين الأكثر نمواً تصاعدياً على مستوى العالم بمستويات بين أربعة إلى خمسة في المئة، وفي المرتبة الأولى حسب تقديرات دولية ستكون الهند بنصيب ستة في المئة لعام 2026، فيما بلغ نمو سوريا أكثر من 30 في المئة، حسب التصريحات، وقد يكون ذلك معللاً إذا ما قيس مع أعوام سبقت، لكن أيضاً تغيب عمداً أو غفلة البيانات التي تشرح كيف تضاعف، بناءً على ماذا، صادرات وواردات وإنتاج وخطط اقتصادية تنموية واستثمارات هائلة ونفط مكتشف وإعادة إعمار، أم تكديس أرقام بلا طائل على الأرض؟
يقول الأكاديمي في إدارة الأعمال حسن فتية، “لا يوجد في التاريخ دولة تنمو هكذا وإن كانت عملاقاً اقتصادياً، فكيف بدولة تخرج من الحرب، نحن الآن نقول أرقاماً فضائية فحسب، مدللات النمو تقاس بالبيانات، لم يكن على السلطة أن تكبد نفسها عناء هذا التحمل، وليست مطالبة به الآن، الكل يعلم أنها لا تملك فانوساً سحرياً، فالقول إن الموازنة تضاعفت ربما منطقي”، مستدركاً “لكن أن النمو وصل إلى هذا الحد، حينها سيكون أول سؤال لماذا خلال العام الماضي وحتى الآن قاربت نسبة السوريين تحت خط الفقر 100 في المئة؟ أنا مسؤول عن كلامي، لم يدخل استثمار كبير واحد إلى سوريا، وعلى هذا نقيس ونسأل بل ونطالب بشرح واف لطريقة حساب الموازنة وكيف ستغير من خريطة الواقع الاقتصادي الذي يفترض أنها غيرته سلفاً ما دامت أحدثت طفرة تاريخية على صعيد النمو، أين الانعكاس في بنية الاقتصاد ببساطة؟”.
الاقتصاد الفعلي
خلال عقد ونصف العقد من الحرب السابقة تهدمت أنصاف مدن كاملة، بنى تحتية بأسرها، شبكات كهرباء وماء وطاقة، إنتاج تهاوى حتى حدود صفرية، صادرات وواردات معلقة وغير معول عليها، الأسد استبدل بضياعه الاقتصادي تجارة المخدرات، وهي التجارة التي غزت العالم فصارت سوريا البلد الأول في التصنيع والتوزيع وكانت تدر عليه أرباحاً طائلة، على نظامه عموماً، ومن ثم قطاعات سوريا التي كانت تمول من تلك الصنعة ثانياً، وعلى رغم ذلك كانت تقدر أرباحها بين 2 و10 مليارات دولار سنوياً بحسب تقارير أمنية متخصصة، ولكنها كذلك لم تنجح في انتشال الاقتصاد ومؤسساته التي أصبحت هامشية وبلا جدوى.
بعد السقوط تولت إدارة الشرع محاربة تلك الصنعة بأرباحها الخيالية، لكن من أين جاءت تلك المقدرات الاقتصادية العملاقة عاماً واحداً؟ هذا كان سؤالاً محيراً في الأوساط الاقتصادية، البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تحدثا مراراً عن كوارث اقتصادية سورية، وبطبيعة الحال علاج تلك الكوارث لا يمكن إتمامه بذلك التسارع من دون بذل جهد عناية واضح في إعادة الترميم من الصفر، من مشاريع التعافي المبكر وصعوداً.
تصريحات وردية
يتساءل الباحث والمحلل الاقتصادي محمد الفتيح المتخصص في شؤون الشرق الأوسط عن إمكان وصول الموازنة السورية لعام 2026 إلى 10.5 مليار دولار فعلاً، معتبراً أن التصريح غير واقعي على رغم حب الجماهير للتصاريح الوردية، ويعلل ذلك بقوله، “لا يوضح التصريح ما إذا كان المقصود هو زيادة الإنفاق المقرر في 2026 إلى 10.5 مليار دولار، أم ما إذا كانت الإيرادات نفسها ستزداد إلى 10.5 مليار دولار”، قائلاً “الأمران مختلفان، فعادة ما يكون المقصود بالموازنة هو الإنفاق المقرر، وذلك بغض النظر عما إذا كان ذلك الإنفاق يفوق الإيرادات، ومن ثم يخلق عجزاً، أم يقل عن الإيرادات، ومن ثم يحقق فائضاً”.
وأوضح فتية أن سبب الغموض في حال سوريا هو تأكيدات وزير المالية محمد يسر برنية، أن الموازنة العامة في سوريا حققت فائضاً في 2025، وكذلك تكرار المسؤولين التأكيد أنه لن يكون هناك اقتراض خارجي، ولن يكون هناك اقتراض من المصرف المركزي لتمويل عجز الموازنة، ويتابع “من أين ستتوفر إيرادات بقيمة 10.5 مليار دولار تقريباً؟ آخر موازنة أقرت رسمياً كانت موازنة عام 2025 وأقرت في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 وتوقعت أن تبلغ النفقات 52.6 تريليون ليرة، أي كانت النفقات المتوقعة 3.896 مليار دولار مقابل إيرادات متوقعة 3.081 مليار دولار، وأهم مصادر الإيرادات آنذاك، هي ضرائب ورسوم باهظة مختلفة، ورسوم جمركية عالية، وبدل الخدمة العسكرية، ورسوم الحصول على جوازات السفر السورية وغيرها، وصفت إيرادات جوازات السفر بأنها ’نفط الحكومة السورية الجديد‘ بعدما جنت منها 512 مليون دولار خلال ستة أشهر فحسب، واستدرك “لكن كيف يمكن في 2026 أن تتضاعف الإيرادات من 3.081 مليار إلى 10.5 مليار دولار (زيادة 240 في المئة) علماً أن غالب مصادر الدخل السابقة قد تقلصت بعد تقليص كل الموارد السابقة”.
بين النظرية والواقع
يقاس الناتج المحلي لأي دولة بحجم النشاط الاقتصادي الفعلي فيها والمتمم على الأرض لا الموجود على الورق وضمن هياكل الوعود، لذا يكون ذلك هو المرآة الأوضح التي يستشف منها الحاضر والمستقبل، ويجمع الاقتصاديون أن سوريا لم تشهد خلال الأشهر الماضية أي توسع يرقى إلى قفزة على صعيد الاستثمارات والإنتاج وحجم التجارة التبادلي، فالصناعة مهترئة، والزراعة متضررة، والصادرات متآكلة، والتجارة متهاوية، وتلك الأنشطة هي التي كانت تمثل عماد قوام الدولة المالي وركيزتها.
فيقول الاقتصادي خالد شلا إن “أحاديث النمو ممكنة لكن ضمن حدودها المعقولة وليس عبر الإشارة إليها كأنها أرقام عابرة قابلة للتصديق، وفي هذا المعرض لا يشترط أن يكون رئيس الجمهورية باحثاً اقتصادياً أو متخصصاً في ذلك، لكن يجب أن يكون محاطاً بفريق اقتصادي ضليع حتى لا يورطه في لغة أرقام كان بغنى عنها، وفي ذلك أيضاً مسؤولية على الوزارات المتخصصة، كان يجب أن يكون الحديث متضمناً موازنة 2025، أين الجاري والاستثماري منها ومن أين مول العجز فيها، ما موارد الخزانة العامة، الضرائب، الاستثمار، العوائد… إلخ؟ نسبة النمو المعلن عنها في سوريا تحلم دول الـ20 بربعها، هناك من قاد الرئيس إلى هذا الفخ الذي كان يجب عليه الابتعاد عنه كما فعل ترمب وأردوغان سابقاً بعدما غرقا في تحليلات الاقتصاد الداخلي قبل أن يبتعدا ليتركا الأمر لأصحابه”.
غياب التفسير
يرى بعض المتابعين أن تضاعف الموازنة قد يكون محمولاً على أسباب منها عودة إدلب إلى عموم سوريا تحت قيادة السلطات الجديدة، وكذلك مناطق شمال وشمال شرقي سوريا بما تمثله من كونها سلة سوريا الاقتصادية في موارد النفط والقمح، وبجمع الموازنات المتفرقة على عهد النظام السابق (حكومة دمشق: أكثر من 3 مليارات دولار، قسد: مليار ونصف المليار، إدلب: موازنة مجهولة) ذلك خلال عام 2024، وبأفضل الأحوال مئات ملايين الدولارات حصة إدلب، وبإضافة تلك الموازنات المتفرقة لموازنة 2026، التي يفترض أنها 10.5 مليار دولار، ذلك يعني وجود زيادة سريعة قاربت نحو 5 مليارات دولار.
في مطلع 2025 بعد سقوط النظام السابق بشهر ألغى وزير المالية في السلطة الموقتة موازنة الأسد السابقة وفق العجز الذي بلغت نسبته فيها 923 مليون دولار، مقابل تبني موازنة اثني عشرية جديدة، وفي مطلع عام 2026 قال وزير المالية إن الأشهر العشرة الأولى من عام 2025 حققت فائضاً بقيمة نصف مليار دولار، من دون أن يكشف عن حجم الإنفاق والإيرادات، وفي مارس (آذار) الجاري قال الوزير نفسه إن عام 2025 شهد فائضاً يبلغ 46 مليون دولار، ليكون السؤال ماذا عن تصريح فائض نصف المليار لنفس العام السابق؟ كيف تراجع 450 مليون دولار فجأة؟
تضارب اختصاصات
بدوره قال الباحث والمدير التنفيذي للمركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية في واشنطن رضوان زيادة حول هذا الموضوع “ما قاله الرئيس الشرع صادم إلى حد كبير، فكيف يكون لرئيس في نظام رئاسي وجمهوري أن يقر موازنة الدولة كما ذكر، هذا حصراً من اختصاص البرلمان، ربما لا يميز الرئيس بين الموازنة والميزانية، مجدداً لا يكترث الرئيس للإعلان الدستوري الذي وقعه بنفسه عندما جعل من صلاحيات مجلس الشعب إقرار موازنة الدولة، التي تقر بعدما يكون هناك نقاش وطني حول مشروع الموازنة الذي تقدمه الحكومة”، ويتابع “نحن لم نعرف ما بنود الموازنة وما أولويات الحكومة فيها، فالموازنة ليست أبداً مجرد أرقام، إنها أولويات الحكومة والسياسات التي يدافع عنها رئيسها ولا يحق فحسب بل يجب على كل الشعب المشاركة في كتابة بنودها وبخاصة أعضاء مجلس الشعب فهي المؤسسة التي تقرها في النهاية، أما الأرقام الاقتصادية التي ذكرها الشرع فلا تعدو أن تكون مجرد وعود غير قابلة للتحقيق أبداً فكيف يمكن أن يزيد الناتج المحلي الإجمالي لسوريا على 50 مليار دولار إذا لم يكن النمو الذي حققته سوريا العام الماضي متجاوزاً نصف في المئة وفقاً لتقديرات البنك الدولي؟ أما الإنفاق الحكومي الذي تحدث عنه فنحن لم نر موازنة العام الماضي كي نعرف الواردات والنفقات ومن ثم يمكننا تقدير حجم الإنفاق الحكومي العام”.
الحدود الحقيقية
يقوم الاقتصاد عادة على اتحاد عدة شروط مجتمعة، على رأسها، عائدات الموارد الطبيعية، والصادرات والواردات، والضرائب والرسوم والجمارك، والاستثمارات، والعقود والصفقات الكبرى، والنشاط الاقتصادي العام والثقة بالعملة الوطنية، وفي حال سوريا أكثر ما يصلح للإنقاذ هو الانكباب الخارجي على إعادة إعمارها والاستثمار فيها، لكن آراء اقتصادية تتحدث بين حين وآخر أن سوريا ليست بالبلد المفتوح أو المغري لضخ مبالغ مليارية أجنبية داخله تضمن عائدات سريعة، بخاصة وسط عدم استقرار الظروف السياسية والأمنية والاجتماعية، وفي هذا الجانب يقول أستاذ التجارة السابق في جامعة تشرين محمد القاضي “لو افترضنا جدلاً أننا سنرى 1000 برج في سوريا العام المقبل، فسيكون الواقع المقابل له 20 ألف طابور على دور البنزين والغاز والخبز، ما الفائدة أن تصير سوريا شكلاً سنغافورة ومواطنوها يتأملون كيف يرفع الدعم تباعاً عن أبسط أساسات العيش؟ الرغبة الاستثمارية في سوريا منخفضة للغاية، ها هي العقوبات رفعت أين المستثمرون وعقود الاستثمار الموقعة؟ على السلطات السورية أن تستثمر بالإنسان في الداخل أولاً ريثما تأتي الحلول الفعلية، وأن تنظر لآلاف الخيام الغارقة في أمطار الشتاء بساكنيها، ثم تتحدث عن أرقام موازنة هائلة كتلك المعلنة من دون إيضاحات”.
سؤال الشارع
الأرقام التي تم الإعلان عنها تجاوزت مرحلتي النقاش السياسي أو تقييم الأداء الحكومي عامة، بل ذهبت أبعد نحو البحث في خلفيتها وخلفية كل ما يرتبط بصناعة القرار عبر تصدير القرارات للمتلقي كمتابع عاجز عن الفهم، وهو ما يعني هدم حجر الأساس في الثقة على مرحلتين: مواطن وحكومة، مستثمر خارجي وحكومة.
يختصر الأعم من السوريين من الشريحة العامة غير المتخصصة رأيهم بتلك الأرقام بأنها غير مفهومة، وهذا طبيعي لغير الاقتصاديين والمتخصصين، لكنهم يفهمون جيداً أن تلك الأرقام أكثر من ضخمة، ولم تكن مطروحة سابقاً، مما يقود تلقائياً إلى سؤال متوقع ويكاد يكون جماعياً “ما دواعي فصل عشرات آلاف الموظفين، وإفقار معظم الشرائح السورية، ورفع الدعم ومضاعفة أسعار الخبز والأساسات إن كانت سوريا تحقق هذه القفزة التاريخية في حقيبتها المالية؟”.
——————————–
====================
تحديث 25 أذار 2026
——————————–
أرقام ومؤشرات الاقتصاد السوري بين التصورات الرسمية وواقع الاستقرار الهش/ د. عبد المنعم حلبي
2026.03.25
انطلاقًا من حقيقة أن الاقتصاد السوري في عام 2025 لا يمكن فهمه كأرقامٍ ومؤشرات معزولة، بل كنتاج في سياق متشابك ومعقد بين الأمن والسياسة والاقتصاد في آنٍ واحد، فإن جميع تلك الأرقام والمؤشرات، سواء منها المتداولة بين المؤسسات الدولية أو التصريحات الحكومية، أو حتى ما يُستخدم منها ضمن النقاشات الاقتصادية المحلية المتداولة بين الخبراء ورجال الأعمال، جميعها تعبر عن وجهات نظر مثقلة بالسياسة والمخاوف الأمنية، بين متفائلة ومتشائمة، أو متأثرة برؤى إيجابية أو سلبية تجاه السلطة الانتقالية الحاكمة.
بينما تشير تقديرات البنك الدولي إلى نمو طفيف بحدود 1% في 2025 بعد انكماش -1.5% في 2024، وتضع حجم الاقتصاد عند حدود تقارب 20 مليار دولار، وتُظهر تضخمًا بحدود 11–12%، تميل التصريحات الصادرة عن الحكومة السورية الانتقالية ودوائرها إلى تقديم صورة أكثر تفاؤلًا، تتحدث عن “بدايات تعافٍ” ونسب نمو قياسية، وتحسن في الإيرادات العامة، واستقرار نسبي في سعر الصرف. بينما تعكس نقاشات اقتصادية داخلية قلقًا من فجوة متزايدة بين الأرقام الرسمية والواقع المعيشي، خصوصًا فيما يتعلق بالتضخم، وبالتالي مستقبل الليرة السورية الجديدة، وكذلك فيما يتعلق بالموازنة ومتطلباتها التشريعية والقانونية والإجرائية، وهيكلتها، ومدى الشفافية في إدارة المالية العامة.
فعلى مستوى المالية العامة، تبرز إشكالية “مفهوم الفائض في الموازنة” كأحد محاور النقاش الداخلي، حول مدى واقعية الحديث عنه في ظل غياب إيرادات حقيقية مستقرة، وعدم وجود فصل واضح وشفاف بين الإنفاق الجاري والاستثماري، ومناقشة ما إذا كانت الحكومة الانتقالية قد قامت بواجباتها ووعودها على صعيدي هذين الإنفاقين، أو احترامها للنسب المتعارف عليها في توزيع الإنفاق العام بينهما، بحيث يتم توجيه جزء معتبر من الإنفاق نحو الاستثمار المنتج، بدلًا من استنزاف الموارد في بنود جارية وتشغيلية قصيرة الأجل، في ظل غياب نشر تفصيلي ومنهجي لبيانات الموازنة وقطع حسابها وغيرها من شروط إجراء تقييم الأداء المالي بشكل موضوعي.
هذا النقص في الشفافية يمتد إلى مدى وجود آليات واضحة ومفتوحة تتيح تتبع مسار الأموال العامة، سواء الناتجة عن إيرادات عامة حقيقية، أو منح أو مساعدات خارجية، أو حتى الأموال التي تم التبرع بها في سلسلة الحملات غير المسبوقة في تاريخ الدول، وتضمن رقابة حقيقية تشارك فيها مؤسسات متعددة، بما في ذلك النقابات والغرف التجارية والصناعية ورجال الأعمال، حيث أثّر غياب هذه المنظومة على الثقة الداخلية، وشكل عائقًا أمام جذب الاستثمار الخارجي نفسه.
أما فيما يتعلق بالتضخم، فتبرز فجوة لافتة بين الأرقام المعلنة والتقديرات المتداولة في الأوساط الاقتصادية. ففي حين يشير المصرف المركزي إلى معدلات بحدود 10%، تتحدث تقديرات غير رسمية عن تسارع أكبر قد يصل إلى 30% بالنسبة لبعض المراقبين، خصوصًا خلال الأشهر الماضية، ولا سيما شهر رمضان. هذا التباين لا يعكس فقط اختلافًا في القياس، بل يطرح تساؤلات حول منهجية احتساب التضخم ومدى تمثيلها الفعلي لسلة استهلاك المواطن والعائلة السورية. كما يستمر تجاهل عامل “التضخم المستورد”، خاصة من تركيا، كأحد المحركات الرئيسية لارتفاع الأسعار، في ظل تقلبات أسعار الصرف والاعتماد الواسع والفوضوي على السلع المستوردة.
وفي هذا السياق، كان من الضروري – كما تشير الأدبيات الاقتصادية المعروفة – أن يتم احتساب التضخم الحقيقي عند اتخاذ قرارات تتعلق بالأجور، ولا سيما الحد الأدنى للأجور الذي تم تحديده مؤخرًا، بحيث لا يقتصر الأمر على معدلات تقديرية منخفضة، بل الأخذ بعين الاعتبار كل من التضخم الحقيقي الحاصل والمتوقع. فالفجوة بين الأجور والأسعار تُعد من أبرز مظاهر الاختلال الاقتصادي والاجتماعي، وتساهم في تعميق حالة الركود عبر إضعاف الطلب الداخلي كما هو معروف، وتزيد من الفجوة الأمنية المجتمعية المتمثلة بالزيادة الكبيرة في معدلات الجريمة.
سياسيًا، تحاول الحكومة الانتقالية تقديم نفسها كجهة قادرة على جذب الاستثمار وإدارة مرحلة إعادة الإعمار، استندت إلى احتفاليات مذكرات تفاهم والاتفاقات المبدئية مع مستثمرين، ولا سيما من دول خليجية، مع طرح أرقام تتعلق بحجم استثمارات متوقعة. غير أن المقارنة مع الواقع تُظهر أن هذه الوعود لم تتحول بعد إلى تدفقات مالية ملموسة على نطاق واسع، ويعود ذلك إلى عوامل معيقة مستمرة: ضعف الضمانات القانونية، مدى كفاءة الهيئات المسؤولة المستحدثة وكوادرها، صعوبة التحويلات المالية، وارتفاع المخاطر التشغيلية. والأهم هو استمرار الإشكاليات الداخلية المرتبطة بشكل وثيق بالواقع الأمني، حيث لم تصل البلاد إلى حالة استقرار مطمئن، بل بقيت العمليات العسكرية الواسعة شبه الدورية تغطي مساحات هنا وهناك، والتي أفضت بعضها إلى توزع جغرافي لمراكز السيطرة، واستمرار التوترات الموضعية، وغياب سلطة اقتصادية موحدة، وبالتالي إنتاج بيئة عالية المخاطر تمنع ترجمة أي تحسن جزئي إلى تعافٍ شامل. وفي مثل هذا السياق، تصبح الأرقام الحكومية، حتى لو كانت دقيقة جزئيًا، غير قادرة على عكس الصورة الكلية، لأنها تغفل أثر الانقسام والتشظي والمحاصصة والنفوذ غير الرسمي على كفاءة الاقتصاد.
تزداد الهشاشة عند إدخال العامل الإقليمي، حيث تتقاطع الساحة السورية مع توترات متصاعدة، لا سيما المرتبطة بالصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. فتأثر إنتاج أو تصدير الطاقة في دول الخليج سيؤدي إلى إعادة توجيه الاستثمارات بعيدًا عن المنطقة ككل، ويحد من فرص تدفقها إلى سوريا، إلى جانب ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة كلفة الاستيراد، وتغذية التضخم، والضغط على المالية العامة، وتقلص تحويلات العاملين واللاجئين في الخارج.
في موازاة ذلك، يبرز غياب عودة واسعة وممنهجة لرؤوس الأموال السورية في الخارج كأحد أبرز معوقات التعافي. فالحكومة تتحدث عن تشجيع الاستثمار، لكن الواقع يظهر عزوفًا مستمرًا من قبل المستثمرين السوريين، الذين يفضلون بيئات أكثر استقرارًا توفر مؤسسية وحماية قانونية وتمويلاً وبنية تحتية متطورة. ويعكس ذلك فجوة ثقة عميقة لا يمكن ردمها دون إصلاحات جوهرية تشمل وضوح القوانين وتحسين البيئة التشريعية، واستقرار السياسات، وضمانات حقيقية لحماية الملكية، والتشاركية في التخطيط الاقتصادي واتخاذ القرارات التنفيذية ذات الصلة.
كل هذه المعطيات، عند جمعها، تكشف أن الفجوة الأساسية ليست فقط بين الأرقام الدولية والرسمية، بل بين الخطاب الاقتصادي بمختلف مستوياته – الحكومي وغير الرسمي – وبين الواقع الفعلي للاقتصاد. فبينما تُطرح مؤشرات جزئية على أنها دليل تعافٍ، تُظهر الصورة الكلية اقتصادًا ينمو بنسبة لا تتجاوز 1%، يعاني من تضخم قد يكون أعلى بكثير من المعلن، وعجز مالي عن تأدية المسؤوليات الحكومية، وفقر واسع النطاق، وعملة فقدت الكثير من قيمتها الحقيقية.
وهكذا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تحسين عرض الأرقام أو إعادة تفسيرها، بل في بناء منظومة اقتصادية قائمة على الشفافية والتخطيط والمساءلة، تبدأ من موازنة حكومية قانونية، وتمر بإصلاح آليات قياس التضخم، وتحسين البيئة القانونية لاقتصاد البلاد، وتنتهي بإعادة بناء الثقة مع المستثمرين، سواء كانوا محليين أم خارجيين. وبدون ذلك ستبقى أي وعود أو أرقام – مهما بدت إيجابية – عاجزة عن تغيير الواقع، وسيبقى الاقتصاد السوري عالقًا في حالة “استقرار هش في القاع”، مع قابلية دائمة للتأثر بأي صدمة داخلية أو إقليمية، وربما الانزلاق مجددًا نحو مزيد من التدهور في حال لم تتغير الشروط الذاتية والموضوعية للنهوض الذاتي.
تلفزيون سوريا
——————————————
نقطة التحول الأخطر في ميدان الملاذات الآمنة.. كيف تقود الأزمات الجيوسياسية مسار الذهب عالمياً؟/ هبا أحمد
مارس 25, 2026
لطالما اقترنت المعادن الثمينة، وعلى نحو خاص الذهب، بشكل مباشر بالتوترات السياسية والأحداث الكبرى حول العالم، إذ يعد الذهب ملاذا آمنا يلجأ إليه المستثمرون والأفراد عموما عند تصاعد الأزمات، وهذا ما يجعل سعره مرتبطا بكل تطور عالمي.
بمعنى آخر: يعد الذهب من أكثر الأصول حساسية للأحداث العالمية، إذ يتفاعل بشكل مباشر مع المتغيرات السياسية والاقتصادية، خاصة في أوقات الحروب والأزمات وتقلبات السياسات النقدية. وتظهر التجارب الحديثة أن الأحداث العالمية، وعلى رأسها الحروب والتوترات الجيوسياسية وقرارات البنوك المركزية، تعد المحرك الرئيسي لتغير أسعار الذهب صعودا أو هبوطا. فالذهب ليس مجرد معدن ثمين، بل أصل استثماري عالمي مستقل عن أداء الحكومات والشركات. لذلك، عند حدوث اضطرابات عالمية، تتغير سلوكيات المستثمرين، فينتقل رأس المال من الأصول عالية المخاطر مثل الأسهم إلى الذهب.
في مختلف الأزمات السابقة للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، من الحرب الروسية الأوكرانية إلى العدوان الإسرائيلي على غزة ولبنان، والحرب في السودان، والتوترات حول تايوان، شهدت أسعار الذهب تقلبات حادة، لكنها اتجهت بشكل عام نحو الارتفاع.
ويعزى اللجوء إلى الذهب كملاذ للحفاظ على القيمة في ظل الأوضاع المتدهورة، وحماية الأصول من المخاطر، في محاولة لتجنب تأثيرات التضخم وانهيار القوة الشرائية. وبالعموم يفضل المستثمرون تعزيز مراكزهم في هذا المعدن الثمين في مواجهة الضغوط الاقتصادية والجيوسياسية. وبالتالي، يظل الطلب على الذهب مستمرا في التصاعد، ما يساهم في زيادة أسعاره في الأسواق العالمية.
نقطة التحول
لكن ما سبق ذكره لا ينطبق اليوم على الحرب الدائرة في الشرق الأوسط. فرغم ارتفاع سعر الذهب في بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، إلا أنه تعرض خلال الأسبوع الأخير، على نحو خاص، لضغوط حادة، إذ بدأت الأسعار تظهر تذبذبا عنيفا، ما يطرح سؤالا حول ما إذا كان المعدن الثمين يعيش نقطة تحول اليوم.
وسجلت أسعار الذهب تقلبات حادة خلال الفترة الأخيرة، بعدما لامست مستويات تاريخية غير مسبوقة تجاوزت 5500 دولار للأونصة خلال العام الماضي، قبل أن تتراجع بنحو 13% لتستقر حاليا قرب 4400 دولار، وسط تفسيرات تربط هذا الهبوط بقرارات السياسة النقدية الأميركية وتداعيات التوترات في الشرق الأوسط.
وتشير التقارير في هذا الخصوص إلى أن هذا التحول في اتجاه الأسعار جاء بالتزامن مع قرار الاحتياطي الفدرالي الأميركي الأخير بالإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، وهو القرار الذي كان محط ترقب واسع في الأسواق العالمية.
وقال رئيس الفدرالي جيروم باول: قرر مجلس الاحتياطي الفدرالي الإبقاء على سعر الفائدة دون تغيير، ونرى أن الوضع الحالي للسياسة النقدية مناسب لتعزيز التقدم نحو تحقيق أهدافنا في أقصى قدر من التوظيف واستقرار التضخم عند 2%.
وأسهم قرار تثبيت الفائدة في تعزيز قوة الدولار الأميركي، ما أدى إلى تراجع جاذبية الذهب كملاذ آمن، إذ يميل المستثمرون إلى التحول نحو الأصول المقومة بالدولار عند ارتفاع عوائده. ونتيجة لذلك، فقد المعدن الأصفر جزءا من بريقه، ليتراجع من قممه القياسية رغم استمرار التوترات الجيوسياسية.
وأمس، قلص الذهب خسائره الحادة بعد تعليق الرئيس الأميركي دونالد ترامب الهجمات العسكرية على محطات الكهرباء والبنية التحتية للطاقة في إيران لمدة 5 أيام، عقب ما وصفه بمحادثات مثمرة مع إيران لإنهاء الأعمال القتالية.
وجرى تداول الذهب الفوري على ارتفاع لفترة وجيزة قبل أن يتراجع بنحو 2% مع نفي إيران تلك المناقشات. كما ارتفعت الفضة، ومحت خسائر تجاوزت 10%. وصعدت الأسهم الأميركية، بينما تراجعت عوائد سندات الخزانة والدولار. وقلص المتداولون رهاناتهم على تشديد مجلس الاحتياطي الفدرالي للسياسة النقدية، ما أشار إلى احتمالية خفض أسعار الفائدة.
وكتب محللون لدى مجموعة “سيتي غروب” (Citigroup Inc) في مذكرة يوم الإثنين الماضي أن الذهب يتداول حاليا بوصفه أصلا عالي المخاطر، كما كان خلال معظم موجات العزوف الواسعة عن المخاطرة على مدى العقدين الماضيين.
وأضافوا: ويبدو هذا السلوك المساير للدورة الاقتصادية في الأصول عالية المخاطر شديد التطرف بشكل خاص، بالنظر إلى الحجم الكبير من الزخم وعمليات الشراء من جانب المستثمرين الأفراد التي شهدناها في الذهب خلال الأشهر الستة الماضية.
النفط والذهب والفائدة المرتفعة
في ظل الاستهداف المتبادل لمنشآت الطاقة في الحرب الدائرة راهنا وإغلاق مضيق هرمز الذي يسجل عبور نحو 20% من تجارة النفط العالمية، وما تبعه من مخاوف حول أسواق الطاقة العالمية وارتفاعها إلى مستويات غير مسبوقة، تبقى أسعار الذهب قيد التجاذبات. كما برزت علاقة عكسية بين الذهب والنفط. فمع ارتفاع أسعار النفط يتوقع السوق أن يرتفع معدل التضخم العالمي بقوة، مما سيجبر البنوك المركزية على إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة، وربما في أسوأ سيناريو تضطر البنوك المركزية الرئيسية لرفع سعر الفائدة. وفي بيئة الفائدة المرتفعة لا تنتعش أسعار الذهب، إذ إن العائد على الدولار الأميركي يصبح أقوى، والذهب يظل أقل بريقا في ظل هذه البيئة. وكان خفض الفائدة أحد الأركان التي بنى السوق عليها موجة صعود الذهب التاريخية.
ويوضح المحللون الأمر على النحو التالي: عندما ترتفع الفائدة، تصبح الأدوات الاستثمارية الأخرى، مثل السندات، أكثر جاذبية لأنها تمنح عائدا مباشرا، على عكس الذهب الذي لا يدر دخلا. وهذا التحول يدفع جزءا كبيرا من رؤوس الأموال إلى الخروج من الذهب، حتى وإن كانت التوترات قائمة. ومع قوة الدولار يزداد الضغط أكثر، لأن الذهب يسعر عالميا به، مما يجعله أكثر تكلفة لحائزي العملات الأخرى.
في السياق، سجلت البيانات تخارجا صافيا للمستثمرين من صندوق “إس بي دي آر غولد شيرز”، وهو أكبر صندوق متداول للذهب في العالم والمؤشر الأكثر دقة لشهية صغار المستثمرين. ورغم أن القيمة الإجمالية للمبالغ المسحوبة خلال هذه الفترة، التي بلغت حوالي 10.5 مليون دولار، تبدو ضئيلة مقارنة بمشتريات قياسية بلغت 36.8 مليون دولار في يوم واحد العام الماضي، إلا أن الدلالة العميقة تكمن في “التحول النفسي” وليس في الرقم ذاته، وفق “وول ستريت جورنال”.
هذا النزيف المستمر في التدفقات النقدية، كما يرى محللون، يعكس تحولا جذريا في قناعات الأفراد الذين كانوا يرون في الذهب ملاذا آمنا. فالمستثمر الذي اندفع للشراء عندما تجاوزت الأونصة مستويات 5300 دولار في كانون الثاني، بدأ يدرك أن الذهب بات “ضحية” لتوقعات التضخم بدلا من أن يكون وسيلة للتحوط ضده.
ويضيف المحللون أن جزءا كبيرا من هذا التخارج الصافي ليس ناتجا عن فقدان الثقة المطلقة في الذهب، بل هو نتيجة “حاجة ماسة للسيولة” في أسواق أخرى متعثرة. فمع تراجع أسواق الأسهم والعملات، اضطر العديد من المستثمرين الأفراد لاستخدام حصصهم في صناديق الذهب كـ”حصالة طوارئ” لتغطية خسائرهم أو لتلبية طلبات “هامش الربح” من قبل الوسطاء. هذا النوع من “البيع القسري” يثبت أن الذهب، في لحظات الأزمات المركبة، يتحول من أصل للادخار طويل الأمد إلى مصدر سريع للسيولة، مما يعجل من وتيرة هبوطه السعري في الأسواق العالمية.
صورة أكثر تعقيدا
ترى الباحثة الاقتصادية د. منال الشياح، نائب عميد كلية الاقتصاد الثانية، أنه لطالما ارتبط الذهب بالأزمات السياسية والاقتصادية، حيث ينظر إليه كملاذ آمن يحفظ القيمة في أوقات عدم اليقين. ومع كل تصعيد جيوسياسي أو اندلاع حرب، يتكرر نفس التوقع: ارتفاع أسعار الذهب. غير أن التطورات الأخيرة في الأسواق العالمية أظهرت صورة أكثر تعقيدا، حيث لم يعد الذهب يستجيب دائما بالطريقة التقليدية، بل شهد فترات من التراجع أو التذبذب رغم اشتداد الأزمات، في مقابل صعود ملحوظ لأصول أخرى مثل النفط.
هذا التحول يطرح تساؤلا جوهريا: هل فقد الذهب بريقه، أم أن قواعد اللعبة الاستثمارية تغيرت؟
وتقول الدكتورة الشياح في تصريح لـ”الثورة السورية”: الذهب ملاذ آمن ولكن بشروط. تاريخيا، كان الذهب يرتفع في الأزمات لعدة أسباب رئيسية، أبرزها فقدان الثقة في الأسواق المالية، والخوف من التضخم، والرغبة في الابتعاد عن الأصول المرتبطة بالدول والعملات. هذه العوامل جعلته الخيار الأول في أزمات كبرى مثل الأزمة المالية العالمية عام 2008 وجائحة كورونا. لكن في السياق الحالي، لم تعد هذه العوامل كافية وحدها لدفع الذهب نحو الارتفاع، إذ دخلت عناصر جديدة أعادت تشكيل سلوك الأسواق.
وتطرح الباحثة الاقتصادية التساؤل التالي: لماذا لم يرتفع الذهب كما هو متوقع؟ وتجيب: لم يرتفع الذهب كما هو متوقع، ولعل أحد أبرز الأسباب هو قوة الدولار الأميركي، الذي أصبح منافسا مباشرا للذهب كملاذ آمن. ففي أوقات الأزمات تتجه السيولة العالمية إلى الدولار نظرا لسيولته العالية ومكانته في النظام المالي، ما يضغط على أسعار الذهب.
إلى جانب ذلك، لعبت أسعار الفائدة المرتفعة دورا مهما. فمع قيام البنوك المركزية برفع الفائدة أصبحت السندات توفر عوائد مغرية، في حين أن الذهب لا يدر أي دخل، مما يقلل من جاذبيته الاستثمارية.
كما تغير سلوك المستثمرين الكبار، حيث لم يعد الاعتماد على الاحتفاظ طويل الأمد فقط، بل أصبحوا يدخلون إلى الذهب مبكرا قبل الأزمات، ثم يبيعون عند الارتفاع لتحقيق الأرباح، ويوجهون السيولة لاحقا نحو أصول أكثر ربحية.
النفط المستفيد المباشر
ولفتت الدكتورة الشياح إلى أن النفط هو المستفيد المباشر من الحروب، وذلك على عكس الذهب، حيث يتأثر النفط بالأزمات بشكل مباشر، خاصة إذا كانت مرتبطة بمناطق إنتاج الطاقة. أي اضطراب في الإمدادات يؤدي إلى ارتفاع فوري في الأسعار، ما يجذب المستثمرين الباحثين عن عوائد سريعة.
في هذا السياق، يمكن القول إن النفط يستفيد من “جوهر الأزمة”، بينما يستفيد الذهب من “الخوف الناتج عنها”. وهذا الفارق أصبح أكثر وضوحا في الحروب الحديثة.
وتوضح الشياح أن الذهب يمثل أداة لحفظ القيمة، ويتميز بالاستقرار النسبي وانخفاض التقلب، لكنه يحقق عوائد محدودة. في المقابل، يعد النفط أصلا اقتصاديا مرتبطا بالإنتاج والاستهلاك، يتسم بتقلبات أعلى، لكنه يوفر فرص أرباح أكبر في فترات الأزمات.
بمعنى آخر، الذهب مناسب للمستثمر الحذر الذي يسعى لحماية ثروته، بينما يجذب النفط المستثمر الذي يبحث عن استغلال الفرص وتحقيق مكاسب سريعة.
وأشارت الشياح إلى أن الذهب لم يفقد مكانته حاليا، لكنه لم يعد اللاعب الوحيد في ساحة الملاذات الآمنة. الأسواق اليوم أكثر تعقيدا، وأصبح المستثمرون يعتمدون على تنويع الأدوات بدلا من الاعتماد على أصل واحد. أي أن الذهب يحمي الثروة، بينما النفط يستغل الأزمات، والدولار ينافس الاثنين في أوقات عدم اليقين.
متى يعود الذهب للارتفاع؟
يعود الذهب للارتفاع القوي عندما تتغير الظروف الاقتصادية، وفقا للباحثة الاقتصادية، مثل انخفاض أسعار الفائدة، وضعف الدولار، أو حدوث أزمة مالية عالمية شاملة تهز الثقة في النظام المالي من التشكيك في البنوك والخوف على الودائع وتراجع الثقة في العملات، أو عندما تقوم الحكومات بضخ سيولة هائلة وطباعة نقد بلا غطاء. عندها يستعيد الذهب مكانته كملاذ آمن لا منافس له.
فالعلاقة بين الذهب والأزمات لا تزال قائمة، لكنها لم تعد بسيطة أو مباشرة كما في السابق. لم يعد ارتفاع الذهب نتيجة تلقائية لأي توتر سياسي، بل أصبح يعتمد على تفاعل معقد بين عوامل اقتصادية ومالية متعددة هي من تدفع الذهب للارتفاع.
وتخلص الشياح إلى القول: في عالم اليوم، لم يعد السؤال: هل هناك أزمة؟ بل أصبح: من المستفيد الحقيقي من هذه الأزمة؟ وهنا يكمن الفارق بين النظرة التقليدية للأسواق والفهم العميق للديناميكية الحديثة.
حرب الطاقة
منذ بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، توقع المستشار والخبير الاقتصادي، رئيس مجلس النهضة السوري، عامر ديب، انخفاض الذهب لمستويات كبيرة، مشيرا إلى أن روسيا باعت احتياطيا من الذهب في اليوم الأول بما قيمته 350 مليار دولار عند مستويات 5000 دولار، وذلك لتأمين السيولة.
وفي تصريح لـ”الثورة السورية”، قال ديب: الحرب الدائرة حاليا حرب طاقة وتجارة، وكون الخليج العربي، الذي هو مركز الأعمال والاقتصاد في الوطن العربي والعالم، هذا أدى إلى بيع المدخرات من الذهب لتأمين السيولة والاتجاه إلى الاستثمار بالنفط وشراء السندات ذات الصلة نتيجة ارتفاع أسعار النفط وزيادة الطلب عليه دوليا، وخاصة في الحرب، فالمعدات العسكرية تعمل على أنواع مختلفة من الوقود والطاقة النفطية.
واقترح ديب في ظل الظروف الإقليمية الراهنة أن يتجه الأشخاص إلى الاستثمار في العقارات على اعتبارها تعد اليوم ملاذات آمنة أكثر من الذهب باعتباره غير مستقر. فالعقار قادر على تأمين عائدية حسب البلدان، ويفضل البلدان المستقرة والبعيدة عن الشرق الأوسط، أو الاستثمار في المشاريع المتوسطة والصغيرة كالصناعات الغذائية وكل ما يرتبط بالأمور المعيشية، لأن الطلب على الغذاء يرتفع أوقات الحروب، كما أن الأفراد تسعى لتأمين متطلبات المعيشة.
ويشير الخبير الاقتصادي إلى أن الأيام القادمة ستحمل نتائج مختلفة، وأن الاقتصاد العالمي ستتغير ملامحه بعد الحرب الراهنة.
الثورة السورية
——————————–
فواتير الكهرباء تقضم سلة غذاء السوريين
كشفت دراسة ميدانية حول أثر أزمة الكهرباء على الواقع المعيشي في سوريا، عن تحولات رقمية مهمة في سلوك المستهلك السوري، حيث أظهرت لغة الأرقام أن تكلفة الطاقة لم تعد مجرد “فاتورة”، بل أصبحت مؤثرًا مباشرًا يقتطع من حصة الاحتياجات الأساسية الأخرى، كالغذاء والصحة.
ووثقت نتائج الدراسة، التي قامت بها منصة “استبيانات سوريا”، رغبة تقنية عالية لدى المشاركين في التحول نحو الحلول البديلة ليس بدافع الرفاهية، بل للهرب من الارتفاع الكبير لسعر الكهرباء مع وجود فجوة كبيرة بين “القدرة المادية” وبين “تكاليف التأسيس”.
ولفتت الدراسة إلى أن الواقع الإحصائي بناء على العينة الميدانية للدراسة، يطلب حلولًا تمويلية مبتكرة.
شملت الدراسة 500 عينة من المواطنين السوريين، وقد نجح 201 مستخدم فقط في استكمال الاستبيان واعتماد إجاباتهم بعد اجتيازهم بنجاح اختبارات “الاستهداف والفلترة البرمجية” ومنظومة الجودة (بما في ذلك بصمة المتصفح والتحقق من الشبكة)، لضمان الوصول للأشخاص المسؤولين فعليًا عن إدارة المصاريف المنزلية ودفع الفواتير.
العينة التي تضمنت 201 مشارك، تم استطلاع رأيها حول رفع التعرفة الكهربائية، ومعرفة الحلول التي توصلوا إليها.
وكشف المشاركون في الاستبيان أن فاتورة التعرفة الكهربائية أعلى من بقية الفواتير الشهرية كالتدفئة والاتصالات والتعليم والصحة وغيرها، موضحين أن تعرفة الفواتير قبل الزيادة كانت تتراوح بين 1000 ليرة سورية وحتى 200 ألف، أما بعد الزيادة باتت تتجاوز ثلاثة ملايين ليرة سورية.
ورأى 156 مشارك من أصل 201، أن الزيادة غير منطقية ولا تتناسب مع المستوى المعيشي للمواطن، مشيرين إلى صدمتهم عند تلقي الفاتورة الأولى بعد رفع التعرفة، ولصعوبتهم بتأمين المبلغ ولجؤوهم للدّين.
وبينت الدراسة أن المشاركين اعتمدوا تقنين استخدام الأجهزة الكهربائية، كالسخان والمدفئة وجهاز طهي الطعام وغيره، وصولًا للإضاءة.
50% قلصوا وجبات الغذاء
غلاء فواتير الكهرباء، دفعت العائلات لتقليص مصاريفها ببعض الأساسيات الأخرى كالطعام، إذ أوضح حوالي 50% من المشاركين، أنهم قلصوا وجبات الغذاء، وخفضوا كمية ونوعية الطعام، بهدف تأمين مبلغ الفواتير، كما ضربت على وضعهم الاقتصادي وزادته سوءًا، مما أثر على العلاقات الأسرية كالمشاحنات.
ولفتوا إلى ضرورة إعادة النظر من قبل الحكومة السورية بفواتير الكهرباء وبتعرفتها الجديدة، بما يتناسب مع دخل الفرد.
الشفافية في هيكل الأسعار من أهم توصيات الدراسة
توصي الدراسة بناءً على معطيات المشاركين بضرورة:
تبني التمويل الأخضر الميسر: لتسهيل امتلاك منظومات الطاقة البديلة للعائلات والمنشآت الصغيرة.
الشفافية في هيكلة الأسعار: لضمان توازن عادل بين تكلفة الخدمة والقدرة الشرائية للمواطن.
تحسين معايير الجودة: الربط بين رفع التكلفة وبين استقرار الخدمة ورفع مستوى المعيشة لتقليل الخسائر الإنتاجية.
رقمنة الرأي العام
مؤسس منصة “استبيانات سوريا”، طارق الحواري، قال لعنب بلدي، إن الدافع الرئيسي لإجراء الدراسة الميدانية هو قدرة المنصة على رقمنة الرأي العام وتحويل الشكوى العفوية إلى بيانات إحصائية صلبة.
المنصة أرادت من خلال هذه الدراسة، تقديم نموذج حي يوضح إمكانيات الوصول إلى شرائح مجتمعية دقيقة، وتطبيق معايير “الجودة والفلترة الرقمية” لفرز الإجابات الحقيقية، بما يخدم سد الفجوة المعلوماتية في القضايا الخدمية الأكثر إلحاحًا كارتفاع أسعار الكهرباء، بعيدًا عن أي انطباعات شخصية أو توجهات مسبقة.
وتسعى المنصة لتقديم مادة “موثقة تقنيًا” تكون مرجعًا لأي جهة (حكومية، دولية، أو تنموية) تسعى لفهم الاحتياج الحقيقي للسوق والشارع السوري، بحسب تعبيره.
ويرى أنه عندما تتحول معاناة المواطن إلى “رقم ومخطط بياني”، يصبح من السهل بناء خطط استراتيجية أكثر دقة تلامس الواقع الفعلي وتدعم صناعة القرار المبني على الحقائق .
وكشف أن المنصة حاولت التواصل مع الوزارات المعنية عند إجراء الدراسة، وتزويدهم بلوحات تحليلية حية وتفاعلية، إلا أن لم تحصل على أي رد.
وأضاف أن “استبيانات سوريا” تهدف لأن تكون كشريك تقني يسهم في إنجاح خطط التحول الرقمي والتنمية الاجتماعية، عبر توفير بيانات ميدانية دقيقة وبأقل التكاليف الممكنة مقارنة بالدراسات التقليدية.
الجدل الشعبي مستمر
تشهد قضية تسعير الكهرباء نقاشًا واسعًا في الأوساط الاجتماعية والاقتصادية، لما لها من تأثير مباشر على حياة المواطنين والنشاط الإنتاجي.
وأثار تقسيم التعرفة الكهربائية إلى شرائح حالة من الجدل الشعبي، إذ يرى كثير من المواطنين أن هذه الشرائح لا تتناسب مع مستويات الدخل السائدة ولا تراعي تفاقم معدلات الفقر لدى شريحة واسعة من السوريين، معتبرين أن آلية التسعير المعتمدة لا تعكس الواقع المعيشي ولا تلبّي الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية.
وأصدرت وزارة الطاقة السورية، في 30 من تشرين الأول 2025، تفاصيل قرار رفع أسعار الكهرباء وفقًا لأربع شرائح، قالت إنها “تراعي الفئات الاجتماعية ومستويات الاستهلاك المختلفة”، وذلك كجزء من خطة حكومية تهدف إلى إصلاح قطاع الكهرباء وتحسين الخدمة، في وقت يعاني فيه هذا القطاع من خسائر تقدّر بمليار دولار سنويًا، وسط تحديات في التمويل والبنية التحتية في معظم المناطق، بحسب ما ذكرته الوزارة.
توزع الشرائح والأسعار بحسب ما نشرته الوزارة عبر “فيسبوك“:
الشريحة الأولى بسعر 600 ليرة سورية للكيلوواط الواحد، حتى كمية استهلاك 300 كيلوواط خلال دورة شهرين بنسبة دعم حكومي 60% من سعر التكلفة.
الشريحة الثانية بسعر 1400 ليرة للكيلوواط الواحد، وتضم أصحاب الدخل المتوسط والمرتفع والمشاريع الصغيرة التي تستهلك أكثر من 300 كيلوواط خلال دورة شهرين.
الشريحة الثالثة بسعر 1700 ليرة للكيلوواط الواحد، وتضم المعفيين من التقنين، مثل المؤسسات الحكومية والشركات والمصانع التي تحتاج إلى كهرباء على مدار الساعة.
الشريحة الرابعة بسعر 1800 ليرة، وتضم المعامل والمصانع والاستهلاك الكهربائي العالي، مثل معامل الصهر وغيرها.
تناقض بين المبررات والنتائج
الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي في جامعة “حماة” عبد الرحمن محمد، يرى أن القراءة الاقتصادية للشرائح الجديدة تكشف عن تناقض جوهري بين مبرراتها النظرية ونتائجها العملية المباشرة، وفق:
أولًا، منطق الإصلاح المزعوم: يفترض النظام التصاعدي للشرائح ترشيد الاستهلاك وحماية محدودي الدخل عبر شريحة أولى مدعومة، بينما يتحمل ذوو الاستهلاك المرتفع أو القطاعات التجارية التكلفة الحقيقية، ونظريًا، يؤدي هذا إلى تخفيف العبء المالي عن الدولة (التي تخسر 0.14 دولار مقابل كل كيلوواط تُنتجه) وتوجيه الدعم للفئات المستحقة.
ثانيًا، صدمة الواقع المجتمعي: يصطدم هذا المنطق بعنف مع الواقع السوري، لعدة أسباب:
القدرة الشرائية منهارة، إذ يُظهر تحليل مقارن أن الحد الأدنى للأجور في سوريا اليوم يستطيع شراء حوالي 707 كيلوواط/ساعة فقط شهريًا بموجب الأسعار الجديدة، وهو تراجع كارثي بنسبة تتجاوز 60% عن قدرته الشرائية في سبعينيات القرن الماضي، حتى الاستهلاك “المدعوم” ضمن الشريحة الأولى أصبح يشكل عبئًا كبيرًا.
فواتير لا تُطاق: بعض فواتير تجاوزت أربعة أو خمسة ملايين ليرة لأسر لا تملك أساسيات الكهرباء، بسبب أخطاء في قراءة العدادات أو مشكلات تقنية، كما أن فاتورة متوسطة بقيمة 500 ألف ليرة لشهرين تمثل نصف راتب موظف يتقاضى مليون ليرة، وهذا يفسر الشعار المتداول في الشارع: “خليهن يجوا يفكوا عداد الكهربا”.
غياب البدائل والخدمة: الغضب يتضاعف، لأن هذه الزيادة الصادمة (التي وصلت لنسبة 800% في بعض الحالات) لم تقترن بتحسن ملموس في جودة الخدمة، التي لا تزال تتسم بالتقنين.
عنب بلدي
———————————-
لماذا تراجعت “السورية للبترول” عن “دولرة” فواتير المحطات
سمحت الشركة السورية للبترول اليوم، الأربعاء 25 من آذار، لأصحاب محطات الوقود بتسديد قيمة المشتقات النفطية بالليرة السورية.
ويأتي هذا القرار، استجابة لاعتصام نظّمه عدد من أصحاب محطات الوقود الخاصة من مختلف المحافظات أمام وزارة الطاقة بدمشق، يوم أمس الثلاثاء 24 من آذار، احتجاجًا على “دولرة” تسديد ثمن المشتقات النفطية.
وطالب المحتجون بإلغاء التعامل بالدولار والعودة إلى الليرة السورية أو التخيير بينهما، إذ يبيعون الوقود بالليرة ويُجبرون على الدفع بالدولار للبنك المركزي، مما يتسبب بخسائر مالية كبيرة لهم، على حد قولهم.
وتحدث معتصمون من أصحاب محطات الوقود عن هوامش ربح لا تُذكر، تكاد لا تلبّي مصاريف تشغيل المحطة، بحسب ذكرهم، مطالبين بهوامش ربح تصل إلى 6 أو 7%.
وقال أحد المعتصمين، إن فرق حرارة المادة تختلف بين مصفاة بانياس ومصفاة حمص، واصفًا أيّاها بـ”غير النظامية”، بالتالي هناك خسائر تتراوح بين 100 إلى 150 ليترًا تهدر من حساب صاحب المحطة، وفق إفادته.
ويأتي الإجراء الصادر اليوم، بحسب بيان الشركة السورية للبترول، في سياق تسهيل إجراءات العمل أمام أصحاب المحطات والتخفيف من تحديات تأمين القطع الأجنبي.
وصدر القرار بالتنسيق مع وزارة الطاقة ومصرف سوريا المركزي والجهات المعنية، بمتابعة من الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي، وفق ما ذكره البيان، في إطار الحرص على استقرار سوق المحروقات وتخفيف الأعباء عن أصحاب محطات الوقود.
كما أكّدت “السورية للبترول” حرصها على اتخاذ كل ما يلزم من إجراءات لضمان استقرار الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية.
وعلّق الخبير الاقتصادي، الدكتور علي محمد، لعنب بلدي، بأن القرار الذي يقضي بتسديد أصحاب محطات الوقود قيمة المشتقات النفطية بالدولار، أسهم بانخفاض قيمة الليرة، إذ ارتفع سعر الصرف نحو 500 ليرة سورية قديمة خلال أيام، معتبرًا أن هذا الأمر متوقع، إضافة إلى ارتفاع الدولار عالميًا، والذي قد يكون سببًا أيضًا.
وأضاف محمد، أن التراجع عن هذا القرار، وقيام الشركة السورية للبترول اليوم بالسماح لأصحاب محطات الوقود بتسديد قيمة المشتقات النفطية بالليرة السورية للتخفيف من تحديات تأمين القطع الأجنبي، هو إجراء صحيح ومنطقي.
ولفت الاقتصادي إلى أهمية الطلب من المحطات إصدار قوائم يومية بالمدفوعات جراء بيع المشتقات للمواطنين، سواء كان الدفع بالدولار أم بالليرة السورية، وتورد كما هي للجهات المعنية كثمن لهذه المشتقات، بدون زيادة الطلب على القطع الأجنبي من السوق حاليًا.
ويُعدّ السماح بالتسديد بالليرة السورية خطوة عملية باتجاه توفير مرونة أكبر لأصحاب المحطات، الأمر الذي من شأنه أن ينعكس إيجابًا على استمرارية عملها، وتلبية الطلب المتزايد على المشتقات النفطية، بما يدعم استقرار السوق، ويخدم المصلحة العامة.
——————————–
ملف الأموال المنهوبة يعود للواجهة.. سوريا تعلن خطوات جديدة للاسترداد
إعادة هيكلة العقارات التابعة للنظام السابق واستخدام بعضها كمقرات حكومية أو شركات تابعة للدولة
الرياض – العربية
25 مارس ,2026
أكد رئيس لجنة مكافحة الكسب غير المشروع في سوريا، باسل السويدان، استمرار اللجنة في جهودها لملاحقة الأموال المنهوبة من النظام السابق وحماية الأصول الاقتصادية التي تمت استعادتها لصالح الدولة السورية، لافتاً إلى أن هذه الجهود تهدف إلى الحفاظ على المال العام واستثماره في التنمية الاقتصادية.
وقال السويدان إن اللجنة قامت بإنشاء مؤسسات تابعة للمجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية لإدارة الأصول المستردة وضمان استخدامها في القطاعات الحيوية التي تتطلب تدخل الدولة، وذلك للحفاظ على الشركات والمصانع واستمرار عملها بما يخدم الاقتصاد السوري.
وحول التسويات المالية، أوضح السويدان: “نتبع معايير محددة للقيام بالإفصاح الطوعي عن الكسب غير المشروع، وهي عملية مالية بحتة لا تمنح حصانة قضائية لأي شخص، حيث تؤول 80% من قيمة الأصول المستردة للدولة مقابل 20% للشخص الذي خضع للتسوية، مع الحفاظ على ممتلكات الدولة”، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.
سعر الدولار يعاود الصعود في مصر.. الجنيه يتراجع بعد انتعاش مؤقت
قصص اقتصادية الجنيه المصري سعر الدولار يعاود الصعود في مصر.. الجنيه يتراجع بعد انتعاش مؤقت
وأضاف أنه تم تشكيل مجالس إدارة مؤقتة لشركات مثل “سيريتل” و”إم تي إن” لضمان استمرارية خدمات الاتصالات، مشيراً إلى إعادة هيكلة العقارات التابعة للنظام السابق واستخدام بعضها كمقرات حكومية أو شركات تابعة للدولة، مع استمرار العاملين الذين لم يثبت تورطهم في فساد أو جرائم.
وأشار إلى أن اللجنة تعتمد على قاعدة بيانات شاملة للرموز الاقتصادية المرتبطة بالنظام السابق، بالتنسيق مع وزارتي الداخلية والعدل والمصرف المركزي والهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، إضافة إلى منظمات حقوقية وناشطين محليين ودوليين.
وحول حماية المبلغين عن حالات الكسب غير المشروع، قال رئيس اللجنة إن الموقع الإلكتروني للجنة يتيح آلية آمنة للإبلاغ الطوعي، مع التحقق من هوية المبلغين وضمان سرية معلوماتهم، دون الحاجة لأي وسطاء أو سماسرة في إجراءات التسوية.
——————————–
====================
تحديث 24 أذار 2026
——————————–
كيف يسهم المرسوم 69 في إعادة تشغيل المنشآت المتضررة وتحفيز الاستثمار؟/ ميساء العلي
مارس 23, 2026
في قلب تحديات اقتصادية عميقة، تبدأ سوريا اليوم خطوات عملية لإعادة الحياة إلى منشآتها المتضررة، مع رسالة واضحة للمستثمرين والقطاع الخاص: التعافي ممكن، والفرص متاحة لإعادة النشاط والإنتاج.
وفي هذا الإطار، أصدر السيد الرئيس أحمد الشرع، المرسوم رقم 69 لعام 2026 القاضي بمنح إعفاءات ضريبية وجمركية للمنشآت التجارية والصناعية والسياحية التي تعرّضت لأضرار نتيجة العمليات العسكرية والأعمال التخريبية خلال الفترة من 15 آذار 2011 ولغاية 8 كانون الأول 2024.
ونصّت المادة الثانية من المرسوم على تشكيل لجنة أو أكثر في كل محافظة لتقدير الضرر، تضم ممثلين عن مديرية المالية (رئيساً)، ووزارات العدل والإدارة المحلية والبيئة والاقتصاد والصناعة، إضافة إلى ممثل عن نقابة المهندسين، وخبير تقييم يسميه وزير المالية.
وبموجب المادة الرابعة، يمنح الإعفاء من الضرائب والرسوم المالية وفق نسب الضرر المعتمدة، حيث يعفى أصحاب المنشآت التجارية لمدة عام واحد بنسب تتراوح بين 50 بالمئة و100 بالمئة بحسب حجم الدمار، فيما يستفيد أصحاب المنشآت الصناعية والسياحية من إعفاء يمتد من عامين إلى أربعة أعوام وبالنسب ذاتها بدءاً من العام الحالي.
