هل حقاً سرق الغرب الديمقراطية من العرب؟: مراجعة لكتاب إليزابيث ف. تومبسون/ موريس عايق

02-04-2026
يتأسس كتاب «كيف سرق الغرب الديمقراطية من العرب؟»1 منذ البداية على إشكال حقيقي، إذ يُقدِّمُ أطروحة شديدة القوة ويُؤسِّسها على واقعة تاريخية وحيدة يُفترَضُ بها أن تُسوِّغَ هذه الأطروحة. تقوم أطروحة الكتاب على وجود تحالف ليبرالي-إسلامي كان يمكن له أن يؤسس ديمقراطية ليبرالية عربية غداة نهاية الحرب العالمية الأولى، في الإطار الذي شكلته السياسات الولسونية وقتها والمبنية على «حق تقرير المصير» وحكم القانون والمساواة بين الدول الصغيرة والكبيرة. غير أن إمبريالية الدول الاستعمارية الأوروبية، بريطانيا وفرنسا، لم تكتف باستعمار الدول وإفشال الديمقراطية وحسب، إنما تسببت في سحق اللحظة التاريخية المميزة لذاك التحالف الليبرالي-الإسلامي بوصفه الرافعة التاريخية لهذا المشروع. بعدها انفرطَ عقد هذا التحالف، وذهب الأفرقاء في اتجاهات مُتباينة ومُتخاصمة، فصارَ الليبراليون حلفاء للغرب فيما تَحوَّلَ الإسلاميون إلى أعداء وخصوم له رداً على سياساته الاستعمارية وفي مواجهتها، وبهذا خسر العرب فرصة تاريخية لتأسيس ديمقراطية ليبرالية في هذه المنطقة.
تنبني هذه الأطروحة على واقعة تاريخية محددة هي تجربة الحكم الفيصلي في سوريا 1918-1920، وبشكل خاص تجربة البرلمان السوري والدستور السوري للمملكة السورية، بوصفها التعبيرات التاريخية عن هذا التحالف الليبرالي-الإسلامي، والتي تُمثِّلُ مُخرجاتُها المعاييرَ والأُسسَ التي تَخيَّلها رجالات السياسة السورية وقتها للدولة السورية المشتهاة، والتي تصلح تمثيلاً حقيقياً لبذرة ديمقراطية ليبرالية.
بداية، يمكن القول إن الأطروحة كما تُقدِّمها تومبسون تبدو شديدة القوة، لكن البرهنة على مثل هذه الأطروحة تحتاجُ الاستعانة بمادة تاريخية أوسع بكثير من المادة التي اعتمدتها تومبسون والمتمثلة بالعهد الملكي؛ تحتاج مادة أوسع جغرافياً بما يتجاوز سوريا أو زمنياً بما يتجاوز الاقتصار على حدث ومرحلة بعينها. وإذا حاولنا أن نُفكِّكَ هذه الأطروحة قليلاً إلى مجموعة من القضايا، يمكن لنا أن نضعها على الشكل التالي:
– تحالف ليبرالي-إسلامي يُؤسِّسُ لديمقراطية ليبرالية محلية.
– عملية استعمار تنتهي باحتلال البلد وتدمير الديمقراطية.
– انهيار التحالف على إثر هذه السياسات الاستعمارية، والعجز عن إعادة إنتاجه بسببها.
– بالتالي فإن الديمقراطية تمت سرقتها وإجهاضُ عملية تكوينها استعمارياً.
تقدم تومبسون شخصية الشيخ محمد رشيد رضا باعتباره شخصية محورية في تلك اللحظة التاريخية، وفي بنائها للبرهان الذي تقدمه. رشيد رضا شخصية مركزية في الإصلاح الإسلامي ويمثل ثقلاً إسلامياً في العالم الإسلامي، وأيضاً في سوريا باعتباره شخصية وطنية مُنخرطة في النضال السياسي من أجل الاستقلال العربي. ترصد تومبسون حراك النخب السياسية السورية، وخاصة حزب الاتحاد السوري الذي تشكل من نخب سورية إسلامية وليبرالية ومتنوعة طائفياً، رشيد رضا عن الإسلاميين وعبد الرحمن الشهبندر وميشيل لطف الله عن الليبراليين. يُضاف له عدد من الحركات السياسي الأخرى، وخاصة التيار القومي الذي بدأ نضاله منذ العهد العثماني وفي مواجهة جمال باشا مُمَثَّلاً بالجمعية العربية الفتاة. انخرطت هذه الحركات في النقاشات السياسية في مواجهة الطموحات الاستعمارية الفرنسية والانكليزية، وقدمت برنامجاً سياسياً للاستقلال السوري، وصل إلى ذروته خلال أعمال البرلمان السوري ودستور 1920 الذي كان ثمرة هذا التحالف الإسلامي-الليبرالي، ليشكل وثيقة سياسية تعرض مبادئ ديمقراطية-ليبرالية سوف تُنظِّمُ المملكة السورية، وتكون أيضاً دليلاً على حق السوريين بالاستقلال والوحدة، وعلى كونهم مُؤهَّلين لحكم أنفسهم بأنفسهم وقادرين على فعل هذا.

