سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

هل يوجد حقاً “دار أوبرا” في دمشق؟/ موريس عايق

سوريا

25.03.2026

ما الذي نعنيه اليوم بالثقافة الوطنية عموماً – معاييرها وعلاماتها وأدوارها ومحتواها؟ قبل أن ندين مأدبة إفطار في دار أوبرا، أو حلقة دعوية في مكتبة وطنية، أو جلسة مدائح نبوية في مسرح، علينا أن نسأل: أين نحن من هذا كله أصلًا؟

ما إن تمّ تداول خبر إقامة مأدبة إفطار في شهر رمضان الماضي في دار الأوبرا في دمشق، حتى انهالت الانتقادات، معترضةً على ما يحصل في دار الأوبرا، وعلى ما اعتُبر إهانةً لموقعها الثقافي ومعاملتها كـ”مطعم”. وأتى هذا الحدث استمرارًا لأحداث شبيهة حصلت في دار الأوبرا، كإعلان نتائج مسابقة قرآنية، ونتائج الأولمبياد السورية… وغيرها من “الأنشطة”.

تمثّلت مآخذ المنتقدين في إهدار مكانة هذا “الصرح” وقيمته الثقافية والأدبية، وخشيتهم عليه من الأسلمة. وأحيانًا ترافقت هذه الانتقادات مع انزعاج ناجم عن موقع طبقي أو اجتماعي في مواجهة فئات اجتماعية أخرى؛ مدينة ضد ريف، وطبقة وسطى ضد فقراء.

تبدو الانتقادات محقّة أحيانًا ومتجنّية أحيانًا أخرى. والمدافعون، بدورهم، يشيرون—محقين مرات ومجانبين للصواب مرات أخرى—إلى أن وراء هذا الجدل يظهر الترفّع الطبقي أو الاجتماعي الذي تحمله هذه الانتقادات، والعدائية الضمنية التي لا ترى سوى السلبيات.

ما هي “دار الأوبرا”؟

في هذا السجال، تغيب مسألة مهمة، وهي السؤال عن سبب وجود دار أوبرا لدينا أساسًا: لماذا لدينا أصلًا دار أوبرا، أو مسرح، أو متحف، أو مكتبة وطنية؟ ما حاجتنا إلى هذه الأشياء؟

ليس السؤال تلاعبًا لغويًا، وليس انتقاصًا منا، على اعتبار أننا لا نستحق مثل هذه الأمور. بل يجب النظر إلى المسألة من زاوية مختلفة، تتعلق بالدور الاجتماعي والمؤسساتي لهذه الأشياء، ولماذا هي موجودة لدينا أصلًا.

دار الأوبرا، مثلها في ذلك مثل المسارح والمكتبة الوطنية والمكتبات العامة والمتاحف والمعارض ومؤسسة التجنيد الإلزامي… هي مؤسسة اجتماعية ظهرت في سياقات تاريخية واجتماعية وثقافية محددة، ولها أدوار ووظائف اجتماعية تقوم بها. فقد نشأت دور الأوبرا في أوروبا في سياق تاريخ ثقافي وفني وموسيقي، وكانت هذه الدور ذروته. كما عبّرت دور الأوبرا عن ثقافة الطبقة الحاكمة النبيلة هناك، فنظمت شكل الثقافة وشكلت معاييرها، سواء بغرض تقديمها بوصفها ثقافة نخبوية خاصة بالطبقة العليا وشرطًا لدخول ناديها، أو بوصفها ثقافة النخبة التي تتحول إلى ثقافة نموذجية ومعيارية للثقافة العامة، يتم الاقتداء بها في تعريف القيم وأنماط السلوك والآداب للمجتمع بأسره: ثقافة إشعاع وتنوير تعرف معايير الحضارة والآداب.

لاحقًا، ومع ترسّخ الدولة الوطنية ونشوئها، والحاجة الملحّة الى تنظيم الثقافة الجماهيرية والشعبية وضبطها ومعايرتها والتحكم بها، نشأت مؤسسات عدة تتولى هذه المهمة: المكتبة الوطنية، المتحف، الأرشيفات، وحتى مؤسسة التجنيد الإلزامي والمدرسة.

وإلى جانب كل من هذه المؤسسات، هناك مؤسسات فرعية عدة تدعمها. فدور الأوبرا والمتحف الوطني الكبير والمسرح القومي وغيرها لن تكون إلا في المدن الكبرى والعواصم، لكن هناك مؤسسات صغيرة موزعة على طول البلاد من مراكز ثقافية، ومكتبات محلية، ودور مسرح وموسيقى.

وهذه جميعها دُمجت في أطر مؤسساتية وتعليمية لتؤدي مهمتها، مثل تنظيم الرحلات المدرسية المنتظمة إليها، والبرامج المدرسية التي تجعل من حضور هذه المؤسسات راسخًا في تعليم الأطفال والفتيان. فدور الأوبرا والمسرح هي مؤسسات محاطة ببيئة مؤسساتية متكاملة تمكّنها من القيام بأدوارها ووظائفها التي عليها القيام بها: بناء الثقافة الوطنية والتاريخ الوطني وتشكيلهما.

