كيف تعالج الحكومة ملف الإدارة المحلية؟/ محمد جفال

تنازع صلاحيات وموارد أم أزمة عميقة..
تفتح الحكومة السورية مجددًا ملف الإدارة المحلية، مع بدء وزارة الإدارة المحلية والبيئة مناقشة تعديلات على قانون الإدارة المحلية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم “107” لعام 2011، في خطوة تقول الوزارة إنها تهدف إلى معالجة ثغرات ظهرت خلال سنوات التطبيق، وتعزيز دور المجالس المحلية في إدارة الشأن الخدمي والتنموي.
الخطوة سبقها جدل سياسي حول اللامركزية والفيدرالية، تصاعد مع الأحداث الأمنية التي شهدتها سوريا خلال عام 2025، ابتداء بأحداث الساحل مرورًا بأحداث السويداء، ثم شمال شرقي سوريا، لتتراجع حدة النقاش بعد وساطة أمريكية أنهت الخلاف بين الحكومة و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) باتفاق يجري تطبيقه لدمج الأخيرة في مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية.
لا يبدو أن الحكومة تتجه نحو إقرار نوع من اللامركزية السياسية، مقابل توسيع الهوامش في إطار الصلاحيات التنفيذية، وفكّ التنازع بين الإدارات المحلية المنتخبة وسلطة المحافظين المعيّنين من قبل المركز.
ويبرز تساؤل حول أزمة عدم الثقة الناشئة بين المركز والأطراف، وضرورات معالجتها وصولًا لتحقيق تقدم في معالجة قانون الإدارة المحلية، وضمان حلول ناجعة تطلق مسارًا صحيًا للتنمية والإدارة الرشيدة على مستوى المحافظات والمدن والبلدات.
وأعلنت الوزارة، في 5 من آذار الحالي، عقد الاجتماع الأول للجنة المكلفة بتعديل وتطوير القانون، برئاسة معاون الوزير للشؤون الفنية، في إطار عملية مراجعة تشريعية تسعى إلى تطوير بنية الإدارة المحلية في البلاد.
ووفق ما صدر عن الوزارة، تركز أعمال اللجنة على معالجة الإشكالات التي ظهرت في التطبيق العملي للقانون، مثل تداخل الصلاحيات بين الجهات الإدارية المختلفة، ونقص الموارد الذاتية للوحدات الإدارية، إضافة إلى الحاجة إلى تعزيز اللامركزية الإدارية وتفعيل دور المجالس المحلية في صنع القرار التنموي.
وبحسب الوزارة، من المتوقع أن تستمر أعمال اللجنة لمدة ثلاثة أشهر، بهدف الوصول إلى صيغة تعديلات تشريعية تعزز كفاءة الإدارة المحلية وتحسن إدارة الموارد على مستوى المحافظات.
وتأتي هذه الخطوة ضمن سياق أوسع من الإجراءات الحكومية التي شهدتها الأشهر الماضية، كان أبرزها قرار وزير الإدارة المحلية والبيئة، محمد عنجراني، في 15 شباط الماضي، بتفويض المحافظين بعدد من صلاحيات الوزير، في خطوة قالت الوزارة إنها تهدف إلى تسريع الإجراءات الإدارية وتعزيز اللامركزية الخدمية.
كما سبق أن أعلنت عدة وزارات خدمية واقتصادية عن تفويض جزء من صلاحياتها إلى المديريات التابعة لها في المحافظات، بما في ذلك صلاحيات تتعلق بإبرام العقود وإدارة شؤون العاملين ومنح بعض الموافقات الإدارية، في إطار إعادة توزيع الاختصاصات بين المركز والأطراف.
وتثير هذه التحركات الحكومية نقاشات بين باحثين وناشطين سياسيين حول طبيعة التعديلات المرتقبة، ومدى قدرتها على إحداث تحول فعلي في إدارة الشأن المحلي في سوريا، خاصة بعد أكثر من عقد على صدور قانون الإدارة المحلية الحالي.
الإدارة والتقسيمات والصلاحيات الحالية..السلطة المركزية تهيمن
صدر قانون الإدارة المحلية في سوريا بموجب المرسوم التشريعي رقم “107” لعام 2011، وكان الهدف منه تنظيم الإدارة المحلية وتعزيز دور المجالس المحلية في التخطيط وتنفيذ المشاريع التنموية والخدمية.
