التدخل الاسرائيلي السافر في سورياتشكيل الحكومة السورية الجديدةتطور الإقتصاد السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريا

متابعة حثيثة للحرب على ايران وتأثير ذلك على الاوضاع في سورية مقالات وتحليلات مختارة تحديث 08 نيسان2026

تابع الملف في الروابط التالية

متابعة حثيثة للحرب على ايران وتأثير ذلك على الاوضاع في سورية -مقالات وتحليلات مختارة- تحديث 31 أذار 2026

متابعة حثيثة للحرب على ايران وتأثير ذلك على الاوضاع في سورية -مقالات وتحليلات مختارة- تحديث 19 أذار 2026

متابعة حثيثة للحرب على ايران وتأثير ذلك على الاوضاع في سورية -مقالات وتحليلات مختارة

تحديث 08 نيسان 2026

ترامب وإيران وسياسة “الرجل المجنون”/ مروان قبلان

08 ابريل 2026

يصعب، في ضوء التناقض الصارخ في الأهداف المعلنة لأطراف الصراع في الحرب الدائرة في منطقة الخليج، تصوّر إمكان التوصّل إلى حلّ دبلوماسي من دون الإقلاع عن ممارسة لعبة حافّة الهاوية، والبحث عن مخارج تجنّب المنطقة والعالم السقوط فيها. فالولايات المتحدة تطلب استسلاماً غير مشروط من إيران (تمضي إسرائيل إلى محاولة إسقاط نظامها وحتى تفكيكها إذا أمكن)، أمّا إيران فتحاول، بعد أن امتصّت الصدمة الأولى، أن تذهب بعيداً في تحدّي ترامب، واستغلال سوء إدارته الحرب، للمضي في مغامرة، أقلّ ما يقال في وصفها إنّها انتحارية، لتحقيق حلم قديم بالسيطرة على مضيق هرمز، وتحويله إلى ممرّ ملاحي خاضع لقوانينها، ما يضعها في موقع المتحكّم باقتصاد العالم. هكذا، يبدو كلّ طرف وكأنّه اعتلى رأس شجرة، ورمى بالسلّم الذي صعد عليه.

الولايات المتحدة، وعلى الرغم من أنّها الطرف الأقوى في صراع يأخذ باضطراد أبعاداً لا تماثلية، تجد نفسها في مأزق كبير ناجم بشكل رئيس من الطريقة الارتجالية التي يتعامل بها المستوى السياسي مع أهداف الحرب وخططها. ويبدو واضحاً الآن أنّ إدارة الرئيس ترامب تعاملت باستخفاف، أكثر من اللازم، مع الحالة الإيرانية، إذ وضعت، من جهة، أهدافاً أكبر بكثير من الموارد التي حشدتها لتحقيقها، وأساءت، من جهة ثانية، قراءة المشهد الإيراني من خلال قياسه بالنموذج الفنزويلي، حيث تمكّنت واشنطن في عملية كوماندوز خاطفة من إبرام صفقة مع نظام نيكولاس مادورو، بعد إزالة رأسه خطفاً. فوق ذلك، لا يبدو أنّ إدارة ترامب كانت تملك خططاً بديلة فيما لو فشلت عملية “قطع الرأس” التي اتبعتها لإخضاع إيران، وهي لم تفكّر حتى في هذه الاحتمالية، ما يفسّر تعاملها مع الحالة بحسب تطوّرها على الأرض، بما في ذلك استقدام مزيد من القوات تمهيداً لعمل برّي لم يكن في الحسبان، ومحاولة بناء تحالف دولي لفتح مضيق هرمز الذي صار إغلاقه محور الصراع، بعد أن كان خارجه قبل الحرب.

في كلّ الأحوال، تعبّر اللغة التي يستخدمها ترامب في تهديد إيران عن عمق المأزق الذي يواجهه، فهو لا يفهم كيف أنّ ضرباته التي نالت بشدّة من قدراتها النووية والصاروخية والبحرية ومن قياداتها السياسية والأمنية والعسكرية، ولا تملك فرصة للفوز أمام التفوق العسكري والتكنولوجي الأميركي، لا تريد أن تستسلم وتبرم “الصفقة” التي يعرضها. لا يهمّ إذا كان ترامب يعي أو لا يعي دور الهُويّة والثقافة في صنع خيارات الأمم، خاصّة في المنعطفات التاريخية، فهذا سؤال فلسفي يُطرح من خارج السياق، ويصلح للنقاش في أوقات أفضل، ما يهمّ هنا هو مقدار الإحباط الذي يسبّبه له ذلك، ويجعله أخطر وأقلّ قابلية للتوقّع ممّا هو عليه عادة، وهو ما لا تعيه إيران.

يعتقد من يحكم إيران (محقّاً ربّما) أن ترامب يتهيّب الانجرار إلى حرب استنزاف طويلة معها، أو التورّط في حرب برية تعيد إلى الأذهان صورة حروب فيتنام والعراق وأفغانستان، لكن إيران يجب أن تدرك، أيضاً، أنّ شخصية ترامب النرجسية، وخشيته من فقدان السيطرة على حزبه، وخسارة الانتخابات النصفية، وتدمير “إرثه” الرئاسي، بما في ذلك النظر إليه باعتباره قد أضاع هيبة أميركا، وسرّع عملية انحدارها في ظروف تحوّل عميق في النظام الدولي، لن ترجع من هذه الحرب من دون صورة نصر لا خدش فيها، ولو اضطر فعلاً أن يعيد إيران، كما قال، إلى “العصر الحجري”، وهذا يأخذنا إلى الحديث عن مأزق هذه الأخيرة.

تواجه إيران واحدة من أحلك الفترات في تاريخها المعاصر، وسط حالة من عدم اليقين تطاول ليس فقط نظامها، بل وجودها كذلك كياناً سياسياً وقانونياً. وبعد فشل استراتيجيتها الدفاعية القائمة على محاربة الخصوم بالوكالة، وخارج أرضها، تخوض إيران الآن الحرب على ترابها، وبدماء شعبها، وفوق ذلك، في مواجهة القوة الأعظم في العالم، والخيار المطروح عليها هو الموت أو الاستسلام غير المشروط. في ظلّ معركة وجودية، يملك النظام الإيراني ورقتَين يحاول أن يناور بهما للحصول على صفقة أفضل من تلك التي يعرضها ترامب، تتضمّن معاهدة عدم اعتداء تكفل بقاءه، ورفع العقوبات عنه، وهما مضيق هرمز، والتهديد باستهداف منشآت الطاقة في دول الخليج العربية، والتسبّب بأزمة طاقة غير مسبوقة قد تؤدّي إلى انهيار اقتصادي عالمي. المشكلة أنّ النظام الإيراني يلعب لعبة “الرجل المجنون” نفسها التي يتقنها ترامب، ويعتقد أنّ بإمكانه الذهاب أبعد من ذلك والاحتفاظ بالمضيق، وهو ما لن يحصل.

العربي الجديد

—————————

استهداف البنية التحتية للطاقة في حرب إيران/ فضل عبد الغني

أبريل 8, 2026

أدى تبادل الضربات على البنية التحتية للطاقة بين إيران ودول الخليج وإسرائيل والولايات المتحدة إلى إثارة سؤال طالما أثار جدلاً بين فقهاء القانون الدولي: ما الشروط، إن وجدت، التي يجيز بموجبها القانون الدولي الإنساني استهداف محطات توليد الطاقة ومصافي النفط وشبكات الكهرباء؟ والإجابة أشد تقييداً بكثير مما توحي به ممارسات الدول، إذ يفرض الإطار القانوني الناظم لهذه الهجمات قيوداً تراكمية يتعين على جميع الأطراف المتحاربة التعامل معها بجدية كاملة.

تنطلق هذه المسألة من المادة 52(2) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، التي تُعرّف الأهداف العسكرية بأنها الأشياء التي تُسهم، بطبيعتها، أو موقعها، أو غرضها، أو استخدامها، إسهامًا فعّالًا في العمل العسكري، ويحقق تدميرها ميزة عسكرية واضحة. ويجب استيفاء الشرطين معًا.

فالبنية التحتية للطاقة ليست محصنةً تمامًا من الهجوم، لكنها في الوقت ذاته ليست هدفًا مفترضًا. وقد نصّت مسودة قواعد اللجنة الدولية للصليب الأحمر لعام 1956 على أن منشآت الطاقة لا تُعدّ أهدافًا عسكرية إلا إذا كانت تزوّد الاستهلاك العسكري بالطاقة «بشكل رئيسي»، وهو معيار يركز على الوظيفة الأساسية لا الثانوية. أما وصف «الاستخدام المزدوج»، الذي يُستشهد به كثيرًا لتبرير الضربات على شبكات الطاقة، فلا يحوّل البنية التحتية المدنية بذاته إلى هدف مشروع، بل لا بد من إثبات المساهمة العسكرية على نحو مستقل.

ويُشكّل هذا التحليل موضع خلاف كبير. فدليل قانون الحرب الصادر عن وزارة الدفاع الأميركية يعامل الأهداف «الداعمة للحرب»، بما في ذلك صادرات الطاقة التي تموّل المجهود الحربي، باعتبارها أهدافًا عسكرية مشروعة. غير أن غالبية الدول وكثيرًا من علماء القانون الدولي الإنساني رفضوا هذا الموقف.

وتنبع أهمية هذا التمييز من أثره العملي المباشر: فإذا اعتُبرت مصادر عائدات الطاقة أهدافًا مشروعة، أمكن مهاجمة أي منشأة نفطية في الخليج أو إيران على هذا الأساس. أما إذا ساد التفسير الأكثر صرامة، فيتعين على المهاجم إثبات أن المنشأة المحددة تسهم إسهامًا فعّالًا ومباشرًا في العمليات العسكرية، لا في القدرة الاقتصادية العامة.

وتثير المنشآت النووية مجموعة متميزة من الإشكالات القانونية؛ فالمادة 56(1) من البروتوكول الإضافي الأول تقرر حماية مطلقة لمحطات توليد الطاقة الكهربائية النووية، وتحظر مهاجمتها حتى إذا اعتُبرت المنشأة هدفًا عسكريًا، متى كان الهجوم ينذر بإطلاق قوى خطرة والتسبب بخسائر فادحة في صفوف المدنيين.

أما منشآت التخصيب والبحث الإيرانية في نطنز وفوردو وأصفهان فهي ليست محطات توليد طاقة كهربائية نووية، ومن ثم لا تنطبق عليها المادة 56 بالكيفية نفسها. بل يخضع استهدافها لتحليل الهدف العسكري العام المنصوص عليه في المادة 52(2)، ولقاعدة التناسب، ولاعتبارات منفصلة في إطار نظام عدم الانتشار وقانون الحرب.

وحتى في الحالات التي يُصنَّف فيها الهدف هدفًا عسكريًا، فإن قاعدة التناسب، المنصوص عليها في البروتوكول الإضافي الأول، تحظر الهجمات التي يكون فيها الضرر المدني العرضي المتوقع مفرطًا قياسًا إلى الميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة. ويقتضي الإطار السائد أن تراعي تقديرات التناسب الآثار الارتدادية، مثل فقدان التدفئة في الشتاء، وتعطل أنظمة ضخ المياه، وانقطاع الكهرباء عن المستشفيات.

وتعزز المادة 54(2) من البروتوكول الإضافي الأول هذا القيد من خلال حظر تدمير الأشياء الضرورية لبقاء المدنيين. ورغم أن البنية التحتية للكهرباء لم تُذكر صراحة، فإن هذا الحظر يُفعّل بصورة غير مباشرة عندما يؤدي انقطاع التيار الكهربائي مباشرةً إلى جفاف جماعي أو مجاعة أو وفاة مدنيين، كما حدث عندما دمّرت غارات التحالف شبكة الكهرباء العراقية عام 1991، مما أدى إلى تعطيل أنظمة معالجة المياه والصرف الصحي في أنحاء البلاد كافة.

وقد اختبرت الممارسات الدولية هذه الحدود مرارًا. ففي حرب الخليج عام 1991، وحرب كوسوفو عام 1999، والهجمات الروسية المنهجية على البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا منذ عام 2022، ارتبطت جميعها بجدل قانوني واسع. وقد أكد عدد من فقهاء القانون أن تصنيف الاستخدام المزدوج لا يجيز استبعاد الإسهامات المدنية من تحليل عملية الاستهداف لمجرد تصنيف المنشآت أهدافًا عسكرية. كما دعت المجلة الدولية للصليب الأحمر إلى إعداد قوائم بالأهداف المحظورة أو المقيدة، والمحافظة عليها، بوصفها ضمانات عملياتية.

وثمة ثغرة أخرى تُضعف الإطار الحمائي، إذ إن البروتوكول الإضافي الثاني، في النزاعات المسلحة غير الدولية، لا يتضمن ما يعادل الحماية القطعية للمنشآت النووية المنصوص عليها في المادة 56. ويسهم القانون الدولي الإنساني العرفي في سد جزء من هذا النقص، غير أن الحماية القطعية القائمة على المعاهدات لمحطات الطاقة النووية تظل مقصورة على النزاعات المسلحة الدولية بين الدول الأطراف في البروتوكول الإضافي الأول.

وفي مجمله، يفرض الإطار القانوني قيودًا ملزمة وجوهرية على الهجمات ضد البنية التحتية للطاقة. فحدود تعريف الهدف العسكري، وشرط التناسب بما يشمله من آثار مترتبة، والحماية المطلقة لمحطات الطاقة النووية، والالتزامات الاحترازية بموجب المادة 57، كلها تقيد مجتمعة النطاق القانوني لهذه العمليات بدرجة تفوق كثيرًا ما يوحي به التذرع الروتيني بمفهوم الاستخدام المزدوج.

ويكشف التوتر العقائدي المستمر بين النهج التوسعي الداعم للحرب والتفسير الأكثر صرامة الذي تتبناه معظم الدول واللجنة الدولية للصليب الأحمر عن خلل في تطبيق القانون على الحرب الصناعية الحديثة، وهو خلل تختبره اليوم، على أرض الواقع، الأعمال العدائية الجارية بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.

الثورة السورية

——————————-

تهديدات جديدة بأسماء متعددة.. كيف تستخدم إيران الفوضى؟عاصم الزعبي

أبريل 8, 2026

مع اشتداد الحرب بين الولايات المتحدة الأميركية و”إسرائيل” وإيران، بدأت الأذرع الإيرانية في المنطقة بالتحرك بشكل تدريجي، بهدف تشكيل جبهة إسناد لإيران و”حزب الله” اللبناني، فالعديد من التصريحات التي خرجت من هذه الميليشيات في العراق ولبنان تدعو جميعها إلى استهداف “إسرائيل” والمصالح والقواعد الأميركية، إضافة إلى استهداف دول المنطقة التي تعتبرها إيران وأذرعها موالية للأميركيين.

وبدأت تحركات في العراق من قبل “الحشد الشعبي” العراقي، تركزت على الحدود مع سوريا والأردن والسعودية والكويت، إلى جانب تحركات لـ”حزب الله” اللبناني على الحدود السورية، واستهداف مقر عسكري سوري في القلمون الغربي.

ورافقت هذه التحركات بيانات مكتوبة ومصورة تحتوي على تهديدات بالدخول في الحرب إلى جانب إيران، سواء من جهات تدعي أنها “مقاومة إسلامية” في سوريا، أو جهات نفذت عمليات بالمسيرات الانتحارية ضد أهداف في سوريا والأردن والكويت، بمسميات جديدة، إلا أنها في الحقيقة امتداد للميليشيات الموجودة.

وتعكس هذه البيانات والعمليات حقيقة ما عملت عليه إيران خلال عدة عقود، وهو ما أطلقت عليه “تصدير الثورة الإيرانية”، الذي هو في واقع الأمر إنشاء جماعات مسلحة في الدول العربية بهدف العمل كخط دفاع أول عن إيران. وعلى الرغم من أن إيران في قلب الحرب، إلا أن هذه الجماعات لا تزال تشكل تهديدا أمنيا على دول المنطقة، إذ إنها تعمل لصالح إيران بشكل مطلق، وفق مبدأ الولاية الذي يتجاوز الوطنية والانتماء لأي وطن.

بين “سرايا الثبات” و”أولياء الدم”.. منبع واحد

يوم الأحد الفائت، أعلنت مجموعة مسلحة عراقية تدعى “سرايا أولياء الدم” تنفيذ هجمات باستخدام مسيرات انتحارية شملت كلا من سوريا والأردن والكويت، وجاء في البيان المصور الذي بثته المجموعة، والذي تظهر فيه شاحنة كبيرة تحمل مسيرات، أن العملية تهدف إلى ضرب أهداف أميركية بسبب العدوان الأميركي على إيران، بحسب وصف البيان.

وبالتزامن مع بيان المجموعة العراقية، صدر بيان آخر عن مجموعة تدعى “المقاومة الإسلامية في سوريا – سرايا الثبات”، جاء فيه أن المجموعة بدأت بتنفيذ عمليات ضد المقرات الأميركية داخل سوريا، بهدف ردع العدوان الأميركي و”الإسرائيلي”، بحسب البيان.

إلا أن الهجمات التي تم تنفيذها داخل الأراضي السورية منذ بدء الحرب على إيران جاءت جميعها من الأراضي العراقية، أو من “حزب الله” اللبناني، كما أن تتبع عمليات نشر البيانات الصادرة عن هذه المجموعات يشير بوضوح إلى أنها تدار من قبل مجموعات عراقية تابعة لميليشيا “الحشد الشعبي” العراقي، الذي بات أحد أهداف الحرب الأميركية – “الإسرائيلية” على خلفية مساندته لإيران معنويا وماديا.

وأكدت معلومات خاصة حصلت عليها صحيفة “الثورة السورية”، من مصادر فضلت عدم الكشف عن هويتها، أن إيران، ومنذ سقوط نظام الأسد وخروجها من سوريا مع “حزب الله” اللبناني، عملت على إيجاد بدائل لها على الأرض السورية، من خلال قيادات محلية وعناصر قاتلوا إلى جانب “الحرس الثوري” الإيراني و”حزب الله” خلال سنوات الثورة السورية.

وهذه البدائل، بحسب المعلومات، تنقسم إلى مجموعات ترتبط بـ”الحشد الشعبي” العراقي، ويتم توجيهها وتقديم الدعم لها من غرفة عمليات تابعة لإيران و”الحشد” العراقي في مدينة القائم العراقية الحدودية مع سوريا، والتي تعرضت لقصف أميركي في بداية الحرب، إلا أنها لا تزال فاعلة حتى الآن، وانبثقت عنها ما تعرف بـ”سرايا الثبات”.

أما القسم الآخر، فيتمثل في “المقاومة الإسلامية في الجنوب السوري – أولي البأس”، التي تشكلت بدعم من “حزب الله” اللبناني بعد شهر واحد من سقوط نظام الأسد، وقوامها ضباط من نظام الأسد غادروا سوريا إلى لبنان، كانوا في صفوف “حزب الله” اللبناني في جنوب سوريا، وخاضوا معارك عديدة، وعملوا لصالح الحزب في التجنيد وتجارة السلاح والمخدرات.

من هي “سرايا أولياء الدم”؟

بعد السابع من تشرين الأول 2023، ومع الحرب في قطاع غزة، تم تشكيل جبهة عسكرية عراقية من عدة فصائل من “الحشد الشعبي” العراقي تحت مسمى “المقاومة الإسلامية في العراق”، وكانت أكثر فصائل “الحشد” مشاركة فيها “حركة النجباء” و”كتائب حزب الله” العراقي، ولاحقا “كتائب سيد الشهداء” و”لواء الطفوف” بحكم تمركزهم في مناطق محافظة الأنبار المجاورة لسوريا والأردن.

ولاحقا، تم اختيار عدة مجموعات من هذه الفصائل من قبل قيادة “فيلق القدس” الإيراني لتشكيل ما يعرف بـ”سرايا أولياء الدم”، التي تعمل بأوامر مباشرة من قبل الفيلق الإيراني، وبدعم من “الحشد الشعبي”، إلا أنها باتت مستقلة في تحركاتها في عموم العراق، وولاؤها لإيران فقط، على الرغم من أن مقاتليها عراقيون.

وبحسب معلومات خاصة لـ”الثورة السورية”، انبثق عن “سرايا أولياء الدم” ما بات يعرف بـ”سرايا الثبات”، التي يتم الادعاء أنها مجموعات سورية، إلا أنها في الحقيقة مجموعات عراقية تتبع أيضا لـ”فيلق القدس” الإيراني، وتنفذ عملياتها من داخل الأراضي العراقية بهدف توريط سوريا في مواجهة مع “الحشد الشعبي” العراقي، لتوسيع الحرب وخلط الأوراق لصالح إيران.

العلاقة بين “سرايا الثبات” و”أولي البأس”

لا توجد معلومات تؤكد حتى الآن أن تشكيل المجموعتين مرتبط، على الرغم من الانتماء والولاء المطلق لإيران، فما يعرف باسم “المقاومة الإسلامية في جنوب سوريا – أولي البأس” تشكل في وقت مبكر، بالتزامن مع التوغلات “الإسرائيلية” في جنوب سوريا بعد سقوط نظام الأسد، تحت ذريعة مقاومتها، بينما كان الهدف الحقيقي هو تحويل الجنوب السوري إلى ما يشبه ضاحية جنوبية جديدة، إلا أن الرفض الشعبي من جهة، والمتابعة من قبل الدولة السورية وأجهزتها الأمنية والعسكرية من جهة أخرى، حالا دون ذلك.

ومؤخرا، بدأت مجموعات “أولي البأس” العمل على تشكيل هيكلية مشابهة للهيكلية التنظيمية والعسكرية والأمنية والسياسية لـ”حزب الله” اللبناني، للعمل تحت غطاء سياسي وذراع عسكرية، ويبدو أن الهدف هو محاولة خلق حالة مشابهة لحالة “حزب الله” في لبنان في المستقبل، حيث يمكن أن تسعى إلى الانخراط في الشأن السوري من خلال جذب شرائح معينة من السوريين.

ففي منتصف العام الماضي، أعلنت عن تشكيل دائرة سياسية لتكون نواة هيكل سياسي، وتم تعيين المدعو محمود موالدي رئيسا لهذه الدائرة، إضافة إلى هيكلية عسكرية وأمنية تتضمن مجموعات مسلحة، ومجموعات أمنية تعمل تحت اسم “جهاز أمن المقاومة”، كما هو الحال بالنسبة لـ”حزب الله”.

ومؤخرا، بدأ رجل الدين الشيعي السوري عبد الله نظام، الذي غادر إلى لبنان بعد سقوط نظام الأسد، بتبني فكرة “المقاومة الإسلامية في الجنوب السوري”، من خلال تقديم الدعم المالي من جهة، والدعوة إلى التجنيد ضمن هذه “المقاومة” من جهة أخرى.

وبحسب معلومات خاصة لـ”الثورة السورية”، فإن عبد الله نظام يعمل على تجنيد عناصر في صفوف هذه المجموعة في لبنان، ويستهدف في التجنيد العناصر السابقين في جيش النظام المخلوع، ومقاتلي ما كان يعرف بـ”الدفاع الوطني”، ومقاتلين كانوا في صفوف “حزب الله” اللبناني، مقابل رواتب وتأمين إقامات رسمية لهم في لبنان عن طريق “حزب الله” اللبناني، الذي يتم كل شيء بالتنسيق معه.

كما تتم إدارة مجموعات “أولي البأس” العسكرية من قبل ضابط سابق في نظام الأسد، يحمل اسما حركيا هو “أبو مجاهد”، وهو القائد الثاني الذي تسلم قيادة المجموعة بعد أن قتل قائدها الأول المدعو “أبو جهاد الرضا” نهاية العام الماضي، بعد التسريبات حول وجود فلول نظام الأسد في لبنان ودورهم في محاولة زعزعة الاستقرار في سوريا، إضافة إلى قيادة ميدانية تتواجد في الداخل السوري، وتتشكل من قياديين سابقين قاتلوا إلى جانب “حزب الله” و”الحرس الثوري”، وما عرف خلال الثورة السورية بـ”اللواء 313″، المرتبط بإيران والحزب.

ولا تتوقف المحاولات الإيرانية، على الرغم من الحرب المدمرة الدائرة حاليا، عن العمل على زعزعة الاستقرار في سوريا والدول العربية، سواء من خلال أذرعها الموالية لها، أو من خلال عدوانها المباشر بالصواريخ والطائرات المسيرة على المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي، التي أعلنت منذ البداية حيادها في الحرب، ما يعطي مؤشرا واضحا على أن إيران، بنظامها الحالي، تعتبر تدمير المنطقة أحد أهم أهدافها.

ما يجري يُقرأ، في مستواه الأعمق، باعتباره تحولا إيرانيا من النفوذ المباشر إلى النفوذ التعطيلي، بعد خسارة الركيزة السورية التي مثلت، على مدى عقود، حلقة وصل لوجستية وسياسية وعسكرية بين طهران وشرق المتوسط. وتكشف الوثائق التي نشرتها “رويترز” عن المشروع الإيراني في سوريا بعد الأسد أن طهران كانت تؤسس لاعتماد بنيوي واسع، اقتصاديا ومؤسساتيا، يتجاوز حدود التحالف الظرفي. وقد انهار هذا البناء مع سقوط النظام في كانون الأول 2024. كذلك أظهرت تقارير لاحقة أن فصائل عراقية موالية لإيران دخلت، منذ ربيع 2025، في مراجعات قسرية تحت ضغط التهديد الأميركي، وأن قسما مهما منها تعامل بفتور مع فكرة الانخراط المفتوح في حرب 2026. وبذلك، يبدو النشاط العائد تحت عناوين جديدة أقرب إلى محاولة تعويض خسارة استراتيجية منه إلى تعبير عن تمدد جديد.

وفي هذا الإطار، تبدو الساحة السورية في مرمى هذه الميليشيات؛ لأن دمشق أعادت، منذ مطلع 2025، تعريف موقعها الإقليمي على أساس الانتقال من وظيفة الممر الحربي إلى وظيفة الدولة الساعية إلى الاستقرار وإعادة الإعمار. وقد خرج هذا التوجه من حدود الخطاب السياسي إلى مسارات عملية شملت انفتاحا اقتصاديا خليجيا واسعا، وشراكات أمنية وحدودية مع قوى إقليمية ودولية، إضافة إلى الموقف الصريح الذي أعلنه الرئيس أحمد الشرع في 31 آذار 2026، حين أكد أن سوريا لن تدخل الحرب ما لم تتعرض لعدوان مباشر. وترافق ذلك مع تعزيز الانتشار العسكري على الحدود مع العراق ولبنان، بهدف منع تحول الجغرافيا السورية إلى ساحة ارتداد للحرب. وعلى هذا الأساس، فإن أي نشاط عسكري غير منضبط على هذه الحدود يمس جوهر العقيدة السياسية التي تعمل الدولة الجديدة على ترسيخها، وهي احتكار العنف المشروع، ومنع تحويل الأرض السورية إلى منصة لرسائل نارية يبعث بها الآخرون.

ومن الزاوية العملياتية، تشير الوقائع الأخيرة إلى أن مصدر الخطر الفعلي بات يرتبط بالشبكات القادرة على إنتاج التباس في المصدر والاتجاه والتبعية، أكثر من ارتباطه بجماعات تسعى إلى السيطرة على مساحات واسعة من الأرض. فالهجوم الصاروخي الذي انطلق من ربيعة العراقية نحو قاعدة أميركية في شمال شرق سوريا يوم 23 آذار مثّل أول هجوم من هذا النوع منذ بدء الحرب، وهو ما يعكس تحولا في وظيفة الحدود، بحيث غدت منصة إطلاق وإحراج سياسي بقدر ما هي منطقة تماس. وفي لبنان، أظهرت “رويترز” أن “الحرس الثوري” أعاد بناء البنية العسكرية لـ”حزب الله” بعد ضربات 2024، عبر خلايا أكثر لامركزية وأعلى قدرة على التخفي، وهو تطور يوفر للحرب الحالية بيئة مناسبة لتكاثر الأذرع الصغيرة واتساع مساحة الإنكار المنهجي.

وانطلاقا من ذلك، فإن فهم هذه التحركات يقتضي النظر إليها على أنها جزءا من محاولة أوسع لتعطيل ولادة سوريا كدولة طبيعية داخل الإقليم، وإبقاء صورتها ضمن نموذج الساحة الرخوة التي يجري استدعاؤها عند الحاجة. ولهذا، تتجاوز المهمة السورية حدود الملاحقة الأمنية المباشرة إلى بناء معادلة أشمل تقوم على ضبط الحدود، وتجفيف المساحات الرمادية، وتطوير قدرات الرصد والتعامل مع الطائرات المسيرة، وترسيخ رسالة دبلوماسية ثابتة تؤكد أن التضامن السياسي مع قضايا المنطقة لا يمر عبر تفكيك الدولة السورية.

الثورة السورية

——————————-

سوريا الشرع غير مؤهلة عسكرياً وسياسياً لمواجهة “حزب الله”/ سركيس نعوم

أفاد تقرير نشرته وكالة “رويترز” في 17 آذار الماضي أن واشنطن تمارس ضغوطاً على الرئيس السوري أحمد الشرع للبحث في إمكان نشر قوات سورية في لبنان بهدف المساهمة في مواجهة “حزب الله”، وهي مهمة أخفقت الدولة اللبنانية في إنجازها مدى سنوات. رغم أن المبعوث الأميركي توم براك نفى هذه المزاعم، فقد سلّطت الضوء على إشكالية محورية تعتري مسار العلاقة الثنائية المتبلورة بين البلدين. إذ تبدي سوريا الشرع استعداداً للشراكة في جهود احتواء النفوذ الإيراني وتعزيز الاستقرار الإقليمي. إلا أنها لا تبدو مهيأة للتحوّل قوة استطلاعية لمواجهة القوات المسلّحة الموالية لإيران ونزع سلاحها خارج حدودها السيادية، سواء تعلّق الأمر بـ”حزب الله” في لبنان أو بالميليشيات الشيعية في العراق. في هذا السياق تمتلك إدارة ترامب هامشاً واسعاً لتخفيف حدّة التوتر من خلال الإقرار بالمحددات التي تحكم عمل الحكومة الناشئة في دمشق، فضلاً عن استكشاف ممارسات بديلة لتعزيز التعاون في الملفات الأمنية الحيوية. اعتمدت دمشق حتى الآن مقاربة حذرة ومدروسة إزاء الحرب، إذ انحازت ديبلوماسياً إلى جانب الدول العربية وواشنطن، وعزّزت أمن حدودها وتجنبت التصعيد. إلا أنها أبقت في الوقت نفسه عيناً يقظةً على إسرائيل التي هاجمت قواتها في الجنوب في عشرين آذار الماضي دعماً لعناصر درزية، ووسّعت عملياتها لتعزيز التعاون في الملفات في لبنان المجاور. يعكس هذا التعاون حذراً بسبب القيود الهيكلية التي تواجهها حكومةٌ لا تزال في طور البناء والتأسيس. على الصعيد الديبلوماسي، أجرى وزير الخارجية أسعد الشيباني سلسلة اتصالات بالولايات المتحدة في الخليج وتركيا والعواصم الغربية فور اندلاع الأعمال العدائية في 28 شباط الماضي. وقد دانت وزارة الخارجية الهجمات على الدول العربية معربةً عن تضامنها مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين وقطر والكويت والأردن. في الأيام التالية، عزّز الشرع هذه الرسالة بتواصله المباشر مع القادة الإقليميين، أي قادة الخليج، والتنسيق مع المسؤولين في بغداد وحكومة إقليم كردستان. كانت سوريا قد انضمت إلى دول مجلس التعاون الخليجي والأردن في إدانة الضربات الإيرانية بأشد العبارات. وضع ذلك دمشق بوضوح ضمن كتلة عربية ناشئة، إلا أنها في المقابل التزمت ضبط وضعها العسكري وركّزت على تأمين أراضيها. في 3 آذار وضعت سوريا آلاف الجنود والمركبات المدرعة ومنظومات صواريخ قصيرة المدى على الحدود. أشار أحد التقارير إلى أن الوحدات المرسلة تضمنت عناصر أوزبكية وإيغورية من النخبة كان جرى دمجها في القوات المسلحة السورية. يسلط ذلك الضوء على التحولات في البنية القتالية للجيش واستمرار اعتماده على المقاتلين الأجانب الذين قد يكون بعضهم يحمل أفكاراً متطرّفة. وقد حرص المسؤولون السوريون على تأطير عمليات الانتشار بوصفها دفاعية. كانت مهمتها مكافحة التسلل وتهريب المخدرات والأسلحة من جانب “حزب الله” وغيره من الميليشيات الشيعية. لم تكن إطلاقا جزءاً من وضعٍ ردعي أوسع. وتم التأكيد أن الأراضي السورية لن تُستخدم منصات للمواجهة. وفي هذا المجال تؤكد المتطلبات الأمنية الداخلية المستمرة حقيقةً أساسية هي أن حكومةً لا تزال مشغولةً بتأمين جبهتها الداخلية ليست في وارد فتح جبهة جديدة في لبنان أو العراق. بل إن أي تدخل سوري في لبنان سينطوي على مخاطر جسيمة في الظروف الراهنة، وقد تكون له انعكاسات على الإستراتيجية الإقليمية لواشنطن. فالتدخل السوري قد يتصاعد بسرعة إلى ما يتجاوز المناوشات المحلية مع شبكات أخرى ويستدرج ردود فعل انتقامية عبر سوريا والعراق وما وراءهما. وهو قد يؤجّج الديناميات الطائفية في لبنان وعموم بلاد الشام. وسيسارع البعض إلى التمسّك بعباءة “المقاومة” وتصوير القوات السورية حشداً مهمته قتل المدنيين الشيعة. وقد يقوّض التدخل السوري أيضاً شرعية الدولة اللبنانية في ظل تصاعد الضغوط لنزع سلاح “حزب الله”. ونظراً إلى الاحتلال السوري القاسي الذي امتد ثلاثة عقود في لبنان، فإن أي تدخل عسكري سوري جديد سيُنظر إليه على الأرجح باعتباره إكراهاً خارجياً. وهناك احتمال كبير لتكون له نتائج عكسية. بدلاً من التفكير في عمل استطلاعي خارج الحدود، تشير تصرفات الحكومة السورية خلال الأزمة الراهنة إلى ترتيب يتضمن الآتي: – سعي دمشق إلى منع تداعيات الحرب من الامتداد إلى الداخل السوري. ومن هنا جاءت تعزيزاتها المتزايدة على طول الحدود مع لبنان. – تهدف دمشق إلى الحفاظ على اصطفاف سياسي علني مع الدول العربية وواشنطن، وإن لم يشمل ذلك إسرائيل. ويبدو أن هناك رغبةً في إعادة تموضع سوريا ضمن المنظومة الإقليمية بعد سنوات من انتشار إيران وميليشياتها. – تحرص دمشق على معالجة الضغوط الداخلية وإدارتها بحذر. فالحرب مع إيران تخلّف تداعيات اقتصادية وضغوطاً على إمدادات الطاقة وتهافتاً استباقياً على شراء الوقود. ما التداعيات على السياسة الأميركية؟ أولها تأكيد عدم توقّع تدخل عسكري سوري في لبنان في الوقت الراهن. ومجرّد توقعات كهذه تخلّف حوافز خطيرة وحسابات خاطئة لدى الأطراف الفاعلين كلهم. ثانيها، دعم جهود سوريا في تأمين حدودها وتعزيز السيطرة عليها ومنع التهريب والتسلّل. على إدارة ترامب اتخاذ إجراءات أميركية أكثر حزماً حيال ميليشيات العراق. ثالثها العمل على دمج سوريا في إطار إقليمي أوسع لاحتواء إيران. يشمل ذلك التنسيق مع الشركاء الأوروبيين ولبنان خلال النزاع الحالي وبعده. ويغطي ذلك قضايا مثل تدفق إسلاميين والمساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار بعد الحرب. الموقع الجغرافي لسوريا يجعلها نقطة إستراتيجية إقليمية حتى لو لم تكن طرفاً مقاتلاً وفي الخطوط الأمامية. وآخرها تجنّب إثقال العلاقة بمطالب تتجاوز قدرات سوريا. فالضغط عليها قد يزعزع استقرارها ويفتح ذلك الباب أمام عودة “داعش” وغيرها. أخيراً، من المؤكد أن التوافق مع سوريا لا يزال هشاً ومشروطاً، ويعكس تقاطع مصالح أكثر من كونه تحالفاً رسمياً. قد تبدو فكرة تحويل سوريا الشرع قوة بالوكالة ضد “حزب الله” مغرية نظرياً، لكنها عالية المخاطر عملياً، وذات عوائد محدودة. فحكومة سوريا غير مؤهلة عسكرياً وسياسياً لدور كهذا، وتشجيعها على ذلك ربما يعوق النظام الإقليمي الذي تسعى الولايات المتحدة إلى تشكيله.

النهار العربي

—————————

 واشنطن- طهران و”الاتفاق”: شروط وعروض بميزان الربح والخسارة/ منير الربيع

الأربعاء 2026/04/08

مرحلة جديدة دخلتها الحرب في المنطقة. بغض النظر عن مهل ترامب ومساعي تمديدها، أعلن الرئيس الأميركي الموافقة على وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، وتحدث باسم دول الشرق الأوسط أيضاً. يمكن اعتبار المبادرة الباكستانية سلّماً احتاجه الجميع للنزول عن الشجرةK على أن تعود الحرب إلى الأروقة السياسية والديبلوماسية حالياً بالحدّ الأدنى، خصوصاً في حال سلكت الأطراف كلها طريق التفاوض للوصول إلى اتفاق نهائي. وحتى اللحظات الأخيرة قبل الوصول الى انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإيران للموافقة على شروطه، تواصلت المفاوضات والمساعي الإقليمية والدولية لتكريس وقف النار. حتى جاءت الصيغة التي اقترحها رئيس الوزراء الباكستاني بمطالبة إيران بفتح مضيق هرمز لمدة أسبوعين على أن توقف أميركا ضرباتها على إيران طوال هذه الفترة للوصول إلى اتفاق نهائي وإنجاح المساعي الديبلوماسية.

إيران تلوّح بشروط جديدة

عملياً، جاء اقتراح باكستان لوجود استنتاج بأن الطرفين يريدان تجنّب طلب وقف الحرب. فأميركا راهنت على قوتها العسكرية الكبيرة، وإيران راهنت على صمودها وتوسيعها للحرب بما لا يمكن لأحد احتماله في المنطقة. فجاءت صيغة الاقتراح بأن دول المنطقة هي التي تطلب وقف النار، على قاعدة متساوية، إذ تفتح إيران المضيق، مقابل وقف النار، وتتجدد المفاوضات للوصول إلى اتفاق نهائي. النتائج ليست مرضية لترامب بالتأكيد، حتى الآن على الأقل، إذ عندما شن الحرب على إيران كان المضيق مفتوحاً، ولم يكن الهدف شن عملية عسكرية لفتحه، لذا لا يمكنه أن يعتبر نفسه قد حقق انتصاراً بينما لم يحصل على أي تنازل من إيران في ملف النووي أو اليورانيوم المخصب أو نفوذها في المنطقة وبقي كله مؤجلاً للمفاوضات حول الاتفاق النهائي. أما إيران وبهذه الصيغة فستنظر إلى نفسها بوصفها انتصرت بصمودها ضد الحرب الإسرائيلية الأميركية، وجرت المفاوضات معها على فتح المضيق فقط، بينما هي بدأت تلوح بشروط جديدة تتصل بإبرام بروتوكول خاص بالمضيق وفرضها رسوماً على عبوره، تساهم في إعادة الإعمار.

النظام لم يتغير

لم تكن الشروط التي رفعها ترامب تتيح وقف الحرب من دون تحقيق أهداف استراتيجية، فإما يحصل على استسلام إيراني أو تغيير في النظام ونيل كل شروطه التي فرضها على طهران. في المقابل، فإن إيران رفضت الاستسلام، وكل مسار الأمور يشير إلى أن النظام لا يزال نفسه ولم يحصل التغيير الذي يتحدث عنه ترامب بشكل دائم منذ اندلاع الحرب.

توسيع التفاوض لاحقاً

ووفق ما تكشف مصادر ديبلوماسية، فإن المساعي الدولية تركزت على وقف إطلاق النار فوراً، في مقابل فتح جزئي لمضيق هرمز كما طرحت إيران، إلا أن واشنطن تمسكت بفتحه كاملاً ووضع ترامب ذلك شرطاً لقبول المبادرة وإعادة إطلاق مسار الملاحة البحرية فيه. على أن يتوسع إطار التفاوض لاحقاً وصولاً إلى تفاوض أميركي إيراني بشكل مباشر، لأجل الوصول إلى اتفاق شامل ونهائي، على أن تكون كل التحركات مدعومة بقرار صادر عن مجلس الأمن الدولي، وسط تكثيف المساعي والجهود من قبل، الصين، روسيا، وفرنسا لتقديم مشروع قرار لمجلس الأمن ينص على وقف الحرب ووقف الأعمال العدائية.

واشنطن تصر على التنازلات

كانت إيران تطالب قبل فتح مضيق هرمز بصدور القرار عن مجلس الأمن الدولي الذي يلزم أميركا وإسرائيل بوقف الحرب عليها، ووصف الحرب عليها بأنها انتهاك للقانون الدولي خصوصاً استهداف المنشآت الحيوية والمرافق الاقتصادية والبنى التحتية. ووفق المصادر، فإن الولايات المتحدة الأميركية رفضت ذلك بشكل كامل، وأصرت على فتح المضيق لوقف النار، وفتح المسار أمام الاتفاق، وبموجب أي اتفاق يتم الوصول إليه عندها يصدر القرار عن مجلس الأمن بناء على نتيجة المفاوضات.

تمسكت إيران بالمطالبة برفع العقوبات عنها بشكل كامل في مقابل فتحها لمضيق هرمز وهو مطلب ستحمله معها في مفاوضات الاتفاق النهائي. أما واشنطن فهي تعتبر أن البت بمسألة العقوبات ورفعها يتم بعد الوصول إلى اتفاق شامل يضمن الاتفاق حول النووي.

لا تزال إيران تتمسك بمطلب الحصول على رسوم من عبور السفن في مضيق هرمز وتخصيص هذه الرسوم لإعادة الإعمار، إضافة إلى مطالبتها برفع تجميد الأموال المحتجزة لدى الولايات المتحدة الأميركية. ومن الأفكار المطروحة أيضاً، الوصول إلى اتفاق عدم اعتداء بين واشنطن وطهران، لتثبيت وقف اطلاق النار بين الجانبين نهائياً، مع إلزام إسرائيل بوقف عملياتها العسكرية ضد إيران.

احتمالات الاتفاق قائمة

تكشف مصادر ديبلوماسية عربية وإقليمية أن احتمالات الاتفاق النهائي قائمة وهناك إمكانية للوصول إليه، خصوصاً في تم التفاهم على كيفية حماية الملاحة في مضيق هرمز والاتفاق على آلية بشأنه، إضافة إلى التفاهم حول الملف النووي والضمانات بعدم الوصول إلى إنتاج أسلحة نووية. لكن في المقابل تؤكد المصادر أن إيران ترفض التنازل بشكل كامل عن مشروعها للصواريخ البالستية، كما أنها ترفض التخلي عن حلفائها، وتتمسك بمطلب وقف الحرب على لبنان وفي المنطقة ككل. وهي تبقي هذا البند مدرجاً على لائحة شروط الاتفاق النهائي.

الدور الإسرائيلي

عملياً، ستكون الحرب مستمرة، بشكلها السياسي، والهدف من المفاوضات هو سعي كل من الطرفين لتحقيق أهدافه من الحرب، فواشنطن تريد الوصول مع إيران إلى اتفاق شامل، أما إيران فتريد أن تفرض شروطها انطلاقاً من قدرتها على الصمود، وهنا لا يمكن إغفال الدور الإسرائيلي الساعي إلى مواصلة الحرب وعدم التراجع عنها أو عن شروطها مهما تغيّر شكلها أو وتيرتها.

المدن

——————————-

حرب إيران… مقامرة ترمب الكبرى/ براين كاتيوليس

نهايات حرب إيران ستحدد حجم تأثيرها في الداخل الأميركي

آخر تحديث 07 أبريل 2026

صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الضغوط على إيران، بعدما تجاوزت الحرب الإطار الزمني الذي كان قد رسمه لها في البداية. وقال ترمب إنه قادر على “القضاء على إيران في ليلة واحدة”، ولوّح أيضا بتدمير جسور البلاد ومحطات توليد الكهرباء إذا لم تستجب بقايا النظام الحاكم لجملة من المطالب، من بينها فتح مضيق هرمز الحيوي.

حتى لحظة كتابة هذه السطور، لم يتضح بعد ما إذا كانت الحملة العسكرية المشتركة التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل تمضي نحو مزيد من التصعيد والدمار، أم إن فرصة بلوغ تسوية دبلوماسية باتت أقرب من أي وقت مضى. وفي كلتا الحالتين، تظل الحرب على إيران أخطر مقامرة سياسية في الولاية الثانية لترمب، وهي مقامرة استنزفت قسطا كبيرا من رصيده السياسي في الداخل منذ اندلاع هذا الصراع.

يحرص الرئيس الأميركي الحالي على تقديم نفسه بوصفه قائدا يتحرك خارج المألوف، ويتبع نهجا غير تقليدي لفرض النتائج التي يسعى إليها. لكن تآكل دعمه السياسي، وتصدع قاعدته نفسها بفعل حرب إيران وما خلّفته من تداعيات سلبية على الاقتصاد الأميركي، قد يدفعان ما تبقى من رئاسته إلى منطقة الخطر، بل قد يهزان قبضة حزبه على السلطة. ولعل هذا ما يفسر لماذا بدت تصريحات ترمب العلنية، ومنها منشور حافل بالشتائم على وسائل التواصل الاجتماعي تضمّن تهديدا خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، أقرب إلى صوت يعكس يأسا منه إلى نبرة واثقة ومتماسكة.

من هنا تكتسب المرحلة المقبلة من الحرب على إيران أهمية استثنائية، إلى جانب ما تثيره من أسئلة استراتيجية شديدة الحساسية: من سيمسك بزمام السلطة في إيران، وماذا يعني ذلك لمستقبل الشرق الأوسط، وكيف يمكن لهذه التطورات أن تعيد رسم المشهدين الجيوسياسي والجيواقتصادي على نطاق أوسع.

تزيد حرب إيران هشاشة موقع ترمب السياسي المتعثر في الداخل

يبدي أكثر من ستة بين كل عشرة أميركيين رفضهم لأداء ترمب في منصبه حاليا، فيما تشير بعض استطلاعات الرأي إلى أن نسبة الرافضين اقتربت في الأسابيع الأخيرة من الحرب من حدود الثلثين. وفي هذه المرحلة من ولايته الثانية، يبدو موقع ترمب لدى الرأي العام الأميركي أضعف مما كان عليه خلال ولايته الأولى، كما يظهر في وضع أكثر هشاشة مقارنة بالمكانة التي تمتع بها ثلاثة من أسلافه، وهم جو بايدن وباراك أوباما وجورج دبليو بوش، خلال الفترات المماثلة من ولاياتهم الأولى.

وكان الدعم السياسي لترمب قد بدأ يتآكل بالفعل قبل اندلاع الحرب، بفعل الانطباعات السلبية عن طريقته في إدارة الاقتصاد والتضخم. وأظهر استطلاع حديث أن أغلبية واضحة من الأميركيين، بلغت 56 في المئة، ترى أن حرب إيران ستنعكس على الأرجح سلبا على أوضاعهم المالية الشخصية، بينما قال 25 في المئة آخرون إنهم غير متأكدين من ذلك. وفي ظل تصدر الهواجس الاقتصادية قائمة اهتمامات معظم الأميركيين هذه الأيام، جاء ارتفاع أسعار الوقود بفعل الحرب ليضاعف حدة تلك المخاوف.

كما كشفت الحرب عن تصدعات داخل القاعدة السياسية لترمب، مع بروز مواقف متباينة حيال إيران خلال مؤتمر العمل السياسي المحافظ أواخر الشهر الماضي، إذ بدا المحافظون الأصغر سنا أكثر تشككا بشأن هذه الحرب من الجيل الأكبر.

ومع استمرار الحرب على إيران، أخذ التأييد الشعبي يتراجع، إذ قال 67 في المئة من الأميركيين إن ترمب يفتقر الآن إلى خطة واضحة للتعامل مع الوضع الإيراني. وهذه مؤشرات تثير القلق لدى أي قائد في زمن الحرب.

لماذا قد يشكل تراجع الدعم السياسي عائقا أمام الولاية الثانية لترمب؟

في النظام السياسي الأميركي، تؤثر مكانة القادة في الرأي العام مباشرة في قدرتهم على الإنجاز. وقد شهد العام الأول من عودة ترمب إلى البيت الأبيض سلسلة متلاحقة من التحركات على المستويين الداخلي والخارجي، تصدرت فيها قضايا الهجرة والرسوم الجمركية وخفض الضرائب قائمة أولوياته. لكن ترمب، شأنه شأن أي رئيس آخر، استنزف قسطا كبيرا من رصيده السياسي وهو يدفع بهذه المبادرات قدما، حتى في وقت كان يلوي فيه الأعراف المعمول بها في الولايات المتحدة، بل ويتجاوزها في بعض الأحيان.

ومع تقلص رصيده السياسي وتراجع تأييده، أخذ يواجه صعوبة متزايدة في تمرير ما يريد عبر الكونغرس، وهو ما تجلى في الإغلاق الجزئي المستمر للحكومة، الذي أفضى هذا الربيع إلى طوابير انتظار أطول في مطارات الولايات المتحدة. ويكمن جانب أساسي من مأزق ترمب داخل حزبه نفسه، إذ أفرزت الانقسامات بين الجمهوريين في الكونغرس عقبات جديدة في وجهه. وفي هذا السياق، لا تبدو الحرب غير الشعبية على إيران، التي ينظر إليها على أنها تمضي في مسار مضطرب، خيارا قادرا على احتواء هذه الأزمات السياسية أو تخفيف وطأتها.

وقدمت إدارة ترمب أخيرا مشروع ميزانيتها للسنة المالية المقبلة، واضعة الإنفاق العسكري في صدارة الأولويات على حساب برامج شبكة الأمان الاجتماعي التي تحظى بتأييد واسع بين ناخبي الحزبين الديمقراطي والجمهوري. وبوجه عام، يقترح المشروع زيادة الإنفاق الدفاعي بنسبة 42 في المئة، مقابل خفض الإنفاق غير الدفاعي بنسبة 10 في المئة. وإلى جانب ذلك، أفادت تقارير بأن إدارة ترمب تستعد لطلب 200 مليار دولار إضافية من الكونغرس لوزارة الدفاع ضمن ما يعرف بمشروع قانون المالية التكميلي، وهو ما أثار انتقادات علنية من الجمهوريين والديمقراطيين على السواء.

واللافت في قرار ترمب خوض الحرب مع إيران أنه جاء في لحظة بلغ فيها موقعه السياسي بالفعل أضعف مراحله. كما أن عجزه حتى الآن عن تحقيق مكاسب واضحة وملموسة من هذه الحرب تنعكس على حياة الأميركيين العاديين قد ينقلب عليه سلبا، ولا سيما في وقت تشتد فيه حاجته إلى دعم سياسي يسانده في تمرير أجندته الأوسع.

من المرجح أن تحمل الأيام والأسابيع القليلة المقبلة لحظات فاصلة بين الحياة والموت لكثيرين داخل إيران، فيما ستواصل التداعيات المتلاحقة لهذه الحرب امتدادها عبر الشرق الأوسط الأوسع والعالم. وهناك، على أرض الواقع، سيتجلى الأثر الحقيقي لهذه الحرب.

لكن الكلفة السياسية التي يتحملها الرئيس ترمب في الداخل بسبب هذه الحرب تبدو باهظة. فإذا أخفق في تبديل الانطباعات السلبية السائدة عن مسارها، فسيواجه صعوبة أكبر بكثير في حشد الأصوات داخل الكونغرس لتمرير معظم ما يسعى إلى إنجازه خلال العام المقبل، بما في ذلك تأمين الموارد اللازمة لمواصلة الحرب على إيران.

وحده الوقت كفيل بكشف ما إذا كان ترمب سيمضي في تنفيذ تهديداته ضد إيران. لكن التاريخ الحديث نادرا ما عرف تصعيدا عسكريا أميركيا في الشرق الأوسط انتهى إلى تحسين الموقع السياسي لرئيس يفتقر إلى الشعبية.

المجلة

——————————-

أميركا وإيران… هدنة مؤقتة واختبار للتفاوض/ طارق راشد

هدنة أم استراحة؟

08 أبريل 2026

في اليوم التاسع والثلاثين للحرب الطاحنة بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، وبعد أن حبس العالم أنفاسه لمدة 12 ساعة منذ أن أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديده بـ “محو الحضارة الإيرانية” إذا لم تفتح مضيق هرمز، أعلنت كل من واشنطن وطهران موافقتهما على اتفاق يقضي بوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بالتزامن مع السماح بالملاحة الآمنة عبر مضيق هرمز.

الاتفاق الذي توسطت فيه باكستان أقره الرئيس ترمب ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في بيانين متبادلين، مع تنويه كليهما إلى الشروع خلال أسبوعي الهدنة في التفاوض على اتفاق نهائي يبني على النقاط الخمس عشرة التي طرحتها واشنطن والشروط العشر التي قدمتها طهران.

تلقف الطرفان الوساطة الباكستانية للخروج من مأزق الاستمرار في حرب دمرت جانبا كبيرا من البنية التحتية المدنية والعسكرية في إيران وأثرت سلبا على الأوضاع الاقتصادية العالمية وتسببت في تآكل شعبية الرئيس ترمب داخليا وأججت الاستياء الشعبي داخل إسرائيل نتيجة طول أمد المعاناة اليومية في المخابئ تحت الأرض نتيجة انهمار الصواريخ الإيرانية في كافة المناطق.

البيت الأبيض سارع باعتبار الاتفاق تتويجا لنصر عسكري فيما انطلقت الاحتفالات به في إيران على أنه انتصار للجيش الإيراني وأعلنت إسرائيل مباركته على مضض مع التلويح بعد التزامه به على الجبهة اللبنانية. ووفقا للاتفاق، ستمضي المفاوضات بين الوفد الأميركي بقيادة نائب الرئيس جيه دي فانس والوفد الإيراني بقيادة عباس عراقجي في إسلام آباد اعتبارا من الجمعة ولمدة لا تزيد على ستة أسابيع وإن توقع ترمب التوصل إلى اتفاق نهائي في غضون الأسبوعين. ترمب وصف الاتفاق بأنه “يوم عظيم للسلام في العالم” بل وأشار إلى أن إيران بإمكانها الشروع في إعادة الإعمار. وذهب ترمب في تفاؤله بأن بشّر بولوج الشرق الأوسط عصرا ذهبيا “على غرار العصر الذهبي الذي تشهده الولايات المتحدة حاليا”. وأضاف أن الساحة ستشهد الكثير من التحركات الإيجابية “وسيكون هناك جني لأموال طائلة”.

إيران روجت للاتفاق بأنه يلبي مطالبها العشرة التي قبلها ترمب كأساس للتفاوض بعد أن رفض الإيرانيون النقاط الخمس عشرة التي طرحتها واشنطن.

ووفقا لمجلس الأمن القومي الإيراني، تضمنت النقاط العشر ضرورة التزام الولايات المتحدة بوقف العدوان، واستمرار سيطرة إيران على مضيق هرمز، والقبول بتولي إيران تخصيب اليورانيوم اللازم لبرنامجها النووي، ورفع جميع العقوبات الرئيسة، وإنهاء جميع القيود على الجهات الأجنبية التي تتعامل مع الدولة الإيرانية، وإسقاط جميع قرارات مجلس الأمن ضد إيران، وإلغاء جميع قرارات الوكالة الدولية للطاقة الذرية ضد طهران، ودفع تعويضات عن الدمار الذي سببته الحرب لإيران، وسحب القوات الأميركية المقاتلة من المنطقة، ووقف إطلاق النار على جميع الجبهات بما في ذلك الجبهة اللبنانية بين إسرائيل و”حزب الله”.

البيت الأبيض وصف الاتفاق الذي لا يزال مغلفا بالضبابية من حيث التفاصيل بأنه يعكس نجاح الرئيس ترمب في تأمين إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية دون أن يتطرق إلى رسوم العبور التي فرضتها طهران على السفن العابرة واشتراطها أن يتم العبور بالتنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية.

لكن إعلان نتنياهو دعم قرار ترمب بتعليق الهجمات على إيران لمدة أسبوعين وزعمه بأن الاتفاق لا يشمل الجبهة مع لبنان قد يشكل ثغرة يحاول من خلالها رئيس الوزراء الإسرائيلي ممارسة ما يصفه المراقبون بمحاولة السعي إلى تخريب أي اتفاق يزيل غبار الحرب الذي يتخذ منه ستارا يحول دون فتح ملفاته المجمدة داخليا.

لكن لا يتوقع أن تقبل إيران بفصل الجبهة اللبنانية عن الاتفاق مع الولايات المتحدة لاسيما بعد أن أصرت طهران على وحدة الساحات في المواجهة وعدم استعدادها للظهور وكأنها تخذل أذرعها بالمنطقة. بيد أن نتنياهو لن يجد مفرا في النهاية من الإذعان للمسار الذي اختارته واشنطن.

هدنة هشة

ومن المتوقع أن تواجه المفاوضات عقبات كؤود تتمثل في مستقبل البرامج النووية والصاروخية الإيرانية التي طالما أعلن الرئيس ترمب أنها السبب الرئيس لشن الحرب على إيران، فضلا عن ترتيبات المرور في مضيق هرمز والضمانات الأمنية لحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة ولجم المزيد من المغامرات العسكرية الإسرائيلية والعقوبات المفروضة على إيران، والإفراج عن أموالها المجمدة لدى واشنطن.

ترمب أبدى رغبة في التعجيل بإنهاء هذه الحرب خشية التورط في مستنقع صراع يشبه فيتنام وأفغانستان والعراق وآثر تحمل ردود الفعل الصاخبة مع ادعاء الانتصار بعد أن اهتزت صورته إثر سلسلة التهديدات المتكررة التي حولته إلى مادة للتهكم على صفحات التواصل الاجتماعي، وكان آخرها التهديد بسحق حضارة إيران وإعادتها إلى العصر الحجري، وهو التهديد الذي أثار غضبا عارما حتى داخل أروقة الحزب الجمهوري.

ترمب كتب أنه بناء على محادثته مع رئيس الوزراء الباكستاني شاهباز شريف ورئيس أركانه عاصم منير وطلبهما بالتراجع عن استخدام القوة المدمرة التي لوح بها ضد إيران، وبناء على التزام الأخيرة بفتح مضيق هرمز بشكل كامل وفوري للملاحة الآمنة، فقد وافق على وقف الهجمات لمدة أسبوعين. وأوضح ترمب أن وقف إطلاق النار سيكون متبادلا وأن السبب في القبول به هو أن الولايات المتحدة قد حققت بالفعل جميع أهدافها العسكرية وتجاوزتها وقطع الجانبان شوطًا كبيرًا في التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن سلام طويل الأمد.

أما عراقجي فتحدث نيابة عن مجلس الأمن القومي الأعلى في إيران معلنا قبول بلاده وقف عملياتها “الدفاعية” لمدة أسبوعين مع “إمكانية الملاحة الآمنة بمضيق هرمز بالتنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية وأخذ القيود الفنية في الاعتبار”.

انتقادات من داخل الحزب الجمهوري

وكان ترمب قد واجه انتقادات من قبل بعض أعضاء حزبه إزاء تهديداته بمحو الحضارة الإيرانية رغم الصمت المطبق الذي يلزمه الحزب عادة بشأن السياسات التي ينتهجها زعيمه. نائب تكساس الجمهوري ناثانييل موران أعلن رفضه تدمير الحضارة الإيرانية لتعارض ذلك مع “المبادئ التي وضعتها الولايات المتحدة نصب عينيها على مدى تاريخها”. أما سيناتور آلاسكا ليزا ميركويسكي فرفضت استخدام لغة التهديد بمحو الحضارة “حتى لو كان ذلك كورقة ضغط من أجل التفاوض”. ورأت أن هذا الخطاب يشكل إهانة للمثل التي ظلت الأمة الأميركية تعليها وتمثلها في سائر أنحاء العالم منذ نشأتها. وحذرت من أن هذا يقوّض دور الولايات المتحدة كمنارة للحرية ويعرض الأميركيين للخطر خارجيا وداخليا. 

أما نائب كاليفورنيا كيفن كيلي فحث الكونغرس على الاضطلاع بدوره الرقابي على الحرب، مؤكدا أن الولايات المتحدة لا تدمر حضارات ولا ينبغي لها التهديد بذلك. 

وبدورهم، ندد الديمقراطيون بهذا التهديد وتصاعدت بينهم الدعوات لمحاكمة ترمب بغية إقالته.

وطالب الكثير من الأعضاء الديمقراطيين، خاصة من أقصى اليسار التقدمي، باستدعاء التعديل الـ25 من الدستور الذي يحث نائب الرئيس وأغلبية وزراء الإدارة على عزل الرئيس مؤقتًا إذا كان “عاجزا عن ممارسة صلاحياته وواجباته”.

بيد أن إقالة الرئيس بموجب التعديل الخامس والعشرين يتطلب، إلى جانب أغلبية أعضاء إدارته، موافقة ثلثي أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب، وهو ما يعد ضربا من المستحيل في ظل استحواذ الجمهوريين على أغلبية المجلسين، وإن كانت بفارق ضئيل.

ويبدو أن تلك الانتقادات شكلت كل عوامل ضغط هائلة على ترمب للقبول بهذه الهدنة، بالإضافة إلى الاستياء الشعبي الذي صاحب ارتفاع أسعار الطاقة والشحن وتعطيل سلاسل الإمداد وتأثر صادرات الهيليوم الضرورية لصناعة أشباه الموصلات والأسمدة والذي نجم عنه ارتفاع أسعار الكثير من السلع الغذائية وزيادة معدلات التضخم واضطراب أسواق الأسهم.

وقد لاقى الإعلان عن وقف إطلاق النار المؤقت ترحيبا من الحزبين بشكل عام. وفيما جدد الديمقراطيون الدعوة إلى محاسبة إدارة ترمب على شن هذه الحرب “غير القانونية” أعرب بعض الجمهوريين عن تشككهم في إمكانية التوصل إلى اتفاق نهائي. وقال السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، الذي يعد من صقور الحرب مع إيران، إنه يفضل الدبلوماسية لكنه متوجس بشأن التقارير عن الهدنة، متعهدا بالمراجعة الدقيقة لأي اتفاق محتمل. وقال ليندسي غراهام على منصة “إكس” إنه لا يجب نسيان أن إيران هاجمت مضيق هرمز بعد اندلاع الحرب مما عرقل حرية الملاحة، مطالبا بعدم مكافأة طهران على هذا العمل العدواني على العالم، “كما لا ينبغي السماح لها بالعودة إلى تخصيب اليورانيوم”.

وتوقع بعض الناشطين الجمهوريين المؤيدين للحرب، مثل اليمينية لورا لومر، فشل وقف إطلاق النار واستئناف الحرب من جديد لأن الولايات المتحدة لم تجن شيئا منها فيما “راح الإرهابيون يحتفلون في إيران”.

أما السيناتور الديمقراطي كريس ميرفي فحذر من أن السماح لإيران بالسيطرة على مضيق هرمز سيكون بمثابة “انتصار تاريخي لطهران”، ووصف السماح بذلك بأنه فشل مذهل”.

يظل نجاح المفاوضات الأميركية-الإيرانية مرهوناً بقدرة واشنطن على تحقيق توازن دقيق بين ضغوط متعددة الاتجاهات؛ فمن جهة، تحتاج الإدارة إلى تأمين مكاسب دبلوماسية ملموسة تعكس حجم التضحيات التي قدّمتها، ومن جهة أخرى، تجد نفسها أمام مطالب إيرانية تشمل مراجعة منظومة العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمّدة، وترتيبات جديدة لإدارة مضيق هرمز.

ويُضاف إلى ذلك أن الحرب لم تُسفر عن تحقيق الأهداف المُعلنة المتعلقة بالملفين الصاروخي والنووي الإيرانيين، مما يُضيّق هامش المناورة أمام الإدارة في مواجهة اعتراضات حلفائها في الكونغرس. كما ألقت الأزمة بظلالها على العلاقات عبر الأطلسي، وأوجدت احتكاكاً مع الشركاء الأوروبيين في وقت تحتاج فيه واشنطن إلى أوسع تحالف دولي ممكن لدعم أي تسوية مستدامة.

وفي هذا السياق، سيكون اختبار إسلام آباد الحقيقي مدى قدرة الطرفين على تحويل وقف إطلاق النار من مجرد استراحة تكتيكية إلى إطار تفاوضي يُعالج جوهر الخلافات، بعيداً عن حسابات الصورة وضغوط الداخل.

المجلة

—————————

 الاتفاق المؤقت: نقاطُ إيران العشر أفقُ التفاوض/ الحواس تقية

توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق تعليق مواجهتهما العسكرية لأسبوعين، والشروع في التفاوض، برعاية باكستانية، وتضمَّن الاتفاق قبولًا بالنقاط العشر الإيرانية قاعدةً عملية للتفاوض.

8 أبريل 2026

اتفقت الولايات المتحدة وإيران على تعليق تقاتلهما لمدة أسبوعين، تُجريان خلالهما مفاوضات تنهي الحرب نهائيًّا، حسب منشور الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على تروث سوشيال. واتفقتا على أن تفتح إيران مضيق هرمز للملاحة فتحًا كاملًا، وعَدَّ ترامب المبادئ العشرة الإيرانية التي استلمها من الباكستانيين أرضية عملية للتفاوض.

وقد أشاد الطرفان بالقيادة الباكستانية التي ربطت التواصل غير المباشر بين الطرفين، وشجَّعتهما على قبول هذا المقترح. وتورد تقارير أن الصين شجعت إيران على التوصل للاتفاق.

المرساة الجديدة

أورد ترامب في منشوره عن الاتفاق نقطة مركزية، ستكون مثل المرساة في المفاوضات القادمة، وتشكيل ملامح النظام الناشئ في المنطقة. ذكر أنه تلقى النقاط العشر الإيرانية وأنها أساس عملي للتفاوض القادم. يقتضي ذلك أن إيران تمكنت من تحديد إطار التفاوض وأجندته، وأن ترامب وافق على أن تكون التسوية في حدوده. وهذا مكسب إيراني.

يشير ذلك إلى أن ترامب لم يعد يربط بين وقف أعماله العسكرية مقابل قبول النظام الإيراني بالاستسلام الكامل، والتخلي الكامل عن مشروعه النووي، والحد من مشروعه الصاروخي كي لا يصل إلى إسرائيل، وقطع علاقاته مع الفصائل المسلحة الحليفة. ذكر في منشوره موافقة إيران على طلبه فتح مضيق هرمز كاملًا للملاحة. وهذا ليس بالهدف المتوخَّى قبل الحرب؛ لأن المضيق كان مفتوحًا في وجه الملاحة، ثم إن قبول إيران بفتحه حاليًّا سيكون مقابل حصولها على حقوق المرور، حسب تقرير أسوشيتد برس عن مسؤل إقليمي لم تفصح عن اسمه، وذكر أن هذه المداخيل ستمكِّن إيران من إعادة الإعمار. وقد قال السيناتور الأميركي من الحزب الديمقراطي، كريس مورفي: إن منح ترامب إيران السيطرة على هرمز يعطيها مكسبًا تاريخيًّا.

من منظور أوسع، كشف هذا الاتفاق عن حدود القوى العسكرية الأميركية: لم تردع إيران عن الدفاع نفسها، ولم ترغمها على الاستسلام، ولم تشلَّ حركتها كليًّا. هذا يرسخ مجددًا الأنطباع بأن بالإمكان التصدي للولايات المتحدة الأميركية ورفض الخضوع لها؛ وأن هناك سبلًا أخرى لجعل الحرب مكلفة على الولايات المتحدة، وهي السبل غير المباشرة، كالسبل الاقتصادية. كذلك، كشفت الحرب عن خشية الولايات المتحدة من المجابهة البرية، واكتفائها بالقوة الجوية والعمليات البحرية عن بُعد. وليس من المستبعد أن تضع الدول المتصارعة مع الولايات المتحدة في المستقبل هذه الاعتبارات في مواجهتها العسكرية للولايات المتحدة.

كشف الاتفاق على تعليق الأعمال القتالية أن إيران انتقلت من موقف الدفاع الذي كانت عليه قبل الحرب، وكان يتضمن أساسًا احتفاظها بمشروعها النووي والصاروخي، إلى موقف الهجوم الذي وسَّع مطالبها لتتضمن فرض قواعد سلوك على منطقة الشرق الأوسط، تشمل الحد من حرية العمل العسكري الإسرائيلية، ووضع القوات العسكرية الأميركية. يشير قبول ترامب مجرد النقاش في هذه النقاط أن وجود القوات الأميركية بالمنطقة لم يعد أمرًا مسلَّمًا به وفوق كل نقاش، وليس من حق إيران التدخل فيه بل وافق على إعطائها حق النظر في هذه الأمور التي لم تكن  محل تفاوض قبل الحرب.

مراكز جديدة

أدى نجاح باكستان ومعها الصين في تحقيق الاتفاق إلى جعلهما طرفين رئيسيين في ترتيبات منطقة الخليج والشرق الأوسط. حصل ترامب بفضلهما على مخرج من مأزق التصعيد الذي قد يُلحق أضرارًا هائلة بالمستهلك الأميركي. وحصلت إيران بفضلهما على صفقة تمنع مزيدًا من الدمار لبنيتها التحتية، وتمنحها أرضية للحفاظ على عدد من أهدافها الحيوية.

يمثل دور الصين في الصفقة تحولًا مهمًّا؛ إذ أشاد به الرئيس الأميركي، ترامب، وهذا يعني قبولًا بدور الصين مستقبلًا في ترتيبات منطقة الخليج، ويعد ذلك اعترافًا بدورها في منطقة الخليج التي كانت تُعد شأنًا أميركيًّا، وتصر أميركا على منع الصين من التسلل إليه. علاوة على أنه قبل الإعلان عن الاتفاق، كانت البحرين قدَّمت مشروع قرار لمجلس الأمن لرفض إغلاق إيران لمضيق هرمز أو تغيير وضعه عمَّا كان قبل الحرب إلا أن الصين وروسيا استعملتا الفيتو لمنع مرور القرار. كشف ذلك عن أن الصين تنحاز إلى إيران مقابل دول الخليج، وأنها لا ترى إشراف إيران على مضيق هرمز ضارًّا بمصالحها، ولا تعطي أولوية للأضرار التي تلحق دول الخليج، أو الحاجة إلى طاقتها.

احتمالات الفشل

 لا يزال الاتفاق في بداياته، وهو مؤقت، وقد يُمنى بالفشل لأسباب عديدة، لكن السبب الرئيسي هو المفاوضات التي ستجري حول وقف إسرائيل أعمالها العسكرية في كل الجبهات، خاصة جبهة لبنان مع حزب الله. سيستميت رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في رفض هذا الطلب وستستميت إيران في المطالبة به؛ لأنها التزمت بالربط بينها وبين بقية الفصائل المسلحة الحليفة.

قد يضغط نتنياهو من خلال حلفائه في واشنطن على ترامب حتى يتشدد في مطالبه، فترفض إيران، فتندلع الحرب مجددًا. ويملك نتنياهو لهذا الضغط الشخصين اللذين أدارا التفاوض سابقًا، وهما: جاريد كوشنر، صهر ترامب، وستيف ويتكوف، شريكه في الأعمال، وهما يهوديان صهيونيان، تصفهم بعض الشخصيات الدبلوماسية بأنهما يحرصان على تلبية المطالب الإسرائيلية. قد يفسر ذلك رفض إيران التفاوض معهما واشتراطها التفاوض مع نائب الرئيس، جي دي فانس؛ لأنها أجرت معهما جولات تفاوض سابقة، وكانت كل جولة، حسبها، غطاء لأعمال عسكرية أميركية وإسرائيلية.

إذا لم تصل المفاوضات إلى اتفاق يتضمن الأعمال العسكرية الإسرائيلية، سيكون ترامب أمام خيارين: العودة مجددًا إلى القتال، فيبدو أنه يقاتل مجددًا من أجل إسرائيل، فتزداد صورته تردِّيًا في أميركا، أو يقبل بفصل المسارات، فيمتنع عن مواصلة الحرب مع إيران مقابل تنازلات بينيَّة، لكنه يترك إيران وإسرائيل تحلان مشاكلهما البينية. وقد يقبل في هذا المنظور أن يدعم إسرائيل في الدفاع فقط ويمتنع عن شَنِّ هجمات على إيران، مثل ما فعل الرئيس الأميركي السابق، جو بايدن.

في حال، عاد ترامب مجددًا إلى الحرب، سيواجه نفس المعضلة: سيضطر إلى التصعيد، والتهديد بضرب البنية التحتية الإيرانية ومنشآت الكهرباء والطاقة، وتهدد إيران بمهاجمة بقية المنشآت في المنطقة، فترتفع أسعار الطاقة مجددًا، ويرتفع سعر البنزين في الولايات المتحدة، فتنخفض شعبية ترامب والجمهوريين على أعتاب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. وإذا نفَّذ ترامب تهديداته حينها وهاجم حقول النفط والغاز أيضًا فإن أسعار الطاقة ستشهد ارتفاعًا هائلًا، ولن يكون قابلًا للخفض مجددًا لأن أسواق الطاقة تكون حسبت أن الكميات الناقصة في أسواق الطاقة لا يمكن استعادتها بتاتًا، فترتفع أسعار البنزين في أميركا إلى مستويات كبيرة، قد تقضي على حظوظ الجمهوريين السياسية مستقبلًا.

الحواس تقية

باحث بمركز الجزيرة للدراسات، مشرف على دراسات العالم العربي. حاصل على بكالوريوس إعلام. ترأس تحرير عدد من الصحف الجزائرية المستقلة. نشر عددا من المقالات والدراسات في الصحف والمجلات الجزائرية حول القضايا السياسية والاستراتيجية. شارك بأوراق بحثية في عدة مؤتمرات دولية حول الشؤون السياسية والاستراتيجية.

مركز الجزيرة للدراسات

——————————-

ما نعرفه عن اتفاق وقف إطلاق النار بين أميركا وإيران وبنوده/ محمد البديوي

08 ابريل 2026

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، اليوم الأربعاء، عن وقف لإطلاق النار متبادل مع إيران لمدة أسبوعين، وذلك قبل أقل من ساعتين من الموعد النهائي الذي حدده لطهران لإبرام صفقة أو فتح مضيق هرمز لتجنب تدمير جسورها ومحطات الطاقة. وذكر أنه وافق على وقف الهجوم بناء على المحادثات التي أجراها مع الجانب الباكستاني، وبشرط موافقة إيران على فتح مضيق هرمز بشكل كلي وفوري وآمن.

فيما يلي أبرز ما نعرفه عن الاتفاق حتى هذه اللحظة

    ما أعلنه ترامب

قال ترامب في بيانه إن الولايات المتحدة توصلت بمقترح إيران المكون من 10 نقاط، معرباً عن اعتقاده بأنه “أساس عملي يمكن التفاوض حوله”. لا يزال من غير الواضح ما إذا كان المقترح هو الرد الإيراني الذي تسلّمته باكستان، أول من أمس الاثنين، على مقترح أميركي لوقف الحرب. وذكر ترامب حينها أنه “غير كافٍ”.

    ما أعلنه وزير خارجية إيران

وردت بعض تفاصيل هذه الخطة في البيان الذي شاركه الرئيس الأميركي على صفحته على “تروت سوشال” لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، حيث أعلن الأخير باسم مجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني التالي:

    توقف القوات المسلحة الإيرانية العمليات إذا توقفت الهجمات على إيران.

    تنظيم مرور آمن لمدة أسبوعين عبر مضيق هرمز بالتنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية.

ذكر بيان عراقجي أن المفاوضات تجري بناء على طلب الولايات المتحدة واقتراحها المكون من 15 نقطة، وأن الخطوات التي اتخذها المجلس تأتي بعد إعلان الرئيس الأميركي قبوله الإطار العام للمقترح الإيراني المكون من 10 نقاط أساساً للمفاوضات.

    ما أعلنه المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني

أما البيان الصادر عن أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، فيتضمن نقاطاً لم تذكرها واشنطن حتى هذه اللحظة، وهي بجانب النقطتين السابقتين ما يلي:

    عدم الاعتداء على لبنان.

    استمرار سيطرة إيران على مضيق هرمز.

    انسحاب القوات القتالية الأميركية من جميع القواعد ونقاط الانتشار في المنطقة.

    وضع بروتوكول آمن للملاحة في مضيق هرمز.

    الحصول على تعويضات كاملة لإيران وفقاً للتقديرات.

    رفع جميع العقوبات الأولية والثانوية والقرارات الصادرة عن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

    الإفراج عن جميع الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج.

    وقف الحرب في الجبهات كافة بما في ذلك لبنان.

    إقرار جميع هذه البنود ضمن قرار ملزم يصدر عن مجلس الأمن.

    ما أعلنه الوسيط الباكستاني

وفقاً لما أعلنه رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، اتفقت الولايات المتحدة وإيران على ما يلي:

    وقف فوري لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة وحلفاء كل منهما في كل مكان بما في ذلك لبنان وأماكن أخرى.

    قرار وقف إطلاق النار يسري بشكل فوري.

    دعوة وفود الدولتين إلى جلسة تفاوض يوم 10 إبريل/ نيسان (الجمعة) لمواصلة التفاوض من أجل التوصل لاتفاق شامل يشمل جميع النزاعات.

    ما أعلنه نتنياهو

أعلن مكتب رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في بيان أن “وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين لا يشمل لبنان”. ويتناقض ذلك مع الإعلان السابق لرئيس الوزراء الباكستاني.

——————–

=================

————————————

تحديث 07 نيسان 2026

——————————

اجتماع ظروف كارثية: تداعيات الحرب مع إيران تهدّد الاقتصاد السوري

سوريا غير مهيّأة للتعامل مع أي اضطراب قد يطال هامشها الإقليمي الضيّق أصلاً للتجارة والاستثمار. كما أنّ تأثيرها السياسي الهشّ الذي أبقاها صامدة حتى الآن، مهدّد بالتآكل في ظلّ التقلبات الحاصلة في المنطقة.

من أوائل الجمل التي يصادفها المرء في كتب الجغرافيا السورية تلك العبارة التي تؤكّد أنّ سوريا «تتمتّع» بموقع إستراتيجي. على مدى عقود، سخر السوريون من هذا التعبير تحديداً. فالموقع إستراتيجي بلا شك، لكنّ الحديث عن كونه باعثاً على المتعة مسألة أخرى تماماً. فمنذ الاستقلال عام 1946، كان موقع سوريا في الغالب يعرّضها لطموحات الآخرين وهواجسهم أكثر ممّا وفّر لها ميزة اقتصادية ثابتة.

هذا التناقض يعود اليوم ليظهر بوضوح متزايد. وينبغي فهم تداعيات أي حرب تشمل إيران من خلال هذا المنظار الجغرافي. فلن تقتصر انعكاساتها على سوريا على الضغوط الاقتصادية الكلية المألوفة، من ارتفاع الأسعار وتجدّد ضغوط التضخّم وتجميد تدفّقات الاستثمار التي لا تزال متردّدة أصلاً. فهذه كلّها تداعيات حقيقية ومؤلمة، لكنّها لا تمثّل سوى الأعراض السطحية لهشاشة بنيوية أعمق.

ارتفاع التضخّم وتباطؤ الاستثمار

تُقدَّر واردات عام 2025 بأنّها بلغت ما لا يقل عن ثمانية أضعاف الصادرات. وفي الوقت نفسه، تعتمد مقاربة الحكومة للتعافي بدرجة كبيرة على استثمارات مموّلة من الخارج. وحتى الآن، كانت الدول الخليجية المصدر الرئيسي لمذكّرات التفاهم والعقود، ومن بين أبرز الاتفاقات تعهّدات بقيمة 7 مليارات دولار لقطاع الكهرباء، و4 مليارات دولار لتطوير مطار دمشق. وهذا الاعتماد المزدوج، على الأسواق الخارجية لتأمين السلع وعلى الشركاء الخارجيين لتوفير الاستثمارات، يجعل سوريا شديدة الهشاشة أمام الصدمات الخارجية.

وتشير التقديرات إلى أنّ الحرب مع إيران قد تؤدّي إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد بنسبة 30 في المئة، نتيجة زيادة أسعار النفط وكلفة الشحن وكلفة التأمين. واستناداً إلى ما أظهرته تجارب في بلدان أخرى من أنّ كلّ زيادة بنسبة 10 في المئة في أسعار الواردات ترفع تضخّم أسعار المستهلك بنحو 3 في المئة، فإنّ ذلك قد يضيف نحو 9 في المئة إلى معدّل التضخّم، والأثر الأشدّ على الغذاء والطاقة والسلع الاستهلاكية الأساسية.

وبالتوازي مع ذلك، من المتوقّع أن يتباطأ الاستثمار. فالدول الخليجية مرشّحة لإعطاء الأولوية للاستقرار الداخلي وتقليص انكشافها على البيئات عالية المخاطر. ومن شأن تأخير لعام واحد ضمن دورة استثمارية تمتد لخمس سنوات أن يُترجم إلى تراجع يقارب 20 في المئة في تدفّقات الاستثمار الأجنبي المباشر المتوقّعة إلى سوريا. وفي هذا العام وحده، قد يؤدّي الأثر الإجمالي لارتفاع تكاليف الاستيراد وزيادة التضخم وتراجع الاستثمار إلى خفض نمو الناتج المحلّي الإجمالي السوري بنحو 5 في المئة، بافتراض ثبات العوامل الأخرى.

ومن المرجّح أيضاً أن يتدهور الوضع المالي. فضعف الاستهلاك وتراجع الاستثمار سيؤدّيان مباشرة إلى إضعاف تحصيل الضرائب والرسوم. وتشير معطيات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى أنّ انخفاض الاستهلاك بنسبة 10 في المئة يؤدّي إلى تراجع الإيرادات الضريبية بنسبة تتراوح بين 2 و3 في المئة. وفي ظلّ هذه الضغوط مجتمعة، قد تشهد سوريا تراجعاً في الإيرادات العامة الحقيقية بنسبة تراوح بين 5 و10 في المئة، حتى مع تزايد احتياجاتها إلى الإنفاق.

من سيتدخّل؟

ما سيحدّد ما إذا كانت سوريا قادرة على الصمود في وجه الآثار القاسية لهذا الصراع لا يقتصر على حجم الصدمة نفسها، بل يشمل أيضاً الجهة التي ستبقى مستعدّة لإنقاذ البلاد. فهل لا تزال سوريا قادرة على تأمين الاستثمارات الكبيرة التي وعدت بها دول مجلس التعاون الخليجي؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل تستطيع فعلاً توجيهها على نحو يخدم الاستقرار الاقتصادي ورفاه السكان؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك، فهل توجد مصادر بديلة للاستثمار؟ ثمّ إذا خرجت إيران من الحرب منفتحة على الأعمال، فهل ستبقى سوريا مهمّة بالنسبة إلى المستثمرين، حتى أولئك الذين ينجذبون إلى الأسواق عالية المخاطر وعالية العائد؟ أم أنّهم سيوجّهون أموالهم إلى إيران بدلاً منها؟

هذه الأسئلة بعيدة كل البعد عن أن تكون بلاغية. فإلى جانب الأصول العامة المقومة بأقل من قيمتها والامتيازات الكبرى وفرص الاستثمار الاستخراجي، ليس واضحاً ما الذي تقدّمه سوريا حالياً للمستثمرين. ولا يعود ذلك إلى العقوبات أو السياسة أو انعدام الأمن فحسب، بل أيضاً إلى غياب التقدّم من جانب الحكومة في استعادة القاعدة الصناعية الإنتاجية وتعزيز سيادة القانون.

وتنسحب أسئلة مماثلة على التجارة أيضاً. فهل ستستورد سوريا التضخّم من تركيا، أكبر مصدر لوارداتها، في وقت يُتوقّع فيه أن تتلقّى تركيا نفسها ضربة اقتصادية قاسية، وهي التي تكافح أصلاً لتحقيق الاستقرار لليرة في ظل ارتفاع التضخّم وزيادة أسعار النفط؟

ويطرح لبنان مخاوف مماثلة. فسوريا ولبنان يواجهان مشكلات عديدة، كما أنّ اقتصاديهما متداخلان بعمق. ولعلّ من أبرز الأمثلة على هذا الترابط الأزمة الاقتصادية والمالية اللبنانية التي بدأت عام 2019، وأسهمت في انهيار الليرة السورية، وكانت لها تداعيات كارثية أوسع على الاقتصاد السوري.

أمّا العراق، وهو أحد أهم وجهات الصادرات السورية، فليس أقل عرضة لهذه الهشاشة. إذ تتصاعد التوتّرات الأمنية بين بغداد وطهران بوتيرة سريعة، بما ينطوي على خطر اضطراب أوسع نطاقاً.

وبحسب المكتب المركزي للإحصاء في سوريا، كان لبنان والعراق والسعودية أكبر وجهات الصادرات السورية في عام 2023، بقيم بلغت 237,7 مليون دولار، و232,7 مليون دولار، و183,1 مليون دولار على التوالي، لتشكّل مجتمعة أكثر من 35 في المئة من إجمالي الصادرات. وتكشف خريطة الصادرات السورية عن تركّز شديد، ما يترك البلاد شديدة الانكشاف أمام الاضطرابات الإقليمية.

التحوّلات الجيوسياسية قد تفتح نوافذ أيضاً، لكن…

لم تؤثّر التحولات الجيوسياسية الكبرى في سوريا على نحو واحد أو متجانس. ففي بعض الأحيان، فرضت ضغوطاً شديدة؛ وفي أحيان أخرى، فتحت هوامش جديدة. ففي أعقاب حرب الخليج الأولى (بين 1990 و1991)، قدّمت دول مجلس التعاون الخليجي دعماً مالياً كبيراً في وقت كانت فيه سوريا تحت ضغط هائل نتيجة انخراطها في الحرب الأهلية اللبنانية والعقوبات الدولية. أمّا انهيار الاتحاد السوفياتي، الذي كان آنذاك الشريك التجاري الرئيسي لسوريا، فكان أشدّ إرباكاً، إذ وجّه ضربة قاسية إلى أجزاء من الصناعة السورية. غير أنّه في أواخر التسعينات وبدايات الألفية الجديدة، أتاح انفتاح أسواق بديلة في أوروبا، وبدرجة أقل في الولايات المتحدة، فرصاً جديدة. وكان من بين المستفيدين المعارض السوري رياض سيف، الذي كان ينتج ملابس «أديداس» الرياضية الموسومة بعبارة «صنع في سوريا» للأسواق الأوروبية.

المشكلة اليوم هي أنّ سوريا تدخل هذه الأزمة الإقليمية من دون أن تكون قد أعادت بناء ما يكفي من قاعدتها الإنتاجية بما يسمح لها بالاستفادة من أي انفتاحات جديدة. فهي بحاجة إلى إنتاج محلّي أقوى لتقليص الاعتماد على الاستيراد والحدّ من العجز التجاري، وإلى مصادر أكثر تنوّعاً للاستثمار الأجنبي، وسلاسل قيمة محلّية أكثر متانة. كما أنّ تعزيز الإنتاج المحلّي على نحو أكبر من شأنه أن يخفّف الضغوط التضخّمية. وقد يساعد أيضاً بناء احتياطات إستراتيجية من السلع الأساسية، مثل الغذاء والوقود، في الحدّ من أثر الصدمات الخارجية مستقبلاً.

وإلّا فمصير سوريا أن تواجه عاصفة كارثية.

هذا التحليل حصري من «التحالف السوري للمشاريع» Syrian Ventures Alliance وهي منصّة متخصّصة بالاستشارات الاستثمارية والاقتصادية.

https://syrianventuresalliance.org

سوريا المتجددة

———————————

أين سوريا من جحيم الحرب الدائرة حولها؟/ بكر صدقي

دخلت الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، والإسرائيلية على حزب الله في لبنان، شهرها الثاني، مع توسع رقعة الحرب إلى دول الخليج العربية التي ما زالت تتلقى القسم الأكبر من الصواريخ والمسيرات الإيرانية. يمكن القول إن كل دول المنطقة تقريباً قد تأثرت مباشرةً بتداعيات الحرب، بما في ذلك تركيا. سيكون غريباً أن تبقى سوريا وحدها الدولة الناجية منها. صحيح أن سلطة دمشق قد تمكنت، إلى الآن، أن تنأى بنفسها عن تداعيات الحرب، لكنها تبقى في مرمى النيران ويمكن أن تنال نصيبها من تداعياتها في أي لحظة. وقد شكلت المظاهرات الشعبية التي خرجت للتنديد بقرار الكنيست الإسرائيلي بشأن إعدام الأسرى الفلسطينيين، أول تحد جدي للسلطة. صحيح أن موضوع المظاهرات لا علاقة مباشرة له بالحرب، لكنه لمس حدوداً حساسة قابلة لاستدعاء ردود فعل لا يمكن السيطرة عليها. فالشعارات المعادية لإسرائيل والرموز الجهادية الظاهرة من شأنها أن تثير حفيظة الدول الغربية التي احتضنت السلطة وقد تدفعها إلى إعادة النظر في رهانها عليها، ناهيكم عن إسرائيل نفسها التي لا تحتاج إلى ذرائع أصلاً لمواصلة اعتداءاتها أو تدخلاتها الفظة في سوريا. أي أن من شأن تداعيات تلك المظاهرات أن تسلب السلطة المصدر الرئيسي لشرعيتها أي الاعتراف الدولي بها، في وقت تعاني فيه من فقدان الشرعية الداخلية في نظر قسم كبير من السوريين ممن لا يثقون بها.

وأظهر الاعتداء على سفارة دولة الإمارات في دمشق، أثناء تلك المظاهرات، فقدان السلطة سيطرتها على جمهورها المؤيد، وهو ما ينذر بمزيد من تآكل هذا التأييد المتراجع أصلاً كما تشير معطيات عديدة. وعموماً يمكن القول إن خروج هذه المظاهرات كان خبراً سيئاً بالنسبة للسلطة التي واظبت على سياسة عدم توتير العلاقة مع إسرائيل منذ استيلائها على السلطة، وخاضت مفاوضات مباشرة معها بهدف استعادة اتفاق فصل القوات الذي تجاوزته إسرائيل.

يضاف إلى ذلك اتهامات إسرائيلية للسلطة بفشلها في ضبط تهريب السلاح إلى حزب الله في لبنان، إلى جانب ضغوط أمريكية، وربما من دول أخرى، على السلطة لدفعها إلى المشاركة في الحرب على حزب الله لنزع سلاحه بالقوة، الأمر الذي يبدو أن سلطة دمشق استطاعت تجنبه إلى الآن. ويبدو أن الحشود العسكرية على الحدود مع لبنان لم تكف لإقناع الأمريكيين والإسرائيليين بهذا الخصوص.

أما من جهة إيران فقد وجه مسؤولوها اتهامات صريحة بشأن ما زعمته من اختباء خبراء عسكريين أمريكيين في مواقع ومطارات سورية، بل وفي القصر الرئاسي نفسه! وهو ما يعني أن إيران يمكن أن تستهدف تلك المواقع بصواريخها البالستية على غرار ما تفعله مع دول الخليج والأردن والعراق.

كلما طال أمد الحرب، ويبدو أنها ستطول، ارتفعت احتمالات أن تمتد نيرانها إلى مناطق إضافية، ومنها سوريا الواقعة بين فكي الكماشة الإسرائيلي والإيراني. غير أن تداعياتها الأبعد قد تتجاوز الاعتبارات الأمنية إلى أخرى اقتصادية إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن أكلاف الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج قد تدفعها إلى الانكفاء عن تطوير العلاقات مع سوريا، بعدما كانت آمال السلطة معلقة على وعود تلك الدول بشأن الاستثمار في الفرص الاقتصادية لإعادة الإعمار. مع العلم أن تلك الوعود بقيت في الهواء حتى قبل نشوب الحرب الراهنة، بسبب عدم اليقين بشأن قدرة سلطة دمشق على توفير بيئة استثمارية آمنة، نابع من غموض توجهات السلطة بشأن المرحلة الانتقالية ومؤشرات مقلقة بشأن ترتيب البيت الداخلي السوري، ومظاهر الفساد والمحسوبية وغياب القانون.

بدلاً من مواجهة هذه التحديات بجدية يواصل الإعلام المؤيد للسلطة ضخ الأوهام كالنفخ في تصريح نسب للمبعوث الأمريكي توماس براك بشأن احتمال تشكيل سوريا ممراً بديلاً لنقل النفط الخليجي بعد إغلاق إيران لمضيق هرمز. وكأن المضيق سيظل مغلقاً سنوات يستلزمها بناء الأنابيب، أو كأن الحرب على إيران ستمتد لسنوات.

في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بحربين مدمرتين، في أوكرانيا والخليج، بدا مستغرباً أن يقوم أحمد الشرع بزيارتين لألمانيا وبريطانيا، وان يأتي الرئيس الأوكراني لزيارته في دمشق برفقة وزير الخارجية التركي هكان فيدان. البيانات الرسمية الصادرة عن تلك الزيارات لا تعطينا شيئاً بشأن الموضوعات التي تم التباحث بشأنها، باستثناء إعلان المستشار الألماني عن نية حكومته بإعادة ثمانين بالمئة من اللاجئين السوريين إلى بلدهم. لا يمكن فصل تلك الاتصالات عن تداعيات الحرب، وعلينا الانتظار لمعرفة ما قد يترتب عليها.

٭ كاتب سوري

القدس العربي

———————————–

الخروج من دون رحيل: ما الذي تبقّى من نفوذ إيران في سوريا؟/ جسام الدين محمد

أدّى سقوط الأسد إلى تجريد إيران من معظم قوتها في سوريا، لكن شبكات ما زالت قائمة، وقد يجري توظيفها لفتح جبهة جديدة.

قبل كانون الأول/ديسمبر 2024، تجلّى النفوذ الإيراني في سوريا أساساً في ثلاثة أشكال رئيسية. أولها كان عسكرياً، إذ ساعد ضباط من «الحرس الثوري» وضباط من «حزب الله» في تجنيد وتدريب وقيادة وحدات رديفة من «قوات الدفاع المحلية» مؤلفة من مقاتلين سوريين، إلى جانب تولّيهم قيادة عدد كبير من الجماعات المسلحة الشيعية المرتبطة بـ«الحرس الثوري» والقادمة من العراق وباكستان وأفغانستان.

أما الشكل الثاني فكان ثقافياً، حيث سعى «الحرس الثوري» إلى ترسيخ الدعم الأيديولوجي لـ«محور المقاومة»، ولا سيما من خلال «فيلق المدافعين عن حلب» الذي تولّى إصدار منشورات وتنظيم فعاليات ثقافية، فضلاً عن تقديم منح دراسية في إيران.

والشكل الثالث كان دينياً، وتمثّل أساساً في استهداف الطائفة الشيعية الاثني عشرية في البلاد، وتشجيع أفرادها على اتباع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي بوصفه «المرجع» الخاص بهم، أي السلطة الدينية التي تصدر التوجيهات.

وغالباً ما تداخلت هذه المستويات من النفوذ. فبعض أفراد الطائفة الشيعية الاثني عشرية، على سبيل المثال، التحقوا أيضاً بوحدات «قوات الدفاع المحلية». غير أنه مع انهيار نظام الأسد، سارع الإيرانيون وحلفاؤهم الأجانب من أفغانستان وباكستان والعراق ولبنان إلى الانسحاب من سوريا.

لم تعد هناك «قوات دفاع محلية»

لم يكن معظم الذين عملوا مع «قوات الدفاع المحلية» من الشيعة، بل من أبناء الغالبية السنية في البلاد، كما أن بعض هذه الوحدات بُني على أساس قبلي. فعلى سبيل المثال، شكّل أفراد من قبيلة البكارة «لواء الباقر». كما دفعت عشيرة بري في حلب بـ«لواء الشهيد علي زين العابدين بري».

ومع سقوط النظام، انقلبت هذه الجماعات السنية إما على إيران، أو اختارت ببساطة التواري. ومنذ ذلك الحين، انخرطت شبكاتها في الاصطفاف مع الحكومة الجديدة، أو آثرت البقاء في الظل.

وقال مصدر مرتبط بـ«لواء الشهيد علي زين العابدين بري» لـ«سوريا المتجدّدة» إنه مع بدء سقوط حلب، أبلغ الحاج خالد من «لواء الباقر» قيادة اللواء بأنه ينسق مع «هيئة تحرير الشام». وكانت المجموعة قد خططت في البداية للانسحاب باتجاه حمص ثم دمشق، لكن مع سقوط حمص اختارت بدلاً من ذلك الانشقاق والعودة إلى حلب. ولا توجد حالياً أي مؤشرات إلى أن أيّاً من المجموعتين، أو ما تبقّى من شبكاتهما، ينسق سراً مع إيران.

الصمود على المستوى الديني

أما داخل الطائفة الشيعية الاثني عشرية في البلاد، فالصورة أكثر تعقيداً. فمع سقوط النظام، اضطرت مؤسسات إيرانية كثيرة إلى الإغلاق، بما في ذلك فروع «جامعة المصطفى» الإيرانية في السيدة زينب وبلدة نبل الشيعية في ريف حلب.

وقال رجل دين من نبل لـ«سوريا المتجدّدة» إن الشخصيات الدينية المحلية تواجه اليوم صعوبات مالية متزايدة، بعدما توقفت عن تلقي المدفوعات من مكتب خامنئي. وعلى المستوى الظاهري، تحركت قيادة الطائفة الشيعية باتجاه التكيّف مع السلطات الجديدة. ففي مقابر «الشهداء» في نبل والزهـراء المجاورة، أزيلت أخيراً صور خامنئي وقاسم سليماني ورموز «حزب الله» من الشواهد والعروض العامة.

لكن على مستوى الممارسة الدينية، لا تزال الصلات بإيران قائمة. فكثيرون داخل هذه الطائفة ما زالوا يتبعون خامنئي بوصفه «المرجع» الديني لهم، وهو موقع امتد الآن إلى نجله مجتبى الذي خلفه في منصب المرشد الأعلى. وقد بدا ذلك واضحاً خلال عيد الفطر. فبينما أعلنت سوريا رسمياً أن الجمعة 20 مارس (آذار) هو أول أيام العيد هذا العام، واصل كثير من سكان نبل الصيام التزاماً بتوجيهات مكتب خامنئي وغيره من كبار رجال الدين الشيعة في المنطقة، مثل آية الله السيستاني.

وهناك أيضاً تعاطف واضح مع إيران في حربها الجارية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، حتى وإن كان نادراً ما يُعبَّر عنه علناً. وقد سُجّلت حالات حاول فيها ضباط من «الحرس الثوري» كانوا على تواصل مع سكان نبل والزهراء تجنيدهم كمخبرين. غير أن مثل هذه المحاولات لا يُرجَّح أن تثمر لإيران عن أي مكاسب ذات شأن، باستثناء تمكينها من إبقاء عينها على الوضع الهش الذي تعيشه الطائفة الشيعية.

متمردون علويون كوكلاء لإيران؟

أصبحت مظاهر التأييد العلني لإيران و«محور المقاومة» اليوم محصورة إلى حد كبير في وسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما بين مجموعات تعلن معارضتها للحكومة الجديدة. ومن بين هذه المجموعات «الجبهة الإسلامية للمقاومة في سوريا – أولي البأس»، وهو اسم تتبناه جهتان منفصلتان.

وقال قائد إحدى هاتين المجموعتين، المعروف باسم «أبو مجاهد»، لـ«سوريا المتجدّدة» إن مجموعته لا تتلقى دعماً من «محور المقاومة أو الإخوة في إيران، لكنها تملك بعض الأصدقاء الذين يقدمون المساعدة». وتزعم المجموعة أنها تنفذ عمليات تستهدف إسرائيل والولايات المتحدة، من بينها هجوم مزعوم في مطلع آذار/مارس على «قاعدة الشدادي الأميركية» في الحسكة، وهي قاعدة كانت القوات الأميركية قد انسحبت منها.

ورغم أن مثل هذه الادعاءات قد تكون موضع شك كبير، فإنها تشير إلى استمرار وجود شبكات صغيرة وأفراد ما زالوا يحتفظون بألفة أيديولوجية مع «محور المقاومة».

ومن الشبكات الأخرى التي تُظهر دعماً لإيران و«محور المقاومة» عبر الإنترنت «درع الساحل»، الذي يُعد على الأرجح الاسم الأكثر شهرة بين جماعات التمرد العلوية المعارضة للحكومة الجديدة، وإن لم يكن جميع المتمردين العلويين يتبنون هذا التموضع.

وقد أقرّ مضر علي، وهو عنصر سابق في «الحرس الجمهوري» من جبلة وقائد «المقاومة العلوية»، بأنه نسّق في البداية مع «درع الساحل» خلال انتفاضة آذار/مارس 2025 التي انتهت إلى مجازر الساحل. لكنه اعتبر أن اصطفاف «درع الساحل» مع إيران، التي يقول إنه يرفض «مشاريعها التوسعية الهزلية»، شكّل نقطة خلاف رئيسية بينهما.

وبرأيه، تلقّى «درع الساحل» دعماً إيرانياً قبل الانتفاضة، لكنه لم يتمكن من تأكيد ما إذا كان هذا الدعم قد استمر بعد ذلك. أما الذين يعلنون اصطفافهم مع «درع الساحل»، فلا يقرّون علناً بتلقيهم مثل هذا الدعم، وإن كانت ألفتهم الأيديولوجية مع إيران و«محور المقاومة» لا تخطئها العين.

لم يعد هناك «حزب الله»؟

تشير العمليات الأمنية المتواصلة التي تنفذها دمشق إلى استمرار وجود خلايا مرتبطة بـ«حزب الله»، تعمل إما في إطار التمرد ضد الحكومة أو في تسهيل تهريب السلاح. ففي تموز/يوليو من العام الماضي، أعلنت الحكومة تفكيك خلية تمرّد علوية في اللاذقية يقودها ماهر حسين علي، والذي أفادت التحقيقات بأنه تلقّى دعماً لوجستياً من «حزب الله».

وشمل الإعلان نفسه توقيف الوضّاح سهيل إسماعيل، قائد «فوج المخزون»، وهو فصيل تمرد علوي مرتبط بالشبكة نفسها ومنضو تحت لواء سهيل الحسن، القائد السابق لـ«قوات النمر» المدعومة من روسيا. وكان «فوج المخزون» قد توقف عن نشاطه على وسائل التواصل الاجتماعي في الشهر نفسه.

وتوجد أيضاً دلائل على أن بعض المتمردين المناهضين للحكومة يستخدمون أراضيَ في لبنان تقع تحت نفوذ «حزب الله» كملاذ آمن. وكان أبو علي سومر، قائد جماعة التمرد العلوية «فوج عزرائيل الجبل»، قد قال لـ«سوريا المتجدّدة» في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 إنه يعارض «المشروع الإيراني»، وانتقد طهران لفشلها في دعم العلويين خلال مجازر الساحل، بل وصرّح بأنه سيقبل دعماً إسرائيلياً إذا كان من شأنه أن يساعد العلويين فعلاً.

ورغم ما أعلنه من ازدراء لإيران، أفادت تقارير بأنه قُتل في ضربة إسرائيلية في لبنان في آذار/مارس.

في المجمل، يبدو أن القوة الصلبة لـ«حزب الله» في سوريا قد تراجعت إلى حدّ كبير. لكن كثيراً من الشيعة السوريين من حمص، وبعضهم مرتبط بـ«حزب الله»، هم اليوم نازحون في لبنان. وهناك أيضاً حالة مؤكدة واحدة على الأقل لمقتل سوري أثناء قتاله في صفوف الجماعة في لبنان. ويبدو أن هذه الشبكات لم تختفِ، بل تحوّل تركيزها الجغرافي.

عمق تكتيكي

من الأفضل قراءة مزاعم الدبلوماسي الإيراني السابق أمير موسوي، التي قال فيها إن «جماعات مسلحة مرتبطة بالجولاني» باتت اليوم تسهّل دعماً إيرانياً لـ«حزب الله» يفوق ما كان متاحاً خلال حكم الأسد، كتهويل خطابي. لكن ذلك لا يعني أن النفوذ الإيراني قد اختفى.

فإذا تطورت الحرب على إيران إلى مواجهة إقليمية طويلة الأمد تشمل لبنان، فإن طهران لم تعد قادرة على الاتكال على العمق الاستراتيجي الذي كانت تتمتع به سابقاً في سوريا. غير أن ما تبقّى من النفوذ هو أكثر قابلية للتكيف مع الواقع الجديد: اصطفاف أيديولوجي، وشبكات بُنيت على مدى سنوات عبر تداخل روابط الجريمة والدين والعائلة والرعاية. وهي شبكات تميل إلى البقاء، ويمكن إعادة تنشيطها حين تسمح الظروف بذلك.

سوريا المتجددة

——————————

حرب الخليج الثالثة: تجربة الحرب العراقية الإيرانية تقدّم دروساً مفيدة لدول الخليج في أزمتها الحالية

أصبحت دول الخليج اليوم في قلب حرب إقليمية مفتوحة. ومع تآكل معادلات الردع وتصاعد الهجمات الإيرانية، تجد نفسها أمام خيار صعب: إمّا أن تبقى أضراراً جانبية، أو أن تُعيد رسم قواعد الاشتباك.

خلال الحرب العراقية الإيرانية، كان خبراء عسكريون أمريكيون يشاركون بين الحين والآخر تقييمات إستراتيجية مع نظرائهم العراقيين. وقد فضّلت واشنطن آنذاك شنّ جهد جوّي شامل يهدف إلى تحقيق السيادة الجوية وتهديد البنية التحتية النفطية الإيرانية. وكان الرهان أنّ خنق إيران اقتصادياً، أو حتى التلويح بذلك بشكل جدّي، كفيل بدفع قيادتها العقائدية إلى التراجع.

غير أنّ تحليلات أكثر رصانة حذّرت من أنّ دولة نفطية عدوانية، تقع على واحد من أهم الممرّات البحرية الحيوية في العالم، لن تقف مكتوفة الأيدي أمام الضغوط الاقتصادية، بل ستسعى إلى الرد عبر تعطيل حركة الشحن واستثمار أسعار النفط كسلاح إستراتيجي.

وهذا ما حدث بالفعل. فقد استخدم العراق قوّته الجوّية، وإن لم يكن ذلك بشكل شامل، لاستهداف صادرات النفط الإيرانية، ما دفع طهران إلى الرد بالمثل في ما عُرف لاحقاً بـ«حرب الناقلات». ومع تصاعد المخاطر، أحجم مالكو السفن عن الإبحار نحو جزيرة خرج، الميناء النفطي الرئيسي لإيران، واضطرّت طهران إلى نقل نفطها عبر ناقلاتها الخاصة إلى منشأة بديلة في جزيرة لارك عند مضيق هرمز.

في هذا السياق، شهدت الحرب واحدة من أطول الضربات الجوية، حين استهدفت مقاتلتان عراقيتان من طراز «ميراجF1 » في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 1986 ناقلات نفط راسية في محطة «الفجر 2» في جزيرة لارك، مدمّرة عدداً منها. لم يكن هدف صدام حسين حرمان إيران من العائدات فحسب، بل أيضاً رفع أسعار النفط عالمياً واستدراج الولايات المتحدة إلى مواجهة مباشرة مع طهران، التي كانت تبدو آنذاك في موقع المتفوّق في الحرب. وبحلول تلك المرحلة، كان العراق قد انسحب من الأراضي الإيرانية، وأصبح هدفه يقتصر على تحقيق وقف إطلاق نار يحفظ ماء الوجه.

وقد وصف الرائد في سلاح الجو الأمريكي، ريجينالد بيركويست، هذا الصراع في دراسته بأنّه «تبادل صفعات متبادلة، مزعج وغير حاسم»، وهو توصيف استمرّ لثماني سنوات من الاستنزاف.

في نهاية المطاف، كان التدخل الأمريكي المحدود هو العامل الحاسم. فقد موّلت دول الخليج شراء العراق للأسلحة المتقدّمة، وأصبحت ناقلاتها النفطية هدفاً للألغام والزوارق الإيرانية المسلّحة. وفي 18 نيسان/أبريل 1988، نفّذت البحرية الأمريكية عملية «Praying Mantis»، التي أسفرت عن تدمير فرقاطتين إيرانيتين ومنشآت نفطية تستخدم لأغراض عسكرية، إلى جانب عدد من الزوارق السريعة.

وخلال أشهر، رضخت إيران المُنهكة. ففي تموز/ يوليو 1988، «تجرّع السم» الخميني وقبِل بالقرار الأممي 598، منهياً الحرب. ومنذ ذلك الحين، تمتّعت دول الخليج بفترة طويلة لم تواجه فيها تجارتها النفطية تهديداً مماثلاً، فيما خرج العراق مثقلاً بديون حرب بلغت 100 مليار دولار، منها 37 ملياراً مستحقّة لدول الخليج.

وكان النزاع بين العراق ودائنيه الخليجيين، وعلى رأسهم الكويت، من أبرز أسباب اندلاع حرب الخليج الأولى عام 1990 و1991.

دول في خط المواجهة

ما يميّز الحرب العراقية الإيرانية عن المواجهة الحالية، التي تسعى فيها قوة إقليمية، هي إسرائيل، إلى إضعاف أو حتى إسقاط النظام الإيراني، هو مستوى الانخراط الأمريكي المباشر. ومع ذلك، فإنّ الولايات المتحدة وإسرائيل، رغم تفوّقهما التكنولوجي والعسكري، تواجهان تحدّيات إستراتيجية شبيهة بتلك التي واجهها العراق سابقاً: قدرة إيران على امتصاص الضغوط الاقتصادية، وعلى تعويض خسائرها البشرية، حتى في مستويات القيادة العليا.

غير أنّ الفارق الأبرز، من منظور إقليمي، هو انتقال دول الخليج نفسها إلى موقع خط المواجهة. فعلى مدى عقود، قامت إستراتيجيتها على ركيزتين: الاعتماد على الحماية الأمريكية، وتمويل قوى مناوئة لإيران في ساحات بعيدة، شمالاً وجنوباً، بحيث يبقى القتال «هناك» لا «هنا».

وكانت النتيجة أن تحوّل كلّ من العراق وسوريا واليمن إلى ساحات صراع دامية. فقد قُتل نحو نصف مليون جندي في الحرب العراقية الإيرانية، وتكبّد اليمن وسوريا خسائر مماثلة في حروبهما الداخلية. أمّا اليوم، ومع سعي إسرائيل، كما يبدو، إلى تغيير النظام في إيران، فقد انتقلت ساحة المواجهة طبيعياً إلى الخليج، الذي ظلّ على الدوام «الجائزة الكبرى» في نظر حكّام إيران، من الشاه إلى الجمهورية الإسلامية.

إدراكاً لذلك، سعت دول الخليج إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع إيران، بالتوازي مع شراء مظلّة أمنية خارجية. وقبيل التصعيد الأخير، أدّت دوراً ملحوظاً في الدفع نحو حلول دبلوماسية. إلّا أنّ ذلك لم يمنع طهران من استهداف البنية التحتية للطاقة، والقواعد العسكرية، وقطاع السياحة في الإمارات وقطر والكويت والبحرين والسعودية. ووفقاً لقناة العربية، فإنّ 85 في المئة من الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت دول الخليج، من بينها 48 في المئة ضد الإمارات وحدها.

أضرار جانبية أم معادلة جديدة؟

لا شك في أنّ الهجمات الإيرانية على دول الخليج تمثّل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وترقى إلى عمل حربي، ما يمنح هذه الدول حقاً قانونياً وأخلاقياً في الدفاع عن النفس. كما أنّها امتداد لإرث «حرب الناقلات» وما رسّخته من قواعد غير مكتوبة لتنظيم أمن الطاقة في الخليج: الأولى أنّ الولايات المتحدة هي الضامن النهائي لأمن الملاحة؛ والثانية أنّ إيران قادرة على تعطيل استخدام الخليج إذا مُنعت هي من استخدامه.

ومع تفوّق القوات الأمريكية والإسرائيلية جوياً، يعود التركيز مجدّداً إلى استهداف قطاع الطاقة الإيراني، وهو ما طُرح أصلاً في ثمانينيات القرن الماضي على العراق. غير أنّ التهديد بضرب البنية التحتية الإيرانية لن يكون ذا مصداقية إلّا إذا أمكن حماية بنية الطاقة لدى الحلفاء الإقليميين. وفي عصر الطائرات المسيّرة، يبدو هذا الضمان هشّاً، إذ إنّ نسبة اعتراض تبلغ 96 في المئة لا تعني منع الاختراق بالكامل.

في ضوء ذلك، تبدو الإستراتيجية الخليجية القائمة على تجنّب التصعيد أكثر صعوبة في الاستمرار. فالولايات المتحدة ستمنح الأولوية لمصالح إسرائيل، والحرب الإيرانيةا لإسرائيلية، أو ما يمكن تسميته «حرب الخليج الثالثة» – وما أفرزته من تداعيات سلبية على الخليج، هي نتيجة مباشرة لهذا الخلل في السياسة الأمريكية.

تدمير متبادل للطاقة؟

يشير معارضو الرد الخليجي الحازم إلى احتمال الوصول إلى سيناريو «التدمير المتبادل للطاقة»، حيث تستهدف إيران البنية التحتية للجميع، وهي تدرك أنّ بنيتها ستُدمّر بالمثل. غير أنّ دروس الحرب العراقية الإيرانية توحي بأنّ هذا السيناريو يبقى مستبعداً.

فعلى الرغم من الضجيج الإعلامي الذي رافق استهداف ناقلات النفط في الثمانينيات، ظلّ استخدام القوة الجوية ضدّ منشآت الطاقة محدوداً وانتقائياً. ولم تصل الحرب في أي مرحلة إلى تعطيل كامل لإنتاج النفط أو تصديره لدى أي من الطرفين. وفي هذا الصدد، يقول الرائد بيركويست:

يمتلك الطرفان العراقي والإيراني أصولاً إستراتيجية لا يرغبان في تعريضها للتدمير، وفي مقدّمتها النفط. غير أنّ هذه الأصول تبقى عرضة للخطر، إذ تقع على مقربة من مرمى الطرف الآخر، فضلاً عن كونها أهدافاً رخوة يسهل استهدافها. فالمصافي ومناطق التخزين يمكن أن تتعرّض لأضرار جسيمة من الهجمات الجوية بالرشاشات، كما أنّ قادة ناقلات النفط يتردّدون في المخاطرة بسفنهم إذا ما وُجد احتمال جدّي لاستهدافها. وفي ظلّ عجز الطرفين عن توفير حماية كافية لهذه الأصول الحيوية، يصبح الردع المتبادل الخيار الوحيد المتاح. وعليه، فإنّ كلاً من القوة الجوية العراقية والقوة الجوية الإيرانية تؤدّيان بالدرجة الأولى دور أداة ردع، هدفها الحدّ من قدرة الطرف الآخر على توجيه ضربات إلى أهداف إستراتيجية

تستهدف إيران البنية التحتية للطاقة في الخليج لأنّ الردع قد فشل؛ فهي تُقدّر، وبقدر كبير من الصواب، أنّ دونالد ترامب لن يُخاطر بارتفاع أسعار الوقود أو ركود عالمي لمجرّد الدفاع عن دول الخليج. أمّا إسرائيل، فعلى استعداد لتأجيج الصراع، لكنّها ليست بالضرورة مستعدة للدفاع عن هذه الدول. وفي المقابل، يقف العالم العربي، المُنهك، عاجزاً عن التدخّل.

ضحايا.. أو معادلة جديدة

لإعادة ترسيخ الاستقرار، يتعيّن على دول الخليج بلورة منظومة ردع مستقلّة، قوامها ثقة إستراتيجية أعلى بالنفس، وقدرة متنامية على الاعتماد الذاتي في المجال الدفاعي. تمتلك هذه الدول بالفعل قدرات عسكرية متقدّمة، تشمل قوات جوية وبحرية قوية، وفي حالة السعودية، صواريخ باليستية، تفوق ما امتلكه العراق في عهد صدام حسين. كما تمتلك الإمارات جيشاً قادراً، نظرياً، على إعادة طرح مسألة السيادة على جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، التي تحتلّها إيران منذ عام 1971، كجزء من ردّ متناسب على الهجمات التي تستهدف مدنها بآلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة.

ويبقى السؤال: هل تقبل دول الخليج بدور الضحية، أم تُثبت أنّها ليست ساحة مستباحة؟ إنّها مواجهة لم تخترها، وستكون لها كلفة. لكن على المدى الطويل، فإنّ ترسيخ معادلة ردع واضحة قد يحقّق مكاسب إستراتيجية، أياً يكن شكل النظام الذي سيحكم إيران في المستقبل.

سوريا المتجددة،

——————————

ما بعد المنشآت والعقول النووية… لماذا تريد إسرائيل “تغيير النظام” الإيراني؟/ مايكل هوروفيتز

ضربات تل أبيب أربكت البرنامج النووي لطهران لكنها لم تُنهِه

06 أبريل 2026

ثمة مفهوم يُعرف بالمعرفة الضمنية، وهو ذلك الفهم العملي غير المكتوب الذي لا يمكن احتواؤه كاملا في المخططات أو المعادلات أو كتيبات التعليمات. فمخطط سلسلة أجهزة الطرد المركزي يبيّن ما ينبغي بناؤه، لكن أربعين عاما من الخبرة الهندسية المتراكمة هي التي تفسر لماذا يتعطل هذا النظام باستمرار، وكيف يمكن إصلاحه.

في عام 1995، نشر عالما الاجتماع في جامعة إدنبرة، دونالد ماكنزي وغراهام سبيناردي، دراسة أصبحت مرجعا في المجلة الأميركية لعلم الاجتماع، ذهبا فيها إلى أن هذا النوع من الخبرة المتجسدة والمرتبطة بالأشخاص يشكل عنصرا حاسما إلى درجة أنه إذا انقطع انتقاله من جيل إلى آخر بين مصممي الأسلحة النووية، فقد يصبح بالإمكان محو اختراع السلاح النووي نفسه. وكتب ماكنزي وسبيناردي أن إعادة تطويره لاحقا سوف تحمل بعض سمات إعادة الاختراع من جديد، وليس مجرد استنساخه.

بالنسبة لإسرائيل، فإنها راحت تختبر هذه الفكرة على نحو أقل تجريدا وأكثر مباشرة. ولذلك، لم تستهدف حملتها الأخيرة الرامية إلى تقويض البرنامج الإيراني المنشآت النووية وحدها، وإنما استهدفت أيضا المعرفة النووية نفسها ومن يحملونها. لكن هل يمكن حقا الخروج من هذا النوع من المعضلات عبر القتل؟

حملة تمتد على أربعة عقود

مضت حرب إسرائيل على البرنامج النووي الإيراني في مسارات متوازية ثلاثة، استهدفت دوائر مختلفة تتجسد فيها القدرة النووية فعليا.

استهدف المسار الأول المنشآت النووية ذاتها، عبر الغارات الجوية أو القنابل أو الفيروسات. ففي مطلع العقد الثاني من الألفية، دمّر سلاح سيبراني طورته الولايات المتحدة وإسرائيل معا، وعُرف باسم “ستكسنت”، نحو ألف جهاز طرد مركزي في منشأة نطنز، بعدما جعلها تدور بصمت بما يتجاوز حدود احتمالها. وفيما بعد، أصابت عدة عمليات- يُشتبه في أن تكون إسرائيل هي من نفذتها- أجزاء مختلفة من برنامج إيران لتخصيب اليورانيوم، وهو البرنامج الذي يحول اليورانيوم المستخرج من المناجم إلى مادة صالحة للاستخدام النووي العسكري.

أما المسار الثاني، فاستهدف أكثر صور المعرفة النووية الإيرانية مادية. ففي يناير/كانون الثاني 2018، اقتحم عناصر من الموساد مستودعا في طهران، واستولوا في ليلة واحدة على 110 آلاف وثيقة تمثل كامل الأرشيف الإيراني الخاص بالأسلحة النووية. وكشفت العملية، من حيث لا تقصد، حقيقة مهمة، هي أن إيران دوّنت جانبا كبيرا من خبرتها المتعلقة بالأسلحة على نطاق واسع. لكن التدوين شيء، والمعرفة شيء آخر.

أما المسار الثالث، فاستهدف علماء إيران النوويين أنفسهم. وبين عامي 2010 و2012، اغتال الموساد خمسة علماء نوويين إيرانيين باستخدام مسلحين على دراجات نارية وقنابل مغناطيسية لاصقة بالسيارات. وكان أكثر فصول هذه الحملة جرأة، قبل الحروب المباشرة بين إيران وإسرائيل في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، عندما قتل محسن فخري زاده، العالم الذي عدته أجهزة الاستخبارات الغربية والإسرائيلية مهندس برنامج الأسلحة النووية الإيراني، باستخدام رشاش آلي مستقل يعمل عبر الأقمار الصناعية، هُرّب إلى داخل الأراضي الإيرانية قطعة قطعة، ثم جُمِّع في الموقع.

وكان المساران الأخيران، اللذان يسعيان إلى تدمير المعرفة ذاتها، يفضيان إلى المعضلة الصلبة نفسها. فالمعدات يمكن إعادة بنائها، أما الأشخاص الذين يعرفون كيف تُبنى فلا يمكن تعويضهم بسهولة. ثم جاء عام 2025، فشهد أوسع جهد إسرائيلي لاستهداف المعرفة النووية بالقتل.

عملية نارنيا

في ليلة 12 إلى 13 يونيو/حزيران 2025، وبينما كانت مئات الطائرات الإسرائيلية تشن عملية “الأسد الصاعد” على البنية التحتية العسكرية الإيرانية ومنشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم، كانت مهمة أخرى أكثر هدوءا تجري بالتوازي. وحملت الاسم الرمزي “عملية نارنيا”، وهو اسم اختير لأنه يعكس كيف نظر كثير من المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين إلى العملية على أنها شبه مستحيلة. وفي تلك الليلة، قتل عناصر إسرائيليون، في وقت واحد، تسعة من أصل عشرة من كبار العلماء النوويين الإيرانيين، بينما كانوا نياما في منازلهم. وقُتل العاشر بعد ساعات.

وبلغ العدد الإجمالي للعلماء الذين اغتيلوا خلال حرب الأيام الاثني عشر ما لا يقل عن 14، في حين يصل العدد في بعض التقديرات إلى نحو 20. وكان من بين القتلى فريدون عباسي دواني، الرئيس السابق لمنظمة الطاقة الذرية الإيرانية، وأحد الخبراء في بادئات النيوترونات، وهي المكونات التي تطلق التفاعل النووي المتسلسل. وكان عباسي دواني قد نجا عام 2010 من محاولة اغتيال بسيارة مفخخة نفذها الموساد. كذلك قُتل محمد مهدي طهرانجي، الفيزيائي النظري ورئيس جامعة آزاد الإسلامية في إيران، وعبد الحميد منوشهر، الذي كان يرأس قسم الهندسة النووية في جامعة الشهيد بهشتي، وأحمد رضا ذو الفقاري درياني، الأستاذ البارز في الهندسة النووية والفيزياء.

ولم يكن هذا التزامن المتعمد أمرا عرضيا. فقد أوضح مسؤول إسرائيلي رفيع أن العلماء قُتلوا في الوقت نفسه لكي لا يأخذ أي منهم حذره. وكانت الاستخبارات الإسرائيلية قد حددت هذه المجموعة المؤلفة من عشرة علماء للتصفية منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2024، بعدما تعقبت عناوين منازلهم وأنماط حياتهم اليومية لأشهر. ويبدو أنهم كانوا يعتقدون أن بيوتهم آمنة، إذ إن عمليات الموساد السابقة كانت تستهدف العلماء أثناء توجههم إلى العمل. وقامت فكرة الضربات المتزامنة داخل المنازل على استغلال هذا الاطمئنان الذي كان خاطئا إلى أقصى حد.

لكن إسرائيل ذهبت أبعد من استهداف الأفراد. فقد استهدفت ضربات يونيو/حزيران 2025 أيضا الذاكرة المؤسسية للبرنامج نفسه، عبر قصف جامعة الشهيد بهشتي وجامعة الإمام الحسين، وكلتاهما متغلغلتان بعمق في المجمع النووي العسكري الإيراني. ثم قصفت أيضا مبنى ربما يكون قد ضم نسخة من الأرشيف النووي الإيراني في الطابق السفلي من مقر منظمة “SPND” في طهران، وهي جهة تضطلع جزئيا بمسؤولية البحث النووي، في ما بدا محاولة لتدمير أرشيف مادي للمعرفة المرتبطة بالأسلحة.

هذه المرة، جاء القتل على نطاق مختلف جذريا، واقترن بتحذيرات صريحة عبر وسائل التواصل الاجتماعي توعدت بالموت كل عالم يستأنف العمل في مجال الأسلحة النووية، في مسعى إلى ردع استقطاب الكفاءات ومنع استدامة هذا المسار ذاتيا. وقد أكد رد إيران أن الضغط كان حقيقيا، إذ نُقل العلماء الذين نجوا إلى فيلات محصنة في طهران على امتداد الساحل الشمالي للبلاد، وانتقلت عائلاتهم معهم، واستُبدل الأساتذة الذين كانوا يدرّسون في الجامعات.

المعرفة الموزعة

كانت إيران، بطبيعة الحال، على وعي بهذا التهديد، وقد شرعت بالتعامل معه حتى قبل “عملية نارنيا”. ففي أبريل/نيسان 2025، قال رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية الأسبق فريدون عباسي: “إن المعرفة النووية في بلادنا موزعة بين القطاعين التعليمي والبحثي، وليست محصورة في منظمة الطاقة الذرية أو مقيدة بمنشآت ومواقع بعينها تابعة لها. نحن نمارس التعليم والبحث النوويين على امتداد البلاد”.

ولم يكن ذلك من قبيل التباهي الفارغ. فكما كانت المنشآت المادية نفسها موزعة في أنحاء إيران، كذلك كانت المعرفة التقنية الإيرانية موزعة أيضا على عدد من الأفراد والمؤسسات. وبالفعل، يتوزع الجهاز النووي الإيراني بين المواقع المعلنة التابعة لمنظمة الطاقة الذرية، والمؤسسات العسكرية–التقنية التابعة لـ”الحرس الثوري”، والوحدات البحثية السرية التابعة لمنظمة “SPND”، وشبكة من الأقسام الجامعية التي تعمل تحت غطاء أكاديمي ذي استخدام مزدوج.

لهذا ركزت إسرائيل على الجانب الأكثر تحديدا في البرنامج النووي الإيراني، أي جانب التسليح. أما تخصيب اليورانيوم، وهو المسار الذي يوفر المادة الانشطارية اللازمة لصنع قنبلة أو أكثر، فقد بات أصعب بكثير على الإلغاء الكامل. صحيح أن الضربة الأميركية على منشأة فوردو العام الماضي يُرجح أنها طمرت جزءا كبيرا من اليورانيوم الإيراني المخصب، ودمرت عددا من أجهزة الطرد المركزي. لكن من المرجح أن تتمكن إيران، مع مرور الوقت، من نصب أجهزة جديدة وتأمين ما يكفي من المادة الانشطارية. في المقابل، يظل جانب التسليح غير مكتمل، إذ يتطلب تصنيع رأس حربي صغير بما يكفي، فضلا عن تصميم مفجر نووي وإجراء الاختبارات اللازمة. ومن دون استكمال هذه الحلقة، يبقى أي مسعى إيراني لامتلاك قنبلة ناقصا.

ربما يكون اغتيال عالم يعمل في مجال التسليح قد أخّر البرنامج، لكنه لا يوحي بأنه أوقفه. والأكثر إرباكا في الحسابات الإسرائيلية أن استكمال هذه المعرفة بدأ يتجاوز الداخل الإيراني حتى قبل الضربات. فقد أجرى علماء إيرانيون على صلة بمنظمة “SPND” زيارتين سريتين على الأقل إلى مؤسسات عسكرية علمية روسية خلال عام 2024، سعيا إلى تقنيات ليزر تتيح محاكاة ديناميات الانضغاط النووي من دون اختبار فعلي، وهي قدرة كانت ستمنح إيران وسيلة للتحقق من تصميم سلاح نووي من غير العلامة الكاشفة التي يتركها التفجير النووي. وأي محاولة لاكتساب المعرفة عبر أطراف خارجية، سواء من روسيا أو كوريا الشمالية، يرجح أن تتعزز بفعل الحملة الإسرائيلية على الخبرة النووية الإيرانية المحلية، بما قد يوسع هذا الجهد السري في اتجاهات يصعب ضبطها.

أين يضع هذا الأمر إسرائيل؟ إنه يضعها أمام إنجاز حقيقي، وإن ظل محدود الأثر. فقد قتلت الضربات جيلا من العلماء حمل أربعة عقود من الخبرة المتراكمة في مجال التسليح النووي، وهم أشخاص لا يمكن تعويضهم بسرعة أو بكلفة يسيرة. وهذا إضعاف فعلي، لكن أثره يُقاس بالسنوات، لا بما هو أكثر ديمومة.

أما أطروحة ماكنزي وسبيناردي عن إلغاء الاختراع، فتتطلب أمرا أشد من ذلك: لا مجرد انتكاسة، وإنما انقطاع حاسم، أي فجوة زمنية طويلة بما يكفي في العمل التصميمي النشط على امتداد جيل كامل، من دون انتقال المعرفة إلى الخلفاء. لقد قصرت إسرائيل الجدول الزمني الإيراني، وربما بعثرت تماسك جيل من الخبراء. لكنها لم تحقق، وربما لا تستطيع أن تحقق، هذا الانقطاع الكامل. فما زال لدى إيران علماء نجوا ويختبئون، وروسيا تمثل خزان خبرة خارجيا، كما أن لديها مسارا أكاديميا موزعا، ومنطقا استراتيجيا يدفعها إلى التسلح النووي وقد ازداد رسوخا تحت وطأة الهجوم.

إن قصف المعرفة النووية ممكن، ولعله ينجح في تأخير البرنامج النووي الإيراني. لكنه لم يفض إلى إزالة البرنامج من أساسه، إذ إن ذلك يتطلب حملة أوسع وأكثر استمرارا، أي حربا مفتوحة ستكون باهظة الكلفة على إسرائيل والمنطقة. وقد تكون النتيجة الملازمة لهذا الاستنتاج، من وجهة النظر الإسرائيلية، على القدر نفسه من الأهمية: فإذا كانت المعرفة اللازمة لإنتاج سلاح نووي لا يمكن القضاء عليها تماما، فإن النظام الذي قد يمتلك هذا السلاح هو الذي ينبغي إزالته.

المجلة

——————————

طريق واحد فقط لإنهاء حرب إيران/ مارك مونتغمري

7 أبريل 2026 م

لقد دمّرت الولايات المتحدة وإسرائيل العديد من الأصول العسكرية التي استخدمتها إيران لتهديد الشرق الأوسط على مدى عقود. وأفادت وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) بتنفيذ 15 ألف ضربة خلال الأيام العشرة الأولى، لم تقتصر على تدمير منصات الإطلاق والصواريخ والسفن فحسب، بل شملت أيضاً تسوية بعض مواقع الإنتاج التي كانت تُعيد تزويد ترسانة إيران بالأرض.

وسيكون من الضروري شن الهجمات لمدة لا تقل عن أسبوعين إضافيين لضمان عدم قدرة النظام الإيراني على تشكيل تهديد عسكري جدي لسنوات عدة، إن بقي قائماً أصلاً. إن دفع التهديد القادم من طهران إلى حالة من الخمود سيُعد، بلا شك، انتصاراً عسكرياً، وربما أول انتصار للولايات المتحدة على إيران منذ عام 1979.

ويدور حالياً صراع محتدم بين متطلبات تحقيق النجاح والضغط المالي الهائل الذي تفرضه الحرب على أسواق الطاقة والأسهم. النصر ممكن، لكن بشرط أن تتحمل الولايات المتحدة هذا العبء المالي إلى أن تتمكن من السيطرة على مضيق هرمز وإعادة فتح حركة التجارة.

في الوقت الراهن، تراجعت حركة الملاحة عبر المضيق بنحو 90 في المائة. وتوقفت تقريباً جميع شحنات الغاز الطبيعي المسال. كما ترسو نحو 400 ناقلة نفط عالقة في الخليج العربي غرب المضيق، غير قادرة على المغادرة، فيما يقابلها عدد مماثل من السفن على الجانب الشرقي في خليج عُمان.

وقد ارتفع سعر خام برنت، وهو المعيار المرجعي العالمي لأسعار النفط بأكثر من 50 في المائة خلال الشهر الماضي. وإذا بلغ سعر النفط 150 دولاراً للبرميل، فقد يدفع ذلك الأسواق إلى هبوط حاد. وعندها، من المرجح أن يتصاعد الضغط بشكل كبير على إدارة الرئيس دونالد ترمب لإعادة فتح المضيق.

ولن يكون فتح المضيق مهمة سهلة. إذ تستطيع إيران تهديد الملاحة البحرية باستخدام طائرات مسيّرة، لا سيما طائرات «شاهد» المحمّلة بالمتفجرات، فضلاً عن زوارق هجومية سريعة غير مأهولة. كما تمتلك صواريخ كروز تشكّل خطراً خاصاً، نظراً لأن عرض المضيق لا يتجاوز 21 ميلاً في أضيق نقطة، ما يمنح السفن الحربية الأميركية 30 إلى 40 ثانية فقط لاتخاذ التدابير الدفاعية.

وقد تعرّضت صواريخ إيران وطائراتها المسيّرة وزوارقها الهجومية بالفعل لأضرار جسيمة بفعل الضربات الجوية، ومن المتوقع أن تواصل تلقي ضربات قوية. لذلك، باتت العقبة الأكبر أمام إعادة فتح المضيق تتمثل في الألغام البحرية الإيرانية التي يبلغ حجم بعضها حجم غسالة ملابس، وتقبع بصمت في قاع البحر. وقد أدت الهجمات الأميركية إلى إخراج 16 سفينة إيرانية متخصصة في زرع الألغام من الخدمة، غير أن طهران، على الأرجح، لا تزال تمتلك مئات، وربما آلافاً، من هذه الألغام.

واجهت إدارة الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان تحدياً مماثلاً قبل نحو 40 عاماً، عندما سعت طهران إلى الضغط على دول الخليج لإنهاء دعمها للرئيس العراقي الراحل صدام حسين خلال الحرب العراقية – الإيرانية.

ففي إطار عملية «الإرادة الجادة»، رافقت سفن حربية تابعة للبحرية الأميركية ناقلات نفط كويتية في الخليج العربي لحمايتها من الهجمات الإيرانية. وقد تكللت العملية بالنجاح في نهاية المطاف، رغم أن لغماً أصاب ناقلة نفط كويتية عملاقة في القافلة الأولى في يوليو (تموز) 1987. وفي ربيع العام التالي، كاد لغم يُغرق سفينة حربية أميركية، إذ ألحق أضراراً جسيمة بهيكلها وأصاب نحو 60 بحاراً.

واليوم، يبدو التحدي أكبر، إذ تمتلك إيران ألغاماً أكثر تطوراً مما كانت عليه في ثمانينات القرن الماضي، كما تتجاهل بانتظام القواعد التي يفرضها القانون الدولي لحرب الألغام، مثل وضع علامات واضحة على المناطق الملغّمة. فبعض الألغام يستقر في قاع البحر أو يكون مثبتاً به، بينما يمكن عمل برمجة أخرى لعدّ السفن، بحيث تمر كاسحة ألغام أميركية، ثم تتبعها سفينة أخرى، قبل أن ينفجر اللغم مستهدفاً سفينة ثالثة.

وتشير التقارير إلى أن ترمب متحمس لبدء مرافقة ناقلات النفط عبر المضيق باستخدام سفن البحرية. غير أن الدرس المستفاد من عملية «الإرادة الجادة» يتمثل في ضرورة تجنّب العبور المبكر، أي قبل أن تتمكن القوات الأميركية من إزالة أكبر قدر ممكن من التهديد. فإذا كانت الألغام لا تزال في المياه، فإن إنجاز عملية إزالتها، رغم ما تنطوي عليه من جهد شاق ومخاطر، يظل أمراً ضرورياً.

لقد شاركتُ في عمليات مرافقة قوافل النفط قبل نحو 40 عاماً، وتعلّمت أنه لا وجود لحل سريع، بل إن الأمر يتطلب عملاً منهجياً يستغرق أسابيع، وليس أياماً، من المراقبة المستمرة عبر الأقمار الصناعية، إلى جانب توفير غطاء جوي من الطائرات المقاتلة والمروحيات المسلحة.

وعلى الأرجح، خلال الأسبوعين المقبلين، سيصل عدد كافٍ من المدمرات الأميركية إلى شمال بحر العرب لمرافقة السفن التجارية. وقد يكون من المفيد أن يقدّم الحلفاء سفناً حربية قادرة، لكن ذلك ليس ضرورياً على المدى القصير.

ينبغي على الرئيس ترمب أن يتذكر أن الصين تراقب عن كثب. فإذا كان الضغط في أسواق النفط كافياً لكسر عزيمة الولايات المتحدة ودفع ترمب إلى الانسحاب من الحرب، فمن المرجح أن يستنتج القادة الصينيون أن الالتزامات بالدفاع عن تايوان ليست سوى أقوال بلا أفعال.

وإذا تمكنت الولايات المتحدة من الصمود خلال الأسابيع القليلة المقبلة، فستتمكن من تقويض القدرة الحربية لإيران بشكل كامل. ومن شأن ذلك أن يفتح الباب أمام فترة من الهدوء تمتد لسنوات عدة، وهي نتيجة لم تُحققها العقوبات ولا الدبلوماسية على مدى أكثر من أربعة عقود. وخلال هذه الفترة، قد يتشكّل نظام إقليمي أفضل.

لقد بلغ الرئيس ترمب نقطة حاسمة، إذ لا يمكنه إنهاء الحرب فوراً وفي الوقت نفسه إعلان النصر. فالأمر إما هذا أو ذاك.

* خدمة «نيويورك تايمز» – أدميرال متقاعد وزميل في مركز الابتكار السيبراني والتكنولوجي الأميركي

الشرق الأوسط

——————————

 ماذا يعني أن تصبح إيران دولة فاشلة؟/ موفّق حرب

2026-04-07

ليس السؤال نظريّاً، بل هو في صلب أيّ حديث عن الحرب الدائرة اليوم، وعن التصريحات التي أطلقها الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب حين لوّح بإمكانيّة “إعادة إيران إلى العصر الحجريّ”. بين انهيار الدولة وتدميرها مسافة شاسعة، وغالباً ما يتمّ الخلط بينهما في الخطاب السياسيّ.

ليست الدولة الفاشلة، بالمعنى الدقيق، دولة مدمّرة فقط، بل دولة فقدت قدرتها على الحكم، أي أنّها لم تعد تحتكر استخدام القوّة، ولا تستطيع إدارة مؤسّساتها، ولا توفير الحدّ الأدنى من الخدمات لمواطنيها. هذا النموذج رأيناه في حالات مثل العراق بعد 2003 أو سوريا بعد 2011، حيث تفكّكت السلطة المركزيّة، وظهرت سلطات موازية، وتحوّلت الجغرافيا إلى مساحات نفوذ متنازعة.

لكن هل تنطبق هذه الشروط على إيران؟

لا تزال إيران، على الرغم من أزماتها الاقتصاديّة والعقوبات والضغوط العسكريّة، تحتفظ بدولة مركزيّة قويّة، وأجهزة أمنيّة وعسكريّة متماسكة، وقدرة على فرض السيطرة على أراضيها. بمعنى آخر، هي دولة مضغوطة، لكنّها ليست على وشك التفكّك.

انكفاء اجتماعيّ؟

من هنا يصبح الحديث عن “إعادتها إلى العصر الحجريّ” مختلفاً تماماً عن فكرة تحويلها إلى دولة فاشلة. لا يعني “العصر الحجريّ” في هذا السياق انهيار النظام، بل تدمير شروط الحياة الحديثة: الكهرباء، الاتّصالات، البنية التحتيّة، والاقتصاد، أي تحويل الدولة إلى كيان يعمل بأدوات بدائيّة، حتّى لو بقيت السلطة السياسيّة قائمة. وهنا تكمن المفارقة الأساسيّة.

تُظهر التجارب الحديثة أنّ تدمير البنية التحتيّة لا يؤدّي تلقائيّاً إلى سقوط الأنظمة. في كثير من الأحيان، يحدث العكس: كلّما ازداد الضغط الخارجيّ، تماسك النظام داخليّاً، واشتدّت قبضة الأجهزة الأمنيّة، وتراجعت أيّ إمكانيّة لتغيير سياسيّ من الداخل. يضعف المجتمع، لكنّ الدولة، بمعناها السلطويّ، تتشدّد.

يمكنك أن تدمّر دولة حديثة، لكنّك لا تضمن أن تنهار. يمكنك أن تُضعف مجتمعاً، لكنّك قد تقوّي النظام الذي تحاول إسقاطه. في الحالة الإيرانيّة، هذا ليس احتمالاً وحسب، بل هو السيناريو الأقرب

لكن ماذا عن الداخل الإيرانيّ؟ هل يمكن أن يغيّر المعادلة؟

يفرض هذا السؤال نفسه بقوّة، وخصوصاً في ظلّ تاريخ إيران الحديث الذي شهد موجات احتجاج متكرّرة من الحركة الخضراء عام 2009، إلى احتجاجات 2019، وصولاً إلى تحرّكات أوسع وأكثر جرأة مطلع هذا العام. هناك بلا شكّ تراكم في الغضب الاجتماعيّ، ناتج عن الضغوط الاقتصاديّة وتراجع مستوى المعيشة والانغلاق السياسيّ.

يمكن للحرب والضغط الخارجيّ نظريّاً أن يشكّلا محفّزاً لتحرّك داخليّ، وخاصّة إذا ترافقا مع انهيار في الخدمات الأساسيّة وفقدان الدولة لقدرتها على إدارة الحياة اليوميّة. لكن تشير التجربة عمليّاً إلى نتيجة أكثر تعقيداً: في لحظات التهديد الخارجيّ، تميل المجتمعات، حتّى الساخطة منها، إلى الانكفاء نحو الداخل، أو على الأقلّ إلى تجنّب الانفجار الشامل. أثبت النظام الإيرانيّ قدرة عالية على احتواء الاحتجاجات، عبر مزيج من السيطرة الأمنيّة دون التردّد باستعمال أقسى وسائل القمع، إعادة توزيع الضغوط وإدارة التوتّرات دون السماح لها بالتحوّل إلى تهديد وجوديّ.

التحرّك الداخليّ ممكن، لكنّ تحوّله إلى عامل حاسم في إسقاط النظام ليس مضموناً، بل قد يكون أقلّ احتمالاً في ظلّ حرب مفتوحة. لا يحرّر القصف الخارجيّ الداخل، بل غالباً ما يعقّد خياراته.

في الحالة الإيرانيّة، يبدو هذا الاحتمال أكثر ترجيحاً من سيناريو “الدولة الفاشلة”.

تمتلك إيران عناصر صمود لا تتوافر في كثير من الدول التي انهارت: هويّة وطنيّة راسخة، مؤسّسات عسكريّة منظّمة، ونظام قادر على إعادة توزيع الخسائر داخليّاً للحفاظ على بقائه. وبالتالي قد يؤدّي ضربها بقوّة إلى إفقارها وإضعافها، لكن ليس بالضرورة إلى تفكيكها.

إذا كان المطلوب إسقاط النظام، فإنّ تدمير البنية التحتيّة لا يكفي، وإذا كان المطلوب ردع إيران، فإنّ دفعها إلى حافة الانهيار قد لا يجعلها أقلّ خطورة بل أكثر

التباسٌ عميق؟

الأخطر أنّ هذا المسار قد ينتج نتيجة معاكسة تماماً لما يُفترض أنّه الهدف. بدلاً من إنهاء التهديد، قد تتحوّل إيران إلى نموذج أكثر عدوانيّة في الحرب غير المتكافئة، أقلّ اعتماداً على بنيته التحتيّة، وأكثر ميلاً لاستخدام أدوات مثل الوكلاء والصواريخ والهجمات السيبرانيّة، أي لا تختفي الدولة، بل تعيد تعريف نفسها فاعلاً صعب الاحتواء.

إقليميّاً، لا يعني ذلك نهاية الصراع، بل بداية مرحلة أكثر غموضاً.

قد تدفع دولة إيرانيّة مُنهكة لكن متماسكة المنطقة إلى حالة “فوضى مُدارة”، حيث لا حرب شاملة ولا سلام مستقرّ، بل سلسلة من المواجهات المفتوحة، التوازنات الهشّة، والأسواق المضطربة، وخصوصاً في ظلّ حساسيّة الممرّات الحيويّة مثل مضيق هرمز.

في النهاية، يكشف الجمع بين فكرتَي “الدولة الفاشلة” و”العصر الحجريّ” عن التباس عميق في تعريف الهدف من الحرب.

إذا كان المطلوب إسقاط النظام، فإنّ تدمير البنية التحتيّة لا يكفي، وإذا كان المطلوب ردع إيران، فإنّ دفعها إلى حافة الانهيار قد لا يجعلها أقلّ خطورة بل أكثر.

الدرس الذي يتكرّر هنا بسيط، لكنّه غالباً ما يُتجاهل: يمكنك أن تدمّر دولة حديثة، لكنّك لا تضمن أن تنهار. يمكنك أن تُضعف مجتمعاً، لكنّك قد تقوّي النظام الذي تحاول إسقاطه. في الحالة الإيرانيّة، هذا ليس احتمالاً وحسب، بل هو السيناريو الأقرب.

أساس ميديا

—————————

 المكاسب والخسائر: تقييم مسارات الحرب على إيران

حققت الأطراف الثلاثة الرئيسية المتحاربة، الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر، عددًا من المكاسب ومُنيت بعدد من الإخفاقات، لكن لم يصل أي منها إلى الاقتناع بأن الجدوى المرتجاة لم تعد تبرر التكاليف المطلوبة.

6 أبريل 2026

ألقى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، خطابه الرئيس حول الحرب على إيران، فجر الخميس، 2 أبريل/ نيسان، اليوم الثالث والثلاثين من العمليات العسكرية. ولكن الخطاب، الذي كان يترقبه الأميركيون، كما دول وشعوب العالم الأخرى، لم يأت بكثير من الجديد على التصريحات التي كان الرئيس نفسه ووزيرا خارجيته وحربه قد أطلقوها في الأيام القليلة الماضية. وهذا، ربما، ما تسبب في ردِّ فعل أسواق المال والطاقة السلبي على الخطاب، والذي كانت تهدئة الأسواق أحد أهدافه المضمرة.

حاول الرئيس في خطابه إلى الشعب الأميركي، متأخرًا بلا شك، تسويغ الحرب؛ الأمر الذي كان يفترض أن يفعله في بداية الحرب. وفي محاولة لتوكيد رسالة النصر التي حملها الخطاب، أنكر الرئيس أن يكون تغيير النظام الإيراني هدفًا للحرب. وأكد، في المقابل، أن الحرب حققت فعلًا أهدافها الإستراتيجية، سيما تلك المتعلقة بتدمير مقدرات إيران النووية والسلاح التقليدي والصناعات العسكرية. وعاد إلى تكرار ما كان قد أشار إليه من قبل بأن الهجمات على إيران ستستمر لأسبوعين أو ثلاثة آخرين، بدون أن يلزم نفسه بنهاية قاطعة للحرب.

ولأن الواضح أن المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، والتي تكررت المبالغات الأميركية في تصويرها، لم تحرز تقدمًا كبيرًا، وجَّه الرئيس للقيادة الإيرانية تهديدات صريحة بالتصعيد. قال الرئيس بأنه ما لم يتم التوصل إلى اتفاق، (والمقصود هنا الاتفاق على أساس المطالب الأميركية)، فإن الأسابيع القليلة المقبلة ستشهد تصعيدًا في الهجمات الأميركية على إيران، وتدميرًا شاملًا لكافة مواقع توليد الطاقة.  

صناعة انطباع بالنصر سبق أن حاولها رئيس الحكومة الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في خطاب له، يوم 31 مارس/آذار، بعد أن أدرك على الأرجح أن شريك الحرب الأميركي، وصاحب الكلمة الأعلى، يوشك على إنهائها. كان نتنياهو أعلن الانتصار في خطاب يوم الحرب العشرين، ولكن ادعاءه الأخير بأنه نجح في تدمير إيران ومقدراتها النووية والعسكرية كان مدويًّا. والملاحظ، أن نتنياهو، الذي لم ينفك عن تكرار القول بأن الحرب هي في حقيقتها حرب وجودية، أعلن في خطاب النصر أن إيران لم تعد تشكل خطرًا وجوديًّا على إسرائيل.

كما كافة جوانب هذه الحرب، ابتداءً من مبرراتها وأهدافها وكيفية إدارتها، ليس من الممكن التيقن من أنها ستنتهي فعلًا خلال أسبوعين أو ثلاثة. ولكن إعلانات النصر في واشنطن وتل أبيب لابد أن تستدعي أسئلة ضرورية حول ما أنجزته أطراف الحرب الثلاثة الرئيسة، الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وما أخفقت في تحقيقه حتى الآن. كما تستدعي أسئلة أخرى حول الشروط التي لابد من توافرها، أو غيابها، لتسويغ نهاية الحرب، أو استمرارها بصور مختلفة عن الصورة التي اتخذتها منذ اندلاع النيران، في 28 فبراير/شباط.

إنجازات أميركية/إسرائيلية

حققت الحرب الأميركية/الإسرائيلية في أسابيعها الخمسة إنجازات ملموسة بالفعل. ولكن معظم هذه الإنجازات تعلقت بالجانب العسكري البحت، أو بقائمة اغتيال قادة النظام. كانت هذه حربًا جوية كلية، شملت قصفًا بالطائرات المقاتلة، بالصواريخ الموجهة، وبالطائرات المسيرة. وتجنبت، حتى نهاية أسبوعها الخامس على الأقل، الغزو البري والاشتباك المباشر. وإن أُخذت التقديرات الأميركية والإسرائيلية في الاعتبار، وليس ثمة مبرر للتشكيك فيها، يبدو أن الهجمات على إيران أصابت ما لا يقل عن 18 ألف هدف متنوع في أنحاء البلاد المختلفة.

نجحت الهجمات الأميركية/الإسرائيلية في اغتيال عدد من كبار قادة البلاد، بمن في ذلك المرشد الأعلى، آية الله خامنئي، ورئيس مجلس الأمن القومي، علي لاريجاني، وقائد قوات الحرس الثوري، وقائد القوات البحرية في الخليج وبحر العرب. كما اغتيل عدد يصعب تحديده من كبار ضباط الحرس والجيش، وجهاز الاستخبارات، والأمن الداخلي.

دمَّرت الهجمات الأميركية/الإسرائيلية في الأسبوع الأول من الحرب عددًا كبيرًا من الدفاعات الجوية الإيرانية، واستطاعت السيطرة على الأجواء الإيرانية بشكل كبير وإن اتضح بعد مرور ستة أسابيع على الحرب أن إيران قادرة على إصابة طائرات حربية وإسقاط بعضها. وخلال الأسابيع التالية، استهدفت الهجمات معسكرات للجيش والحرس، على الرغم من أن أغلبها كان أُفرغ من قبل، ومواقع تمركز ومنصات إطلاق للصواريخ، ومصانع عسكرية ومدنية في مختلف أنحاء البلاد. كما ادَّعى الإسرائيليون أنهم دمروا العديد من مواقع تصنيع الصواريخ.

أما على صعيد المشروع النووي، فالأرجح أن مركز إنتاج الماء الثقيل في آراك قد تعرض لتدمير فادح. ولكن المواقع النووية الرئيسية الأخرى، التي سبق أن استُهدفت في حرب الاثني عشر يومًا، فليس من الواضح ما إن كان قد جرى استهدافها من جديد. معمل بوشهر النووي المدني، الذي تواجد فيه خبراء روس، تعرض لضربتين غير مباشرتين على الأقل؛ ولكن الأرجح أن المقصود لم يكن تدميره، بل مجرد التهديد وإيقافه عن العمل.

استهدفت حملات القصف، خصوصًا تلك التي تعهَّدها الإسرائيليون، عددًا كبيرًا من المنشآت الاقتصادية والصناعية المدنية. وربما كان تدمير مجمع إنتاج الصلب قرب أصفهان، أحد أكبر مصانع الصلب في الشرق الأوسط وفخر القاعدة الصناعية الإيرانية، في 27 مارس/آذار، أحد أبرز إنجازات الحرب في جانبها الإسرائيلي. ولكن الحرب استهدفت كذلك مصانع أدوية وكيماويات وبتروكيماويات، ومصانع وسائل نقل عسكرية ومدنية. ووصل التدمير -إضافة إلى ذلك- مراكز أبحاث وجامعات ومدارس، ومراكز أبحاث طبيعة، ادَّعى الإسرائيليون أنها مزدوجة الاستخدام، أو أنها توفر الدعم للجهود النووية وتطوير سلاح الصواريخ.

كما تولَّى الأميركيون، على وجه الخصوص، تدمير كافة قطع الأسطول الإيراني الرئيسة في الخليج وبحر العرب. ويُعتقد أن ما تبقى للبحرية الإيرانية يقتصر على الزوارق الصغيرة-السريعة، التي أعدتها قوات بحرية الحرس للهجمات المحدودة والمفاجئة، وجرى الاحتفاظ بها في مناطق ساحلية محصنة.

ولأن حزب الله وقوى من الفصائل العراقية الشيعية دخلت الحرب إلى جانب إيران، فقد استهدفت الهجمات الأميركية/الإسرائيلية العراق ولبنان كذلك. في لبنان، الذي هو أصلًا ساحة عمل عسكري إسرائيلي، جرى اغتيال عدد من قادة أجنحة حزب الله المسلحة. وقام سلاح الجو الإسرائيلي بتدمير واسع النطاق لمعظم بلدات وقرى الشريط اللبناني الحدودي وضاحية بيروت الجنوبية، وتهجير ما يقارب المليون من السكان، بحجة استهداف مواقع ومراكز تابعة للحزب. كما تقدمت القوات الإسرائيلية، بعمق يقارب العشرة كيلومترات داخل الحدود اللبنانية جنوبي الليطاني، وإن ببطء ملحوظ نظرًا للمقاومة التي تواجهها القوات المتقدمة من مسلحي حزب الله.

في العراق، تعرضت مقار فرق ومواقع للحشد الشعبي، في جنوب وشمال وغرب العراق، لعدد من الغارات الأميركية والإسرائيلية، نجم عنها دمار للمواقع وقُتل بفعلها عشرات من عناصر الحشد. كما نُفِّذت عمليات اغتيال لعدد من قيادات بعض الجماعات العراقية المعروفة بصلاتها الوثيقة مع إيران. ولكن، وللعلاقات الملتبسة التي تربط العراق الرسمي بالولايات المتحدة، تجنَّب كل من الأميركيين والإسرائيليين تعهد هجمات تدميرية واسعة النطاق على العراق، كتلك التي نُفِّذت ضد إيران ولبنان.

إخفاقات أميركية/إسرائيلية

ليس ثمة شك في أن هدف الحرب الحقيقي أميركيًّا كان تغيير النظام في إيران، على طريقة فنزويلا، ومن ثم تغيير وجهة النظام الإستراتيجية على صعيد علاقاته بالولايات المتحدة وإسرائيل، ومن ثم التوصل إلى اتفاق مع الحكام الجدد حول كافة المسائل الأخرى، بما في ذلك المشروع النووي والنفوذ الإيراني في الشرق الأوسط. إسرائيليًّا، كان الهدف هو تدمير نظام الجمهورية الإسلامية واقتلاعه من جذوره، حتى إن أفضى انهيار النظام إلى اندلاع حرب إيرانية أهلية، وفقدان المركز السيطرة على أطراف البلاد.

كلا الهدفين لم يتحقق. ولابد أن تُفهم تصريحات الرئيس ترامب المتناقضة، مرة حول إنكار وجود هدف مسبق لتغيير النظام، ومرة أخرى حول وقوع التغيير فعلًا، في ضوء هذا الإخفاق. ما جرى، أن عمليات اغتيال عدد من قادة البلاد السياسيين والعسكريين لم ينجم عنها سوى تصعيد قادة جدد إلى المواقع الشاغرة، ليس ثمة شك في أن بعضهم يبدو أكثر إيمانًا بالجمهورية الإسلامية وأكثر راديكالية في التعامل مع أعدائها في الداخل والخارج، على السواء.

أخفقت إدارة الحرب في تحريك قوى إيرانية معارضة للضغط على النظام، على الرغم من وجود إيرانيين جُنِّدوا من قبل وتعاملوا استخباراتيًّا مع الإسرائيليين. وأخفقت محاولة تجنيد قوى معارضة مسلحة في الخارج، سيما في شمال العراق، لدفعها إلى داخل إيران بهدف إرباك أو تقويض نظام الحكم الإيراني وقدرته على الحكم والسيطرة. وربما كانت المبالغة الإسرائيلية في حساب قوة وفاعلية المعارضة الكردية الإيرانية المسلحة، أبرز مؤشرات الفشل الاستخباراتي الإسرائيلي على هذا الصعيد.