وعلى أساس هذه الخلفية، علينا أن نطرح سؤالًا: لماذا لدينا أصلًا دار أوبرا؟ ما الذي على دار الأوبرا أو المتحف أو المكتبة الوطنية أن تقوم به لدينا؟

ما دور المؤسسات الثقافية الوطنية؟

في مدن سوريا، كانت هناك متاحف وطنية تكبر أو تصغر بحسب المدينة. لم نكن نذهب إليها عادة. لم أذهب يومًا في رحلة مدرسية إلى متحف ما (المرة الوحيدة التي زرت فيها متحفًا في نشاط مدرسي كانت رحلة إلى متحف بانوراما حرب تشرين). في حمص مثلًا، كان المتحف شبه مهجور، ولا أعرف أحدًا من أبناء المدينة سبق له أن زار المتحف.

نادرًا ما ترى أحدًا يحاول الدخول إليه، وإن حصل فعادة ما يكونون سياحًا. أمام المتحف كان هناك تابوتان رومانيان تحوّلا إلى حاويتي قمامة (وقد صُدمت لاحقًا في ألمانيا عندما اكتشفت أن الألمان يتعاملون مع قطع رومانية أقل قيمة بكثير من هذين التابوتين بوصفها قطعًا أثرية شديدة الأهمية، ويتم الاعتناء بها بأقصى قدر. وكنت أعلّق ساخرًا: اذهبوا إلى سوريا واحوشوا ما تشاؤون من هذه القطع).

لا يقتصر هذا على سوريا بالطبع؛ من العراق إلى مصر تظهر علاقة مشابهة إلى حد كبير مع الآثار والمتاحف والتاريخ: أشياء للسياح أساسًا، أو لمن أحب أن يتشبّه بالأوروبيين. وعادة، عندما تضطرب الأمور، نجد دعوات أو أفعالًا لتكسير هذه الأصنام والتخلص منها.

ماذا يفعل الأرشيف الوطني والمكتبة الوطنية لدينا، ولا أحد يملك حقًا القدرة على الوصول إليهما والاطلاع على محتوياتهما؟ ماذا تعني الأوبرا والمسرح لدينا أيضًا؟

هذه الأسئلة تثير مسألتين: ما الأدوار التي يتوجب على مثل هذه المؤسسات أن تقوم بها لدينا؟ مهمة هذه المؤسسات تنظيم وبناء الثقافة الوطنية والتاريخ الوطني، كما ترغب به الدولة الوطنية. وهنا مربط الفرس: ما الذي ترغب “الدولة الوطنية” لدينا القيام به؟

في حالتنا، انتقلت هذه المؤسسات إلى بلادنا مع بدء الإصلاح ونشوء الدولة الوطنية وتطورها في مراحلها المختلفة، لكن ما انتقل إلينا حقًا هو صورة المؤسسة، وليس المؤسسة نفسها. إذ لدينا بناء دار الأوبرا (أُحرقت دار أوبرا دمشق من دون أسباب واضحة وأُعيد بناؤها لاحقًا)، وليس دار الأوبرا بوصفها مؤسسة ذات دور ووظيفة. لدينا بناء المكتبة الوطنية، وليس المكتبة الوطنية؛ بناء المتحف، وليس المتحف.

صار لدينا أوبرا ومسرح بوصفهما أبنية، من دون أن تنتقل معهما المؤسسة وما تتطلبه من أطر تحيط بها وتدعمها: من مسارح، ودور موسيقية، وثقافة مسرحية وموسيقية، ومناهج تعليم، ورحلات مدرسية، وكل هذه الأمور التي تشكّل الوسط المؤسساتي لهذه المؤسسات.

وفوق ذلك، لم تكن هذه المؤسسات وليدة ثقافة محلية، شعبية أو نخبوية، تحملها وتمكّنها من العمل من داخلها. فدار أوبرا دمشق وُضع أساسها في نهاية التسعينات، وافتُتحت في عهد الأسد الابن عام 2004، الذي أصدر عام 2006 مرسومًا بإحداث “الهيئة العامة لدار الأسد”. أي أن الدار نتاج قرار سيادي، لا حاجة فنية، ولا نتاج تراكم ثقافي محلي، أو حركة أوبرالية بحاجة الى مساحة للعرض.

أما في أوروبا، فقد نبتت هذه المؤسسات في بيئة ثقافتها الوطنية على مدى قرون، ومن داخل سياقاتها الثقافية والأدبية والموسيقية، وإن كانت بعض الدور قد بُني أيضًا بقرار ملكي.