خلال سنوات تطبيق القانون، ظهرت مجموعة من التحديات، أبرزها التداخل بين صلاحيات المحافظين المعيّنين من السلطة المركزية والمجالس المحلية المنتخبة، وعدم وضوح حدود المسؤوليات بين الجهات التنفيذية والرقابية.
كما تبيّن أن الموارد المالية للوحدات الإدارية بقيت تحت السيطرة المركزية، إذ اعتمدت أغلبية المشاريع على التحويلات المالية من الحكومة المركزية، ما قلل من قدرة المجالس المحلية على إدارة مشاريع مستقلة أو تنفيذ برامج تنموية وفق أولويات مجتمعاتها.
إضافة إلى ذلك، لم توفر القوانين السابقة برامج تدريبية للكوادر الإدارية المحلية في مجالات التخطيط المالي والإدارة الاستراتيجية وإدارة المشاريع.
كما لم تكن هناك آليات واضحة للرقابة والمساءلة، ما أدى إلى ضعف تنفيذ بعض المهام، وتركز القرار في المستوى المركزي.
وأظهرت التجربة السابقة أيضًا أن توزيع الصلاحيات لم يكن محددًا بشكل دقيق، خاصة فيما يتعلق بإدارة الموارد وتخطيط التنمية، ما أدى إلى بقاء الكثير من القرارات الأساسية بيد السلطة المركزية، رغم وجود مجالس محلية منتخبة.
يعتبر استعراض التجربة السابقة للقوانين خطوة مهمة لفهم نقاط القوة والقصور، وتمثل أساسًا لتوجيه أي تعديلات مستقبلية، مع التركيز على تمكين المجالس المحلية من أداء مهامها ضمن الإطار القانوني المحدد، دون المساس بالاختصاصات السيادية للدولة.
الإحصاءات وطريقة العمل
تضم سوريا شبكة من الوحدات الإدارية التي تنظم إدارة الشؤون المحلية في مختلف المحافظات، وتشمل المحافظات نفسها، والمناطق التابعة لها من مديريات وبلديات وقرى.
تتوزع البلاد إداريًا إلى 14 محافظة، كل منها يقسم إلى عدد من المناطق الإدارية (مديريات)، التي تتفرع بدورها إلى نواحٍ، ثم إلى بلديات ومجالس محلية للقرى والبلدات.
هذا الهيكل الإداري يتيح للسلطات المركزية والمحلية إدارة الشؤون الخدمية والتنموية وفق مستويات متعددة من المسؤولية.
وفقًا للقوانين الحالية، تتمتع كل وحدة إدارية بصلاحيات محددة تختلف باختلاف حجمها وإمكانياتها، فالمحافظات مسؤولة عن الإشراف العام على التنمية الاقتصادية والخدمات العامة، بينما تتولى المديريات والمجالس المحلية إدارة الخدمات اليومية، مثل النظافة والصرف الصحي، وصيانة الطرق والبنية التحتية المحلية، إضافة إلى تنظيم النشاط التجاري والزراعي في نطاقها.
ويشمل عمل الوحدات الإدارية أيضًا متابعة تنفيذ المشاريع التنموية الممولة من الدولة، والتنسيق مع الجهات المركزية، لضمان توافق الخطط مع السياسات الوطنية.
توضح الإحصاءات الأخيرة أن عدد الوحدات الإدارية على مستوى المحافظات والمديريات والبلديات يفوق عدة آلاف وحدة، بما في ذلك المجالس المحلية المنتخبة ومجالس القرى الصغيرة.
وتختلف هذه الوحدات في قدراتها المالية والبشرية، فبعضها يمتلك موارد ذاتية محدودة ويعتمد بشكل رئيس على التحويلات المالية من الحكومة المركزية، بينما تتمتع وحدات أخرى بموارد أكبر نسبيًا تتيح لها تنفيذ مشاريع محلية مستقلة.
تعمل الوحدات الإدارية وفق نظام إداري هرمي، يبدأ من المحافظات وينتهي بالمجالس المحلية، مع وجود آليات للإشراف والمتابعة من قبل الجهات الأعلى. وتقوم المجالس المحلية في البلديات والقرى بدورين أساسيين:
الأول تخطيطي: حيث تحدد احتياجات المنطقة وتضع خططًا لخدمات التنمية المحلية.
