مقالات تناولت اختيار النشيد الوطني السوري الجديد

تحديث 31 أذار 2026
النشيد الوطني السوري: ذاكرة متصدعة ولغة تراثية/ علي سفر
26 مارس 2026
لا يمكن النظر إلى الاشتباك الحاصل في سورية حول النشيد الوطني على أنه اختلاف حول قضية بروتوكولية؛ فالأزمة التي صنعتها وزارة الثقافة حين أعلنت عن القصائد الفائزة بمسابقتها، هي في جوهرها انعكاس لإشكالية تعريف الجماعة السورية لنفسها، وعدم وضوح طبيعة السلطة، وأزمة الثقة بينها وبين المجتمع، وعجزها الواضح عن إنتاج رمز مشترك في زمن الانقسام.
في زمن ما قبل الثورة، ورث السوريون عن أسلافهم آباء الاستقلال نشيد “حماة الديار” الذي كتبه خليل مردم بك ولحنه الأخوان فليفل، لكنه لم يكن موضع اتفاق عند اعتماده في نهاية ثلاثينيات القرن الماضي؛ إذ رُفض في البداية ثم درج بين الناس، فاستقرت المؤسسة الرسمية عليه.
التحول الحاسم نحو رفض هذا النشيد لم يحدث من داخل النص، بل خارجه؛ إذ تسببت حرب النظام السابق على الثورة السورية، واستخدام الجيش أداة رئيسة، في حل عنفي أودى بمئات الآلاف بتغيّر معنى “حماة الديار” في الوعي الجمعي، حيث صارت العبارة تُحيل إلى حفنة من القتلة؛ الأمر الذي أدى إلى فقدان النشيد لشرعيته، فالرمز لم يعد قابلاً للتصديق، حتى لو استمر.
لم ينتظر السوريون اتفاقاً رسمياً حول نشيد مختلف كما حصل حين استبدل علم النظام براية الاستقلال، بل اتجهوا بعفوية نحو نشيد “في سبيل المجد” للشاعر عمر أبو ريشة، الذي حفظوه سابقاً بحكم كونه جزءاً من مجموعة أناشيد وطنية معتمدة في المدارس الوطنية، لكنه عاد الآن ليُغنى في سياق مختلف، يبرز رغبة الجمهور الثائر بالتحرر من القيود والاستبداد. لكن هذا الاعتراف بقي متردداً، وكأن السلطة الجديدة لم تحسم موقفها بعد من العلاقة بين الاختيار الشعبي والقرار الرسمي. ثم جاءت الخطوة الأكثر إشكالية: إطلاق مسابقة لإنتاج نشيد وطني جديد.
من حيث الشكل، جرى التركيز على إيجابيات الفكرة لجهة إشراك شعراء وموسيقيين في صناعة رمز وطني. غير أنه منذ البداية جرى انتقاد المعايير التي وُضعت شروطاً للمشاركة. وحين نُشرت النصوص المختارة قبل أيام، ضمن إعلان مسابقة لتلحين سبع قصائد سيُصار إلى انتقاء واحدة منها، اتضح أن المشكلة ليست فقط في آلية الاختيار، وإنما في المزاج والمعايير التي اتبعتها اللجنة المكلفة، فالقصائد السبع التي جرى اعتمادها تعيد إنتاج نموذج بلاغي قديم فات زمانه، ولم يعد أحد يهتم بلغته التراثية المتخمة بمفردات معجمية، لا تنتمي إلى تجربة السوري اليومية من قبيل “العلا”، “الإباء”، “الفداء”، “المجد التليد”.
كما أن المشكلة تتجاوز حيز اللغة، لتصل إلى البنية؛ فالنصوص تتحدث باسم “نحن” دالة على جماعة متماسكة وواثقة بانتصارها، في حين أن الواقع السوري الراهن ما زال مشحوناً بالتناقضات، وانكسارات البشر! وفي كل هذه القصائد المختارة تغيب الأصوات المتعددة، ليصبح كل شيء محسوماً مسبقاً، وكأن النشيد يُكتب لسورية متخيلة، لا لسورية الواقعية.
دلالياً، توقف القراء عند النزعة الصاخبة شعاراتياً في النصوص، فالتعابير وهي تحكي عن السلام فإنها تستحضر العدو، وبما يكفل أن يكرر الشاعر مفردات البطولة والفداء، وكأن ثمة اتفاقاً بين الشعراء على تغييب يوميات الإنسان العادي، وعدم الالتفات إلى جماليات الحياة السورية وتنوعها، وكذلك تجاهل آلام التجربة التي دُفع ثمنها غالياً في مسار الوصول للحرية، وهنا، تعود المشكلة نفسها التي واجهت “حماة الديار”، أي الانفصال الفاضح بين النص والواقع.
الانتقادات لم تقف عند رداءة النصوص، ووصلت إلى رفض التجربة بسبب مشاركة وزير الثقافة محمد ياسين صالح فيها عبر نص مشترك مع الشاعر أنس الدغيم مدير مديريات الثقافة، وفي المسار ذاته جرى التشكيك بأهلية لجنة الاختيار حيث ضمّت مجموعة من الأكاديميين ليس بينهم ناقد شعري معروف، أو شاعر أو ملحن!
في مراجعة الإشكاليات التي تحدث حين يقرر شعب ما أن يختار نشيده الوطني، تمر تجارب عالمية تلقي الضوء على آليات التغيير والاستبدال، فالأناشيد الوطنية لم تكن يوماً نصوصاً مقدسة أو نهائية، كما أن اختيارها لم يحصل نتيجة التوافق الدائم. ففي فرنسا، ظل نشيد “المارسيلييز” موضوع جدل بسبب لغته العنيفة، ومع ذلك استمر بسبب ارتباطه بتاريخ فرنسا. وفي الولايات المتحدة، خضع نشيد “العلم المرصع بالنجوم” لنقاشات حول بعض مقاطعه، دون أن يؤدي ذلك إلى استبداله.
وفي حالات أخرى، اختارت الدول التعديل بدل القطيعة؛ كما حدث في كندا حين جرى تعديل كلمات نشيد “يا كندا” لتحقيق المساواة بين الرجال والنساء. وفي جنوب أفريقيا، تم اعتماد نشيد مركّب يجمع بين عدة لغات ليعكس واقعاً متعدداً بعد نهاية الفصل العنصري.
لكن المثال الأكثر غرابة هو نشيد دولة كوسوفو، التي واجهت بعد استقلالها انقساماً قومياً حاداً حول الهوية واللغة والرموز؛ إذ إن أي اختيار لكلمات نشيد كان سيُفسَّر بوصفه انحيازاً لطرف دون آخر. لذلك اعتمِد لحن موسيقي دون كلمات.
العربي الجديد
—————————
جدلية النشيد الوطني السوري الجديد/ فاطمة عبود
2026.03.26
يشهد النقاش حول النشيد الوطني السوري الجديد حالة من الجدل التي تتجاوز حدود الاختلاف على النصوص الأدبية المختارة، لتلامس أسئلة أعمق تتعلَّق بطبيعة المرحلة الانتقالية، وآليات اتِّخاذ القرار، وأولويات الدولة والمجتمع. هذا الجدل يعكس توتراً بين رغبة الحكومة في إنتاج رموز وطنية جديدة، وبين واقع سياسي واجتماعي لم يستقر بعد على أرضية واضحة. ومن هنا، نتساءل: هل نضجت الشروط التي تسمح بصياغة رمز وطني جامع للسوريين؟
لنجيب على هذا التساؤل يجب أن نتساءل مرة أخرى؛ هل يمتلك السوريون اليوم هوية وطنية جامعة؟ لابدَّ أنَّ كلَّ سوري يعرف الإجابة الواضحة عن هذا السؤال، انطلاقاً ممَّا تشهده سوريا في هذه المرحلة الصعبة من صراعات تعمِّق تمزُّق الهويات السياسية والدينية والطائفية، هذا الأمر وإن كان مؤلماً ومخالفاً لكلِّ أحلامنا التي رغبنا أن تتحقَّق بعد انتصار الثورة، إلا أنَّه أمر طبيعي في دولة خرجت من حرب أنهكتها ومزَّقت أوصالها. فكيف يمكن لشعب، هذا حاله، أن يجتمع على الاشتغال على مشروع يعبِّر عن التوافق الضمني بين مكوناته، وعن القواسم المشتركة التي تجمع اختلافاتهم؟!! بمعنى أنَّ المرحلة السياسية التي تمرُّ بها سوريا وشعبها ما وصلت إلى النضج الكافي لإنتاج نشيد وطني يعكس وجدان شعب كامل ويعبِّر عن تجربته التاريخية، ممَّا يعني أنَّ أيَّ رمز سيولد في هذه المرحلة سيكون منفصلاً عن الواقع تاريخاً وشعباً.
كما أنَّ المرحلة الانتقالية بطبيعتها مرحلة مفتوحة على احتمالات متعدِّدة، حيث لم تحسم بعد قضايا الشعب السوري الكبرى. فالبلاد ما تزال مثقلة بملفات معقِّدة، بدءاً من العدالة الانتقالية، ومروراً بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها الشعب السوري، وصولاً إلى إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. هذه القضايا تمسُّ بقوة الحياة اليومية للسوريين الذين يواجهون ضغوطاً تتعلَّق بالأمن والمعيشة والاستقرار. وفي ظلِّ هذا الواقع، يبدو الانشغال بإنتاج رمز وطني جديد ترفاً لا يحتلُّ مكانه الزمني المناسب في سلِّم الأولويات الملقاة على عاتق الحكومة الانتقالية.
وبناء على ذلك، فإنَّ الإبقاء على النشيد الوطني القديم لسوريا أمر مقبول ريثما تتجاوز سوريا المعوقات التي تواجهها. ولكن ممَّا يشدُّ الانتباه أنَّ عملية الفصل بين الحاضر والماضي باتت واضحة، على اعتبار أنَّ أيَّ رمز أو مؤسَّسة ترتبط بما قبلها تشكِّل امتداداً لإرث النظام السابق. إنَّ هذا الفصل المقترح لا يعكس الواقع، لأنَّ أيَّ مجتمع يحمل ذاكرة تاريخية تتشكَّل عبر تراكم الأحداث، ومحاولة محو الصلة بالماضي أو التعامل معه وكأنَّه عنصر خارجي أمر ليس ممكناً بالكامل، إذ تبقى هذه الموروثات جزءاً من الهوية الجمعية، سواء فيما يتعلَّق بالقيم، أو الثقافة، أو الرموز الوطنية.
ولكن. طالما أنَّ المسابقة أنجزت، والنصوص تمَّ اختيارها وطرحها بوصفها أمراً واقعاً، لا بدَّ أن نتحدَّث عن الإشكاليات التي رافقت هذه النصوص وجعلتها عرضة للنقد القاسي المجمع عليه تقريباً، على اختلاف ثقافة ناقديها، وعلى اختلاف مستوى ذائقتهم الشعرية.
أولى الإشكاليات تكمن في الطريقة التي طرحت بها المسابقة. إذ تولَّت وزارة الثقافة إدارة هذا الملف ولم تسعَ لتمثيل أوسع من خلال الاتصال بجهات معنية أخرى تقوم بدور الوسيط بين الوزارة والشعب. ففي الدول التي مرَّت بتحولات عميقة، غالباً ما جرى التعامل مع الرموز الوطنية من خلال نقاشات عامة أو عبر مؤسسات تمثيلية، بحيث لا يبدو القرار مفروضاً من الأعلى. ممَّا يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول شرعية اختيار النصوص، وحول المعايير التي يملكها المحكِّومون للوصول إلى قرار بأنَّ هذا الرمز الوطني يمثِّل السوريين فعلاً، وحول الآليات المتَّبعة التي تضمن أن يعكس هذا الرمز تنوُّع السوريين واختلافاتهم؟
كما أنَّ هذه النصوص لم تراعِ أن يكون النشيد الوطني خطاباً جامعاً لكلِّ فئات المجتمع، يردِّده المثقفون كما يردِّده عامة الناس، يحفظه الأطفال في مدارسهم، ويتكرَّر في المناسبات العامة من دون تكلُّف أو أيِّ تعقيد لغوي يضعف قدرته على الانتشار والتأثير، ويخلق مسافة بين النص والجمهور. فالبساطة هنا شرط أساسي لنجاح النشيد؛ لأنَّها تتيح له أن يصبح جزءاً من الذاكرة اليومية التي يعتزُّ بها كلُّ سوري، ولأنَّها تمنح الجميع شعوراً بالمشاركة من دون حواجز لغوية أو ثقافية.
كما تظهر في النصوص المطروحة سمات مشتركة تستحقُّ التوقُّف عندها ملياً؛ مثل الحضور المفرط لمفردات الشهادة والموت، وكأنَّ استحضار الوطن لا يتمُّ إلا عبر التضحية القصوى، نعم، هذا التصوُّر قد يكون مفهوماً في سياق تاريخي معين، حين كان المجتمع السوري يعيش صراعات وجودية مباشرة، لكنَّه
يثير تساؤلات عديدة في مرحلة يفترض أنَّها تتَّجه نحو الاستقرار وإعادة البناء. الشعب السوري الخارج من الحرب الطاحنة يحتاج إلى خطاب يعيد تعريف علاقته بالحياة اليومية، يجدِّد ثقته بالعمل والبناء، ويفتح أفقه على المستقبل القادم المفعم بالأمل.
يضاف إلى ذلك أنَّ بعض النصوص تعكس تضخماً في تصوير الذات الجماعية، حيث ترسم النصوص صورة مثالية للفرد السوري لا تتقاطع مع الواقع المعيش. وفي ظلَّ التحديات الراهنة التي يعيشها هذا الفرد، قد يبدو هذا الخطاب بعيداً عن التجربة اليومية للسوريين الذين يعيشون ظروفاً صعبة، ويبحثون عن لغة تعبِّر عنهم بصدق. فالمبالغة في تمجيد الذات قد تمنح شعوراً مؤقتاً بالاعتزاز، لكنَّها قد تثير النفور والسخرية عندما لا يجد المواطن صدى حقيقياً لها في حياته.
لا تبدو الحاجة ملحَّة إلى الإسراع في تثبيت نشيد وطني جديد بقدر ما تبرز الحاجة إلى التمهُّل وإعادة النظر في الطريقة التي تتمُّ بها صياغة رموزنا الوطنية. فهذه الرموز لا تقتصر على القيمة الجمالية وإثارة الحماسة اللحظية، إنَّما يجب أن تمتلك القدرة على الاستمرار في وجدان الناس عبر الزمن. وهذا الاستمرار لا يتحقَّق إلا عندما يشعر الفرد، أيَّاً كان موقعه أو خلفيته، أنَّ هذا الصوت يعبِّر عنه من دون افتعال، وأنَّه جزء لا يتجزَّأ من تجربة شعبه السوري بكلِّ آلامها وآمالها.
تلفزيون سوريا
———————————
تغيير النشيد مع تغيير القناعات/خطيب بدلة
مشكلة النشيد الوطني السوري، حماة الديار، الذي كتبه الشاعر خليل مردم بيك، ولحنه الأخوان فليفل، سنة 1938، يرمز للعروبة والإسلام، أكثر مما يرمز لدولة سورية مستقلة، فهو يشيد بعرين العروبة، والوليد الأموي، والرشيد العباسي، وفيه ذكر للشآم، وليس لـ”سوريا”، وأنا، شخصيًا، لست معجبًا به، وأؤيد تغييره.
ولكن تغيير النشيد الوطني، لا يكون بهذه البساطة، بل يأتي نتيجة تغيرات واسعة في البنى السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية للدولة، تترافق بتغيير في عقلية الشعب ومزاجه، فتصبح سوريا دولة تنتمي لتاريخها، وحضارتها، وخصائصها، قبل أي اعتبار آخر.. ومن جهة ثانية، لا يصح أن تغير النشيد سلطة انتقالية، فهذا من اختصاص مجالس منتخبة من قبل الشعب، تأتي بعد الفترة الانتقالية. هل حصل هذا؟ أبدًا، بالعكس، فالسلطة الحالية، تبدو أكثر تمسكًا بالإسلام والعروبة، وابتعادًا عن سردية الدولة السورية من أي سلطة سابقة، وبالتالي، فإن تغيير النشيد الآن، نوع من العبث.