لكن الاحتلال الفرنسي لسوريا وتقاسمها مع الإنكليز وإسقاط الحكم الوطني أمورٌ أدّت إلى هزيمة هذا المشروع نهائياً. لكن هناك ما ترتَّبَ على هذا، وهو أمضى وأبعد أثراً، إذ تسبّبَ ذلك بانهيار التحالف الليبرالي-الإسلامي وانفراط عقده، وضياع الفرصة التاريخية للديمقراطية العربية. وبنتيجة الدور الاستعماري، فإن الإسلاميين (مثل رشيد رضا وكامل القصاب، ولاحقاً الجيل التالي مُمثَّلاً بالإخوان المسلمين-حسن البنا) سوف يعودون إلى نسخة إسلامية شعبوية وأكثر أصولية وعداءً لليبرالية والغرب، وإن بمستويات متفاوتة ومتباينة بين تلك الشخصيات)، فيما يخضع الليبراليون ويتحالفون مع الاستعمار، أما الملك فيصل -مُمثِّلاً أولياً عن المسار اللاحق للأنظمة العربية- فإنه سوف يختار طريقاً سلطوياً وبعيداً عن الديمقراطية بشكل مُتزايد خلال حكمه اللاحق في العراق.
المعضلة المركزية في هذه الأطروحة هي أنها لا تُمثِّلُ نمطاً مستمراً وحاضراً في البلاد العربية أو الإسلامية الأخرى، بما يسمح بتحويلها إلى أطروحة صلبة عن إجهاض الديمقراطية وتعثرها عربياً أو إسلامياً. على العكس نحن نشهد مسارات تاريخية مغايرة في بلاد عربية كثيرة، وإن انتهت جميعها تقريباً إلى حالة مُشابهة وهي غياب الديمقراطية. فالديمقراطية في مصر لم تنته على إثر عملية استعمارية، بل إن تاريخ الديمقراطية المصرية هو في الواقع نفسه التاريخ الاستعماري والحمائي لمصر، والتحالف الليبرالي-الإسلامي في مصر كان تحالفاً في مواجهة الاستعمار ولم يتحطم في مواجهته. أيضاً يُظهِرُ محمد عبده مَساراً مغايراً لتلميذ رشيد رضا في مواجهة سياقات مشابهة، فقد اشتركَ محمد عبده في ثورة عرابي التي انتهت إلى الفشل وقادت إلى الاحتلال البريطاني إلى مصر، وبعد نفيه عاد محمد عبده إلى مصر تحت الحكم الإنكليزي وعبر تسوية مع اللورد كرومر، ولاحقاً دخل محمد عبده في مؤسسات الدولة المصرية وأصبح منخرطاً في مشاريع إصلاح القضاء والتعليم، ومبتعداً عن الطروحات الراديكالية في مواجهة الاستعمار والغرب في منهج أكثر اعتدالاً على هذا الصعيد، وأكثر راديكالية فيما يتعلق بالإصلاح الداخلي والحاجة إليه.
بل إن تاريخ سوريا اللاحق بدوره لا يدعم أطروحة تومبسون، فالاستعمارُ الفرنسي لسوريا لم يقضِ تماماً على هذا التحالف الإسلامي-الليبرالي، بل استمرَّ بصيغ أخرى في النضال من أجل استقلال سوريا. وبعد الاستقلال، بقيت توافقات إسلامية وليبرالية حاضرةً وصولاً إلى تحالفات سياسية، إذ تحالفَ فارس الخوري مع مصطفى السباعي مُؤسِّس الإخوان المسلمين في سوريا.
ثمة إشكالية أخرى تعترض التصور الذي تقدمه تومبسون، وهي تلك التي تتعلق بأصالة النتيجة التي قاد إليها هذا التحالف، وهي الدستور السوري لعام 1920. فالدستور الذي تحتفي به تومبسون -وهو يستحق الاحتفاء مقارنة بالدساتير اللاحقة- لم يذكر الإسلام إلا بوصفه ديناً للملك، وهو أمرٌ تعتبره تومبسون دليلاً على تسوية عظيمة تم إنجازها بين الليبراليين والإسلاميين تتعلق بطبيعة الدولة العربية، وهي تسوية لن يعود الوصول إليها ممكناً في زمن لاحق. لكن هنا يمكن طرح سؤال معاكس هو مدى واقعية هذه القراءة والالتزام حقاً بما تعتقد تومبسون أنه مُنجَز تاريخي للتسوية!
قد لا يُسعفنا عرضُ تومبسون نفسه حقاً في الوصول إلى خُلاصتها، فقد أشارت إلى الجو المحيط بمثل هذه النقاشات، والذي تمثَّلَ بمسألة الأقليات التي كانت أساساً في الدعاية الفرنسية لتسويغ احتلال سوريا، وبالتالي كان العمل سحب ورقة الأقليات (خاصة المسيحيين) من يد فرنسا مسألة واعية تماماً لدى جميع السياسيين الذين خاضوا تلك النقاشات بشأن الحاجة للوصول إلى تسوية سياسية تظهر وحدةً سوريةً عابرةً للانقسامات الطائفية، وصيغةً سياسية تحفظ الأقليات وتحميها. ونحن إلى اليوم نرى دون توقف دعاية وطنية سياسية تتمحور على وحدة الصليب والهلال، والقرآن والإنجيل، والشيخ الذي يعانق القسّ، ونعلم جميعنا أننا في مواجهة دعاية محضة. بل إن هذه الحاجة إلى إظهار الوحدة الوطنية لم تكن بدون نزاعات سياسية طويلة، أدت إلى رفض وتَحفُّظ مسيحي في لحظات مختلفة خلال هذه النقاشات، إضافة إلى رفض ماروني/لبناني لم يتزحزح. وبالإضافة إلى النزاعات والرهانات السياسية، كانت هناك أحداث على الأرض تثير السؤال نفسه: الهجمات على القرى المسيحية في البقاع خلال المواجهة مع الجيش الفرنسي المتقدم هناك حيث اعتبرت قوى المقاومة أن المسيحيين متحالفون مع الفرنسيين، وأحداث كيليكيا وتهجير الأرمن وحتى المذبحة التي تعرض لها الآخرون في حلب 1919. تومبسون نفسها تشير إلى أن موقف رضا كان موقفاً سياسياً صرفاً في الصمت بشأن مسألة علاقة الدولة بالإسلام وأيضاً بالعلمانية، فقد أشارَ بوضوح إلى أن المسلمين سوف يرفضون دولة علمانية كونهم مسلمين، وإلى أن ربط الدولة بالإسلام سوف يثير متاعب سياسية عديدة، فضلاً عن رفض الليبراليين والمسيحيين، ولهذا فإنه من الأفضل الصمتُ عن المسألة. يعني هذا أننا كنا أمام لحظة صمت أو غموض بنّاء، أكثر من كونها تمثيلاً لقناعة وتسوية تاريخية حقة، وهو ما ظهرَ تَعذُّرُ الوصول إليه فيما يتعلق بالنساء. فقد اقتُرِحَت مادة تتعلق بإعطاء المرأة المتعلمة حقَّ التصويت، وهو ما أثار اعتراضاً كبيراً لدى التيارات المحافظة بقيادة الشيخ كامل القصاب والشيخ أحمد القضماني والشيخ عبد القادر الخطيب (رغم أن الشيخ سعيد مراد الغزي أيَّدَ الاقتراحَ وناصره)، الذين رأوا في هذا الاقتراح تعدياً على التقاليد والقيم الدينية. انسحبَ هؤلاء الشيوخ من الجلسة ما هدَّدَ إمكانية استمرار المؤتمر نفسه، خاصة أنهم ضموا عدداً من كبار مشايخ دمشق، وهو ما ترافقَ مع إلى احتجاجات واسعة في الخارج ضد هذه المادة، ما أدى أخيراً إلى إغفالها رغم تأييد الأكثرية التقدمية وقتها، وذلك حفاظاً على استمرار المؤتمر والتوافق من أجل إعداد الدستور.
لا يُنقِصُ هذا الصمت بشأن العلاقة بين الدولة والإسلام من قيمة الصياغة الأخيرة وتَقدُّمها، لكنه يشيرُ إلى أن تحميل هذه الصيغة أكثر مما تحتمل لا يبدو أيضاً أمراً صائباً، فهي صيغة تم الوصول إليها في سياق سياسي محدد وليس نتيجة قناعات وتسويات تاريخية بين هذه التيارات. وهذا ما يطرح علينا إمكانية التخلي عنها مباشرة، بعد أن يزول السياق السياسي وحاجاته التي أدت إلى هذه الصيغة. وهذا أمر سوف نشهده بشكل مُنتظَم، سواء في الدول العربية أو حتى في تجارب إسلامية أخرى، حيث تعود القراءات الإسلامية الأصولية إلى الواجهة ما أن تتبدَّلَ الأحوال، وهو ما يبدو أن النخبة الإيرانية الوطنية العلمانية كانت مُدرِكة له في خصامها مع مجاهدي خلق، حيث رفضوا أية إحالة للإسلام في وثائقهم رغم الليبرالية والصبغة التقدمية التي وسمت إسلام مجاهدي خلق وعلي شريعتي. وقد بُرِّرَ هذا الرفض على أساس أن من يمثل الإسلام حقاً ليسوا هؤلاء، إنما المؤسسة الدينية الرسمية (الفقهاء وآيات الله) والتقليد الإسلامي كما تُعبّرُ عنه المدونات الفقهية والحديثية، وهذه بمجموعها لا تقول ما يقوله مجاهدو خلق. وبهذا ما أن نذهب إلى الإسلام، حتى نرى أنفسنا في أحضان آيات الله وليس إسلام المجاهدين. هذه كانت المُحاججة التي رفض العلمانيون الايرانيون على أساسها أية إحالة للإسلام وإعادته إلى السياسة حتى لو كان إسلامَ مجاهدي خلق. وتبعاً لتطورات السياسة ومآلاتها، فإنه يظهر أن هذه المقاربة كانت دقيقة وبعيدة النظر.
بهذا الشكل يمكن التفكير في خوض المحاججة بشكل مقلوب، وانطلاقاً من المادة التاريخية التي تقدمها تومبسون نفسها، أي إعادة الاعتبار إلى موقف الفرنسيين وحلفائهم الذين رأوا في كل المواد التي قدمها البرلمان السوري والأحزاب السورية وحتى الدستور مجرد دعاية سياسية لا أكثر، دعاية سياسية تسعى إلى حجب الحقيقة الكامنة ورائها، وهي أننا في مواجهة مشروع إسلامي لن يلبث أن يكشف عن نفسه ما أن تُتاح له الفرصة. وإذا استندنا إلى تطور الأحداث اللاحق خلال المئة عام الأخيرة. قد تبدو هذه القراءة أكثر وجاهة وتَوافُقاً مع مآل الأمور، لكنها ليست صحيحة بالضرورة أيضاً بدورها. الغرض هنا هو الإشارة إلى أن القرائتين تقومان على أحادية العامل التفسيري، حقيقة إسلامية ثابتة عند القراءة الثانية في مقابل دور استعماري حاسم تخفت أمامه كل العوامل الأخرى عند القراءة الأولى.
يصعب قبول مركزية الاستعمار والمبالغة الكبيرة جداً فيما يتعلق بدوره في مآل الديمقراطية والليبرالية والإسلام الليبرالي في بلاد العرب، ويصعبُ أكثر قبول مركزية الحدث السوري في تفسير هذه المآلات. لا يعني هذا إلغاءَ كل دورٍ للاستعمار في هذا، لكن فهم هذه المآلات وتَطوُّرها يحتاج إلى إطار تفسيري أكثر تعقيداً ومتانة من طرح تومبسون، سواء فيما يتعلق بصعود الطبقات الوسطى المحلية الحديثة، التي كان لها دور في إضفاء التأصيل على الثقافة وبالتالي إضعاف الثقافة الليبرالية التي كانت حاضرة في مجتمعات كوسموبوليتية أو نخب درست في الغرب (حالة مدينة الإسكندرية بعد الخمسينيات)، أو دور الدولة القومية بمعزل عن أنواع الأنظمة التي تعاقبت عليها، وحاجة الدولة القومية لإضفاء سمات وطنية متجانسة، وأخيراً -وربما الأهم- هو التطورات الداخلية الخاصة بالإسلام وتقاليده، ففي النهاية بقي الإسلام الليبرالي هامشاً على مدى قرنين من الزمن منذ بدء مشروع الإصلاح الإسلامي حتى اليوم، هامشاً لا يمكن له التحوُّلُ إلى متن دون ثورة لاهوتية داخلية تسمح له بتسويغ نفسه انطلاقاً من هذا التقليد، وهو أمرٌ لم يكن حاضراً خلال نقاشات المؤتمر السوري أساساً.
تبدو أطروحة تومبسون أطروحة إيديولوجية أساساً ومنغرسة في تقليد الدراسات ما بعد الكولونيالية، إضافة إلى قدر من الانحياز الإيديولوجي الخاص بتومبسون، والناتج عن انحيازها التام إلى الولسونية، إلى درجة أنها تعتبر كل رفض للولسونية تعبيراً عن الإمبريالية وجشعها ونتيجة لهما، مُتجاهلة أن الولوسونية كانت تطرح عدة معضلات نظرية وقانونية وقد تمت الإشارة لها وقتها من قبل قانونيين وسياسيين، حتى لو كانوا امبرياليين! ففكرةُ «حق تقرير المصير للأمم» تركت سؤال تعريف الأمة مفتوحاً وهو ما كان معضلة قانونية وسياسية، وسيُعرِّفها البلاشفة بعدها بشكل واضح. أيضاً، يلعب انحيازها إلى فيصل دوراً، عبر تقديمها لمناوئيه في دمشق على أساسٍ من انحيازاتهم العائلية أو كونهم محافظين أو غير ذلك، فهي أولاً لا تُقدِّمُ لنا سوى عائلة الجزائري في معسكر المناوئين، ولكن لاحقاً نبدأ في اكتشاف مناوئين آخرين مثل عبد الرحمن يوسف وغيرهم.
حتى مناوئي رشيد رضا لا يأخذون حقهم إلا بوصفهم رجعيين وتقليدين ومحافظين، لا يرقون إلى التمعُّن في انحيازاتهم وما يمكن أن تشير له وتُؤسِّسَ له حقاً، خاصة عندما نرى تحولاتهم السياسية التي تبقى على هامش الكتاب، مثل الشيخ المحافظ والمعادي للشيخ رضا، عبد القادر الخطيب، الذي قاد التيار المحافظ في البرلمان السوري في مواجهة الليبراليين ورضا، ولاحقاً نراه في الخاتمة مُستقبِلاً الجنرال غورو لدى زيارته إلى الجامع الأموي وقبر صلاح الدين الأيوبي.
يقدّمُ كتاب تومبسون صورة تاريخية ممتازة للأحداث اليومية والسجالات والنقاشات التي عرفتها دمشق في تلك الفترة، ويسجل النزاعات السياسية والمكائد التي رافقت حكومة فيصل من أجل سعيها لحفظ استقلال سوريا ووحدتها. وأيضاً تشير بحق إلى الحاجة إلى النظر في الدور الاستعماري والإمكانيات التي أُزهِقَت على أثر هذا الاستعمار، غير أن الكتاب يقدم أطروحة شديدة القوة حول دور الاستعمار في تحطيم التحالف الإسلامي-الليبرالي وكأنه العامل الحاسم في هذا التحطُّم، وهي أطروحة يصعب قبولها، لا على مستوى سوريا ولا على مستوى العرب عموماً.
1.نُشر الكتاب عام 2020، وصدرت ترجمته العربية عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في 2022، بترجمة محمد م. الأرناؤوط.
موقع الجمهورية
—————————————————–
أنطر تغطية “صفحات سورية” لهذا الأمر أيضاً
—————————
لتحميل الكتاب اتبع الرابط التالي
كيف سرق الغرب الديمقراطية من العرب
————————
حوار مع المؤرخة إليزابيث ف. تومسون حول كتابها “كيف سرق الغرب الديمقراطية من العرب؟“
عثمان أمكور
غالبا ما تجنح النظرة المعهودة عن وضع الديمقراطية في الأوطان العربية إلى عدّ العرب غير مؤهلين للديمقراطية والحداثة السياسية، وهي نظرة دعمها موقف المستشرقين النمطي من المنطقة العربية والإسلامية عموما.
ولكن المؤرخة إليزابيث ف. تومسون (Elizabeth F. Thompson) التي تعمل أستاذة كرسي محمد فارسي للسلام الإسلامي في كلية الخدمة الدولية بالجامعة الأميركية (بواشنطن) والمختصة بدراسة بالشرق الأوسط الحديث تقدم صورة مغايرة لتلك الصورة النمطية، في كتابها المهم الصادر سنة 2020 المعنون بـ”كيف سرق الغرب الديمقراطية من العرب :المؤتمر العربي السوري عام 1920 وتدمير تحالفه الليبرالي الإسلامي التاريخي” (HOW THE WEST STOLE DEMOCRACY FROM THE ARABS :The Syrian Arab Congress of 1920 and the Destruction of Its Historic Liberal-Islamic Alliance).
ترى تومسون أن العرب عرفوا تجربة ديمقراطية مميزة تجسدت في سوريا، وبالضبط في الثامن من مارس/آذار 1920، إذ أصدر البرلمان السوري إعلان الاستقلال باسم الشعوب الناطقة بالعربية القاطنة في سوريا الكبرى (التي تضم اليوم لبنان وسوريا والأردن وفلسطين).
وخلال الحرب العالمية الأولى، انضم السوريون العرب إلى الحلفاء في حربهم ضد الدولة العثمانية، كما احتضنوا مبادئ ويلسون للحرية، وكان إعلان استقلال سوريا حسب رؤية المؤرخة متوافقا مع قيم المساواة والحرية، وسعت سوريا بذلك إلى كسب مكان لها داخل “المجتمع الدولي” إلى جانب بولندا وتشيكوسلوفاكيا ودول قومية أخرى نالت استقلالها وتمكنت من تأسيس دولة حديثة.
وترى المؤلفة في كتابها أن الغرب استنكر مجهودات سوريا في تأسيس تجربة ديمقراطية ليبيرالية داخل المنطقة العربية. ويستكشف حوار الجزيرة نت مع المؤرخة إليزابيث ف. تومسون مضامين كتابها القيم، محاولا فهم دور رشيد رضا في تشكيل تجربة سوريا الديمقراطية، وكيف أجهض الغرب الاستعماري تجربة سوريا الديمقراطية الرائدة حينئذ، ويعرض لأبرز الدروس المستفادة اليوم من هذه التجربة التاريخية المهمة، فإلى الحوار:
في كتابك قدمت صورة غير معهودة لرشيد رضا صاحب “المنار” وعلاقته بالدولة العربية في سوريا، فذهبت إلى أنه مرن مع التصور المدني للدور الذي يمكن أن تجسده سوريا بوصفها دولة مستقلة، كيف ذلك؟
ما أدهشني وألهمني لكتابة هذا الكتاب هو الشيخ رشيد رضا ناشر المجلة الإسلامية “المنار”، الذي ترأس البرلمان السوري وذلك عام 1920. فتحت إشرافه صادق البرلمان السوري على دستور لـ”ملكية برلمانية مدنية”، وكان معظم نواب البرلمان السوري من سياسيي العصر العثماني، ممن دعموا الثورة الدستورية العثمانية عام 1908. وهنا يجب أن ينظر إلى الدستور السوري لعام 1920 على أنه محاولة لإحياء الحكومة الدستورية بعد فترة الحكم العسكري الذي قامت به تركيا الفتاة 1913-1918.
ومع ذلك، كان دستور 1920 أيضا نسخة مختلفة جذريا عن الدستور العثماني، ويتجلى ذلك في مجموعة من النقاط؛ أولا، منح دستور 1920 سلطة أكبر للهيئة التشريعية في حين قلل سلطة الملك، كما أن سلطات الملك فيصل حينئذ كانت مستمدة من البرلمان السوري ولم تستند إلى شرعية الدم أو الدين.
ثانيا، ألغى الدستور أي ربط بالإسلام باعتباره دينا للدولة أو مصدرا للتشريع، وكان الأمر الملزم للملك فيصل هو احترام “الشرائع الدينية” فقط، وكتب رضا وآخرون في عام 1920 أنهم يسعون إلى المساواة الكاملة بين جميع المواطنين، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية. وفضلا عن ذلك، اعتقد رضا أن هناك حاجة إلى تشريع علماني بخصوص الأمور المرتبطة بالمصلحة العامة، وعلى عكس الإسلاميين الذين تلوه لم يكن رضا يعتقد أن الشريعة الإسلامية تشمل جميع مجالات القانون.
أدركت من خلال دراستي أن رشيد رضا قد حقق في عشرينيات القرن الـ20 الغاية التي سعى إليها العرب عبر انتفاضاتهم عام 2011؛ المتمثلة في الديمقراطية، وقد أنجز رشيد رضا ذلك بفعل تعاونه مع الفقهاء بدل قمعهم. وفي الواقع، التناقض بين سوريا وتركيا مذهل جدًّا، ففي الوقت الذي لم يعد السوريون ينظرون فيه إلى الإسلام على أنه دين للدولة وفق مقاربة توافقية انتظم فيها الفقهاء في عام 1920، فإن تعامل مصطفى كمال (أتاتورك) مع الإسلام في ظل جمهورية تركيا كان قائما على قمعه وصدامه مع الزعامات الدينية بتركيا.
واليوم، بعد هزيمة الربيع العربي والإقصاء الذي واجهته جماعة الإخوان المسلمين، من المفيد التفكير في تجربة عام 1920 على أنها “طريق ممكن”، وهو ما يجعلنا نطرح سؤالًا من قبيل: هل يمكن أن يلهم عبرها إسلام رشيد رضا الليبرالي المتمثل في دستور 1920 نوعا جديدا من السياسة الإسلامية اليوم؟
في كتابك أكدت زيف الادّعاء الفرنسي والبريطاني الرامي إلى إظهار سوريا على أنها منطقة غير متحضرة، وبيّنت أن هذا الأمر ما هو إلا تسويغ يمهد احتلالهم للدول العربية بما فيها سوريا، كيف ذلك؟ وهل حقا كان دافعهم إلى هذا الموقف عنصريا؟
يجادل النصف الثاني من الكتاب بأن الأوروبيين لم يدمروا فقط المملكة العربية السورية بوصفها دولة؛ وهي سردية متداولة عند العديد من المؤرخين، ولكن الأوروبيين سعو أيضا إلى تدمير الديمقراطية في المنطقة العربية جمعاء؛ إذ أثبتت الحكومة التي أسّست في دمشق أن العرب تمتعوا بالقدرة التامة على حكم أنفسهم بطريقة ديمقراطية حديثة، وهو ما شكل تهديدا للإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية.
فالتجربة السورية دحضت ادّعاء القوى الإمبريالية التي كانت تزعم أن سبب احتلالهم للعرب والمسلمين (وشعوب آسيا وأفريقيا الأخرى) قائم على فرضية خاطئة مفادها أن غير الأوروبيين ليسوا مؤهلين لحكم أنفسهم وفق منهج ديمقراطي.
تواطأ البريطانيون والفرنسيون بغية رفض مطالب السوريين الرامية إلى امتلاك الحق نفسه والقدرة السياسية ذاتها على غرار التشيك وبولندا ويوغوسلافيا، باعتبارها دولا حصلت على استقلالها في مؤتمر باريس للسلام.
نظر السوريون إلى أنفسهم على أنهم أناس متحضرون يتمتعون بخبرة سياسية حقيقية كمواطنين داخل السلطنة العثمانية؛ إذ انتُخِب ممثلون لهم في البرلمان العثماني وشغلوا مناصب مهمة ضمن جهاز الحكم والبيروقراطية داخل الدولة العثمانية.
صدم السوريون بنظرة الأوروبيين إليهم، وسعيهم لمحاولة وضعهم تحت نظام انتداب داخل عصبة الأمم، وجعلهم على قدم المساواة مع رعايا الإمبراطورية الألمانية في أفريقيا والمحيط الهادي، الذين لم يعرفوا وجود جهاز دولة من قبل، على عكس السوريين الذي عاشوا داخل دولة حديثة مثل الدولة العثمانية.
أنا أحاجج في كتابي بأن البريطانيين والفرنسيين لجؤوا إلى مقاربة عنصرية لتسويغ احتلالهم سوريا الكبرى والعراق بعد الحرب العالمية الأولى. لقد جادلوا بأن العرب المسلمين اتسموا بالتعصب الديني، وأن ذلك تجلى في استباحتهم لدماء المسيحيين العرب على غرار مذبحة الأتراك ضد المسيحيين الأرمن. كانت مساعي الملك فيصل ترمي إلى دحض هذا الادّعاء في باريس، مؤكدا أن المسلمين والمسيحيين العرب واليهود تعايشوا بسلام مدة طويلة.
أشرت إلى كون ما حدث عام 1920م هو لحظة ديمقراطية ليبيرالية نادرة الحدوث في الوطن العربي أجهز عليها الاحتلال الأوروبي، ما أبرز سمات تلك اللحظة الديمقراطية في سوريا؟ وكيف تم القضاء عليها؟
أعتقد أن ما حدث عام 1920 كان حقا “لحظة ديمقراطية” في دمشق؛ تظاهرت فيها حشود شعبية غفيرة مؤيدة للبرلمان السوري وإعلانه الاستقلال. تمتع التيار الليبرالي بقاعدة دعم شعبية واسعة، ووعد البرلمان السوري بوضع دستور يمكن اعتباره “سلاحا مدنيا” ضد الاستعمار.
أثبت السوريون بذلك جدارتهم وتحضرهم لالتجائهم إلى المقاربة التشريعية بدل استخدامهم السلاح (وهي إستراتيجية جيدة بحكم أن السوريين لم يملكوا جيشا على عكس مصطفى كمال). وزعم المؤتمر أن تشكيل حكومة دستورية سيكسب سوريا حقها الدولي في تقرير المصير وامتلاكها عضوية بين الدول المتحضرة التي شكلت عصبة الأمم.
إعلان
كان الدستور السوري لعام 1920 أكثر الدساتير ديمقراطية في العالم العربي على الإطلاق؛ احتوى على حزمة من الحقوق، ووعد بحماية حق التعبير والتجمع والرأي والتعليم والملكية الخاصة، واتسع نطاق الاقتراع ليشمل كل الذكور الذين تبلغ أعمارهم 20 ربيعا فما فوق. وفي هذه التجربة كادت النساء تحصل على حق التصويت، إذ أيّدت أغلبية أعضاء البرلمان حق المرأة في التصويت، لكن المعارضة الشديدة التي أبداها المحافظون أجبرت البرلمان السوري على تأجيل هذه المسألة.
تم إقرار المساواة بين المسلمين والمسيحيين وبقية الأطياف الدينية؛ ولم يتجلّ ذلك فقط بعدم النص على الإسلام في الدستور على أنه دين للدولة (الدستور كان يوصي بإسلام الملك فقط)، ولكن أيضا من خلال ضمان مقاعد في الهيئات التشريعية لغير المسلمين. وكانت الهيئة التشريعية مستقلة عن السلطة التنفيذية؛ حيث لم يكن من الممكن للملك حل المجلس التشريعي إلا في حالات الطوارئ القصوى، وكان رئيس الوزراء مسؤولا أمام الهيئة التشريعية بدل أن يكون مسؤولا أمام الملك.
أخيرا، كانت الدولة السورية لا مركزية؛ تمتعت فيها المحافظات باستقلالية كبيرة تنتخب مجالسها التشريعية مستقلة عن دمشق.
ولكن احتلال فرنسا لدمشق عام 1920 قوّض الدعم الشعبي لليبرالية؛ وبسبب الاحتلال الفرنسي فقد السوريون إيمانهم بالليبرالية باعتبارها ضامنا للحقوق العالمية للإنسان في عام 1920. فبعد فرض الانتداب في سوريا ولبنان والعراق وفلسطين وشرق الأردن، أصبحت الليبرالية أيديولوجية النخب التي تعاونت مع البريطانيين والفرنسيين فقط.
أنا أزعم أن تدمير التجربة الديمقراطية في سوريا عام 1920 وكذلك تعاون النخب الليبرالية السورية مع الفرنسيين والبريطانيين هو ما مهد لتشكل الجماعات السياسية الإسلامية داخل شرائح واسعة في سوريا؛ حيث أدارت الليبرالية النخبوية ظهرها للمساواة والحقوق الاجتماعية، في حين قام القادة الإسلاميون الذين دعموا مؤتمر 1920 بمعارضة النخب العلمانية في عشرينيات القرن الماضي وثلاثينياته.
كيف يمكن لسوريا اليوم أن تتعلم من دروس التاريخ؟ هل تظهر هذه التجربة التاريخية أن هناك إمكانية لتحقيق الديمقراطية داخل سوريا؟
الدروس المستفادة مما شهدته سوريا سنة 1920 أقسمه إلى شقين؛ الشق الأول أريد أن أقول فيه إنه لا يوجد شيء في الثقافة السورية/العربية يعيق تحقق الديمقراطية؛ ومرد الافتقار إلى الديمقراطية يعود أساسا إلى العوائق السياسية، ولا سيما ما خلفته فرنسا فقد كان كارثة على سوريا تجسدت أساسا في تأسيس دولة أمنية ورثتها النخبة السياسية والعسكرية في سوريا بعد عام 1946.
أما الشق الثاني فيتمثل في ضعف المعارضة الديمقراطية للاستبداد بسبب الانقسام بين الأطياف العلمانية ونظيرتها الإسلامية، وهذه المقابلة بين ما هو إسلامي ومدني مستحدثة وليست متجذرة طبيعيا أو ضروريا في الثقافة السورية/العربية.
هذا الانقسام حدث كردة فعل لمنع أوروبا الحكم الذاتي وتدميرها تجربة الديمقراطية في 1919-1920 في سوريا.
والدرس المستفاد هنا هو ضرورة فهم أن النقاش الدائر بشأن تعارض الديمقراطية مع الإسلام ليس إلا إرثا استعماريا يقوم على افتراضات وقراءة خاطئة للتاريخ. آمل أن يسمح هذا الفهم التاريخي لجيل جديد “بالتفكير خارج الصندوق”، وبناء تحالف ديمقراطي أقوى في المستقبل.
إليزابيث ف. تومسون (Elizabeth F. Thompson) ؛ وهي مؤرخة بارزة مختصة بالشرق الأوسط الحديث وهي أستاذة كرسي محمد فارسي للسلام الإسلامي في كلية الخدمة الدولية بالجامعة الأمريكية
المصدر: الجزيرة