لم يستطع الأميركيون احتواء الرد الإيراني على الحرب، سيما الاستهداف الإيراني لدول الجوار، الخليجية منها، أو العراق والأردن. كما شهدت مجريات الحرب فشلًا استخباراتيًّا فادحًا في التقديرات الأميركية/الإسرائيلية لإمكانيات إيران العسكرية، سيما في مجال سلاح الصواريخ، التي تستمر إيران في استخدامها بدون أي تراجع ملموس على الرغم من الدعاوى الأميركية/الإسرائيلية بتدمير معظم مخزونها ومراكز تصنيعها.

وأخفق الإسرائيليون على وجه الخصوص في تقدير ما حققوه في الحرب السابقة على حزب الله، وفي توقع قدرة الحزب على التعافي بعد وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية، في أواخر 2024. لم يُظهر الحزب أن مخزونه من الصواريخ يفوق كل الحسابات الإسرائيلية، وحسب، بل أن جناح الحزب العسكري وهرمه القيادي لم يزل متماسكًا.

هذه الإخفاقات، السياسية والعسكرية معًا، هي ما دفع واشنطن إلى التخلي عن هدف تغيير النظام، وإعطاء الأولوية للتوصل إلى اتفاق مع الإيرانيين، يلبي المطالب الأميركية. في الجانب الآخر، ولأن الإسرائيليين أدركوا أن الحرب لن تفضي إلى إسقاط النظام، فقد انتقلوا إلى سياسة تدمير المقدرات الصناعية والاقتصادية والعلمية، بهدف إخراج إيران من الحرب في حالة من الإنهاك والشلل الاقتصاديين، وإفساح المجال لانفجار اجتماعي-سياسي.

إنجازات إيران وإخفاقاتها

أظهرت إيران ثباتًا سياسيًّا أمام الهجمات الهائلة التي تعرضت لها، سيما خلال الأسابيع الأولى من الحرب. حافظ النظام الإيراني على وجوده وتماسكه، وعمل على احتواء الضربات التي أصابت مؤسساته القيادية، بدون تراجع ملموس في مظاهر الحكم والسيادة في كافة أنحاء البلاد. وربما كان هذا الثبات والتعافي السريع أحد أبرز إنجازات النظام الإيراني حتى الآن.

نجح النظام في توظيف أدوات الحرب غير المتكافئة، سواء في الاستخدام الكثيف لسلاح الصواريخ، سيما الصواريخ العنقودية ومتعددة الرؤوس، أو في قرار إغلاق مضيق هرمز الانتقائي. ولأن إغلاق المضيق الانتقائي كان من عواقب الحرب ذاتها، وللأثر الكبير الذي تركه الإغلاق على الاقتصاد العالمي، فقد أضاف ورقة ضغط أخرى في يد المفاوض الإيراني. ولكن، وإن تحول إغلاق هرمز إلى عبء سياسي على الولايات المتحدة، وعلى علاقات واشنطن بحليفاتها الأوروبية على وجه الخصوص، فالأرجح أن الإغلاق أفاد الولايات المتحدة اقتصاديًّا، بعد أن ارتفعت أسعار النفط وتزايد الطلب على النفط الأميركي، لكن من جانب آخر أدى إلى ارتفاع أسعار البنزين والطاقة على المستهلك الأميركي.

والواضح، أن الفصائل المسلحة الحليفة لإيران نجحت فعلًا في حشد ونشر قوة رادعة لمجموعات المعارضة الإيرانية المسلحة، سيما المجموعات الكردية في الجانب الغربي من الحدود مع العراق، والتي تواترت التقارير حول وجود اتصالات إسرائيلية ببعض منها منذ ما يزيد عن عام قبل اندلاع الحرب. 

وبغضِّ النظر عن الاتهامات التي طالما وُجِّهت لنظام الجمهورية الإسلامية باتباع سياسات طائفية لتوسيع نطاق النفوذ الإقليمي، وعدم اكتراث باستقرار دول الجوار الإقليمي، فقد نجح الإيرانيون في توظيف حلفائهم في لبنان والعراق لخدمة وتعزيز الرد على الحرب. شكَّل حزب الله تهديدًا لأمن إسرائيل منذ أيام الحرب الأولى، بينما استُخدمت الفصائل العراقية الموالية لإيران لتهديد مواقع التواجد الأميركي في العراق، وتهديد مواقع القوى الكردية الإيرانية المعارضة، إضافة إلى قيادات كردية عراقية رئيسية، اتُّهمت بتوفير مظلة حماية للأكراد الإيرانيين. كما يعتقد أن الفصائل العراقية شاركت في الهجمات على دول الخليج، سيما الكويت.

ولكن إخفاقات إيران في إدارة الحرب لم تكن أقل أثرًا.

ما أرادته إيران من توسيع نطاق الحرب إلى دول الخليج والعراق كان بالتأكيد مضاعفة تكاليف الحرب، سيما للولايات المتحدة التي تتحمل مسؤولية بدء الحرب وتُعَد قوة كبرى صديقة لدول الخليج. ولكن، وبخلاف تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يعادل خُمس حاجات العالم من النفط، إلى جانب نسبة ملموسة من الأسمدة والمواد الكيماوية الصناعية الأخرى، لا يبدو أن الولايات المتحدة أو إسرائيل أظهرت أي اكتراث بالأذى الذي أصاب دول الخليج. حَسِبَ الإيرانيون أن التهديد باستهداف البنية التحتية المدنية في دول الخليج إن استُهدفت مثيلتُها في إيران، سيشكِّل ردعًا لإدارة الحرب الأميركية/الإسرائيلية. ولكن قد يكون استمرار الهجمات على المواقع الصناعية والبحثية الإيرانية يدل على أن الإسرائيليين والأميركيين يرحبون في الحقيقة بتزايد مستوى العداء بين إيران وجوارها العربي.

أما على المستويين، العسكري والأمني، فقد عانت إيران من إخفاقات متعددة الأوجه.

كان من المفترض بعد حرب الاثني عشر يومًا أن تقوم إيران بتحديث أنظمة الدفاع الجوي، وأن تعالج الخلل الذي كشف عن فشل هذه الأنظمة في التعامل مع الهجمات الجوية الإسرائيلية طوال أيام الحرب. ولكن ما يبدو أن جهود إيران في هذا المجال، بغضِّ النظر عن مصدر الأنظمة، لم توفر الحماية الضرورية من الهجمات الأميركية/الإسرائيلية، التي استهدفت ليس طهران وحسب، بل مختلف أنحاء البلاد، بما في ذلك مواقع بالغة الحساسية، عسكريًّا واقتصاديًّا. ولم تتمكن إيران من إصابة طائرتين أو ثلاث طائرات أميركية إلا في أسبوع الحرب الخامس، في دلالة ربما لدعم تقني واستخباراتي قُدِّم للإيرانيين في الأسابيع القليلة الماضية من روسيا والصين وكوريا الشمالية. ولكن من غير الواضح بعد إن كانت هذه نجاحات مستديمة، وأن مدى إصلاح أو تحديث دفاعات إيران الجوية يغطي كافة أجواء البلاد.

أمنيًّا، كان ثمن الإخفاق الإيراني باهظًا؛ فقد أظهرت الحرب حتى الآن أن الاختراق الاستخباراتي الأجنبي لإيران يصل مستويات مختلفة من نظام الحكم، ومجالات واسعة من الحياة الإيرانية. كافة القيادات الإيرانية الرئيسة، السياسية والعسكرية، جرى اغتيالها بفعل إخفاقات أمنية، سواء تلك المستندة إلى عملاء أو إلى اختراقات لأنظمة الرقابة والاتصال. كما كشفت الحرب عن أن الأميركيين والإسرائيليين كانوا قد أعدُّوا بنك أهداف لآلاف من المواقع الإيرانية العسكرية والصناعية والاقتصادية في عموم البلاد.              

ملامح نهاية الحرب

السؤال الذي تفرضه هذه المرحلة من الحرب هو ما إن كان حجم إنجازات وإخفاقات الحرب سيدفع كلًّا من أطراف الاشتباك الثلاثة إلى طلب، أو ترجيح طلب إنهاء الحرب. بمعنى، هل بات من الممكن للإدارة الأميركية، أو ربما حتى الحكومة الإسرائيلية، أن ترى أنها حققت ما يكفي من الإنجازات للإعلان عن نهاية الحرب أو أن الحرب، من الجانب الآخر، أوقعت في إيران ما يكفي من الإصابات للموافقة على نهاية ما من الحرب، حتى إن لم تتوافق هذه النهاية كلية مع المطالب الإيرانية الأساسية؟

في 3 أبريل/نيسان، نشر وزير الخارجية الإيراني الأسبق، محمد جواد ظريف، والذي يشار إليه أحيانًا بوصفه أحد الشخصيات المقبولة غربيًّا في إيران، مقالة في الفورين أفيرز الأميركية. قال ظريف في مقاله إنه بات لإيران اليد العليا في المواجهة، وإن على القيادة الإيرانية بالتالي التوجه لإنهاء الحرب، تجنبًا لمزيد من الخسائر في الأرواح والمنشآت. طرح ظريف أيضًا مقترحًا لما يمكن أن يرتكز إليه وقف الحرب من استجابة لمطالب أطرافها المختلفة، بدون أن يأتي بأي إضافة على الاتفاق النووي الذي سبق أن وقَّعه مع إدارة أوباما. ولكن الأرجح أن ظريف لا يعبِّر في مقاله عن موقف القيادة الإيرانية، ولا يبدو أنه حصل على موافقة الإيرانيين أو الأميركيين على مقترح الاتفاق الأولي الذي يطرحه.

من جهة أخرى، ما يمكن استنتاجه من خطاب الرئيس ترامب الأخير، على الرغم من صعوبة التيقن من دلالات تصريحات الرئيس دائمًا، أن واشنطن باتت تربط النهاية القاطعة للحرب بالتوصل إلى اتفاق شامل مع الإيرانيين حول كافة المسائل العالقة. ثمة مؤشرات على أن الرئيس بات يدرك صعوبة تغيير النظام الإيراني أو إطاحته، وأنه في المقابل يريد التوصل إلى اتفاق مع الإيرانيين، يستجيب للمطالب الأميركية فيما يتعلق بالتخلص من كمية اليورانيوم عالي التخصيب، وتحديد مدى الصواريخ الإيرانية، وتخلي الإيرانيين عن حلفائهم في الجوار الإقليمي. ولكن الإسرائيليين لا يظهرون أي اهتمام بالاتفاق، ويرون أن الشراكة مع الولايات المتحدة في الحرب توفر فرصة غير مسبوقة لاستمرار المواجهة مع النظام الإيراني إلى أن يُقتلع نظام الجمهورية الإسلامية كلية، أو يصل إلى حافة الهاوية.

المشكلة، أن الحرب، بالرغم من الدمار الهائل الذي أوقعته، لم تزد الإيرانيين إلا ثقة بالنفس. يرى الإيرانيون أن صمودهم وتماسك نظامهم يستدعيان موقفًا أكثر صلابة في المفاوضات، وليس الاستسلام للمطالب الأميركية. وهذا ما يفسر البطء البالغ في عملية التفاوض غير المباشرة، التي تجري عبر وسطاء. الأكثر من ذلك، أن الإيرانيين، وفي مقابل سقف المطالب الأميركية العالية، أضافوا إلى موقفهم بخصوص الملف النووي، مطالب أخرى حول رفع كامل للعقوبات، والسيادة على مضيق هرمز، وضمانات بوقف الاعتداء نهائيًّا، ووقف الحرب في الجبهة اللبنانية، وخروج القوات الأميركية من الجوار.

في ساحة صراع بالغة التعقيد، ومتعددة الأطراف، وواسعة الأثر، يجب ألا يستبعد دائمًا احتمال التوصل إلى اتفاق، سيما إن أدركت الأطراف العواقب الكارثية لاستمرار الحرب، وأبدت استعدادًا للتنازل عن سقف مطالبها. وقد أعلنت الخارجية القطرية، في 31 مارس/آذار، أنها مستعدة للمساعدة في المفاوضات الإيرانية-الأميركية. وقد توالت عدة تقارير عن إسهام بعض دول الجوار الإيراني في دفع الأطراف المتحاربة إلى التفاوض.

المؤكد أن النافذة الزمنية المتاحة للتوصل إلى اتفاق هي نافذة ضيقة؛ وإن لم ينجح الطرفان في تجاوز مساحة الخلاف خلال أيام قليلة، فإن وتيرة الحرب تتجه إلى التصعيد، بما في ذلك تعرض إيران لغزو أميركي محدود.

ليس ثمة شك أن الحرب تداعت، على الأقل في الجانب الأميركي، من انتهائها في بضعة أيام إلى أسابيع، تلقائيًّا، بفعل الأخطاء الفادحة في التقديرات الأميركية والإسرائيلية للموقف الإيراني، ولقدرة إيران على الصمود والرد. لذا، فإن لم يكن الاتفاق ممكنًا، ربما خلال أسبوع الحرب السادس، فربما تشرع الإدارة الأميركية في تنفيذ التهديدات باستهداف البنية التحتية المدنية لإيران، و”إعادتها إلى العصر الحجري”، كما هو التعبير الذي استخدمه الرئيس ترامب، لكن تَحُول دون ذلك اعتبارات أميركية بارتفاع أسعار الطاقة، فترتفع الأسعار في أميركا، وقد تتحول إلى سخط شعبي على إدارة ترامب وحزبه الجمهوري.

لذلك، ثمة احتمال، بالطبع، لأن يعلن الرئيس الأميركي مجرد وقف لإطلاق النار خلال أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، نظرًا لآثار الحرب السلبية على الرأي العام الأميركي، سواء في المجال الاقتصادي، أو لقرب آجال انتخابات الكونغرس النصفية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، أو لتجنب العودة إلى الكونغرس إن استمرت الحرب لأكثر من ستين يومًا. ولكن وقفًا لإطلاق النار لا يعني حلًّا نهائيًّا للمواجهة الأميركية-الإيرانية المستمرة منذ عقود، وقد يترك الباب مواربًا لاستئناف الحرب بصورة مختلفة عن الصورة التي اتخذتها في مرحلتها الأولى.

كما أن هناك جانبًا آخر للحرب يبدو وكأنه يغيب عن الحسابات. فحتى إن توقفت الحرب باتفاق، أو نصف اتفاق، أو بمجرد وقف لإطلاق النار، والتزم الإسرائيليون بالموقف الأميركي في الجبهة الإيرانية، فالمؤكد أن الإسرائيليين لن يوقفوا الحرب على حزب الله، وليس ثمة مؤشر على أنهم يخططون للانسحاب قريبًا من مواقع توغلهم في الجنوب اللبناني. وسيصعب على إيران، في المقابل، إيقاف النار مع الإسرائيليين فيما يتعرض حلفاؤهم في لبنان للقصف، ويتعرض الجنوب اللبناني للإبادة.

مركز الجزيرة للدراسات

————————-

 إغلاق مضيق هرمز: هذه مكاسب الدول التي امتلكت البديل

الاثنين 2026/04/06

شكّل إغلاق مضيق هرمز صدمة كبيرة للاقتصاد العالمي إثر تقييد حركة النقل في المضيق، وخصوصاً النفط. غير أنّ بعض الدول حقّقت مكاسب بفعل ارتفاع أسعار النفط، وتحديداً إيران والسعودية وسلطنة عُمان، في حين تلقّت بعض الدول خسائر بفعل تراجع صادراتها. وأتت المكاسب والخسائر تحت مظلة امتلاك بديل عن هرمز لتصريف الإنتاج، أو عدم امتلاكه.

وبحسب تحليل أجرته وكالة رويترز حول إغلاق مضيق هرمز وما نتج عنه من قفزة في أسعار النفط العالمية، فإنّ الإغلاق منح إيران وسلطنة عُمان والسعودية مكاسب مالية غير متوقعة، بينما خسرت دول أخرى تفتقر إلى مسارات شحن بديلة مليارات الدولارات.

إغلاق مضيق هرمز

أغلقت إيران مضيق هرمز فعلياً بعد اندلاع ​الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها في 28 شباط. ويمر نحو خمس تدفقات العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال عبر هذا الممر المائي الضيق. وقالت إيران لاحقاً إنها ستسمح بعبور السفن التي لا تربطها صلات بالولايات المتحدة ‌أو إسرائيل، وبالتالي تمكنت بعض الناقلات من عبور المضيق، لكن أسواق الطاقة لا تزال تعاني من اضطرابات غير مسبوقة. وارتفع سعر خام برنت 60 بالمئة في آذار ليسجل زيادة شهرية لم يسبق لها مثيل. وتوعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيران “بالجحيم” إذا لم تتوصل بحلول نهاية يوم غد الثلاثاء إلى اتفاق يسمح بعودة حركة الملاحة عبر المضيق.

عائدات النفط تحددها الجغرافيا

في حين يواجه جزء كبير من العالم موجة تضخم وأضرار اقتصادية جراء ارتفاع أسعار الطاقة، فإن أثر ذلك على الدول المنتجة للنفط في الشرق الأوسط يتوقف على موقعها الجغرافي. وتسيطر إيران على المضيق، غير أن عُمان والسعودية والإمارات بوسعها تجاوز هذا ​الممر عبر خطوط أنابيب وموانئ. في المقابل، تعطل تصدير نفط العراق والكويت وقطر، إذ تفتقر هذه الدول إلى مسارات بديلة للوصول إلى الأسواق العالمية.

وقال مسؤول إيراني لرويترز بعد أحدث تهديد ترامب إن إيران لن تفتح المضيق مقابل وقف مؤقت لإطلاق ​النار. ورفضت طهران المهل السابقة التي حددتها ترامب وقالت إنها لن تقبل الإذلال. وذكر بعض المحللين أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران عززت بشكل أو بآخر من قوة طهران.

وقال نيل كويليام الباحث ⁠في مركز تشاتام هاوس للأبحاث “بما أنه تم إغلاق مضيق هرمز، فيمكن إغلاقه مراراً، وهذا يشكل تهديداً كبيراً للاقتصاد العالمي. خرج المارد من القمقم”.

ووصفت وكالة الطاقة الدولية الحرب بأنها أكبر صدمة للعالم حتى الآن فيما يتعلق بإمدادات الطاقة، وأشارت إلى توقف إنتاج أكثر ​من 12 مليون برميل يومياً في المنطقة وإلحاق أضرار بنحو 40 منشأة للطاقة.

وخلص تحليل أجرته رويترز لبيانات صادرات آذار، إلى أن الإيرادات التقديرية الإسمية لصادرات النفط لكل من العراق والكويت هبطت بنحو ثلاثة أرباعها على أساس سنوي. وفي المقابل، ارتفعت إيرادات إيران ​37 بالمئة، وعُمان 26 بالمئة. وزادت إيرادات السعودية النفطية 4.3 بالمئة، بينما انخفضت إيرادات الإمارات 2.6 بالمئة، إذ عوضت قفزة الأسعار انخفاض الكميات.

وتستند هذه التقديرات إلى أحجام الصادرات الواردة من شركة كبلر المتخصصة في تتبع حركة الشحنات وبيانات مبادرة البيانات المشتركة للنفط (جودي)، حيثما توفرت، مضروبة في متوسط أسعار خام برنت، ومقارنة بمستوياتها قبل عام.

واستُخدم خام برنت للتبسيط، رغم أن تسعير كثير من هذه الخامات يستند حالياً إلى خامات قياسية أخرى يجري تداولها بعلاوات سعرية كبيرة فوقه.

إيرادات أعلى للسعودية

بالنسبة للسعودية، يعني ارتفاع الأسعار زيادة في الإتاوات والضرائب التي تحصلها من شركة النفط الحكومية أرامكو، المملوكة في معظمها للحكومة ​ولصندوق الثروة السيادي للمملكة (صندوق الاستثمارات العامة).

ويُعد هذا الارتفاع إيجابياً للمملكة على وجه خاص، لا سيما بعد الإنفاق الكبير على مشاريع تهدف إلى تنويع مصادر دخلها بعيداً عن النفط، مما أدى إلى تفاقم عجز الموازنة.

وامتنعت أرامكو عن التعليق عند سؤالها عن حسابات رويترز. ولم ​يرد ممثلو الدول الأخرى أو شركات النفط التابعة لها بعد على طلبات للتعليق.

خط أنابيب سعودي

خط أنابيب شرق-غرب، الذي يبلغ طوله 1200 كيلومتر، هو أكبر خطوط الأنابيب في السعودية، وبُني في ثمانينيات القرن الماضي خلال الحرب العراقية الإيرانية لتجاوز مضيق هرمز. ويربط الخط حقول النفط الشرقية بميناء ينبع ‌على البحر الأحمر، ⁠ويعمل بكامل طاقته الإنتاجية الموسعة البالغة سبعة ملايين برميل يومياً.

وتستهلك أرامكو حوالي مليوني برميل يومياً في السوق المحلي، تاركة نحو خمسة ملايين برميل يومياً للتصدير. وتشير بيانات الشحن إلى أن متوسط شحنات ميناء ينبع بلغ 4.6 مليون برميل يومياً خلال الأسبوع الذي بدأ في 23 آذار، وهو ما يقارب طاقته القصوى، رغم الهجمات التي استهدفت الميناء في 19 آذار.

وتشير بيانات كبلر وجودي إلى أن صادرات الخام السعودية الإجمالية انخفضت 26 بالمئة على أساس سنوي في آذار لتصل إلى 4.39 مليون برميل يومياً. ومع ذلك، زادت الأسعار المرتفعة من قيمة هذه الصادرات بنحو 558 مليون دولار مقارنة بالعام السابق. ورفعت الرياض صادراتها في شباط إلى أعلى مستوياتها منذ نيسان 2023، تحسبا لهجوم أمريكي على إيران.

وعلى الرغم من ميزة الربط بين الشرق والغرب، ذكر كويليام أن السعودية لا ​تزال عرضة لمزيد من الهجمات من إيران أو من جماعة ​الحوثي اليمنية على بنيتها التحتية للطاقة في الغرب والسفن العابرة ⁠لمضيق باب المندب.

العراق تكبد أكبر انخفاض

حظيت الإمارات بحماية نسبية بفضل خط أنابيب حبشان-الفجيرة الذي تتراوح طاقته ما بين 1.5 مليون و1.8 مليون برميل يومياً، والذي يتجاوز المضيق. ومع ذلك، انخفضت قيمة صادراتها النفطية بأكثر من 174 مليون دولار على أساس سنوي في آذار. وتعرضت الفجيرة لسلسلة من الهجمات أدت إلى توقف عمليات الشحن.

ومن بين منتجي النفط بالخليج، فإن العراق هو الأكثر تضرراً من ​حيث انخفاض الإيرادات، إذ تراجعت 76 بالمئة لتصل إلى 1.73 مليار دولار، وتليه الكويت بانخفاض قدره 73 بالمئة لتصل إلى 864 مليون دولار.

وأعلنت شركة تسويق النفط العراقية (سومو) في الثاني من ​أبريل نيسان أن إيرادات الخام في آذار سجلت نحو ملياري دولار، وهو رقم قريب من تقديرات رويترز.

ومن المرجح أن يشهد كلا البلدين انخفاضاً حاداً في نيسان بعدما تحسنت إيراداتهما في آذار بفضل شحنات تمكنت من الإبحار في الأيام الأولى للحرب. وعبرت ناقلة محملة بالنفط الخام العراقي مضيق هرمز مؤخراً بعد إعلان إيران إعفاء العراق من القيود.

وقالت أدريانا ألفارادو، نائبة رئيس قسم التصنيفات السيادية في مورنينج ستار دي.بي.آر.إس، إن حكومات الخليج لديها خيارات لتعزيز مواردها المالية، ويمكنها إما الاعتماد على المدخرات المالية أو اللجوء إلى الأسواق المالية لإصدار أدوات دين.

وأضافت “باستثناء البحرين، تتمتع دول الخليج بهامش مالي ⁠كاف للتعامل مع ​الصدمة، إذ يبلغ الدين الحكومي مستويات معتدلة تقل عن 45 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي”.

أما على المدى الطويل، فلا يزال التأثير غير واضح. وضغطت شركات نفط ​وسياسيون في الغرب من أجل زيادة الاستثمار في الوقود الأحفوري في محاولة للتحوط من صدمات الإمداد، لكن بعض المحللين يرون أن الطاقة المتجددة توفر الحماية الأمثل.

وفي مؤشر مبكر على كيفية تسريع الأزمة للتحول من الاعتماد على النفط، أعلنت شركة توتال إنيرجيز الفرنسية وشركة مصدر للطاقة المتجددة، المدعومة من الحكومة الإماراتية الأسبوع الماضي عن ​مشروع مشترك بقيمة 2.2 مليار دولار لتسريع نشر الطاقة المتجددة في تسع دول آسيوية.

المدن

————————

 ترامب إذ يهدد بأن يجعلها حرباً ضد الإنسانية/ عمر قدور

الثلاثاء 2026/04/07

بكل بساطة وصفاقة كتب ترامب يوم الأحد، على منصته “تروث سوشيال”: الثلاثاء سيكون يوم محطات الكهرباء والجسور، وكل ذلك في يوم واحد، في إيران… لن يكون هناك مثيل له، افتحوا المضيق اللعين، أيها الأوغاد المجانين، وإلا ستعيشون في الجحيم.. شاهدوا بأنفسكم!

ولا شكّ في أن تصريحه دفع العديد من الأطراف الدولية والإقليمية إلى التحرك تفادياً لتنفيذ التهديد، وتحسّباً من أن خيار التصعيد سيكون له ثمن باهظ على دول المنطقة ككل، فضلاً عن تبعاته المعروفة على الاقتصاد العالمي. ذلكَ مع التسليم بأن ترامب مستعد حقاً لتنفيذ تهديده، حتى إذا اقتصرت مبرراته على أسبابه الشخصية، وفي رأسها إثبات قدرته كرجل حرب لا يعبأ بأية ضوابط.

المصيبة هي أن التسليم لترامب على هذا النحو لا يأتي فقط على شكل انصياع للقوة الدولية الأكبر، المصيبة في أن الانصياع يأتي بلا تذمّر لائق به، وبلا دفاع مستحَق عن القيم الإنسانية. فما يحدث هو التالي: يهدد رئيس الولايات المتحدة صراحةً باستهداف منشآت مدنية، أي بارتكاب جرائم حرب وفق القوانين الدولية، والخطير أن هذا يبدو اعتيادياً لصدوره عن ترامب، فلا يُواجه بما يستحقه؛ دفاعاً عن القيم والقوانين الدولية.

وبصرف النظر عن مآل التهديد، فمجرد التلويح به، من دون عواقب، هو اعتداء على الإنسانية كلها. وأن لا يُرى الأمر من هذا المنظور، على نطاق إنساني واسع، فهذا لا يُنذر بالأسوأ فحسب، بل يضيء على الواقع المظلم الحالي. يمكن للمقارنة، على سبيل المثال، تذكّر موجة المظاهرات التي عمّت مدن الغرب احتجاجاً على الحرب على العراق عام 2003، رغم الذرائع التي سيقت لتبرير الحرب، ومع التنويه بأن نسبة كبرى من الذرائع كانت قائمة على القول إن نظام صدام لم يمتثل لقرارات الأمم المتحدة، أو الشرعية الدولية بمنطوق زمن يبدو كأنه ولّى!

نعلم أن العالم طوال عقود، بعد تأسيس الأمم المتحدة، شكا وتذمّر من سلوك القوى العظمى التي ترى نفسها فوق القوانين، وأن البعض منها ومن القوى الإقليمية لطالما تصرّف كطرف مارق بمفهوم القانون الدولي. إلا أن الواقع السيء أحياناً لم يمنع التطلّع إلى ما هو أفضل، ولم يستطع إعاقة التوجه العالمي إلى إقرار المزيد من القوانين ذات البعد الأخلاقي والإنساني، وأيضاً إنشاء المزيد من الآليات الأممية لتنفيذ القرارات ذات الصلة، ومنها مثلاً محكمة الجنايات الدولية. ويمكن في الإطار ذاته احتساب توسيع مجال بعض الأنظمة القضائية الوطنية، لتشمل محاكمة متورطين في جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية في بلدان أخرى.

ونستطيع الإتيان بأحداث قديمة وحديثة تثبت أن ما يهدد به ترامب سبق أن فعله غيره، بصمت أو بإنكار، لا بصفاقة. أما في القرن الحالي فيمكن التدليل بمقتلتين كبريين في المنطقة؛ أولاهما المقتلة السورية التي شارك فيها النظام الإيراني الحالي، والمقتلة في غزة، وأيضاً يشارك الطرف المجرم في الحرب الحالية على النظام الإيراني. ذلك لا يجب أن يدفع، من وجهة نظر سورية وفلسطينية، إلى تغليب الحسابات السياسية الساخنة على الاعتبارات الإنسانية بعيدة المدى. ليس من مصلحة السوريين أن يطيح ترامب القوانينَ الدولية والثقافة الحقوقية المعاصرة، لأن فعلته تبرر الصمت على جرائم نتنياهو والصمت على جرائم الأسد، والعديد من السياسات اللاأخلاقية اللاحقة بهما.

الخطير أننا نتحدث عن سياق عالمي مساند لترامب ضمناً، إن لم يكن جهراً. إذ يمكن وصف آخر عقدين من القرن الحالي بأنه زمن صعود الفاشيات في العالم، وتحديداً في العالم الغربي؛ الأكثر تأثيراً على مجمل البلدان حتى الآن. التراجع الأوروبي لا يتوقف عند تضخم القوة الأميركية إلى حدّ غير مسبوق، بل هو مقترن إلى حد كبير بصعود موجات اليمين المتطرف، وهي بمثابة الفاشية الجديدة، وصعودها أتى في وقت تراجعت فيه النخب السياسية في اليمين واليسار معاً، وفشل الوسط الذي اقترح حلولاً كانت مؤقتة جداً وتلفيقية بطبيعتها.

وما يصحّ قوله عن انكفاء الغرب سيكون فهمه مجتَزءاً إذ اقتصر على الوجه الذي تقدّمه الفاشية الجديدة، ففي الخلفية يكمن غياب المشروع الذي يدفع بالغرب إلى الانفتاح. وباسترجاع التاريخ تسهل ملاحظة أن انفتاح الغرب كان مرافقاً للمشاريع الاقتصادية والسياسية الكبرى؛ المشاريع المتكاملة على الصعيد الحضاري. ومهما تكن أحقية النقد الذي تم توجيهه لتلك المشاريع، يبقى من المحق أيضاً أن لها جوانب أساسية جعلت الغرب قاطرة لنهضة عالمية. ومن المؤكد أن الفاشيات المحدثة ليس لها ثأر مع الجوانب العنفية في تاريخ نهوض الغرب، على غرار كراهيتها الجوانب المشرقة منه.

لكن انكفاء الغرب لا يبدو حتى الآن محفِّزاً الذين هم خارجه على الاستقلال، وهو ليس مطلوباً إذا كان على مثال الانكفاء الغربي. الانكفاء الغربي لم يحفِّز على حسّ المبادرة خارجه، والمؤسف أن الغرب بقي الأكثر مبادرة، وبقي مَنْ في خارجه ينتظرون منه المبادرة. في مثال قريب، شهدت عواصم ومدن الغرب التظاهرات الأكبر ضد جرائم إسرائيل في غزة، في حين لم تشهد بلدان “الأطراف” حراكاً مماثلاً، بما فيها الشارع العربي.

انتظار المبادرة من مكانها المعتاد، مع اليأس من مجيء مشروع حضاري جديد، ربما يفسّران معاً حالة الإحباط العامة خارج المركز الغربي. ولا بأس في القول إن الإحباط نخبوي إلى حد كبير، بينما يتضاءل هذا الوعي خارج النخب، في حين أن الآثار السلبية، وربما المدمّرة، ستطاول الجميع. فالتسامح مع الدعس على القوانين الدولية والإنسانية، أو الصمت عليه، سيدفع ثمنه لاحقاً الأضعف في كل بلد والأضعف بين البلدان. وهو بطبيعة الحال سيعزز من نهج الدعس على القوانين، سواء المحلية منها أو العالمية، وسيكون لهذا تأثير أكبر في بلدان كانت تجاهد للعبور إلى ثقافة احترام القانون.

في المجمل، يمكن الجزم بواقعية مفرطة أن سلوك ترامب يمثّل موجة مهيمنة عالمياً، ولا سبيل لمقاومة هذا المدّ الكاسح ضمن المدى المنظور. بل يمكن بسهولة مفرطة الجزم بأن العالم كله سائر في هذا الاتجاه، ولا بأس في أن يجرّب ويأخذ فرصته كاملة، من دون اكتراث بأن هذه الواقعية المتوحّشة تتغذى من الاستسلام والصمت، ولو تُرك العالم للفاشيات من قبل لكانت قد أنجزت تدميره منذ زمن بعيد.    

————————

عصر ترامب… الهيمنة الافتراسية والكليبتوقراطية/ محمد أبو رمان

07 ابريل 2026

لن تغيّر الحرب الأميركية – الإسرائيلية الراهنة ضدّ إيران وجه الشرق الأوسط (كما وعد نتنياهو) فقط، بل العلاقات الدولية بأسرها، ولعلّ المفارقة الرئيسة التي بدأنا نعاينها منذ تولّي ترامب، ووصلت إلى أعلى مستوياتها مع الحرب الحالية، أنّ حلفاء أميركا وأصدقاءها التاريخيين هم الأكثر تضرّراً وتأذّياً وخشيةً من سياسات ترامب، مقارنةً بأعدائه وخصومه الاستراتيجيين مثل الصين وروسيا. لا يقتصر الأمر على الجوانب الاقتصادية، كما الحال في البداية عند إقرار ترامب رفع التعرفة الجمركية على أصدقائه، بل يصل إلى السياسات الدفاعية والعسكرية، وتماسك حلف شمال الأطلسي (ناتو)، والتهديد بضمّ دول كبرى مثل كندا وجزيرة مثل غرينلاند، وصولاً إلى اللغة الاستهزائية الخطيرة التي يستخدمها الرجل (ترامب) في حديثه مع أصدقائه من الزعماء العالميين أو عنهم، كما حدث أكثر من مرّة وتكرّر مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أو رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، أو حتى رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي خلال زيارتها أميركا وتذكيره بما حدث في الحرب العالمية الثانية.

ربما تحقّق هذه الممارسات لترامب مكاسب على المدى القصير، على الصعيدين الاقتصادي والاستراتيجي، كما يلاحظ جيانغ شيويه تشين، وهو أستاذ صيني ومن المتخصّصين الكبار في نظرية اللعبة في العلاقات الدولية، وفي ما يسمّى بالتاريخ التنبؤي، إذ يرى أنّ ترامب مستفيد بصورة كبيرة من أزمة الطاقة العالمية الحالية، والمتضرّر منها الصين واليابان والدول الآسيوية بصورة رئيسة، التي تنافس الولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي. وبالرغم من وجاهة هذه النظرة (على المدى القصير) إلا أنّ علماء كباراً في العلاقات الدولية اليوم يرون في رئاسة ترامب نتائجَ كارثية على المدى البعيد على الولايات المتحدة نفسها.

من الضروري هنا الإشارة إلى مقالَين رئيسَين مهمَّين (في العدد الصادر أخيراً من مجلة الشؤون الخارجية الأميركية Foreign Affairs)، الأول لعالم العلاقات الدولية في كلية كندي – جامعة هارفارد ستيفين والتس (Stephen Walts)، والثاني لعالِمَين آخرَين في العلاقات الدولية، ألكسندر كوولي Alexander Cooley (جامعة كولومبيا) ودانيال نيكسون (جامعة جورج تاون)، قدّما مفاهيمَ جديدةً في محاولة تأطير السياسة الخارجية في مرحلة ترامب، بما يتجاوز النظريات المعروفة والتقليدية في العلاقات الدولية، بمعنى أنّ هذا النمط من السياسة الأميركية الذي يمارسه ترامب ليس مسبوقاً، في أكثر من زاوية، على صعيد الرؤساء الأميركيين السابقين. وإنْ على صعيد جزئي يمكن أن نذهب إلى نظريتَين رئيسيتَين في تفسير سلوكه الشخصي: الأولى، نظرية استراتيجية الصراع، أو حافة الهاوية لتوماس شيللينغ (الحاصل على “نوبل”)، ونظرية الشيفرة العقائدية (Operational Code)، وهما نظريتان مهمّتان في فهم صنع السياسة الخارجية، لكن على صعيد الديناميكيات والقواعد التي تحكم العلاقات الدولية، بخاصّة القوى الكبُرى، فإنّ ترامب، وفقاً للمقالين، حالة فريدة.

جاء والتس بمفهوم جديد في تعريف سياسة ترامب وسياستها، وهو “الهيمنة الافتراسية” (Predatory Hegemon)، إذ يذهب إلى أنّ السياسة الخارجية لترامب اليوم من الصعب تفسيرها وفهمها من خلال التصنيفات القديمة (الواقعية، القومية، الانعزالية)، بل تحتاج إلى فهم الانتقال من الهيمنة الحميدة التي مارستها الولايات المتحدة خلال العقود السابقة، بخاصة في الحرب الباردة، إلى الهيمنة المتغطرسة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، إلى الهيمنة الافتراسية خلال مرحلة ترامب، والتي تقوم على استخراج أكبر قدر من المكاسب، والتعامل مع العلاقات الدولية لعبة صفرية، والتفكير بالمكاسب العاجلة، الاقتصادية والعسكرية وغيرها، من دون اهتمام بالمنظور بعيد المدى، وبما يمكن أن يحمله هذا من تأزيم وتكسير للنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة نفسها.

إحدى أهم النقاط التي يطرحها المقال أنّ ترامب لا يميّز بين الحلفاء والخصوم، وهو يعيد تعريف العلاقة معهم على قاعدة أنّ الحليف طرف يمكن ابتزازه، والعلاقة معه بمثابة صفقة مالية، بما يؤدّي (كما حدث فعلاً) إلى تآكل الثقة، وتراجع الشرعية الدولية الأميركية، ودفع الحلفاء للبحث عن بدائل لعدم الشعور بالأمن والأمان مع هذه القوة. ومن الإشارات المهمة في المقال أنّ هذا النمط من الهيمنة لا يكتفي بالمصالح والمكاسب المالية، بل يرتبط بأسلوب ترامب وشخصيته ونمط النخبة المحيطة به، واستخدام الإذلال الرمزي (المديح والخضوع) وفرض طقوس الولاء… إلخ. أمّا المقال الثاني لكلّ من كولي ونيكسون، فيطرح مصطلحاً مفتاحياً لفهم إدارة ترامب ومنطق تفكيره، وهو”The Age of Kleptocracy”، إذ جاء المقال بعنوان “عصر الكليبتوقراطية: القوة الجيوسياسية والمكاسب الخاصة”، وتقوم فكرته على أنّ ترامب لا يمكن فهمه بوصفه ليبرالياً أو بوصفه واقعياً تقليدياً، بل يمثل تحوّلاً في منطق القوة نفسها، من إدارة النظام الدولي إلى التعامل معه مساحةً لتقاسم النفوذ وتحقيق مكاسب مباشرة.

والمقصود بالكليبتوقراطية أن تُستخدم الدولة لخدمة المصالح الخاصّة للنخبة الحاكمة، وهنا يرى الكاتبان (مستخدمين أمثلة ونماذج عديدة) أنّ السياسة الخارجية للولايات المتحدة تحوّلت إلى زيادة ثروة ترامب وتعزيز مكانته الشخصية وإفادة دائرة ضيقة، الحلفاء والعائلة والموالين. ومن أهم معالم هذا النموذج إذابة الفوارق بين مصالح الدولة ومصالح الحاكم، وتفكيك مؤسّسات السياسة الخارجية، ودمج الأمن بالاقتصاد بالدبلوماسية في صفقات ضخمة غامضة ضمن ما يطلق عليه الباحثان مصطلح “Transactional Bundling”.

ويقارن الكاتبان بين نظام الكليبتوقراطية والنظام الزبائني (Patrimonial)؛ ففي الثاني يُستخدم الفساد السياسي من الحاكم طريقاً لكسب ولاء النخبة الحاكمة المحيطة به، والتي تمارس معه السلطة، بينما في الأول (الأقرب إلى ترامب) فإنّ الفساد هو الهدف نفسه. وينتهي المقال إلى القول بإعادة تعريف لوظيفة الدولة نفسها من أداة للصالح العام إلى أداة لتوليد الثروة الخاصة، وتصبح السياسة الخارجية أداةً للتعبير عن مصالح من يمسك بالدولة.

في الخلاصة؛ من الواضح أنّ حقبة ترامب وسياساته الداخلية والخارجية تمثّل نقطة تحول كبرى عالمية، تتجاوز المستوى العملي، أي النظام الدولي والعلاقات الدولية، إلى مراجعة النظريات والمقاربات التي تفسّر العلاقات الدولية والسياسات الخارجية، بخاصّة في الولايات المتحدة، إذ نلاحظ ذلك من خلال كمّ كبير من المقالات والدراسات التي بدأ ينشرها علماء في العلاقات الدولية والسياسة المقارنة عن هذا النموذج من الحكم والسياسة، وفي أغلبها تراه من منظور سالب وكارثي.

العربي الجديد

——————————–

====================

تحديث 06 نيسان 2026

——————————

 هل تدخل سوريا الحربَ ضدّ “حزب الله” في لبنان؟/ حسان الأسود

2026.04.06

أدّت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران إلى خلط الأوراق مجدداً، ليس في المنطقة فحسب، بل وفي العالم أجمع، تداعيات هذه الحرب لم تستثنِ دولة من تأثيراتها مهما كانت هامشية، وهذا يؤكّد مجدداً مركزية منطقة الشرق الأوسط في الخارطة الدولية رغم محاولات الإيحاء الأميركية بما يخالف ذلك، كما ورد في استراتيجية الأمن القومي الأميركي مثلاً.

يفرض سياق الأحداث، وخاصّة تدخّل “حزب الله” في الحرب الراهنة على إيران، ظلّه على المشهد بشكل لا يمكن تجاهله، يؤكّد هذا التدخّل مجدداً أنّ قرار الحرب والسلم في لبنان ليس بيد الدولة اللبنانية، بل بيد “الحرس الثوري” الإيراني حصراً، الذي أعطى الأوامر للحزب بالمباشرة بإشعال الجبهة اللبنانية، التي لم تهدأ من طرف إسرائيل بكل الأحوال طوال العام الماضي.

وهنا يصبح من الضروري استحضار العلاقة السورية اللبنانية الشائكة إلى الواجهة مجدداً، والبحث في إمكانات التدخل السوري المباشر كما حصل إثر الحرب الأهلية اللبنانية.

لا شكّ بأنّ الظروف قد تغيرت كثيراً، خلال نصف قرن تفصل بين العام 1975 والواقع الراهن اليوم، موازين القوى الآن مختلّة بشكل لا لبس فيه ولا غموض بين إسرائيل من جهة وبقيّة دول المنطقة مجتمعة، وليس بينها وبين سوريا ولبنان فحسب.

يجعل هذا الأمر حسابات الأطراف الفاعلة في المنطقة مختلفة عمّا كانت عليه في ذلك الوقت، وهذا يعيدنا لسؤال الساعة عن مصلحة سوريا في المشاركة بالحرب على “حزب الله” من عدمها، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّه لولا نظام الأسد الأب لما كان بالإمكان وجود هذا الحزب بهذا الشكل من أساسه.

إنّ المبررات التي ترجّح هذا الاحتمال ليست بالواهنة ولا الضعيفة، رغم أنّ ما يمكن أن يُساق من حجج تدعم مبدأ النأي السوري بالنفس عن هذا الصراع ليست بالقليلة أيضاً.

انحياز القوى الداخلية اللبنانية الآن بات أكثر وضوحاً تجاه مسألة “الشيعيّة السياسية” إن صحّ التعبير، فهذه الأخيرة أصبحت منذ زمن بعيدٍ سلاحاً إيرانياً يختطف ليس فقط قرار اللبنانيين، بل حياتهم كلها، حاضرهم ومستقبلهم.

من هنا لم تعد تُسمع أصواتُ حتى أقرب المقرّبين من “حزب الله” وحلفائه دفاعاً عنه كما كان الحال في أثناء تدخّله في سوريا وغيرها من البلدان العربية، لكنّ هذا وحده لا يكفي لتبرير التدخل السوري عسكرياً لنزع سلاح الحزب، حتى لو تمّ ذلك بتفويضٍ من الحكومة اللبنانية وبتعاونٍ مع الجيش اللبناني وبغطاء عربي ودولي.

مردّ ذلك ليس فقط للذاكرة اللبنانية الملتهبة والمتقرّحة من ثلاثة عقودٍ مارس فيها جيش الأسد إرهابه ضد المجتمع اللبناني، بل وأيضاً بسبب التخوّف الراهن من طبيعة السلطة الانتقالية في سوريا، وخاصّة خلفيتها المستندة إلى الأكثرية السنية التي تجاهر أطرافٌ كثيرةٌ في لبنان بالعداء لها، حتى من بين خصوم “حزب الله” السياسيين.

ثمّ هناك اختلاف النظرة بين الدول العربية والإقليمية من هذه الحرب، فرغم تأثر دول المنطقة جميعها بشكل مباشر منها، إلّا أنّ بعضها قد يفضّل عدم هزيمة “حزب الله” بشكل عسكريٍ ساحقٍ الآن، لأنّ من شأن ذلك أن يعزز التفوّق الإسرائيلي في المنطقة ويطوّب إسرائيل ونتنياهو عرّابين مهيمنين على دولٍ كبيرة مثل مصر وتركيا والمملكة العربية السعودية.

هذا السيناريو موجودٌ دون أدنى شكّ على طاولات النقاش في دول المنطقة جميعها، إنّ المصلحة الاستراتيجية في تقليم أظافر إيران الداخلية وقطع أذرعها الخارجية لا تعني بالضرورة أن تُترجم مرحليًا بمصالح آنية تصبّ مباشرة في خانة تقوية إسرائيل وسرديتها عن المنطقة.

في هذا السياق، يجب ألا يغرب عن البال أنّ السفير الأميركي في تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا توم باراك كان قد صرّح بما لا يدع مجالاً للشك عند تطويبه سوريا شريكاً برقم 90 في حلف محاربة تنظيم الدولة الإسلامية، بأنّ بلاده تتطلّع لدورٍ سوريٍ في محاربة الإرهاب متمثلًا بـ”داعش” و”حزب الله” وحماس، وفق تعبيره.

كذلك لا بدّ من قراءة تصريحات الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون مؤخرًا حول موقفه وموقف بلاده من دعم التنسيق بين أعلى المستويات القيادية في سوريا ولبنان بخصوص تعزيز سيادة الدولة اللبنانية على أراضيها.

وعلى أهميتها الكبرى، فإنّ هذه الإشارات كلها لا تكفي لتبرير التدخل السوري في هذا الصراع، على الأقل من ناحيةٍ أخلاقيةٍ وسياسيةٍ ستؤثر كثيرًا على سمعة سوريا الخارجة من حرب داخلية امتدّت أربعة عشر عاماً، كان فيها حزب الله طرفًا أساسيًا، رغم المبررات العاطفية التي يمكن سوقها بحجج الثأر من هذا الحزب وما جرّه على السوريين ومدنهم وقراهم بانحيازه الفاضح لنظام الأسد الدموي.

من ناحية ثانية، لا شكّ بأنّ الوضع الداخلي السوري لا يسمح بهذا التدخل، لا على المستوى الأمني ولا العسكري ولا الاقتصادي ولا المجتمعي، وأقلّ ما يمكن قوله هنا هو ما يعبّر عنه المثل الدارج، “راحت تساعد ممدوح وتركت جوزها مطروح”، فلا البنية العسكرية للجيش السوري الحالي، ولا المؤسسة الأمنية السورية الراهنة بحال يسمحان لسوريا بلعب دورٍ حاسمٍ كما كان الأمر عند دخول قوات الردع العربي قبل خمسة عقودٍ خلت.

كذلك فإنّ البنية الاقتصادية السورية لا تسمح بتحمّل هذه الأعباء، ولا البنية الاقتصادية اللبنانية تفتح الشهية السورية لإعادة التفكير بابتلاع لبنان. ناهينا عن تعقيدات المشهد الديني والطائفي والمذهبي في كلا البلدين الجريحين.

ثمّ إنّ إيران التي تجاهد لتبرير استهداف المدن والمنشئات الاقتصادية والأعيان المدنية في الخليج العربي، ستجد في هذا التدخل السوري في لبنان إن حصل، مبرراً كافياً يشفي غلّها بإعادة الدخول إلى الساحة السورية على ظهور الصواريخ البالستية وفرط الصوتية هذه المرّة.

فهل ثمّة بعد هذا كلّه ما يستوجب البحث في مصلحة سورية بالتدخل؟ طبعاً لا يمكن إغفال الرأي القائل بأنّ هذا التدخل قد يكون مخرجاً للسلطة الجديدة في سوريا للهروب إلى الأمام من بعض الاستحقاقات الداخلية فيما يتعلق بملفات شائكة ومعقدة مع الأكراد والدروز والعلويين، أو مع الأصوات الشعبية من الحاضنة العربية السنية التي بدأت تستهجن القفز على ملفات العدالة الانتقالية والمشاركة السياسية والوضع المعيشي الصعب وانعدام الشفافية في إدارة مقدرات البلاد.

لكنّ هذا المخرج المفترض ليس أكثر من غوصٍ في وحل الساحة اللبنانية المعقّدة بما يكفي لإغراق المنطقة كلها وليس لبنان وسوريا وحدهما، وهو بالتالي سيكون بالنسبة لسوريا مدخلاً لورطة جديدة لا باباً للفرج وإعادة التوازن الداخلي.

من الحكمة بمكانٍ أن تنظر القيادة السورية للحرب الدائرة من خلال منظار المصلحة الوطنية السورية كما يفعل الجميع، فقد تعب السوريون كثيرًا من تدخلات النظام البائد بشؤون دول الجوار، وحُقّ لهم أن يلتفتوا لشأنهم الداخلي الآن.

تلفزيون سوريا

——————————

قراءة للأسابيع الستة الأولى من الحرب/ سام منسى

6 أبريل 2026 م

في ظل حالة عدم اليقين التي تكتنف الحرب في إيران، من المبكر الحديث عن اليوم التالي. الأجدى في هذه المرحلة محاولة استخلاص ما أفرزته ستة أسابيع من الحرب من دروس، ومحاولة قراءة النتائج المحتملة لمستقبل المنطقة.

الحرب أكدت المؤكد لكثير من المتابعين: إيران لا تزال مسكونة بالثورة أكثر منها دولة طبيعية سوية، وبالتالي لن تنعم المنطقة بسلامها المنشود الحقيقي ما لم تتغير طبيعة النظام ليصبح دولة قانون عادية، أو تقيّد قدراته على إسقاط القوة عبر الأسلحة النووية والطائرات المسيّرة والصواريخ والإرهاب والوكلاء.

الأمر الأول، أنه في هذا الصراع، لا تزال إيران قادرة حتى الآن على إعطاء الأولوية لمهمتها الآيديولوجية في الهيمنة الإقليمية والتشدد الديني على حساب سكانها وحلفائها واقتصادها وحتى خسائرها العسكرية، بطريقة تعجز عنها معظم الدول الحديثة الطبيعية. فمهما بلغت مستويات الخسائر على الصعد كافة، تنتصر القوى غير النظامية بمجرد عدم القضاء عليها. لا شك في أن قدرات إيران ستتراجع بفعل الأضرار الجسيمة التي منيت بها، لكن العقول المؤدلجة التي تقودها لن تتراجع، وستسعى إلى إعادة بناء شبكة وكلائها وبرامجها التسليحية لتحدي الوضع القائم مجدداً. كما لا ضمان أن ينتفض الشعب، أو أن تكون النتيجة دولة طبيعية، بل فوضى، أو ديكتاتورية غير آيديولوجية، لكنها ديكتاتورية على نمط أنظمة الأسد وصدام والقذافي.

الأمر الثاني، هو التحول النوعي في علاقة إيران مع دول الخليج، إذ تصعب العودة إلى ما قبل هذه الحرب، ولا حتى إلى مرحلة التهدئة الحذرة التي سادت مؤخراً. فاستهداف منشآت حيوية وبنى تحتية مدنية وبكثافة فاقت ما أصاب إسرائيل، لم يُقرأ بوصفه رداً ظرفياً على الوجود الأميركي، بل بوصفه اعتداءً مباشراً على الدولة الوطنية.

هنا يتغير المعنى. لم تعد إيران تُتهم فقط بزعزعة الاستقرار عبر وكلاء، بل بالاستعداد لضرب عمق الدول نفسها. هذا كافٍ لإحداث قطيعة في الثقة، قد لا تتحول إلى حرب مفتوحة، لكنها ستترجم إلى ردع أشد وتحالفات أكثر صلابة وشروط أقسى لأي تفاهم لاحق.

والأفدح أن الحرب كشفت عن خطر تهديد قديم – جديد، هو البعد الشبكي في المنطقة. ففكرة «الخلايا النائمة» المدعومة من طهران في بعض الدول، لم تعد شأناً أمنياً بل تعد واقعاً سيُبنى عليه. فمع انتهاء المعارك، سيتحول الصراع إلى مواجهة داخلية صامتة: تفكيك شبكات، وضبط تمويل، ومراقبة بيئات اجتماعية يُخشى اختراقها. أي أن الحرب ستغادر شكلها العسكري لتستقر في شكل أمني طويل الأمد، تكون فيه السيادة مرادفة للقدرة على تحصين الداخل لا فقط ردع الخارج.

الأمر الثالث، هو ما أظهرته دول الخليج من قدرة على الصمود وامتصاص الصدمات، ليس فقط عبر تعزيز قدراتها الدفاعية، بل من خلال تنويع أدوات الردع بين العسكري والأمني وإدارة المخاطر. ومع ذلك يبقى النزاع مفتوحاً بين الانزلاق نحو تصعيد يستهدف البنى التحتية الحيوية، خصوصاً الطاقة، مع آثار إقليمية وعالمية طويلة الأمد، أو الانتقال إلى مسار تفاوضي قد يفضي إلى تسوية أكثر رجحاناً من التهدئة.

الأمر الرابع، أن التفوق العسكري لا يضمن الحسم. فإسرائيل غير قادرة على إنهاء الصراع بمفردها، ما يبرز دور الولايات المتحدة بصفتها قوة حاسمة تُختبر مصداقية ردعها عالمياً، لكنها تواجه تحدي التكيف مع تهديدات منخفضة التكلفة، إلى جانب خلل مزمن في ربط الأهداف السياسية بالوسائل العسكرية، ما يحدّ من قدرة هذا التفوق على التحول إلى نتائج استراتيجية مستقرة.

لم تصل الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران إلى لحظة الحسم، بل ما زالت تتأرجح بين التصعيد ومحاولات الاحتواء. لكن للمفارقة، قد تبدو ملامح المستقبل في المنطقة أكثر وضوحاً لأن ما جرى كسرَ توازنات كانت قائمة وأسقطَ أوهاماً استمرت لسنوات. نحن أمام حرب لا تُنهي مرحلة بقدر ما تفتح أخرى، عنوانها إعادة تعريف السيادة بالمنطقة.

والأهم، وضوح الرؤية بعد التباس مزمن في عدد من الدول كانت فيها الحدود بين الدولة واللادولة ضبابية، وبين الردع والفوضى غير واضحة. الحرب جاءت لتزيل هذا الغموض بعنف، ولتطرح سؤالاً بسيطاً وصعباً في آن: من يملك القرار داخل هذه الدول؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد شكل المنطقة في السنوات المقبلة، لا نتائج المعارك وحدها.

المحصلة أن الصراع سيعيد تشكيل المنطقة، ويطرح أسئلة جوهرية حول توازن القوى، واستقرار النظام الدولي، ودور الولايات المتحدة، هل يستمر أم يتراجع؟ في ظل تصاعد عدم الاستقرار وصعوبة تحقيق حسم نهائي. أما الدول العربية، فستجد نفسها أمام اختبار على ثلاث جبهات: تحصين سيادتها في مواجهة الخارج، وأهمية الشراكة في التسويات مع إيران، وتحصين عقدها الداخلي بحيث لا تستغل لتصفية الصراعات.

الشرق الأوسط

——————————

إيران مخيّرة بين “الجحيم” و”العصر الحجري”/ عبد الوهاب بدرخان

06 أبريل ,2026

قليل من الوقت الإضافي… هذا ما يحتاج إليه دونالد ترامب، كما كتب، وخلاله “يمكننا بسهولة فتح مضيق هرمز، وأخذ النفط، وتحقيق ثروة”. وسيكون ذلك “بئر (نفط) متدفقاً للعالم”. والمعنى المضمر أن هذا النفط سيكون تحت السيطرة الأميركية، كما هو النفط الفنزويلي الآن، وستكون إيران أُعيدت إلى “العصر الحجري” كما توعّدها، ما لم ترضخ لشروط الولايات المتحدة. لم يظهر النفط في “أهداف” ترامب إلا في نهاية الشهر الأول للحرب، فهل يعني ذلك أنه أجهز فعلاً على البرنامجين النووي والصاروخي، أم أنه تمكّن من “تغيير النظام” بعد قطع رأسه وقتل معظم قادته، أم أنه فكّ الارتباط بين إيران و”أذرعها” الإقليمية… فلم يبق في بنك الأهداف سوى “أخذ” النفط؟

عشية انتهاء “مهلة ترامب”، تبادل طرفا الحرب التهديد ب”الجحيم”، فلا الخراب الحاصل انعكس على أصحاب القرار في إيران، ولا الأزمات والاضطرابات التي ولّدتها الحرب، في المنطقة والعالم، غيّرت حسابات ترامب وإسرائيل، حليفه الوحيد. المتفق عليه بين المحللين الأميركيين قبل سواهم أن الرئيس ليست لديه فكرة عن كيفية إنهاء الحرب، لذا فهو يصعّدها غير مبالٍ بحلفاء أو أصدقاء أو حتى بالمعارضين لطهران. فأزمة الطاقة فرضت نفسها منذ الأسبوع الأول، وأقلقت الدول المنتجة والمستهلكة معاً، إلا أنه قلّل من أهميتها بادّعاء أنها موقتة أو القول إنها توفّر “أموالاً كثيرة” للمنتجين الأميركيين. لا بدّ أن مستشاريه نبّهوه الى أن هذه الأزمة أفسدت الحرب وقضيتها، لكن البنتاغون يعرض له يومياً قوائم أهداف دُمّرت ويُفترض- بالمنطق العسكري- أن تُترجم بقبول طهران “شروط الاستسلام”، لكن هذا المنطق لا يُصرف في أيديولوجية الملالي. أمّا ترامب فوضع حربه على إيران في السياق التاريخي لحروب أميركا التي انتهت بالاستسلام (ألمانيا النازية واليابان)، أو بسقوط الأنظمة (العراق وأفغانستان).

اختار ترامب لخطابه مطلع الشهر الثاني للحرب توقيتاً ليلياً بعد إقفال أسواق الأسهم والنفط على شيء من التهدئة. قبل ذلك، أطلق مواقف أوحت للعالم بأنه يستعدّ لإنهاء الحرب، بشكل أو بآخر، إلا أنه جدّد تصميمه على حسمها عسكرياً، متوعّداً إيران بأسبوعين أو ثلاثة من القصف الشديد “لاستكمال الأهداف”. لماذا؟ لأنه لم يتلقَّ الإشارة التي يتوقعها ويريدها من الاتصالات التي تُجرى مع إيران عبر الوسطاء الباكستانيين. كان ترامب استجاب لهؤلاء فوافق على التفاوض لكن “من دون وقف إطلاق النار”، فمدّد إنذاره الأول لفتح مضيق هرمز من يومين إلى خمسة ثم الى عشرة أيام وإلا فإنه سيأمر ب”محو” محطات الكهرباء ومنشآت الطاقة. ترافق ذلك مع إرسال آلاف من الجنود الأميركيين والتهديد بالاستيلاء على جزيرة خرج. ولما تعثّر التفاوض بين الشروط ال 15 الأميركية والشروط الخمسة الإيرانية، أصبح الإنذار أكثر وضوحاً: الإيرانيون مخيّرون بين قبول الشروط الأميركية أو تعريض ثروتهم النفطية لخسائر.

على رغم أن الرئيس الأميركي عوّد العالم على تقلّباته إلا أنه هذه المرّة بدا مقتنعاً بأنه لا يستطيع التردّد أو التراجع، بل لا يستطيع أن يخسر طالما أنه لم يُهزم عسكرياً. وطالما أن الخطط التي أعدّها البنتاغون دلّته أخيراً على نقطة ضعف استراتيجية يمكن أن يضغط بها على طهران، فأصبح النفط عنوان تهديده النهائي لها حتى لو قاده إلى إطالة الحرب وتعقيد أزمة الطاقة وتفرّعاتها ومضاعفة قلق الحلفاء والأصدقاء.

صحيح أن ترامب لوّح بالانسحاب من “الناتو”، في لحظة غضب من “حلفاء الأمس”، ليتركهم يتدبّرون أمورهم مع إيران في مضيق هرمز، لكن الانكفاء من دون إعلان “النصر” سيكون بمثابة انتقام أميركا من عجزها عن كسر “عقدة هرمز” وهروب من مسؤولية معالجة الفوضى التي أشاعتها حربه. فالتداعيات تناقض صورة ترامب وطريقة تفكيره، وتهزّ مكانة أميركا لدى حلفائها في الخليج. عدا عن أن الانسحاب سيعني أن طهران هي التي أنهت الحرب وليس واشنطن، أو أنه يتيح لإيران نوعاً من “النصر” بفضل “ورقة هرمز”، والأهم أنه في حالٍ كهذه سيترك إيران جريحةً وموتورة ضد دول الخليج، ما ينذر بأن حرباً قد تلد أخرى.

من العوامل التي تثير القلق أكثر فأكثر أن الثلاثي (بنيامين نتنياهو وماركو روبيو وبيت هيغسيث) الذي هندس الحرب ولا يزال يشرف على مجرياتها لم يعد يخفي أنه ينفّذ استراتيجية ذات دوافع دينية (صليبية وتوراتية) ضد نظام إيراني غطّى مشاريعه التوسعية بشعارات مذهبية. هذه الظلامية الأميركية – الاسرائيلية التي تخيم على الحرب لم يضاهها سوى ظلامية النظام الإيراني الذي أقنع نفسه طوال عقود بأنه ساعٍ إلى النصر في حرب تطلّع إليها دائماً. ومع خصمين بينهما ثارات، ومؤدلجين على هذا النحو، ينتفي الرهان على حلول تفاوضية وتتغلّب النزعة إلى ترك المنطقة في فوضى، ليتولّى آخرون سواء كانوا أوروبيين أو عرباً مسؤولية إصلاحها.

*نقلاً عن “النهار” العربي.

——————————

 عبث القوة وقوة العبث/ غازي العريضي

الاثنين 2026/04/06

تتوالى التصريحات الإسرائيلية المتناقضة حول مسار الحرب على لبنان “والمهام” التي ينفذها جيش الاحتلال. لكن المؤكد: “لا خلاف على الأهداف”. كل التصريحات تشير إلى “عنصر المفاجأة”، “وعدم تقدير قدرات حزب الله”.

ضباط في الجيش من قيادة المنطقة الشمالية قالوا: “نواجه صعوبة في رصد وتدمير منصات اطلاق الصواريخ. الحزب لديه نحو عشرة آلاف صاروخ – سابقاً قالوا خمسة عشر ألفاً- و 300 منصة إطلاق صواريخ”!

صحيفة “يديعوت أحرونوت” نقلت عن الجيش: “لن ننجح بتجريد حزب الله من سلاحه. هذا مسار بحاجة إلى احتلال كامل للبنان”! والمتحدث باسم الجيش يؤكد “ملتزمون بما يصرّ عليه رئيس الأركان بوجوب تحقيق هدف تجريد الحزب من سلاحه” …

هذه عينات “أمثلة” تصف وقائع الأرض كما يعبّر عنها قادة الاحتلال. السؤال كيف سيتحقق الهدف؟ وهل تقف الأمور عند نزع السلاح؟ هل يمكن احتلال كل لبنان؟ بعد الإقرار بسوء التقدير وعدم إنجاز المهمة حتى الآن؟

الجواب نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت”: “تصريحات الغرور من قبل قادة الجيش بشأن هزيمة الحزب توصف بالخفة. نزع السلاح لن يتحقق. لو رفع كاتس وتيرة تصريحاته من خمس في الاسبوع إلى خمس في اليوم التقييمات منذ البداية كانت مفرطة في التفاؤل”.

وزير خارجية إسرائيل جدعون ساعر قال: “لبنان لن يستعيد حريته ما لم يتخذ قراراً بمواجهة إيران وحزب الله”!

بنيامين نتانياهو أعلن: “عقدنا العزم على تغيير الوضع من الأساس في لبنان”. الحقيقة هنا. والسؤال كيف مع الوقائع المذكورة؟ الجواب في “القناة 14 الاسرائيلية”: “إذا لم تواجه الدولة اللبنانية حزب الله فسنبدأ باستهدافها”. ” والقناة 12 تعلن: “الرئيس عون يحتاج في الوقت الراهن إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل بشأن الترتيبات الأمنية على الحدود ثم اتفاق سلام لاحقاً”. “على الجيش تبني إصلاحات عميقة وعاجلة تهدف إلى تعزيز قدراته على فرض سيطرته والحد من سيطرة حزب الله”! “على الرئيس إقالة قائد الجيش الذي يرفض مواجهة الحزب نظراً للحاجة الملحة للجيش واتخاذ إجراءات أكثر حزماً”!

هذا هو الهدف الحقيقي. تخريب لبنان. معاقبة قائد الجيش واستهداف المؤسسة بحد ذاتها، التي يطالبونها بدور فاعل ويتحدثون عن تعزيز قدراتها، وقائدها قال أمام مجلس الوزراء وكل الوفود الأجنبية وفي لجنة الميكانيزم ماذا فعل ويفعل الجيش ولم يترك باباً إلا طرقه وكذلك رئيس الجمهورية لتأمين دعم للمؤسسة مفنداً الاحتياجات لاستكمال مهامها في الجنوب وكل لبنان. وهي مهام متعددة ولم يقدم شيئ للجيش. المطلوب كما ذكرنا سابقاً وفقاً لما يقال في أروقة وكواليس الاتصالات الدولية توريط الجيش في مواجهة داخلية، وهي مهمة قال عنها جان ايف لودريان موفد الرئيس الفرنسي: “عجزتم أنتم -اسرائيل- عن انجازها وتطلبون من الجيش تحقيقها خلال أيام”! وهم بما ذكرنا هنا يعترفون اليوم بذلك لكنهم يصرّون على المطلب ذاته: إقحام الجيش في هذه العملية وتنظيم حملة قاسية ضده وضد قيادته لجرّه إلى سياساتهم العبثية ومشروعهم التخريبي التدميري لتغيير لبنان من أساسه! المؤسف في هذا المجال أن ثمة أطرافاً وشخصيات لبنانية تلعب دوراً في هذا الاتجاه. تهاجم الجيش. تنتقد دوره. تحرّض على قيادته داخل أميركا امام شخصيات موتورة هناك، دعت سابقاً إلى محاسبة قائد الجيش وإقالته إذا لم يقدم على استخدام القوة التي فشلوا هم بالاستناد اليها لتحقيق هدف حصر السلاح بيد الدولة! إنها معادلة “قوة العبث وعبث القوة” التي لا تؤدي إلا إلى مزيد من الخراب والدمار والتفكك. وأمام ما يجري اليوم في المنطقة وبعد تطيير مؤتمر دعم الجيش، يوضع البلد وقيادته ومؤسسته العسكرية أمام معادلة ثانية ملازمة للأولى”الابتزاز” و”التخلي” تحت عنوان “لسنا مستعدين لتقديم الدعم لكم إذا كنتم غير ملتزمين بأهدافنا وسياساتنا”!

حسناً فعل رئيس الجمهورية مرة جديدة بمناسبة عيد الفصح، وعلى باب بكركي تحديداً عندما أكد الثوابت التي يلتزم بها والمواقف التي صدرت عن الحكومة ورفض في الوقت ذاته المساس بالسلم الأهلي وبالجيش وقيادته لأن في ذلك تخريباً وخدمة لإسرائيل.

وعندما يقول الاسرائيلي إن رئيس الجمهورية بحاجة إلى تفاوض مباشر بشأن الترتيبات الأمنية يطرح السؤال: من رفضه؟ أليست اسرائيل ومن يشاركها الموقف؟ ماذا كانت تفعل لجنة الميكانيزم على مدى اشهر بالتلازم مع عمل الجيش اللبناني على الأرض؟ نسفوا كل شيء ويحمّلون لبنان ورئيسه المسؤولية وهو جدّد التأكيد على خيار التفاوض ولا تجاوب حتى الآن!

إن الخطر الوجودي الذي يهدّد لبنان اليوم يلازمه خطر داخلي. إذ ثمة من لم يتعلّم من تجارب الماضي وتستهويه الاندفاعات غير المحسوبة وتحرّكه الغرائز والحسابات الصغيرة، ويسخر ويضحك عندما تشدّد على أهمية صون الوحدة الوطنية، والالتفاف حول الدولة ومؤسساتها، بالرغم من معرفتك بواقع الدولة، وبالخلاف العميق بين اللبنانيين. سابقاً تفككت الدولة وكان انقسام خطير، وأقفلت المناطق على بعضها البعض، وكان ثمة من يعتقد أن الحالة ثابتة وأن التقسيم قائم وسيتكرّس وكنا ننبّه إلى خطر هذا التفكير وندعو إلى التمسّك بوحدة لبنان والعمل معاً لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها. اليوم، أكثر من أي وقت مضى يجب أن تسود هذه القناعة وأن تبذل كل الجهود وتسخّر كل الإمكانات لتقريب الأفكار بين اللبنانيين، والمنطقة تعيش حالاً من الانهيار يعمّها حريق شامل ودمار كامل تؤدي إلى تغييرات دراماتيكية لن تكون في مصلحة أحد من اللبنانيين وواهم من يفكر عكس ذلك. عبث القوة مدمّر. وقوة العبث خطيرة. هذا ما يتعرض له لبنان!

المدن

————————-

ثلاث حروب لا حرب واحدة/ مأمون فندي

6 أبريل 2026 م

الحرب الدائرة اليوم في الشرق الأوسط بين إيران من ناحية، والولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية أخرى، ليست حرباً واحدة كما تبدو في عناوين الأخبار؛ بل هي ثلاث حروب متداخلة قد تعيد تشكيل الإقليم ببطء، ولكن بعمق.

من يقرأ المشهد باعتباره مواجهة مباشرة بين إسرائيل وإيران وأذرعها، متمثلة في «حزب الله» في لبنان و«الحوثيين» في اليمن، أو حتى بين واشنطن وطهران، يقع في فخ التبسيط. ما يجري في الحقيقة هو صراع متعدد الطبقات، لكل طبقة منطقها الخاص، وأدواتها، وأهدافها.

الحرب الأولى هي الحرب الإسرائيلية – الإيرانية، أو ما يمكن تسميته حرب تغيير الشرق الأوسط وفق رؤية إسرائيلية أوسع يدعو إليها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. هي حرب غير تقليدية بين دولتين تعملان عبر الشبكات والوكلاء، إذ تضرب إسرائيل في سوريا ولبنان، وتستهدف البنية العسكرية لـ«حزب الله»، في محاولة لاحتواء النفوذ الإيراني وإعادة رسم ميزان القوة الإقليمي.

أما الحرب الثانية فهي حرب استنزاف تقودها إيران ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، تعتمد فيها على أدوات غير مباشرة، من بينها التهديد بإغلاق مضيق هرمز، بما يحمله ذلك من ضغط على الاقتصاد العالمي مضافاً إليه إطلاق الصواريخ على إسرائيل بشكل يومي. هذه الحرب لا تستهدف الحسم بقدر ما تسعى إلى منع الخصم من تحقيق تفوق استراتيجي، عبر إطالة أمد الصراع وإدارة التهديد لا إنهائه.

الحرب الثالثة هي المواجهة الأميركية – الإيرانية؛ إذ تسعى واشنطن إلى تقليص قدرات إيران النووية وربما تغيير النظام أو تغيير سلوكه، بينما تراهن طهران على الصمود وتفادي الضربة القاصمة. حتى الآن، لم تحقق هذه المواجهة أهدافها الحاسمة، ما يعكس حدود القوة العسكرية حين تنفصل عن سياق سياسي واضح.

كما يذكر كارل فون كلاوزفيتز، الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى، لكنها أيضاً مجال يعاني فيه القادة من «ضباب الحرب»، حيث تغيب الصورة الكاملة وتتخذ القرارات في ظل عدم يقين. وإذا كان هذا الضباب يحيط بصناع القرار، فهو أشد كثافة لدى من يحاولون قراءة المشهد من الخارج.

عامل الزمن يلعب دوراً حاسماً في هذه الحروب الثلاث. إيران تميل إلى إطالة أمد الصراع لاستنزاف خصومها، وإسرائيل تبحث عن تغيير استراتيجي من دون أن تجد نهاية واضحة للحرب، بينما تميل الولايات المتحدة إلى تقليص المدة لتجنب التكلفة السياسية. هذا التباين في حسابات الوقت يعمّق التعقيد ويجعل الحسم أكثر صعوبة.

في العمق، نحن أمام صراع على شكل النظام الإقليمي ذاته. النظام الذي تشكل بعد الحرب العالمية الأولى يتآكل، من دون أن تتبلور بعد ملامح بديلة. الصراع لم يعد عسكرياً فقط؛ بل أصبح سياسياً واقتصادياً وشبكياً، تُعاد فيه صياغة مفاهيم النفوذ والدولة.

القوى المختلفة تسعى إلى تحقيق حد أدنى من أهدافها: إيران تريد تخفيف العقوبات والاعتراف بدورها الإقليمي، وإسرائيل تسعى إلى ترجمة تفوقها العسكري إلى واقع مستقر، والولايات المتحدة تحاول إدارة التوازن من دون الانزلاق إلى فوضى شاملة. أما الدول العربية، فتقف بين كونها أهدافاً ضمن الصراع أو فاعلين محتملين فيه، في ظل غياب مشروع إقليمي جامع.

وفي الخلفية، تتقدم قوى دولية مثل الصين بهدوء، مستفيدة من انشغال الآخرين بالصراع، لتعزيز نفوذ طويل الأمد من دون الانخراط المباشر في الحروب.

ما يميز هذه اللحظة أن النصر لم يعد يعني هزيمة عسكرية صريحة؛ بل القدرة على الصمود، وإعادة التموضع، وفرض قواعد جديدة للعبة. لذلك، فإن السؤال الأهم ليس من سينتصر في معركة بعينها؛ بل من سينجح في تشكيل النظام الإقليمي القادم.

لكن، وبينما تنشغل القوى الكبرى والإقليمية بحسابات النفوذ والاستراتيجية، يدفع المدنيون الثمن الأكبر. دول الخليج التي لم تختَر أن تكون طرفاً ضمن هذه المواجهات، أصبحت في قلب دائرة الخطر تتعرض لصواريخ وطائرات مسيّرة تجعل أمنها اليومي رهينة لصراعات الآخرين. هناك، لا تُقاس الحرب بموازين الردع؛ بل بعدد العائلات التي تعيش القلق، وبالخسائر التي تصيب الأبرياء، وبالإحساس العميق بأنهم أصبحوا ضحايا لحروب لا تخصهم مباشرة.

إن المأساة الحقيقية في هذه الحروب المتعددة ليست فقط في تعقيدها الاستراتيجي؛ بل في بساطة أثرها الإنساني: خوف، وخسارة، وعدم يقين. وفي النهاية، قد يُعاد رسم خرائط النفوذ، لكن الجرح الذي تتركه الصواريخ في حياة الناس يظل أعمق من أي حسابات سياسية.

ثلاث حروب تدور في آن واحد، تتقاطع وتتصادم، وتنتج واقعاً جديداً لم تتضح ملامحه بعد. ومن يصر على رؤيتها حرباً واحدة لن يستطيع التعرف إلى تبعاتها على الإقليم، التي ستكون طويلة الأمد بكل أسف.

الشرق الأوسط

———————

سجادة الجمر الإيراني/ غسان شربل

6 أبريل 2026 م

كان ذلك قبل سنوات طويلة. وكان قائد «فيلق القدس» الجنرال قاسم سليماني صريحاً وقاطعاً. قال لزائره إن «لا خيار أمام القوات الأميركية غير مغادرة العراق. أرض بغداد تشتعل تحت أقدام الأميركيين كأنها سجادة من نار. انسحابهم سيلحق الضرر بصورتهم وهيبتهم. يجب أن يشعر الأميركيون بأنهم يتحركون فوق النار في الشرق الأوسط برمته».

كان سليماني يترجم ليس فقط حلم المرشد علي خامنئي، بل أيضاً حلم المرشد المؤسس الخميني بطرد أميركا من الشرق الأوسط مقدمة لعزل إسرائيل وتحجيمها، وصولاً إلى استئصالها.

وفي تلك الأيام سمعت في بغداد من السياسي أحمد الجلبي كلاماً يستحق الإشارة إليه. قال إن «بين معظم أهل الشرق الأوسط وأميركا سوء تفاهم عميقاً. هي لا تفهم حساسيات مجتمعاتهم وهم لا يجيدون التعاون مع قوة هائلة مختلفة الثقافة. ينظر أهل المنطقة إلى أميركا وكأنها مجرد أساطيل. قوة أميركا ليست هناك فقط بل هي قبل ذلك في الجامعات والأبحاث والثروات والموقع والتقدم والتكنولوجيا. مصير أميركا ليس متوقفاً كما يخيل للبعض على نفط العراق وإيران. العلاقات الراسخة مع أميركا فرصة تقدم. انظر إلى اليابان وكوريا الجنوبية وغيرهما».

استوقفني أيضاً في كلامه قوله: «في إيران حلقة مهمة تضم عناصر تبالغ في كراهية أميركا ومصابة بالذعر منها وتعتبر الصدام معها حتمياً. إذا انتصرت وجهة نظر هذه الحلقة سترتكب طهران خطأ فادحاً لأن أميركا قادرة على عزل إيران وحتى على إلحاق دمار واسع بها ومن دون أن يتسنى للجندي الإيراني أن يرى جندياً أميركياً».

تذكرت قصة سجادة النار وأنا أتابع كتل النار التي تلقيها الطائرات الأميركية والإسرائيلية على أهداف في إيران، وكتل النار التي تلقيها الأخيرة على أهداف غير عسكرية في دول مجلس التعاون الخليجي والأردن. هل اختارت أميركا الذهاب إلى الحرب رداً على توسيع سياسة سجادة النار الإيرانية إلى حد الإمساك بعواصم وخرائط وممرات؟

هل نبالغ إذا قلنا إن العالم العربي يعيش منذ 1979 على انبعاثات مفاعل الجمر الإيراني؟ أصاب التغيير الذي شهدته طهران في ذلك التاريخ دولة إقليمية كبرى لم تخف حتى في أيام الشاه تطلعها إلى دور كبير ومؤثر في المنطقة بلغ حد الحديث عن «الشرطي الإيراني». ولدت ثورة الخميني في موقع حساس بالنسبة إلى المنطقة والعالم. ولدت قرب الآبار والمنابع والمضايق.

قبل أن ينشغل العالم بحديث المفاعل النووي الإيراني انشغل الإقليم بحديث مفاعل الجمر الذي أطل من قاموس الثورة. حملت الثورة منذ لحظاتها الأولى مشروعاً صريحاً لـ«نصرة المستضعفين» و«تصدير الثورة» ولم تتأخر في تثبيت هذا الحلم في دستورها. تصرفت الثورة وكأنها تتبرم من ضيق الخريطة التي ولدت فيها على رغم الحجم الشاسع لمسرح الولادة.

طرد أميركا من الشرق الأوسط حلم راود الخميني باكراً. خلال إقامته الطويلة في النجف، كان الخميني رجلاً صعب الاحتواء، وتزايدت الصعوبة بعد توقيع العراق على اتفاق الجزائر في 1975 مع إيران الشاه. نص الاتفاق صراحة على امتناع أي من البلدين عن دعم معارضي البلد الآخر. أي أن يوقف الشاه دعمه للثورة الكردية في شمال العراق، وأن توقف بغداد دعمها لمعارضي الشاه الذين تستضيفهم. وصل الأمر حد اقتراح المخابرات العراقية على صدام حسين اغتيال الخميني في العراق وإلصاق التهمة بنظام الشاه. وفوجئ أصحاب الاقتراح بجواب صدام الذي قال: «ألا يعرف هؤلاء أن ليس من عادة العراق اغتيال ضيوفه؟».

بدأت الرياح الساخنة حين عاد علي باوه مسؤول في المخابرات العراقية من زيارة للخميني في نوفل لو شاتو الفرنسية. نقل إلى صدام ما قاله الخميني وهو يختصر أن برنامج الأخير إسقاط الشاه أولاً، ثم التوجه لإسقاط «نظام البعث الكافر في العراق». خشي صدام أن تأتي ساعة يضطر فيها إلى محاربة إيران وحلفائها في شوارع بغداد، فذهب إلى الحرب مع إيران متكئاً على رهانات خاطئة.

ساد الاعتقاد أن الحرب العراقية – الإيرانية منعت تدفق الجمر الإيراني في الإقليم. لكن إيران اغتنمت فرصة الغزو الإسرائيلي للبنان في 1982، ورعت، بموافقة من حافظ الأسد، ولادة «حزب الله» اللبناني، واعتبرت ذلك تنفيذاً ناجحاً لأول عملية لتصدير الثورة.

لعبت سجادة النار الإيرانية دورها في لبنان من تفجير مقر «المارينز» إلى تفجير السفارة الأميركية وصولاً إلى فضيحة خطف الرهائن الغربيين. امتدت السجادة وترسخت وبات جنوب لبنان جبهة إيرانية – إسرائيلية.

لا يتسع المجال هنا لسرد كل المحطات. أفادت إيران كثيراً من تهور صدام حسين حين اجتاحت قواته الكويت. انشغلت المنطقة والعالم بالخطر العراقي. وفي 2003 تلقت إيران هدية كبرى بإسقاط نظام صدام وعلى يد الجيش الأميركي. تمددت سجادة النار الإيرانية في الداخل العراقي.

استنتجت القيادة الإيرانية من حربها مع العراق أن عليها إبعاد الحرب عن أرضها وإنشاء جدران حماية داخل الملاعب العربية. وهكذا راح قاسم سليماني يخطط لتطويق المنطقة بجيوش صغيرة متحركة. ثم جاءت فرصة ظهور «داعش» و«الربيع العربي» فاهتزت خرائط، بينها الخريطة اليمنية التي سيشملها تدفق الجمر الإيراني وولادة اللاعب الحوثي.

تولت الميليشيات توسيع سجادة الجمر الإيراني ونقلها إلى خرائط جديدة. اختلط تخصيب اليورانيوم بتخصيب مدى الصواريخ وترسانات الأذرع.

قرر ترمب إعادة الجمر الإيراني ليكوي الخريطة التي انطلق منها. والسؤال هو هل ستؤدي هذه الحرب إلى تبريد الجمر الإيراني أم ستعمق قناعة المرشد الجريح للبلد الجريح أن بقاء الثورة حية مرهون بالقدرة على إنتاج الجمر وتوزيعه؟

يذكّر ترمب إيران بأن الوقت ينفد، وأن الجحيم يقترب حاملاً مطراً غزيراً من الجمر الحارق. معركة حاسمة في الشرق الأوسط الرهيب.

الشرق الأوسط

———————————-

هل أخطأ ترامب مجدداً في تقدير نوايا إيران؟

عاموس يدلين وأودي افنتال

في عيد الفصح هذا، سنعرف ما إذا كان النظام الإيراني قد أخطأ مرة أخرى في تقدير نوايا الرئيس ترامب، وما إذا كان تشديد إيران لمواقفها في المفاوضات – كما فعل فرعون مع بني إسرائيل في مصر – سيوجه لها ضربات أخرى.

بعد شهر من اندلاع الحرب، دخلت إيران والولايات المتحدة الساحة الدبلوماسية بهدف مشترك: التوصل إلى اتفاق ينهيها. إلا أن الخلافات بينهما عميقة، وسيتعين على ترامب أن يقرر ما إذا كان سيتخذ خطوة أخرى نحو التصعيد، في ظل البدائل المتنوعة المتاحة له، سواء العسكرية أو البرية.

لا ينبغي لإسرائيل، التي أصبحت لاعباً ثانوياً نسبياً في هذه الحملة، أن تستبعد مسبقاً التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، على غرار النقاط الخمس عشرة التي طرحها ترامب، والتي من شأنها معالجة التهديد النووي الوجودي والتهديد الصاروخي. في الوقت نفسه، من الأفضل لإسرائيل إنهاء الحرب دون اتفاق على الإطلاق، مع الحفاظ على أقصى قدر من الضغط على إيران، بدلاً من التوصل إلى اتفاق سيئ. في مثل هذا السيناريو، من الضروري أن ينفذ ترامب الإنذار الذي وضعه وأن يهاجم البنية التحتية الحيوية في إيران، قبل نهاية الحرب، بطريقة تردع إيران عن العودة لإغلاق مضيق هرمز أو تهديد دول الخليج في صراعات مستقبلية.

رقعتا شطرنج متوازيتان

قبل شهر، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل في حرب ضد إيران. وكانت ذريعة الحرب مزيجًا من رفض إيران التنازل والتوصل إلى اتفاق يمنعها من تطوير أسلحة نووية، وجهود حثيثة من جانب النظام في طهران لتوسيع ترسانته الصاروخية إلى آلاف الصواريخ التي من شأنها أن تشكل تهديدًا خطيرًا، بل وجوديًا، لإسرائيل. من وجهة نظر النظام في طهران، النظام الصاروخي الإيراني لا يهدف إلى بسط النفوذ وتهديد دول المنطقة فحسب، بل أيضاً، وربما بالدرجة الأولى، إلى أن يكون رادعًا يحمي إيران، التي قد تتمكن في المستقبل، من الوصول إلى قنبلة نووية، عندما تسمح لها الظروف السياسية والتكنولوجية بذلك.

وعلى مدار الشهر الماضي، دارت رحى الحرب على رقعتي شطرنج

على الصعيد العسكري التقليدي، يتكبد النظام الإيراني خسائر فادحة، في ظل تفوق إسرائيل والولايات المتحدة، اللتين تشنّان هجمات ممنهجة على منظومات إيران العسكرية، مع التركيز على الصواريخ الباليستية والأسلحة النووية والدفاع الجوي والبحرية، وعلى أسس صناعاتها العسكرية.

أما على الصعيد الاقتصادي والطاقي، الذي نجحت إيران في تحويل حملتها إليه لخلق اختلال في موازين القوى وتعويض هزيمتها العسكرية، فإنها تُعرّض الاقتصاد العالمي ودول الخليج للخطر، في محاولة منها لتحقيق توازن ردع في مواجهة الولايات المتحدة.

في نهاية الشهر، تلاشت فكرة تصوير الحرب كمحاولة لتغيير النظام في إيران -وهي فكرة غير واقعية منذ البداية في حرب تُشنّ من الجو – من عناوين الأخبار، ودخلت الولايات المتحدة المجال الدبلوماسي مع النظام الإسلامي، بقيادة نجل خامنئي هذه المرة، وبسيطرة الحرس الثوري. وتُجرى المفاوضات في ظل إنذار نهائي وجّهه ترامب، والذي مُدّد مرتين وينتهي في السادس من أبريل، يقضي بشن هجوم على البنية التحتية للكهرباء والطاقة الإيرانية إذا استمرت إيران في تبني مواقف متشددة في المحادثات.

بين الاتفاق والتصعيد

في ظل هذه الظروف، وصلت الحرب إلى مفترق طرق: بين اتفاق – الذي قد يُمدّد ترامب إنذاره مرة أخرى لتحقيقه في حال إجراء مفاوضات جادة – وتصعيد إضافي، في حال انهيار المحادثات واستمرار حصار مضيق هرمز. تجدر الإشارة إلى أن نوعاً من “التبادل للخروج” ممكن أيضاً حتى قبل هذا التقاطع، في سيناريو تسهّل فيه إيران المرور عبر المضيق ويكون ترامب راضياً عن الإنجازات العسكرية للحملة.

على أي حال، تحولت الحرب، التي بدأت بهجوم إسرائيلي أمريكي منسق غير مسبوق في تاريخ البلدين، إلى صراع أمريكي إيراني، أصبحت فيه إسرائيل طرفًا ثانويًا، تساهم في “المفاوضات تحت نيران العدو”، وتُكمل تدمير البنية التحتية العسكرية والصناعية الإيرانية، وتُساعد في الدفاع عن دول الخليج.

في ظل الواقع الراهن، إليكم السيناريوهات المحتملة، من التوصل إلى اتفاق إلى التصعيد، مع دخول الحرب شهرها الثاني:

سيناريوهات الاتفاق

يبدو التوصل إلى اتفاق شامل بين الطرفين، أثناء الحرب، أمرًا صعبًا في الوقت الراهن نظرًا للفجوات الكبيرة بين نقاط الولايات المتحدة الخمس عشرة ومطالب إيران الخمسة. مع ذلك، قد تُبرم اتفاقيات أولية قابلة للقياس ومحددة، إلى جانب بنود أكثر غموضًا لبقية الطريق، تُفضي إلى إنهاء الحرب (اتفاق على غرار “نموذج غزة”).

يمكن تحديد أربعة أنواع من الاتفاقات المحتملة: “الهدوء مقابل الهدوء”، والذي ينطوي أساسًا على فتح مضيق هرمز مقابل وقف إطلاق النار واستمرار المفاوضات بعد ذلك؛ وضمانات أمنية أمريكية بعدم تجدد الحرب مقابل تنازلات إيرانية بشأن الملف النووي؛ وتخفيف العقوبات مقابل تفاهمات بشأن الملف النووي؛ واتفاق شامل لرفع عقوبات واسعة النطاق مقابل اتفاقات جوهرية بشأن الملف النووي والصواريخ والوكلاء.

لا ينبغي لإسرائيل أن تعارض أي اتفاق مع النظام مسبقًا، لا سيما بشأن القضية الجوهرية – الملف النووي. إن اتفاقًا غير محدد المدة، يضمن عدم بقاء اليورانيوم عالي التخصيب في إيران، ويمنعها من تكديس اليورانيوم، ويتضمن آليات تفتيش صارمة، هو اتفاق جدير بالنقاش. من جهة أخرى، إذا كان الاتفاق سيئًا، فمن الأفضل إنهاء الحرب دون اتفاق على الإطلاق بدلًا من اتفاق لا يقدم حلًا للتحدي النووي، ويُبقي النظام في طهران على قيد الحياة.

إنهاء الحرب دون اتفاق، وفق نموذج “الهدوء مقابل الهدوء”، سيتيح للساحة الإقليمية والدولية مواصلة حملة الضغط القصوى على النظام الإسلامي، وسيُبقي خيار التعامل عسكرياً مع اليورانيوم المخصب إذا حاول الإيرانيون استخراجه من أعماق الأرض في المواقع النووية المدمرة.

سيناريوهات التصعيد

تواصل الولايات المتحدة حشد قواتها في الشرق الأوسط، مع التركيز على القوات البرية، مما يمنح الرئيس ترامب خيارات متعددة للتحرك. على عكس إيران، التي قد تُكرر النهج نفسه، يستطيع ترامب، إن شاء، تصعيد الموقف بعدة طرق، عسكرية وبرية، وفرض عقوبات باهظة على إيران.

الخيار الأول، وفقاً للإنذار الذي وضعه ترامب، هو إلحاق الضرر بالبنية التحتية الوطنية، ولا سيما البنية التحتية لإنتاج الكهرباء والطاقة.

ثمة بديل ثانٍ، أكثر تعقيدًا وخطورة، يتمثل في استخدام قوات برية وبحرية مشتركة لتحقيق هدف واحد أو أكثر من الأهداف الثلاثة التالية: فتح مضيق هرمز مع السيطرة على جزر استراتيجية، وربما على الساحل الإيراني؛ والاستيلاء على جزيرة خرج النفطية، التي تُصدّر منها إيران نحو 90 في المئة من نفطها، بما يُلحق الضرر بالمركز الاقتصادي للنظام وقدرته على العمل؛ وعملية لاستخراج اليورانيوم المخصب من إيران، وهو ما يدرسه ترامب، كما ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال.

في ظل غياب أي تقدم دبلوماسي مع إيران، من الضروري أن يُنفّذ ترامب الإنذار الذي وجّهه بمهاجمة البنية التحتية للكهرباء والطاقة الإيرانية من الجو، بما في ذلك جزيرة خرج، قبل نهاية الحرب، أو كجزء من “اتفاق نهائي”. وهذا يهدف إلى فرض ثمن باهظ على النظام لاستخدامه أساليب غير شرعية، مثل إغلاق الممرات الملاحية الدولية، وإلحاق الضرر بدول الخليج العربي، وابتزاز نووي.

بصرف النظر عن نتيجة الحرب، يجد النظام الثوري الإيراني نفسه في أحلك لحظات تاريخه. فبعد عامين من “سقوطه” وهجومه الصاروخي على إسرائيل، لأول مرة مباشرة من إيران، بات النظام غارقًا في مشاكل جمة مع الولايات المتحدة، إثر انتفاضة غير مسبوقة ضدها، في حين أن كبار قادته، مخططي تدمير إسرائيل، قد رحلوا عن عالمنا.

يبدو أن الشعب الإيراني، الذي يُعدّ ربما أشجع شعب في العالم في نضاله ضد نظام استبدادي قاتل، لم ينطق بكلمته الأخيرة بعد. إن التوقعات بخروجهم إلى الشوارع أثناء الحرب مبالغ فيها؛ فمئات الآلاف من عناصر الأمن منتشرون هناك، مُكلّفون بإطلاق النار بقصد القتل، والقصف الأمريكي والإسرائيلي مرعب، وصدمة المجازر الجماعية في الاحتجاجات الأخيرة لا تزال حاضرة بقوة.

لكن عندما تهدأ الأمور، لن يكون بالإمكان إخفاء الضربات التي تلقاها النظام، المعزول داخليًا وإقليميًا وعالميًا بشكل غير مسبوق، والعاجز عن حلّ مشاكل إيران المزمنة والمتجذرة في الاقتصاد والبنية التحتية وغيرها. سيأتي دور الجماهير في الشوارع عاجلاً أم آجلاً، كما حدث بعد نحو ستة أشهر من حملة “الأسد الصاعد”.

N12/ معهدMind Israel 6/4/2026

القدس العربي

———————————

جحيم ترامب: ماذا عن المنطقة العربية؟

اختار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم عيد الفصح المسيحي، ليطلق منشورا متخما بالألفاظ البذيئة ضد الإيرانيين يمكننا أن نذكر منها وصفهم بـ»الأوغاد المجانين» وتهديدهم بأن «يعيشوا في الجحيم» إذا لم يتوصل النظام الحاكم في طهران إلى اتفاق معه أو إلى إعادة فتح مضيق (…) هرمز.

أنذر ترامب في تهديده بقصف محطات الطاقة وتدمير الجسور في إيران غدا الثلاثاء، وذلك بعد أن كرر مرات كثيرة التعهد بفتح المضيق، ثم انتهى، في خطاب وجهه إلى الأمة قبل ذلك، للقول إن المضيق «سيفتح بشكل طبيعي» عندما ينتهي الصراع!

ليس ترامب، على أية حال، معروفا بانتقاء كلماته، لكن ارتفاع منسوب البذاءة هنا يشير إلى أن الرئيس الأمريكي يعيش «ضائقة» شديدة سببها قرار الجمهورية الإسلامية إغلاق مضيق هرمز – إلا على السفن التي يُسمح لها بالمرور – مما خلق أزمة طاقة عالمية وساهم في عوامل الهبوط في شعبية الرئيس الأمريكي، الذي طاردته مظاهرات «لا ملوك» مؤخرا، وتزامنت مع خلافات بين كبار الجنرالات ووزير الحرب بيت هيغسيث (الإعلاميّ الإسلاموفوبيّ صاحب سمعة السكير)، الذي سارع إلى إقالة رئيس أركان الجيش (القوات البرية) وضباط كبار آخرين.

أشعل ترامب نار الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران من دون أن يستشير حلفاءه العرب في المنطقة، وخصوصا في دول الخليج العربي، التي أخذت بالتعرّض لهجمات من إيران والفصائل المحسوبة عليها طالت، إضافة إلى القواعد العسكرية الأمريكية، منشآت النفط والغاز والكهرباء والماء والمصانع وحتى المطارات والفنادق، كما دخل العراق أتون الأزمة بشكل كبير مع هجمات من قبل الفصائل على كردستان العراق ومناطق تواجد الأمريكيين، وهجمات مضادة على «الحشد الشعبي» وقواعده وقادته وعناصره، ووصلت الهجمات إلى ثكنات مشتركة مع الجيش العراقي.

دخل ترامب الحرب أيضا من دون استشارة حلفائه الغربيين في حلف «الأطلسي»، ومع توقّف مضيق هرمز، وتعرّض اقتصاداتهم ومصالحهم للضرر الجسيم، مع ارتفاع أسعار الطاقة والبضائع وتعطّل الملاحة، كان واقعيا من هذه الدول التي تعرّضت في ولاية ترامب الأخيرة إلى أشكال التهديد والسخرية والإذلال، فيما يخص حرب أوكرانيا، وحرب التعريفات الجمركية، ومطالبه بالاستيلاء على كندا وغرينلاند، إلى رفض مطالبته لهم بإرسال قوات لدعمه في حربه، أو في فتح مضيق هرمز بالقوة.

قبل يوم الثلاثاء «الجهنّمي» الموعود، سارع «الحرس الثوري» الإيراني لإعلان مسؤوليته عن سلسلة هجمات استهدفت منشآت بتروكيميائية وبنى تحتية للطاقة في الإمارات والكويت والبحرين، فاتحا نطاق التصعيد ليطال قلب صناعة الطاقة في الخليج، إضافة إلى تأكيده تنفيذ هجمات على منشآت طاقة مرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل، بينها مصفاة في حيفا تزود الطائرات الحربية بالوقود.

في مسعى البحرين والإمارات لإصدار مشروع قرار في الأمم المتحدة يطالب باستخدام القوة لفتح المضيق، استخدمت الصين وروسيا وفرنسا حق الفيتو، وهو ما يُسقط إمكانيات حل قانونيّ دولي لاستخدام القوة ضد إيران، ويعيد المسألة إلى صانعها الأساسي الذي أشعل أوارها: إسرائيل.

كانت الحرب هدفا رئيسيا سعى إليه بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، لعشرات السنين، وتشير الوقائع المتزايدة أن نتنياهو تمكن من إقناع ترامب أن الحرب ستنتهي خلال أيام عبر القضاء على قادة إيران الكبار وقيام الجماهير الإيرانية، على إثر ذلك، بإسقاط النظام.

ما حصل فعلا كان أمرا شديد الاختلاف عن السيناريو المرسوم، وأدى إلى دخول الشرق الأوسط برمّته إلى الجحيم.

القدس العربي

————————————————

 بين الأيديولوجيا والعنف.. كيف يُعاد تشكيل العالم؟/ عدي محمد الضاهر

2026.04.06

تأتي محاضرة الصحفي الشهير كريس هيدجز في جامعة برينستون كصرخة فكرية حادة في لحظة تاريخية مضطربة، حيث تتقاطع الحروب مع تحولات عميقة في بنية النظام العالمي، وتتكشف التناقضات الأخلاقية والسياسية التي تحكم العلاقات الدولية.

يبرز اسم كريس هيدجز كأحد الأصوات النادرة التي ترفض الانخراط في السرديات الجاهزة في المجتمع الغربي، فهو ليس مجرد صحفي عابر للأحداث، بل شاهد على الحروب ومفكّر تشكّلت رؤيته في قلب مناطق النزاع، حيث عمل لسنوات مراسلاً في الشرق الأوسط لصالح نيويورك تايمز، قبل أن يتحول إلى ناقد شرس للمنظومة التي كان جزءاً منها.

في رحاب جامعة برينستون، وفي تاريخ 27 من مارس 2026، جاءت هذه الندوة في توقيت بالغ الحساسية، تزامناً مع حرب غزة وما رافقها من جدل واسع داخل المجتمع الأميركي، خاصة في الأوساط الأكاديمية.

لم تكن المحاضرة مجرد عرضٍ لوجهة نظر، بل مواجهة فكرية داخل “بيت صناعة القرار”، حيث اختار هيدجز أن يطرح أسئلة مزعجة حول طبيعة النظام العالمي، ودور الولايات المتحدة، وكيف تُصاغ الروايات التي تبرر الحروب.

لا يتعامل هيدجز مع ما يجري في غزة أو مع الحرب مع إيران بوصفه أحداثاً منفصلة، بل يضعها ضمن سياق تاريخي ممتد، يرى فيه أن ما نشهده اليوم هو تعبير متأخر لمسارات طويلة من الاستعمار، والرأسمالية المتوحشة، وتزاوج السلطة مع العنف الممنهج.

الحروب الحديثة

ينطلق هيدجز من فكرة أن الحروب الحديثة لم تعد تُخاض فقط لأسباب جيوسياسية تقليدية، بل أصبحت جزءاً من منظومة اقتصادية وأيديولوجية تُعيد إنتاج نفسها عبر الأزمات.

في هذا الإطار، تتحول غزة إلى نموذج مكثف ليس فقط للصراع، بل لكيفية إدارة العالم للأزمات الإنسانية. فالمجازر بحسب طرحه، لا تُفهم فقط من خلال الفاعل المباشر، بل من خلال البنية التي تسمح بحدوثها، وتوفر لها الغطاء السياسي والإعلامي.

هنا يربط بين ما يحدث اليوم وبين إرث طويل من الاستعمار، حيث كانت الشعوب تُجرّد من إنسانيتها لتبرير السيطرة عليها، وهو المنطق نفسه الذي يعاد إنتاجه بلغة حديثة.

يرى هيدجز أن أخطر ما في اللحظة الراهنة ليس العنف بحد ذاته، بل الخطاب الذي يشرعنه، فالأيديولوجيات التي تقدم نفسها كحاملة للقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، قد تتحول في لحظات الأزمات، إلى أدوات لتبرير القمع والإبادة.

هذا التناقض، في نظره هو ما يكشف هشاشة النظام العالمي الحالي، الذي يقوم على ازدواجية المعايير، حيث تُمنح بعض الشعوب الحق في الدفاع عن نفسها، في حين يُجرّم هذا الحق عندما تمارسه شعوب أخرى.

ويرى أن أهداف الصهيونية هو الاستيلاء على كامل فلسطين وإبادة الشعب الفلسطيني، وأن الهدف النهائي للائتلاف الحاكم منذ بداية الحرب على غزة بقيادة نتنياهو هو تدمير فكرة دولة فلسطين بشكل دائم، وهو ما سيتم تحقيقه من خلال أعمال الإبادة الجماعية والتطهير العرقي.

ويستشهد بمنع الطعام والماء والأدوية وقصف المستشفيات في أثناء الحرب كأمثلة على هذه الأعمال. ويذكر أن إسرائيل، مع صعود اليمين المتطرف إلى السلطة، قد تطورت إلى دولة فصل عنصري فاشية ستواصل السعي إلى تحولها إلى دولة نقية عرقيًا ودينيًا.

التحول  داخل المجتمعي الأميركي

في تحليله للتحول داخل المجتمع الأميركي، يشير هيدجز إلى أن حرب غزة شكلت نقطة انعطاف، خاصة لدى الأجيال الشابة. فمشاهد الدمار، وانتشارها الواسع عبر وسائل الإعلام البديلة، كسرت احتكار الرواية الرسمية، وفتحت المجال أمام تساؤلات عميقة حول دور الولايات المتحدة في العالم. هذا التحول لا يعني بالضرورة تغييراً فورياً في السياسات، لكنه يعكس تصدعاً في الإجماع التقليدي، وبداية تشكل وعي نقدي جديد.

ويربط هيدجز بين الحرب وصعود ما يسميه بـ”الفاشية المُقنّعة”، حيث يتم استخدام الخوف والأزمات لتوسيع سلطة الدولة وتقليص الحريات.

في هذا السياق، تصبح الحروب الخارجية وسيلة لضبط الداخل، عبر خلق عدو دائم، وتغذية الشعور بالتهديد، وهذا النمط، الذي تكرر في تجارب تاريخية عديدة، يجد اليوم تعبيره في سياسات أمنية متشددة، وفي خطاب إعلامي يقوم على الاستقطاب والتخويف.

الحرب على إيران

أما فيما يتعلق بإيران، فيراها جزءاً من معادلة أوسع، حيث يتم توظيف التوتر معها لإعادة تشكيل التحالفات الدولية. الصراع هنا لا يُفهم فقط كخلاف إقليمي، بل كأداة ضمن صراع أكبر على النفوذ، وعلى شكل النظام العالمي القادم.

في هذا السياق، تبدو المنطقة وكأنها ساحة اختبار لإعادة توزيع القوة، حيث تُستخدم الحروب كوسيلة لإعادة رسم الخرائط السياسية والاقتصادية.

وإذا ما تمعّنا في بنية هذه الصراعات، سنجد أن أحد أخطر الأدوات التي ساهمت في إدامتها هو تغذية الانقسامات الطائفية والمذهبية، ليس بوصفها واقعاً طبيعياً فحسب، بل كأداة سياسية واعية لإدارة الصراع، وفي هذا السياق، يمكن قراءة كثير من أحداث المنطقة، من تداعيات غزو العراق 2003 باعتبارها لحظات تم فيها تفكيك النسيج الاجتماعي وإعادة تشكيله على أسس هوياتية ضيقة.

هذه الانقسامات لم تنشأ من فراغ، بل جرى تضخيمها وتسييسها عبر قوى داخلية وخارجية، بحيث تتحول الطائفة إلى إطار ولاء بديل عن الدولة، وإلى أداة تعبئة تُستخدم لتبرير العنف واستدامته.

وفي هذا الإطار، تصبح الصراعات الإقليمية، بما فيها التوتر بين إيران وخصومها، جزءاً من لعبة أوسع تُدار عبر استثمار البعد الطائفي لتوسيع النفوذ وتعميق الاستقطاب، فبدلاً من أن تُفهم هذه الصراعات كتنافس سياسي أو استراتيجي فقط، يتم تقديمها كصراع هويات، ما يمنحها طابعاً أكثر حدة واستمرارية.

هذا النمط لا يخدم فقط القوى الإقليمية، بل يتقاطع أيضاً مع مصالح النظام العالمي الذي أشار إليه هيدجز، حيث يؤدي تفكيك المجتمعات إلى كيانات متناحرة إلى إضعاف قدرتها على مقاومة الهيمنة أو بناء مشروع سياسي مستقل.

ولا يغفل هيدجز عن دور الشركات الكبرى، خاصة في مجالات السلاح والطاقة، التي تستفيد من استمرار الصراعات. فالحرب، كما يراها، ليست فقط قراراً سياسياً، بل هي أيضاً مشروع اقتصادي ضخم، تتداخل فيه المصالح بين الدولة ورأس المال، هذا التداخل يجعل من الصعب إنهاء الحروب، لأن هناك قوى قوية تستفيد من استمرارها.

دور ايران في الانقسامات داخل المجتمعات العربية

ضمن هذا السياق المركّب، دور إيران في المنطقة لم يقتصر على كونه فاعلاً سياسياً تقليدياً، بل اتخذ بعداً أيديولوجياً توسعياً يستند إلى خطاب ثوري ذي طابع طائفي. فبحسب هذا المنظور، عملت طهران على استثمار الفراغات التي خلّفتها الحروب والانهيارات، كما حدث بعد غزو العراق 2003 أو في سوريا واليمن ولبنان، لتوسيع نفوذها عبر شبكات من الفاعلين المحليين المرتبطين بها عقائدياً وسياسياً.

هذا التمدد لم يكن مجرد تحالفات فقط بل ساهم في تعميق الانقسامات داخل المجتمعات العربية، عبر تعزيز الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة، ما أدى إلى إضعاف الدولة المركزية وتحويل بعض الدول إلى ساحات صراع مفتوح.

في النهاية، لا يقدم كريس هيدجز إجابات سهلة، بل يدعو إلى إعادة التفكير في الأسس التي يقوم عليها النظام العالمي. يرى أن التغيير الحقيقي لا يمكن أن يأتي من داخل المؤسسات التي أنتجت هذا الواقع، بل من خلال وعي جماعي جديد، يرفض التطبيع مع العنف، ويعيد الاعتبار للقيم الإنسانية الأساسية.

في خضمّ هذا التحول، تبدو ملامح وعيٍ جماهيري جديد في الغرب آخذة في التشكل، وعيٌ يعيد طرح الأسئلة حول العدالة والحرب وأخلاقيات القوة، غير أنّ هذا الوعي، على أهميته، يظل معلقاً بين الإمكان والحدود:

هل يمتلك القدرة الفعلية على التأثير في مسار الحروب أو إيقافها؟ هل يمكن أن يتحول إلى قوة ضغط حقيقية على الأحزاب وصنّاع القرار؟ أم أنه سيبقى صوتاً أخلاقياً عالياً، لكنه محدود الأثر أمام ثقل المصالح الاقتصادية وشبكات النفوذ التي تحكم النظام العالمي؟

تلفزيون سوريا

————————————–

 “باب الجحيم” الأميركي… ماذا يتضمن بنك أهداف الضربة المحتملة في إيران؟/ نادر عزالدين

 لم يكن ترامب يتحدّث عن أهداف عسكرية تقليدية في إيران، بل عن ضربة تستهدف بنية الدولة نفسها: الطاقة، النقل، والعقد التي تربط الداخل بالساحل.

عندما لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفتح “باب الجحيم” في إيران، محدّداً الثلاثاء “يوماً لمحطات الطاقة والجسور”، ثم عاد فأجّل مهلة فتح مضيق هرمز إلى الثامنة من مساء اليوم نفسه بتوقيت شرق الولايات المتحدة قبل أن ينفّذ وعيده، لم يكن يتحدّث عن أهداف عسكرية تقليدية، بل عن ضربة تستهدف بنية الدولة الإيرانية نفسها: الطاقة، النقل، والعقد التي تربط الداخل بالساحل.

شبكة الكهرباء: أسرع مدخل لشلّ الدولة

تبدأ الخريطة من قطاع الكهرباء، الذي يعتمد أساساً على الغاز الطبيعي، ما يجعله مرتبطاً مباشرة بحقل بارس الجنوبي الذي يؤمّن نحو 70% من استهلاك إيران. أي ضغط على هذه المنظومة ينعكس فوراً على المدن، الصناعة، والاتصالات.

من أبرز المحطات المعروفة، محطة الشهيد رجائي في قزوين بقدرة تفوق 2000 ميغاواط، وهي من أعمدة الشبكة الوطنية، ومحطة بندر عباس بقدرة تقارب 1900 ميغاواط، التي تكتسب أهمية إضافية بسبب موقعها في جنوب البلاد قرب مضيق هرمز.

أما مفاعل بوشهر (نحو 900 ميغاواط)، فيبقى حالة مختلفة: أهميته تتجاوز الكهرباء إلى البعد السيادي والسياسي، ما يجعله أكثر حساسية من أي محطة تقليدية. ويُعدّ من الخطوط الحمراء نظراً لطابعه النووي، إذ إن أي تسرب إشعاعي محتمل قد يتسبب بأضرار كبيرة تطاول المدنيين بشكل مباشر، وتمتد تداعياته إلى دول قريبة، ولا سيما دول الخليج المطلة على الضفة المقابلة.

الطاقة: قلب الاقتصاد الإيراني

إذا كانت الكهرباء تشلّ الداخل، فإن الطاقة تضرب الاقتصاد مباشرة.

في هذا السياق، يبرز حقل بارس الجنوبي كأهم منشأة طاقة في إيران، كونه أكبر حقل غاز في العالم ومصدر معظم الإنتاج المحلي.

ويأتي بعده جزيرة خرج، التي تمر عبرها نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية، ما يجعلها شرياناً اقتصادياً حيوياً.

أما ميناء جاسك، فيمثّل محاولة إيرانية للالتفاف على مضيق هرمز، مع قدرة تخزين متنامية، ما يضيف بُعداً استراتيجياً لأي ضغط محتمل عليه.

المصافي: الضربة الاقتصادية المباشرة

تملك إيران قدرة تكرير إجمالية تقارب 2.6 مليون برميل يومياً، لكنها لا تتركز في عدد محدود من المنشآت، بل تتوزع على شبكة واسعة من المصافي. ومع ذلك، تبرز مجموعة من المصافي الكبرى التي تشكّل العمود الفقري لهذه القدرة:

–         مصفاة عبادان (نحو 400 ألف برميل/يوم)

–         مصفاة أصفهان (نحو 375 ألفاً/ يوم)

–         مصفاة بندر عباس (نحو 320 ألفاً/ يوم)

–         مصفاة الإمام الخميني – شازند (أراك) (نحو 250 ألف برميل/يوم)

وإلى جانب هذه المصافي، تلعب منشأة “نجم الخليج الفارسي” (Persian Gulf Star) قرب بندر عباس دوراً محورياً في معالجة المكثفات الغازية وإنتاج الوقود، بطاقة تتجاوز 350 ألف برميل يومياً، ما يجعلها من أهم ركائز الاكتفاء الداخلي من البنزين.

كذلك، تضم المنظومة مصافي إضافية بطاقة أقل نسبياً، مثل طهران، تبريز، شيراز، كرمنشاه، لاوان.

وعليه، فإن أي تعطيل لعدد محدود من هذه العقد الرئيسية، ولا سيما عبادان، أصفهان، بندر عباس وشازند، لا يقتصر تأثيره على الصادرات، بل يمتد مباشرة إلى السوق المحلية وإمدادات الوقود داخل البلاد.

الجسور: استهداف الممرات لا الهياكل

على خلاف ما قد يوحي به خطاب ترامب، لا تكمن أهمية الجسور في إيران في كل جسر على حدة، بل في كونها جزءاً من ممرات استراتيجية.

أبرز هذه الممرات:

–         محور طهران – قم – أصفهان (الشريان الرئيسي بين الشمال والجنوب)

–         محور أصفهان – الأهواز الذي يربط العمق الصناعي بإقليم خوزستان النفطي

–         محور بندر عباس – الداخل المرتبط مباشرة بمضيق هرمز

في هذا السياق، تبرز جسور نهر كارون في الأهواز كعقد حيوية، كونها تربط منطقة النفط بباقي البلاد، فيما يشكّل جسر صدر في طهران مثالاً على الجسور الحضرية التي يؤدي تعطيلها إلى شلل داخل العاصمة.

هرمز: العقدة النهائية

إذا كان الهدف المعلن هو فتح مضيق هرمز، فإن الخريطة تنتهي في الجنوب، حيث تشكّل بندر عباس والموانئ المحيطة بها مركز الثقل البحري الإيراني.

وتشير تقارير إلى أن مواقع دعم بحرية، مثل ثكنات الحرس الثوري المرتبطة بالساحل، تلعب دوراً أساسياً في قدرة إيران على تهديد الملاحة، ما يجعلها جزءاً من أي محاولة لتقليص هذه القدرة.

ضربة “وظيفية” لا شاملة؟

الخلاصة أن أي ضربة محتملة، إذا وقعت، لن تكون عشوائية، بل أقرب إلى عملية مركّبة تستهدف: الكهرباء والطاقة وعقد النقل وقدرات تعطيل الملاحة في هرمز. أي شلّ الدولة اقتصادياً ولوجستياً، مع تقليص قدرتها على الرد، من دون الذهاب فوراً إلى تصعيد نووي شامل.

وفي هذا الإطار، لا تعكس تهديدات ترامب مجرد نية تصعيد، بل تصوراً لضربة وظيفية: تضرب ما يسمح لإيران بالاستمرار، لا فقط ما يسمح لها بالقتال.

النهار العربي

——————

====================

تحديث 05 نيسان 2026

——————————

 سوريا تجنّبت الحرب.. لكنها بقيت في دائرة الحدث/ ناصر زيدان

السبت 2026/04/04

زيارات الرئيس السوري أحمد الشرع إلى ألمانيا وبريطانيا، وتراجع حكومته عن التدخل عسكرياً في لبنان بحجة كبح جماح دخول عناصر من حزب الله الى الأراضي السورية، وتجنُّب اتخاذ أي موقف من الحرب الدائرة – باستثناء التضامن مع دول الخليج العربي – لم يُحيّدها عن دائرة الضوء. هي بقيت في قلب الحدث، والتداعيات الخارجية للحراك السوري، كما ارتدادات بعض الخطوات الداخلية المُتسرِّعة؛ لاقت اهتماماً استثنائياً، وقد تتفاعل انعكاسات هذا الاهتمام أكثر فأكثر في المستقبل القريب.

يمكن ذكر ثلاثة محطات هامة في السياق المنوه له أعلاه:

أولاً: أي منحى لنهاية الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وايران وحلفائها من جهة ثانية، سيكون له انعكاسات على الساحة السورية. فنهاية من دون هزيمة لإيران سيؤدي الى إعادة تجميع أوراق الضغط التي تمتلكها من خلال الحشد الشعبي في العراق، ومن خلال حزب الله في لبنان، لمضايقة الإدارة السورية الجديدة، وطلب تحصيل ما تسميه الديون السيادية والتي دفعتها طهران مساندةً للنظام البائد، وهي تقارب الـ 50 مليار دولار، كما ستحاول إعادة تشغيل مجموعات تابعة لها لتوفير امدادات لحليفها اللبناني عبر الأراضي السورية. أما انتصار إسرائيل فسيؤدي حكماً الى بروز متاعب اضافية أمام الإدارة السورية، نظراً للطموحات العدوانية التي تضمرها اتجاه سوريا.

ثانياً: الوقائع التي فرضتها الحرب حتى الآن، سلَّطت الضوء على أهمية الجغرافيا السورية، وبدأ التعاطي بجدية مع استخدام هذه المكانة لحلّ جزء من المأزق الاقتصادي الاستراتيجي الناتج عن إقفال مضيق هرمز، واحتمال إقفال مضيق باب المندب، وبالتالي يمكن تمرير قسم كبير من الصادرات النفطية وغير النفطية عبر الأراضي السورية وموانئها. وبالفعل فقد بدأت الصهاريج العراقية تنقل النفط الى ميناء طرطوس بما يزيد عن 650 ألف طن شهرياً وفق العقد الجاري تنفيذه، كما بدأ اصلاح الأنابيب التي تربط بين كركوك العراقية والساحل السوري وهو متوقف منذ العام 2003، كذلك بدأ العمل بتأهيل خط “التابلاين” القادم من السعودية، ومباحثات الرئيس الشرع في أوروبا تناولت بناء شراكة في مجال الطاقة مع ـلمانيا، وهناك اتصالات متقدمة ذات صلة تجري بواسطة الأردن لتعزيز المعبر البري “كوريدور الشرق الأوسط”، وأشار اليها المبعوث الأميركي الخاص توم باراك.

ثالثاً: الوضع الداخلي في سوريا لا يسير بالاتجاه الذي يخدم الدور الجديد المُنتظر للبلاد، فهناك ملفات لا بد من معالجتها، لا سيما موضوع الحريات العامة، وحفظ حقوق الإنسان عن طريق تطبيق فعلي لمندرجات الإعلان الدستوري الذي وقَّعه الشرع في 13 آذار/ مارس 2025، وتضمَّن احترام التنوع في سوريا. وما يجري من هجمات وإجراءات فئوية في أكثر من منطقة، لا يتطابق مع مضمون الإعلان، وهو يسيء لمكانة سوريا، ويُعيق مسيرة التعافي وإعادة الإعمار، لأن الشرط الأساسي لنجاح هذه الرؤى التي تتبناها الإدارة السورية الجديدة؛ هو وجود قانون صارم يحفظ كرامة كل المكونات السورية، ويضبط أي تفلُّت أمني، ويقمع أي تعدٍ، ويمنع إصدار مذكرات فئوية ومناطقية فيها تمييز عنصري، كما حصل مع مذكرة محافظ دمشق الأخيرة التي منع فيها تقديم المشروبات الروحية في المطاعم، وأشار الى تقسيم أحياء المدينة، منها ما يُسمح فيه ببيع المشروبات، (كباب توما وباب شرقي) ومنها ما يُمنع فيها مثل هذا البيع.

جاء في مذكرة صادرة عن بطريرك انطاكيا وسائر المشرق للروم الكاثوليك يوسف العبسي، في 28 آذار/ مارس الماضي؛ طلب إلغاء احتفالات الفصح لهذا العام في كنائس دمشق نظراً للأوضاع الراهنة غير المشجعة، في إشارة واضحة للتوتر الذي نتج عن قرار المحافظ منع تقديم المشروبات الروحية، وتمييز الأحياء المسيحية عن باقي أحياء المدينة، والهجمات الطائفية التي استهدفت مدينة السقيلبية المسيحية في ريف حماه، وقد حصلت مظاهرات اعتراضية ضد السلطة في أكثر من مكان. هذه الأجواء لا توفر ظروف نجاح لخطة النهوض التي رسمتها الحكومة السورية الجديدة، وهي تُعيد التذكير بنهج القمع الذي كان يمارسه نظام الأسد. وبناء تفاهمات مع الدول الأوروبية والدول المحيطة؛ يحتاج إلى ليبرالية تحترم حقوق الانسان والحريات العامة. والمجتمع الدولي كما غالبية الشعب السوري مُمتعض من الأعمال المتفلِّتة التي تقوم بها بعض المجموعات المُتشددة، وغالبيتهم محميِّين من مراكز قوى في السلطة الحالية.

سوريا دولة مهمة، ولها دور مستقبلي واعد، ولكن ظروف نجاح هذا الدور متوقف على المرونة التي قد تعتمدها الإدارة الجديدة، وعلى تطبيق القانون على مكونات الشعب السوري بمجمله من دون أي تمييز. أما فرض نظام ديني متشدِّد، فسيفاقم الاضطرابات الداخلية، وسيمنع سوريا من لعب الدور الذي يتحدث عنه قادتها اليوم، وسيفتح الباب أمام التدخلات الخارجية المؤذية، لا سيما من إسرائيل التي تتربص شراً بدمشق.

المدن

—————————–

 الولايات المتحدة بين وهم النصر وفخ الجغرافيا/ عبد الله مكسور

2026.04.04

في زمن الحرب، تُصبح الكلمات امتداداً مباشراً للقوة، ويغدو الخطاب السياسي جزءاً أساسياً من جولات المعركة ذاتها، لا مجرد تعليق عليها. القادة في لحظات الصراع الكبرى لا يتحدثون فقط لتفسير ما يحدث، وإنما لصياغة ما يجب أن يُفهم منه. ومع ذلك، فإن هذه القاعدة التي حكمت تجارب طويلة من التاريخ الأميركي تبدو مضطربة عند قراءة خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول إيران. فالرجل لا يفتقر إلى القدرة على الحضور أو التأثير، لكنه يفتقر بوضوح شديد إلى الانسجام بين ما يقوله وما يجري على الأرض، وكأن اللغة نفسها لم تعد قادرة على تغطية الفجوة بين الطموح الأميركي والواقع في مياه الخليج العربي والأرض الإيرانية.

منذ اللحظة الأولى لبدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، اتضحَ أن الخطاب الرسمي الأميركي لم يكن محاولة لبناء سردية متماسكة، دائماً ما يظهر وعلى لسان جميع المتحدثين سواء عسكريين أو مدنيين على أنه محاولة لاحتواء ارتباك متراكم. ترمب لم يدخل إلى المسرح حاملاً رواية جاهزة للسردية الأميركية، لقد بدا مراراً وكأنه يحاول تشكيلها أثناء الحديث أو متابعة الأحداث. هذا النوع من الخطاب غير المسبوق أميركياً، يقوم على التعديل المستمر للأهداف، ويعكس حالة أعمق من مجرد تناقضات لفظية يتقنها ترمب؛ إنه يكشف عن أزمة في تعريف الحرب نفسها من وجهة نظر واشنطن. ما الهدف؟ ما معيار النصر؟ وما السقف الذي يمكن عنده إعلان النهاية؟ هذه الأسئلة التي يفترض أن تُحسم قبل إطلاق الرصاصة الأولى، أي عند وضع الخطط الأولية إلا أنها لا تزال عالقة بعد أسابيع من الاشتباك الذي تتسع رقعته في جغرافيات مختلفة.

البحث عن صورة نصر

في التاريخ الأميركي، لعبت الخطب الحربية الكبرى لرؤساء الولايات المتحدة دوراً أساسياً في بناء المعنى الذي يتجاوز يتجاوز اللحظة. فرانكلين روزفلت حين تحدث إلى الأميركيين في ذروة الحرب العالمية الثانية، كان يحدد بوضوح معالم الصراع، ويصوغ هدفاً يمكن قياسه. وحتى في خطاب جورج بوش الابن بعد هجمات سبتمبر، أو ليلة غزو العراق، -رغم ما شاب تلك الخطابات لاحقا من جدل وإدانة لكل القرارات التي اتخذت على إثرها-، فإن وضوحاً أولياً لفكرة العدو وتعريفه والغاية من قتالِه. أما في حالة ترمب، فإن الخطاب لا يقدم تعريفاً بقدر ما يعيد تدوير المفاهيم، ويُبقيها في حالة سيولة دائمة.

وهذا الاضطراب اللغوي يجب ألا يتم النظر إليه باعتباره تفصيلاً ثانوياً، إنه يمثل في جوهره انعكاساً مباشراً لمأزق استراتيجي تمر به إدارة البيت الأبيض. فالمشكلة التي تواجهها الولايات المتحدة هنا ليست هزيمة عسكرية واضحة يمكن الاعتراف بها أو إنكارها، يمكن وضعها في خانة الفشل في تحقيق التحول السياسي الذي كان يُفترض أن يكون نتيجة الحرب على إيران. فالضربات العسكرية استهدفت قلب النظام ومركزه وليس أطراف البلاد، وأطاحت بالصف الإيراني الأول المؤثر لكن البنية التي كان يُراد تغييرها أميركياً في طهران ما تزال قائمة، وربما أكثر تماسكاً. وهنا، يدخل الخطاب السياسي في مهمة مستحيلة: كيف يمكن تبرير حرب لم تحقق أهدافها دون الاعتراف بالفشل؟

خيارات على طاولة ترمب

في هذه الزاوية يُطرح سؤالاً حول طبيعة الخيارات المتاحة على طاولة الرئيس الأميركي. ومن متابعة التصريحات وما يصدر من واشنطن فإن جميع المسارات الممكنة تبدو محفوفة بالمخاطر. دون أن يقدم أي منها مخرجاً حقيقياً ومدرجاً آمناً للهبوط من الشجرة. التصعيد البري، على سبيل المثال، قد يبدو للوهلة الأولى خياراً حاسماً، لكنه في الواقع يحمل في طياته تعقيدات هائلة. فإيران ليست ساحة يمكن التعامل معها بمنطق التفوق العسكري التقليدي، إنها بيئة جغرافية صُممت أو تكيفت لتكون أداة دفاع بحد ذاتها.

وبالنظر إلى التاريخ الحربي الأميركي نجد شواهد واضحة على هذا النوع من المآزق. تجربة حرب فيتنام كشفت كيف يمكن لقوة عظمى أن تجد نفسها عالقة في حرب استنزاف طويلة، رغم تفوقها العسكري. وكذلك الحال في حرب أفغانستان، حيث تحولت السيطرة الميدانية لقوات المارينز إلى عبء استراتيجي مع مرور الوقت. أما في الحالة الإيرانية، فيظهر جلياً أن الجغرافيا المحلية تُعيد إنتاج هذا الدرس، لكن بصيغة أكثر تعقيداً، حيث تتداخل الجبال والصحارى والسواحل في منظومة دفاعية تجعل أي تقدم بري مكلفاً وغير مضمون النتائج.

إلى جانب ذلك، يبرز خيار استهداف شريان الطاقة الإيراني كأداة ضغط –كما لوح ترمب- غير أن هذا الخيار، رغم جاذبية نتائجه النظرية، يحمل مخاطر تتجاوز ساحة الصراع المباشر. فتعطيل صادرات النفط الإيرانية لن يضغط على طهران وحدها، سيؤدي بطبيعة الحال إلى اضطراب واسع في الأسواق العالمية، ما يعني أن كلفة القرار قد تُدفع في عواصم أخرى قبل أن تُدفع في الداخل الإيراني. وهنا، تتحول الحرب من مواجهة عسكرية إلى أزمة اقتصادية عالمية، يصعب التحكم في تداعياتها.

في الضفة المقابلة لخيارات الاشتباك، يبرز خيار التفاوض مع كل ما يحيط به من حسابات معقدة. فالدخول في مفاوضات بعد هذا المستوى من التصعيد قد يُفسر أميركياً أو إيرانياً على أنه تراجع، خاصة إذا لم يقترن بتحقيق أهداف واضحة. ومع ذلك، فإن استمرار الحرب دون أفق سياسي واضح قد يكون أكثر كلفة. وهذا التردد بين الاستمرار والتراجع يعكس جوهر المأزق: لا يوجد خيار بلا ثمن، ولا مسار يضمن الخروج الآمن.

سيناريو الخيال

يتقدم على كل تلك الخيارات طرحٌ يكاد يبدو للوهلة الأولى أقرب إلى الخيال الاستراتيجي منه إلى التخطيط الواقعي، طرحٌ غرائبي لكنه قائم في العقلية الأميركية والإسرائيلية في بعض دوائر التفكير السياسي فيها، يقوم على فكرة إعادة تشكيل الجغرافيا البحرية للصراع عبر السيطرة على الجزر المنتشرة في الخليج العربي: “هرمز، ولارك، وهنكام، ولاوان، وكيش، وقشم، وخارك، بالإضافة إلى الجزر الإماراتية المحتلة طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى”. هذه الفكرة في جوهرها لا تتعلق بمجرد احتلال نقاط جغرافية، وإنما لمحاولة خنق إيران بحرياً، وعزلها عن عمقها الحيوي على السواحل الجنوبية، خصوصاً في محافظتي هرمزكان وبوشهر، وتحويل الخليج إلى فضاء مُراقب بالكامل من الخارج. وفي التحليل الإخباري يدعم هذا الطرح التصريحات القادمة من موسكو التي تشير إلى بدء عمليات إجلاء الموظفين الروس من مفاعل بوشهر النووي وفق تصريحات رئيس ‌شركة روس آتوم النووية الحكومية الروسية.

في منطق الحسابات السياسية والعسكرية التقليدية، يبدو هذا الخيار خارج الإطار المعقول، لأنه يفترض قدرة على السيطرة المستدامة على عقد جغرافية شديدة الحساسية، في بيئة معادية بالكامل. لكنه، رغم ذلك، يظهر في النقاشات الاستراتيجية كخيار نظيف ظاهرياً، لأنه يتجنب الغزو البري العميق، ويُبقي العمليات ضمن نطاق بحري يمكن التحكم فيه تقنياً على الصعيد النظري. وهذه الفكرة تنبع من تصور قديم يتكرر في التفكير العسكري: إذا لم تستطع إسقاط الخصم من الداخل، فاعزله من الخارج، واقطع عنه منافذه الحيوية. غير أن هذا التصور يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن هذه الجزر ليست نقاطاً معزولة، إيران تتعامل معها كجزء أساسي من منظومة دفاعية متكاملة. فطهران، على مدى عقود، لم تنظر إلى هذه الجغرافيا كأراض متناثرة، إنها شبكة مترابطة من المواقع المتقدمة في البحر والقادرة على تغطية بعضها البعض، نارياً واستخبارياً. وأي محاولة للسيطرة على أي منها تعني الدخول في دائرة استهداف مستمر، حيث تتحول القوات المتمركزة هناك إلى أهداف مكشوفة وضمن مدى الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية.

أما المخاطر، فهي تتجاوز البعد العسكري المباشر إلى مستويات أكثر تعقيداً. أولها يكمن في الانزلاق نحو تصعيد إقليمي شامل. فاحتلال جزر بهذا الحجم الرمزي والاستراتيجي لن يُقرأ في طهران كخطوة تكتيكية، سيتم التعامل معه كتحول جذري في طبيعة الحرب، ما قد يدفع إلى ردود غير تقليدية، تمتد إلى استهداف البنية التحتية للطاقة في المنطقة بأكملها، وليس فقط في نطاق المواجهة المباشرة وهذاما يمكن تلمُّسُهُ من تصريحات من تبقَّى من المسؤولين الإيرانيين.

الخطر الثاني يتمثل في استحالة تحييد العامل الزمني. فحتى لو نجحت القوات الأميركية في السيطرة السريعة على هذه الجزر، فإن السؤال الذي سيطرح نفسه فوراً هو: ماذا بعد؟ البقاء في هذه المواقع يعني التورط في حالة استنزاف طويلة، حيث تتحول كل جزيرة إلى نقطة اشتباك مفتوحة، تحتاج إلى حماية دائمة، وإمداد مستمر، في بيئة بحرية ضيقة يمكن تعطيلها بسهولة عبر الألغام أو الهجمات غير المتكافئة. أما الخطر الثالث، ربما الأكثر تأثيراً، وهو الجانب الاقتصادي. أي اضطراب في هذه المنطقة سيعني عملياً تهديداً مباشراً لحركة الطاقة العالمية. ما سيؤدي إلى قفزات حادة في الأسعار، وانعكاسات فورية على الاقتصاد العالمي والإقليم عموماً. ثم هناك بُعد رمزي لا يقل خطورة. فهذه الجزر، خاصة التي احتلتها إيران، تحمل حساسية سيادية عالية في العقل الإيراني، وأي محاولة للسيطرة عليها قد تُفسر كإعادة رسم قسري للخريطة السياسية في الخليج. وهذا يضع الولايات المتحدة أمام معضلة إضافية: كيف يمكن تنفيذ مثل هذا السيناريو دون خسارة ما تبقى من التوازنات الدقيقة في المنطقة؟ فضلاً عن أنها تأتي تحت مظلة الحديث الإسرائيلي المتكرر عن إعادة تشكيل الشرق الأوسط الجديد.

داخلياً، تتضاعف هذه التعقيدات. فالحرب التي لم تُبنَ على إجماع واسع، تجد صعوبة في الحفاظ على دعم مستقر مع مرور الوقت. ومع كل غموض في الأهداف، ومع كل إشارة إلى طول أمد الصراع، تتزايد التساؤلات داخل الولايات المتحدة وخارجها في دوائر الحلف الأوروبي حول جدوى الاستمرار. التجربة التاريخية تشير إلى أن الحروب التي تبدأ باندفاع، من دون وضوح كاف، غالباً ما تتحول إلى عبء سياسي على من أطلقها، خاصة في سياق انتخابي حساس ينتظر الجمهوريين في الولايات المتحدة بعد سبعة أشهر من الآن.

تأجيل المواجهة

في هذا السياق، يبدو خطاب ترمب محاولة لإدارة الوقت أكثر من كونه محاولة لحسم المسار. إنه خطاب يسعى إلى تأجيل المواجهة مع الحقيقة، لا إلى مواجهتها. لكن الزمن في الحروب ليس عاملاً محايداً، كل يوم يمر دون حسم يفتح الباب أمام تعقيدات جديدة، ويُقلص من هامش المناورة. وفي تقديري إن المعضلة التي تواجهها واشنطن اليوم تتجاوز حدود هذه الحرب بعينها. إنها تتعلق بكيفية فهم القوة وحدودها في عالم لم تعد فيه الهيمنة العسكرية كافية لتحقيق الأهداف السياسية. فالحروب الحديثة لا تُقاس فقط بعدد الأهداف التي تم ضربها، وإنما بقدرة تلك الضربات على إحداث تغيير حقيقي في موازين القوة.

وبناء عليه فإن السؤال الأكثر إلحاحاً لم يعد متعلقاً بكيفية إنهاء هذه الحرب، ولكن بما ستتركه من أثر. هل ستنتهي كحلقة أخرى في سلسلة حروب طويلة لم تحقق أهدافها؟ أم ستُشكل نقطة تحول في طريقة تفكير الولايات المتحدة في استخدام القوة؟ وفي كلتا الحالتين، يبدو أن ما يتشكل الآن ملامح مرحلة جديدة، تُعاد فيها صياغة العلاقة بين القوة والسياسة، بين الخطاب والواقع.

تلفزيون سوريا

——————————

 بين غموض ترمب وحسابات طهران.. حرب بلا مسار/ صهيب جوهر

2026.04.04

في هذه الحرب، لا تكمن المشكلة في كثافة النيران ولا في حجم الخسائر، بل في طبيعة القرار نفسه. القرار الذي لم يعد يخضع لمنطق التدرج السياسي أو الحسابات التقليدية، بل لإيقاع مختلف، شخصي إلى حد بعيد، يتقاطع فيه الاستعراض بالقوة مع حسابات الربح والخسارة. من هنا، يصبح من الصعب التعامل مع سلوك دونالد ترمب بوصفه امتداداً لمدرسة سياسية معروفة، لأن الرجل، في جوهره، يعيد تعريف مفهوم القرار في زمن الحرب، لا كأداة ضمن مسار، بل كحدث بحد ذاته قادر على تغيير المسار بالكامل.

التجربة القريبة تؤكد ذلك بوضوح. في لحظة كانت فيها قنوات التفاوض مفتوحة، ووسط أجواء بدت واعدة بإمكانية الوصول إلى تفاهم مرحلي، جاء التحول المفاجئ نحو الضربة العسكرية، ليؤسس لقاعدة جديدة: لا مؤشرات يمكن الوثوق بها، ولا مسارات يمكن البناء عليها. اليوم، يتكرر المشهد نفسه تقريباً، ولكن ضمن نطاق أوسع وأكثر تعقيداً. إشارات متناقضة تتدفق في وقت واحد: حديث عن قرب نهاية الحرب، يقابله تصعيد لوجستي وعسكري يوحي بالتحضير لمرحلة أكثر حدة، وليس أقل.

هذا التناقض ليس ارتباكاً في القرار، بل هو جزء من هندسة القرار نفسه. فمن جهة، يظهر ميل واضح إلى تقليل كلفة الانخراط العسكري، خصوصاً مع تضخم الإنفاق اليومي للحرب، وهو عامل أساسي في عقلية إدارة ترى في الأرقام معياراً مركزياً للحكم على النجاح أو الفشل. ومن جهة أخرى، يجري الحفاظ على مستوى مرتفع من الضغط العسكري، ليس بهدف الحسم، بل لإبقاء الخصم تحت ضغط دائم يدفعه نحو تقديم تنازلات.

لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل المؤشرات الميدانية التي تسير في اتجاه مختلف. فالتعزيزات العسكرية، وحجم الانتشار، وكثافة الحركة الجوية، كلها عناصر تشير إلى أن خيار التصعيد لا يزال مطروحاً بجدية. هنا تحديداً، يبرز نموذج “الغموض المسلّح” كأداة مركزية في إدارة المشهد. فالتصريحات المتناقضة ليست زلة لسان، بل وسيلة مدروسة لإبقاء جميع السيناريوهات مفتوحة، وإرباك الخصم، وحتى الحلفاء.

هذا الغموض يفتح الباب أمام سيناريو العمليات المحدودة، التي جرى التحضير لها منذ سنوات. عمليات لا تهدف إلى احتلال شامل، بل إلى توجيه ضربات دقيقة لمفاصل حساسة، جزر استراتيجية، منشآت نفطية، أو بنى تحتية حيوية. الفكرة هنا ليست السيطرة بقدر ما هي القدرة على تعطيل الاقتصاد وإعادة تشكيل موازين القوة من دون الغرق في حرب طويلة. لكن هذه المقاربة، على الرغم من جاذبيتها النظرية، تحمل مخاطر عالية، لأن أي خطأ في التقدير قد يدفع نحو تصعيد يتجاوز حدود السيطرة.

إيران، في المقابل، لا تتعامل مع هذه المعادلة بوصفها مواجهة تقليدية. هي تدير الحرب كصراع متعدد المستويات، لا يقتصر على الجغرافيا الإيرانية، بل يمتد عبر شبكة من الساحات المرتبطة بها. لذلك، فإن أي ضغط مباشر عليها يقابله عادة توسيع غير مباشر لساحات الاشتباك، سواء عبر تهديد الملاحة، أو استخدام أدواتها الإقليمية لإعادة توزيع الكلفة.

هنا يصبح لبنان جزءاً لا يتجزأ من هذه المعادلة. ليس لأنه مركز القرار، بل لأنه أحد ميادين تطبيقه. من داخل “حزب الله”، تبدو القراءة مختلفة نسبياً. هناك قناعة بأن طهران لا تزال تمسك بإيقاع المعركة، وأن ما يجري، رغم قسوته، لا يخرج عن إطار السيطرة الاستراتيجية. هذه القناعة تترافق مع تحوّل واضح في أساليب القتال، حيث جرى التخلي تدريجياً عن نمط المواجهة التقليدية لصالح تكتيكات أكثر مرونة، تقوم على الاستنزاف، والتخفي، وتقليل البصمة التكنولوجية.

كما أن الرهان لا يقتصر على الجانب العسكري فقط، بل يشمل أيضاً البعد النفسي والسياسي. ففكرة أن المجتمع الإيراني التف حول قيادته، رغم الضغوط، تُقدم كعنصر قوة إضافي، يعزز قدرة النظام على الاستمرار، ويقلل من فاعلية الرهان على تفككه الداخلي. وفي المقابل، يجري التعويل على أن أي تصعيد إضافي سيُنتج كلفة مرتفعة على إسرائيل، خصوصاً إذا ما توسعت دائرة الاستهداف.

لكن هذه القراءة لا تتطابق مع ما يُنقل في الأوساط الإقليمية والدولية. هناك اتجاه متزايد نحو اعتبار أن إسرائيل تستعد لمرحلة مختلفة في لبنان، مستفيدة من انشغال إيران، أو من أي تفاهم محتمل معها. الحديث هنا لا يدور فقط حول ضربات موضعية، بل عن محاولة إعادة تشكيل الواقع الأمني في الجنوب، وربما فرض معادلة جديدة بالقوة.

هذا التباين في التقدير يعكس فجوة عميقة في فهم مآلات الحرب. ففي حين يراهن “حزب الله” على توازن ردع طويل الأمد، ترى أطراف أخرى أن اللحظة الحالية قد تكون فرصة نادرة لإحداث تغيير جذري في البنية العسكرية والسياسية للحزب. وبين هذين التصورين، يبقى لبنان عالقاً في منطقة رمادية، لا يملك فيها القدرة على الحسم، بل يكتفي بالتكيّف مع ما يُفرض عليه.

المفارقة القاسية أن لبنان، في كل هذا المشهد، لا يملك ترف الانتظار ولا القدرة على المبادرة. القرار يُصنع في واشنطن وطهران وتل أبيب، لكن نتائجه تتجلى على أرضه. وبين غموض القرار الأميركي، وحسابات إيران المركبة، وطموحات إسرائيل بإعادة رسم الحدود بالنار، يبدو أن الاحتمال الأكثر ثباتاً ليس التسوية، بل استمرار التصعيد، ولو بأشكال مختلفة، إلى أن تتضح معالم توازن جديد لم تتشكل ملامحه بعد.

تلفزيون سوريا

———————–

شرق سوريا بين الهجمات والرسائل السياسية: صراع بلا مواجهة مباشرة/ عمار زيدان

شرق سوريا على صفيح ساخن: ساحة رسائل إقليمية وإدارة تصعيد منخفض الشدة

2026-04-05

في ظل التصعيد المتسارع الذي يشهده الشرق الأوسط خلال المرحلة الأخيرة، تعود شرق سوريا إلى الواجهة بوصفها إحدى أكثر الساحات حساسية وتعقيداً في المشهد الإقليمي، ليس فقط باعتبارها منطقة نفوذ متداخل، بل كونها عقدة جغرافية وسياسية وأمنية تتقاطع فيها مصالح قوى محلية وإقليمية ودولية على حد سواء. فهذه المنطقة التي تمتد من دير الزور إلى الحسكة وصولاً إلى الحدود العراقية والتركية، لم تعد مجرد هامش جغرافي بل تحولت فعلياً إلى ساحة اشتباك غير مباشر تُدار فيها التوازنات عبر أدوات متعددة تتجاوز المواجهة العسكرية التقليدية.

وتأتي أهمية شرق سوريا من موقعها الاستراتيجي الذي يربط العراق بسوريا ويمتد تأثيره نحو تركيا وإيران والخليج، فضلاً عن قربها من خطوط الطاقة وطرق التجارة البرية المحتملة بين الشرق والغرب. هذا الموقع جعلها نقطة تقاطع دائمة في حسابات الأمن الإقليمي، خاصة في ظل استمرار التنافس بين القوى الكبرى على النفوذ في المشرق. ومع تصاعد التوترات في الإقليم، باتت هذه المنطقة أكثر عرضة لتكثيف العمليات غير المباشرة، سواء عبر الهجمات الصاروخية والجوية، أو من خلال التحركات الأمنية.

ومع استمرار التوترات في المنطقة من إيران إلى العراق ولبنان ودول الخليج، تبدو شرق سوريا مرشحة للبقاء ضمن دائرة التأثر المباشر بهذه التطورات، سواء من خلال إعادة توزيع النفوذ العسكري، أو عبر تحولات في مسارات الدعم والتمويل، أو حتى عن طريق تغييرات في قواعد الاشتباك بين الأطراف الفاعلة.

وشهدت مناطق متفرقة من شرق سوريا، خلال الأيام الماضية تصعيداً عسكرياً جديداً تمثل في استهداف قاعدتي “قسرك” و”خراب الجير” بريف الحسكة، إضافة إلى منطقة التنف في البادية السورية، بعدد من الصواريخ والطائرات المسيّرة، انطلقت بحسب مصادر ميدانية من داخل الأراضي العراقية. وتأتي هذه الهجمات في سياق نمط متكرر من الاستهدافات التي تطال مواقع عسكرية تتمركز فيها قوات من الجيش السوري والتحالف الدولي ما يعكس استمرار حالة التوتر في الممرات الحدودية بين سوريا والعراق.

وأصدرت وزارة الدفاع السورية بياناً حذرت فيه من استمرار هذه الاعتداءات، معتبرة أنها تمثل انتهاكاً مباشراً للسيادة السورية وتهديداً للاستقرار الإقليمي. وأكد البيان أن الجيش السوري يحتفظ بحق الرد في الزمان والمكان المناسبين، بما يتناسب مع طبيعة التهديدات المتكررة، مشيراً إلى أن استمرار هذه الهجمات قد يدفع نحو تصعيد أكبر في طبيعة المواجهة.

“اشتباك محسوب”

ويقول الباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان، إنه في ظل التصعيد المحدود الذي تشهده بعض مناطق شرق سوريا، ولا سيما في الحسكة ومنطقة التنف، يبرز مشهد أمني شديد الحساسية يعكس حالة “الاشتباك المحسوب” أكثر من كونه مواجهة مفتوحة. فهذه الهجمات، رغم محدوديتها حتى الآن، تثير قلقاً متزايداً لدى الحكومة السورية، التي تنظر إليها بوصفها مؤشرات أولية على احتمال توسع دائرة التوتر، بما قد يهدد الاستقرار الداخلي الذي تسعى إلى تثبيته في هذه المرحلة الدقيقة.

ويضيف علوان في تصريحات لـ “963+”: “تتعامل دمشق مع هذا الواقع من زاويتين متوازيتين: الأولى أمنية بحتة، تتعلق بمنع تحول هذه الضربات المتفرقة إلى نمط تصعيدي واسع يمكن أن يعيد خلط الأوراق داخل الجغرافيا السورية، خصوصاً في الشرق والشمال الشرقي، وصولًا إلى مناطق قريبة من الحدود اللبنانية. أما الزاوية الثانية فهي سياسية استراتيجية، تقوم على تجنب إدخال سوريا في صلب صراعات إقليمية ودولية مفتوحة، في وقت تعمل فيه الدولة على إعادة بناء مؤسساتها وترميم بنيتها الاقتصادية والأمنية”.

ويشير إلى أن المخاوف الأساسية لا تتعلق فقط بطبيعة الهجمات، بل بإمكانية تحول الأراضي السورية إلى ساحة ضغط متبادل بين أطراف إقليمية متعددة، تستخدم فيها أدوات غير مباشرة عبر مجموعات محلية أو حلفاء إقليميين. وفي هذا السياق، يتم الحديث عن دور إيراني في إدارة جزء من هذا التصعيد غير المباشر، من خلال شبكات أو مجموعات مسلحة تنشط في العراق ولبنان وتمتد تأثيراتها إلى الداخل السوري، وهو ما يجعل المشهد أكثر تعقيداً وتشابكاً.

ويتابع: “التقديرات تقول بأن هذه التحركات، رغم خطورتها، ما تزال ضمن نطاق محدود، ولم ترتقِ إلى مستوى التصعيد الواسع أو الحرب المفتوحة، خاصة في ظل غياب مصلحة دولية مباشرة في تحويل سوريا إلى ساحة مواجهة شاملة في هذه المرحلة. إلا أن الخطورة تكمن في أن استمرار هذا النمط من الضغط منخفض الشدة قد يخلق حالة استنزاف تدريجي، ويؤثر في الاستقرار الأمني والاقتصادي على المدى المتوسط”.

في المقابل، تسعى الحكومة السورية إلى احتواء هذا المسار عبر إجراءات أمنية وديبلوماسية تهدف إلى منع الانزلاق نحو تصعيد أوسع، مع التركيز على تثبيت الاستقرار الداخلي كأولوية مركزية. غير أن بقاء احتمالية التوتر قائماً يجعل من شرق سوريا منطقة مفتوحة على كل السيناريوهات، بين احتواء تدريجي للتصعيد أو تحوله إلى حلقة جديدة من حلقات الصراع الإقليمي غير المباشر، بحسب الباحث وائل علوان.

“إدارة التصعيد”

بدوره، يرى الصحفي عماد المصطفى أن الهجمات الأخيرة التي طالت مواقع في ريف الحسكة ومنطقة التنف لا يمكن قراءتها كحوادث أمنية معزولة، بل ضمن سياق أوسع من “إدارة التصعيد” في شرق سوريا، حيث تتداخل الرسائل العسكرية مع الحسابات السياسية الإقليمية. ويشير إلى أن نمط الاستهداف بالصواريخ والطائرات المسيّرة يعكس استمرار استخدام الساحة السورية كمنصة ضغط متبادلة بين أطراف متعددة، أكثر من كونه مساراً نحو مواجهة شاملة.

ويؤكد المصطفى لـ “963+”، أن خطورة هذه التطورات لا تكمن فقط بطبيعتها الميدانية، بل في توقيتها، إذ تأتي في لحظة تحاول فيها دمشق تثبيت الاستقرار الداخلي وتجنب الانخراط في صراعات إقليمية مفتوحة.

ويضيف أن الرد السوري المحتمل، كما لوحت به وزارة الدفاع، يفتح الباب أمام مرحلة أكثر حساسية، قد تعيد رسم قواعد الاشتباك في البادية والشرق السوري إذا ما تحولت الرسائل المتبادلة إلى أفعال مباشرة.

ويعتبر أن استمرار هذا النمط من الاستهدافات “المنخفضة الشدة” يخلق بيئة استنزاف تدريجي، قد لا يظهر أثره بشكل فوري، لكنه يضغط على البنية الأمنية والاقتصادية مع مرور الوقت.

ويضيف أن الحل لا يكمن في التصعيد المتبادل، بل في إعادة ضبط قواعد الاشتباك إقليمياً، بما يحد من استخدام الأراضي السورية كساحة لتصفية الرسائل بين الأطراف المختلفة، ويعيد الملف إلى مسار سياسي أكثر استقراراً ووضوحاً.

 ويقول الباحث السياسي الدكتور إياس فرحان الخطيب لـ “963+”، إنه لا يمكن فصل المشهد السوري عن السياق الإقليمي والدولي الأوسع. فالمشهد في سوريا، بات جزءاً من شبكة تفاعلات معقدة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية والإقليمية، ما يجعل أي حدث داخلي مرتبطاً بشكل مباشر أو غير مباشر بحركة الإقليم ككل.

ويُلاحظ في هذا السياق أن التحركات الديبلوماسية الأخيرة، ومنها الزيارات الخارجية للرئيس السوري أحمد الشرع إلى عدد من العواصم الأوروبية، ترافقت في أكثر من مرة مع تطورات أمنية داخل سوريا، وهو ما يفتح باب التساؤلات بحسب الخطيب، حول طبيعة التزامن بين المسارين السياسي والميداني، وإن كان ذلك يعكس بالضرورة ترابطاً مباشراً أم مجرد تقاطع في التوقيت ضمن مشهد شديد التعقيد.

كما يبرز ملف الشمال والشمال الشرقي السوري كأحد أكثر الملفات حساسية، حيث يؤكد الباحث السياسي أنه في ظل هشاشة التفاهمات الداخلية، ومنها الاتفاقات المتعلقة بإدارة المناطق وتقاسم النفوذ، والتي ما تزال، وفق هذا الطرح، بعيدة عن صيغة اندماج حقيقي ومستقر. هذا الواقع يجعل المنطقة قابلة للاهتزاز عند أي تغير في التوازنات الداخلية أو الإقليمية.

ويشير الخطيب إلى أن سوريا ما تزال حتى الآن خارج الانخراط المباشر في الحرب الإقليمية الدائرة، إلا أن هذا الوضع لا يبدو ثابتاً أو مضموناً، في ظل وجود أطراف محلية وإقليمية يمكن أن تتحرك بالوكالة إذا ما تصاعدت حدة الصراع، سواء على الحدود العراقية أو اللبنانية أو داخل الجغرافيا السورية نفسها.

ويختتم بالقول إن شمال وشمال شرق سوريا يظلان على “صفيح ساخن”، نتيجة تداخل العوامل الداخلية غير المستقرة مع بيئة إقليمية شديدة التوتر، ما يجعل احتمالات التصعيد أو إعادة تشكل خرائط النفوذ أمراً قائماً في أي لحظة، وفق تطورات المشهد الإقليمي العام.

+963

————————–

كيف ينعكس التنافس الأميركي الإيراني على مستقبل سوريا؟أ/ حمد الجابر

التنافس الأميركي-الإيراني في سوريا: نفوذ متراجع ومخاطر مستمرة

2026-04-04

مع تصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، عادت سوريا إلى واجهة التنافس الإقليمي رغم عدم انخراطها المباشر في القتال، إذ جعلها موقعها الجغرافي وهشاشتها السياسية والاقتصادية عرضة لتداعيات الضربات والتوترات واستخدام مجالها الجوي أحياناً في العمليات العسكرية.

وتأتي هذه التطورات في مرحلة انتقالية معقدة بعد سقوط نظام بشار الأسد وصعود أحمد الشرع، حيث تحاول دمشق الحفاظ على الحياد وتجنب انتقال الحرب إلى أراضيها بالتزامن مع مساعي إعادة الاستقرار وإعادة بناء الاقتصاد.

ومع تداخل أدوار الولايات المتحدة وروسيا وتركيا وإسرائيل وإيران، تجد سوريا نفسها بين فرص إعادة التموضع السياسي ومخاطر التحول مجدداً إلى ساحة صراع بالوكالة، ما يسلط الضوء على انعكاسات التنافس الأميركي-الإيراني ودور إسرائيل على المشهد السياسي والأمني والاقتصادي في البلاد.

تحولات التوازنات الإقليمية

تقول هبة القدسي، الكاتبة الصحفية والمحللة السياسية لـ”963+”: إنه لا بد من الإشارة إلى أنه في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، وصعود أحمد الشرع رئيساً انتقالياً لسوريا، شهدت الساحة السورية تحولاً جذرياً في توازنات القوى الإقليمية والدولية.

وبحسب القدسي: تشير التقديرات إلى أن سوريا لم تعد تشكّل المعقل الاستراتيجي لإيران كما في السابق، بل تحولت إلى دولة انتقالية تسعى للانفصال عن محور المقاومة بدعم تركي وسعودي وانفتاح أميركي متزايد، ما خفّف حدة التنافس الأميركي ـ الإيراني داخلها دون أن يلغيه. فقد انهار الجسر البري الذي كان يربط طهران بـ”حزب الله” بعد سقوط نظام الأسد وتراجع قوة الحزب، وتقلص الوجود الإيراني إلى مجموعات محدودة غير قادرة على تنفيذ عمليات كبيرة، في ظل إجراءات حكومية لإغلاق طرق التهريب واعتقال عناصر مرتبطة بطهران.

ورغم ذلك، ما تزال سوريا، وفق القدسي، ساحة مواجهة غير مباشرة عبر شظايا صواريخ إيرانية وهجمات محدودة لميليشيات موالية لطهران ضد قواعد أميركية، بالتزامن مع خفض واشنطن وجودها العسكري إلى نحو ألف جندي مع الإبقاء على قدرات مراقبة ودعم اقتصادي وسياسي للحكومة الجديدة، ضمن استراتيجية تفويض الاستقرار لحلفائها الإقليميين، ما يخلق توازناً جديداً يميل ضد إيران لكنه يثير مخاطر فراغ أمني محتمل.

في المقابل، تعتقد أن أدوات إيران باتت أضعف بكثير مما كانت عليه قبل عام 2024، إذ تعتمد أساساً على بقايا الوكلاء المحليين، مثل بعض الميليشيات السورية الموالية لها، إضافة إلى محاولات التهريب عبر الحدود العراقية أو اللبنانية، واستخدام أساليب الحرب غير المتكافئة مثل الهجمات المحدودة أو الحملات الإعلامية. وتعتبر أن هذا الوضع جعل الوجود الإيراني في سوريا يمثل “تهديداً محتملاً” أكثر منه “محوراً رئيسياً” في المرحلة الحالية.

دور إسرائيل

وترى القدسي أن إسرائيل تلعب دوراً محورياً في المعادلة الأمنية السورية، مستفيدة من ضعف الدولة السورية لتنفيذ مئات الغارات الجوية منذ ديسمبر/كانون الأول 2024. وتوضح أن الاستراتيجية الإسرائيلية القائمة على مبدأ “منع التموضع الإيراني”، والمعروفة باسم “المعركة بين الحروب”، استمرت حتى بعد سقوط الأسد، وشملت ضرب مواقع عسكرية سورية قديمة وأي أثر محتمل للوجود الإيراني.

كما تشير إلى أنه خلال الحرب ضد إيران استخدمت إسرائيل الأجواء السورية بوصفها “منطقة اعتراض” للصواريخ الإيرانية، وهو ما أدى إلى سقوط شظايا داخل الأراضي السورية من دون رد مباشر من الحكومة السورية.

وتعتقد القدسي أن هذه الضربات تعيد تشكيل قواعد الاشتباك في المنطقة، حيث تحولت سوريا – بحسب تحليلها – من “أرض معركة” إلى “منطقة عازلة” تسمح لإسرائيل بالتحرك نسبياً، مقابل التزام الحكومة السورية بعدم السماح بعودة إيران.

وتضيف أن الرئيس أحمد الشرع انتقد ما وصفه بـ”الطموحات التوسعية” الإسرائيلية، لكنه امتنع عن الرد العسكري، وهو ما يعكس – وفق رأيها – توازناً هشاً يعتمد على تنسيق غير مباشر عبر واشنطن.

وتتابع بالإشارة إلى أن التنافس الأميركي–الإيراني يتقاطع مع أدوار قوى إقليمية ودولية أخرى، مثل روسيا التي ما زالت تحتفظ بقاعدتي قاعدة حميميم الجوية وقاعدة طرطوس البحرية، وتسعى في الوقت نفسه إلى إقامة علاقات براغماتية مع الحكومة السورية الجديدة، إضافة إلى تركيا التي تسيطر على أجزاء من شمال سوريا وتدعم الحكومة الجديدة سياسياً وعسكرياً.

وتفسر القدسي أن روسيا، التي كانت داعماً رئيسياً لنظام الأسد في السابق، بدأت تفقد جزءاً من نفوذها تدريجياً، لكنها تحاول الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والعسكرية من خلال علاقاتها مع الشرع. في المقابل، ترى أن تركيا تستفيد من الفراغ الذي خلفه تراجع النفوذ الإيراني لتعزيز حضورها في شمال سوريا ومواجهة القوى الكردية.

وتعتقد أن هذا التشابك بين القوى الإقليمية يعقّد المشهد السوري، حيث تحول التنافس السابق بين تركيا وروسيا وإيران إلى نوع من التوازن غير المستقر. لكنها تشير إلى أن الحكومة السورية الحالية تميل سياسياً نحو أنقرة وواشنطن، وهو ما يقلل من تعقيدات شبكة الوكلاء السابقة، لكنه يثير في المقابل توترات مع بعض المكونات الكردية والأقليات.

وفي تقديرها، فإن انعكاسات هذا التنافس الإقليمي والدولي تعزز إلى حد ما شرعية الحكومة السورية الجديدة، التي تستخدم – بحسب قولها – ورقة “الانفصال عن إيران” لتعزيز الانفتاح الدولي، وهو ما ظهر في الزيارات السياسية إلى واشنطن ورفع بعض القيود الاقتصادية جزئياً.

لكنها ترى أن الوضع الأمني ما زال هشاً، إذ قد تؤدي التوترات الحدودية مع العراق ولبنان إلى تصعيد محتمل، إضافة إلى مخاطر العنف الطائفي وتهديدات بقايا تنظيم داعش أو بعض الميليشيات المسلحة.

اقتصادياً، تعزو القدسي بطء عملية إعادة الإعمار إلى عدة عوامل، من بينها ارتفاع أسعار النفط عالمياً نتيجة الحرب الأميركية–الإسرائيلية ضد إيران، واضطراب حركة التجارة، واستمرار بعض العقوبات، فضلاً عن صعوبة جذب الاستثمارات في ظل حالة عدم الاستقرار الإقليمي.

وتشير إلى أن سوريا تحتاج إلى مليارات الدولارات لإعادة الإعمار، لكن الفراغ الأمني والتوترات الإقليمية قد تعرقل هذه الجهود، الأمر الذي قد يهدد، بحسب رأيها، بحدوث انهيار اقتصادي أو عودة الاحتجاجات الشعبية.

وتعتقد القدسي أن التنافس الأميركي ـ الإيراني في سوريا قد يبدو اليوم أقل مباشرة مما كان في السابق، لكنه لا يزال عاملاً حاسماً في تشكيل مستقبل البلاد. وترى أن الحكومة الانتقالية نجحت نسبياً في تحويل سوريا إلى ما يشبه “الحاجز المحايد”، إلا أن تحقيق الاستقرار يتطلب تسوية شاملة لقضايا الأقليات، وضمانات أمنية واضحة، ودعماً اقتصادياً غربياً واسعاً.

وتحذر من أنه من دون هذه العناصر قد تعود سوريا إلى دائرة الصراعات، ما قد يحوّل الفرصة التاريخية التي أعقبت سقوط الأسد إلى أزمة جديدة. وتعتقد أن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت دمشق قادرة على الانتقال من “ساحة مواجهة” إلى “مركز استقرار”.

سوريا بين ضغوط التنافس الدولي وإعادة التموضع

ويقول حسين الأسعد، الباحث السياسي في الشأن الإقليمي والمقيم في بغداد، لـ”963+”: إن الحرب الدائرة حالياً ليست حرباً بين الولايات المتحدة وإيران فقط، بل يؤكد أن إسرائيل تشكل طرفاً أساسياً فيها أيضاً. ويضيف أن واشنطن وتل أبيب تتفقان على هدف مشترك يتمثل في مواجهة طهران، إلا أن مصالحهما “ليست متطابقة تماماً في هذه المرحلة”.

ويفسر الأسعد ذلك بالقول إن إسرائيل، على الرغم من توجيه ضرباتها باتجاه إيران، تركز في الوقت نفسه على البيئة الجغرافية المحيطة بها، وتسعى – كما يعتقد – إلى تغيير موازين القوى الإقليمية وتعزيز موقعها الأمني، وربما توسيع نفوذها الجغرافي. في المقابل، يرى أن الولايات المتحدة تنظر إلى الصراع أيضاً من زاوية المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، ولا سيما ما يتعلق بأسواق الطاقة وتأثير ذلك على سياسات حلف شمال الأطلسي.

ويشير الأسعد إلى أن منطقة الشرق الأوسط أصبحت مجدداً ساحة صراع إقليمي ودولي، وهو ما يجعل سوريا بطبيعة الحال تتأثر بهذا الصراع بشكل أو بآخر.

ويضيف أن التغير الذي حدث في سوريا بعد سقوط النظام السابق يصب إلى حد ما في مصلحة الولايات المتحدة، ليس لأن سوريا أصبحت تابعة لواشنطن كما يدعي البعض، بل لأنها انسحبت من محور المقاومة الذي كان يمثل أحد أهم أدوات النفوذ الإيراني في المنطقة.

ويعتقد الأسعد أن إيران قد تحاول ممارسة نوع من الضغط على دمشق من خلال دعم بعض الأطراف داخل سوريا أو استغلال مرحلة التحول السياسي، خاصة أن الدولة السورية الجديدة ما زالت في طور إعادة بناء نظامها السياسي.

ويعلل ذلك بأن الانتقال من نظام استبدادي طويل الأمد لا يمكن أن يتم بسهولة، كما أن المجتمع السوري، لن يقبل بعودة نموذج سلطوي جديد.

ويرى الأسعد أن طهران قد تستخدم دعم بعض القوى الداخلية كوسيلة ضغط على دمشق، ليس بهدف فرض نموذج سياسي معين، بل لمنع سوريا من تبني سياسة “الحياد الإيجابي” في الصراع الإقليمي.

ويضيف أن بعض الضربات الصاروخية أو الهجمات بالطائرات المسيّرة التي استهدفت شرق سوريا قد تكون “رسائل ضغط سياسية موجهة إلى صانع القرار السوري”.

وفي ما يتعلق بالدور الإسرائيلي، يوضح الأسعد أن إسرائيل تحاول التأثير في المعادلة الأمنية السورية عبر منع أي عودة للتموضع الإيراني داخل الأراضي السورية.

ويشير إلى أن تل أبيب قد تمارس ضغوطاً غير مباشرة على دمشق عبر الولايات المتحدة أو عبر مبعوثيها في المنطقة، لأن بقاء سوريا خارج المعادلة الإيرانية يمثل مصلحة استراتيجية لإسرائيل.

كما يعتقد أن إسرائيل تخشى من احتمال توصل دمشق وطهران في المستقبل إلى تفاهمات قد تسمح بعودة النفوذ الإيراني، ولو بشكل سياسي، إلى سوريا، وهو ما قد يعيد تشكيل التوازنات الأمنية في المنطقة.

ويضيف الأسعد أن التنافس الأميركي–الإيراني يتداخل أيضاً مع نفوذ قوى أخرى مثل روسيا وتركيا، اللتين تمتلكان حضوراً سياسياً وعسكرياً مؤثراً داخل سوريا. ويرجح أن تحاول إيران التنسيق مع موسكو وأنقرة لإعادة ترتيب بعض التوازنات الجيوسياسية في المنطقة، مستفيدة من المصالح المشتركة بين هذه الدول في ساحات إقليمية أخرى.

ومع ذلك، يعتقد الأسعد أن إيران ليست في موقع يسمح لها حالياً بفرض حضور قوي داخل سوريا، خاصة في ظل الضغوط التي تواجهها نتيجة الحرب المستمرة منذ نحو شهر. ولذلك يرجح أن تركز طهران على المناورة الديبلوماسية والسياسية أكثر من اعتمادها على أدوات القوة المباشرة.

ويرى الأسعد أن التنافس الإقليمي والدولي يعرقل فرص الاستقرار في سوريا، لأن عدداً من القوى الكبرى يحاول تمرير رسائل سياسية عبر المكونات الاجتماعية والسياسية داخل البلاد. ويشير إلى أن استخدام الورقة الإثنية أو القومية قد يمثل أحد أدوات التأثير في الداخل السوري، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على الاستقرار الأمني والاقتصادي.

كما يعتقد أن إسرائيل قد تسعى إلى إبقاء سوريا في حالة ضعف نسبي، لأن البيئة الإقليمية الضعيفة تسهّل تنفيذ مشاريعها السياسية والاستراتيجية في المنطقة.

وفي ختام تحليله، يؤكد الأسعد أن سوريا أصبحت ساحة صراع سياسي بين عدة قوى إقليمية ودولية، مشيراً إلى أن بعض الضربات التي استهدفت شرق سوريا في الأيام الماضية، وربما انطلقت من الأراضي العراقية عبر جماعات مسلحة، قد تندرج ضمن هذا السياق.

ويرى أن قدرة سوريا على تجاوز هذه المرحلة تعتمد إلى حد كبير على قدرتها على توحيد رؤيتها السياسية الداخلية، وضمان حقوق مختلف المكونات المجتمعية، وتقليل الانقسامات الداخلية. ويضيف أن تعزيز التماسك الداخلي قد يمنح دمشق قوة أكبر في مواجهة الضغوط الخارجية وصياغة قرارات سياسية أكثر استقلالية في المستقبل.

+963

—————————

مستقبل أمن الخليج العربي/ بشير البكر

04 ابريل 2026

يتعلّق السؤال الجوهري الذي طرحته الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران بمستقبل أمن الخليج العربي، وقد بدأت المداولات في هذه المسألة على وقع القصف والتراشق بالصواريخ والطائرات المسيّرة. ويجرى النقاش بصوتٍ عالٍ داخل المنطقة وخارجها، انطلاقاً من الواقع الجديد الذي فرضته التداعيات العسكرية، إذ وجدت دول مجلس التعاون الخليجي نفسها وسط معمعة كبيرة، ليست طرفاً فاعلاً فيها، لكنّها تتحمّل قسطاً كبيراً من خسائرها المباشرة، والفاتورة المترتّبة عليها لاحقاً، الأمر الذي دفعها إلى مراجعة حساباتها كافّة، بما يضمن أمنها واستقرارها على أسس من الديمومة والدفاع عن مصالحها.

من المبكّر تقديم جردة كاملة بالخسائر التي تكبّدتها دول مجلس التعاون الخليجي من الحرب، ولكنّ الأرقام تؤكّد أنّها كبيرة على المستوى الاقتصادي، وخصوصاً ما أصاب البنى التحتية من مطارات وموانئ ومرافق نفطية وغازية، إلا أنّ الأكثر أهمية أن بعض دولها شعرت بأنّ وجودها مهدّد، ومستقبلها غير واضح المعالم، ومصيرها مرتبط بمآل النزاع. ومن دون مبالغة، تُعدّ اللحظة الخليجية الراهنة هي الأكثر أهمية في تاريخ هذه المنطقة، وتشبه إلى حدّ ما لحظة تأسيس أغلب الكيانات وبناء الدول. وقد وجد أهل الخليج العربي أنفسهم يواجهون تحدّيات لم تكن في حسابهم، ولم يستعدّوا لها بالقدر الكافي، وعلى الرغم من أنّهم تمكّنوا من الدفاع عن أنفسهم بأقلّ الخسائر، فإنّهم شعروا بضرورات ضاغطة جدّاً لتحصين بلدانهم وحماية استقلالهم بالاعتماد على الذات ومن دون المراهنة على أيّ طرف أجنبي، مهما بلغت قوته.

ثمّة درس مهم يمكن استخلاصه من شهر الحرب الأول، يتمثّل في المراجعة السريعة للأسس التي قام عليها أمن دول مجلس التعاون الخليجي، وبصورة أساسية في التحالفات العسكرية والأمنية مع الولايات المتحدة، وبعض الدول الغربية، مثل فرنسا وبريطانيا. وهناك حاجة ماسّة لتقييم ذلك في ضوء نتائج الدور الذي لعبه الحلفاء في مساعدة هذه الدول في الدفاع عن أمنها ومصالحها بعد تعرّضها للاعتداءات الإيرانية بذريعة أنّ بعض هذه الدول شريك في الحرب على إيران، لأنّها تستضيف قواعد أميركية في أراضيها. وليس سرّاً أنّ هناك حالة إحباط في دول الخليج تجاه الولايات المتحدة لأسباب تتعلّق بالضمانات الأمنية، والاتفاقات الدفاعية التي أقامتها مع بعض هذه الدول، وجدوى القواعد العسكرية الأميركية، وفي الوقت نفسه، إزاء ما يبدو أنّه افتقار إدارة الرئيس دونالد ترامب للاستراتيجية في هذه الحرب، والأسباب والأهداف التي خاضتها من أجلها.

يبدو من بعض ردّات الفعل الخليجية غير الرسمية، والنقاشات في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، أنّ هناك توجّهاً خليجياً لوضع ثقل دول المنطقة على الطاولة في أيّ مفاوضات مستقبلية تتعلّق بأمن الخليج، وعدم ترك الأمر بين القوى الدولية بزعامة واشنطن وبين طهران لتقرّر مصير المنطقة. فالخليج العربي نموذج ناجح في التنمية وإدارة الموارد، وقوة اقتصادية مؤثّرة على المستويين الإقليمي والدولي، ولديها موقع استراتيجي على البحار وممرّات الطاقة والبضائع، وهذا رصيد صعب يمكن أن يعزّز أسهم دول مجلس التعاون، ويزيد من قوة حضورها على طاولة المفاوضات. وهناك جملة من الملفّات المهمّة تتعلّق بآثار وخسائر الحرب والتعويض عنها، ومن بين المسائل المهمّة ألا تدفع هذه الدول فاتورة نزاع لم تكن طرفاً فيه. وعلى المديين القريب والبعيد، تبقى قضية أمن الطاقة في الصدارة، وأن تُستبعد من حساب هيمنة طرف بعينه أو تفاوض أو ابتزاز ونزاعات إقليمية ودولية في المستقبل، وخاصّةً مضيق هرمز والممرّات الأخرى، وألا تُترك تحت رحمة هذا الطرف أو ذاك، يتحكّم بها، بل يجب أن تكون خاضعةً لضوابط تضعها الأطراف المعنية كافّة، لأنّها حيوية للاقتصاد العالمي والاستقرار الكوني.

العربي الجديد

——————————

هل الحياد ممكن في اعتداءات إيران على الخليج؟/ إبراهيم حميدي

هناك رؤيتان للشرق الأوسط، إيرانية وخليجية الحياد يفترض وجود مسافة محايدة، لكن هذه المساحة مزدحمة بالتدخلات والمرارات والمسيّرات.

 04 أبريل 2026

بمجرد اندلاع حرب أميركا وإسرائيل وإيران، شنت طهران هجمات على دول الخليج، ما طرح السؤال: هل يمكن الحياد في هذه الاعتداءات المستمرة رغم تأرجح الحرب بين التسوية والتصعيد؟

الجواب المباشر: لا. فالتوتر مع إيران لم يبدأ اليوم، ولم يكن يوما محصورا في حدودها، بل بدأ قبل حوالي نصف قرن، وتوغل في “ساحات عربية” كثيرة، عبر أدوات مختلفة، عسكرية وأمنية وسياسية، جعلت من مفهوم الحياد فكرة صعبة، خصوصا من أولئك الذين ذاقوا طعم “التوغل الإيراني”.

في العراق، بعد إسقاط أميركا نظام صدام حسين وتفكيك المؤسسات عام 2003، دخلت إيران بقوة إلى هذه “الساحة”. دعمت فصائل وميليشيات، وساهمت في تشكيل واقع أمني جديد. لم تعد الدولة وحدها صاحبة القرار، بل أصبح هناك أكثر من مركز قوة، وأكثر من جهة تتحكم في الميدان، وتنتهي خيوطها في طهران.

استُخدم “داعش” كعامل إضافي لهندسة طائفية للقبض على خناق “الجبهة الشرقية” العربية. هذا الواقع أضعف مؤسسات الدولة، وجعل القرار موزعا بين السلاح والسياسة والمال وأضعف الاقتصاد وربط أجزاء واسعة من “الساحة العراقية” بنفوذ خارجي. قاد قاسم سليماني هذا التوغل بشكل مباشر، وأشرف على بناء شبكة نفوذ عابرة للحدود، تربط بين العراق وسوريا ولبنان وغيرها. شبكة قادرة على التحرك بسرعة، وعلى استهداف خصوم إيران في أكثر من ساحة، بما في ذلك دول الخليج.

في سوريا، لم يكن الحضور الإيراني طارئا، بل هو امتداد لتحالف طويل، بدأ مبكرا من عمر “ثورة” الخميني مع الأسد الأب. وترجم هذا التحالف بين “البعث” السوري و “الثورة الإسلامية” في طهران، بتأسيس “حزب الله” في لبنان بداية الثمانينات. استمر مع “المرشد” علي خامنئي، وتكرّس عبر العلاقة مع الأسد الابن، حيث تحولت سوريا الضعيفة إلى منصة ارتكاز أساسية في التمدد الإيراني. توسّع دور “الحزب”، وتحوّل من فاعل محلي إلى ذراع إقليمية، يمتلك خبرة قتالية، وينتشر ويشارك في معارك تتجاوز حدود لبنان، ضمن رؤية أوسع لإدارة النفوذ الإيراني في المنطقة.

ومع اندلاع الاحتجاجات في سوريا، كان قرار”المرشد” واضحا، إيران لم تقف على الحياد، بل توغلت بشكل مباشر، دعمت النظام، أرسلت مستشارين ومقاتلين، وشاركت ميليشيات مرتبطة بها في القتال، ما ساهم في تغيير مسار الصراع على الأرض لصالح الأسد خصوصا بعد الدعم الروسي.

في اليمن، يتكرر النمط نفسه، دعم سياسي وعسكري لجماعة الحوثيين، بالمال والسلاح والتدريب، ما مكّنها من السيطرة على مساحات واسعة، وخلق واقع جديد على حدود دول الخليج يتسم بعدم الاستقرار والتهديد المستمر. هذا الدعم لم يبقَ داخل اليمن فقط، بل انعكس على أمن المنطقة ككل، عبر استهدافات متكررة، وتهديد مباشر للممرات البحرية، خصوصا مضيق باب المندب، الذي يشكل شريانا حيويا للتجارة العالمية، مرتبطا بشكل مباشر بحركة الملاحة في قناة السويس المصرية. وفي تلك الزاوية، مدت إيران أيديها إلى “الساحة الفلسطينية” بتدريب مقاتلين في معسكرات “محور الممانعة” ودعم فصائل في غزة تنافس السلطة في رام الله، ولها تمددات أيديولوجية ولوجستية في القطاع وما وراءه.

التمدد الإيراني لم يتوقف عند هذه “الساحات”، كانت هناك “خلايا نائمة” في الخليج، واختراقات في السودان، وتحركات في ليبيا، واهتمام متزايد بمناطق عربية أخرى في شمال أفريقيا، ضمن نمط يعتمد على بناء امتدادات محلية، واستخدامها كأدوات نفوذ.

جذور التوغل تعود إلى “الثورة” الإيرانية 1979، حيث تبنت طهران فكرة “تصدير الثورة”، ثم مأسستها في “حلف المقاومة” الذي يقوم على اختراق حدود الدول، وبناء شبكات موازية، واستخدام الفاعلين غير الرسميين للاستثمار في الفوضى والفقر والتطرف.

في المقابل، كانت دول الخليج تقدم رؤية مختلفة. تمد أيديها إلى الدول العربية، عبر دعم الدول وتقديم المساعدات المالية، والمشاريع الاقتصادية، والدعم السياسي والدبلوماسي، وفتح أسواقها أمام العمالة والخبرات. قدمت نموذج الاستقرار مقابل الفوضى، الاستثمار مقابل الخلايا، الجيش مقابل الميليشيات، الدول مقابل الأقاليم، المستقبل مقابل الماضي، الخوارزميات مقابل المسيّرات.

أمام هاتين الرؤيتين يصبح اللاحياد ضرورة أخلاقية والانحياز مصلحة وطنية. فالحياد يفترض وجود مسافة محايدة، لكن هذه المساحة مزدحمة بالتدخلات والمرارات والمسيّرات.

المجلة

—————————-

معركة ما وراء الحدود: لماذا ترى إسرائيل في سوريا ساحة ضغط على حزب الله؟/ عزيز موسى

3 أبريل 2026

لم تعد الساحة السورية مجرد جغرافيا ثانوية في الحرب الدائرة في الإقليم، بل تحولت إلى ساحة للاختبار السياسي، فبينما تدفع إسرائيل لجرّ دمشق إلى معادلة “المقايضة الصفرية” عبر تكثيف الضغوط العسكرية والاستخباراتية، تبرز قراءة الحكومة لسورية للتحولات بوصفها استدراج ونقل المواجهة من الاستهداف الموضعي إلى استراتيجية “الاستهداف الشامل”، إذ تحاول إسرائيل توظيف الضغط العسكري لجر دمشق نحو اشتباك مع حزب الله في لبنان ضمن إطار استثمار الحدود المشتركة، لتحويلها إلى فرصة لإضعاف الأطراف إلّا أن هذه الحسابات تنطوي عليها العديد من الأهداف والتداعيات التي تحكمها طبيعة التطورات.

التصعيد عبر البوابة السورية

يرى الباحث في الشؤون الإسرائيلية، محمد أبو شريفة، أن التعامل الإسرائيلي تجاه سوريا يأتي ضمن التصعيد في الإقليم نتيجة الحرب الأمريكية- الإسرائيلية مع إيران، إذ أن إسرائيل لا تحتمل حرب استنزاف طويلة ومكلفة، حيث أصبحت المواجهة تقاس بالصبر أكثر من أن تقاس بمعيار القوة، وخيار المواجهة يطغى على خيار التفاوض، وما بينهما ثمة حيثيات تغري إسرائيل باستثمارها على حساب غيرها كأن تفعّل مسار التطبيع بالضغط، والسعي نحو فتح جبهات أخرى خاصة في سوريا لعدة أهداف أهمها مشاغلة حزب الله لتخفيف كثافة النيران التي تتعرض لها من الجنوب اللبناني، كما تريد من هذه الخطوة إضعاف الحكومة السورية، لا سيما أن الدولة السورية حددت نهجها منذ البدايات بعدم التدخل في شؤون الجوار، وأكدت على احترام سيادة لبنان على أرضه، وعدم التدخل في شؤونه الداخلية.

من جانبه يشير الباحث في الدراسات السياسية، د. عامر محمد، إلى أن إسرائيل تعمل على توظيف قاعدة “القتال بسيف مستعار” من خلال سوريا، فنتيجة للخسائر الاقتصادية التي تكبدتها في الحرب ضد إيران والتي بلغت 3 مليار دولار أسبوعيًا، فضلًا عن الخسائر العسكرية ترى في سوريا منصة انطلاق لتنفيذ ضربات استباقية ضد حزب الله ولبنان، في محاولة منها لمنع إيران من تعزيز قوتها العسكرية، لا سيما وأن روسيا والصين انتقلتا الى مرحلة “الدعم الفتاك” لضمان عدم انكسار حليفهما الإيراني، فضلًا عن أن سوريا تعد في المنظور الإسرائيلي قاعدة جوسياسية متقدمة في تفعيل سياسة “الردع المتدرج” المتمثلة في استخدام أسلحة نوعية ذات فاعلية قصوى في مواجهة حزب الله.

أهداف تتجاوز الردع

تتجاوز الأهداف الإسرائيلية حدود الردع التقليدي لتنتقل إلى مرحلة “الهندسة الجيوسياسية” للمنطقة، مستهدفةً تفكيك حلقات الوصل بين إيران وحلفائها وتغيير قواعد الاشتباك الميداني، ومن هنا تبرز الأجندة الأمنية لتل أبيب في الجبهة الشمالية والعمق السوري كأولوية قصوى تهدف لمحاولة جر الحكومة السورية نحو فخ الاشتباك.

يؤكد أبو شريفة أن إسرائيل لديها مشروع توسعي في المنطقة وتسعى لتحقيقه من خلال الاستثمار في الجبهات المحتدمة، وتوسيع نطاق المواجهات بين الأطراف والسعي نحو إنجاز مكاسب في حال نشبت مواجهة بين القوات السورية وحزب الله، أهمها استنزاف الحزب وتدمير قدراته العسكرية من خلال ضرب سلاسل توريد الأسلحة والدفع به إلى الشمال اللبناني بعيدًا عن الحدود الجنوبية، بما يرتب عليه تقليص التحالف مع إيران إضافة لتهيئة الأجواء لخلق منطقة عازلة تمنع تنفيذ عمليات ضدها، وعمليًا فإن رسائل استهداف المنشآت الحكومية في الجنوب وتوسع التوغل الإسرائيلي يأتي ضمن سياق خدمة مصالحها الأمنية في ظل التصعيد القائم في الإقليم.

فيما يعتقد د. محمد أن الأهداف الإسرائيلية تتمثل بتعزيز الجبهة الشمالية من خلال استهداف البنية التحتية لحزب الله في لبنان من الجانب السوري، إضافة لإعادة الهيكلة العسكرية في الجولان عبر تعزيز الوجود العسكري الإسرائيلي في هذه المنطقة التي يعتبرها منطقة دفاعية متقدمة في مراقبة اي تحركات لحزب الله بالقرب من الحدود الاسرائيلية السورية، ثالثًا، جمع المعلومات الاستخباراتية عن تحركات قوات الحزب ومكافحة التمويل، والدعم التسليحي الإيراني لمقاتلي الحزب عبر الأراضي السورية.

فخ الاستنزاف المتبادل

يشير الباحث أبو شريفة إلى أنه ليس بالضرورة أن تنجح الاستراتيجية الإسرائيلية في وضع الحكومة السورية أمام مقايضة صفرية، لأن دمشق تدرك أن هذه الاستراتيجية ما هي إلا تصعيد ممنهج لإثارة حالة عداوة بين الدولة السورية ولبنان، ويتم توظيفها عمليًا في مصلحة عديد القوى التي تسعى إلى تكريس الانقسام، والحفاظ على نفوذها الإقليمي عبر وكلائها وحلفائها.

ويؤكد أن دمشق تقرأ التطورات السياسية في المنطقة بشكل جيد، إذ ترى أن عدم وضع سوريا ضمن قائمة أهداف إيران المباشرة يشكل عامل تمهل واستدراك في الحسابات السورية، ما قد يدفع دمشق إلى غض الطرف عن مواجهة ضد الحزب، قبل أن تتأكد من حجم التراجع في قدرة إيران على الرد، لأن أي دخول سوري مباشر في هذا الملف قد يمنح طهران ذريعة لإعادة إدخال الساحة السورية في الاشتباك، سواء بصورة مباشرة أو عبر الفصائل والأذرع الحليفة لإيران، ومن المرجح أن تبقى سوريا ضمن إطار الضغط السياسي والتشديد الأمني بالحفاظ على أمن الحدود والوقوف بوجه محاولات تصفية الحسابات على أراضيها، وعدم الانتقال إلى دور وتأثير مباشر إلّا إذا نضجت إرادة إقليمية واضحة وغطاء عربي يضمن أن تكون كلفة الدخول أقل من كلفة الصبر وعدم الاشتباك، وهذا ينسجم مع التصريحات الرسمية السورية التي أيدت قرار الحكومة اللبنانية بنزع سلاح حزب الله التي جاءت في سياق سياسي إقليمي، دون أن تعني الاستعداد للتدخل.

أما د. محمد فيرى أن اسرائيل تحاول انتهاج سياسة شد الاطراف بين الجيش السوري وحزب الله معتمدة في ذلك على مبدأ “عدو عدوي هو صديقي”، في محاولة منها لترسيخ سياسة الاستنزاف المتبادل عسكريًا وبشريًا، بالتالي  يبدو النجاح العملياتي للاستراتيجية الإسرائيلية صعبًا وفق المقايضة الصفرية لأن إسرائيل تحاول اتباع سياسة الابتزاز والضغط المحكم تجاه الحكومة السورية لادماجها في دائرة القلق المستمر، فاشتباك الجيش السوري مع حزب الله سيجعل إسرائيل وسوريا في مواجهة لهجوم مزدوج مضاعف من قبل إيران وحزب الله، وادخال المنطقة في تصعيد مستدام بحيث تصبح المسافة فيه بلا قيمة من خلال الصواريخ الإيرانية التي ستطال المواقع الحساسة في الجغرافيا السورية وليس فقط إسرائيل، بالتالي لن تتمكن سياسة الضغط الأقصى في دفع دمشق لاحتواء حزب الله ميدانيًا، طالما أن الحزب له خبرة قتالية في إطار المناورة والمراوغة العسكرية في حروبه المتعددة مع إسرائيل.

دمشق بين خيارات المواجهة والحياد

يشدد أبو شريفة على أنه بالرغم  من الأجواء التصعيدية في الإقليم إلا أن دمشق تفضّل خيار عدم الانخراط في اشتباك مع حزب الله باعتباره ليس خيارًا حتمياً للطرفين، فالموقف السوري واضح في علاقاته الإقليمية، القائمة على مبدأ الاحترام المتبادل للسيادة وعدم تصدير الأزمات، إذ عانت سوريا من صراعات طويلة وتسعى إلى التعافي في بناء مؤسساتها وتمكين مجتمعها، من جهة أخرى فإن التضخيم الإعلامي في بناء سرديات تقول بإمكانية دخول الجيش السوري إلى لبنان للمشاركة بنزع سلاح الحزب، تهدف إلى خلق  حالة عدائية بين الشعبين، في وقت تحتاج فيه المرحلة إلى بناء جسور الثقة والتعاون، لا تبنّي خطابات تصعيدية الغرض منها تعميق الانقسامات، وضرب الاستقرار في البلدين، والانجرار إلى حرب في المنطقة وتأجيج التوترات الطائفية، وعلى ضوء ذلك تدرك دمشق عدم إغفال التأثير الإقليمي في هذه التوجهات، لأن إيران، ستجد في استمرار التوترات والانقسامات فرصة مناسبة للحفاظ على دور حليفها الأبرز حزب الله، وانطلاقًا من هنا فإن الترويج لمخاطر التدخل السوري قد يسهم في إبقاء البيئة اللبنانية أسيرة الاصطفافات الإقليمية بما يخدم استمرار هذا النفوذ.

ويعتقد أبو شريفة أن السؤل الأهم يبقى: هل يريد حزب الله فتح النار على دمشق؟، هذا السؤال يحمل الكثير من التوقعات لكن الأرجح أن أي خطوة عسكرية من الحزب تجاه سوريا ستعطي القوات السورية مبررًا للبدء بعملية عسكرية وربما تكون مدعومة إقليميًا، لذلك عند التوقف عند اللغة المتبادلة بين الدولة السورية وحزب الله نلاحظ أنها لغة مضبوطة الإيقاع ولا تتعدى كونها رسائل متبادلة، بمعنى أن المؤشرات الحالية تنفي إمكانية الاشتباك الحتمي.

فيما يختم د. محمد بالقول إن الحكومة السورية ستتبع سياسة الحياد الدبلوماسي لتفادي أي صدام مباشر مع حزب الله لا سيما وأنها تبحث عن الاستقرار الاقتصادي، لأن أي مغامرة عسكرية سيكون لها تداعيات كارثية.

ألترا سوريا

—————————————-

سر دعم الإخوان للهجمات الإيرانية على دول الخليج/ سكينة المشيخص

2026-03-30

في شبابه تأثر المرشد الإيراني السابق علي خامنئي بسيد قطب، أحد أبرز منظّري ومفكّري حركة الإخوان المسلمين. قرأ كتابات قطب بتمعّن وترجمها إلى الفارسية، وأدخلها في الدروس التي أعطاها في الحوزة لتلامذته.

هذا المعطى هو الأهم لفهم تطور علاقة الإخوان المسلمين بولاية الفقيه، والدور الذي يلعبه الإخوان في الحرب الدائرة اليوم في الشرق الأوسط، والشرخ الذي أحدثته الحرب على إيران، بين التنظيمات الإسلامية، الإخوانية والسلفية.

بعد بدء الحرب على إيران مباشرة، سارعت حركة “حماس”، إحدى أبرز فروع الإخوان المسلمين في المنطقة، إلى إدانة الضربات الأميركية الإسرائيلية، معبرة عن دعمها لطهران في هذه المعركة، كما كانت الحركة سبّاقة في نعي المرشد الإيراني علي خامنئي، واصفة اغتياله بأنه “عدوان صهيو-أميركي غادر”، وعبرت عن تضامنها الكامل مع إيران قيادة وشعبا، مشيدة بـ”دورها المستمر في دعم القضية الفلسطينية على مدى عقود”.

المفارقة أن هذا الموقف اصطدم بحقيقة أن العديد من قيادات حماس يعيشون في قطر، التي تتعرض لعدوان إيراني منذ بدء الحرب، وقد عبّر ناشطون مرتبطون بالإخوان المسلمين، من داخل قطر، عن دعمهم لإيران في الحرب. أحد هؤلاء أكاديمي فلسطيني، كتب تغريدة تسببت باعتقاله وطرده مع عائلته من قطر، قال فيها: “دفعوا لترامب تريليونات ليحميهم، فإذا به يشعل النار في دارهم، فاعتبروا يا أولي الأبصار”.

تعكس هذه التغريدة جوهر الالتباس في طبيعة علاقة الإخوان المسلمين بالنظام الإيراني. في توصيفه لطبيعة هذه العلاقة التاريخية والفكرية، يقول الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية أحمد بان لـ”الحرة” أن موقف الإخوان المسلمين من إيران هو موقف مركب.

“ستجد بعض الأطراف داخل الإخوان تتماهى مع إيران وتعتبرها نموذجا للدولة التي حاولت أن تصنع استقلالا بعيدا عن الغرب أو بعيدا عن إرادة الغرب برغم الخلاف في المذهب”.

ويضيف موضحا التقاطع الهيكلي في مفهوم السلطة: “ولاية الفقيه في حقيقتها هي أقرب إلى نموذج الخلافة الإسلامية الذي تسعى إليه جماعة الإخوان، فهناك قدر من التوافق الذهني والفكري بينهما، نحن أمام ولاية الفقيه في وجهها السني ووجهها الشيعي، حتى في الشكل فكرة المرشد الأعلى موجودة في الحالتين”.

وحول الجذور الفقهية لهذا التقارب، يشرح بان أن “فكرة اعتبار الإمامة من أصول الدين هي أمر مستقر في فقه الإخوان على خلاف كل مذاهب السنة، وفيها اتفاق مع الإمامية أو الاثني عشرية في هذا الأمر. حسن البنا كان يعتبر الإمامة من أصول الدين وليس من الفروع، وبالتالي هو يلتقي مع الفكر الشيعي في أهمية تنصيب الإمام على الأمة بأسرها”.

ويقول الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، ماهر فرغلي، إن علاقة الإسلام السياسي بالدولة هي في جوهرها علاقة مضطربة حيث لا تنظر هذه الجماعات إلى الدولة باعتبارها إطارا نهائيا، بل ككيان يمكن توظيفه أو تغييره.

ويوضح أن هذا الفهم يجعل العلاقة مع الدول (بما فيها قطر)  قائمة على الاستفادة المرحلية، مع الاحتفاظ برؤية آيديولوجية اوسع تتجاوز حدود الدولة نفسها، ويضيف أن العلاقة مع قطر تشكلت تاريخيا على قاعدة مصالح متبادلة، حيث وفرت الدوحة بيئة احتضان ودعما سياسيا وإعلامياً للأخوان المسلمين، بينما شكل وجود هذه الجماعات أداة للنفوذ والتأثير،  لكنه يشير في المقابل إلى أن هذه العلاقة ظلت محكومة بسقف معين، يقوم على التوازن بين الدعم والالتزام بخطاب محدد، ومع تطور الأحداث خاصة في ظل التوترات الإقليمية، بدأت تظهر اختلالات في هذه المعادلة.

ويلاحظ فرغلي أن سلوك هذه الجماعات تجاه دول الخليج اتسم بالبراغماتية، حيث تبدلت مواقفها عبر مراحل مختلفة، من تأييد الثورة الايرانية، إلى مواقف متباينة خلال حرب الخليج، وصولا إلى الميل الحالي نحو دعم إيران في ظل التصعيد الأخير، كما يلفت إلى أن خروج بعض الأصوات، سواء عبر المنصات الإعلامية أو وسائل التواصل، عن الإطار الذي كان منظما لهذه العلاقة، شكل ضغطا على قطر، ودفعها إلى التدخل لإعادة ضبط الخطاب ومحاولة احتواء التباين القائم.

في هذا السياق يستعيد وزير الثقافة ووزير شؤون الإعلام الأردني الأسبق، سميح المعايطة، التجارب التاريخية مع هذه التيارات، ويرى في حديث مع “الحرة” أن هذه الحركات “لم تكن موفقة في عدد من محطاتها السياسية المفصلية وعلى رأسها موقفها من غزو الكويت، حين راهنت كما تراهن اليوم، على دور محتمل لنظام صدام حسين في تحرير فلسطين، ما دفعها الى تبني مواقف بدت كأنها انحياز ضد الكويت، رغم دورها التاريخي في دعم القضية الفلسطينية واحتضان الفلسطينيين، بل والمساهمة في دعم بدايات حركات مثل حماس”.

ويضيف أن كثيرا من قيادات وعناصر هذه الحركات كانوا يعيشون في الكويت قبل عام 1990، ومع ذلك ظهر نوع من نكران الدعم الذي قدمته دول الخليج، إلى جانب غياب واضح لفكرة العلاقات المستقرة، وحضور نزعة انتهازية في التعامل مع الأزمات، مشيرا إلى أن هذه الجماعات لا تمتلك في كثير من الأحيان النضج السياسي الكافي لصياغة مواقف متوازنة.

بالنسبة إلى المعايطة، فان حركة حماس كانت في مراحل سابقة تحاول الحفاظ على توازن بين علاقتها بإيران وعلاقتها بقطر حيث لم تكن مضطرة للاختيار الحاد بين الطرفين، إلا إن المرحلة الأخيرة فرضت هذا الخيار بشكل واضح، ما أدى إلى ترجيح كفة العلاقة مع إيران والحرس الثوري.

ويضيف أن هذا التحول لم يبق محصورا داخل حماس فقط، بل انعكس أيضا على جماعة الإخوان المسلمين في العالم العربي، حيث لعبت الحركة دورا في دفع هذا الاتجاه داخل التنظيم الأوسع، ما أدى إلى تراجع مستوى التوازن الذي كان قائما سابقاً.

لكن هذا الأمر ليس متفقاً عليه تماماً داخل الحركة، بل هناك تيارات مختلفة داخل تنظيم الإخوان المسلمين، كما يشرحها أحمد بان: “ثمة شعور لدى قطاعات واسعة داخل الإخوان بأن إيران خانت معركة حماس، لأن الرؤية الحمساوية كانت تقول أن هناك اتفاقاً على أن تنطلق الحرب وتطبق نظرية ‘وحدة الساحات’.. لكنهم يرون أن إيران ضيعت هذه الفرصة وغلبت مصالحها في النهاية وتركت حماس تواجه مصيرها”.

ويشرح البان ان هناك تياراً سلفياً داخل جماعة الإخوان، يرفض التقارب مع نظام ولاية الفقيه بالنظر إلى أنه يرى إيران “عدواً لأهل السنة”، وشكلاً من أشكال التطرف ضد المذاهب السنية ومسألة سب الصحابة، واتهام إيران بأنها تحمل مشروعاً قومياً فارسياً يحاول أن يتسرب بالرداء الإسلامي لكنه غير جاد في اتباع القواعد الإسلامية.” وهذا التيار السلفي، يتقاطع في بعض جوانب خطابه، مع مصالح بعض الدول الخليجية في احتواء الجماعات الشيعية المتوزعة في بعض الدول خصوصاً البحرين والكويت.

من جهته، لا يفصل الكاتب البحريني جعفر سلمان، في حديثه مع “الحرة” بين موقع بعض التيارات الإسلامية اليوم والطبيعة الأيديولوجية للحركة، اذ قد تتحالف مع انظمة مختلفة وتتقاطع معها في المصالح، لكنها في النهاية تميل إلى الاصطفاف مع ما تراه امتدادا فكريا لها.

ويوضح أن إيران تمثل بالنسبة لبعض هذه التيارات هذا الامتداد، بحكم التقاطعات الايديولوجية، رغم الاختلافات المذهبية. هذا الأمر يعكس نجاح إيران عبر السنوات في بناء علاقة متقدمة مع حماس، كما يلاحظ المعايطة، جعلتها أقرب في طبيعتها الى نمط العلاقات التي تربطها بأطراف أخرى في المنطقة (مثل حزب الله)، مع الأخذ في الاعتبار خصوصية كل حالة، وذلك في ظل سياق أوسع من التوتر بين دول الخليج وتيارات الإسلام السياسي خلال السنوات الماضية، وما نتج عنه من تراجع حضور هذه التيارات داخل الخليج.

على ذلك يوافق الباحث أحمد البان، ويستبعد بدوره أن يكون هناك تأثير قوي للإخوان داخل المجتمعات في دول الخليج او الأردن لأن “تراجع الإخوان في مصر كان له ارتدادات في العالم العربي كله وليس فقط في مصر، وبالتالي السردية الإخوانية لم تعد بإمكانها أن تجند مزيداً من الأتباع أو تؤمن مزيداً من الولاء لهذه الأفكار”.

لكنه في الوقت ذاته يتخوف من أن يدفع هذا التشتّت والضعف بعض الأفراد من هذه التنظيمات إلى الدخول في دائرة العنف: “شاهدنا في السجون المصرية مبايعات لعناصر من الإخوان لتنظيم داعش، فهذا أمر طبيعي عندما ينهار التنظيم ويحقق فشلا تلو الآخر، إما أن تنزوي العناصر وتترك الفكرة بالكامل، أو تلحق بأكثر التنظيمات عنفاً كداعش والقاعدة”.

الحرة

————————————–

أميركا وإسرائيل وإيران: الحرب الأخيرة/ رفيق خوري

الفصل الأخير في السيناريو مكتوب سلفاً ولا يفيد الهرب إلى الأمام

الجمعة 3 أبريل 2026

من المستحيل على طهران إعادة المنطقة إلى ما قبل التحولات الهائلة في حروب ما بعد “طوفان الأقصى”، وبالذات إلى ما قبل الحرب الأميركية-الإسرائيلية المشتركة. فهذه هي الحرب الأخيرة التي لا حرب كبيرة بعدها، وإن لم يتحقق السلام الشامل. وملامح النظام الأمني الإقليمي بدأت في الظهور، ومعها ملامح نظام عالمي جديد.

في مذكرات إسحاق رابين رواية معبرة جداً عن التصورات في إسرائيل والعالم العربي عشية حرب 1967 يعكسها لقاء مع زعيمه مؤسس إسرائيل ديفيد بن غوریون. قال رئيس الأركان ثم رئيس الحكومة المغتال بعد “اتفاق أوسلو” على ید صهيوني متطرف “ذهبت إلى بن غوريون لأحصل على دعمه وتشجيعه، فقال لي ’أنت أخذت الأمة إلى وضع خطر جداً. لا يجب أن تذهب إلى الحرب. نحن معزولون وأنت تتحمل المسؤولية‘”. لكن الحرب انتهت خلال ستة أيام بأكبر هزيمة عربية سميت “نكسة”، إذ احتلت إسرائيل سيناء والجولان والضفة العربية بما فيها القدس.

كان رد الفعل العربي المباشر شعبياً ورسمياً مزيجاً من الشعور بالإهانة والرغبة في التحدي، بحيث وافق القادة العرب المجروحون وفي طليعتهم الرئيس جمال عبدالناصر على اللاءات الشهيرة في قمة الخرطوم “لا تفاوض، ولا صلح، ولا اعتراف”. لكن السياسة الواقعية طوت اللاءات وانتقل الموقف الرسمي من تحرير فلسطين إلی “إزالة آثار العدوان”، أي استعادة ما خسره العرب عام 1967 والتسليم الضمني بما احتلته إسرائيل عام 1948. وهكذا رأينا من يفاوض ويصالح ويعترف بين “دول الطوق”، ومن يذهب إلى أبعد من ذلك وإن لم یكن له دور في الحرب أو على تماس مع إسرائيل.

وما كانت حرب أكتوبر عام 1973 من أجل تحرير فلسطين، بل من أجل إزالة آثار العدوان. حرب تحريك لا حرب تحرير. ويسجل الدكتور ويليام كوانت الذي عمل في الإدارة الأميركية أيام الرئيس ريتشارد نيكسون أن الرئيس أنور السادات بعث في اليوم التالي لبدء الحرب رسالة إلى نيكسون جاء فيها “أعلم أنه ما دامت الحرب مستمرة فنحن على طرفين متناقضين، وهو شيء لا بد منه. لكني أريدك أن تفهم لماذا ذهبت إلى الحرب. أنا لم أذهب لتدمير إسرائيل بل لتدمير المأزق. وعندما تنتهي الحرب أريد من الأميركيين أن يأتوا ويساعدوا في إيجاد حل سياسي للصراع”. وهذا ما قام به الدكتور هنري كيسنجر، ثم الرئيس جيمي كارتر بعد زيارة السادات للقدس.

وهكذا تخلت الدول العربية عن الحرب الكلاسيكية تاركة للمقاومة الفلسطينية تجربة الكفاح المسلح، ثم أعلنت في قمة بيروت عام 2003 أن السلام هو الخيار الاستراتيجي تحت شعار “الأرض مقابل السلام. الانسحاب الكامل مقابل السلام الشامل”.

وهكذا أمسكت الثورة الإسلامية في إيران بورقة فلسطين، وأنشأت فصائل مقاومة أيديولوجية مذهبية مسلحة ودعمت بالمال والسلاح حركتي “حماس والجهاد الإسلامي” في غزة و”أنصار الله” الحوثيين في صنعاء رافعة شعار “إزالة” إسرائيل من على الخريطة وطرد الوجود العسكري الأميركي من غرب آسيا. وبدت عملية “طوفان الأقصى” التي أذهلت العالم وزلزلت إسرائيل على يد “حماس”، حسب شعارات يحيى السنوار ومحمد ضيف، البداية العملية لحرب تحرير فلسطين.

لكن رد إسرائیل بدعم أميرکي جاء على شكل حرب إبادة في غزة، وحرب تكسير وتهجير وتفجير واغتيالات للقادة والكوادر في “حزب الله”، وحرب اغتيال القيادات وضرب البنية العسكرية والمفاعلات النووية في إيران بمشاركة أميركا. ومع أن إیران وأذرعها في غزة ولبنان والعراق واليمن تتصرف على أساس الاستمرار في إكمال المقاومة التي تركز على حرب الصواريخ والمسيرات، إلا أن اللعبة صارت أكبر منها. فالرئيس دونالد ترمب أمسك باللعبة وجمع أضخم حشد عسكري براً وبحراً وجواً في المنطقة وبدأ حرباً واسعة بمشاركة نتنياهو على إيران.

وليس عرض التفاوض تحت النار سوى تكتيك في استراتيجية الحرب. فما تطلبه أميركا في أية صفقة هو ما أرادت الحصول عليه بالقوة، إنهاء المشروع النووي بكامله والذي أنفقت عليه طهران عشرات المليارات من الدولارات، وتحملت من أجله أقسى العقوبات الأميركية والأوروبية والدولية في مجلس الأمن، وتحديد حجم البرنامج الصاروخي ومداه، والتوقف عن مد النفوذ في المنطقة كما عن تقديم السلاح والمال للفصائل المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني. ومن الصعب على الجمهورية الإسلامية قبول ذلك على رغم ما خسرته في الحرب حتى اليوم، وهو كثير جداً.

 ولا يبدل في عمق اللعبة الاستراتيجية والجيوسياسية أن إيران لا تزال تملك من الصواريخ والمسيرات ما تقصف به دول الخليج وإسرائيل والقواعد العسكرية الأميركية، فالفصل الأخير في السيناريو مكتوب سلفاً. ولا يفيد الهرب إلى الأمام مما أحدثته الحرب الأميركية-الإسرائيلية التي تمثل الذروة في التحولات الهائلة، وأبرزها في المنطقة بعد ضرب “حماس” داخل غزة و”حزب الله” في لبنان وحرب الـ12 يوماً مع إيران خلال الصيف الماضي، وسقوط نظام الأسد وخسارة إيران للجسر السوري الذي انكسر وكسر معه “الهلال الشيعي” في ظل “ولاية الفقيه”.

ذلك أن الحرب الكلاسيكية التي طوت القمة العربية صفحتها مع فشل المقاومة الفلسطينية في الحرب الشعبية لتحرير فلسطين قادت الأحداث في اتجاهين متعاكسين، أولهما طموح الجمهورية الإسلامية إلى مواجهة “الشيطان الأكبر” و”الشيطان الأصغر” على الطريق إلى إعادة تشكيل المنطقة تحت عباءة الولي الفقيه. وثانيهما طموح أميركا وإسرائيل إلى “تحریر” إیران من النظام أو أقله خلع أنيابه وتدمير أسلحته وكسر أذرعه وإنهاء نفوذه في الشرق الأوسط الجديد. وليس من المؤكد أن تربح أميركا کل شيء، لكن من المستحيل على طهران إعادة المنطقة إلى ما قبل التحولات الهائلة في حروب ما بعد “طوفان الأقصى”، وبالذات إلى ما قبل الحرب الأميركية-الإسرائيلية المشتركة. فهذه هي الحرب الأخيرة التي لا حرب كبيرة بعدها، وإن لم يتحقق السلام الشامل. وملامح النظام الأمني الإقليمي بدأت في الظهور، ومعها ملامح نظام عالمي جديد.

