تحقيقاتسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة
«ظننتُ أنّه سوري» كيف تَحوّلَ العنف الرمزي ضد اللاجئين السوريين في الإعلام التركي إلى عنف مادي وقاتل/ سلطان جلبي

- 25-03-2026
-
- في إطار جهود متواصلة لفهم وتحليل أشكال العنف غير المرئي في السياق السوري، نظّم عدد من المؤسسات السورية ملتقى العنف غير المرئي في ظل النزاع السوري، والذي عُقد في برلين في 22 – 23 كانون الثاني (يناير) 2025. عُرِض خلال الملتقى أربع دراسات حالة كمحاولة جادة لاستكشاف التمظهرات المختلفة للعنف البنيوي والرمزي الذي لا يحظى بالاهتمام الكافي في التحليلات التقليدية للصراع السوري.تُقدم الدراسات الأربع المنشورة قراءة تقاطعية لحالات مُحدّدة في المجالات الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والبيئية، بهدف تحليل أسباب العنف غير المرئي وتفاعلاته مع الثقافة المجتمعية وآثاره المحتملة على الأفراد والمجتمعات. تُحلِّل هذه الدراسة دور الإعلام التركي في تصوير السوريين كفئة قابلة للانتهاك وتأثير ذلك على تصاعد العنف المباشر.* * * * *في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 قُتِل طفل في مدينة غازي عنتاب عندما كان يلعب مع مجموعة من أصدقائه أمام محل تجاري يملكه القاتل. وهو مواطن تركي يدعى محسن تاشكي، أزعجته أصوات الأطفال فتشاجر معهم وتطور الأمر إلى أن أطلق النار من بندقية الصيد خاصته على الطفل. قالت أم الطفل إن القتل لم يكن بالخطأ وإن تاشكين حاصر طفلها ثم قتله. لاحقاً، في قاعة المحكمة، برر القاتل فعلته بالقول «ظننت أن الطفل سوريٌّ». لم يكن الطفل سورياً، بل تركي اسمه «أمير بياندر» وعمره عشر سنوات. أمّا التبرير الذي قدَّمه القاتل في قاعة المحكمة فيعكس مزاجاً عنصرياً برز خلال السنوات الأخيرة بين شريحة من المجتمع التركي ممن باتوا يرون اللاجئين السوريين بوصفهم مجموعة سكانية قابلة للانتهاك. أتى ذلك في سياق تزايدت فيه الحوادث العنصرية بشكل خاص ضد اللاجئين السوريين الذين ما زال حوالي 2.3 مليون منهم يعيشون ضمن قانون الحماية المؤقتة في تركيا. أدت تلك الحوادث إلى مقتل 21 لاجئاً سورياً بين عامي 2020 و2022 حسب منظمة حقوق الإنسان في تركيا TIHV. لا توفر الجمعية أو غيرها إحصائيات أحدث عن السوريين الذين وقعوا ضحايا جرائم عنصرية خلال الأعوام التالية التي ازدادت فيها الحوادث، لكننا خلال العام 2024 رصدنا عدداً من التقارير الإعلامية والحقوقية عن حوادث وقعت في إسطنبول، وبورصة، وأزمير، وهاتاي وغيرها. يُجادل هذا المقال أنه مما أسس لتفشي العنف المرئي ضد اللاجئين السوريين في تركيا هو سنوات من العنف غير المرئي الذي مارسته وسائل الإعلام التركية الكبرى من خلال تغطيتها القاصرة، المُتحيِّزة سلباً، والمشوبة بخطاب الكراهية لقضايا اللاجئين عموماً في تركيا، والسوريين منهم بشكل خاص. وعلى ذلك يُحلِّل المقال البيئة التشريعية والمؤسسية التي تعمل في ظلها وسائل الإعلام التركية التي خرج منها العنف غير المرئي، كمحاولة لتقديم مادة للتفكير الجماعي في حلول لمعالجة أزمة كراهية اللاجئين السوريين في تركيا.تغطية الإعلام التركي للقصص المُتصلة باللاجئين السوريين«حين لا يظهر لك وجه أو صوت على شاشات الإعلام (التركية)، تُصبح غير مرئي وغير معروف بالنسبة للمجتمع الذي تعيش داخله ويسهل تجريدك من إنسانيتك» يقول صحفي سوري يعمل في تركيا فضل عدم التصريح باسمه.تُظهر الأدبيات أن اللاجئين السوريين جرى تصويرهم بشكل سلبي من قبل وسائل الإعلام التركية منذ وصولهم إلى البلاد في عام 2011. وفقاً لـ (Doğanay & Keneş, 2016) فقد طغى الخطاب التمييزي على تغطية الإعلام التركي في وقت مبكر بين عامي 2011 و2014 حيث «تجاهل ذلك الإعلام التجارب الحياتية للاجئين السوريين واكتفى بتصويرهم على أنهم تهديد اجتماعي، عبء اقتصادي، مشكلة أمنية، وفي أحسن الأحوال كانوا ضحايا سلبيين بحاجة للمساعدة». ووفقاً للمؤلفين، مهد هذا الخطاب التمييزي لمرحلة أخرى من التصعيد ضد اللاجئين في وسائل الإعلام والخطاب العام بعد عام 2015، حيث بات السوريون من أكثر المستهدفين بخطاب الكراهية في وسائل الإعلام على مدى الأعوام اللاحقة حسب تقارير منظمة هرانت دينك التركية المناصرة لحرية التعبير والديمقراطية. في الأعوام اللاحقة أيضاً برزت سرديات إعلامية تكرّس أخروية اللاجئين السوريين عن المجتمع التركي (Otherization)، بمعنى تصوير اللاجئين على أنهم مختلفون جوهرياً عن الأتراك مما شكّل أرضية وظيفية للمزيد من التمييز ضدهم في المجال العام (Onay-Coker, 2019).بالتركيز على الإعلام التلفزيوني، وجدت الباحثة التركية أليف يوجيل في دراسة للمحتوى التلفزيوني في الإعلام التركي خلال جائحة (Covid-19) وشملت الدراسة ثمانيَ محطات تلفزيونية كبرى 1 أن «الأخبار التلفزيونية بالكاد بثت قصصاً عن اللاجئين السوريين خلال 163 يوماً تمت تغطيتها في هذه الدراسة» وهو ما وصفته بالإبادة الرمزية للسوريين (Yücel, 2021). أظهرت الأدبيات السابقة أيضاً أن وسائل الإعلام تُساهم في نشر خطاب الكراهية والصور النمطية عن السوريين من حيث ربط قصصهم بالأعمال الإجرامية مثل القتل والسرقة والتحرش، وبالتالي جرى تصنيفهم كمجرمين محتملين. كذلك الربط بينهم وبين الإرهاب وتردي الوضع الاقتصادي في البلاد، وكثيراً ما نُظِر لهم كتهديد ديموغرافي وثقافي لتركيا. يقول نجدت أيبك دوزو، وهو عضو