تظهر، في الحروب الأهلية، تجليات الانهيار، فتصبح الفوضى هي الأساس، وغالبًا ما تكون الشخصيات التي تصل إلى السلطة، بحكم الظروف الاستثنائية، جاهلة بألف باء بناء الدول المنهارة، وفي الوقت نفسه تراها مندفعة لفعل شيء يدل على أنها “فهمانة”.. وهذا ما شهدناه، وعشناه، في سوريا، خلال أكثر من سنة فائتة، إذ سارعت السلطة إلى إجراء تغييرات بعيدة عن اختصاصها، مثل العلم، والنشيد الوطني، والرؤية البصرية، وتجاهلت، في الوقت ذاته، القيام بالإجراءات الضرورية لبناء مؤسسات الدولة التي تجعل الشعب هو الذي يقرر ما يتعلق بحاضره ومستقبله.
الأمر، في الدول المستقرة، مختلف تمامًا، فمثلًا، تعرضت مصر للعدوان الثلاثي الإسرائيلي- الفرنسي- البريطاني، سنة 1956، وهي في أوج صعودها، وتغيراتها البنيوية، بعد ثورة 1952، فكان النشيد الذي رويت لكم حكايته، في زاوية سابقة من “عنب بلدي”، وهي أن الموسيقار كمال الطويل، تأثر كثيرًا بأصوات الغارات الجوية على بلده، فتدفقت مشاعره الوطنية، بشكل عفوي، فألف، بالاشتراك مع صديقه الشاعر الثوري صلاح جاهين، ذلك النشيد الحماسي المتميز، “والله زمان يا سلاحي”، وفي السنة التالية، اعتمدته الدولة المصرية نشيدًا وطنيًا، بقي يلهب مشاعر المصريين، والعرب عمومًا، حتى خلال هزيمة 1967، وفي أثناء حرب أكتوبر 1973.
ولكن، واعتبارًا من هذه اللحظة التاريخية، بدأت التحولات الكبرى تحصل في مصر، وفي المنطقة العربية عمومًا، فقد اتخذ الرئيس، أنور السادات، قرارًا رهيبًا، خطيرًا، صادمًا، بالصلح مع إسرائيل، وسافر، من توه إلى سوريا، وعرض أمر المصالحة على حافظ الأسد، فرفض، وعرضه على الفلسطينيين، ورفضوه، فذهب منفردًا، وحقق السلام لمصر وحدها.. وعندما عاد إلى مصر، كان يحمل فكرة قيل إن الإسرائيليين طرحوها عليه في أثناء التفاوض، وهي: كيف سنقيم سلامًا، بينما نشيدكم الوطني يحث على الحرب؟
السادات استدعى الموسيقار محمد عبد الوهاب، وطلب منه العمل على تغيير النشيد الوطني، وكان حظ المصريين كبيرًا، عندما وجدوا نشيدًا عظيمًا كان قد ألفه موسيقار الشعب، سيد درويش، في العشرينيات، وهو “بلادي بلادي”، وفيه مشاعر وطنية، مصرية، خالصة.. خفيف، نظيف، ولحنه رائع!
عنب بلدي”،
—————————
======================
تحديث 24 أذار 2026
مسابقة النشيد الوطني.. هل خالفت الإعلان الدستوري/ ركان الخضر
خبيران: ليست من صلاحيات جهة حكومية
إعلان وزارة الثقافة السورية عن إطلاق مسابقة لتلحين النشيد الوطني السوري، في 16 من آذار الحالي، أثار تساؤلات وشكوكًا حول مدى شرعية الخطوة وقانونيتها.
الوزارة قالت إن المسابقة تهدف إلى “عكس روح الشعب وقيمه الجامعة عبر مسار فني جديد”، لكن الإعلان جاء ضمن المرحلة الانتقالية التي تعيشها سوريا، في الوقت الذي نص الإعلان الدستوري، الصادر في 13 من آذار 2025، بمادته الخامسة، على أن النشيد الوطني لا يحدد إلا بقانون، ما أثار بعض الشكوك حول شرعية إعلان الوزارة، خاصة في ظل غياب مجلس تشريعي في سوريا حتى اليوم، كجهة مخولة بإصدار القوانين.
المحامي المختص في القانون الجنائي الدولي المعتصم الكيلاني، تحدث لعنب بلدي، أن النشيد الوطني يعد من منظور دستوري أحد الرموز السيادية للدولة، شأنه شأن العلَم والشعار، وبالتالي فإن تنظيمه أو تعديله يخضع لأحكام خاصة نص عليها الإعلان الدستوري المؤقت لعام 2025، ولا سيما المادة الخامسة التي أكدت أن تحديد النشيد الوطني يتم بقانون.
وبناء على ذلك، فإن الاختصاص في هذا المجال، وفق الكيلاني، ينعقد حصرًا للسلطة التشريعية، ولا يجوز للسلطة التنفيذية أن تنفرد باتخاذ قرار من هذا النوع.
وأشار المحامي الكيلاني إلى إمكانية النظر إلى الخطوة من زاوية قانونية أخرى، فإذا كان الهدف منها يقتصر على جمع مقترحات فنية أو إثراء النقاش الثقافي العام دون أي أثر ملزم، فإن هذا الإجراء يبقى ضمن حدود المبادرات المشروعة، أما إذا كان يمهّد فعليًا لاعتماد نشيد وطني جديد بقرار إداري أو حكومي، فإنه يثير إشكالية دستورية جدية لتجاوزه حدود الاختصاصات المرسومة دستوريًا.
من جهته، نوه مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، إلى أن أدبيات العدالة الانتقالية تشدد على أن الرموز لا ينبغي أن تُفرض على عجل، بل أن تتبلور تدريجيًا عبر آليات مؤسسية تتيح المعالجة المجتمعية للأثر العاطفي للنزاع.
وتحدد الأدبيات، بحسب عبد الغني، فئات تمثيل أساسية لمثل هذه اللجان، تشمل خبراء موسيقا وملحنين ومختصين في التراث الثقافي، وممثلين عن المجتمع المدني، ومدافعين عن حقوق الإنسان، وممثلين إقليميين ومجتمعيين مستقلين عن البنى الحزبية، وخبراء في القانون الدستوري لضمان الاتساق مع المبادئ الدستورية والحقوق الأساسية، بالإضافة إلى ممثلين عن الشباب لضمان الشرعية بين الأجيال، في سبيل منع احتكار فئة بعينها لعملية صياغة النشيد، مع ضمان الحد الأدنى من الكفاءة الفنية والقانونية في آن واحد.
“انتهاك” مبدأ الشرعية الدستورية
يمثل النشيد الوطني أحد أبرز الرموز السيادية للدولة، فهو مقطوعة موسيقية وكلمات رسمية تجسد تاريخ البلاد وقيمها وهويتها الوطنية، ويهدف لتعزيز الانتماء والوحدة بين السكان، ويُعزف في المناسبات الرسمية والدبلوماسية والرياضية، ما يجعله حاضرًا في وجدان الشعب ومحفزًا للمشاعر الوطنية.
أوضح المحامي المختص في القانون الجنائي الدولي المعتصم الكيلاني، أن خطوة وزارة الثقافة تشكل انتهاكًا لمبدأ الشرعية الدستورية الذي يقضي بأن تمارس كل سلطة صلاحياتها ضمن الحدود التي رسمها الدستور، مشيرًا إلى أن قيام وزارة أو لجنة فنية باتخاذ خطوات ذات طابع سيادي، يعد تجاوزًا لاختصاص السلطة التشريعية، لأن اللجان العلمية لا تملك سوى دور استشاري، ولا يمكنها اتخاذ قرارات ملزمة في مسائل تتعلق برموز الدولة.
وأضاف أن المخالفة القانونية في إعلان وزارة الثقافة تتمثل في هذه الحالة إذا تجاوزت المبادرة طابعها الثقافي، وتحولت إلى مسار فعلي لاعتماد نشيد وطني دون المرور بالإجراءات التشريعية المطلوبة.
وبيّن الكيلاني أن التعامل مع النشيد الوطني كموضوع إداري أو ثقافي بحت، يعد إخلالًا بطبيعته القانونية كرمز سيادي يستوجب إجراءات خاصة تضمن التمثيل العام والشرعية.
مخاطر الاعتماد على لجان وزارية
لم تكن سوريا الدولة الأولى التي تذهب باتجاه تغيير نشيدها الوطني، فقد سبقتها دول عدة عبر التاريخ بهذه الخطوة خلال المرور بمراحل انتقالية، كالمرحلة التي تمر بها سوريا اليوم.
فجنوب إفريقيا قامت بتغيير نشيدها الوطني بعد التخلص من نظام الفصل العنصري في تسعينيات القرن الماضي، ونهجت ليبيا ذات النهج عقب التخلص من حكم معمر القذافي في 2011.
ويعد تغيير النشيد في هذه المراحل جزءًا من صيانة هوية وطنية جامعة وليس مجرد عمل فني.
أشار مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، إلى أن الدراسات تكشف عن قصور بنيوي في المناهج التي تعتمد حصرًا على مسابقات تدار عبر الوزارات دون آليات تشاركية أوسع، إذ غالبًا ما يُنظر إلى العمليات التي تقودها الوزارات بوصفها مركزية وإقصائية بما يقوض ملكية الجمهور للرمز المنتج، كما تبرز مخاطر التسييس عندما تهيمن الاعتبارات الحزبية على تشكيل لجان الاختيار، فتقدم المصالح السياسية على حساب الجدارة والمعنى الجامع، إضافة إلى ذلك، تفشل هذه المناهج عادة في ضمان التشاور الفعال مع الفئات الأكثر تضررًا من النزاع، بمن فيهم النازحون والأقليات والناجون، وهو ما تعده العدالة الانتقالية شرطًا جوهريًا في مقاربة تتمحور حول الضحايا.
وأضاف عبد الغني أن غياب جلسات استماع عامة ومعايير منشورة للتقييم، تجعل إجراءات الاختيار تبدو تعسفية وغير خاضعة للمساءلة، منوهًا إلى أن الضغط السياسي يميل الى تقليص مساحة المداولات الهادئة، بما ينتج رموزًا عاجزة عن التعبير الكافي عن الهوية الوطنية المركبة.
توسيع المشاركة وحصرها في إطارها الثقافي
شرعية النشيد الوطني في السياقات الانتقالية، تفترض مشاركة متعددة المستويات تبنى على مراحل متتابعة تبدأ المرحلة الأولى، وهي مرحلة التشاور الأم واسع النطاق، عبر حملات توعية مدنية تشرح الدور الدستوري للنشيد ومعايير اختياره ومشاورات إقليمية لجمع التصورات حول القيم الجامعة والخطوط الحمراء وإشراك المجتمع المدني من خلال منتديات وهيئات ثقافية، إلى جانب منصات رقمية تيسر مشاركة المغتربين، وفق ما أشار إليه مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني.
وأضاف أن المرحلة التالية تشمل مسابقة مفتوحة تُدار وفق إرشادات تقديم شفافة، ومعايير تقييم معلنة تركز على الجدارة الفنية والشمولية وسهولة الأداء والغناء والملاءمة الرمزية، ثم تأتي مرحلة تقييم لجنة الخبراء بما يشمل الفحص الفني ومراجعة المضمون وإعلان مبررات الاختيار.
بعد ذلك تخضع المقترحات النهائية، بحسب مدير “الشبكة السورية”، لاختبارات أداء في المدارس والفضاءات العامة مع فتح فترات منظمة لتلقي الملاحظات تمكن المجتمع المدني وجماعات الضحايا من إبداء الرأي، قبل التصديق التشريعي أو الشعبي الذي يأتي كخطوة أخيرة عبر نقاشات برلمانية أو آليات استفتائية في تثبيت الشرعية وتحصين الرمز من الطعن السياسي اللاحق.
من جانبه، أوضح المحامي المعتصم الكيلاني، أن تلافي مخالفة الدستور في إعلان وزارة الثقافة يتطلب أولًا ضبط طبيعة هذه المبادرة وحصرها في إطارها الثقافي والاستشاري، بحيث تبقى نتائج المسابقة مجرد مقترحات غير ملزمة ولا يترتب عليها أي أثر قانوني مباشر.
وقال الكيلاني، إن الطريق القانوني الصحيح في حال وجود توجه جدي لاعتماد نشيد وطني جديد، يقتضي الالتزام بالإجراءات الدستورية، وذلك من خلال إعداد مشروع قانون يُعرض على السلطة التشريعية المختصة، ويُقر وفق الأصول المعتمدة، بما يضمن احترام مبدأ الشرعية وتمثيل الإرادة العامة.
أما إذا كانت الإجراءات قد اتخذت بالفعل بشكل يتجاوز هذه الحدود، فيبقى من الممكن، بحسب المحامي الكيلاني، اللجوء إلى القضاء الإداري عبر دعوى إلغاء القرار لمخالفته الدستور وصدوره عن جهة غير مختصة، باعتبار أن احترام التسلسل القانوني وصلاحيات السلطات، يشكل أساسًا لضمان استقرار النظام القانوني ومشروعية القرارات الصادرة عنه.
—————————-
مخالفة للإعلان الدستوري.. هل يُعتمد النشيد الوطني خارج إطار البرلمان؟/ 21 مارس 2026
يعتبر النشيد الوطني أحد الرموز السيادية للدول، ويعبر بكلماته ومضمونه عن هويتها الجامعة وقيمها ومثلها العليا، ويستخدم في المحافل الرسمية والمناسبات الدولية تجسيدًا للانتماء الوطني، ويتحول في الدول الخارجة من الأزمات والحروب إلى أداة لبناء الهوية الجامعة وترميم النسيج الاجتماعي، فيما يتم اعتماده تبعا لأطر قانونية وإجراءات دستورية وتوافقات وطنية، لئلا يتم تفريغه من مضمونه، كرمز ذي دلالة سياسية ووطنية، يهدف لتمثيل كافة المكونات، وحفظ السردية.
في هذا السياق، أثار إعلان وزارة الثقافة مؤخرًا عن النصوص التي فازت بمسابقة كتابة النشيد الوطني، وترشح سبعة نصوص لمرحلة الاختيار، استياء كبيرًا في أوساط مواقع التواصل الاجتماعي، نظرا للآلية التي تم اعتمادها لاختيار النشيد عبر مسابقة، وتجاوز الأطر القانونية التي تحكم هذا الإجراء، بالإضافة إلى ما وصفه البعض بعدم ارتقاء النصوص لتمثيل مكونات الشعب والهوية الجامعة.
اختيار النشيد الوطني حصرًا عبر نص تشريعي
الحقوقي المختص بالقانون الجنائي وحقوق الإنسان، المعتصم الكيلاني، أكد لـ “الترا سوريا” أن هذا الإجراء، يثير إشكالية قانونية جوهرية، تتعلق بمدى توافقه مع أحكام الإعلان الدستوري المؤقت لعام 2025 ومبدأ الشرعية الدستورية، الذي يحكم ممارسة السلطات العامة لصلاحياتها، حيث ينص الإعلان الدستوري المؤقت للجمهورية العربية السورية لعام 2025 في مادته رقم 5 على أن دمشق هي عاصمة الجمهورية العربية السورية، ويُحدَّد شعار الدولة ونشيدها الوطني بقانون.
ويترتب على هذا النص الدستوري، وفقًا للكيلاني، أن النشيد الوطني باعتباره من الرموز السيادية للدولة، شأنه شأن العلم والشعار، وتحديد النشيد الوطني أو تغييره أو اعتماده لا يتم بقرار إداري أو تنظيمي، بل بقانون، يعني عبر صدور نص تشريعي وفق الإجراءات الدستورية المقررة لممارسة السلطة التشريعية.
ويضيف الكيلاني أن الفقه الدستوري يقضي بأن كل سلطة عامة تمارس صلاحياتها ضمن الحدود التي يرسمها الدستور والقانون، وهو ما يعرف بمبدأ الشرعية الدستورية، ما يعني أن السلطة التنفيذية لا تملك حق إنشاء أو تعديل قواعد قانونية ذات طبيعة سيادية، إلا إذا فوضها القانون بذلك، فاللجان الفنية أو العلمية هي هيئات استشارية لا تمتلك صلاحية اتخاذ قرارات سيادية أو تشريعية.
اما بالنسبة للتكييف القانوني للإجراءات المعلنة، فيوضح الكيلاني أنه من حيث المبدأ يمكن للسلطات التنفيذية إطلاق مسابقات ثقافية أو فنية، بهدف جمع المقترحات أو إثراء النقاش العام، ولا يشكل ذلك بحد ذاته مخالفة دستورية، طالما بقي في إطار المبادرات الثقافية غير الملزمة قانونًا، إلا أن الخطورة تكمن بمخالفة الدستور بشكل واضح، إذا كان الهدف من الإجراءات المعلنة التمهيد لاعتماد نشيد وطني جديد، بقرار إداري أو حكومي دون صدور قانون ينظم ذلك.
ويمثل ذلك، حسب الكيلاني، تجاوزًا من السلطة التنفيذية لحدود اختصاصها الدستوري، وتدخلًا غير مبرر في مجال محفوظ حصرًا للسلطة التشريعية، ما يعني أن اعتماد النشيد الوطني يتعلق بقرار سيادي يمس أحد الرموز السيادية للدولة، ويجب إخضاعه لإجراءات تشريعية تضمن الشرعية والتمثيل العام وحصر المبادرات الثقافية ذات الصلة باختيار النشيد في إطار الاقتراح والاستشارة، وعدم منحها طابعا تقريريًا، فالأمر يتطلب إعداد مشروع قانون يعرض على السلطة التشريعية المختصة، ويقر عبر الإجراءات الدستوية.
القيمة المعنوية للنشيد الوطني
في ذات السياق، يقول المحامي إبراهيم الشياح، لـ “الترا سوريا”، إن الجهة المخولة باعتماد أو تغيير النشيد الوطني هي مجلس الشعب، بصفته ممثلًا للشعب ومعبرًا عن إرادته وتطلعاته، موضحًا أن النشيد الوطني لا يكتسب قوته القانونية أو الالزامية او المعنوية، وهي الأهم، إلا إذا اتبع في اختياره القواعد الناظمة لوضعه من تشكيل لجنة ثقافية فكرية وطرح الموضوع عن طريق مجلس الشعب، باعتبار أن النشيد الوطني يجب أن يكون معبرًا عن الشعب وأفكاره ومبادئه، مؤكدًا أن قيمته النشيد المعنوية فوق كل أعتبار، فإذا تم اختياره أو تحديده دون اتباع الأطر القانونية يفقد قيمته المعنوية.
ويشير الشياح إلى أن الأهمية القانونية للنشيد الوطني تكمن في كونه رابطًا ثقافيًا فخريًا معنويًا بين مختلف مكونات وطبقات المجتمع، فهو أحد أركان الهويه الفكرية للدولة، فيجب أن يكون معبرًا عن التضحيات التي بذلت في سبيل الوطن وعن الطموح في المستقبل، شاحذًا للهمم، منميًا لروح الإخوة والمواطنة بين أفراد الوطن الواحد.
ويرى الشياح، كرجل قانون، أن المسابقة التي تم الإعلان عنها تعتبر من قبيل التحضير ضمن مجال عمل وزارة الثقافة واختصاصاتها، منوهًا إلى وجوب الإعلان عن معايير اختيار النشيد واللجنة التي وافقت عليه ومعايير الموافقة لكي يكون الجميع معنيين بالنشيد.
ويضيف الشياح أن المعايير القانونية التي يفترض اعتمادها في اختيار النشيد تتمثل في وجود سلطة تشريعية والتي يمثلها مجلس الشعب في سوريا، حيث يقوم المجلس باختيار النشيد الوطني عن طريق التصويت وغالباً مايتم تشكيل لجنة معنية باختيار النشيد الوطني من مجلس الشعب لكي تكتسب شرعيتها، فالنشيد الوطني بوصفه أحد أركان الهوية الثقافية والوطنية، يفرض إشراك جميع المكونات في اختياره لكي يؤدي الغرض الذي أسس من أجله.
عناصر النشيد الوطني من حيث الشكل والمضمون
من الناحية الفنية وصف الكاتب والصحفي محمد منصور، خلال حديثه لـ “الترا سوريا”، النصوص المرشحة بـالفاجعة الحقيقية للثقافة السورية، مرجعًا ذلك لركاكة النصوص ونمطيتها واستغراقها في تقليدية ممجوجة، لافتًا إلى فقدانها لعناصر الأصالة والتجديد والإبداع، بالإضافة إلى اعتبارها فاجعة على صعيد الذائقة التي تتمتع بها اللجنة المعنية بالاختيار والتي أفرزت ترشيح هذه النصوص.
ويشدد منصور على أن النشيد الوطني يجب أن ينتمي إلى الشعر الجيد أولًا، الشعر الذي يشعرك بأن هناك ابتكارًا شعريًا وراء السبك والصياغة واخيتار المفردة وليس مجرد صف كلمات سليمة نحويًا، وأبيات شعرية لا كسور عروضية فيها، أما على صعيد المضمون فالنشيد الوطني الذي يردده الطلاب في المدارس ورجال الدولة في المناسبات الوطنية الكبرى والرياضيون المشاركون في بطولات دولية قبل أداء مبارياتهم، يجب أن يكون قادرًا على هز المشاعر وإذكاء روح الانتماء للوطن والاستعداد للدفاع عنه، بلا خطابية فجة أو مبالغات لا تستسغيها ذائقة العصر، وينبغي أن يكون سهل الحفظ إذا ما تم تلحينه، سلسلًا يتدفق على الألسن، مثلما تلهج به القلوب.
وتفتقر اللجنة وفق منشورات متابعين على فيسبوك، لوجود مختص في علم الاجتماع والثقافة للحكم على مدى شمول الخطاب لجميع مكونات المجتمع ونقاء النص من الإقصاء أو التحيز وقدرته على بناء هوية جامعة لا فئوية، حيث اعتبر البعض اللجنة بشكلها الحالي لا تمتلك مواصفات تؤهلها للقيام بهذه المعقدة والحساسة، من مستوى اختيار نص شعري يصلح أن يكون نشيدًا وطنيًا، ما يقدح في اختيارات هذه اللجنة ومخرجاتها.
إن احترام أحكام الإعلان الدستوري ومبدأ الشرعية الدستورية، والاعتراف بالاختصاصات، ثمثل شروطا أساسية لضمان سلامة النظام القانوني، واستقرار مؤسسات الدولة، وأي مساعٍ لاعتماد نشيد وطني جديد خارج الإطار التشريعي المحدد دستورياً، يجعله مفتقرًا إلى السند القانوني اللازم، وقابلًا للطعن في شرعيته قانونيًا.
—————————-
=========================
النشيد الوطني السوري: هل تصنعه “مسابقة” أم تعمّده “الذاكرة”؟/ مازن الشاهين
النشيد الوطني السوري بين التجديد والهوية: جدل الرموز السيادية تحت مجهر الثقافة
2026-03-18
بين ليلة وضحاها، وجدت “الرموز السيادية” نفسها تحت مجهر النقاش الشعبي والقانوني، بعد إعلان وزارة الثقافة السورية عن مسابقة لتأليف وتلحين نشيد وطني جديد في مهلة لا تتجاوز العشرين يوماً، وفي بلد تتقاذفه أمواج الانقسامات، يرى مراقبون أن النشيد الوطني يجب أن يكون “غراءً” يجمع الشتات، لا مادة تزيد الشروخ، فالنشيد الوطني هو صوت التلميذ في طابور الصباح، ودمعة الرياضي فوق منصات التتويج، وأنين الجندي في لحظات الوداع، والإعلان الذي بدا للوهلة الأولى مجرّد مبادرة فنية، تحوّل سريعاً إلى “قضية رأي عام”، طغى عليها الجدل بين مؤيد يرى في الفكرة “تحديثاً للرموز الوطنية”، ومعارض يرى أن النشيد الرسمي خط أحمر، وهو ليس ملك وزارة أو حكومة، بل ملك ذاكرة الناس، فهل تستطيع سوريا أن تعزف لحن المستقبل دون أن تكسر وتر الماضي؟
وتظل قضية تغيير النشيد الوطني مفتوحة على كل الاحتمالات، فمن الممكن أن تفرز المسابقة عملاً عبقرياً يلامس القلوب ويتحول إلى أيقونة وطنية جديدة، ومن الممكن أيضاً أن يبقى العمل الجديد “غريباً” عن الوجدان الجمعي، فلا يُردد في الملاعب ولا يُصدح به في المدارس، فيصبح مجرد قطعة موسيقية رسمية تخلو من الروح.
الرموز الوطنية ليست “مسابقات” لوزارة الثقافة!
يقول الأديب حسن العثمان في تصريحات لـ”963+”: حين قررت وزارة الثقافة فتح باب المسابقة لاختيار نشيد وطني جديد، بدا وكأنها تتعامل مع “هوية البلاد” بوصفها مشروعاً هندسياً أو توريداً مكتبياً يخضع لقانون المناقصات والآجال الزمنية المحدودة، إن الإعلان عن مهلة “عشرين يوماً” لصياغة لحن وكلمات ستُرددها الأجيال، ليس مجرد استعجال إداري، بل هو استخفاف بالروح الجماعية والذاكرة التاريخية التي لا تولد بقرار، ولا تُمحى بمرسوم.
ويضيف: “إننا لا نشكك في نوايا القائمين على الشأن الثقافي، ولا في عبقرية المبدعين السوريين المعاصرين، لكننا ندق ناقوس الخطر حول فلسفة الرمز، فالرموز الوطنية لا تُصنع في المكاتب المكيفة، بل تُعمد بالدم والدموع والانتصارات والانكسارات عبر عقود من الزمن، وهي تراكم وجداني يشبه الأشجار المعمرة؛ يمكنك أن تزرع شتلة جديدة بقرار، لكنك لن تستطيع أن تمنحها في عشرين يوماً فيء شجرة نمت مع أجدادنا منذ فجر الاستقلال”.
ويتابع: “في ظل واقعنا الراهن المثقل بالانقسامات، نحن أحوج ما نكون إلى المساحات المشتركة، لا إلى إضافة نقاط خلافية جديدة، والنشيد الوطني هو العروة الوثقى التي تجمع السوريين في المدارس، والملاعب، والمحافل الدولية، والحل الأكرم والأكثر أماناً لوحدتنا الوطنية هو العودة إلى نصوصنا الراسخة التي سكنت القلوب، مثل نشيد (في سبيل المجد)، هذا النص كحل توافقي، فهو لا يمتلك الجماليات اللغوية والموسيقية فحسب، بل يمتلك رصيداً وجدانياً عابراً للأيديولوجيات، بدلاً من المقامرة بنص جديد قد يولد ميتاً أو مرفوضاً، فيتحول من رمز للسيادة إلى مادة للسجال السياسي، فإنتاج نشيد “من العدم” عبر مسابقة قد يؤدي لرفضه من شرائح واسعة”.
ويشدد على أنه “لا أحد يشكك في وجود مواهب سورية شابة تضاهي عمالقة الاستقلال مثل خليل مردم بيك وعمر أبو ريشة، لكن السؤال هو: كيف يثبت المبدع حضوره؟ إن إقحام المبدعين في سباق مع الزمن لتأليف نشيد وطني يقلل من قيمة الفن، والجدارة الحقيقية تفرضها الأيام والتفاعل العفوي بين الناس والنص، وليس اغتنام فراغ طارئ، والمبدع الحقيقي يكتب للخلود، لا ليضيف سطراً في سيرته الذاتية تحت مسمى فائز بمسابقة الوزارة، فالأناشيد الوطنية العظيمة لا تُولد بـ”أمر إداري”، بل هي نتاج تراكمي”.
ويتساءل العثمان عن “المضمون الشعري” وأي من القيم يجب أن تكون “الرسالة الأساسية” في كلمات النشيد؟ هل الوحدة الوطنية (التنوع السوري والعيش المشترك) أم التاريخ والحضارة (التركيز على دمشق، حلب، وآثار تدمر والحضارات القديمة) أم الحرية والكرامة (تخليد نضال الشعب وتضحياته) وماذا عن الأمل والمستقبل (بناء الوطن والعمل والعلم).
ويتابع: “كيف ستكون اللغة والأسلوب هل هي فصحى جزلة (لغة قوية تعتمد على بلاغة الشعر العربي الكلاسيكي) أم فصحى مبسطة (لغة قريبة للناس، سهلة الحفظ والترديد من كافة الأعمار)، ومن المهم التأكيد على الروح واللحن فما هو الطابع الموسيقي الذي سيكون للنشيد الوطني الجديد؟ هل هو حماسي وعسكري (إيقاع قوي يبعث على الفخر والقوة) أم أوبرالي وكلاسيكي (توزيع سمفوني فخم يعكس العراقة) وربما هادئ ووجداني (لحن يلامس المشاعر ويركز على السلام والأمل) والبعض يفضل تراثي بلمسة حديثة (يستخدم آلات شرقية كالعود أو القنّون بتوزيع عالمي)، فالنشيد الوطني هو المرآة التي تعكس تاريخنا، عراقتنا، وتطلعاتنا نحو المستقبل، والنشيد الوطني الناجح هو الذي يشعر كل مواطن بأنه يمثله، بغض النظر عن خلفيته”.
ويختم العثمان: “النشيد ليس مجرد لحن وبيت شعري، بل جزء من الهوية السيادية التي تشكّلت قبل الاستقلال، واستمرّت رغم كل التحوّلات السياسية التي مرّت بها البلاد، تغييره يشبه محاولة إعادة كتابة ذاكرة الوطن، وإن الرموز الوطنية هي ملك للتاريخ والمستقبل معاً، وليست مجرد سطر يضيفه شاعر إلى سيرته الذاتية، لذا ندعو الوزارة إلى مراجعة هذه الخطوة، والالتفات إلى أن الجدارة الحقيقية لا تأتي عبر الفوز بمسابقة، بل عبر القبول الشعبي الذي لا تمنحه إلا الأيام، فالتاريخ لا يُكتب في عشرين يوماً”.
المأزق القانوني
يتجاوز النقاش حدود النشيد ليطرح تساؤلاً أعمق حول طبيعة الرموز الوطنية ذاتها، وهل هي مجرد شعارات يمكن تبديلها بقرار من وزارة الثقافة، أم أنها “كائنات حية” تنمو مع الشعب وتترسخ في وجدانه؟
تتصاعد الأصوات المحذرة من الانزلاق في نفق التجاوزات الدستورية، فالحكومة القائمة، بصفتها “مؤقتة”، تستند إلى إعلان دستوري لم يرقَ بعد لمرتبة الدستور الدائم الذي يستفتى عليه الشعب، فهل تملك وزارة الثقافة صلاحية استبدال النشيد أصلاً؟
يقول المحامي مجد السالم في تصريحات لـ”963+” إن النشيد الوطني يُعد من “الرموز السيادية المحمية بالقانون، وتغيير النشيد ليس إجراءً إدارياً كتعيين موظف، بل هو تعديل في هوية الدولة، وهو حق حصري للأصيل (الشعب) عبر برلمان منتخب ودستور مستقر، وليس سلطة لحكومة تسيير أعمال، وقانون الرموز الوطنية السوري واضح، وتعديل النشيد لا يتم إلا بمرسوم من رئاسة الجمهورية، لا بقرار وزاري.
ويضيف: المسابقة في شكلها فني، لكن مضمونها له طابع سيادي، لذلك تداخل الفن بالقانون وأثار الحساسية العامة، ووفق المرسوم التشريعي رقم 38 لعام 2001، تُعدّ رموز الدولة ومنها ـ العلم، الشعار، والنشيد ـ جزءاً من السيادة الوطنية، وأي تعديل فيها يستوجب مرسوماً يصدر عن رئاسة الجمهورية.
ويتابع السالم: خطوة الوزارة، رغم نواياها الثقافية، تظل إجرائياً في نطاق الاقتراح فقط، لا التنفيذ، فالقرار النهائي يعود إلى الجهة السيادية، وليس إلى الوزارة ذاتها.
ويختم السالم: الرموز الوطنية ليست مجرد كلمات وألحان، بل هي انعكاس صوتي لهوية الأمة، تعزز مشاعر الانتماء إلى الوطن والترابط بين أفراده، هذا يعني أن تغيير أي رمز سيادي، وخاصة النشيد الوطني، هو بمثابة تعديل في “الدستور الصامت” للدولة، وهو ما يتطلب حساسية عالية، وإجماعاً مجتمعياً واسعاً، وليس مجرد قرار إداري يمر عبر بوابة مسابقة سريعة.
خلفيات سيايسة محتملة.. بين الذاكرة والمستقبل
يرى الباحث السياسي نجم العبدالله في تصريحات لـ”963+” إن الجدل يكشف عن تحول جوهري في النظرة إلى الرموز، وهناك محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة من خلال إعادة صياغة رموزها التعبيرية، لكن الخطر يكمن في أن التغيير الفني إذا لم يُرافقه توافق وجداني، فقد يُحدث شرخاً في الانتماء بدل أن يجدد معناه.
ويضيف: “إحياء ملف النشيد الوطني في هذا التوقيت ليس مجرد نقاش فني، بل يتقاطع مع رسائل سياسية أعمق، فهي خطوة رمزية في إطار محاولة الدولة إعادة صياغة صورتها الثقافية بعد الثورة، عبر خطاب يوحي بالتجديد والانفتاح، وتُحاول الحكومة إعادة صياغة رموزها لتبدو أقرب للأجيال الشابة، فالأجيال الجديدة التي نشأت في ظل الحرب تبحث عن رموز جديدة تعبّر عنها، لا تلغي الماضي بل تتجاوزه نحو الأمل، والجدل حول النشيد ليس عن لحن أو كلمات، بل عن هوية بلد يتساءل: من نحن بعد كل هذا؟”
ويشدد العبدالله على أنه “ليست هذه هي المرة الأولى التي تُطرح فيها مسألة تغيير أو تطوير الرموز الوطنية، وقد شهدنا تغييرات عدة، بعضها لاقى قبولاً، وبعضها الآخر أثار جدلاً، فقد تم اعتماد هوية بصرية جديدة شعار الدولة وتم تغيير العملة في خطوة وُصفت بأنها تعزيز للهوية الوطنية ودعم للاقتصاد، إلا أن رمز العملة يحمل بعداً اقتصادياً، بينما النشيد يحمل بعداً وجدانياً عاطفياً، وعملية تغيير العملة تمت بدراسات وتدرج، وليس بمسابقة سريعة”.
الشارع السوري… بين الحنين والتساؤل:
على المنصات الرقمية، انقسمت المواقف بشدة، فبين من اعتبر أن “الأوطان التي لا تُغيّر أناشيدها تبقى أسيرة ماضيها”، وآخرين رأوا أن “الهوية ليست مشروع تحديث دوري”، بدا الجدل انعكاساً لتوتر أعمق بين “الإبداع والذاكرة”.
وفي جولة ميدانية لـ”963+” بشوارع دمشق وحلب واللاذقية، تباينت الآراء، البعض عبّروا عن رفضهم استبدال “حماة الديار”، معتبرين أنه أحد آخر الأصوات الجامعة في بلد منقسم سياسياً وثقافياً.
يقول عماد عبدالكريم، معلم موسيقى في دمشق: حين نعزف النشيد في المدارس، يختفي اختلاف الطلاب وتتوحد الأصوات، هذا لا يحدث في أي لحن آخر، فنشيد “حماة الديار” هو لحن الوجدان السوري الذي كتب كلماته خليل مردم بك ولحّنه الأخوان فليفل عام 1938، لم يكن مجرد أغنية رسمية، بل صار رمزاً وجدانياً يشبه العلم في قدسيته، على مدى تسعة عقود.
ويضيف: رافق النشيد مسار سوريا في كل مراحلها، فالنشيد الوطني، كالعَلَم، يُشكّل ذاكرة دولة لا ذاكرة نظام، إنه أحد القواسم المشتركة القليلة التي بقي السوريون يجتمعون حولها رغم انقسامهم، وسوريا الجديدة يمكن أن تغيّر نغمتها، لكن لا يجب أن تنسى صوتها القديم، التجديد لا يعني النكران، ومساساً بذاكرة الوطن ومشاعر أبنائه، وتلحين نشيد وطني مسؤولية كبرى، لأنه صوت أمة لا أغنية موسمية، ولا يكفي أن يكون اللحن جميلاً، بل يجب أن يكون مؤثراً في ضمير الناس.
بينما يرى الطالب الجامعي محمد حسان أنه ربما يحتاج الوطن لنغمة جديدة تعبّر عن الجيل الذي لم يعش معنى “حماة الديار” كما عاشه السابقون، فالنشيد الحالي، رغم مكانته العاطفية، يعكس مرحلة زمنية معينة، واليوم نحن بحاجة إلى نشيد يخاطب طموحات جيل جديد، ويعكس الانفتاح السياسي والاقتصادي والثقافي، وإذا كانت النية صافية، فلن يكون التغيير صعباً، بل تحديثاً للروح الوطنية، ويمكن للفن أن يعبّر عن سوريا ما بعد الثورة دون أن يمس جذور الانتماء القديمة، والمسابقة تفتح الباب أمام أجيال جديدة للتعبير عن انتمائها بطرقها الخاصة، فالوطن ليس نصاً ثابتاً بقدر ما هو معنى متجدد في الوعي الجمعي، وسوريا ما زالت تبحث عن صوتها الجديد بعد الثورة، وربما النشيد جزء من هذه الرحلة.
ويقول المغترب عباس عكيل: منذ عقود، ظل النشيد الوطني أشبه بـ”ذاكرة موسيقية للوطن”، ترافق المغترب في غربته، وتُعيد في كل مناسبة رسم صورة الوطن الأولى في الوجدان، والرموز السيادية تتجاوز الفن إلى ما يشبه الوجدان الجماعي، لا يمكن استبدالها بسهولة كما يُستبدل الشعار أو النمط التصميمي لأنها تختزن ذاكرة جمعية تمتد لأجيال.
دروس من الجوار: الوجدان ينتصر على الإدارة
شهدت بعض الدول تغييرات في أناشيدها الوطنية، لكن غالباً في سياقات استثنائية، بعد سقوط أنظمة سياسية، أو عقب استقلال وولادة دولة جديدة، أو في إطار تحولات دستورية عميقة، وفي معظم هذه الحالات، استغرقت العملية سنوات، وشملت نقاشات مجتمعية واسعة، ولجاناً متخصصة، واستفتاءات أحياناً، ما يعزز فكرة أن النشيد لا يُغيَّر بقرار سريع، بل عبر مسار توافقي طويل.
يقول الباحث الاجتماعي صالح خير الدين في تصريحات لـ”963+” في مراجعة لتجارب دول مرت بظروف مشابهة، نجد أن “العودة للجذور” كانت هي طوق النجاة، ففي العراق تم اختار (موطني) لإبراهيم طوقان؛ كونه خياراً عابراً للأزمات وله رصيد في الذاكرة العربية، أما ليبيا فعادت لنشيد الاستقلال (يا بلادي) لقطع الطريق على أي نزاعات حول الهوية الجديدة، وفي مصر، تعددت الأناشيد الوطنية مع التحولات السياسية الكبرى. فبعد إنهاء الملكية عام 1952، ألغي نشيد “اسلمي” وتم تبني نشيد “الحرية” لمحمد عبد الوهاب، ثم في سنة 1960 صدر قرار جمهوري باعتماد “والله زمان يا سلاحي” لكمال الطويل وصلاح جاهين، وظل هذا النشيد مستخدماً حتى سنة 1979 عندما صدر قرار جمهوري بتغييره إلى النشيد الحالي “بلادي بلادي” لسيد درويش، وفي تونس، تم تغيير النشيد الوطني مرتين: أول مرة بعد الإطاحة بالملكية عام 1958 باعتماد نشيد “ألا خلّدي”، وثاني مرة عام 1987 باعتماد نشيد “حماة الحمى” الذي ظل مستخدماً حتى اليوم.
ويختم خير الدين: “النشيد ليس مجرد كلمات… هو ذكريات المدرسة، والاحتفالات، ولحظات الانتماء. تغييره ليس أمراً بسيطاً، والنشيد الوطني ليس مجرد مباراة شعرية أو تمرين موسيقي، بل هو جذر ضارب في الماضي وتطلع نحو المستقبل، وإن الاستعجال في خلق رموز جديدة قد يمنحنا نصاً بليغاً، لكنه يفتقد للنبض الذي لا يُشترى بمسابقات، ولا يُصاغ بقرارات”.
+963
——————————-
“النشيد الوطني”.. محل جدل كبير بين السوريين/ محمد أمين
17 مارس 2026
تجدّد الجدل بين السوريين على وسائل التواصل الاجتماعي عقب إعلان وزارة الثقافة عن مسابقة لتلحين نصوص شعرية فازت بمسابقة لاختيار نشيد وطني للبلاد، بعد إلغاء النشيد السابق الذي لم يعد مقبولاً لدى شريحة واسعة من السوريين بسبب تمجيده للجيش الذي كان له دور بارز في قمعهم خلال سنوات ثورتهم على نظام الأسد بين عامي 2011 و2024.
وأطلقت الوزارة، الاثنين، مسابقة لتلحين النشيد الوطني السوري “ضمن مسار جديد يعكس روح الشعب السوري وقيمه الجامعة”، مشيرة عبر معرّفاتها الرسمية إلى أن المسابقة “تهدف إلى تلحين النص المعتمد للنشيد الوطني السوري الجديد، ضمن رؤية موسيقية تعبّر عن الهوية السورية وتراعي الطابع الرسمي والرمزي للنشيد، ليكون مناسباً للأداء الجماعي والرسمي في المناسبات الوطنية والدولية”.
ووفق دليل المسابقة، ستخضع الألحان للتحكيم والتقييم الفني على يد لجنة مكوّنة من “ملحنين محترفين وأكاديميين في التأليف والتلحين الموسيقي، ومختصين في التوزيع الموسيقي والإيقاع، وخبراء في الأداء الصوتي، وممثلين عن وزارة الثقافة للإشراف العام وضبط سير المشروع”.
وأعلنت الوزارة أن اللجنة التي شُكّلت بالتعاون مع وزارة التعليم اختارت سبعة نصوص من بين النصوص التي تقدمت للمسابقة التي أُعلن عنها العام الفائت. ومن بين النصوص الفائزة والمرشحة لتكون نشيداً وطنياً نصّ من تأليف وزير الثقافة السوري محمد ياسين الصالح ومدير مديريات الثقافة والمراكز الثقافية في الوزارة أنس دغيم.
وكانت الوزارة قد أعلنت أواخر العام الفائت عن مسابقة لتأليف نشيد وطني جديد، ودعت الشعراء إلى المشاركة فيها، على أن يتمتع النص الشعري المقدم بـ”الفصاحة والجزالة وأن يُكتب بلغة عربية رفيعة تعكس الرمزية الوطنية، مثل قيم الانتماء والكرامة والشهادة والوحدة”. واشترطت الوزارة أن “يجمع النص بين العمق الأدبي والوضوح الذي يسهّل الترديد ويمنح النشيد طابعاً جماهيرياً قابلاً للاستخدام في المناسبات الوطنية”.
وتأتي هذه الخطوة في سياق إعادة تشكيل الهوية السورية وإجراء قطيعة كاملة مع الثقافة التي سادت البلاد على مدى ستين عاماً. فقد غيّرت الإدارة السورية الجديدة علم النظام السابق، واعتمدت الراية التي رفعها السوريون في أثناء الثورة، وهي الراية التي كانت معتمدة بعد الاستقلال عن فرنسا في أربعينيات القرن الماضي.
كذلك اعتمدت الإدارة هوية بصرية جديدة للدولة، في خطوة حملت الكثير من الدلالات، وعدّها كثير من السوريين إيذاناً بنهاية مرحلة تُوصف بـ”السوداء”، اتسمت بالاستبداد والقمع والفساد على مختلف المستويات.
في المقابل، انتقد كثير من السوريين على وسائل التواصل الاجتماعي خطوة وزارة الثقافة لتغيير النشيد الوطني، مطالبين باعتماد نشيد “في سبيل المجد” خلال المرحلة الانتقالية، على أن يتولى أول برلمان منتخب وفق الدستور القادم حسم هذا الأمر الذي يعكس جانباً مهماً من هوية البلاد. وواجهت النصوص المنتقاة انتقادات حادة، إذ اعتبر منتقدون أنها تفتقر إلى التجديد والأصالة وتعكس نمطية لا ترقى لتكون بديلاً للنشيد السابق.
وفي هذا السياق، أوضح زيدون الزعبي، وهو إعلامي وخبير في مجالات الحوكمة، في حديث مع “العربي الجديد”، أنه “لا يحق لوزارة الثقافة أو لأي طرف حكومي تحديد ملامح أساسية في الهوية السورية مثل النشيد الوطني والعلم”، مضيفاً أن الدستور القادم ينبغي أن يضع جانباً أساسياً من هذه الملامح. وتابع: “يجب أن يكون لدينا برلمان يحظى بإجماع وطني وشرعية كبيرة يتولى إقرار النشيد والرموز ذات الأبعاد الوطنية”.
وكان النشيد الوطني السابق “حماة الديار” قد اعتُمد منذ عام 1938، وبقي النشيد الرسمي للبلاد حتى سقوط نظام الأسد في نهاية عام 2024، باستثناء سنوات الوحدة مع مصر بين عامي 1958 و1961. وكتب كلمات النشيد الشاعر السوري خليل مردم بيك، ولحّنه الأخوان محمد وأحمد فليفل. وغالباً ما كان يُتهم بالمبالغة في التمجيد، ولا سيما للجيش.
ومع سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024، برز نشيد “في سبيل المجد والأوطان نحيا ونبيد”، للشاعر عمر أبو ريشة، مجدداً، إذ ردده السوريون في احتفالاتهم بعد إسقاط النظام. واعتمدته الإدارة السورية الجديدة نشيداً مؤقتاً للبلاد، وعُزف نشيداً وطنياً لسورية خلال حفل افتتاح بطولة كأس العرب لكرة القدم التي أقيمت في الدوحة أخيراً. وبحسب الإعلان الدستوري الناظم للمرحلة الانتقالية التي تمر بها سورية، “يُحدَّد شعار الدولة ونشيدها الوطني بقانون”، وذلك وفق ما ورد في المادة الخامسة منه.
العربي الجديد
—————————-
النشيد الوطني السوري: سبعة نصوص وجدل حول المعايير
الثلاثاء 2026/03/17
أطلقت وزارة الثقافة السورية المرحلة الثانية من مسابقة النشيد الوطني، بعد اختيار سبعة نصوص شعرية من المرحلة الأولى الخاصة بالكلمات، ونشرها ضمن دليل مسابقة التلحين مرفقة برمز QR يتيح الوصول إلى النصوص المعتمدة وشروط المشاركة، في خطوة تعني عملياً إغلاق باب التنافس على الكلمات والانتقال إلى اختيار اللحن الذي سيرافق أحد هذه النصوص في المرحلة التالية.
وتأتي مسابقة التلحين استكمالاً للمشروع وتحقيقاً لتكامل الكلمة واللحن في عمل سيادي يهدف إلى الوصول إلى لحن وطني رسمي جديد واضح، وقابل للأداء الجماعي والرسمي في المناسبات الوطنية والدولية حسبما نشر في دليل المسابقة.
وحسب الدليل، أتاحت الوزارة للمشاركين التقدم إلى المسابقة عبر النصوص السبعة المعتمدة، على أن يكون المتقدم سورياً أو بحكمه وأن يحقق اللحن الانسجام التام مع النص المختار والأثر العاطفي والإيقاع الرسمي والقابلية للأداء الجماهيري والرسمي.
كما يمكن للملحن تلحين نص واحد أو أكثر، وستبقى المشاركات مفتوحة حتى استكمال مراحل التقييم واعتماد اللحن النهائي، فيما تتولى لجنة عليا تقييم الألحان بناءً على معايير تتصل بالتركيب اللحني والإيقاع المناسب وقابلية التوزيع الأوركسترالي والهوية الموسيقية الوطنية.
وتتضمن لجنة التقييم الفني ملحنين محترفين وأكاديميين في التأليف والتلحين ومختصين في التوزيع الموسيقي والإيقاع وخبراء في الأداء الصوت، وممثلين عن وزارة الثقافة للإشراف العام.
وتعود النصوص السبعة التي انتقلت إلى مرحلة التلحين إلى محمد أسعد عزالدين ومحمد أسعد طالب، وتميم علي حسين اليونس، وأنس الدغيم ومحمد ياسين الصالح، ومحمد المحمد ومحمد جاسم، وعكرمة عدنان محمد مصطفى، وإبراهيم سليم الحريري، وأيمن الجبلي.
وتشكلت لجنة مراجعة النصوص الشعرية بالتعاون مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، برئاسة أمين مجمع اللغة العربية في دمشق الدكتور محمد قاسم، وعضوية الدكتور حسين وقاف والدكتور طاهر الهمس والدكتور محمود الجاسم والدكتور محمد عبدو فلفل والدكتور محمد ماجد العطائي والدكتور محمد عادل أحمد شوك والدكتورة فاطمة بلة، واختارت هذه اللجنة سبعة نصوص فقط للانتقال إلى المرحلة التالية الخاصة بالتلحين.
—————————
====================