الثاني رقابي: من خلال متابعة تنفيذ المشاريع والتأكد من الالتزام بالخطط والموازنات المخصصة. كما تتعاون هذه المجالس مع القطاع الأهلي والمجتمع المحلي في تحديد أولويات الإنفاق وتنفيذ المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
على مستوى الموارد البشرية، تعتمد الوحدات الإدارية على موظفين مدنيين متخصصين في مجالات مختلفة مثل التخطيط والإدارة المالية والهندسة والخدمات العامة.
ويتم تنظيم هذه الوظائف ضمن هياكل إدارية ثابتة، تتيح توزيع المهام بين الإدارات المختلفة وتفادي التداخل في الصلاحيات.
كما يُسمح للوحدات المحلية بالتعاون مع المجتمع المدني والقطاع الخاص لتوسيع نطاق الخدمات وتطوير البرامج التنموية، وفقًا للأنظمة والقوانين المعمول بها.
توضح هذه الصورة أن الوحدات الإدارية في سوريا تمثل شبكة متكاملة لإدارة الشؤون المحلية، وأن توزيعها وطريقة عملها تعتمد على مستويات محددة من الصلاحيات والمسؤوليات، ما يجعلها المحرك الأساسي لتنفيذ سياسات التنمية والخدمات على الأرض، مع ارتباطها بالهيكل الإداري المركزي لضمان التنسيق والتوافق مع الخطط الوطنية.
اللامركزية في التجارب الدولية..أين تنتهي الإدارة المحلية وأين تبدأ الفيدرالية؟
تقدم التجارب الدولية في مجال الإدارة المحلية أمثلة متعددة على نماذج لامركزية مختلفة، يمكن الاطلاع عليها لفهم كيفية تنظيم السلطات المحلية وتوزيع الصلاحيات والموارد.
في العديد من الدول، تعتمد الحكومات على مبدأ فصل واضح بين السلطات المركزية والمحلية، مع تحديد صلاحيات كل جهة بوضوح لضمان فعالية الإدارة وتحقيق التنمية المستدامة.
على سبيل المثال، في بعض الدول الأوروبية، تتمتع السلطات المحلية بمستوى عالٍ من الاستقلالية في إدارة الموارد المالية، حيث يمكن للمجالس المحلية وضع ميزانياتها الخاصة، وتحديد أولويات الإنفاق وفق احتياجات مجتمعاتها، ضمن الإطار العام للقوانين والسياسات الوطنية.
كما تتولى هذه المجالس الرقابة على تنفيذ المشاريع والخدمات العامة، وتتمتع بقدرة على التعاقد مع القطاع الخاص أو منظمات المجتمع المدني لتطوير الخدمات المحلية.
في بعض الدول الآسيوية، تعتمد تجربة الإدارة المحلية على نموذج هرمية مرنة، حيث يتم تفويض السلطات التنفيذية والمالية للمستوى المحلي، مع إشراف مركزي يركز على التنسيق والتوجيه وليس على الإدارة المباشرة، وهذا النموذج يتيح للمجالس المحلية التعامل مع احتياجات السكان بشكل أسرع وأكثر دقة، مع ضمان التزامها بالخطط والسياسات العامة للدولة.
كما تظهر تجارب بعض الدول أن نجاح الإدارة المحلية يعتمد بشكل كبير على وجود آليات واضحة للمساءلة والشفافية، بما في ذلك نشر المعلومات المالية والخطط التنموية للمواطنين، وإشراك المجتمع المحلي في اتخاذ القرارات.
هذا النهج يسهم في تعزيز الثقة بين السلطات والمجتمع، ويقلل من التداخل في الصلاحيات بين المستويات المختلفة للإدارة.
تشترك معظم التجارب الدولية الناجحة في عناصر أساسية، أبرزها:
تحديد واضح للصلاحيات والمسؤوليات بين المستوى المركزي والمحلي.
وجود موارد مالية مستقلة أو ذاتية، وقدرات إدارية وكوادر مدربة، وآليات فعالة للرقابة والمساءلة.
مشاركة المجتمع المدني والمواطنين في صنع القرار المحلي، لضمان أن تكون التنمية والخدمات متناسبة مع الاحتياجات الفعلية للسكان.
وتُظهر المقارنة بين هذه النماذج، أن هناك تنوعًا كبيرًا في كيفية تطبيق اللامركزية مثل:
لامركزية إدارية بحتة: تتركز السلطة التنفيذية لدى الإدارات المحلية.
لامركزية مالية وإدارية: تتمتع المجالس المحلية بحق تحديد أولويات الإنفاق وإدارة الموارد مع إشراف مركزي محدود.
وبغض النظر عن النموذج المتبع، تؤكد التجارب الدولية أن الوضوح في توزيع الصلاحيات، وبناء قدرات المؤسسات المحلية، هما المفتاح لضمان فعالية الإدارة المحلية وتحقيق التنمية المستدامة.
بين اللامركزية الإدارية والفيدرالية
اللامركزية الإدارية، هي مفهوم تنظيمي وإداري يهدف إلى تفويض جزء من السلطات والاختصاصات من المستوى المركزي إلى المستويات المحلية، بما يتيح للإدارات المحلية اتخاذ قرارات مرتبطة بالخدمات والتنمية، وفق احتياجات المجتمعات المحلية.
في هذا السياق، تظل الدولة المركزية مسؤولة عن القضايا السيادية والسياسات العامة الكبرى، بينما تتولى السلطات المحلية إدارة الملفات اليومية، مثل التخطيط المحلي والبنية التحتية والخدمات العامة وتنفيذ المشاريع التنموية في نطاق اختصاصها. وتؤكد معظم النماذج الإدارية أن اللامركزية الإدارية لا تعني التخلي عن وحدة الدولة أو السيادة الوطنية، بل تهدف إلى تحسين فعالية الإدارة وتسهيل تقديم الخدمات للمواطنين.
تتنوع أشكال اللامركزية وفقًا لطبيعة السلطات الممنوحة وهناك:
لامركزية تنفيذية: تتمثل في تفويض الإدارة اليومية للموارد والمشاريع إلى المجالس المحلية.
لامركزية مالية: تمنح السلطات المحلية القدرة على إدارة الموارد المالية الخاصة بها.
لامركزية تشاركية: تشمل إشراك المجتمع المدني والمواطنين في صنع القرار المحلي.
وتجمع هذه الأشكال بين تعزيز القدرة على الاستجابة لاحتياجات السكان وتحقيق الرقابة والمساءلة المحلية، ما يسهم في تحسين الأداء الإداري على مستوى المحافظات والمديريات.
أما الفيدرالية، فهي نظام سياسي يتميز بتوزيع السلطات بين الحكومة المركزية وحكومات محلية تتمتع باستقلالية واسعة، تصل في بعض الحالات إلى درجة التشريع الذاتي ضمن حدود معينة.
في النظم الفيدرالية، تتمتع الولايات أو المقاطعات بحقوق دستورية محددة، بما يشمل السياسات المحلية والتشريعات الخاصة، مع ضمان وحدة الدولة في القضايا السيادية مثل الدفاع والسياسة الخارجية والعملة.
ويعتمد الفيدراليون على وجود دستور يحدد العلاقة بين الحكومة المركزية والوحدات الفيدرالية، بما يحفظ الحقوق والصلاحيات لكل طرف ويمنع التداخل غير المنضبط في السلطات.
تختلف اللامركزية الإدارية عن الفيدرالية في أن الأولى عادة ما تكون عملية تنظيمية داخل إطار الدولة الموحدة، تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة والخدمات المحلية، بينما الثانية نظام سياسي يُنظم توزيع السلطة بين مستويات مختلفة بموجب دستور، وقد تتضمن استقلالية تشريعية وسياسية أوسع.
وبالرغم من ذلك، يمكن أن تتقاطع المفاهيم في بعض الحالات، إذ تُستخدم اللامركزية ضمن نظام فيدرالي لتوزيع المهام التنفيذية والمالية بطريقة متسقة مع الدستور.
وتشير الدراسات المقارنة إلى أن نجاح أي نموذج لامركزي أو فيدرالي يعتمد على وضوح توزيع الصلاحيات، ووجود آليات فعالة للرقابة والمساءلة، وتمكين السلطات المحلية من الموارد المالية والبشرية الكافية.
كما يظهر من التجارب الدولية أن المشاركة المجتمعية الفعالة تعتبر عاملًا حاسمًا لتعزيز الاستقرار وتحقيق التنمية المستدامة، سواء في سياق اللامركزية الإدارية أو ضمن الأنظمة الفيدرالية.
تنازع الصلاحيات والموارد..البيئة السياسية تؤثر، الصلاحيات بين المحافظين والمجالس المحلية
يشكل توزيع الصلاحيات بين المحافظين والمجالس المحلية أحد أبرز الملفات المطروحة للنقاش حول تعديل قانون الإدارة المحلية، إذ يرى مراقبون أن التداخل في الصلاحيات كان من أبرز الإشكالات التي رافقت تطبيق القانون خلال السنوات الماضية.
المدير التنفيذي لـ”المعهد الأوروبي للمبادرات السياسية والتحليل الاستراتيجي”، باسم حتاحت، يرى أن أحد أهم أوجه القصور في القانون الحالي يتمثل في الغموض الذي رافق توزيع الصلاحيات بين المحافظ والمجالس المحلية.
وقال حتاحت، إن المحافظ، بوصفه معيّنًا من السلطة المركزية، كان يتمتع بسلطات واسعة في إدارة شؤون المحافظة، الأمر الذي حدّ من استقلالية المجالس المحلية في ممارسة دورها.
وأضاف أن القانون لم يحدد بوضوح الحدود الفاصلة بين الوظائف التنفيذية والرقابية، ما أدى إلى تداخل في الأدوار بين الأجهزة التنفيذية والمجالس المحلية.
وأشار إلى أن هذا التداخل انعكس على أداء الإدارة المحلية، حيث بقيت الكثير من القرارات الأساسية بيد السلطة المركزية رغم وجود مجالس محلية منتخبة.
ويرى الناشط السياسي في “التيار الثالث” في السويداء وائل شجاع، أن أي نقاش حول تعديل قانون الإدارة المحلية يجب أن يأخذ في الاعتبار البيئة السياسية والاجتماعية التي سيطبق فيها القانون.
وقال شجاع، إن اللامركزية لا يمكن النظر إليها بوصفها مجرد تعديل تقني في توزيع الصلاحيات بين المركز والمحافظات، بل هي جزء من عملية أوسع تتعلق بإعادة بناء الثقة بين المجتمع المحلي والدولة.
وأضاف أن نجاح أي نموذج لامركزي يتطلب وضوح الصلاحيات بين المؤسسات المختلفة، إضافة إلى توافق سياسي ومجتمعي حول طبيعة العلاقة بين المركز والمناطق.
وفي ردها على استفسارات عنب بلدي حول هذه النقطة، قالت وزارة الإدارة المحلية والبيئة، إن أحد أهم محاور التعديلات المطروحة يتعلق بمعالجة تداخل الصلاحيات بين المحافظين والمجالس المحلية.
وأوضحت الوزارة أن اللجنة تعمل على وضع إطار تشريعي أكثر وضوحًا يحدد بدقة مهام وصلاحيات المحافظين من جهة، ورؤساء وأعضاء المجالس المحلية من جهة أخرى.
وبحسب الوزارة، يتجه النقاش إلى الفصل بين الوظيفة التنفيذية والوظيفة الرقابية والتخطيطية، بحيث تتفرغ المجالس المحلية لدورها في التخطيط للتنمية المحلية وممارسة الرقابة على الأداء التنفيذي، في حين تتولى الأجهزة التنفيذية تحت إشراف المحافظ المهام التنفيذية اليومية.
وأضافت الوزارة أن الهدف من هذا التوجه هو تحقيق التكامل بين مختلف مستويات الإدارة المحلية، مع تجنب التداخل في الصلاحيات الذي ظهر خلال التطبيق السابق للقانون.
سيطرة الوزارات على الموارد المالية
تمثل الموارد المالية للوحدات الإدارية أحد أبرز التحديات التي واجهت الإدارة المحلية في سوريا، بحسب باحثين ومختصين.
ويرى باسم حتاحت، أن أحد أبرز أوجه القصور في تطبيق قانون الإدارة المحلية كان استمرار سيطرة الوزارات المركزية على الموازنات المالية.
وأوضح أن الإدارات المحلية لم تكن قادرة على الاعتماد على مواردها الذاتية، بل بقيت مرتبطة بتحويلات الحكومة المركزية، الأمر الذي حدّ من قدرتها على تنفيذ مشاريع تنموية مستقلة.
وأشار كذلك إلى أن المشاريع الاستراتيجية للمحافظات بقيت عمليًا خاضعة لقرار المركز، رغم أن قانون اللامركزية ينص على دور أكبر للإدارات المحلية في إدارة هذه المشاريع.
من جهته، يرى الباحث الكردي في مركز “الشرق للدراسات والأبحاث” خالد جبر، أن منح الإدارات المحلية صلاحيات أوسع في إدارة الموارد يمكن أن يسهم في تحسين مستوى الخدمات.
وقال جبر، إن السلطات المحلية غالبًا ما تكون أكثر قربًا من احتياجات المجتمع، ما يجعلها أكثر قدرة على تحديد أولويات الإنفاق التنموي.
وأضاف أن المناطق المختلفة في سوريا تمتلك موارد واحتياجات متباينة، ما يجعل منح الإدارات المحلية صلاحيات أوسع في إدارة الموارد خطوة مهمة نحو تطوير سياسات تنموية أكثر ملاءمة للواقع المحلي.
وفي ردها، قالت وزارة الإدارة المحلية إن قضية استقلالية الموارد المالية للوحدات الإدارية تشكل أولوية في أعمال اللجنة المكلفة بتعديل القانون.
وأوضحت الوزارة أن المناقشات تتضمن توسيع قاعدة الموارد الذاتية للوحدات الإدارية، وزيادة نسبة التصرف بهذه الموارد محليًا.
كما يجري العمل على إعادة هيكلة صندوق الدعم البلدي ليصبح أكثر عدالة وشفافية، بحيث يعتمد على مؤشرات موضوعية مثل الكثافة السكانية، ومؤشرات التنمية البشرية، ودرجة الحرمان، والاحتياج الفعلي لكل منطقة.
وأضافت الوزارة أن الهدف من هذه التعديلات هو تحسين توزيع الموارد بين المحافظات، وضمان عدالة أكبر في تمويل المشاريع التنموية.
الصلاحيات كشرط لدور المجالس المحلية في التنمية
تعزيز دور المجالس المحلية في صنع القرار التنموي يعد أحد أبرز الأهداف التي تطرحها التعديلات المرتقبة على قانون الإدارة المحلية.
وقال إن المجالس المحلية حين تمتلك هذه الصلاحيات تصبح قادرة على التخطيط للخدمات والتنمية وفق أولويات المجتمع المحلي، لكنه شدد على أن وجود المجالس المحلية بحد ذاته لا يكفي، إذ يجب أن تترافق اللامركزية مع آليات رقابة ومساءلة لضمان حسن إدارة الموارد.
من جهته، يرى الباحث الكردي في مركز “الشرق للدراسات والأبحاث” خالد جبر، أن المجالس المحلية يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في تحقيق التنمية المستدامة عندما تمتلك صلاحيات حقيقية في التخطيط وإدارة الموارد.
وأضاف أن هذه المجالس تستطيع تحديد أولويات التنمية المحلية، وتنفيذ مشاريع تتناسب مع احتياجات المجتمع.
لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن المجالس المحلية قد تواجه تحديات تتعلق بضعف الموارد المالية أو نقص الخبرات الإدارية.
وفي ردها، قالت وزارة الإدارة المحلية، إن التعديلات المطروحة تتجه بوضوح نحو منح المجالس المحلية دورًا أكبر في إدارة الشأن المحلي.
وأضافت الوزارة أنها تنظر إلى المجالس المحلية باعتبارها “النواة الحقيقية للتنمية”، إذ تسعى التعديلات إلى تمكينها من تحديد أولوياتها التنموية والخدمية وفق خصوصية كل محافظة ومنطقة.
كما ستتمكن المجالس المحلية، بحسب الوزارة، من الإشراف الفعلي على تنفيذ المشاريع ومتابعتها، إضافة إلى المساهمة في جذب الاستثمارات المحلية واستثمار الموارد الطبيعية المتاحة في مناطقها.
وأكدت الوزارة أنها لا تنظر إلى المجالس المحلية بوصفها جهة منفذة لتعليمات مركزية، بل كشريك أساسي في صنع القرار التنموي على المستوى المحلي.
اللامركزية الإدارية بين تحسين الإدارة والحفاظ على وحدة الدولة، تحسين الإدارة ووحدة الدولة
يثير الحديث عن تعزيز اللامركزية في سوريا نقاشًا حول كيفية تحقيق التوازن بين توسيع صلاحيات الإدارات المحلية والحفاظ على وحدة الدولة.
ويرى الناشط السياسي في “التيار الثالث” بالسويداء وائل شجاع، أن تحقيق هذا التوازن يتطلب قاعدة واضحة تقوم على بقاء القضايا السيادية ضمن اختصاص الدولة المركزية، بينما تُدار ملفات الخدمات والتنمية على المستوى المحلي.
وأشار إلى أن هذا النموذج معمول به في العديد من الدول، حيث تتولى الحكومات المركزية ملفات الدفاع والسياسة الخارجية والاقتصاد الكلي، بينما تدير السلطات المحلية ملفات الخدمات والبنية التحتية والتنمية المجتمعية.
من جهته، يرى الباحث الكردي في مركز “الشرق للدراسات والأبحاث” خالد جبر، أن اللامركزية يمكن أن تسهم في تعزيز الاستقرار السياسي عبر منح المجتمعات المحلية دورًا أكبر في صنع القرار.
وقال إن إشراك المجتمعات المحلية في إدارة شؤونها، قد يساعد على تقليل التوترات السياسية وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمعات المحلية.
وزارة الإدارة المحلية أكدت في ردها أن اللامركزية المطروحة في التعديلات هي “لامركزية إدارية”، تهدف إلى تحسين الأداء وتقديم الخدمات للمواطنين.
وشددت الوزارة على أن هذه اللامركزية لا تمس بوحدة الدولة أو سيادتها، إذ تعتمد الحكومة على مبدأ المركزية في القضايا السيادية مقابل اللامركزية في مجالات الخدمات والتنمية المحلية.
وأضافت أن جميع المجالس المحلية ستعمل ضمن إطار قانوني موحد يحدد صلاحياتها ومسؤولياتها، بما يضمن انسجام قراراتها مع السياسة العامة للدولة.
كما أشارت الوزارة إلى أن علاقتها مع المحافظات ستتحول من الوصاية المباشرة إلى الإشراف والتوجيه والرقابة، بهدف ضمان مشروعية القرارات وانسجامها مع الخطط الوطنية.
التحديات المؤسسية.. النصوص القانونية لا تكفي
يرى خبراء أن نجاح أي تجربة لامركزية لا يعتمد فقط على النصوص القانونية، بل يحتاج أيضًا إلى مؤسسات قادرة على تنفيذ هذه الصلاحيات.
وقال المدير التنفيذي لـ”المعهد الأوروبي للمبادرات السياسية والتحليل الاستراتيجي”، باسم حتاحت، إن من أبرز التحديات التي واجهت تطبيق قانون الإدارة المحلية في الماضي غياب برامج تدريب حقيقية للكوادر الإدارية المحلية.
وأشار إلى أن الإدارات المحلية لم تكن تمتلك الخبرات الكافية في مجالات التخطيط التنموي أو إدارة الميزانيات المحلية.
كما لفت إلى ضعف آليات الرقابة والمساءلة، إضافة إلى غياب خطط واضحة للتنمية المستدامة على مستوى المحافظات.
ويرى أن هذه التحديات يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند التفكير في أي تعديل للقانون.
وفي ردها، قالت وزارة الإدارة المحلية، إن نقل الصلاحيات إلى المستوى المحلي يتطلب بناء قدرات حقيقية للإدارات المحلية.
وأضافت الوزارة أن رؤية اللجنة تتضمن إطلاق برامج تدريبية متخصصة للكوادر الإدارية المحلية في مجالات التخطيط الاستراتيجي، والإدارة المالية، وإدارة المشاريع، والحوكمة، والتحول الرقمي.
كما يجري العمل على تطوير أنظمة التخطيط المحلي، واعتماد منهجيات التخطيط التشاركي التي تشرك المجتمع الأهلي والقطاع الخاص في تحديد الاحتياجات.
إضافة إلى ذلك، تعمل الوزارة على تعزيز آليات الرقابة وتفعيل دور الأجهزة الرقابية المركزية والمحلية، مع إتاحة المعلومات للمواطنين والمجالس المحلية لضمان الشفافية والمساءلة.
المشاركة المجتمعية محدودة
تربط الحكومة السورية بين اللامركزية وتعزيز المشاركة المجتمعية، وتحقيق التنمية المتوازنة بين المحافظات.
ويرى باسم حتاحت أن المشاركة المجتمعية في مفهوم المجالس اللامركزية لا تزال محدودة نسبيًا في سوريا.
وأشار إلى أن من بين الأسباب ضعف التنافس السياسي في ظل غياب قانون للأحزاب، إضافة إلى حداثة تجربة المجتمع المدني في المشاركة في الحياة العامة.
كما لفت إلى ضعف آليات المساءلة والرقابة، وغياب نموذج متكامل للإدارة اللامركزية.
وفي ردها على استفسارات عنب بلدي، قالت وزارة الإدارة المحلية، إن اللامركزية تمثل أداة استراتيجية لتحقيق العدالة المكانية والتنمية المتوازنة بين المحافظات.
وأضافت أن نقل السلطات والموارد إلى المستوى المحلي، سيتيح لكل محافظة استثمار إمكانياتها ومواردها الطبيعية والبشرية.
وترى الوزارة أن هذا التوجه يمكن أن يحول المواطن من متلقٍ للخدمة إلى شريك في صنع القرار المتعلق بمستقبل منطقته.
وختمت الوزارة بالقول، إن التعديلات المرتقبة تهدف إلى بناء نموذج سوري خاص للإدارة المحلية يستفيد من التجارب العالمية الناجحة مع مراعاة خصوصية المجتمع السوري.
وبحسب الوزارة، فإن هذا النموذج يهدف في نهاية المطاف إلى تعزيز الاستقرار وتحقيق التنمية الشاملة في مختلف المحافظات السورية.
التعديلات المرتقبة أمام اختبار الواقع
في ظل هذه النقاشات، يرى الباحثون أن نجاح أي تعديل مرتقب على قانون الإدارة المحلية، يبقى مرتبطًا بمدى قدرته على معالجة الإشكالات التي ظهرت خلال سنوات تطبيق القانون الحالي، وعلى رأسها مسألة تداخل الصلاحيات وضعف الموارد المالية للإدارات المحلية.
وأشار المدير التنفيذي لـ”المعهد الأوروبي للمبادرات السياسية والتحليل الاستراتيجي”، باسم حتاحت، إلى أن تجربة الإدارة المحلية في سوريا أظهرت أن النصوص القانونية وحدها لا تكفي لضمان تطبيق فعلي للامركزية، إذا لم تترافق مع استقلال نسبي في إدارة الموارد، ووضوح في توزيع الصلاحيات بين المركز والإدارات المحلية.
من جانبه، يرى الباحث في مركز “الشرق للدراسات والأبحاث” خالد جبر، أن توسيع صلاحيات الإدارات المحلية يمكن أن يسهم في تحسين مستوى الخدمات والتنمية، خاصة عندما تمتلك المجالس المحلية القدرة على تحديد أولويات الإنفاق وفق احتياجات المجتمعات المحلية.
لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن نجاح هذا التوجه يتطلب معالجة تحديات تتعلق بضعف الموارد المالية، ونقص الخبرات الإدارية لدى بعض الإدارات المحلية.
كما يعتبر الناشط السياسي في “التيار الثالث” في السويداء وائل شجاع، أن اللامركزية يمكن أن تشكل أداة لتحسين العلاقة بين الدولة والمجتمع المحلي، إذا تم تطبيقها ضمن إطار واضح يحدد الصلاحيات ويضمن التوازن بين المركز والمحافظات، مع بقاء الملفات السيادية ضمن اختصاص الدولة المركزية.
في المقابل، تؤكد وزارة الإدارة المحلية والبيئة أن التعديلات المرتقبة تهدف إلى تطوير نموذج للإدارة المحلية يعالج الثغرات التي ظهرت في القانون الحالي، ويعزز دور المجالس المحلية في إدارة التنمية والخدمات.
وتقول الوزارة إن التوجه الحكومي يقوم على تعزيز اللامركزية الإدارية في مجالات الخدمات والتنمية، مع الحفاظ على وحدة الدولة وسيادتها.
وبين هذه الطروحات، يترقب مراقبون ما ستفضي إليه أعمال اللجنة المكلفة بتعديل القانون خلال الأشهر المقبلة، وما إذا كانت التعديلات المرتقبة ستشكل خطوة نحو إعادة تنظيم العلاقة بين المركز والإدارات المحلية، أو ستبقى ضمن إطار تعديلات إجرائية محدودة على القانون القائم.
عنب بلدي