الشكل الفني المسمّى “أوبرا” هو ربما الفن الوحيد الذي نعلم بدقة تاريخ نشوئه، ومتى بدأ، وكيف تطورت صالات عرضه، والصراعات التي خاضها المؤلفون مع السلطة. بصورة ما، الأوبرا فن أوروبي بحت. أما الحديث عن هذا “الفن” وهذه “الدار” في سوريا، فيتركنا أمام سؤال: هل نحن أمام ركح لاستقبال الفن الأوروبي “الراقي” وموسيقاه، أم مساحة لاكتشاف الممكنات الفنية المحلية وتبنّي السلطة لها؟

الإجابة واضحة: من يلعب دور الواجهة السياسية في سوريا هم الممثلون وصنّاع المسلسلات، لا مغنّو الأوبرا ومؤلفوها.

في حالة سوريا أيضًا، تمت تنحية المنتجات الثقافية المحلية التي كان بإمكانها أن تلعب هذا الدور جانبًا، أو توجّب عليها شق طريقها بوسائل مختلفة. كافحت الموسيقى الشرقية ونجحت في الحفاظ على مكانها (وليس الأوبرا أو السيمفونيات أو موسيقى الحجرة)، لكن إلى حد كبير بفضل جهد محلي وشعبي، وبالطبع دعم حكومي، من دون أن تنتظم في مؤسسات ثقافية مماثلة لدور الأوبرا.

في أزمة “ثقافة النخبة”

لم يكن نقل صورة المؤسسات، لا المؤسسات نفسها، منفصلًا عن عملية أخرى كانت بدورها مضادة لما عرفته هذه المؤسسات في بلدانها. هناك، كانت ثقافة النخبة منطلق إشعاع، ثقافة قائدة للمجتمع وتشكل المعيار الذي يجب الاقتداء به.

في حالتنا، وفي أحيان كثيرة، كانت ثقافة نخبة معادية ومنفصلة عن مجتمعها، وتستعين بهذه العلامات الثقافية لبناء سور يعزلها عنه. ثقافة أجنبية في مواجهة الثقافة المحلية، أيًّا كانت هذه الثقافة: شعبية أو نخبوية.

لم يتم التعامل مع المعطيات الثقافية المحلية كنقاط انطلاق لبناء ثقافة نخبة قائدة، مع دمجها بالثقافة الأوروبية التي تحولت إلى ثقافة عالمية، بل تم التخلي عن الثقافة المحلية وتكريس القطيعة معها. ثقافة غريبة ومغتربة: هذه هي ثقافة النخبة لدينا، بخاصة في أطوارها الأخيرة مع تدهور مشروع الدولة الوطنية وتعثره.

لا تدور المسألة هنا حول الخصوصية القومية أو الدفاع عن الثقافة المحلية، بل حول الدور الذي تلعبه الثقافة في تشكيل النخبة، وتصورها عن ذاتها ومجتمعها، وطبيعة علاقة السيطرة التي تقيمها معه.

أبنية من دون وظائف

في النهاية، لماذا لدينا دار أوبرا؟ لا يوجد سبب حقيقي لأن يكون لدينا دار أوبرا أو متحف أو مكتبة وطنية، والحقيقة أنه لا يوجد لدينا فعلًا شيء من هذه المؤسسات. ما لدينا لا يتعدى أبنية نطلق عليها هذه الأسماء، لكن ليست لدينا مؤسسات اجتماعية وثقافية.

هذه الصور الثقافية—المسمّاة مسرحًا ودار أوبرا ومكتبة وطنية ومتحفًا—كثيرًا ما استخدمتها النخب الحاكمة لتعزيز انفصالها عن مجتمعها، بوصفها علامات ثقافية لتمييز الناس “المحترمة” من “الرعاع والمتعصبين”. اليوم، انتصر الأخيرون، ولهم ثأرهم الذي يأخذونه رويدًا رويدًا.

هناك من يدافع عن دار الأوبرا لأنها علامة ثقافية للتميّز عن هؤلاء “الرعاع”. وهو نفسه لا يستمع إلى الأوبرا، ولا يفقه شيئًا في الموسيقى الكلاسيكية، ولا يكترث للتواريخ الأدبية والوطنية. بالنسبة إليه، دار الأوبرا مكان لتزجية الوقت في أفضل الأحوال، مثل مأدبة الإفطار، لكن مع شيء من “البرستيج”.

غير أن هناك أيضًا من يحمل همًّا ثقافيًا، وهو محق في خشيته وامتعاضه. لكن عليه أن يتأمل في سؤال: لماذا لدينا دار أوبرا؟ وبطريقة أخرى: ما الذي نعنيه اليوم بالثقافة الوطنية عمومًا—معاييرها، وعلاماتها، وأدوارها، ومحتواها؟

قبل أن ندين مأدبة إفطار في دار أوبرا، أو حلقة دعوية في مكتبة وطنية، أو جلسة مدائح نبوية في مسرح، علينا أن نسأل: أين نحن من هذا كله أصلًا؟

درجة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى