هنا.. حيث تحدث أشياء عظيمة لا تحدث حقًا/ سلمان عز الدين

7 أبريل 2026
اتصل صديق يعيش في “بلاد بره” وسألني عما يجري في البلاد. ولكي يغريني بأخذ سؤاله على محمل الجد ويقطع علي طريق التنصل، فقد أردف قائلًا: “بما أنك يعني تعيش هناك ولا شك أنك تراقب الأحداث والتطورات على أرض الواقع”.
ولقد بلعتُ الطعم، إذ شرعتُ أتنحنح قبل أن أفتتح كلامي بما يفتتح به المحللون الحصيفون: “في الواقع، أنا أعتقد، ومن وجهة نظري”.. ولكن بعد دقائق من العك غير المترابط اكتشفت أنني في ورطة.
ومثل كثيرين من مواطني، كان صعبًا علي أن أقول ببساطة إنني لا أعرف وحسب، لذلك فسرعان ما اجترحت نظرية ورحت أطورها، شيئًا فشيئًا، خلال محادثتنا.
قلت له إنه يعرف مثلما أعرف تمامًا، ذلك أن كل ما يحدث إنما يحدث حيث هو موجود أيضًا: الفيسبوك وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي. التوجهات والقرارات والخطط، بل إن الحكومة نفسها موجودة في هذا العالم الافتراضي أكثر من وجودها في الواقع. وكل شيء يصدر عنها يبدو وكأنه أعد خصيصًا ليكون افتراضيا، ولا يغير من الأمر شيئًا أن تقوم بين الفنرة والأخرى بإعداد نسخة ما للعالم الواقعي.
والعالم الافتراضي مترع، للأمانة، بالإنجازات الحكومية: مشاريع مليونية، استثمارات متزاحمة، أبراج شاهقة، أسعار مضبوطة، وأسواق مليئة، مديريات وهيئات فعالة، وملاحقة ناجعة للفساد والتجاوزات، ولجنة تحقيق سريعة إثر كل انتهاك فردي..
ولكن الخلل فيما يبدو هو في تقصير أولئك الموظفين المكلفين بنقل أخبار هذه الإنجازات إلى الذين ما زالوا يعيشون في العالم الواقعي.
وليست الحكومة وحدها من يقيم هنا، فبعض خصومها أيضًا يزاحمونها على هذا المكان السحري، حيث يمكن أن تحدث أشياء كثيرة عظيمة دون أن تكون قد حدثت بالفعل.
وهكذا يستيقظ رجل ذات صباح ليغير شكل محافظة كاملة، دون أن يستأذن أحدًا أو يستشير أحدًا، معلنًا إياها دولة ناجزة تحمل اسمًا ملحميًا من عصر سحيق، ثم وفي صباح رائق آخر يصحو ليقرر أنه، لوحده، صار جزءًا من العالم الحر المتحضر، قبل أن يعلن في صباح ثالث تدخله السافر والدراماتيكي في الحرب الكبيرة الدائرة في المنطقة، مؤكدًا انحيازه الحاسم ومساهمًا في تغيير المعادلة المستعصية!
كل هذا، وسكان محافظته الواقعيون يظهرون عاجزين عن العثور على هذه الدولة وعلى صلة فعلية بالعالم الحر، وعاجزين عن معرفة ما عليهم فعله واقعيًا في هذه الحرب الكبرى وقد صاروا جزءًا منها.
معارضون كثر يتحدثون عن نضالاتهم للتصدي للحكومة واستفرادها، بل إن بعضهم يوحي بوجود مشاريع لإسقاطها، ثم يتبين أن النضالات المقصودة ما هي إلا منشورات على الفيس و”إكس”، وإذا ما نجح عدد منهم في عقد اجتماع لتأسيس تجمع أو جبهة أو تيار على أرض الواقع، تكون النتيجية في اليوم التالي هي ستة أو سبعة انقسامات، سرعان ما يعود أصحابها إلى الفيسبوك ليستأنفوا حروبهم الداخلية الطاحنة.
وكان الأمر سيكون رائعًا لولا أن الأجساد، والأرواح كذلك، لا تقيم إلا في الواقع، والسعادة والشبع والانتشاء بالإنجاز.. هي مسائل يستعصي نقلها من العالم الافتراضي إلى عالمنا الحقيقي، حيث نعيش حقًا.
الغريب أن صديقي أعلن إيمانه بنظريتي المرتجلة، والأغرب أنني وجدت نفسي مؤمنًا بها أيضًا.
الترا سوريا