المجلس الأعلى للبث الإذاعي والتلفزيوني التركي RTUK «مشاجرة بين مواطنين تركيين لا تُشكّل قصة يلهث وراءها الإعلام، لكن المشاجرة تُصبح قصة صحفية حين يكون أحد الطرفين أجنبياً». إحدى نتائج هذه التغطية المُتحيزة ضد اللاجئين تجسّدت على منصات التواصل الاجتماعي، إذ أشار تحليل المحتوى المُتعلق باللاجئين السوريين المنشور باللغة التركية على منصة (X) أن ما لا يقل عن 81.5 بالمئة من التغريدات حول السوريين في عام 2021 حملت آراء سلبية (Parlak & Çakın, 2023). لا تُعبّر هذه الأرقام بالتأكيد عن الحالة المجتمعية في تركيا ككل، حيث هناك مناطق لم تشهد ممارسات عنصرية، ومجتمعات متصلة بروابط قُربى ومصاهرة مع اللاجئين السوريين. لكن بالعموم ساهمت التغطية الإعلامية المُتحيزة ضد اللاجئين في تهيئة المزاج العام لاتساع ممارسات العنف المباشر ضدهم. تقول أكاديمية وباحثة في جامعة حكومية في إسطنبول إن «معظم الأتراك حتى السياسيون منهم لا يفهمون طبيعة الحرب في سوريا لأن الإعلام التركي فشل في سرد القصة السورية. الإعلام التركي لا يرى سوريا إلا من خلال مساحات الانخراط التركي فيها.. لطالما كانت تغطيته لسوريا هي تغطية للحضور التركي فيها، لذلك فالوعي الجمعي التركي تجاه سوريا والسوريين مبني على معلومات خاطئة بجزء كبير منه». من جانبه يُضيف السيد أيبك دوزو «المشكلة ليست مع السوريين فقط بل تطال كل اللاجئين في تركيا، فالدولة تستقبلهم، والإعلام يتجاهل معاناتهم الحياتية في تركيا حين يتعرضون للتمييز في أماكن العمل وفي المجال العام، فيغيبون عن الإعلام ويظهر المحرضون على الشاشات ليصفوا نعيماً متخيلاً يعيشه اللاجئون في تركيا». تفترض هذه الورقة أن التغطية الصحفية الدقيقة، العادلة والمتوازنة لقضايا اللاجئين هي مطلب قانوني، أخلاقي ومهني. كما أنها ضرورة لحماية اللاجئين وتعزيز التماسك الاجتماعي في تركيا بوصفها إحدى أكبر الدول المستضيفة للاجئين في العالم.تغطية أحداث قيصري وأصداؤها في تركيا وسوريا كحالة دراسةشهدت ليلة 30 يوليو (تموز) 2024 والأيام التي تلتها واحدة من أسوأ موجات العنف ضد اللاجئين السوريين في البلاد حيث عاش ملايين السوريين في تركيا أسبوعاً من الرعب محتجزين داخل منازلهم. بدأت الهجمات في مدينة قيصري بعد إشاعات، تبين عدم دقتها لاحقاً في بيان للولاية، بأن طفلة تركية تعرّضت للتحرش من قبل شاب سوري. انطلق مئات المواطنين الأتراك الغاضبين في الشوارع يحطمون ويحرقون السيارات والمحلات التي تعود ملكيتها إلى سوريين ثم تطور الهجوم ليطال بيوتهم التي أحرق العديد منها. عجزت قوات الأمن التركية عن ضبط الاحتجاجات طيلة ساعات الليل. كانت موجة العنف كبيرة لدرجة أن وزارة الداخلية التركية أعلنت عن اعتقال 474 مشتبهاً من مثيري الشغب خلال اليومين التاليين للهجوم. موجة العنف امتدت سريعاً لتقع حوادث مشابهة في إسطنبول، وأضنة، وقونيا، وكلس وعدد من المدن الأخرى. في اليوم التالي ردّت مدن الشمال السوري باحتجاجات واسعة وغير مسبوقة ضد تركيا، خاصة في المناطق الخاضعة للنفوذ التركي المباشر في شمال حلب كعفرين واعزاز والباب وجرابلس، حيث تطورت المظاهرات المُندّدة بالهجمات على السوريين في تركيا في بعض المناطق إلى صدامات مسلحة مع القوات التركية الموجودة على الأراضي السورية ومع القوات الموالية لها في «الجيش الوطني السوري» وأودت بحياة سبعة أشخاص. انفجار العنف وتوسُّعه بسرعة على مساحات واسعة في كل من تركيا وسوريا يشي بتراكمات وبتأزم في العلاقات السورية التركية سواء من موقع اللاجئين السوريين في تركيا وعلاقتهم مع المجتمع التركي، أو من موقع سوريي الشمال الواقعين تحت النفوذ التركي. ساهم التمثيل الخاطئ للاجئين السوريين في وسائل الإعلام التركية الرئيسية في زيادة هشاشة موقع اللاجئين السوريين في تركيا وتكريسهم كقابلين للانتهاك سواء أكانوا أطفالاً في المدارس، عمالاً في المعامل، مراجعين في دوائر حكومية أم أمهات يُنزّهنَ أطفالهن في حديقة عامة. سيطرت فكرة وجود تحريض من كيانات معادية لتركيا على تغطية الإعلام التركي بشكل كبير. كبريات الصحف والشاشات تبنّت هذه السردية وربطتها بالتقدّم المفترض في مسار التطبيع التركي مع نظام الأسد آنذاك. إلى جانب ذلك طغت صور وأخبار الأحداث داخل سوريا على تغطية الهجوم على السوريين في تركيا، حيث تضاءلت التغطية لها أكثر بعد أن فرض مكتب المدعي العام في قيصري حظراً على التغطية الإعلامية لأحداث المدينة، والذي أثر في تغطيات الهجمات التي طالت السوريين في المدن الأخرى أيضاً. على قناة Halk tv التركية في 2 يوليو (تموز)، بدأت التغطية بالتركيز على الأحداث في سوريا وعرض فيديوهات لتمزيق العلم التركي والاعتداء على الشاحنات التركية قرب الحدود. ثم في الجزء الثاني من التغطية عرضت قصة الاعتداء على السوريين في قيصري، وعلى نحو لافت، دون أن يظهر أي سوري من الضحايا على الشاشة ليروي قصته. عدم وجود متحدثين سوريين سمة طغت على كل التغطيات تقريباً، فخلال بحثي أثناء إعداد هذه الورقة، رصدت تغطية وحيدة ظهر فيها متحدث سوري في الإعلام التركي وهو ناشط سوري في مجال حقوق اللاجئين ويدعى طه الغازي. بالعموم، لم تُنصِف تغطية وسائل الإعلام الرئيسية في تركيا محنة اللاجئين السوريين ولم يسمع الجمهور التركي قصة أنس جنيدي، وهو لاجئ سوري يملك مطعماً في قيصري، في تلك الليلة راقب الرجل مطعمه الصغير «شقى عمره» يتعرض للاقتحام والتكسير عبر كاميرات المراقبة المثبتة هناك، يقول أنس، في مقابلة أجرتها معه قناة تلفزيونية سورية بعد أيام من الأحداث: «لا أملك ضغينة ضد أحد، بعض الناس هنا اقتحموا مطعمي ومحلات السوريين المجاورة دمروها، لكن جيراني الأتراك في الحي حموا بيتي وأطفالي بالمقابل». أُطر العنف، البيئة القانونية والمؤسسية للإعلام التركي يضمن الدستور التركي حرية الصحافة، لكنه في الوقت ذاته يُتيح أساساً قانونياً لتدخل الدولة في الإعلام وتقييده عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي، النظام العام والآداب العامة، هذا الأساس القانوني استُخدِم بقوة عقب الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا عام 2016 حيث انطلق ما وصفته منظمة العفو الدولية بـ «عملية تطهير الإعلام التركي» والتي أفضت إلى سحب التراخيص ومنع الوصول إلى عشرات المنصات الإعلامية واعتقال عشرات الصحفيين لتتخذ تركيا بذلك موقعها كأحد أكثر الدول قمعاً للصحافة في العالم. على مستوى التشريعات، يُنظم كل من قانون الصحافة (2004) المعني بالإعلام المطبوع، وقانون البث (2011) الخاص بالبث الإذاعي والتلفزيوني، المشهد الإعلامي في تركيا. كما يتأثر الإعلام بمفاعيل قوانين أخرى كقانون تجريم التضليل الإعلامي المثير للجدل الذي تم تبنيه عام 2022 (Aydıntaşbaş, 2022) وقانون الإنترنت (2007) من بين أمور أخرى. وُصِفت منظومة القوانين التركية تلك بأنها «أدوات الترسانة القمعية المُسخَّرة في يد السلطة» حسب تقرير منظمة مراسلون بلا حدود عام 2024، الذي أكد أن الحكومة باتت تُسيطر على تسعٍ من كل عشر وسائل إعلام. ومكمن الخطورة في البيئة القانونية للإعلام التركي هو أنها «مفتوحة للتفاسير والتلاعب» (Leruth, 2020). وهو ما سمح للسلطات بفرض رقابة متعددة المستويات على وسائل الإعلام. أمّا بخصوص الإطار المؤسسي، فيمكننا تقسيم الجهات الفاعلة المؤسسية في المشهد الإعلامي التركي إلى ثلاثة أنواع بما في ذلك المؤسسات الحكومية، مؤسسات القطاع الخاص التي تملك غالبية المنصات الإعلامية، والمجتمع المدني الذي يضم الروابط المهنية والمنظمات غير الحكومية المعنية بحرية التعبير. حكومياً، تلعب مديرية الاتصالات التابعة لرئاسة الجمهورية دوراً رئيسياً في ضبط السرديات الإعلامية والتأثير على المشهد الإعلامي العام. كما يُشرف المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون RTÜK على محتوى البث المرئي والمسموع وتتمتع كلتا الهيئتين الحكوميتين بسلطة فرض غرامات أو تعليق أو حتى إلغاء تراخيص الإعلاميين ووسائل الإعلام. إذ تتبع المؤسسة الأولى لرئاسة الجمهورية ويُعين قادتها تعييناً، بينما تتمتع المؤسسة الثانية باستقلال أكبر حيث يُنتَخب أعضاؤها التسعة من قبل البرلمان مباشرة. على مستوى مختلف، تلعب مؤسسات إنفاذ القانون بما في ذلك المحاكم المدنية وأجهزة الشرطة دوراً مهماً في سيطرة الدولة على وسائل الإعلام حيث يُستخدَم قانون العقوبات وقوانين مكافحة الإرهاب بشكل متكرر لمقاضاة الصحفيين بتهم التشهير أو الإرهاب (Mat & Vivona, 2019).خارطة ملكية وسائل الإعلام تُعزز هيمنة الحكومة حسب مؤسسة (MOM) التركية المختصة في رصد ملكيات وسائل الإعلام وتحليل آثار ذلك. وتُشير في تقرير لها إلى أن هناك ست مجموعات إعلامية تمتلك أكبر 40 وسيلة إعلام في البلاد، وكلها تقريباً مقربة من الحكومة. ساهمت خارطة الملكية تلك في خلق آليات رقابة ذاتية داخل وسائل الإعلام نفسها. كل هذا الضبط للمشهد الإعلامي من قبل الحكومة لم يحمِ اللاجئين السوريين من العنف غير المرئي لوسائل الإعلام ضدهم، فالضبط الحكومي ركّز على أولويات ليس من ضمنها اللاجئون، بل إن التوجهات الحكومية جاملت التيار المعادي للاجئين بشكل متزايد خلال السنوات الماضية. مؤخراً كتب ياسين أكتاي، المستشار السابق للرئيس أردوغان ونائب رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم: «من خلال السياسات التي تم تنفيذها مؤخراً، حاولنا إرضاء هؤلاء العنصريين، ولكن أثناء محاولتنا القيام بذلك، فقدنا أرضيتنا الأخلاقية والإنسانية وبالنتيجة أصبح هؤلاء العنصريون مدلّلين يطلبون المزيد». في سبتمبر (أيلول) 2023 حرّك النائب العام في إسطنبول دعاوى قضائية عدة ضد 27 مدوناً وصحفياً بتهمة بث خطاب التحريض ضد اللاجئين، وهو ما نظر له كخطوة إيجابية لكنها بقيت استجابة نادرة لمشكلة كبيرة، وهي إذ تستهدف الأفراد المحرضين إلا أنها تتجاهل الهياكل المؤسسية التي تُساهم في خلق مناخ التحريض ضد اللاجئين، سواء كان داخل وسائل الإعلام أم في المؤسسات الحكومية المعنية. يقول نجدت أيبك دوزو الذي تولى منصبه في المجلس الأعلى للبث المرئي والمسموع في تركيا منذ عامين تقريباً: «خلال سنوات خبرتي لم يسبق أن تمت معاقبة أي وسيلة إعلامية على خلفية بث الخطاب المتحيز ضدّ اللاجئين لكننا نعمل على المشروع منذ عام تقريباً.. المشكلة هي أن الدولة ليست حاسمة بهذا الشأن، هناك انتقادات لا تتوقف لطريقة عمل الإعلام الحالية لكن لا توجد إجراءات قانونية، وبرأيي لن ينجح الأمر دون إصلاح قانوني ومؤسساتي عميق للقطاع الإعلامي التركي». الفاعل الأخير في المشهد الإعلامي هو المجتمع المدني، فهناك العديد من الجمعيات والروابط المهنية للصحفيين والإعلاميين في تركيا، أربع منها تحظى بعضوية في الاتحاد الدولي للصحفيين (IFJ). يتنوّع مشهد جمعيات المدافعين عن حرية الصحافة بشكل كبير من حيث حجمها ونفوذها وخلفياتها الأيديولوجية، ويتسع لطيف آخر من منظمات المجتمع المدني التي تهدف إلى تعزيز حرية التعبير وتعزيز الصحافة الأخلاقية مثل: مؤسسة هارنت دينك، وجمعية حرية التعبير (İFÖD – İfade Özgürlüğü Derneği) وجمعية حقوق الإنسان التركية وغيرها. تعمل هذه الجمعيات والمنظمات في حالة من الإجهاد المتزايد خلال السنوات الأخيرة، لكنها ما زالت تُشكّل مكوناً مهماً في المشهد الإعلامي في تركيا، وعليها تُعقد آمال إحداث تغيير إيجابي في المشهد.خاتمة ومقترحاتلقد غيّر سقوط نظام الأسد البائد في 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024 من موقع اللاجئين السوريين في تركيا بالفعل، وكان هناك لحظة تشاركوا فيها الفرح مع شرائح واسعة من المجتمع التركي أيضاً. لكن، ما إن سقط النظام البائد في دمشق حتى بات موضوع عودة اللاجئين السوريين من تركيا هو العنوان الأبرز في الإعلام التركي وتوجهت الكاميرات إلى المعابر الحدودية مع سوريا لتغطية حركة العودة التي بدأت بالفعل. يُحذر السيد أيبك دوزو من أن «الترويج المبالغ فيه للعودة في الإعلام التركي قد لا يتماشى مع معدلات العودة الفعلية للاجئين السوريين إلى بلدهم المدمر، وذلك قد يؤدي إلى مزيد من المشاكل في حال وجد المجتمع التركي في المستقبل أن كثيراً من السوريين لم يغادروا تركيا». بالعموم، يجب أن تُؤخذ أحداث قيصري والعنف الذي أعقبها في تركيا وسوريا كعلامةٍ على أن الوقت قد حان لتدخُّلٍ جادٍ من أجل إحداث تغيير إيجابي في الطريقة التي يجري بها تصوير اللاجئين السوريين وغيرهم من اللاجئين في وسائل الإعلام التركية. فقد ساهمت إساءة تمثيل اللاجئين السوريين في الخطاب الإعلامي التركي، سواء من خلال تجاهل معاناتهم أم عبر استخدام الخطاب التمييزي ضدهم، في تعزيز ضعفهم المجتمعي وإظهارهم كجماعات قابلة للانتهاك وأحياناً، مستحقة له. إن الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وتركيا بشأن اللاجئين في عام 2016، والذي ألزم تركيا باستضافة ملايين اللاجئين مقابل الدعم المالي والتعاون السياسي من الاتحاد الأوروبي، له عواقب إنسانية تُلزم كلاً من الاتحاد الأوروبي وتركيا بضمان حماية الحقوق الأساسية للاجئين، ويجب أن ينعكس ذلك في تغطية إعلامية موضوعية. هذا ما تؤكده العديد من الأطر المرجعية للاتحاد الأوروبي المعنية بتنظيم العمل الإعلامي. على الرغم من أن هذه المبادئ ليست ملزمة قانونياً لوسائل الإعلام التركية، إلا أنها لا تزال مهمة لأي منصة إعلامية تتفاعل مع الاتحاد الأوروبي والسياق الدولي الأوسع بما في ذلك الجماهير أو المؤسسات أو المانحين أو المستثمرين الغربيين. الطريق إلى الأمام واضح، وتم تلخيصه في إرشادات شبكة الصحافة الأخلاقية (EJN) لتعزيز التقارير الدقيقة والعادلة والإنسانية والمتوازنة عن اللاجئين في وسائل الإعلام. السؤال الحقيقي هو كيفية القيام بذلك في ظل ديناميكيات السلطة القائمة بين الحكومة ومالكي وسائل الإعلام والصحفيين والمجتمع المدني. وعلى ذلك، تقدّم هذه الورقة ثلاثة مقترحات لتحفيز التفكير البناء في المشكلة:– روابط الصحفيين والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني في تركيا تُعدُّ مؤسسات راسخة، ويمكن لهذه الهيئات أن تلعب دوراً رائداً في أي تدخلات. على الرغم من أن هذه الجمعيات لا تعيش أفضل أيامها في الوقت الحالي، حيث تعاني من ضغط المؤسسات الحكومية ومالكي وسائل الإعلام، إلا أنها لا تزال قادرة على اللعب بفعالية عندما يتعلق الأمر بتعزيز المبادئ الأخلاقية للصحافة، بما في ذلك حقوق اللاجئين. لدى الصحفيين حافز قوي للعمل من أجل الصحافة الأخلاقية والشاملة، والتي تتماشى مع تمثيل اللاجئين في وسائل الإعلام وهنا تلتقي مصالحهم مع مصالح السوريين في تركيا، خاصة العاملين في المجال الصحفي والمدني. – يُمكن أن يؤدي ربط المجتمع المدني التركي والسوري في تركيا إلى تعزيز قدرات كلا الجانبين بشكل كبير. على الرغم من أن مئات منظمات المجتمع المدني السورية موجودة في تركيا، إلا أن التعاون بين المنظمات التركية والسورية نادر جداً، ويُمكن للمنصات الدولية أن تلعب دوراً في معالجة هذا الانفصال، فعلى سبيل المثال، تجمع رابطةَ الصحفيين السوريين (SJA) وأربعَ جمعيات صحفية تركية عضويةُ الاتحادِ الدولي للصحفيين (IFJ) بالتالي يُمكن للهيئة الدولية تسهيل التعاون بين الجانبين بما يُفضي إلى تمثيل أفضل للاجئين في وسائل الإعلام أو المصالح المشتركة الأخرى. – بالنسبة للسلطات الإعلامية في تركيا، تتحمل مديرية الاتصال والمجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون والهيئات التنظيمية الأخرى المسؤولية الكبرى عن لعب دور استباقي في إنفاذ اللوائح والأخلاقيات التي تمنع العنف اللامرئي ضد اللاجئين في وسائل الإعلام وآثارها على كل من المجتمعَين السوري والتركي.– بالنسبة للاتحاد الأوروبي والتعاون الدولي، على الرغم من أن المشهد الإعلامي في تركيا يتأثر بشكل كبير بالسياسة الداخلية، إلا أنه يتشكل أيضاً من خلال العلاقات الدولية، لا سيما مع الاتحاد الأوروبي. بالنظر إلى الاتفاقيات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا وخاصة «صفقة اللاجئين» لعام 2016، يجب أن يكون هناك المزيد من الضغط من الهيئات الدولية على مختلف المستويات لضمان امتثال وسائل الإعلام للمعايير الأخلاقية في تغطيتها المتعلقة باللاجئين.
*****المؤسسات المشاركة في ملتقى العنف اللامرئي:– اتجاهات – ثقافة مستقلة– الجمهورية– المركز السوري لبحوث السياسات– سوريا ما انحكت– دولتي– شبكة الصحفيات السوريات– نساء من أجل مساحات مشتركة - 1. – وهذا يشمل FOX TV -CNN Türk TRT News– Habertürk -Kanal D -Show TV -NTV Star TV-
- موقع الجمهورية
- في إطار جهود متواصلة لفهم وتحليل أشكال العنف غير المرئي في السياق السوري، نظّم عدد من المؤسسات السورية ملتقى العنف غير المرئي في ظل النزاع السوري، والذي عُقد في برلين في 22 – 23 كانون الثاني (يناير) 2025. عُرِض خلال الملتقى أربع دراسات حالة كمحاولة جادة لاستكشاف التمظهرات المختلفة للعنف البنيوي والرمزي الذي لا يحظى بالاهتمام الكافي في التحليلات التقليدية للصراع السوري.تُقدم الدراسات الأربع المنشورة قراءة تقاطعية لحالات مُحدّدة في المجالات الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والبيئية، بهدف تحليل أسباب العنف غير المرئي وتفاعلاته مع الثقافة المجتمعية وآثاره المحتملة على الأفراد والمجتمعات. تُحلِّل هذه الدراسة دور الإعلام التركي في تصوير السوريين كفئة قابلة للانتهاك وتأثير ذلك على تصاعد العنف المباشر.* * * * *في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 قُتِل طفل في مدينة غازي عنتاب عندما كان يلعب مع مجموعة من أصدقائه أمام محل تجاري يملكه القاتل. وهو مواطن تركي يدعى محسن تاشكي، أزعجته أصوات الأطفال فتشاجر معهم وتطور الأمر إلى أن أطلق النار من بندقية الصيد خاصته على الطفل. قالت أم الطفل إن القتل لم يكن بالخطأ وإن تاشكين حاصر طفلها ثم قتله. لاحقاً، في قاعة المحكمة، برر القاتل فعلته بالقول «ظننت أن الطفل سوريٌّ». لم يكن الطفل سورياً، بل تركي اسمه «أمير بياندر» وعمره عشر سنوات. أمّا التبرير الذي قدَّمه القاتل في قاعة المحكمة فيعكس مزاجاً عنصرياً برز خلال السنوات الأخيرة بين شريحة من المجتمع التركي ممن باتوا يرون اللاجئين السوريين بوصفهم مجموعة سكانية قابلة للانتهاك. أتى ذلك في سياق تزايدت فيه الحوادث العنصرية بشكل خاص ضد اللاجئين السوريين الذين ما زال حوالي 2.3 مليون منهم يعيشون ضمن قانون الحماية المؤقتة في تركيا. أدت تلك الحوادث إلى مقتل 21 لاجئاً سورياً بين عامي 2020 و2022 حسب منظمة حقوق الإنسان في تركيا TIHV. لا توفر الجمعية أو غيرها إحصائيات أحدث عن السوريين الذين وقعوا ضحايا جرائم عنصرية خلال الأعوام التالية التي ازدادت فيها الحوادث، لكننا خلال العام 2024 رصدنا عدداً من التقارير الإعلامية والحقوقية عن حوادث وقعت في إسطنبول، وبورصة، وأزمير، وهاتاي وغيرها. يُجادل هذا المقال أنه مما أسس لتفشي العنف المرئي ضد اللاجئين السوريين في تركيا هو سنوات من العنف غير المرئي الذي مارسته وسائل الإعلام التركية الكبرى من خلال تغطيتها القاصرة، المُتحيِّزة سلباً، والمشوبة بخطاب الكراهية لقضايا اللاجئين عموماً في تركيا، والسوريين منهم بشكل خاص. وعلى ذلك يُحلِّل المقال البيئة التشريعية والمؤسسية التي تعمل في ظلها وسائل الإعلام التركية التي خرج منها العنف غير المرئي، كمحاولة لتقديم مادة للتفكير الجماعي في حلول لمعالجة أزمة كراهية اللاجئين السوريين في تركيا.تغطية الإعلام التركي للقصص المُتصلة باللاجئين السوريين«حين لا يظهر لك وجه أو صوت على شاشات الإعلام (التركية)، تُصبح غير مرئي وغير معروف بالنسبة للمجتمع الذي تعيش داخله ويسهل تجريدك من إنسانيتك» يقول صحفي سوري يعمل في تركيا فضل عدم التصريح باسمه.تُظهر الأدبيات أن اللاجئين السوريين جرى تصويرهم بشكل سلبي من قبل وسائل الإعلام التركية منذ وصولهم إلى البلاد في عام 2011. وفقاً لـ (Doğanay & Keneş, 2016) فقد طغى الخطاب التمييزي على تغطية الإعلام التركي في وقت مبكر بين عامي 2011 و2014 حيث «تجاهل ذلك الإعلام التجارب الحياتية للاجئين السوريين واكتفى بتصويرهم على أنهم تهديد اجتماعي، عبء اقتصادي، مشكلة أمنية، وفي أحسن الأحوال كانوا ضحايا سلبيين بحاجة للمساعدة». ووفقاً للمؤلفين، مهد هذا الخطاب التمييزي لمرحلة أخرى من التصعيد ضد اللاجئين في وسائل الإعلام والخطاب العام بعد عام 2015، حيث بات السوريون من أكثر المستهدفين بخطاب الكراهية في وسائل الإعلام على مدى الأعوام اللاحقة حسب تقارير منظمة هرانت دينك التركية المناصرة لحرية التعبير والديمقراطية. في الأعوام اللاحقة أيضاً برزت سرديات إعلامية تكرّس أخروية اللاجئين السوريين عن المجتمع التركي (Otherization)، بمعنى تصوير اللاجئين على أنهم مختلفون جوهرياً عن الأتراك مما شكّل أرضية وظيفية للمزيد من التمييز ضدهم في المجال العام (Onay-Coker, 2019).