ركيزتان أساسيتان
قال وزير المالية محمد يسر برنية، إن للمرسوم “انعكاسات كبيرة على تنشيط الحياة الاقتصادية، ودفع وتشجيع معاودة انخراط هذه المنشآت في التنمية الاقتصادية”، مشيراً إلى أن عدد المنشآت المدمرة يتجاوز 30 ألف منشأة، غالبيتها منشآت صناعية.
وأضاف: “يأتي المرسوم في إطار حزمة ومقاربة لا تقتصران على الإعفاءات الضريبية لأصحاب المنشآت لتشجيعهم على إعادة تشغيل منشآتهم بل يتزامن أيضاً مع مرسوم آخر بالغ الأهمية يتعلق بمعالجة الديون المتعثرة التي تثقل كاهل بعض أصحاب هذه المنشآت”.
وأوضح أنه “في سياق هذه المقاربة نعمل من خلال المصرف الصناعي على تقديم تسهيلات وخدمات تمويلية جديدة موجّهة للمنشآت المتضررة سنعلن عنها قريباً”.
وأكد أن هدف الدولة السورية هو الوقوف إلى جانب المتضررين، والمساهمة في تحمل جزء من الأعباء التي يواجهونها.
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور سامر رحال، أن المرسوم رقم (69) لعام 2026 يشكل خطوة لافتة في مسار التعامل مع التداعيات الاقتصادية العميقة التي شهدتها سوريا منذ عام 2011.
وأوضح رحال لصحيفة “الثورة السورية”، أن المرسوم، الذي ينص على تشكيل لجان لتقدير الأضرار ومنح إعفاءات ضريبية ورسوم للمنشآت المتضررة، يعكس توجهاً اقتصادياً وسياسياً نحو تحفيز التعافي وإعادة الإعمار.
وأشار إلى أن مضمون المرسوم يقوم على ركيزتين أساسيتين: تشكيل لجان لتقدير الضرر وفق معايير محددة، ما يضفي طابعاً مؤسسياً ومنهجياً على عملية تقييم الخسائر، ومنح إعفاءات ضريبية ورسوم للقطاعات التجارية والصناعية والسياحية بحسب نسبة الضرر، وهو ما يربط الدعم الحكومي بشكل مباشر بحجم الخسارة الفعلية.
وأضاف: “يشكل هذا الربط بين التقييم الفني والحوافز المالية خطوة ذكية وموفقة في تحقيق أكبر قدر من العدالة الاقتصادية والحد من العشوائية أو التقديرات غير الدقيقة التي قد تؤدي إلى هدر الموارد”.
الأهمية الاقتصادية
رأى رحال أن المرسوم يأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث يعاني الاقتصاد السوري من تحديات بنيوية ومركبة، أبرزها:
تراجع الإنتاج المحلي
ضعف القدرة الشرائية
تضرر البنية التحتية والمنشآت الإنتاجية
هروب جزء من رؤوس الأموال
واعتبر أن المرسوم يحمل رسائل اقتصادية مهمة، منها إعادة الثقة، أي عندما يشعر المستثمر أو صاحب المنشأة بأن الدولة تعترف بخسارته وتخفف عنه الأعباء، فإن ذلك يعزز ثقته في البيئة الاقتصادية ويحفز إعادة التشغيل. فالإعفاءات الضريبية تخفف من كلفة العودة إلى العمل، خاصة في القطاعات الصناعية والسياحية التي تحتاج إلى سيولة كبيرة، فضلاً عن تشجيع الاستثمار المحلي الذي قد يدفع بعض رؤوس الأموال المجمدة إلى إعادة الدخول في النشاط الاقتصادي.
وبالنسبة لأثره على إعادة الإعمار، أشار رحال إلى أنه لا يمكن فصل هذا المرسوم عن ملف إعادة الإعمار، وعده من الأدوات غير المباشرة. فبدلاً من الاعتماد فقط على التمويل الخارجي أو المشاريع الكبرى، يركز المرسوم على إحياء المنشآت القائمة كخطوة أولى أقل كلفة وأسرع أثراً، ودعم القطاع الخاص ليكون شريكاً رئيساً في عملية الإعمار، إضافة إلى توزيع الدعم بشكل أكثر عدالة عبر ربطه بنسبة الضرر. وبذلك يتحول التعافي من نموذج مركزي يعتمد على الدولة فقط إلى نموذج تشاركي يدمج القطاع الخاص بشكل فعّال.
تحديات محتملة
رغم أهمية المرسوم، يرى رحال أن نجاح المرسوم يعتمد على عوامل عدة، منها:
شفافية لجان التقدير: أي خلل أو فساد قد يفقد القرار مصداقيته.
سرعة التنفيذ: التأخير في التقدير أو منح الإعفاءات يقلل من جدواها.
وضوح المعايير: يجب أن تكون نسب الضرر محددة بدقة لتجنب النزاعات.
الاستدامة المالية: الإعفاءات تعني انخفاض الإيرادات العامة، ما يتطلب توازناً دقيقاً في المالية العامة.
وقد تبدو الإعفاءات الضريبية في ظاهرها خسارة لخزينة الدولة، لكنها في الواقع استثمار طويل الأجل. فإعادة تشغيل منشأة متوقفة تعني، بحسب رحال، عودة الإنتاج، وخلق فرص عمل، وزيادة الإيرادات مستقبلاً.
لكن التحدي الحقيقي يبقى في تحقيق العدالة، كما يقول رحال: هل ستصل الإعفاءات إلى الأكثر تضرراً فعلاً؟ وهل ستستخدم كأداة تنموية لا كامتيازات انتقائية؟
وبذلك يشكل المرسوم رقم (69) اختباراً حقيقياً لقدرة السياسات الاقتصادية السورية على الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة التعافي. فالأرقام قد تكون كبيرة، لكن العدالة في توزيع الدعم هي الرقم الأصعب، وهي العامل الحاسم في نجاح أي خطة لإعادة الإعمار.
الثورة السورية
——————————–
تآكل العقد بين السلطة والمجتمع
سمر يزبك
24 مارس 2026
في أوّل أيام العيد، قدّم رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع صورةً عن الوضع الاقتصادي في سورية، بحديثه عن إقرار الموازنة، وعن الفائض المالي، وعن النمو الاقتصادي، وكأنّ هذه العناصر الثلاثة تكفي وحدها لإثبات أنّ الدولة دخلت طوراً جديداً. لكنّ الموازنة في أيّ نظام جمهوري لا تكتسب معناها من لحظة إعلانها، بل من المسار الذي يسبقها، فيبدأ بمشروع تقدّمه الحكومة، فنقاش عام ومراجعة داخل المؤسّسة التشريعية، ثم الإقرار النهائي. حتى ضمن الإطار الانتقالي السوري الجديد، إن صلاحيات مجلس الشعب تشمل إقرار القوانين والقيام بدور تشريعي ورقابي، وقد نُوقش علناً بعد الإعلان الدستوري أنّ للمجلس دوراً في التشريع العام رغم محدودية صلاحياته السياسية عموماً. لذلك، لا يبدو تقديم الموازنة قراراً مُنجزاً من رأس السلطة التنفيذية تفصيلاً لغوياً، بقدر ما هو تغييب للمؤسّسة التي يُفترض أن تمنح الإنفاق العام شرعيته. من هذه الزاوية، يبدو الخلل في الخطاب أعمق من مسألة دستورية تقنية. فحين لا تُنشر بنود الإيرادات والنفقات، ولا تُعرف الحصّة المخصّصة لإعادة الإعمار والانتهاء من المخيّمات، ولا لتمويل العدالة الانتقالية، وهذه أمور ملحّة، وتشكّل جوهر المرحلة المقبلة، تفقد الموازنة طبيعتها وثيقةَ سياسات اقتصادية عامة. وتصبح أقرب إلى بيان نيّات سياسي، يستعير مفردات المالية العامة من دون أن يقدّم ما يجعل هذه اللغة قابلةً للفحص أو المساءلة.
ويبدو أن هنالك تدليساً في الأرقام؛ فالنمو حين يُذكر على هذا النحو المجرّد، يوحي بأن الاقتصاد يتحرّك بقوة. وليس من حاجة للاستعانة بخبير لمعرفة أن هناك فرقاً أساسياً بين النمو بالأسعار الجارية والنمو الحقيقي. الأول قد يرتفع لأنّ الأسعار نفسها تكون قد ارتفعت، أي لأنّ التضخّم ضخّم القيمة الاسمية للإنتاج. الثاني وحده يكشف ما إذا كان الاقتصاد ينتج فعلاً أكثر ممّا كان ينتجه. البنك الدولي، في تقديراته في يوليو/ تموز 2025 تحدّث عن نمو متواضع جدّاً للاقتصاد السوري في 2025، بحدود 1% فقط، وفي تحديث آخر منشور ضمن وثائق البنك، ورد سيناريو أكثر تشاؤماً يتوقّع استمرار الانكماش الحقيقي، وتراجع نصيب الفرد من الناتج المحلّي تحت تأثير النزاع والهشاشة وضعف الإنتاج. هذه ليست فروقاً صغيرة في التقدير، بقدر ما هي فجوة بين خطاب يوحي بقفزة اقتصادية ومؤشّرات دولية لا ترى سوى تدهور مستمرّ.
يمكن رؤية هذه المفارقة أيضاً في الاحتفاء بالفائض المالي. في بلد طبيعي، قد يكون الفائض مؤشّراً على انضباط مالي أو تحسّن في الجباية أو تراجع في الهدر. أمّا في بلد مدمَّر البنية التحتية، يعاني فقراً واسعاً، مُثقل بالنزوح والخراب والتآكل في مؤسّسات الدولة، فلا يمكن عزل الفائض عن سؤال أبسط: فائض ناتج عن ماذا؟ إذا كان مردّه أن الدولة لم تنفق ما يكفي، ولم تستثمر ما يكفي، ولم تُعالج الكلفة الاجتماعية للانهيار بما يكفي، لا يكون الفائض هنا خبراً سارّاً، وإنّما دليلاً على أنّ الدولة خفّفت إنفاقها إلى الحدّ الذي مكّنها من تحقيق توازن محاسبي على الورق، بينما المجتمع المُنهك نفسه ظلّ يتحمّل كلفةَ الانكماش. لهذا لا يكفي القول إن هناك مخصّصات للبنية التحتية أو نيّة لإنهاء المخيّمات. المطلوب معرفة موقع هذه البنود ضمن ترتيب شامل للأولويات. ما حصّة الكهرباء والتعليم والصحّة والإدارة المحلية؟ ما حجم الإنفاق المخصّص لإعادة تأهيل القضاء، أو لبناء هيئة انتخابية مستقلة، أو لتمويل مسار عدالة انتقالية يمكن أن يضع الحياة العامة على أساس جديد؟ الموازنة هي الإطار الوحيد الذي تُختبر فيه جدّية الكلام الرسمي.
حتى لغة الناتج المحلّي الإجمالي تحتاج إلى قدر من الحذر. لا يقول هذا المؤشّر، في حدّ ذاته، شيئاً عن كيفية توزيع الدخل. قد يرتفع الناتج فيما تزداد أحوال الغالبية سوءاً. قد تتحسّن القيمة الإجمالية للإنتاج فيما تذهب مكاسبها إلى شريحة ضيّقة. في اقتصادات الحرب، كثيراً ما تتضخّم قطاعات محدودة، وتتراكم مراكز ربح صغيرة حول التجارة والوساطة والتحويلات والمضاربة، فيما تبقى الكتلة الأوسع من السكّان تحت ضغط الأسعار، وتآكل الأجور، وضعف الخدمات العامة.
في الشؤون المالية تحديداً، لا طريقة أخرى لبناء الثقة سوى الشفافية: نشر مشروع الموازنة، وتمكين جهة تشريعية من مناقشتها علناً، حتى لو كانت صلاحياتها محدودةً في المرحلة الانتقالية. لهذا تبدو القضية أبعد من مجرّد زلّة في استخدام مصطلح، أو خلط بين موازنة وميزانية، أو مبالغة في تقدير النمو. المسألة أنّ السلطة اختارت، في لحظة شديدة الحساسية، أن تعرض الأرقام بصفتها برهاناً كافياً على الاتجاه الصحيح، بينما الأرقام نفسها لا تزال محرومةً من شروطها السياسية والمؤسّسية. وهذا بالضبط ما يجعل الخطاب الاقتصادي مثيراً للشكّ، لأنه تعامل مع المالية العامة كما لو أنها شأن سيادي، وليس عقداً علنياً بين السلطة والمجتمع.
العربي الجديد،
45 بالمئة من المقال مكتوب باستخدام الذكاء الاصطناعي
——————
مقال آخر لسمر يزبك
خراب بطيء للعالم/ سمر يزبك
17 مارس 2026
تنتمي الحروب اليوم إلى مرحلة تاريخية مختلفة، مرحلة لم تعد فيها الحرب فعلاً سياسياً محدوداً يمكن التحكّم بمساره، بقدر ما أصبحت منظومة متحرّكة من التفاعلات المتشابكة التي يمكن أن تنزلق في أيّ لحظة إلى مستوى لا يريده أحد ولا يستطيع أحد إيقافه. لقد عرف التاريخ حروباً عبثية كثيرة، الجديد الآن فقدان السيطرة على مسارها. الحرب لم تعد تبدأ وتنتهي وفق إرادة واضحة، وهذا التحوّل انعكس تغيّراً أعمق في طبيعة النظام العالمي. في القرون الماضية، كانت الحروب، رغم عنفها، محكومةً ببنية دولية يمكن فهمها، أمّا اليوم فالعالم يعيش داخل شبكة معقّدة من القوى والتحالفات المتغيّرة.
لم تعد هناك حدود واضحة بين الحربين، المحلّية والإقليمية أو الدولية. ولهذا أصبحت المشكلة في المنظومة التي تتخذ قرار الحرب أكثر من الحرب نفسها. وزاد على ذلك تعقيداً دخول التكنولوجيا إلى قلب القرار العسكري بطريقة لم يعرفها التاريخ من قبل. فالطائرات المسيّرة، والذكاء الاصطناعي العسكري… كلّها أدوات تقلص المسافة الزمنية بين المعلومة والضربة. هذه السرعة الجديدة تجعل السياسة أقلّ قدرةً على ضبط الأحداث. وأصبحت الحرب معقّدةً بين التكنولوجيا والاستراتيجية والاقتصاد والرمزية السياسية. وكلّما ازداد هذا التعقيد أصبح من الأصعب إيقاف التفاعلات بعد أن تبدأ. وفي قلب هذه الفوضى الاستراتيجية، تظهر أحياناً مفارقات تزيد الشعور بعبثية الصراع. فالجميع يعرف أن الولايات المتحدة مستعدةّ تاريخياً للمضي في حروب مدمّرة تحت عناوين متعدّدة، منها حماية مصالحها النفطية وضمان أمن حليفتها إسرائيل. ويعرف الجميع أيضاً أن كثيراً من دول الخليج، رغم تحالفاتها التقليدية مع واشنطن، حاولت في مراحل عديدة تجنّب الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع إيران أو تقديم دعم واضح لأيّ تصعيد عسكري واسع، ومع ذلك اعتدت إيران على أهداف في الخليج.
أخطر ما في هذه المرحلة ليس استمرار اندلاع الحروب، وإنما السهولة التي يمكن أن تتوسّع بها، فالتاريخ يُعلّم أن كوارث كبرى كثيرة بدأت بأحداث صغيرة. الفرق أن حجم القوة التدميرية في عصرنا يجعل نتائج الخطأ أكبر بكثير ممّا عرفته الأجيال السابقة. لهذا يبدو العالم وكأنه يقف عند نقطة مفصلية في تاريخه، لأن النظام الذي كان قادراً على احتواء الحروب أصبح أكثر هشاشة. كل شيء يبدو قابلاً للتصعيد، وكلّ أزمة تبدو وكأنها قد تكون بداية سلسلة نارية أكبر، وفي قلب هذا المشهد تبقى المنطقة العربية، بما حملته من جراح خلال القرن الماضي، واحدةً من أكثر المناطق تعرّضاً لهذه الديناميات. قرن كامل من الحروب والتحوّلات العنيفة ترك أثره العميق في المجتمعات. تمتلك البشرية اليوم معرفةً وقدرةً تقنيةً لم يعرفهما أي عصر سابق، لكن هذه القدرة نفسها جعلت العالم أكثر هشاشة. ولهذا يبدو الزمن الذي نعيشه زمن مفارقة قاسية، فمن ناحية هو عصر المعرفة غير المسبوقة، لكنه أيضاً عصر خراب غير مسبوق.
هناك بعد آخر يظهر بوضوح في الحرب الدائرة اليوم، أن الصراع لم يعد مجرّد مواجهة بين دولتَين بقدر ما أصبح أداةً ضمن توازنات سياسية داخلية معقّدة. الحروب في الشرق الأوسط غالباً ما كانت وسيلةً لإعادة ترتيب الشرعية السياسية داخل الدول نفسها. إسرائيل، وفي كلّ مرّة تواجه ضغوطاً سياسيةً، تعيد توجيه الاهتمام العام نحو الخطر الخارجي. وهكذا يصبح الصراع في هذه المنطقة جزءاً من إدارة التوازنات الداخلية. وتكشف الحرب أيضاً تغيّر علاقة المجتمعات بالحرب، فالدول التي تتفوّق عسكرياً وتكنولوجياً (وهي هنا الولايات المتحدة) قادرة اليوم على خوض عمليات عسكرية من دون تعبئة مجتمعية واسعة. تُطلق حاملات الطائرات الصواريخ أو الطائرات المسيّرة من مسافات بعيدة، وتُدار العمليات عبر غرف تحكّم وشبكات رصد رقمية، بينما تستمرّ الحياة اليومية في مدنها الكبرى من دون أن تشعر بوجود حرب شاملة. هذه المسافة بين المجتمع وساحة القتال تجعل استمرار الصراع أسهل سياسياً، لكن المفارقة الأكبر تظهر في البنية الاقتصادية للعالم المعاصر. فالدول المتوتّرة في الخليج ترتبط في الوقت نفسه بسوق طاقة عالمية واحدة، وبشبكة تجارة واستثمار تمتدّ عبر القارّات. النفط الذي يشكّل أحد أسباب التوتر هو نفسه عنصر الاستقرار الذي تحتاجه الأسواق الدولية. ولهذا تبدو الحرب هنا مقيّدة بخوف الجميع من الانهيار الاقتصادي الواسع.
لم تعد المعضلة الكبرى في عصرنا اندلاع الحروب، بقدر ما هي النظام العالمي الذي لم يعد قادراً على ضبطها حين تبدأ. وتبقى الشعوب، خصوصاً في منطقتنا، تحاول ببساطة أن تعيش حياةً عاديةً رغم تاريخ طويل من الحروب التي لم تخترها، لكن مصيرها ما زال مجرّد تفاصيل صغيرة، وهامشية، داخل حسابات القوة الدولية.
———————–
69 بالمئة من المقال مكتوب باستخدام الذكاء الاصطناعي
——————————–
====================
تحديث 23 أذار 2026
——————————–
قطاع الطاقة في سوريا.. ركيزة التعافي الاقتصادي تواجه التحديات/ عمار عبد اللطيف
قطاع الطاقة في سوريا.. مفتاح التعافي الاقتصادي وتحديات إعادة الإعمار
2026-03-23
يشكّل قطاع الطاقة أحد أبرز المفاتيح الحيوية لإعادة تنشيط الاقتصاد السوري، بعد سنوات طويلة من الحرب التي ألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية النفطية والكهربائية، وأخرجت أجزاء كبيرة منها عن الخدمة.
وهذا القطاع، الذي كان يشكّل رافعة أساسية للاقتصاد الوطني قبل عام 2011، يجد نفسه اليوم في قلب أي نقاش جدي حول التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.
فمع تراجع الإنتاج النفطي إلى مستويات متدنية، وخروج عدد كبير من الحقول عن السيطرة أو الخدمة، إضافة إلى تضرر محطات توليد الكهرباء وشبكات النقل والتوزيع، تواجه البلاد أزمة طاقة حادة ألقت بظلالها على مختلف القطاعات.
وقد انعكست هذه الأزمة بشكل مباشر على الصناعة التي تعاني من نقص الكهرباء وارتفاع تكاليف التشغيل، وعلى الزراعة التي تأثرت بضعف القدرة على تشغيل أنظمة الري، فضلاً عن تراجع مستوى الخدمات الأساسية التي يعتمد استمرارها على توفر الطاقة بشكل مستقر.
وفي ظل الحديث المتزايد عن خطط إعادة الإعمار وإحياء الاقتصاد، يبرز قطاع الطاقة بوصفه حجر الأساس في أي عملية تعافٍ محتملة، فإعادة تأهيل هذا القطاع لا تعني فقط تحسين واقع الكهرباء والمحروقات، بل تمثل مدخلاً ضرورياً لإعادة تشغيل عجلة الإنتاج، وجذب الاستثمارات، وتحسين البيئة الاقتصادية بشكل عام.
الطاقة مفتاح التعافي
يقول علي متولي، الاستشاري الاقتصادي بشركة “آي بي إس” للاستشارات في لندن، إن قطاع الطاقة يمكن أن يكون مفتاح التشغيل لأي تعافٍ اقتصادي سوري، ليس لأنه يضيف إنتاجاً بحد ذاته فقط، بل لأنه المدخل الوسيط الذي يرفع إنتاجية جميع القطاعات الأخرى.
ويضيف متولي في حديث لـ”963+”، أن الكهرباء والوقود يحددان نظرياً تكلفة الوحدة في الصناعة والزراعة والخدمات، ويؤثران في قدرة الشركات على العمل لساعات أطول، وفي انتظام سلاسل التوريد، وتشغيل مضخات المياه والري والتبريد والنقل، ويشير إلى أن كل ساعة كهرباء إضافية ليست مجرد خدمة بل تمثل زيادة في الإنتاج الممكن عبر الاقتصاد كله.
ويشير، إلى أن الواقع السوري يوضح ذلك بحدة، إذ يقدّر البنك الدولي أن خدمات الشبكة أصبحت غير موثوقة ومحدودة إلى ما بين ساعتين وأربع ساعات يومياً في المتوسط، بينما بالكاد يسمح نقص الوقود بتشغيل النظام عند نحو 1800 ميغاواط، مضيفاً أن توليد الكهرباء انخفض إلى 17.1 تيراواط/ساعة في عام 2024 مقارنة بعام 2020، أي بتراجع يقارب 32.9%.
ويوضح أن الطاقة في جانب النفط والغاز لا تقتصر على الكهرباء والخدمات فقط، بل تمثل أيضاً رافعة مالية وخارجية، إذ كانت سوريا قبل الحرب تنتج قرابة 380 ألف برميل يومياً، لكنه يشير إلى أن الإنتاج انهار خلال سنوات النزاع بنحو 90%، ويؤكد أن هذا الفارق يعني خسارة كبيرة في الإيرادات والعملات الصعبة، وتراجع قدرة الدولة على تمويل استيراد الوقود وقطع الغيار، ما يربط الطاقة مباشرة باستقرار الاقتصاد الكلي.
ويؤكد متولي أن التحديات أمام إعادة تأهيل القطاع ليست تقنية فقط، بل هي حزمة معقدة من الاقتصاد والسياسة والحوكمة، وأن أول هذه التحديات يتمثل في حجم الدمار والتقادم، إذ تقدر تكاليف إعادة الإعمار بعد الصراع بنحو 216 مليار دولار، فيما تقارب الأضرار المباشرة في رأس المال المادي 108 مليارات دولار، وكانت البنية التحتية الأكثر تضرراً بنحو 52 مليار دولار، ويشير إلى أن إعادة التأهيل لا تعني فقط إصلاح محطات، بل إعادة بناء منظومة نقل وتوزيع ومحولات وخطوط وقود وموانئ وإمداد.
ويضيف أن التحدي الثاني يتعلق بالوقود وسلاسل الإمداد، موضحاً أنه حتى في حال إصلاح محطات التوليد، فإن الحاجة تبقى قائمة لتوفير الغاز أو الوقود بشكل منتظم إلى جانب قطع الغيار وخدمات الصيانة، ويشير إلى أن الحرب جعلت الإمدادات متقطعة ومكلفة، كما أن الاعتماد على الاستيراد في ظل عملة ضعيفة يخلق ضغطاً دائماً على التشغيل.
ويتابع أن التحدي الثالث يتمثل في القدرة المؤسسية والفاقد، موضحاً أن الشبكات المتضررة تعاني عادة من فاقد فني وغير فني مرتفع، مثل السرقات والتعديات والتهالك، ما يجعل الكهرباء المتاحة أقل بكثير من الكهرباء المولدة ويقوض الاستدامة المالية لأي تشغيل.
ويشير إلى أن التحدي الرابع يتعلق بالاستقرار والأمن وتشتت السيطرة على الموارد، موضحاً أن النفط والغاز في سوريا يتركزان تاريخياً في مناطق محددة، وقد تغيرت خرائط السيطرة والإدارة خلال الحرب، ما يخلق مخاطر على التشغيل والعقود وحماية الأصول.
ويضيف أن التحدي الخامس يرتبط بالإطار التنظيمي والتسعير، مؤكداً أن أي مستثمر أو ممول سيطلب وضوحاً في التعرفة وآليات التحصيل وضمانات الدفع، وإلا ستظل المشاريع تعتمد على المنح والتدخلات الطارئة بدلاً من الاستثمار طويل الأجل.
استثمارات تعزز السوق
يقول الدكتور نسيب غبريل، الباحث الاقتصادي والخبير المالي والمصرفي، إن قطاع الطاقة في سوريا كان يلعب دوراً مهماً في عجلة الاقتصاد السوري قبل اندلاع الحرب، ويضيف أن الاستثمارات الأجنبية التي ستدخل السوق السورية، سواء في خطوط نقل الطاقة أو مصافي النفط، ستسهم بطبيعة الحال في رفد الاقتصاد السوري بالعملات الأجنبية.
ويشير غبريل، إلى أن زيادة إنتاج النفط والغاز ستؤدي إلى تحسين إنتاج الكهرباء، ما سينعكس إيجابياً على معظم نواحي الاقتصاد السوري، سواء في الشركات أو المعامل أو خطوط الإنتاج، ويؤكد أن ذلك من شأنه دعم بيئة العمل وتعزيز فرصها.
ويضيف في حديث لـ”963+”، أن أبرز التحديات التي تواجه هذا القطاع تتمثل في الضرر الهائل الذي لحق به جراء الحرب، موضحاً أن سوريا تحتاج إلى دخول الشركات الأجنبية والعربية للاستثمار في قطاع الطاقة من أجل إعادة تأهيله.
ويوضح أن قطاع النفط في سوريا يمر بمرحلة انتقالية هشة، ينتقل فيها من فترة الحرب والخسائر الكبيرة التي تعرض لها إلى مرحلة التأهيل، ويؤكد أن إعادة الإنتاج تمثل خطوة أساسية ليتمكن القطاع من تلبية الكميات التي يحتاجها الاقتصاد السوري.
ويلفت إلى أن استعادة حقول النفط جاءت بعد الاتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديموقراطية (قسد) في كانون الثاني/يناير الماضي تطور مهم، ويضيف أن هذا التطور الإيجابي يقابله في الوقت نفسه حجم الضرر الذي لحق بقطاع النفط نتيجة العمليات العسكرية وعمليات الاستخراج غير المنظم، ما أسهم في تراجع إنتاج النفط.
ويشير إلى أن الإنتاج الحالي في سوريا يُقدّر بنحو 110 براميل نفط يومياً، مؤكداً أنه لا يزال دون مستويات الإنتاج قبل الحرب، ويضيف أن استعادة الحقول يمكن أن تسهم في زيادة الإنتاج بعد تأهيلها.
ويؤكد أن رفع الإنتاج إلى ما بين 50 و60% من مستوياته قبل الحرب يحتاج إلى نحو عامين، بينما تتطلب العودة إلى مستويات ما قبل الحرب فترة تصل إلى أربع سنوات، وأن سوريا بحاجة أيضاً إلى زيادة إنتاج الغاز لتلبية احتياجات السوق المحلية من الغاز الطبيعي، مشدداً على أن ذلك يشكل عاملاً أساسياً في دعم قطاع الطاقة وتحسين استقراره.
ويشدد على أن هناك أيضاً تحدياً بيئياً وصحياً متراكماً نتيجة سنوات التكرير البدائي والتسربات، ما يرفع كلفة إعادة التشغيل الآمن حتى عند توفر المعدات، ويشير إلى أن هذه المشكلة تتكرر في القطاعات بعد النزاعات وتتطلب برامج تنظيف وتأهيل موازية لأي إعادة تشغيل.
+963
——————————–
زيادة الرواتب في سوريا… المتقاعدون خارج الحسابات/ ناظم عيد
الاثنين 2026/03/23
بقيت نصف فرحة السوريين مؤجلة مع استثناء المتقاعدين من زيادة 50% على الرواتب الصادرة بمرسوم رئيس الجمهورية مؤخراً.
476 ألف متقاعد لم تشملهم الزيادة، وهم الشريحة الأولى بالرعاية، وهذا ما طرح بالفعل تساؤلات ملحّة، على اعتبار أنها المرة الأولى التي يستثنى فيها المتقاعدون من مراسيم الزيادات على الرواتب والأجور، وكان آخرها الزيادة 200% التي شملت المتقاعدين وقفزت بمعاشاتهم إلى عتبة لم يعودوا يخجلون من البوح بها لشدة تواضعها وهُزالها كما كان في السابق.
حافز لمعالجة البطالة المقنعة
الواقع أن الزيادة ما قبل الأخيرة التي شملت المتقاعدين، طمأنت المقبلين على التقاعد إلى أن حقوقهم محفوظة فيما لو تقاعدوا، وحفزت حالات التقاعد المبكر لمن استوفوا شروط التقاعد بحدودها الدنيا، وشهدت المؤسسات العامة كثافة غير مسبوقة لطلبات الاستقالة، وباتت مؤسسة التأمينات الاجتماعية أمام خطر عدم قدرتها على الإيفاء بالتزاماتها تجاه الأعداد الكبيرة من “زبائنها الجدد”. فكما درجت العادة كانت الاقتطاعات من كل خمسة موظفين على رأس عملهم تموّل راتب متقاعد واحد، لكن اليوم مع تناقص أعداد الموظفين وزيادة أعداد المتقاعدين، بات كل عشرة موظفين بالكاد يمولون راتب متقاعد واحد. وهذا يعني أن رواتب المتقاعدين و”معاشاتهم” لم تعد في وضع آمن.
منبع هواجس جديد
الواقع أن الأحاديث المضطردة والتحليلات عن احتمالات عجز المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية عن الإيفاء بالتزاماتها تجاه “جمهورها الآخذ بالازدياد، كانت طيلة الفترة الماضية الشغل الشاغل والهاجس الذي يقلق متقاعدي سوريا”.
واليوم مع عدم شمولهم بالزيادة الممنوحة للعاملين في الدولة، تعززت المخاوف لدى المتقاعدين من مصير مجهول، وبعضهم ندم على استقالته وإحالة استحقاقاته المالية من مؤسسته إلى مؤسسة التأمينات الاجتماعية. وهذا سيعني أن ظاهرة الاستقالات ستأخذ بعداً أخر؛ أي لن يكون ثمة استقالات مبكرة، وسيقتصر الأمر على من بلغوا الستين من العمر، وهو سن التقاعد القانوني وفق مقتضيات القانون رقم 50 الصادر عام 2004؛ أي أن المسألة ستنعكس على المعالجات الجارية على مشكلة فائض الموظفين الذي تحدثت عنه الجهات المعنية: “البطالة المقنعة” في الإدارة الجديدة للبلاد.
طمأنة قصيرة الأمد
قد تكون بادرة طيبة من وزير المالية الدكتور يسر برنية أنه خرج ليكتب على صفحته الشخصية في فايسبوك بياناً كاملاً بخصوص مرسومي الزيادة رقم 67 و68 المتعلقين بزيادة رواتب كافة العاملين في الدولة بنسبة 50% وزيادات نوعية على العاملين في بعض الوزارات كالتعليم العالي والتربية والأجهزة الرقابية وغيرها.
وتضمن منشور الوزير فقرة خاصة بمن سماهم “أصحاب القدر” أي المتقاعدين، وطمأنهم إلى أن هناك معالجة قادمة لن تتأخر لأوضاعهم في سياق معالجة عامة للنظام التأميني على نحوٍ عام في سوريا.
وللدقة نعرض ما كتبه الوزير خطياً: “لم نهمل كبار القدر من أهلنا المتقاعدين، وهناك زيادة لهم في الفترة القادمة، حيث العمل جارٍ الآن لإصلاح منظومة التقاعد والمعاشات برمتها، لضمان الاستدامة المالية لهذه النظم (المؤسسات التأمينية) من جهة، وتحسين الخدمة للمتقاعدين من جهة اخرى. ولا يطول الوقت بعون الله”.
ملامسة جديدة لخط الفقر
لكن بصراحة، ووفقاً لما استنتجناه من الحديث مع عدد غير قليل من المتقاعدين، أنهم فاقدو الثقة بالوعود الحكومية منذ زمن النظام البائد، بالتالي لم تكن طمأنة الوزير قاطعة ونافذة في عقولهم.
لم تقتصر حالة الترقب الحذر على مئات آلاف المتقاعدين، بل للخبراء هواجسهم أيضاً. فالخبير الاقتصادي والأكاديمي الدكتور فاخر قربي، يرى في حديث مع “المدن” أن حرمان المتقاعدين من الزيادة سوف يؤدي إلى مشاكل اقتصادية كثيرة حيث يقودهم هذا الحرمان إلى تآكل القوة الشرائية، لأن حرمانهم يعني انخفاض دخلهم الحقيقي المباشر أمام ارتفاع الأسعار، ما يضعهم في دائرة الفقر الشديد.
كما يتسبب الحرمان في عدم التوازن الاجتماعي، حيث يؤدي إلى فجوة كبيرة بين الموظفين على رأس عملهم والمتقاعدين الذين يعتمدون على دخول ثابتة. كما يضعف القدرة على المواجهة. فالمتقاعدون يميلون للاستهلاك من مدخرات ثابتة، والزيادة السنوية المحدودة غالباً لا تواكب التضخم،مما يجعلهم أكثر الفئات تضرراً.
تفادي السلبية
لتجنب الآثار السلبية لهذه الزيادة يقترح د. قربي زيادة الإنتاج المحلي لتلبية الطلب المتزايد وتجنب التضخم، وضبط السيولة عبر سياسات نقدية مثل رفع الفائدة على الودائع.
إضافة إلى دعم المتقاعدين، من الواجب شمولهم بأي زيادات لضمان العدالة الاجتماعية وتلبية احتياجاتهم. كما يتطلب العمل بشكل حقيقي لخلق إصلاحات إدارية تضمن تحسن أداء المؤسسات مع زيادة الرواتب.
لكن على المقلب الآخر لم يقلل د. قربي من أهمية مرسوم الزيادة، إذ يرى أن مرسوم زيادة الرواتب خطوة جريئة لتعزيز الثقة بين الموظف والحكومة. فهي تحمل في طياتها الكثير من الدلالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتترك آثاراً كبيرة على الاقتصاد، كما تشكل دافعاً قوياً للنمو الاقتصادي، طالما جاءت في إطار سياسة مالية متوازنة تعزز التنمية الاقتصادية.
رفع القدرة الشرائية
ستؤدي الزيادة إلى رفع القوة الشرائية للمواطنين بشكل كبير، وهذا ما يعزز الاستهلاك المحلي وينعش القطاعات الاقتصادية بأكملها. كما تُسهم في تحسين مستوى المعيشة وتقليص الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، وهذا سينعكس على الاستقرار المجتمعي ويخفف من البطالة.
وتأتي هذه الزيادة كنقطة انطلاق لتحفيز سوق العمل عبر جذب الكفاءات وزيادة الإنتاجية وتحسين الأداء الوظيفي. كما تشجّع على الادخار والاستثمار، ما يدعم القطاع المصرفي ويزيد من حجم السيولة في الاقتصاد بشكل كامل.
كما تلعب الزيادة دوراً محورياً ورئيسياً في تعزيز الأداء الاقتصادي والاجتماعي في كل من القطاعين العام والخاص، حيث تؤدي الزيادة في الدخل إلى تحسين مستوى المعيشة وتقليل الضغوط النفسية وزيادة القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية والترفيهية، ما ينعكس إيجاباً على جودة حياة الموظف وأسرته. كما تساهم في تحفيز أداء العاملين وزيادة ولائهم الوظيفي وانتمائهم لمؤسساتهم، وهو ما يزيد من إنتاجيتهم ويقلل من معدلات التهرب من الأداء الوظيفي.
كما تسهم هذه الزيادة في تحريك عجلة الاقتصاد السوري من خلال زيادة الإنفاق الاستهلاكي، ما يدعم نمو الأسواق المحلية ويشجع المنتجين على الاستثمار والعرض نظراً لزيادة الطلب. كما أنها تلعب دوراً اجتماعياً من خلال تقليل الفوارق الاجتماعية وتعزيز الشعور بالعدالة الاقتصادية.
والأهم في هذه الزيادة أنها مدروسة ومتوازنة لتجنب التضخم أو الضغط على الميزانية العامة، حيث تأتي بعد فترة جيدة من ضبط سعر الصرف. ولا بد من الإشارة إلى أن الأجور العادلة تعدّ استثماراً في رأس المال البشري وضمانة لاستقرار اقتصادي واجتماعي مستدام.
أمل على وعد
على العموم يبقى أمل من التقتهم “المدن” من المتقاعدين معلقاً على ما يشبه “تهدئة الخواطر” التي دفع بها وزير المالية فايسبوكياً، حتى لو كان من الأفضل أن يُخرج ما كتبه على شكل بيان باسم الوزارة لا على صفحة شخصية.
لكن المتحدث يبقى وزيراً وبالتالي كلامه يؤخذ على محمل الجد. ويتمنى الجميع ألا يتأخر تنفيذ وعد الوزير لأن أوضاع المتقاعدين ليست بخير.
المدن
——————————–
====================
تحديث 22 أذار 2026
——————————–
في الصدمة من تسكين أوجاع “الصدمة” بسوريا/ إياد الجعفري
الأحد 2026/03/22
كغيري من أغلب اللصيقين بالشأن الاقتصادي السوري، عانيت من الصدمة عند سماع “الأرقام” الاقتصادية التي تحدث عنها الرئيس أحمد الشرع، صباح أول أيام عيد الفطر. سواء كان الحديث لجهة ما تحقق، أو لجهة ما تعتقد الحكومة أنها في طريقها لإنجازه في مدى زمني قريب للغاية: نهاية العام الجاري.
أما مصدر الصدمة، أننا نعتقد واثقين، أن من أشار على الرئيس باستخدام هذه “الأرقام” -نظن أنه وزير المالية وفق إشارة في حديث الشرع- يعلم جيداً الفرق بين الناتج المحلي الاسمي، والناتج المحلي الحقيقي. وأن الأول مضلل في تقدير نسبة “النمو”، فيما الثاني هو المقياس الدقيق، حين الحديث عن هذا المؤشر. مما يجعل الحديث عن “نمو” بنسبة 30 إلى 35% خلال العام 2025، يندرج في سياق إعطاء انطباع زائف بضخامة الإنجاز. وأبعد من ذلك، كان التورط في الحديث عن رهان الوصول إلى ناتج محلي ما بين 50 إلى 60 مليار دولار –ما كانت عليه سوريا في 2010- خلال العام الجاري، غير موفق، بالمطلق. فـ”النمو” وفق الناتج المحلي الاسمي –بالأسعار الجارية- قد يحدث نتيجة ارتفاع الأسعار، لا نتيجة زيادة الإنتاج. وهو ما ينطبق تماماً على الحالة السورية الراهنة، كما يمكن لأي اقتصادي مبتدئ أن يلحظه. فيما “النمو” وفق الناتج المحلي الحقيقي – بالأسعار الثابتة- يقوم على مبدأ استبعاد أثر التضخم –زيادة الأسعار- في قياس زيادة الإنتاج، مما يجعله مقياساً دقيقاً لـ”النمو”، يتم اعتماده في مختلف التقديرات الرصينة للاقتصادات في العالم.
تتراوح التقديرات حول نسبة “النمو الحقيقي” في الاقتصاد السوري خلال العام 2025، بين متحفظة –بحدود 1%- ومتفائلة –بحدود 2.5%- وهو بحد ذاته، إنجاز في حالة بلد كسوريا، وفي الظروف الأمنية المضطربة التي عاشتها خلال العام الفائت. والملفت، أن المسؤوليين الاقتصاديين السوريين أعطوا توقعات لبعثة صندوق النقد الدولي، التي زارت سوريا الشهر الفائت، بأن يتضاعف النمو الاقتصادي خلال العام الجاري ليناهز 10% -وهو رقم كبير وسيكون إنجازاً هائلاً لو تم بالفعل- لذا، كان صادماً حديث الشرع عن أرقام تراهن على “نمو” يصل إلى 200% خلال سنتين (من 20 إلى 60 مليار دولار خلال عامَي 2025 و2026).
وبناء عليه، يصبح السؤال: لماذا اعتمدت حكومة الشرع خطاباً يضخّم الإنجاز والرهانات المتوقعة، بصورة غير واقعية؟ الجواب من شقين، الأول: أنها ليست المرة الأولى التي يقدّم فيها مسؤول بحكومتَي السلطة الراهنة، خطاباً “تضخيمياً” للإنجاز وللرهانات المتوقعة في أفق زمني قريب. بل يبدو أن ذلك سمة في أداء معظم مسؤولي السلطة عموماً.
ورغم الأثر السلبي لهذه السمة، الذي بات جلياً –بما فيه الكفاية- في رفع سقف توقعات الناس، وما يتلو ذلك من إحباط يعتمل تدريجياً باتجاه استياء ملحوظ، فإن قلّة من مسؤولي الحكومة الاقتصاديين يتصف بميزة الحديث بواقعية، فيما يغلب على معظمهم سياسة الوعود والرهانات “الوردية”، المرفقة بغياب الشفافية. أما الشق الثاني لجواب السؤال عن دافع “تضخيم الإنجاز”، فيتعلق باستشعار السلطة بالاستياء المتفاقم في الشارع السوري، جراء ارتفاع كلف المعيشة بشكل دراماتيكي، خلال الأشهر القليلة الفائتة. تحديداً، منذ بداية الربع الأخير من العام الفائت، وصولاً إلى نهاية شهر رمضان المنصرم. ومرد الصدمة لدى كاتب هذه السطور، أن محاولة التصدي لهذا الاستياء تمت باستخدام فئة من الأدوات ذاتها التي أدت لتشكّل هذا الاستياء أساساً. مما يشي بأن المنخرطين في صناعة القرار الاقتصادي، في معظمهم، منفصلون عن الواقع، بحيث لم يدركوا بعد أن خطابهم الدعائي بات أثره عكسياً، على إنجازاتهم الفعلية ذاتها.
نقرّ، أن ما تحقق في سوريا، خلال العام الفائت، وحتى نهاية الربع الأول من العام الجاري، هو “إنجاز” بالاستناد إلى مواصفات الواقع الذي استلمته هذه السلطة بعيد سقوط نظام الأسد. لكن لهذا “الإنجاز” ضريبة اقتصادية – اجتماعية تتجلى الآن في ردود أفعال الشارع. فتحرير الاقتصاد وفق مبدأ “الصدمة”، بغية التخلص من استنزاف المالية العامة غير المجدي، كان ثمنه تضخماً متسارعاً، يتم تجنّب الاعتراف بأرقامه، رسمياً. ومنذ رفع تكاليف خدمات الاتصالات والكهرباء، في خريف العام الفائت، كان هذا الانعكاس متوقعاً.
وبما أن الحكومة اعتمدت مبدأ “الصدمة” في التحوّل الاقتصادي، بدل “التدرج”، بغية تحقيق التحوّل والإنجاز المنتظر منه، بصورة أسرع زمنياً، كان عليها مصارحة الشارع بـ”الأوجاع” المنتظرة جراء هذا النهج. وهي أوجاع لا تبدأ بتسريح جماعي للعمال جراء إغلاق المصانع غير التنافسية، ولا تنتهي بارتفاع الأسعار بشكل جنوني. ففي حالات كثيرة قد يدخل الاقتصاد برمته، في ركود، قبل الوصول إلى مرحلة التعافي. هذه “الأوجاع”، التي لا بدّ أن صنّاع القرار الاقتصادي السوري، يدركون “ألف باءها”، لا يُفلح تسكينها، بالحديث وفق مبدأ –رفعنا لكم الأجور بنسبة 550%- لأن رفع الأجور ارتبط برفع الدعم وقفزات نوعية في تكاليف المعيشة.
تسكين “أوجاع” التحوّل الاقتصادي وفق مبدأ “الصدمة”، يتطلب مصارحة وشفافية. وخلفية مهمة لذلك، أن طلب الصبر من الناس على تلك “الأوجاع” إلى حين إتمام مرحلة التحوّل، تتطلب أن يُظهر المسؤول أيضاً، انخراطاً في ذلك “الصبر” المطلوب من الناس. لا أن تظهر عليه ملامح الحياة الرغيدة، فيما يُطلب من الناس، الصبر على الوجع المعيشي المتفاقم.
المدن
——————————
الاستثمار في سوريا بين وعود الإصلاح وواقع المخاطر/ مازن الشاهين
سوريا الجديدة بين الفرص والمخاطر: قانون الاستثمار 114 يفتح الأبواب أمام الأجانب وسط تحديات إعادة الإعمار والجغرافيا السياسية
2026-03-21
تعمل سوريا على تعزيز الاستثمار الأجنبي ضمن رؤية “سوريا الجديدة” لإعادة الإعمار وتحريك الاقتصاد، عبر إصلاحات قانونية وتحسين بيئة الأعمال وجذب مشاريع تخلق فرص عمل، مع التركيز على الطاقة والبنية التحتية، إلا أن هذه المساعي تواجه تحديات كبيرة تشمل عدم الاستقرار الإقليمي، آثار العقوبات، تعقيدات البنية التحتية، والنواحي القانونية والإدارية، ما يجعل مستقبل الاستثمار رهين موازنة دقيقة بين الفرص والمخاطر.
وفي هذا الشأن يقول المختص في القانون الدولي وحقوق الإنسان المعتصم الكيلاني إن المرسوم رقم 114 لعام 2025 المعدِّل لقانون الاستثمار يأتي في إطار محاولة إعادة بناء البيئة الاقتصادية والقانونية في سوريا خلال المرحلة الانتقالية، عبر تعزيز الضمانات الممنوحة للمستثمرين، ولا سيما الأجانب، والحد من المخاطر المرتبطة بالاستثمار مثل الحجز أو المصادرة دون أساس قانوني واضح.
ويوضح الكيلاني في تصريحات لـ”963+” أن القانون يؤكد ضرورة أن يتم أي إجراء يمس المشروع الاستثماري أو أصوله وفق أحكام القانون وبقرار صادر عن جهة قضائية مختصة، في خطوة تهدف إلى تعزيز مبدأ سيادة القانون وحماية الملكية الاستثمارية، وهو ما يعد من أبرز الضمانات التي يبحث عنها المستثمرون عند الدخول إلى أسواق ما بعد النزاعات.
ويلفت إلى أن الإصلاحات القانونية في سوريا تشير إلى تمكين المستثمر الأجنبي من تملك مشاريعه بالكامل وجذب رؤوس الأموال، مع ضمانات ضمن الإطار القانوني الداخلي، لكنها لا تلغي مخاطر العقوبات الدولية مثل قانون قيصر، التي تحد من التعاملات المالية الدولية. وتستدعي القطاعات الاستراتيجية صياغة عقود دقيقة مثل BOT أو الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بينما تظل آليات تسوية النزاعات، خصوصاً التحكيم الدولي، أساسية لضمان حياد واستقرار الاستثمار، ما يجعل نجاح الإصلاحات رهين شفافية القانون واستقلال القضاء واستقرار التشريعات.
وأصدر الرئيس السوري أحمد الشرع المرسوم 114 لعام 2025، الذي يعدّل قانون الاستثمار رقم 18 لعام 2021، ليسمح بملكية أجنبية كاملة 100% دون شريك محلي، ويمنع الحجز أو النزع إلا بحكم قضائي قطعي مع تعويض عادل.
ويشمل المرسوم إنشاء هيئة الاستثمار السورية المستقلة ومجلس أعلى للتنمية الاقتصادية، مع نافذة تراخيص موحدة خلال 30 يوماً، وحوافز ضريبية تصل إلى 100% في الزراعة والصناعة.
الطاقة والبنية التحتية في مقدمة فرص الاستثمار الأجنبي في سوريا
يقول البروفيسور حسن عبد الله الدعجة، أستاذ الدراسات الاستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال، إن التقييمات الأولية للأضرار في سوريا حتى عام 2026 تشير إلى أنّ قطاعات الطاقة والبنية التحتية والصناعة التحويلية تُعد الأكثر جدوى للاستثمار الأجنبي المباشر.
ويوضح لـ”963+” أنّ قطاع الطاقة يحتاج إلى إعادة تأهيل حقول النفط والغاز وشبكات الكهرباء، ما يجعله أولوية اقتصادية ملحّة، فيما تمثل البنية التحتية، ولا سيما الطرق والموانئ وشبكات المياه، مجالاً واسعاً لفرص إعادة الإعمار. ويضيف أنّ الصناعة، خصوصاً الصناعات الغذائية والدوائية ومواد البناء، تمتلك فرصاً سريعة للنمو.
وبحسب الدعجة، تواجه الاستثمارات في سوريا تحديات متعددة تشمل تضرر البنية التحتية، نقص التمويل، ضعف الخدمات اللوجستية، العقوبات الدولية، المخاطر الأمنية، والحاجة لتحديث الأنظمة المصرفية وسلاسل التوريد. ولضمان استقرار المشاريع الكبرى، يُنصح المستثمرون بإجراء دراسة عناية واجبة قانونية ومالية للشركاء المحليين والحكوميين، وتحليل الإطار القانوني للخصخصة وحقوق الملكية، وضم بنود تحكيم وحماية قانونية بالعقود، مع تقييم الاستقرار الأمني والاقتصادي، واستفادة من التأمين السياسي والشراكات متعددة الأطراف لتعزيز الشفافية وتقليل المخاطر.
وفي سياق إدارة المشاريع، يوضح الدعجة أنّ نجاح تنفيذ المشاريع في سوريا يتطلب اعتماد استراتيجيات إدارة حديثة تضمن الالتزام بالجداول الزمنية وشفافية التكاليف، مع مراعاة التحديات السياسية والأمنية.
ويبين أن من الضروري تطبيق منهجيات إدارة المشاريع مثل PMBOK وAgile، مع تقسيم المشاريع إلى مراحل واضحة يمكن مراقبتها وتقييمها بشكل دوري. كما يشير إلى أهمية إنشاء أنظمة رقابة مالية شفافة تعتمد على تقارير دورية وتدقيق مستقل للتكاليف، واستخدام أنظمة رقمية لإدارة العقود والمشتريات للحد من الهدر والفساد المحتمل.
ويضيف أنّ اختيار شركاء محليين موثوقين يُعد عاملاً أساسياً نظراً لخبرتهم بالبيئة الإدارية والقانونية المحلية، ما يساعد في تسريع الإجراءات وتجاوز التعقيدات البيروقراطية.
ويؤكد أيضاً ضرورة اعتماد خطط مرنة لإدارة المخاطر تتضمن سيناريوهات بديلة للتعامل مع التأخيرات الناتجة عن الظروف الأمنية أو اللوجستية، إلى جانب تعزيز التنسيق المستمر مع الجهات الحكومية والسلطات المحلية، وإشراك المجتمعات المحلية في بعض مراحل المشروع لتعزيز الاستقرار الاجتماعي حوله.
ويختم بالقول إن الاستفادة من التمويل والشراكات مع مؤسسات دولية يمكن أن توفر معايير حكومة ومتابعة عالية، ما يعزز الشفافية ويرفع مستوى الثقة لدى المستثمرين
بين الاستقرار الإقليمي والتحديات الجيوسياسية
أما إسماعيل تركي، أستاذ وباحث في العلاقات الدولية بجامعة القاهرة، فيرى أن التوترات الإقليمية والضغوط الخارجية تؤثر بشكل مباشر في قدرة سوريا على جذب الاستثمارات الأجنبية، موضحاً أن مرحلة ما بعد الصراع تضع البلاد أمام معادلة معقدة تجمع بين الحاجة الملحّة لإعادة الإعمار وبين التحديات الجيوسياسية المحيطة بها.
ويشير إلى أن تصريحات وزير الخارجية التي تربط نجاح الاستثمار بالاستقرار الإقليمي تعكس إدراكاً بأن الاقتصاد في دول ما بعد الحروب لا ينفصل عن البيئة السياسية والأمنية المحيطة.
ويؤكد لـ”963+” أن قرار المستثمرين الدوليين لا يُبنى على الفرص الاقتصادية وحدها، بل يعتمد بدرجة كبيرة على تقييم مستوى المخاطر السياسية والأمنية. وفي الحالة السورية، يوضح أن البيئة الاستثمارية تتأثر بتشابك الصراعات الإقليمية والدولية، واستمرار المواجهات بين قوى إقليمية ودولية على الساحة السورية أو في محيطها، إضافة إلى تداعيات الأزمات المرتبطة بفلسطين ولبنان، ما يجعل سوريا جزءاً من مشهد جيوسياسي معقد يرفع مستوى المخاطر السيادية، وهو عامل حاسم في قرارات الاستثمار.
كما يلفت إلى أن منظومة العقوبات الاقتصادية التي تقودها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تمثل أحد أبرز القيود أمام تدفق الاستثمارات، إذ تتجنب الشركات الدولية الكبرى الدخول إلى أسواق قد تعرضها للعقوبات الثانوية أو القيود المالية حتى لو كانت الفرص الاقتصادية فيها كبيرة.
ويشير إلى أن استقرار سوريا الإقليمي وإعادة دمجها بالاقتصاد العربي قد يفتح الباب أمام استثمارات واسعة في النقل والطاقة وإعادة الإعمار، مستفيدة من موقعها الجغرافي، مع سياسة الملكية الأجنبية الكاملة التي قد تجذب رؤوس أموال ونقل تكنولوجيا من الصين ودول الخليج والسوق الغربية، وتوفر فرص عمل وتعزز الإنتاجية في الزراعة والصناعة، لكنه يحذر من تحديات هيكلية قد تواجه الشركات المحلية أمام المنافسة مع متعددة الجنسيات.
كما يلفت إلى أن الملكية الأجنبية الكاملة قد تؤدي إلى خروج جزء كبير من الأرباح إلى الخارج، وهو ما يحد من الأثر التنموي طويل المدى للاستثمارات.
ويضيف أن الخطر الأكبر يتمثل في احتمال تحول الاقتصاد إلى اقتصاد تابع يقتصر دوره على كونه سوقاً استهلاكية أو منصة إنتاج منخفضة التكلفة للشركات الدولية.
لذلك يؤكد أن التجارب الدولية الناجحة تعتمد سياسات تجمع بين الانفتاح الاقتصادي والحماية الذكية للاقتصاد المحلي، من خلال فرض نسب توظيف محلية، واشتراط نقل التكنولوجيا وتوطينها، وتشجيع الشراكات بين المستثمرين الأجانب والشركات الوطنية.
وفيما يتعلق بالمشاريع الاستراتيجية مثل الموانئ والطاقة والبنية التحتية، يوضح أن تحقيق التوازن بين جذب التمويل الخارجي والحفاظ على السيادة الاقتصادية يمثل قضية حساسة في مرحلة إعادة الإعمار.
ويشير إلى أن كثيراً من الدول تلجأ إلى نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، الذي يسمح للدولة بالاحتفاظ بملكية الأصول الاستراتيجية مع منح المستثمرين حق الإدارة أو التشغيل لفترات زمنية محددة.
كما يؤكد أن تنويع الشركاء الدوليين يمثل أداة مهمة لتجنب التبعية الاقتصادية أو السياسية، إذ إن توزيع الاستثمارات بين قوى مختلفة مثل الصين ودول الخليج وأوروبا والولايات المتحدة يقلل من قدرة أي طرف على استخدام الاستثمار كورقة ضغط.
وفي الوقت ذاته، يشدد على ضرورة وجود تشريعات واضحة تحافظ على السيطرة الوطنية على القطاعات السيادية مثل الموانئ والطاقة والاتصالات والموارد الطبيعية باعتبارها ركائز أساسية للأمن الاقتصادي.
ويخلص إلى أن مستقبل الاقتصاد السوري بعد الحرب لا يتحدد فقط عبر القوانين والسياسات الاقتصادية، بل يتشكل ضمن معادلة أوسع تجمع بين الاقتصاد والسياسة والجغرافيا الاستراتيجية.
ويرى أن نجاح تجربة “سوريا الجديدة” يعتمد على قدرة دمشق على خفض التوترات الإقليمية، وبناء نموذج اقتصادي يوازن بين الانفتاح وجذب الاستثمارات من جهة، وحماية الاقتصاد الوطني من جهة أخرى.
+963
——————————–
القطاع الخاص في إعادة إعمار سوريا: شراكة مع الدولة وتحديات عملية/ معاذ الحمد
إعادة إعمار سوريا: شراكة حاسمة بين الدولة والقطاع الخاص وسط تحديات التمويل والإصلاح
2026-03-22
مع انطلاق مرحلة انتقالية في سوريا بعد سنوات من النزاع، تتضح أهمية القطاع الخاص كركيزة أساسية لإعادة الإعمار وتعافي الاقتصاد الوطني. تُظهر التحليلات أن الدولة ما زالت تحتفظ بدرجة كبيرة من المركزية والبيروقراطية في إدارة النشاط الاقتصادي، سواء في توقيع الاتفاقيات مع الخارج، أو تعيين مجالس الأعمال، أو تنظيم غرف التجارة والصناعة، وهو ما يحد من مرونة الشراكات الاستثمارية ويزيد من حالة عدم اليقين في بيئة الأعمال. في الوقت نفسه، يمتلك القطاع الخاص خبرات واسعة ومقدرة كبيرة على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية، بفضل تراكم رأس المال والخبرة العملية لدى رجال الأعمال السوريين الذين عملوا في الأسواق الإقليمية والدولية، مما يمنحه القدرة على المساهمة الفاعلة في إعادة الإنتاج وإطلاق مشاريع استراتيجية في مجالات الصناعة والطاقة والنقل والخدمات.
وتشير الرؤى الاقتصادية إلى أن حجم الدمار في البنية التحتية والاقتصاد السوري يفوق قدرة الدولة على تمويل عملية الإعمار بمفردها، ما يجعل الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص ضرورة عملية وليست مجرد خيار تنموي. نجاح هذه الشراكة يعتمد على توفر إطار قانوني مستقر يحمي العقود والاستثمارات، واستقرار اقتصادي كلي، وإصلاح النظام المصرفي، بالإضافة إلى وجود جهاز إداري حكومي كفؤ قادر على تنظيم المشاريع ومتابعتها بكفاءة. كما أن دمج الاقتصاد غير الرسمي وتطوير قنوات التمويل للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة يمثل عاملاً أساسياً في تعزيز قدرة القطاع الخاص على المساهمة بفعالية.
وتُظهر التقديرات أن إعادة الإعمار تحتاج إلى استثمارات خارجية طويلة الأمد، ضمن مشروع وطني شامل واستراتيجية تشاركية تراعي جميع أصحاب المصلحة، مع التركيز على المناطق والفئات الأكثر تضرراً، وهو ما يتطلب توازناً دقيقاً بين الكفاءة الاقتصادية للقطاع الخاص، والدور الرقابي والتنظيمي والاجتماعي للدولة. كما تشير التحليلات إلى أن أي عملية إعمار ناجحة يجب أن ترتبط بأهداف تنموية واجتماعية واضحة، تشمل حماية الصناعة الوطنية، ودعم العمالة المحلية، وتنظيم السوق لضمان ألا تقتصر الاستثمارات على المشاريع الأكثر ربحية فقط، بل تشمل إعادة بناء الاقتصاد والمجتمع معاً بطريقة مستدامة.
وفي هذا السياق، يصبح القطاع الخاص شريكاً محورياً في إعادة الإعمار، ليس فقط كممول منفذ للمشاريع، بل كعنصر فاعل في صياغة النمو الاقتصادي المستدام وإعادة بناء مؤسسات الدولة والمجتمع على أسس عادلة وشفافة، مع توفير البيئة القانونية والمؤسسية التي تضمن ثقة المستثمرين المحليين والدوليين على حد سواء.
مركزية وبيروقراطية
ويشير الأكاديمي والباحث في العلاقات الاقتصادية الدولية عبد المنعم حلبي في تصريح لـ”963+” إلى أن الحكومة السورية والسلطة المعنية استمرت على مدار العام الماضي في إدارة الحياة الاقتصادية في البلاد بشكل مركزي، بما في ذلك توقيع الاتفاقات ومذكرات التفاهم مع الخارج، وتعيين مجالس الأعمال السورية في الخارج عبر وزارة الاقتصاد، بالإضافة إلى تعيين أعضاء الغرف التجارية والصناعية السورية.
ويضيف حلبي أن “المركزية والبيروقراطية ما تزال سائدة في إجراءات منح التراخيص والعطاءات في مختلف القطاعات الحيوية، مع غياب واضح لمبادئ الشفافية والتنافسية، وغياب الآليات والمعلومات اللازمة للشراكة في الاستثمار للعديد من المؤسسات العامة”، مشيراً إلى أن بعض التسويات مع رجال الأعمال الذين كانوا تابعين للنظام السابق تمّت بعيداً عن متطلبات العدالة الانتقالية لصالح الصندوق السيادي، وأن الاعتماد المستمر على المراسيم والطريقة الإدارية في معالجة الواقع الاقتصادي، إلى جانب غياب مجلس الشعب وإجراء الإصلاحات الجذرية في البيئة القانونية، أفضى إلى بيئة استثمارية غير مستقرة ومناخ عام يفتقر إلى اليقين.
ويوضح حلبي لـ”963+” أن الرهان الحقيقي لإعادة الإعمار يكمن في “استعادة الاستثمارات السورية في الخارج، وتشجيع عودة رجال الأعمال السوريين الذين غادروا البلاد خلال سنوات الحرب، مع حماية الصناعة الوطنية وتقديم التسهيلات اللازمة لها، لا سيما فيما يتعلق بتكاليف الطاقة وإعانات التصدير، والعمل على الحد من الفوضى في الاستيراد التي أثرت سلباً على الاقتصاد وقدرات الدولة من الدولار”، مشدداً على أن إعادة الإعمار تحتاج إلى “استثمارات خارجية طويلة الأمد ضمن مشروع وطني شامل واستراتيجية تشاركية وتنافسية تشرف عليها السلطات التنفيذية والتشريعية في إطار قضاء مستقل ونفاذ لمؤسسات المجتمع المدني، مع مراعاة توازن جميع أصحاب المصلحة والتركيز على المناطق والفئات الأكثر تضرراً وفق معايير تنموية قابلة للقياس”.
ويضيف أن الوضع الحالي لا يوفر هذا الإطار بسبب المؤسسات والكوادر والطرق المعتمدة حالياً.
دمار كبير
وفي هذا السياق، يشير د. محمد الجوهري، الخبير الاقتصادي ورئيس مركز أكسفورد الدولي للدراسات الاستراتيجية، في تصريح لـ”963+” إلى أن “القطاع الخاص يمكن أن يلعب دوراً محورياً في عملية إعادة إعمار سوريا، لكنه لا يستطيع أن يقود العملية بمفرده، نظراً لحجم الدمار الكبير في البنية التحتية والاقتصاد السوري، والذي يقدّر بمئات المليارات من الدولارات، وهو ما يفوق قدرة المالية العامة للحكومة”.
ويضيف الجوهري أن “الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص ليست مجرد خيار تنموي، بل ضرورة اقتصادية، حيث يمتلك القطاع الخاص القدرة على التمويل والخبرة الفنية وسرعة التنفيذ، بينما تمتلك الدولة القدرة على التخطيط الاستراتيجي وتحديد الأولويات وضبط الإطار التنظيمي لضمان توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الأكثر احتياجًا”.
ويوضح الجوهري أن القطاع الخاص سيقود جزءاً كبيراً من مشروعات الإعمار، خصوصاً في قطاعات الإسكان والطاقة والنقل والخدمات والاتصالات والمناطق الصناعية، “لأن هذه القطاعات عادة ما تكون أكثر جاذبية للاستثمار وتحقق عائداً اقتصادياً يمكن أن يشجع المستثمرين المحليين والإقليميين والدوليين على المشاركة”، مؤكداً أن نجاح هذا الدور مرتبط بـ”وجود دولة قوية قادرة على تنظيم السوق ومنع الاحتكار وضمان أن تساهم العملية في بناء اقتصاد منتج ومستدام وليس مجرد تحقيق أرباح سريعة”.
ويشدد الجوهري على أن نجاح الشراكات بين الدولة والقطاع الخاص يتطلب عوامل اقتصادية أساسية، أبرزها “الاستقرار الاقتصادي الكلي، وإطار قانوني واضح يحمي العقود والاستثمارات، وإصلاح القطاع المصرفي وتطوير النظام المالي، إلى جانب جهاز إداري حكومي كفء قادر على تصميم المشاريع وطرحها ومتابعة تنفيذها بكفاءة”، مؤكداً أن قدرة الحكومة على وضع سياسات تربط الاستثمارات بأهداف تنموية واجتماعية، مثل توفير الإسكان الميسر وتشغيل العمالة المحلية وإعادة تأهيل البنية التحتية في المناطق الأكثر تضرراً، تمثل شرطاً أساسياً لنجاح الشراكات، مع إمكانية استخدام حوافز ضريبية أو نماذج تمويل مختلط لتحمل جزء من المخاطر الاستثمارية في المشاريع ذات البعد الاجتماعي.
ويختم الجوهري تصريحاته بالقول: “نجاح إعادة إعمار سوريا لن يعتمد فقط على حجم الأموال التي سيتم ضخها، بل على قدرة الدولة في بناء نموذج تنموي متوازن يجعل القطاع الخاص شريكًا في التنمية وليس مجرد مستثمر يبحث عن الربح، بهدف إعادة بناء الاقتصاد والمجتمع معًا وضمان نمو اقتصادي مستدام وعدالة اجتماعية واستقرار طويل الأمد”.
بيئة قانونية واستثمارية
من جهته، يؤكد الدكتور بيار الخوري، عميد كلية إدارة الأعمال في الجامعة الأميركية للتكنولوجيا – لبنان، في تصريح لـ”963+” أن دور القطاع الخاص يتطلب “فهم الفجوة الكبيرة بين الاحتياجات التمويلية والقدرات المصرفية المتاحة”، مشيراً إلى أن تقديرات دولية تشير إلى أن تكلفة الإعمار تتراوح بين 250 و400 مليار دولار، وهو رقم يفوق بكثير إجمالي الناتج المحلي الذي انكمش بنسبة تزيد عن 70% خلال سنوات الأزمة.
ويوضح الخوري أن النظام المصرفي السوري يعاني من محدودية السيولة، حيث يتركز أكثر من 80% من الودائع في آجال قصيرة لا تتناسب مع طبيعة مشاريع البنية التحتية طويلة الأمد، وأن إجمالي أصول المصارف لا يغطي سوى جزء ضئيل من هذه الاحتياجات، ما يجعل الاعتماد الكامل على الجهاز المصرفي المحلي صعباً دون وجود خطوط ائتمان خارجية أو صناديق سيادية لدعم هذه التوجهات. وأضاف الخوري أن الجاهزية المصرفية الحقيقية تعتمد على تطوير التشريعات المالية لضمان حقوق جميع الأطراف وتقليل البيروقراطية في منح الائتمان، لافتاً إلى أن قانون الاستثمار رقم 18 لعام 2021 يقدم حوافز ضريبية وجمركية تصل إلى الإعفاء الكامل لبعض المشاريع الإنتاجية لمدة عشر سنوات.
ويشدد الخوري على أن تعزيز الشمول المالي يعد محورياً لدمج الاقتصاد غير الرسمي ضمن المنظومة المصرفية، ما يوفر قاعدة بيانات ائتمانية أوسع وتمكّن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من الوصول إلى التمويل والمشاركة كشركات توريد أو مقاولات ثانوية، كما أن تحديث الإطار القانوني لعمل مصارف التمويل الأصغر والمصارف الإسلامية يهدف إلى استقطاب كتلة نقدية ضخمة لا تزال خارج القنوات الرسمية، بما يعزز الجدارة الائتمانية للقطاع الخاص ويجذب رؤوس الأموال المغتربة إلى بيئة استثمارية آمنة ومنظمة.
ويضيف أن المصارف تواجه تحديات كبيرة نتيجة ارتفاع نسبة القروض المتعثرة، مما أدى إلى تآكل جزء من السيولة وتجميد محافظ ائتمانية واسعة، مؤكداً أن تجاوز هذه العقبات يتطلب “آليات مرنة لتسوية الديون وتفعيل مؤسسة ضمان القروض وتطوير سوق الأوراق المالية السورية لتوفير التمويل الرأسمالي، مع قدرة السياسة النقدية على كبح جماح التضخم وتقديم ضمانات سيادية للمستثمرين، بما يدعم تحول المصارف من دور الممول التقليدي إلى شريك استراتيجي في التنمية”.
ويجمع كل المصرحين على أن نجاح الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص يعتمد على وجود بيئة قانونية واستثمارية آمنة ومستقرة، وعلى توافر أدوات تمويل مرنة، وعلى قدرة الدولة على وضع سياسات تربط الاستثمار بالأهداف الاجتماعية والتنموية، مع ضرورة حماية الصناعة الوطنية، وتشجيع عودة المستثمرين المغتربين، والاهتمام بالمناطق والفئات الأكثر تضرراً، لضمان أن تكون عملية إعادة الإعمار جزءاً من استراتيجية شاملة لإعادة بناء الاقتصاد والمجتمع معاً، بما يحقق الاستقرار والنمو المستدام والعدالة الاجتماعية. وفي حال تحقق هذه الشروط، يمكن للقطاع الخاص أن يتحول من مجرد منفذ لمشاريع الإعمار إلى شريك أساسي في إعادة بناء الاقتصاد السوري وإطلاق مرحلة جديدة من التعافي والتنمية.
+963
——————————–
معوّقات عودة الكفاءات من أوروبا إلى سوريا الجديدة/ عبدالله تركماني
2026.03.22
استكمالاً لمقالنا السابق ” واقع وتحديات اللاجئين السوريين في أوروبا “، يوم 3 آذار/مارس الحالي، نتساءل اليوم عن معوّقات عودة الكفاءات. إذ ذكرنا مثلًا ” تحوّلت ألمانيا إلى الوجهة الأبرز للأطباء السوريين، الذين باتوا يشكّلون المجموعة الأكبر من الأطباء الأجانب؛ ففي عام 2024 سُجِّل رسميًا وجود 7042 طبيبًا وطبيبة سوريي الجنسية، وفق بيانات نقابة الأطباء الاتحادية. مع العلم أنّ الإحصاءات تشمل فقط من يحملون جواز سفر سوريًا، في حين تستثني آلاف الأطباء الذين حصلوا على الجنسية الألمانية خلال السنوات الماضية “.
وبالرغم من أنّ الحكومات الأوروبية ترغب في تسريع عودة اللاجئين السوريين إلى بلدهم فإنّ أغلب الكفاءات لا ينون العودة الطوعية بسبب عدم يقينهم باستقرار الأوضاع في ظل غياب المؤسسات العاملة طبقًا لحوكمة رشيدة. بل أنّ بعضهم يتساءل: هل أصبح لدينا بلد يمكن أن نعود إليه بعد لجوئنا القسري هروبًا من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في ظل النظام البائد؟
ففي استطلاع أجرته مفوضية الأمم المتحدة للاجئين، في أوائل عام 2026، تبين أنّ منازل أغلب اللاجئين السوريين في أوروبا ودول الجوار، بما فيهم الكفاءات العلمية ورجال الأعمال، قد فقدوا منازلهم خلال الأربعة عشر عاماً للثورة. إضافة إلى معطيات بعد التغيير في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، حيث لم تفِ سلطة المرحلة الانتقالية بأغلب تعهداتها في الإعلان الدستوري، إذ لا توجد خطة معلنة عن إعادة الإعمار، بما فيها تأمين السكن لمن ما زالوا يعيشون في المخيمات، فكيف بأولئك الذين دُمّرت مساكنهم؟
كما أنّ ملف العدالة الانتقالية لم يحرز تقدمًا حقيقيًا، إذ لم يتم محاسبة مجرمي الحرب خلال سنوات الثورة، إن كانوا من رجال أمن النظام البائد أو الميليشيات التي كانت ضده الذين تلطخت أياديهم بدماء الشعب السوري. بل أنّ العناصر المتطرفة التي تهدد الأمن العام، تمَّ اكتفاء السلطات بالحديث عن ” عناصر منفلتة ” و” الفلول “. وفي هذا السياق لم يقدم إلى العدالة مافيات النظام البائد بل تمَّت التسويات المالية معهم وأفلتوا من العقاب، وكذلك من مارسوا انتهاكات جسيمة ضد المواطنين العلويين والدروز في الساحل والسويداء، مما يهدد المصالحة الوطنية الشاملة.
وعلى صعيد الحياة السياسية تمَّ استباق صدور قانون تشكيل الأحزاب بالإعلان عن ” هيئة الإدارة السياسية ” التي تقوم بدور حزب النظام البائد بصفتها ” قائدة للدولة والمجتمع “.
وهكذا، على عكس ما كان عليه موقف أغلب الكفاءات بعد سقوط النظام البائد، فإنّ 70 %، حسب استبيان لرابطة الأطباء السوريين في الأيام الأولى لتغيير 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، فكروا في العودة إلى سوريا. أما اليوم فإنهم يستبعدون العودة للاستقرار، إذ إنّ الأطباء الذين عادوا ضمن بعثات طبية تطوعية، عاد أغلبهم محمّلين بالخيبة على مستويات عديدة. خاصة أنهم حققوا اندماجًا اجتماعيًا واقتصاديًا في مجتمعاتهم الجديدة، كما أنّ أجيالًا جديدة تلقت التعليم في مدارس أوروبا لم تعرف من سوريا إلا روايات أهلها، الذين أسسوا مشاريعهم الخاصة، واستفادوا من الرعاية الصحية والخدمات الأساسية، وشعروا بالاستقرار الذي افتقدوه في ظل النظام البائد، وليس متاحًا في ظل السلطة الانتقالية الحالية.
ولكن لا يمكن تفسير التلكؤ في عودة الكفاءات من أوروبا بعوامل ذاتية فقط، وإنما الأهم قراءتهم للواقع الموضوعي في البلد، إذ تشهد المرحلة الانتقالية غيابًا للمؤسسات الضامنة لحوكمة رشيدة تضمن سيادة القانون في مجمل الحياة العامة، بما يشير إلى إدراكهم لتعقيدات المرحلة الانتقالية، خاصة غياب المعطيات التي تجعل عودتهم آمنة وكريمة، مع غياب الضمانات السياسية والأمنية
والقانونية. فما زال الوضع الأمني محكوم بمقولة ” الفلتان الأمني ” و” العناصر المنفلتة “. إضافة إلى غياب العدالة الانتقالية أو أية آلية قضائية عادلة تضمن حقوق الضحايا والجناة، بل العمل طبقًا لمقولة ” الفلول ” غير المحددة، مما يفتح في المجال للإفلات من العقاب.
في حين أنّ هذه الكفاءات المهاجرة وجدت في أوروبا دولًا للحق والقانون والمواطنة المتساوية، وتخشى ألا تجدها في سوريا الجديدة، خاصة غياب خطة لعودة اللاجئين إلى مناطقهم، بل عدم تأمين حياة كريمة للنازحين سكان المخيمات. إذ إنّ الوطن والوطنية يحتاجان إلى عقد اجتماعي يضمن أنّ الدولة الوطنية لكل مواطنيها الأحرار المتساويين في الحقوق والواجبات، على أصعدة القضاء العادل والإعلام الحر والفرص الاقتصادية الشفافة التي تتيح للعائدين مشاركة في الاستثمار الذي يدار بشفافية وليس في الغرف المغلقة لأهل الولاء.
وإذا توفرت المعطيات السابقة الذكر تصبح عودة الكفاءات من لجوئها في أوروبا واجبًا وطنيًا، ينبع من القناعة النابعة من الطمأنينة إلى المستقبل.
ومما يؤسف له أنّ عددًا من الأكاديميين يخططون للهجرة، بعد أن عانوا من تحكّم أهل الولاء ومشايخ أهل المنهج السلفي في توجهاتهم العلمية، وأيضًا محاولة منهم لتأمين ظروف معيشية مقبولة إنسانيًا، بعد أن أيقنوا أنّ العمل، طبقًا لاختصاصاتهم العلمية، داخل سوريا يفتقر إلى الإمكانية في الأفق المنظور. ورغم أنّ الدوافع الاقتصادية تأتي في مقدمة أسباب الهجرة، إلا أنّ هناك أسبابًا أخرى غير معلنة، أبرزها المخاوف الأمنية التي تراود بعضهم.
وعليه تبقى الأسئلة الهامة: هل ستفي السلطة الانتقالية بتعهداتها التي أعلنتها، وتحويل وعود قادتها إلى واقع يمهد الطريق لعودة آمنة وكريمة لكل اللاجئين، بما فيهم الكفاءات؟ وهل ستتمكن من طمأنة كل مكوّنات الشعب السوري المختلفة، المذهبية والطائفية والقومية؟ وهل ستقلع عن الاعتماد على أهل الولاء واستبعاد أهل الكفاءة؟
——————————–
لجنة مكافحة الكسب غير المشروع تعلن قرب نشر قائمة موسعة بالملفات قيد التحقيق
تحضيرات لإحالة مرتبطين بالكسب غير المشروع إلى القضاء السوري
2026-03-22
أفادت لجنة مكافحة الكسب غير المشروع، اليوم الأحد، بأنها ماضية في نهج الشفافية وإطلاع الرأي العام على مجريات عملها، مؤكدةً أنها تعمل حالياً على إعداد قائمة شاملة سيتم نشرها عبر موقعها الرسمي.
وقالت اللجنة إن القائمة الشاملة تتضمن أسماء شخصيات وشركات فُتحت بحقها ملفات تتعلق بالكسب غير المشروع، وفق ما أفادت به وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).