بالتركيز على الإعلام التلفزيوني، وجدت الباحثة التركية أليف يوجيل في دراسة للمحتوى التلفزيوني في الإعلام التركي خلال جائحة (Covid-19) وشملت الدراسة ثمانيَ محطات تلفزيونية كبرى 1 أن «الأخبار التلفزيونية بالكاد بثت قصصاً عن اللاجئين السوريين خلال 163 يوماً تمت تغطيتها في هذه الدراسة» وهو ما وصفته بالإبادة الرمزية للسوريين (Yücel, 2021). أظهرت الأدبيات السابقة أيضاً أن وسائل الإعلام تُساهم في نشر خطاب الكراهية والصور النمطية عن السوريين من حيث ربط قصصهم بالأعمال الإجرامية مثل القتل والسرقة والتحرش، وبالتالي جرى تصنيفهم كمجرمين محتملين. كذلك الربط بينهم وبين الإرهاب وتردي الوضع الاقتصادي في البلاد، وكثيراً ما نُظِر لهم كتهديد ديموغرافي وثقافي لتركيا. يقول نجدت أيبك دوزو، وهو عضو المجلس الأعلى للبث الإذاعي والتلفزيوني التركي RTUK «مشاجرة بين مواطنين تركيين لا تُشكّل قصة يلهث وراءها الإعلام، لكن المشاجرة تُصبح قصة صحفية حين يكون أحد الطرفين أجنبياً». إحدى نتائج هذه التغطية المُتحيزة ضد اللاجئين تجسّدت على منصات التواصل الاجتماعي، إذ أشار تحليل المحتوى المُتعلق باللاجئين السوريين المنشور باللغة التركية على منصة (X) أن ما لا يقل عن 81.5 بالمئة من التغريدات حول السوريين في عام 2021 حملت آراء سلبية (Parlak & Çakın, 2023). لا تُعبّر هذه الأرقام بالتأكيد عن الحالة المجتمعية في تركيا ككل، حيث هناك مناطق لم تشهد ممارسات عنصرية، ومجتمعات متصلة بروابط قُربى ومصاهرة مع اللاجئين السوريين. لكن بالعموم ساهمت التغطية الإعلامية المُتحيزة ضد اللاجئين في تهيئة المزاج العام لاتساع ممارسات العنف المباشر ضدهم. تقول أكاديمية وباحثة في جامعة حكومية في إسطنبول إن «معظم الأتراك حتى السياسيون منهم لا يفهمون طبيعة الحرب في سوريا لأن الإعلام التركي فشل في سرد القصة السورية. الإعلام التركي لا يرى سوريا إلا من خلال مساحات الانخراط التركي فيها.. لطالما كانت تغطيته لسوريا هي تغطية للحضور التركي فيها، لذلك فالوعي الجمعي التركي تجاه سوريا والسوريين مبني على معلومات خاطئة بجزء كبير منه». من جانبه يُضيف السيد أيبك دوزو «المشكلة ليست مع السوريين فقط بل تطال كل اللاجئين في تركيا، فالدولة تستقبلهم، والإعلام يتجاهل معاناتهم الحياتية في تركيا حين يتعرضون للتمييز في أماكن العمل وفي المجال العام، فيغيبون عن الإعلام ويظهر المحرضون على الشاشات ليصفوا نعيماً متخيلاً يعيشه اللاجئون في تركيا». تفترض هذه الورقة أن التغطية الصحفية الدقيقة، العادلة والمتوازنة لقضايا اللاجئين هي مطلب قانوني، أخلاقي ومهني. كما أنها ضرورة لحماية اللاجئين وتعزيز التماسك الاجتماعي في تركيا بوصفها إحدى أكبر الدول المستضيفة للاجئين في العالم.تغطية أحداث قيصري وأصداؤها في تركيا وسوريا كحالة دراسةشهدت ليلة 30 يوليو (تموز) 2024 والأيام التي تلتها واحدة من أسوأ موجات العنف ضد اللاجئين السوريين في البلاد حيث عاش ملايين السوريين في تركيا أسبوعاً من الرعب محتجزين داخل منازلهم. بدأت الهجمات في مدينة قيصري بعد إشاعات، تبين عدم دقتها لاحقاً في بيان للولاية، بأن طفلة تركية تعرّضت للتحرش من قبل شاب سوري. انطلق مئات المواطنين الأتراك الغاضبين في الشوارع يحطمون ويحرقون السيارات والمحلات التي تعود ملكيتها إلى سوريين ثم تطور الهجوم ليطال بيوتهم التي أحرق العديد منها. عجزت قوات الأمن التركية عن ضبط الاحتجاجات طيلة ساعات الليل. كانت موجة العنف كبيرة لدرجة أن وزارة الداخلية التركية أعلنت عن اعتقال 474 مشتبهاً من مثيري الشغب خلال اليومين التاليين للهجوم. موجة العنف امتدت سريعاً لتقع حوادث مشابهة في إسطنبول، وأضنة، وقونيا، وكلس وعدد من المدن الأخرى. في اليوم التالي ردّت مدن الشمال السوري باحتجاجات واسعة وغير مسبوقة ضد تركيا، خاصة في المناطق الخاضعة للنفوذ التركي المباشر في شمال حلب كعفرين واعزاز والباب وجرابلس، حيث تطورت المظاهرات المُندّدة بالهجمات على السوريين في تركيا في بعض المناطق إلى صدامات مسلحة مع القوات التركية الموجودة على الأراضي السورية ومع القوات الموالية لها في «الجيش الوطني السوري» وأودت بحياة سبعة أشخاص. انفجار العنف وتوسُّعه بسرعة على مساحات واسعة في كل من تركيا وسوريا يشي بتراكمات وبتأزم في العلاقات السورية التركية سواء من موقع اللاجئين السوريين في تركيا وعلاقتهم مع المجتمع التركي، أو من موقع سوريي الشمال الواقعين تحت النفوذ التركي. ساهم التمثيل الخاطئ للاجئين السوريين في وسائل الإعلام التركية الرئيسية في زيادة هشاشة موقع اللاجئين السوريين في تركيا وتكريسهم كقابلين للانتهاك سواء أكانوا أطفالاً في المدارس، عمالاً في المعامل، مراجعين في دوائر حكومية أم أمهات يُنزّهنَ أطفالهن في حديقة عامة. سيطرت فكرة وجود تحريض من كيانات معادية لتركيا على تغطية الإعلام التركي بشكل كبير. كبريات الصحف والشاشات تبنّت هذه السردية وربطتها بالتقدّم المفترض في مسار التطبيع التركي مع نظام الأسد آنذاك. إلى جانب ذلك طغت صور وأخبار الأحداث داخل سوريا على تغطية الهجوم على السوريين في تركيا، حيث تضاءلت التغطية لها أكثر بعد أن فرض مكتب المدعي العام في قيصري حظراً على التغطية الإعلامية لأحداث المدينة، والذي أثر في تغطيات الهجمات التي طالت السوريين في المدن الأخرى أيضاً. على قناة Halk tv التركية في 2 يوليو (تموز)، بدأت التغطية بالتركيز على الأحداث في سوريا وعرض فيديوهات لتمزيق العلم التركي والاعتداء على الشاحنات التركية قرب الحدود. ثم في الجزء الثاني من التغطية عرضت قصة الاعتداء على السوريين في قيصري، وعلى نحو لافت، دون أن يظهر أي سوري من الضحايا على الشاشة ليروي قصته. عدم وجود متحدثين سوريين سمة طغت على كل التغطيات تقريباً، فخلال بحثي أثناء إعداد هذه الورقة، رصدت تغطية وحيدة ظهر فيها متحدث سوري في الإعلام التركي وهو ناشط سوري في مجال حقوق اللاجئين ويدعى طه الغازي. بالعموم، لم تُنصِف تغطية وسائل الإعلام الرئيسية في تركيا محنة اللاجئين السوريين ولم يسمع الجمهور التركي قصة أنس جنيدي، وهو لاجئ سوري يملك مطعماً في قيصري، في تلك الليلة راقب الرجل مطعمه الصغير «شقى عمره» يتعرض للاقتحام والتكسير عبر كاميرات المراقبة المثبتة هناك، يقول أنس، في مقابلة أجرتها معه قناة تلفزيونية سورية بعد أيام من الأحداث: «لا أملك ضغينة ضد أحد، بعض الناس هنا اقتحموا مطعمي ومحلات السوريين المجاورة دمروها، لكن جيراني الأتراك في الحي حموا بيتي وأطفالي بالمقابل». أُطر العنف، البيئة القانونية والمؤسسية للإعلام التركي يضمن الدستور التركي حرية الصحافة، لكنه في الوقت ذاته يُتيح أساساً قانونياً لتدخل الدولة في الإعلام وتقييده عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي، النظام العام والآداب العامة، هذا الأساس القانوني استُخدِم بقوة عقب الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا عام 2016 حيث انطلق ما وصفته منظمة العفو الدولية بـ «عملية تطهير الإعلام التركي» والتي أفضت إلى سحب التراخيص ومنع الوصول إلى عشرات المنصات الإعلامية واعتقال عشرات الصحفيين لتتخذ تركيا بذلك موقعها كأحد أكثر الدول قمعاً للصحافة في العالم. على مستوى التشريعات، يُنظم كل من قانون الصحافة (2004) المعني بالإعلام المطبوع، وقانون البث (2011) الخاص بالبث الإذاعي والتلفزيوني، المشهد الإعلامي في تركيا. كما يتأثر الإعلام بمفاعيل قوانين أخرى كقانون تجريم التضليل الإعلامي المثير للجدل الذي تم تبنيه عام 2022 (Aydıntaşbaş, 2022) وقانون الإنترنت (2007) من بين أمور أخرى. وُصِفت منظومة القوانين التركية تلك بأنها «أدوات الترسانة القمعية المُسخَّرة في يد السلطة» حسب تقرير منظمة مراسلون بلا حدود عام 2024، الذي أكد أن الحكومة باتت تُسيطر على تسعٍ من كل عشر وسائل إعلام. ومكمن الخطورة في البيئة القانونية للإعلام التركي هو أنها «مفتوحة للتفاسير والتلاعب» (Leruth, 2020). وهو ما سمح للسلطات بفرض رقابة متعددة المستويات على وسائل الإعلام. أمّا بخصوص الإطار المؤسسي، فيمكننا تقسيم الجهات الفاعلة المؤسسية في المشهد الإعلامي التركي إلى ثلاثة أنواع بما في ذلك المؤسسات الحكومية، مؤسسات القطاع الخاص التي تملك غالبية المنصات الإعلامية، والمجتمع المدني الذي يضم الروابط المهنية والمنظمات غير الحكومية المعنية بحرية التعبير. حكومياً، تلعب مديرية الاتصالات التابعة لرئاسة الجمهورية دوراً رئيسياً في ضبط السرديات الإعلامية والتأثير على المشهد الإعلامي العام. كما يُشرف المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون RTÜK على محتوى البث المرئي والمسموع وتتمتع كلتا الهيئتين الحكوميتين بسلطة فرض غرامات أو تعليق أو حتى إلغاء تراخيص الإعلاميين ووسائل الإعلام. إذ تتبع المؤسسة الأولى لرئاسة الجمهورية ويُعين قادتها تعييناً، بينما تتمتع المؤسسة الثانية باستقلال أكبر حيث يُنتَخب أعضاؤها التسعة من قبل البرلمان مباشرة. على مستوى مختلف، تلعب مؤسسات إنفاذ القانون بما في ذلك المحاكم المدنية وأجهزة الشرطة دوراً مهماً في سيطرة الدولة على وسائل الإعلام حيث يُستخدَم قانون العقوبات وقوانين مكافحة الإرهاب بشكل متكرر لمقاضاة الصحفيين بتهم التشهير أو الإرهاب (Mat & Vivona, 2019).خارطة ملكية وسائل الإعلام تُعزز هيمنة الحكومة حسب مؤسسة (MOM) التركية المختصة في رصد ملكيات وسائل الإعلام وتحليل آثار ذلك. وتُشير في تقرير لها إلى أن هناك ست مجموعات إعلامية تمتلك أكبر 40 وسيلة إعلام في البلاد، وكلها تقريباً مقربة من الحكومة. ساهمت خارطة الملكية تلك في خلق آليات رقابة ذاتية داخل وسائل الإعلام نفسها. كل هذا الضبط للمشهد الإعلامي من قبل الحكومة لم يحمِ اللاجئين السوريين من العنف غير المرئي لوسائل الإعلام ضدهم، فالضبط الحكومي ركّز على أولويات ليس من ضمنها اللاجئون، بل إن التوجهات الحكومية جاملت التيار المعادي للاجئين بشكل متزايد خلال السنوات الماضية. مؤخراً كتب ياسين أكتاي، المستشار السابق للرئيس أردوغان ونائب رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم: «من خلال السياسات التي تم تنفيذها مؤخراً، حاولنا إرضاء هؤلاء العنصريين، ولكن أثناء محاولتنا القيام بذلك، فقدنا أرضيتنا الأخلاقية والإنسانية وبالنتيجة أصبح هؤلاء العنصريون مدلّلين يطلبون المزيد». في سبتمبر (أيلول) 2023 حرّك النائب العام في إسطنبول دعاوى قضائية عدة ضد 27 مدوناً وصحفياً بتهمة بث خطاب التحريض ضد اللاجئين، وهو ما نظر له كخطوة إيجابية لكنها بقيت استجابة نادرة لمشكلة كبيرة، وهي إذ تستهدف الأفراد المحرضين إلا أنها تتجاهل الهياكل المؤسسية التي تُساهم في خلق مناخ التحريض ضد اللاجئين، سواء كان داخل وسائل الإعلام أم في المؤسسات الحكومية المعنية. يقول نجدت أيبك دوزو الذي تولى منصبه في المجلس الأعلى للبث المرئي والمسموع في تركيا منذ عامين تقريباً: «خلال سنوات خبرتي لم يسبق أن تمت معاقبة أي وسيلة إعلامية على خلفية بث الخطاب المتحيز ضدّ اللاجئين لكننا نعمل على المشروع منذ عام تقريباً.. المشكلة هي أن الدولة ليست حاسمة بهذا الشأن، هناك انتقادات لا تتوقف لطريقة عمل الإعلام الحالية لكن لا توجد إجراءات قانونية، وبرأيي لن ينجح الأمر دون إصلاح قانوني ومؤسساتي عميق للقطاع الإعلامي التركي». الفاعل الأخير في المشهد الإعلامي هو المجتمع المدني، فهناك العديد من الجمعيات والروابط المهنية للصحفيين والإعلاميين في تركيا، أربع منها تحظى بعضوية في الاتحاد الدولي للصحفيين (IFJ). يتنوّع مشهد جمعيات المدافعين عن حرية الصحافة بشكل كبير من حيث حجمها ونفوذها وخلفياتها الأيديولوجية، ويتسع لطيف آخر من منظمات المجتمع المدني التي تهدف إلى تعزيز حرية التعبير وتعزيز الصحافة الأخلاقية مثل: مؤسسة هارنت دينك، وجمعية حرية التعبير (İFÖD – İfade Özgürlüğü Derneği) وجمعية حقوق الإنسان التركية وغيرها. تعمل هذه الجمعيات والمنظمات في حالة من الإجهاد المتزايد خلال السنوات الأخيرة، لكنها ما زالت تُشكّل مكوناً مهماً في المشهد الإعلامي في تركيا، وعليها تُعقد آمال إحداث تغيير إيجابي في المشهد.خاتمة ومقترحاتلقد غيّر سقوط نظام الأسد البائد في 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024 من موقع اللاجئين السوريين في تركيا بالفعل، وكان هناك لحظة تشاركوا فيها الفرح مع شرائح واسعة من المجتمع التركي أيضاً. لكن، ما إن سقط النظام البائد في دمشق حتى بات موضوع عودة اللاجئين السوريين من تركيا هو العنوان الأبرز في الإعلام التركي وتوجهت الكاميرات إلى المعابر الحدودية مع سوريا لتغطية حركة العودة التي بدأت بالفعل. يُحذر السيد أيبك دوزو من أن «الترويج المبالغ فيه للعودة في الإعلام التركي قد لا يتماشى مع معدلات العودة الفعلية للاجئين السوريين إلى بلدهم المدمر، وذلك قد يؤدي إلى مزيد من المشاكل في حال وجد المجتمع التركي في المستقبل أن كثيراً من السوريين لم يغادروا تركيا». بالعموم، يجب أن تُؤخذ أحداث قيصري والعنف الذي أعقبها في تركيا وسوريا كعلامةٍ على أن الوقت قد حان لتدخُّلٍ جادٍ من أجل إحداث تغيير إيجابي في الطريقة التي يجري بها تصوير اللاجئين السوريين وغيرهم من اللاجئين في وسائل الإعلام التركية. فقد ساهمت إساءة تمثيل اللاجئين السوريين في الخطاب الإعلامي التركي، سواء من خلال تجاهل معاناتهم أم عبر استخدام الخطاب التمييزي ضدهم، في تعزيز ضعفهم المجتمعي وإظهارهم كجماعات قابلة للانتهاك وأحياناً، مستحقة له. إن الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وتركيا بشأن اللاجئين في عام 2016، والذي ألزم تركيا باستضافة ملايين اللاجئين مقابل الدعم المالي والتعاون السياسي من الاتحاد الأوروبي، له عواقب إنسانية تُلزم كلاً من الاتحاد الأوروبي وتركيا بضمان حماية الحقوق الأساسية للاجئين، ويجب أن ينعكس ذلك في تغطية إعلامية موضوعية. هذا ما تؤكده العديد من الأطر المرجعية للاتحاد الأوروبي المعنية بتنظيم العمل الإعلامي. على الرغم من أن هذه المبادئ ليست ملزمة قانونياً لوسائل الإعلام التركية، إلا أنها لا تزال مهمة لأي منصة إعلامية تتفاعل مع الاتحاد الأوروبي والسياق الدولي الأوسع بما في ذلك الجماهير أو المؤسسات أو المانحين أو المستثمرين الغربيين. الطريق إلى الأمام واضح، وتم تلخيصه في إرشادات شبكة الصحافة الأخلاقية (EJN) لتعزيز التقارير الدقيقة والعادلة والإنسانية والمتوازنة عن اللاجئين في وسائل الإعلام. السؤال الحقيقي هو كيفية القيام بذلك في ظل ديناميكيات السلطة القائمة بين الحكومة ومالكي وسائل الإعلام والصحفيين والمجتمع المدني. وعلى ذلك، تقدّم هذه الورقة ثلاثة مقترحات لتحفيز التفكير البناء في المشكلة:– روابط الصحفيين والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني في تركيا تُعدُّ مؤسسات راسخة، ويمكن لهذه الهيئات أن تلعب دوراً رائداً في أي تدخلات. على الرغم من أن هذه الجمعيات لا تعيش أفضل أيامها في الوقت الحالي، حيث تعاني من ضغط المؤسسات الحكومية ومالكي وسائل الإعلام، إلا أنها لا تزال قادرة على اللعب بفعالية عندما يتعلق الأمر بتعزيز المبادئ الأخلاقية للصحافة، بما في ذلك حقوق اللاجئين. لدى الصحفيين حافز قوي للعمل من أجل الصحافة الأخلاقية والشاملة، والتي تتماشى مع تمثيل اللاجئين في وسائل الإعلام وهنا تلتقي مصالحهم مع مصالح السوريين في تركيا، خاصة العاملين في المجال الصحفي والمدني. – يُمكن أن يؤدي ربط المجتمع المدني التركي والسوري في تركيا إلى تعزيز قدرات كلا الجانبين بشكل كبير. على الرغم من أن مئات منظمات المجتمع المدني السورية موجودة في تركيا، إلا أن التعاون بين المنظمات التركية والسورية نادر جداً، ويُمكن للمنصات الدولية أن تلعب دوراً في معالجة هذا الانفصال، فعلى سبيل المثال، تجمع رابطةَ الصحفيين السوريين (SJA) وأربعَ جمعيات صحفية تركية عضويةُ الاتحادِ الدولي للصحفيين (IFJ) بالتالي يُمكن للهيئة الدولية تسهيل التعاون بين الجانبين بما يُفضي إلى تمثيل أفضل للاجئين في وسائل الإعلام أو المصالح المشتركة الأخرى. – بالنسبة للسلطات الإعلامية في تركيا، تتحمل مديرية الاتصال والمجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون والهيئات التنظيمية الأخرى المسؤولية الكبرى عن لعب دور استباقي في إنفاذ اللوائح والأخلاقيات التي تمنع العنف اللامرئي ضد اللاجئين في وسائل الإعلام وآثارها على كل من المجتمعَين السوري والتركي.– بالنسبة للاتحاد الأوروبي والتعاون الدولي، على الرغم من أن المشهد الإعلامي في تركيا يتأثر بشكل كبير بالسياسة الداخلية، إلا أنه يتشكل أيضاً من خلال العلاقات الدولية، لا سيما مع الاتحاد الأوروبي. بالنظر إلى الاتفاقيات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا وخاصة «صفقة اللاجئين» لعام 2016، يجب أن يكون هناك المزيد من الضغط من الهيئات الدولية على مختلف المستويات لضمان امتثال وسائل الإعلام للمعايير الأخلاقية في تغطيتها المتعلقة باللاجئين.