وبيّنت اللجنة، أن هذه القائمة ستشمل ملفات ما تزال قيد التحقيق، إلى جانب ملفات أُغلقت بعد تسويات مالية، وأخرى يجري استكمال إجراءات إحالتها إلى القضاء أو إلى الجهات المختصة، وذلك تبعاً لطبيعة كل ملف وظروفه الخاصة.
وأشارت إلى أن الإحالات قد تطال جهات متعددة معنية، من بينها الهيئات المختصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وإدارة مكافحة المخدرات، والهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، إضافة إلى جهات أخرى بحسب مقتضيات كل حالة.
وأوضحت اللجنة أنها تعمل على إعداد تقرير رقمي متكامل يتضمن بيانات وإحصائيات تفصيلية حول نشاطها، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية وتمكين المواطنين من الاطلاع على حجم الجهود المبذولة في معالجة ملفات الكسب غير المشروع.
ونوهت إلى أنها ملتزمة بعدم التفريط بأي حق من حقوق الدولة، ومواصلة العمل على استرداد الأموال والأصول التي تم تحصيلها بطرق غير قانونية خلال المرحلة السابقة.
وأعربت عن عن تقديرها للنتائج التي تحققت خلال فترة زمنية قصيرة، رغم حساسية الملفات وتعقيداتها، ولا سيما في ما يتعلق بتعقب محاولات تهريب الأموال وتبييضها من قبل بعض فلول وأعوان النظام المخلوع.
كما دعت اللجنة المواطنين إلى التعاون معها والإبلاغ عن أي حالات يُشتبه بأنها تندرج ضمن الكسب غير المشروع، وذلك عبر موقعها الإلكتروني الرسمي، مشددةً على أن هذه الشراكة المجتمعية تمثل ركيزة أساسية لدعم عملها وتعزيز مبادئ النزاهة وسيادة القانون.
وقبل أيام أكدت لجنة مكافحة الكسب غير المشروع قد أكدت في العشرين من الشهر الجاري أن جميع الإجراءات المرتبطة بملفات الكسب غير المشروع، بما في ذلك الإفصاح الطوعي أو التسويات، تتم ضمن أطر قانونية ومؤسسية واضحة.
وكانت اللجنة قد قالت إن الإجراءات لا يُعلن عنها إلا من خلال القنوات الرسمية المعتمدة، وفي مقدمتها الموقع الرسمي للجنة أو التصريحات الصادرة عبر الإعلام الرسمي في سوريا.
————————–
====================
تحديث 20 أذار 2026
——————————–
المؤتمر الدولي لإعادة إعمار سوريا: نقطة التحول الكبرى/ عمار زيدان
يمثل مؤتمر إعادة الإعمار المرتقب فرصة استراتيجية لإعادة إدماج سوريا في المنظومة الاقتصادية الدولية.
2026-03-20
تشهد سوريا في المرحلة الراهنة منعطفاً حاسماً في مسارها الاقتصادي والتنموي، مع تزايد الدعوات لعقد مؤتمر دولي شامل لإعادة الإعمار، يُعنى بوضع أسس عملية لمرحلة ما بعد الحرب. ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك متنامٍ لحجم الأضرار التي طالت البنية التحتية، والقطاعات الإنتاجية والخدمية، فضلاً عن التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي أفرزتها الحرب، ما يجعل من عملية إعادة الإعمار ضرورة ملحة لا تحتمل التأجيل.
ويمثل هذا المؤتمر المرتقب فرصة استراتيجية لإعادة إدماج سوريا في المنظومة الاقتصادية الدولية، من خلال فتح قنوات التعاون مع الدول المانحة والمؤسسات المالية العالمية، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، بما يسهم في تحفيز النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل جديدة. كما يشكل منصة لعرض الرؤية الحكومية لإعادة الإعمار، وتقديم الخطط والمشاريع ذات الأولوية في مختلف القطاعات، مثل الطاقة، والبنية التحتية، والصحة، والتعليم، والإسكان، وهي قطاعات تُعد حجر الأساس لأي عملية نهوض اقتصادي مستدام.
وفي المقابل، لا يمكن إغفال التحديات الكبيرة التي تحيط بهذا المسار، سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو الإداري. فنجاح المؤتمر يتطلب بيئة مستقرة نسبياً، وإطاراً قانونياً وتنظيمياً واضحاً يضمن حقوق المستثمرين، ويعزز الشفافية والمساءلة. كما أن تأمين التمويل اللازم، وتنسيق الجهود بين مختلف الأطراف المعنية، يشكلان تحدياً إضافياً في ظل تعدد الفاعلين وتباين المصالح الدولية.
ومن هنا، فإن المؤتمر الدولي لإعادة إعمار سوريا لا يُعد مجرد حدث سياسي أو اقتصادي عابر، بل يمثل محطة مفصلية في رسم ملامح المستقبل السوري. فبين الفرص الواعدة والتحديات المعقدة، تتحدد قدرة هذا المؤتمر على إحداث تحول حقيقي، يمهّد الطريق نحو التعافي الاقتصادي، ويعيد لسوريا دورها الطبيعي في محيطها الإقليمي والدولي.
كما أن الاستفادة من الخبرات الدولية والتجارب الناجحة في إعادة الإعمار ستعزز من فرص تحقيق نتائج إيجابية وسريعة. ويظل التنسيق الفعّال بين الجهات المانحة والحكومة السورية عنصراً حاسماً في تسريع وتيرة التنفيذ، وضمان توجيه الموارد نحو الأولويات الحقيقية التي تلامس احتياجات المواطنين اليومية بشكل مباشر.
وبين هذه الفرص والتحديات، يبقى نجاح المؤتمر مرهوناً بقدرته الفعلية على تحويل التعهدات والوعود إلى مشاريع ملموسة على أرض الواقع، لا سيما في ظل التجارب السابقة التي لم تحقق النتائج المرجوة بالقدر الكافي. إذ إن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من إطار النقاشات النظرية إلى التنفيذ العملي، من خلال وضع آليات واضحة للمتابعة، وضمان الالتزام الدولي بتمويل المشاريع ودعمها فنياً ولوجستياً.
وتحقيق هذا النجاح يستدعي توفير بيئة مناسبة للاستثمار، تقوم على الاستقرار، والشفافية، ووضوح القوانين والتشريعات، بما يعزز ثقة المستثمرين ويشجعهم على الدخول في مشاريع طويلة الأمد. ويُضاف إلى ذلك أهمية إشراك الكفاءات الوطنية، وتفعيل دور القطاع الخاص المحلي، ليكون شريكاً أساسياً في عملية إعادة الإعمار.
يقول الكاتب والمحلل الاقتصادي الدكتور بسام الزعبي إنه فيما يخص موضوع المؤتمر الدولي لإعادة الإعمار، لا شك أنه يحظى بأهمية كبيرة في هذه المرحلة الحساسة التي تمر بها سوريا. ويؤكد أن البلاد اليوم بحاجة ماسة إلى تسليط الضوء عليها دولياً، ليس فقط من زاوية التحديات، بل أيضاً من خلال إبراز ما تمتلكه من فرص استثمارية واعدة في مختلف القطاعات. كما يشدد على ضرورة عرض الخطط والمخططات الاستراتيجية، إلى جانب البرامج التنفيذية الخاصة بإعادة الإعمار في مختلف المدن والمناطق السورية.
ويضيف الزعبي، في حديثه لـ”963+”، أن من الضروري إطلاع المجتمع الدولي بشكل واضح وشفاف على الواقع الراهن في سوريا، وما يجري العمل عليه في المرحلة المقبلة، بما يسهم في دعم جهود النهوض بمختلف القطاعات الاقتصادية والخدمية. ويهدف ذلك إلى إعادة إعمار المناطق المتضررة، واستعادة الحياة الطبيعية فيها، وتنشيط الحركة التجارية والاقتصادية، فضلًا عن إعادة الاستقرار السكاني إلى مختلف أنحاء البلاد.
ويتابع أن هذه المرحلة تتطلب تركيزاً كبيراً على المشاريع المتاحة، وتحديد المتطلبات الأساسية بدقة، إلى جانب إبراز القطاعات ذات الأولوية. ويُعد القطاع الصحي في مقدمة هذه القطاعات، نظراً لأهميته المباشرة في حياة المواطنين، وكذلك قطاع التعليم الذي يمثل حجر الأساس في بناء مستقبل مستدام. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى عرض هذه الفرص بشكل مدروس ومنظم أمام المستثمرين والدول المانحة، بما يعزز فرص التمويل والتنفيذ.
ويشير الزعبي إلى وجود العديد من التحديات التي لا يمكن تجاهلها، إلا أنه يؤكد في الوقت ذاته على أهمية طرح هذه التحديات بشفافية، ومناقشتها بجدية للوصول إلى حلول عملية وقابلة للتطبيق. ويرى أن سوريا اليوم تقف أمام فرصة حقيقية لتعزيز التعاون مع المجتمع الدولي، واستقطاب كبار المستثمرين للمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار، بما يسهم في تسريع وتيرة التعافي الاقتصادي.
كما يوضح أن المؤتمرات واللقاءات الدولية تمثل منصة أساسية لتوحيد الجهود بين مختلف الأطراف، سواء على المستوى الداخلي بين الحكومة السورية والقطاع الخاص المحلي ورجال الأعمال السوريين، أو على المستوى الخارجي مع الشركات الاستثمارية الكبرى والدول الراغبة في دعم عملية إعادة الإعمار.
ويختم الزعبي بالتأكيد على أهمية أن تترجم هذه اللقاءات إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع في المستقبل القريب، مشيراً إلى وجود مؤشرات أولية مشجعة، تتمثل في توجه بعض الدول نحو الاستثمار الفعلي في مشاريع حيوية، مثل قطاع الكهرباء وغيره، وهو ما يعزز الآمال بتحقيق تقدم حقيقي في مسار إعادة الإعمار والتنمية.
بدوره، يؤكد الدكتور أسامة القاضي المستشار في وزارة الاقتصاد والصناعة لـ “963+”، أن السوريين يتطلعون إلى عقد مؤتمر دولي للتعافي، على غرار مشروع “مارشال” الذي أسهم في إعادة بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. وفي هذا السياق، يبرز ما يمكن تسميته بـ “مؤتمر الملك سلمان للتعافي السوري” بوصفه مبادرة مفصلية، يُتوقع أن تعقد برعاية المملكة العربية السعودية، وبمشاركة ودعم من الولايات المتحدة الأميركية، إلى جانب شركاء دوليين آخرين.
ويعتقد القاضي أن هذا المؤتمر، في حال انعقاده وفق رؤية واضحة ومتكاملة، سيشكل نقطة تحول حقيقية في مسار النهوض الاقتصادي السوري، إذ سيجمع مختلف الأطراف الدولية حول هدف واحد، يتمثل في دفع عجلة التنمية وإعادة الإعمار، وفتح آفاق جديدة للاستثمار في مختلف القطاعات الحيوية.
ويقول إن التجارب الدولية أثبتت أن الإرادة السياسية، عندما تترافق مع الدعم الدولي والتخطيط السليم، قادرة على تحقيق تحولات كبرى. ويمكن الاستشهاد بما حدث في ألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أسهمت خطط إعادة الإعمار في إحداث نهضة اقتصادية لافتة، وكذلك تجربة كوريا الجنوبية بعد الحرب الكورية، التي تحولت من دولة منهكة إلى واحدة من أبرز الاقتصادات العالمية. كما تُعد تجربة سنغافورة، بعد انفصالها عن الاتحاد الماليزي عام 1963، مثالًا آخر على قدرة الدول على تحقيق قفزات تنموية نوعية عندما تتوافر الرؤية والإدارة الفاعلة.
وفي الحالة السورية، تبدو الفرصة مهيأة لبدء مسار مماثل، لا سيما في ظل توجه الإدارة السورية نحو تبني سياسة قائمة على تصفير المشكلات، والانفتاح على العالم، والتركيز على البوصلة الاقتصادية والتنموية بوصفها أولوية وطنية. إن هذا التحول في النهج من شأنه أن يعزز الثقة الدولية، ويفتح المجال أمام تدفقات استثمارية كبيرة تسهم في إعادة بناء الاقتصاد الوطني.
ويذكر المستشار في وزارة الاقتصاد بأن انعقاد مؤتمر دولي بهذا الحجم، برعاية المملكة العربية السعودية ودعمها، إلى جانب مساهمة الأشقاء والأصدقاء، قد يمثّل حجر الأساس لانطلاقة اقتصادية جديدة في سوريا. ولا يقتصر أثر هذا المؤتمر على توفير التمويل فحسب، بل يمتد ليشمل نقل الخبرات، وتعزيز الشراكات، وبناء بيئة اقتصادية مستدامة.
ويوضح إلى أن هذه اللحظة التاريخية ليست مجرد فرصة عابرة، بل تمثل نقطة انطلاق حقيقية نحو إعادة البناء الشامل للاقتصاد السوري، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي والسياسي في مختلف المناطق. فإذا ما تم استثمار الدعم الدولي والمبادرات الاستثمارية بشكل فعال، فإن سوريا قادرة على استعادة مكانتها الاقتصادية والحضارية، وخلق بيئة تنموية مستدامة توفر فرص عمل، وتحسن مستوى المعيشة لجميع المواطنين، وتعيد الحياة الطبيعية إلى المدن والمجتمعات التي طالها الدمار.
+963
——————————–
باحث اقتصادي يؤكد: الاستثمار في الموارد البشرية أساس النهوض الاقتصادي
آذار 20, 2026
قال الباحث الاقتصادي الدكتور حسن غرة، الجمعة 20 آذار، إن شمول قطاعات محددة بالزيادة الأخيرة، مثل الصحة والتعليم العالي والتربية والأوقاف، إضافة إلى الجهات الرقابية والمالية كمصرف سوريا المركزي والهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، يأتي انطلاقاً من دورها المحوري في بناء المجتمع وتطوير البنية المؤسسية والاقتصادية.
وأوضح غرة في مقابلة على الإخبارية أن تجارب دول مثل ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وكوريا الجنوبية في السبعينيات، وسنغافورة، أظهرت أن الاستثمار في هذه القطاعات يشكل أساساً للنهوض الاقتصادي وتعزيز البنية المؤسسية.
وأشار إلى وجود تحديات عديدة في المرحلة المقبلة، مؤكداً أن رفع الرواتب في هذه القطاعات يسهم في جذب الكفاءات، بما ينعكس إيجاباً على الأداء المؤسسي.
ولفت إلى أن بناء اقتصاد قوي لا يمكن أن يتحقق دون وجود قضاء مستقل وتشريعات استثمارية واضحة، وهي مسارات تحتاج إلى وقت، ما يجعل دعم الموارد البشرية خطوة أساسية لتجاوز هذه التحديات.
وبين أن الاقتصاد الموازي يشكل أكثر من 60% من النشاط الاقتصادي، ما يفرض تحدياً كبيراً في دمجه ضمن الاقتصاد الرسمي لتعزيز إيرادات الدولة.
شدد على أهمية استقطاب الكفاءات السورية في الخارج، ولا سيما في أوروبا ودول الخليج، مؤكداً أن عودتهم تتطلب بيئة مستقرة وفرص عمل حقيقية، بما يسهم في دعم مسار التعافي الاقتصادي.
وكان السيد الرئيس أحمد الشرع قدر أصدر في وقت سابق من اليوم، المرسوم رقم (67) لعام 2026، القاضي بإضافة نسبة 50% إلى الرواتب والأجور المقطوعة للعاملين في القطاع العام، وذلك بهدف تحسين أوضاعهم المالية في ظل المستجدات الاقتصادية.
وجاء المرسوم، بناءً على أحكام الإعلان الدستوري ومقتضيات المصلحة الوطنية العليا، ونصت المادة الأولى منه على إضافة نسبة 50% إلى الرواتب والأجور النافذة بتاريخ صدوره، لتشمل العاملين في الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة وشركات ومنشآت القطاع العام، إضافة إلى جهات القطاع المشترك التي لا تقل نسبة مساهمة الدولة فيها عن 50%.
المصدر: الإخبارية
————————–
برلين ترسل ورقة سياسات حول سوريا إلى المفوضية الأوروبية
2026-03-19
دعت الحكومة الألمانية الاتحاد الأوروبي إلى تكثيف جهوده لتعزيز العلاقات الاقتصادية مع سوريا، معتبرة أن تسريع التعافي الاقتصادي يشكل عاملاً أساسياً لتحقيق الاستقرار في البلاد التي أنهكتها سنوات الحرب، وذلك في ظل مرحلة انتقال سياسي تشهدها البلاد حالياً.
وجاءت هذه الدعوة ضمن ورقة سياسات أرسلتها برلين إلى المفوضية الأوروبية، واطلعت عليها وكالة الأنباء الألمانية (dpa)، حيث عرضت الحكومة الألمانية مجموعة من المقترحات الهادفة إلى إعادة الانخراط الاقتصادي مع سوريا.
وتشمل هذه المقترحات فتح نقاشات مع بنك الاستثمار الأوروبي، المملوك لدول الاتحاد الأوروبي الـ27، بشأن استئناف نشاطه داخل سوريا، إضافة إلى دراسة تخفيف شروط التجارة في قطاعات مثل الزراعة والمنسوجات، والتي تُعد من الركائز الأساسية لعملية التعافي الاقتصادي في البلاد.
كما أشارت الورقة إلى إمكانية التوجه، على المدى الطويل، نحو التفاوض على إطار تعاون أوسع مع الحكومة السورية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي والسياسي.
في المقابل، لا يزال عدد كبير من اللاجئين السوريين في أوروبا يفضلون البقاء، بسبب استمرار التحديات الاقتصادية في بلادهم، وفق ما أفادت به وكالة الأنباء الألمانية.
وقالت الوكالة إن هذه المعطيات تأتي في ظل وضع اقتصادي هش تعاني منه سوريا بعد أكثر من عقد من الحرب، الذي أدى إلى نزوح ملايين السوريين خلال فترة حكم النظام.
وحذرت الورقة الألمانية من أن غياب تحسن ملموس في الوضع الاقتصادي قد يهدد مسار الانتقال السياسي في سوريا، داعية الاتحاد الأوروبي إلى إعطاء أولوية أكبر لإجراءات إعادة الإعمار والدعم الاقتصادي.
وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء الألمانية، فإن موقف ألمانيا يحظى بدعم عدد من الدول الأوروبية، من بينها فرنسا وإيطاليا والسويد والنمسا.
وفي وقت سابق من الشهر الجاري، كشف تقرير لوزارة الخارجية الألمانية أن الوضع في سوريا ما يزال متقلباً رغم تحسن طفيف، محذّراً من عودة نشاط تنظيم “داعش”، وسط جدل سياسي في ألمانيا حول إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم.
ووصف التقرير الذي أعدته وزارة الخارجية الألمانية الوضع في سوريا بأنه “متقلب”، بعد أن كان قد جرى تصنيفه في ربيع العام الماضي بأنه “شديد التقلب”.
وأشار، إلى أن تنظيم “داعش” أصبح أكثر نشاطاً من ذي قبل، كما لفت إلى النزاع غير المحسوم بين الحكومة السورية والمناطق الخارجة عن سيطرتها، ومن بينها مناطق يسيطر عليها الدروز في محافظة السويداء.
وقالت لويز أمتسبرغ، المتحدثة باسم حزب الخضر للشؤون الخارجية، إن إعادة اللاجئين إلى سوريا لا يمكن تبريرها في ظل الوضع القائم هناك.
وأضافت أن أحداث العنف التي استهدفت الدروز والعلويين، إضافة إلى الهجمات على الأكراد في شمال شرق سوريا، تظهر أن الحكومة السورية غير قادرة أو غير راغبة في ضمان أمن جميع السكان في البلاد.
——————————–
====================