————————————

 هل يُعدّ إغلاق إيران لمضيق هرمز قرصنة؟/ فضل عبد الغني

2026.04.05

إنَّ عدم انطباق وصف القرصنة لا ينتقص من خطورة سلوك إيران، بل يوجّه التحليل نحو أطر قانونية أكثر ملاءمة. فالمواد من 37 إلى 44 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تنص على حق غير قابل للتعليق في المرور العابر عبر المضائق الدولية

+A

حجم الخط

-A

وصف كثير من الصحفيين والمحللين تصرفات إيران في مضيق هرمز، من إغلاق المضيق وتهديد السفن التجارية إلى ربط العبور بالتنسيق المسبق، بأنَّها قرصنة. ويحمل هذا الوصف قوة بلاغية واضحة، لأنَّه يستحضر أقدم تصنيف للجرائم الدولية، أي مبدأ «عدو البشرية جمعاء». غير أنَّ مسألة ما إذا كان سلوك إيران يندرج ضمن التعريف القانوني للقرصنة تختلف عن مسألة ما إذا كان ينتهك القانون الدولي. فالإجابة عن السؤال الأول هي: لا. أما الإجابة عن السؤال الثاني فهي: نعم. بل إنَّ العواقب القانونية المترتبة على ذلك، في جوانب عديدة، أشد من تلك المترتبة على القرصنة.

تُعرَّف القرصنة تعريفًا رسميًا في المادة 101 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تُقنّن القانون الدولي العرفي القائم. ويشترط هذا التعريف توافر أربعة عناصر متراكمة: ارتكاب أعمال عنف أو احتجاز أو نهب غير مشروعة؛ وأن تصدر هذه الأفعال عن طاقم أو ركاب سفينة خاصة؛ وأن تكون لأغراض خاصة؛ وأن تُوجَّه ضد سفينة أخرى في أعالي البحار أو خارج نطاق ولاية أي دولة. وقد أُقرّ هذا التعريف أيضًا في اتفاقية جنيف لعام 1958 بشأن أعالي البحار، كما عززت أعمال لجنة القانون الدولي بشأن القواعد الآمرة حظر القرصنة بوصفه إحدى هذه القواعد.

ويخالف سلوك إيران عنصرين على الأقل من هذه العناصر. وأهم العقبات هنا شرط «الأغراض الخاصة». فالقرصنة، بحسب تعريفها، فعل ترتكبه جهات فاعلة غير حكومية لتحقيق مكاسب شخصية أو مالية. أما القوات البحرية الإيرانية، ووحدات الحرس الثوري البحرية، ومشغلو الطائرات المسيّرة، وعمليات زرع الألغام، فهي جميعًا أجهزة حكومية تعمل تحت قيادة الدولة تنفيذًا لسياستها. وعندما توجه دولة ما العنف في البحر، فإنَّ الفعل الناتج يندرج تحت قانون الحرب البحرية، أو قانون استخدام القوة، أو قوانين النزاعات المسلحة، لا تحت وصف القرصنة. 

أما العنصر الجغرافي فلا يقل إشكالًا. فمضيق هرمز، الذي يبلغ عرضه في أضيق نقطة نحو 21 ميلًا بحريًا، يقع بالكامل ضمن المياه الإقليمية المتداخلة لإيران وعُمان، إذ تدّعي كلتاهما أقصى عرض مسموح به للمياه الإقليمية، وهو 12 ميلًا بحريًا. ولا تُعدّ الهجمات التي تقع داخل المياه الإقليمية قرصنة بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وإن أمكن تصنيفها بوصفها «سطوًا مسلحًا على السفن» وفق الصكوك الإقليمية للمنظمة البحرية الدولية، وهو تصنيف قانوني مختلف.

ومع ذلك، فإنَّ عدم انطباق وصف القرصنة لا ينتقص من خطورة سلوك إيران، بل يوجّه التحليل نحو أطر قانونية أكثر ملاءمة. فالمواد من 37 إلى 44 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تنص على حق غير قابل للتعليق في المرور العابر عبر المضائق الدولية. وهذا الحق، الذي جرى تأكيد كونه جزءًا من القانون الدولي العرفي الملزم لإيران، بصرف النظر عن عدم كونها طرفًا في الاتفاقية، لا يقتصر على منع الإغلاق الرسمي، بل يشمل أيضًا أي «إعاقة وظيفية» للمرور، تُقيَّم على نحو تراكمي. ومن ثم، فإنَّ الجمع بين هجمات الطائرات المسيّرة، وزرع الألغام، والتهديدات، واشتراط التنسيق والدفع مقابل العبور، يُشكّل هذا النوع من الإغلاق الوظيفي. وقد دان قرار مجلس الأمن رقم 2817، الصادر في 11 من آذار/ مارس 2026، هذه الأعمال صراحةً بوصفها انتهاكًا للقانون الدولي وتهديدًا خطيرًا للسلم والأمن الدوليين، مؤكدًا أنَّ أي محاولة لعرقلة المرور العابر المشروع تُعد من هذا القبيل.

وقد استخدم بعض المعلقين القانونيين تشبيه القرصنة عمدًا بوصفه حجة معيارية لا تصنيفًا تقنيًا. فقد أشار تحليل منشور في مجلة الأمن الدولي الصادرة عن منشورات معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إلى أنَّ إغلاق المضيق سيُعد انتهاكًا جسيمًا للأعراف الدولية، يمس مصالح معظم الدول بصورة مباشرة ومهمة، «بما يجعله عمليًا حملة قرصنة». ويستعمل هذا الطرح مصطلح «القرصنة» بمعناه التاريخي والسياسي، أي معاداة الإنسانية، لا بمعناه الفني الوارد في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. أما الصياغة الأدق قانونًا فهي أنَّ تصرفات إيران تُحدث آثارًا مماثلة للقرصنة، من حيث التعطيل المنهجي لحرية الملاحة، والإكراه الاقتصادي الواقع على دول ثالثة، واحتجاز ما يقارب 20 ألف بحّار على متن نحو ألفي سفينة في منطقة حرب نشطة.

ويجب التمييز بين القرصنة والسلوك العدواني غير المشروع؛ فالولاية القضائية العالمية تنطبق على القرصنة، بما يتيح لأي دولة القبض على القراصنة ومحاكمتهم بغض النظر عن علم السفينة التي ارتكبوا منها الفعل. أما الهجمات البحرية التي تشنها الدول فلا تُفعّل الولاية القضائية العالمية على النحو نفسه؛ إذ تكون أدوات الرد المناسبة هنا هي مسؤولية الدولة، والتدابير المضادة، والاحتجاج الدبلوماسي، والإدانة المؤسسية، كما يظهر في قرار مجلس الأمن رقم 2817 وما قد يترتب عليه من آثار محتملة بموجب الفصل السابع. كذلك، فإنَّ تصرفات إيران قد تعرّضها لإجراءات أمام محكمة العدل الدولية بسبب انتهاك التزاماتها العرفية في إطار قانون البحار، ولمطالبات من دول علم السفن المحايدة التي تعرضت للهجوم، فضلًا عن احتمال خضوعها لتدقيق المحكمة الجنائية الدولية إذا نُظر في الهجمات على المدنيين الموجودين على متن السفن التجارية المحايدة بوصفها جرائم حرب في سياق نزاع مسلح دولي.

ومن ثم، فإنَّ عدم انطباق التعريف الرسمي للقرصنة على سلوك إيران لا يوفر لها سندًا دفاعيًا، لأنَّ هذا السلوك ينتهك، في آن واحد، عددًا من القواعد غير القابلة للتعطيل في قانون البحار، وقانون الحرب البحرية، وقانون استخدام القوة، كما أنَّ صياغة الرد الدولي جاءت بالفعل على نحو قد يدعم مزيدًا من العمل الجماعي في إطار ميثاق الأمم المتحدة.

تلفزيون سوريا

——————————–

المبادرة الوحيدة لإطفاء الحرب/ محمود الريماوي

04 ابريل 2026

على الرغم من أنّ خطاب الرئيس دونالد ترامب إلى الأمّة الأميركية، فجر الخميس الماضي، جاء تعبوياً وشديد اللهجة، إلا أنّه لم يغلق الباب أمام التفاوض وفرص التوصّل إلى اتفاق مع الطرف الإيراني، وهو ما حمل وزير الخارجية الباكستاني إسحق دار على التصريح بأنّ جهود بلاده مستمرّة (ضمن جهود الوساطة التي تضمّ السعودية وتركيا ومصر)، وأنّه جارٍ التنسيق مع بكين في هذا الشأن بعد زيارة رئيس الدبلوماسية الباكستانية بكين الثلاثاء الماضي، وأثمرت عمّا سُمّي بمبادرة النقاط الخمس. وبالعودة قليلاً إلى الوراء، أدّى شنّ الحرب على إيران (قبل خمسة أسابيع) إلى توقّف الرعاية العُمانية للمفاوضات بين واشنطن وطهران، وقد أظهرت مسقط، خصوصاً على لسان وزير خارجيتها بدر البوسعيدي، استياءً من شنّ هذه الحرب دونما اعتبار لدعوات الدول الصديقة لواشنطن، وبالذات دول الخليج العربي، بعدم اللجوء إلى خيار المواجهة العسكرية، ودونما تقدير للجهود المضنية التي بذلتها مسقط على مدى أسابيع لتسهيل التفاوض بين الجانبَين المتنازعَين. ومع اندلاع الحرب، لم تسلم عُمان من استهدافات لها من طرف إيران، وإن كانت هذه الاستهدافات أقلّ ممّا تعرّضت له دول خليجية أخرى.

لهذا لم تنضمّ مسقط، على الرغم من خبراتها في ملفّ النزاع الإيراني الأميركي، إلى جهود الوساطة المتجدّدة، إذ تتولّى باكستان دور المنسّق لهذه الجهود الرباعية والممثّل لها في حالات أخرى. وفي هذه الآونة، ومع اشتداد وتيرة الحرب التي تشارك فيها إسرائيل باندفاع محموم، تبدو حظوظ باكستان في إنجاح الوساطة حتى تاريخه غائمةً أو متأرجحةً على الرغم من ارتباط إسلام أباد بعلاقات وثيقة مع واشنطن وطهران. وفي حين أنّ واشنطن هي من أحبطت الجهد العُماني ولجأت إلى خيار الحرب، فإنّ الطرفَين معاً هذه المرّة، الإيراني والأميركي، يمنحان فرصاً ضئيلة للتفاوض، ويكتفيان بتبادل الرسائل والمقترحات والردود عليها عبر الوسيط الباكستاني، بينما يشتدّ أوار المواجهة التي تتعرّض فيها إيران لحرب من دولتَين نوويتَين بحسب التوصيف الإيراني، فيما تندفع طهران إلى توسيع نطاق الحرب باستهداف جيرانها في الخليج، بما في ذلك السعودية، الدولة الكبيرة ذات المكانة في العالمَين العربي والإسلامي التي ترتبط باكستان بعلاقة تاريخية وثيقة معها، تُوّجت في سبتمبر/ أيلول الماضي بمعاهدة دفاع مشترك.

وقد تجنّدت إسلام أباد بتنسيق مع بقية الوسطاء للقيام بدور نشط لإنجاح مهمة تحفيز الطرفَين الإيراني والأميركي على العودة إلى مائدة التفاوض، وقد نشطت سائر مستويات الدولة الباكستانية لهذه المهمة، من رئيس الدولة آصف علي زرداري إلى رئيس الوزراء شهباز شريف، إلى قائد الجيش عاصم منير، إلى وزير الخارجية إسحق دار. وقد حصل قائد الجيش على الضوء الأخضر للوساطة من الرئيس دونالد ترامب، فيما بادر رئيس الوزراء بالاتصال بالإيرانيين الذين وافقوا على وساطة بلاده، أمّا رئيس الدولة فلعب دوراً بعيداً عن الأضواء في التواصل مع القيادة الصينية لحثّها على دعم الوساطة العربية الإسلامية، ولقي استجابةً لطلبه، فيما نشط وزير الخارجية بدور التنسيق، وتوجّه الثلاثاء الماضي إلى بكين سعياً وراء دعم ملموس لهذه الجهود.

وكانت الصين قد بذلت محاولةً لإطفاء نيران الحرب، فقام المبعوث الصيني للشرق الأوسط تشاي جون بزيارات لهذا الغرض إلى كلّ من السعودية ومصر والإمارات والبحرين والكويت، وأجرى اتصالات بالجانب الإيراني وبدولة قطر. غير أنّ هذه الجولة، التي سبقت جهود الوساطة الرباعية، لم تسفر عن شيء ملموس، واكتفى المبعوث الصيني في ختام جولته إلى قوله: “من ربط الجرس هو من يجب عليه أن يفكّه”، في إشارة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل اللتَين تشاركتا في شنّ الحرب. كما استنكر الدبلوماسي الصيني الهجمات الإيرانية على دول الخليج ودعا إلى وقفها. وقد سعت باكستان إلى تحفيز الصين، الجارة الصديقة والموثوقة، على لعب دور أكبر في إطفاء نيران الحرب الإقليمية والدولية، إذ أسفرت زيارة وزير الخارجية إسحق دار إلى بكين، ولقاؤه نظيره الصيني وانغ يي، عن مبادرة تحمل مبادئ توجيهية، منها الوقف الفوري للأعمال العدائية، والسماح بإدخال مساعدات إلى المناطق المتضرّرة، وبدء مباحثات سلام في أقرب وقت ممكن، واحترام سيادة وسلامة إيران ودول الخليج، والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد باستخدامها خلال محادثات السلام، وضمان أمن الأعيان المدنية، ومراعاة مبدأ حماية المدنيين في النزاعات العسكرية، ووقف مهاجمة البنية التحتية الحيوية، وضمان أمن الممرّات الملاحية، والتذكير بأنّ مضيق هرمز، مع مياهه المجاورة، ممرّ ملاحي عالمي آمن للبضائع والطاقة، وتعزيز مكانة الأمم المتحدة، وتحقيق سلام دائم قائم على مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي. ويُذكر هنا أنّ إيران سمحت الثلاثاء الماضي بعبور ثلاث سفن صينية مضيق هرمز.

ولعلّ زيارة المسؤول الباكستاني بكين قد زادت من وتيرة الانشغال الصيني بهذه الحرب ومخاطرها، وبأهمية وقفها، فيما تطمح باكستان إلى أن تؤدّي الصين دوراً أكبر، وفق تقرير لـ”سي أن ان”، فتلعب مثلاً دور الضامن لاتفاق سلام إيراني أميركي مأمول، وأن تكون طرفاً نشطاً في التقريب بين طهران وواشنطن لدفعهما إلى وقف الحرب والعودة إلى مائدة التفاوض، إذ ما زالت إسلام أباد تطمح إلى أن تستضيف مثل هذه المحادثات. غير أن انشغال بكين بالمسألة يبدو مشوباً بالتحفّظ، إذ لم تُبد رغبة في الانغماس بدور أكبر، واكتفت بتوجيه النقد إلى من أشعل الحرب ودعوته للمبادرة بإطفائها، وباركت جهود الوساطة العربية والإسلامية، وتتطلّع في الأثناء إلى استقبال ترامب في مايو/ أيار المقبل لعقد لقاء قمّة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، وهو لقاء كان مقرّراً في إبريل/ نيسان الجاري، بيد أن ظروف الحرب أرجأت الموعد.

وهكذا، وبينما تطلّعت إسلام أباد إلى دور صيني أكبر في دعم هذه الجهود ومنحها بُعداً دولياً، فإنّ الصين التزمت بسياستها التي تنأى عن الانخراط في المحاور والتحالفات أو ما يشابهها، وبالذات في ظروف التوتّرات الخطيرة كما هو الحال في الحرب الحالية، علماً بأنّ الصين ترتبط باتفاق استراتيجي مع إيران منذ مارس/ آذار 2021 ويسري 25 عاماً، وعلى الرغم من أنّه لم تُنشر تفاصيل الاتفاق، إلا أنّه يتحدّث في ديباجته عن تعاون شامل يضمّ جانباً للتعاون العسكري والأمني واندماج إيران في مشروع الصين: الحزام والطريق. ولم ترشح أنباء عن تلقّي إيران دعماً صينياً ما خلال هذه الحرب عدا الدعم السياسي والمعنوي بإدانة شنّ الحرب على هذا البلد.

من الواضح أنّ باكستان، عقب خطاب ترامب إلى الأمة، تتطلّع إلى تفعيل المبادرة مع الصين، واجتذاب دعم الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة لهذه المبادرة، وهي المبادرة الوحيدة المطروحة إقليمياً ودولياً لوقف الحرب، ومخاطبة الطرفَين الإيراني والأميركي، وبالذات الطرف الإيراني، بضرورة التحلّي بقدر من الواقعية لتسهيل التفاوض. ويُشار في هذا الصدد إلى تصريحات الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني، القريب من الإصلاحيين، دعت إلى إصلاحات جذرية في النظام السياسي لبلاده، والتدقيق في الخيارات المصيرية، بما فيها خيار إنهاء الحرب، وهي تصريحات تشير إلى ضربٍ من المراجعة داخل الجسم السياسي الإيراني، تنتظر ملاقاتها بصورة إيجابية من الطرف الأميركي فيخفِّف من طلباته القصوى، وبما يسهل جهود باكستان ويحفّز القيادة الصينية على الانخراط بصورة أكبر في مساعي البحث عن اتفاق وتسهيل التفاوض ووقف إطلاق النار.

العربي الجديد

¨

—————————-

حجر ترامب وأسطوانة كورش/ صبحي حديدي

أياً كانت تحفظات المرء على، أو اتفاقه مع، «ظُرف» وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف؛ فإنّ عودته إلى واجهة الوقائع في إيران ليست خالية من المغزى. ففي ردّه على تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حول إعادة إيران إلى «العصر الحجري حيث ينتمون»، وبّخ ظريف ساسة أمريكا هكذا: «في قلب مهد الحضارة كانت إيران، حين كان أجدادكم في أوروبا (ولم تكن أمريكا موجودة أصلاً) في العصر الحجري. نحن من علّمنا العالم النظامَ والقانون وفنون الحكم، ومؤسف أنّ قسطاً من هذا لم يبلغ بعض الأحفاد الجهلة».

ظريف على صواب، بالطبع، بالمعاني التاريخية والحضارية بادئ ذي بدء، إذا لم يذهب المرء نحو منجزات الحضارة الفارسية العلمية والسياسية والفلسفية والثقافية مقابل أنساق العماء والتخلف والهمجية التي كانت معظم أرجاء الغرب غارقة في ظلماتها. ولا تُلام جهات إيرانية إذا استدعت، على سبيل تسفيه عبارة ترامب العنصرية البذيئة، أسطوانة الملك الفارسي كورش التي تعود إلى أكثر من 2,600 سنة، وتُعدّ واحدة من مواثيق حقوق الإنسان الأقدم، وقد ألهمت توماس جيفرسون أحد كبار الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، أسوة بعشرات القادة والساسة والفلاسفة في أوروبا.

هذا الفخار يصحّ، أيضاً، أن يوضع في سياقات عابرة للحميّة القومية الفارسية، المشروعة بالطبع والمتأصلة عميقاً في نفوس إثنيات الفرس على تنوّعها؛ وأن تُقرأ دلالاته في ضوء الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية الراهنة، على الشعب الإيراني وعمرانه البشري والحضاري قبل أيّ هدف يندرج ضمن أكذوبة استهداف آيات الله وتغيير النظام. وهو، في هذه الحال، مؤشر على تحوّل غير محدود القيمة ولا الأثر، من النهج الديني والسياسي الشيعي إلى الإحياء القومي الفارسي؛ خاصة وأنّ الامتزاج قد لا يكون تناحرياً، بل لعله على العكس: تكاملي على أكثر من صعيد، ثمّ وظائفي من حيث التحشيد والتدجين.

وهو، تالياً، وإذ يصدر عن ظريف تحديداً بعد ابتعاد عن السياسة المحلية أقرب إلى الاستبعاد، وضمن مناخات ما يُشاع اليوم من «مشروع» يطرحه وزير الخارجية الأسبق، وأحد مهندسي الاتفاق النووي لعام 2015؛ يقترب، في كثير ربما وليس في قليل فقط، من حوافّ «تسوية تاريخية» تشمل إدخال تحوّلات ملموسة على بنية نظام الملالي، يمكن أن تُرضي الولايات المتحدة والغرب والجوار الإقليمي؛ حتى إذا كانت غير مؤهلة لإرضاء دولة الاحتلال الإسرائيلي عموماً، وائتلاف بنيامين نتنياهو الراهن خصوصاً.

ففي مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية، غير البعيدة عن صنّاع القرار في واشنطن عبر كبار مستشاريهم، طالب ظريف بلاده بتقديم عروض من طراز فرض القيود على البرنامج النووي وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، وطلب من الولايات المتحدة رفع جميع العقوبات وإبرام اتفاق عدم اعتداء متبادل، وإقامة علاقات اقتصادية تعود بالنفع على الشعبين الأمريكي والإيراني.

أهي أضغاث أحلام، من رجل لم يعد يمسك من مفاتيح النفوذ سوى مساندة الرئيس الإيراني مسعود بزكشيان؟ ليس تماماً، إذ أضيفت إلى روحية المشروع نبرة انتقاد لم تكن مألوفة، لأنها أصلاً لم تكن متاحة أيام المرشد الأعلى علي خامنئي وكبار رجالاته أمثال قاسم سليماني وعلي لاريجاني وعلي شمخاني: ضرورة تمكين المسؤولين الإيرانيين من التركيز بدرجة أقلّ على حماية البلاد من تهديدات الخارج، مقابل توجّه أكبر نحو تحسين حياة المواطنين في الداخل، بما يتيح تأمين «المستقبل الجديد والمشرق الذي يستحقه الإيرانيون».

وفي كلّ حال، ليس الفارق بين حجر ترامب وأسطوانة كورش وظيفياً وتاريخياً وتكوينياً فقط، بل لعله ميزان حضاري بين غطرسة يانكية حمقاء بقدر ما هي عمياء، وفخار فارسي كانت له بدوره جولات توحش وجرائم في المنطقة؛ والعاقبة على حساب الشعوب، دائماً وحصرياً.

القدس العربي

——————————

 ترمب يمهل إيران 48 ساعة لإبرام اتفاق وإسرائيل تشعل التوتر على الحدود السورية

2026.04.05

تدخل الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران يومها الـ36، مع تصاعد لافت في طبيعة الضربات وتوسع رقعة الاشتباك، حيث حذّرت طهران من مخاطر حدوث تسرّب إشعاعي عقب هجوم رابع وقع قرب محطة بوشهر النووية، في وقت يستمر فيه التصعيد الإسرائيلي في لبنان، والذي وصل إلى الحدود السورية.

ومنذ بدء التصعيد الأميركي – الإسرائيلي، تبنّى الرئيس الأميركي خطاباً متناقضاً، حيث تحدث أحياناً عن فرص انفراج دبلوماسي، فيما لوّح أحياناً أخرى بتهديدات شديدة تصل إلى إعادة إيران “إلى العصر الحجري”.

وفي آخر تصريحاته، كرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بتصعيد الهجمات على إيران إذا لم تتوصل إلى اتفاق، أو لم تفتح مضيق هرمز الحيوي.

وقال على منصة “تروث سوشال”: “أتذكرون عندما منحت إيران عشرة أيام للتوصل إلى اتفاق أو فتح مضيق هرمز؟ الوقت ينفد – 48 ساعة فقط قبل أن يحل عليهم الجحيم!”.

وهدد ترمب في وقت سابق بشن هجمات على محطات الطاقة الإيرانية ما لم تتم الاستجابة لمطالبه، فيما قال مسؤول دفاعي إسرائيلي رفيع المستوى إن إسرائيل تستعد لمهاجمة منشآت طاقة إيرانية، لكنها تنتظر الضوء الأخضر من الولايات المتحدة.

كيف ردت إيران على تهديدات ترمب؟

رفضت القيادة العسكرية المركزية الإيرانية تهديد الرئيس الأميركي بتدمير البنى التحتية الحيوية للبلاد إذا لم تبرم اتفاقاً يضع حداً للحرب خلال 48 ساعة.

وقال قائد مقر “خاتم الأنبياء المركزي”، اللواء علي عبد اللهي علي آبادي، في بيان إن تهديد ترمب “تصرف عاجز ومتوتر وغير متزن وغبي”. وردّ على قول الرئيس الأميركي إنه “تبقى 48 ساعة قبل أن ينزل عليهم الجحيم!”، في إشارة إلى إيران، قائلاً: “أبواب الجحيم ستُفتح لكم”.

إيران تحذر من مخاطر تسرب إشعاعي

وفي سياق متصل، حذّر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من تداعيات إقليمية خطيرة عقب تكرار الهجمات على محطة بوشهر للطاقة النووية، قائلاً إن “أي تسرب إشعاعي محتمل لن يقتصر على بلاده فقط، بل سيمتد إلى دول أخرى في المنطقة”.

وشدد عراقجي، في رسالة وجّهها إلى الأمم المتحدة، على مخاطر حدوث تسرّب إشعاعي عقب هجوم رابع وقع قرب محطة بوشهر النووية خلال حرب إيران، في تصعيد يثير القلق بشأن سلامة المنشآت الحساسة، وفقاً لـ”رويترز”.

وأضاف أن الهجمات “قد تؤدي إلى تلوث إشعاعي في المياه والهواء والأنظمة البيئية والموارد الطبيعية، وأن آثارها لن تقتصر على إيران، بل ستمتد إلى دول أخرى في المنطقة”.

تصعيد في لبنان يصل إلى الحدود السورية

على الجبهة اللبنانية، تتواصل المواجهات بوتيرة مرتفعة، مع إعلان “حزب الله” تنفيذ عشرات الهجمات الصاروخية على مواقع وقواعد عسكرية إسرائيلية شمالي فلسطين المحتلة، ضمن تنسيق ميداني متزامن مع الضربات الإيرانية.

في المقابل، صعّد الجيش الإسرائيلي من وتيرة غاراته، مستهدفاً عشرات البلدات والمناطق في جنوب لبنان، حيث طالت الضربات مدناً وقرى عدة، بينها بنت جبيل، الخيام، شقرا، عيتا الجبل، وخربة سلم، إضافة إلى مناطق مفتوحة وأودية حدودية.

وفي السياق، وجّه جيش الاحتلال الإسرائيلي إنذاراً بإخلاء منطقة معبر المصنع على الحدود اللبنانية – السورية بشكل فوري، تمهيداً لاستهدافه “قريباً”.

جاء ذلك في بيان نشره المتحدث باسم جيش الاحتلال على منصة “إكس”، حذّر فيه جميع الموجودين في منطقة معبر المصنع (ويقابله معبر جديدة يابوس على الجانب السوري)، والمسافرين على طريق M30، بمغادرة المنطقة.

وقال الناطق إن الجيش الإسرائيلي يعتزم تنفيذ غارات على المعبر في وقت قريب، بحجة أن “حزب الله يستخدم المعبر لأغراض عسكرية وتهريب وسائل قتالية”، على حد زعمه.

من جهته، أكد مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية، مازن علوش، في بيان، أن معبر جديدة يابوس الحدودي مخصص حصراً لعبور المدنيين، ولا يُستخدم لأي أنشطة عسكرية، مشدداً على عدم وجود أي مجموعات مسلحة أو ميليشيات فيه، وعدم السماح باستخدامه خارج الأطر المدنية والقانونية.

وأضاف أنه، وفي ظل التحذيرات المتداولة وحرصاً على سلامة المسافرين، تقرر تعليق حركة العبور عبر المعبر بشكل مؤقت إلى حين زوال أي مخاطر محتملة، على أن يُعلن عن استئناف العمل فور التأكد من استقرار الأوضاع.

————————–

====================

تحديث 03 نيسان 2026

——————————

 هل تحلّ سوريا عقدة هرمز؟/ منهل باريش*

2026-04-03

أعادت أزمة إغلاق مضيق هرمز طرح سؤال قديم – متجدّد: هل يمكن لسوريا أن تتحوّل إلى بديل إقليميّ لمرور النفط؟ يُظهر التاريخ أنّ خطوط الطاقة في المنطقة كانت دائماً رهينة الحروب، إذ أوقفت الصراعات خطّ كركوك – بانياس لأكثر من 60 عاماً، فيما تحوّل خطّ النفط العربيّ (التابلاين) إلى ذكرى لإرادة العرب القويّة يوماً، قبل أن تتوسّع إسرائيل على حساب جاراتها العربيّة عام 1967، وتحتلّ الجولان السوريّ، فيما كان من المقرّر أن يصل الخطّ إلى ميناء صيدا اللبنانيّ.

في هذا السياق التاريخيّ، يعود المشهد بصورة مختلفة. ما يحدث اليوم ليس حلّاً مؤقّتاً، بل محاولة لإعادة رسم خريطة عبور النفط في المنطقة. ضمن هذه التحوّلات، شدّد الرئيس السوريّ أحمد الشرع في برلين ولندن على الموقع الحيويّ لسوريا، باعتبارها بديلاً محتملاً لخطوط الطاقة وسلاسل التوريد في المنطقة، بعد إغلاق إيران لمضيق هرمز.

مع دخول أولى قوافل الفيول (زيت الوقود) العراقيّ عبر معبرَي التنف والبوكمال، ونقلها إلى مصفاة بانياس على البحر المتوسّط، تكون سوريا قد استثمرت لحظة إقليميّة نادرة تؤكّد موقعها كمركز عبور للطاقة وسلاسل التوريد.

أزمة عراقيّة

يواجه العراق أزمة تصدير حادّة بعد توقّف نحو 3.5 مليون برميل يوميّاً، أي معظم صادراته النفطيّة، فراح يبحث عن بدائل عبر تركيا وسوريا والأردن. غير أنّ هذه المسارات تبدو محدودة، فخطّ كركوك – بانياس خارج الخدمة، وإعادة تأهيله مكلفة، فيما يعمل خطّ كركوك – جيهان بطاقة متواضعة على الرغم من إعادة تشغيله.

لذلك لجأت بغداد إلى النقل البرّيّ نحو بانياس والعقبة كحلّ مؤقّت لا يعالج سوى جزء محدود من الأزمة، في ظلّ ضعف القدرة التخزينيّة، وهذا ما يدفعها إلى نقل الفيول الباقي لتفادي اختناقات المصافي، من دون أن ينعكس ذلك على الأسعار، بفعل الطلب المرتفع على المشتقّات النفطيّة في المنطقة.

في المقابل، تبرز سوريا كأحد المستفيدين المحتملين، مع تقديرات لعائدات قد تصل إلى نحو 200 مليون دولار سنويّاً، إلى جانب تنشيط قطاعات النقل والطاقة.

تهديدات النّقل البرّيّ

تبدو الصورة ميدانيّاً أكثر هشاشة، إذ أطلق محتجّون النار على أحد صهاريج النقل الآتية عبر معبر القائم – البوكمال، وجرى اعتراض صهاريج في مناطق مختلفة بالتزامن مع تظاهرات تدعو إلى إطلاق سراح معتقلين سوريّين في العراق، وآخرين من أبناء العشائر لدى قوّات سوريا الديمقراطيّة (قسد).

سوريا

ما يجري عمليّاً على الأرض أقرب إلى “اقتصاد طوارئ” يعتمد على حلول مكلفة وهشّة أمنيّاً. يشير ذلك إلى أنّ الواقع الأمنيّ المضطرب في سوريا والعراق يشكّل أحد أكبر التحدّيات بين البلدين. يتطلّب نقل نحو 500 صهريج يوميّاً من العراق إلى سوريا موارد بشريّة كبيرة من قبل دمشق، خصوصاً في القرى والبلدات الواقعة على ضفاف نهر الفرات.

سيشكّل تأمين طريق بغداد – دمشق، من منطقة التنف وصولاً إلى حمص، عبئاً كبيراً على القوّات الأمنيّة والعسكريّة، في ظلّ تهديدات خلايا تنظيم داعش التي تستهدف الدوريّات ونقاط الحماية.

خطّ أنابيب جديد

في ظلّ محدوديّة الحلول المؤقّتة، تتقاطع الحاجة العراقيّة إلى إيجاد بديل مع الفرصة السوريّة. يتّجه العراق نحو بناء خطّ أنابيب جديد يربط كركوك بميناء بانياس بطاقة تصل إلى 1.5 مليون برميل يوميّاً، مع مدّة تنفيذ تراوح بين 24 و36 شهراً، وتكلفة قد تتجاوز 4.5 مليار دولار.

يُعدّ هذا الخيار بديلاً عن إصلاح الخطّ القديم الذي صُمّم قبل نحو 75 عاماً بطاقة لا تتجاوز 300 ألف برميل يوميّاً. قد يحصل لبنان على حصّة من رسوم العبور في حال تشغيل الضخّ عبر الوصلة القديمة الممتدّة من تلكلخ إلى طرابلس.

بالنسبة لسوريا، تتجاوز أهميّة هذه التطوّرات البعد الاقتصاديّ المباشر، إذ إنّ مرور خطوط الطاقة عبر أراضيها يعزّز الاستقرار السياسيّ، ويقلّل من اعتمادها على النفط الروسيّ، خاصّة أنّ احتياجاتها اليوميّة المقدّرة بنحو 120 ألف برميل تتمّ تلبيتها حاليّاً عبر الاستيراد، نتيجة الأضرار الكبيرة التي لحقت بحقول النفط وشبكات النقل الداخليّة بين شرق سوريا وحمص.

غير أنّ هذه الصورة لا تخلو من تعقيدات، إذ إنّ تحويل سوريا إلى بديل فعليّ يواجه عقبات سياسيّة وأمنيّة معقّدة قد تجعل هذا الدور بعيداً في المدى القصير.

الرّبط العربيّ

يعيد خطّ كركوك – بانياس الجديد الدور التاريخيّ لسوريا كممرّ للطاقة، مذكّراً بالخطّ الذي افتتحه الملك فيصل عام 1952. لقد توقّف ضخّ النفط فيه لأسباب سياسيّة بين عامَي 1956 و1958، ثمّ توقّف مجدّداً بعد الحرب العراقيّة الإيرانيّة نتيجة وقوف حافظ الأسد إلى جانب إيران ضدّ العراق عام 1982، واستمرّ ذلك حتّى عام 2000.

عاد الخطّ للعمل لفترة قصيرة، قبل أن يتوقّف مجدّداً منذ الغزو الأميركيّ للعراق عام 2003. فشلت محاولات إعادة تأهيله من قبل روسيا وإيران بسبب العقوبات والضغوط السياسيّة، وتعرّض لأضرار كبيرة خلال سيطرة تنظيم داعش على مناطق واسعة في سوريا والعراق.

في المحصّلة، لا تحلّ سوريا عقدة هرمز بالكامل، لكنّها قد تصبح جزءاً من الحلّ. غير أنّ هذا الدور سيظلّ رهناً بمعادلة معقّدة: الأمن أوّلاً، ثمّ وأخيراً القدرة على بناء بنية تحتيّة قادرة على الصمود.

* كاتب سوريّ

أساس ميديا

———————————–

كيف تحوّلت أزمة هرمز إلى فرصة وجودية لدمشق؟/ مازن الشاهين

انهارت حركة الناقلات في مضيق هرمز بأكثر من 90% خلال أيام، وقفزت أسعار النفط إلى ما يقارب 120 دولاراً للبرميل.

2026-04-03

في خضمّ أشرس أزمة طاقة يشهدها العالم منذ عقود، وبينما تترنّح ناقلات النفط خارج مضيق هرمز المحاصَر بالألغام والتهديدات الإيرانية، يطلّ المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك بمقترح قد يعيد رسم خريطة الطاقة العالمية: “ينبغي إيجاد بدائل لمضيق هرمز والبحر الأحمر ويمكن لسوريا أن تلعب دوراً عبر الأنابيب، والفصل القادم من سوريا يعتمد على الطاقة بوصفها محركاً للتعافي والاستثمار والاندماج الإقليمي”. إذاً سوريا ليست ضحيةَ الحرب وحسب، بل يمكن أن تكون إيجابيتها، ولكن لماذا سوريا تحديداً؟

في الثامن والعشرين من شباط/ فبراير 2026، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات مشتركة على إيران في إطار ما عُرف بـ”عملية الغضب الملحمي”، كان الرد الإيراني فورياً وكاسحاً: إغلاق مضيق هرمز، أضيق نقطة عبور في العالم وأكثرها حساسية، والتي تمرّ عبرها نحو 20 مليون برميل نفط يومياً تمثّل ما يقارب 20% من إجمالي تجارة النفط البحرية العالمية.

وانهارت حركة الناقلات في المضيق بأكثر من 90% خلال أيام، وقفزت أسعار النفط إلى ما يقارب 120 دولاراً للبرميل، وبات أكثر من 150 ناقلة راسيةً خارج المضيق، عاجزةً عن المضيّ أو التراجع، أعلنت دول آسيوية كبرى – الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان – حالة تأهب قصوى في احتياطياتها الاستراتيجية، وفي خضمّ الأزمة، لم يكن براك يُدير ملف العقوبات أو المفاوضات السياسية فحسب. كان يعمل على شيء أكبر: إعادة تأهيل سوريا ممراً استراتيجياً للطاقة.

ويرى المحلل السياسي اللبناني ربيع الخولي في تصريحات لـ”٩٦٣+” أن “توم براك ليس مبعوثاً عادياً، فالرجل الذي تولّى منصب سفير واشنطن في أنقرة ومبعوثها الخاص إلى دمشق في آنٍ واحد، يجمع بين خيوط ثلاث ملفات محورية في المنطقة: تركيا الرابطة البرية للطاقة، وسوريا العبور المحتمل، والعراق المنبع النفطي المحاصَر، وحين أعلنت بغداد وأربيل اتفاقهما على استئناف تصدير النفط العراقي عبر خط أنابيب كركوك-جيهان باتجاه الميناء التركي، سارع براك إلى نشر تغريدة ديبلوماسية نادراً ما تصدر بهذه الدفء: “شكراً جزيلاً لأربيل وبغداد على عملهما للتوصل إلى هذه الاتفاقية في هذا الوقت الحرج لاستئناف صادرات الطاقة وتحسين الرخاء في المنطقة”.

ويضيف الخولي: “لكن الأهم مما قاله براك هو ما بدأ يتشكّل خلف الكواليس: توجيه المسارات البرية للطاقة عبر الأراضي السورية، بعد أن أثبتت الأزمة أن البحار وحدها لم تعد ضماناً كافياً، وسوريا تحديداً يمكن أن تكون حاضرة بقوة بسبب الجغرافيا، ولكن الطريق طويل، والرهانات كبيرة، والعقبات حقيقية، وسوريا التي تحتاج إلى إعادة بناء كل شيء – من الكهرباء إلى الثقة – لن تتحوّل إلى بوابة طاقة بتصريح مبعوث أميركي، بل تحتاج إلى قرار استراتيجي سوري صافٍ، وإرادة إقليمية حقيقية، وسلام مستدام لا هدنة مؤقتة، وسوريا أمام فرصة تاريخية، لكنها لن تصنع المعجزات وحدها”.

تفاؤل حذر وتهديد يقلب الطاولة

وفي السياق ذاته، يكشف الخبير الاقتصادي العراقي الدكتور رشيد الراوي في تصريحات لـ”٩٦٣+” أن العراق يدرس نقل ما بين 100,000 و200,000 برميل يومياً عبر مسارات برية تمرّ بسوريا والأردن، وهو رقم متواضع في المعطيات الراهنة، لكنه يُمثّل انطلاقةً لبنية تحتية ستبدو ضرورة وجودية بعد سنوات.

ويضيف أن سوريا تمتلك ما لا تمتلكه معظم دول المنطقة: موقعاً يجمع بين البر والبحر، فهي تتقاطع مع العراق شرقاً، وتطلّ على البحر المتوسط غرباً عبر ميناءَي طرطوس وبانياس، وهذا بالضبط ما يجعلها “الحلقة المفقودة” في أي ممر طاقة بري يصل الخليج بأوروبا، وخط بانياس – كركوك التاريخي، الذي كان يضخّ النفط العراقي إلى البحر المتوسط عبر الأراضي السورية قبل أن تتوقف عمليات ضخّه في أعقاب حرب الخليج، بات اليوم موضع دراسة جادة لإعادة التشغيل، كما يجري النقاش حول إمكانية مدّ فرع لخط الغاز القطري المقترح – الذي كان أحد محاور الخلاف قبيل الحرب السورية – عبر الأراضي السورية باتجاه تركيا فأوروبا.

ويحذر الراوي من الإفراط في حدود الطموح، مشيراً إلى “عقبات لا يمكن تجاهلها رغم حماسة المبعوث الأميركي فهي لا تلغي ثقل التحديات، فسوريا تخرج من حرب مدمّرة استمرّت أربعة عشر عاماً، وبنيتها التحتية منهكة، ومؤسساتها غير مكتملة، وخط الانتشار الأمني لا يزال هشّاً في مناطق عدة، والأهم أن قرارات الاستثمار بهذا الحجم تستلزم ضمانات قانونية وسياسية طويلة الأمد لا تستطيع أي حكومة انتقالية منحها وحدها، ويُضاف إلى ذلك أن القدرة الاستيعابية الإجمالية لجميع البدائل المتاحة حالياً لمضيق هرمز – بما فيها خطوط السعودية والإمارات وخط سوميد المصري – لا تتجاوز نصف ما يمرّ عادةً عبر المضيق، وهذا يعني أن سوريا ليست حلاً سريعاً، بل رهان استراتيجي على المدى البعيد”.

ويشدد الراوي أيضاً من استعجال وضع سوريا في مواجهة مع إيران من خلال أنابيب الطاقة ذاتها، فالجغرافيا لا تعطي الأمان وحدها، وأي خط أنابيب يعبر سوريا سيكون هدفاً محتملاً لأطراف لا تريد لهذا المشروع النجاح.

ويضيف الراوي أن أي مشروع بهذا الحجم يتطلّب توافق إقليمياً بين دول متعددة المصالح والتوجهات: العراق الذي لا يزال يُرتّب علاقته مع إيران وتركيا، وقطر التي تنظر بعين قلقة إلى أي مشروع غازي قد يُقلّص نفوذها، وتركيا التي تريد أن تبقى هي البوابة الحصرية نحو أوروبا، فضلاً عن إسرائيل التي يُروَّج لتطبيع علاقتها مع دمشق كأحد مفاتيح هذا المشروع.

وفي نفس السياق نقلت وكالة الأنباء العراقية أمس عن وكيل وزارة النفط باسم محمد خضير قوله إن خط كركوك – بانياس غير صالح للعمل حاليا، ولدينا دراسة لإنشاء خط جديد من العراق إلى بانياس، وأن المشروع في طور إعداد التصاميم وتنفيذها، ويتطلب توفير مبالغ مالية كبيرة لإنشاء الأنبوب ومحطاته الوسطية ومستودعاته.

براك والرؤية الأشمل: سوريا جسراً حضارياً لا مجرد خط أنابيب

خبير الطاقة المهندس سفيان الطه يرى في تصريحات لـ”٩٦٣+” أن الأزمة كشفت “فرصة استراتيجية غير مسبوقة لجعل سوريا بوابة الطاقة العربية نحو أوروبا، تجمع بين خطوط النفط الخليجي وغاز قطر ونفط كركوك وغاز بانياس في منصة تصدير موحدة، وهناك وعي واضح بأن الفرصة تاريخية، لكن ثمة أيضاً إدراك بأن سوريا لا تريد أن تتحوّل من ساحة حرب إلى “بقرة حلوب” لمصالح الآخرين دون استثمار حقيقي في بنيتها التحتية ومواطنيها.

ويضيف أنه وبقراءة متأنية لخطاب براك المتراكم عبر اتصالاته وتصريحاته منذ توليه ملف سوريا، تتضح رؤية استراتيجية تتجاوز النفط وحده، ففي كلمته الشهيرة خلال “حوار المنامة” دعا إلى “الاندماج لا العزلة” لسوريا، وفي مؤتمر صحيفة جيروزاليم بوست في ديسمبر 2025 تحدّث عن “ربط القوقاز وآسيا الوسطى وبحر قزوين والبحر المتوسط عبر تركيا وإسرائيل” معتبراً إيران “العائق الوحيد” أمام هذا التحول، وبالتالي “ربط القوقاز وآسيا الوسطى وبحر قزوين والمتوسط عبر تركيا سيُحوّل التجارة الإقليمية، وإيران هي العائق الوحيد”.

 ويشير الطه إلى أنه حين مدح براك الاتفاقية التاريخية بين شركة شيفرون الأميركية والحكومة السورية لاستكشاف الغاز البحري في فبراير 2026، كان يضع حجر الأساس لمسار مختلف تماماً: سوريا كمنتجٍ للطاقة لا فقط ممرٍّ لها.

ويؤكد أن المشهد الأوسع هو منافسة ممرات وصراع نفوذ، فالمشهد لا يخلو من تنافس حاد، فبينما يُروّج براك لمحور سوريا-تركيا-أوروبا، ثمة مشروع موازٍ تسعى إليه إسرائيل يقوم على ضخّ النفط السعودي من ينبع عبر الأردن إلى ميناء إيلات، ومنه عبر الأنبوب القديم المدفون منذ السبعينيات إلى البحر المتوسط – متجاوزاً سوريا وتركيا معاً، وفي المقابل، تقود قطر وتركيا مشروعاً مختلفاً يُركّز على الممرات البرية للبيانات الرقمية عبر العراق وسوريا وصولاً إلى أوروبا، بما يُعزّز موقعهما كممرَّين لا غنى عنهما في اقتصاد العصر الرقمي، وهناك ستة مشاريع متنافسة مدعومة من السعودية وقطر والإمارات تتسابق لبناء ممرات بيانات برية نحو أوروبا عبر سوريا والعراق وأفريقيا الشرقية، وهذا التشابك بين الطاقة والبيانات والجغرافيا السياسية يضع سوريا في موقع فريد، فهي مطلوبة من الجميع، لكنها لم تنتهِ بعد من ترتيب بيتها الداخلي.

ويختم الطه: “لم يُصبح مضيق هرمز مجرد نقطة عبور بحرية، إنه اليوم مرآة لهشاشة النظام الطاقوي العالمي بأسره. وفي هذه المرآة، تبدو سوريا – لأول مرة منذ عقود – شريكاً لا مشكلة، وتوم براك يراهن على هذا التحوّل، وديبلوماسيته تجمع بشكل غير مسبوق بين خيوط الملف السوري والتركي والعراقي والإسرائيلي، وإذا ما نجحت الحكومة السورية في استثمار هذه اللحظة النادرة – بالاستثمارات الخليجية الضخمة، واتفاقيات الغاز مع شيفرون، وتطبيع العلاقات مع محيطها – فقد تجد نفسها بعد سنوات في قلب شبكة طاقة إقليمية لا يمكن الاستغناء عنها.

+963

——————————

سوريا في مرمى الصراعات الإقليمية.. هل يبقى الحياد خياراً ممكناً؟/ عمار عبد اللطيف

يبرز تساؤل بكيفية تأثير الموقع الجغرافي لسوريا على اعتبارات تتعلق بحماية الحدود وإدارة التوازنات والتعامل مع التهديدات.

2026-04-03

تمثل سوريا اليوم نموذجاً معقداً لصعوبة الحياد السياسي، إذ يفرض موقعها الاستراتيجي في قلب الشرق الأوسط وتماسها مع بؤر توتر نشطة تحديات كبيرة على سياساتها الأمنية والاستراتيجية، ويجعلها ساحة لتقاطع مصالح القوى الإقليمية والدولية، مما يعقد إمكانية تبني سياسة خارجية محايدة رغم الطروحات النظرية الداعية للنأي بالنفس.

في هذا السياق، تطرح تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة سوريا على تبني سياسة النأي بالنفس في ظل هذا التشابك العميق للمصالح الإقليمية والدولية على أراضيها، خاصة وسط استمرار التوترات الإقليمية التي تجعل من الصعب عزل الداخل السوري عن محيطه.

كما يبرز تساؤل آخر يتعلق بكيفية تأثير الموقع الجغرافي لسوريا على صياغة عقيدتها الأمنية، إذ يفرض هذا الموقع اعتبارات خاصة تتعلق بحماية الحدود، وإدارة التوازنات مع الدول المجاورة، والتعامل مع التهديدات العابرة للحدود.

مساعي حثيثة للحياد

يقول الأكاديمي والباحث السياسي مصطفى الخفاجي إن سوريا عانت لما يقارب أكثر من عقد من الزمن من حرب مدمرة، نتيجة بقاء النظام المخلوع بقيادة بشار الأسد في السلطة، وما ترتب على ذلك من كوارث على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية، إلى جانب حجم التدخلات الخارجية من قوى إقليمية ودولية، الأمر الذي أدى إلى حالة من الارتهان لمحاور على حساب أخرى.

ويضيف الخفاجي في حديث لـ”963+”، أن المسؤولين السوريين يسعون حالياً بشكل حثيث ومتواصل لإبعاد البلاد عن نيران الحرب الدائرة في منطقة الشرق الأوسط، مشيراً إلى أنّ سوريا نجحت إلى حد كبير، خلال فترة التصعيد الأخيرة المتمثلة بالحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وما رافقها من رد إيراني، في تحييد نفسها عن هذا الصراع، حيث لم تتأثر بشكل مباشر وشامل، رغم تسجيل بعض الخروقات المحدودة للجغرافيا السورية.

ويوضح أن المحصلة العامة تشير إلى نجاح الحكومة السورية في إبعاد البلاد عن تداعيات الحرب، مؤكداً أن هذا التوجه يندرج ضمن محاولة واضحة لتبني سياسة النأي بالنفس، والتي يرى أنها حققت نتائج جيدة حتى الآن، ما وضع المسؤولين السوريين في موقع مريح نسبياً، خاصة مع تزايد إدراك الداخل السوري لأهمية الابتعاد عن الصراعات والتركيز على أولويات داخلية.

ويشير إلى أن المرحلة الحالية تشهد توجهاً واضحاً نحو الاهتمام بالجانب الاقتصادي، والعمل على إصلاح المنظومة السياسية، وتعزيز مسار المصالحة الداخلية، إضافة إلى السعي لجمع مختلف فئات الشعب السوري ضمن إطار سياسي جامع، بما يخدم تحقيق الاستقرار والرفاهية والنماء، مؤكداً أنّ هذه المسارات تمثل أولوية ملحة في ظل الإرهاق الذي خلفته سنوات الحرب.

ويؤكد الخفاجي أن الموقع الجغرافي لسوريا يفرض عليها في المقابل حالة دائمة من التأهب، لكونها تجاور إسرائيل التي تمتلك، بحسب تعبيره، طموحات واضحة في الجنوب السوري، مشيراً إلى إعلانها دعم بعض المكونات المحلية، مثل الدروز، إضافة إلى دعم جهات انفصالية تسعى إلى تقويض وحدة الجغرافيا السورية.

ويضيف أن إسرائيل سبق أن حصلت على دعم من الإدارة الأميركية بقيادة دونالد ترامب فيما يتعلق بملف الجولان السوري المحتل، الذي يمثل أهمية استراتيجية كبيرة لسوريا، ما يعكس حجم التحديات التي تواجهها دمشق في هذا الملف.

ويشدد على أن هذه المعطيات تفرض على الحكومة السورية ضرورة صياغة سياسة أمنية واقعية جديدة، تقوم على الجاهزية العالية والاستعداد على مختلف المستويات، السياسية والعسكرية، لمواجهة أي طموحات إسرائيلية، سواء عبر دعم جهات داخلية أو من خلال عمليات توغل أو استمرار الضربات الجوية التي تستهدف مواقع داخل سوريا، والتي طالت في فترات سابقة أهدافاً عسكرية واقتصادية ومدنية.

ويتابع أن سوريا تدرك جيداً مخاطر الجوار مع إسرائيل، التي تسعى، وفق تقديره، إلى توسيع نفوذها داخل العمق السوري، الأمر الذي يتطلب بناء عقيدة أمنية جديدة، إلى جانب توسيع شبكة التحالفات الإقليمية لمواجهة هذه التحديات، خاصة أن الخطر الإسرائيلي يبقى، برأيه، التهديد الأبرز في المرحلة الحالية.

ويضيف الخفاجي أن العلاقات بين سوريا وعدد من الدول الإقليمية، مثل العراق وتركيا والأردن ولبنان، تشهد حالة من التنسيق التي تقوم على دعم استقرار سوريا ووحدتها وصون أراضيها، إضافة إلى التأكيد على أهمية الحفاظ على اللحمة الوطنية، معتبراً أنّ هذه العلاقات تمثل جزءاً مهماً من البيئة السياسية الداعمة لسوريا الجديدة.

ويؤكد أن التحدي الأكبر لا يزال يتمثل في التهديدات الإسرائيلية، مشيراً إلى ضرورة استمرار الحكومة السورية في تطوير خياراتها السياسية والعسكرية والاقتصادية لمواجهة أي سيناريوهات محتملة، خاصة في ظل توقعات بتصاعد التحركات الإسرائيلية خلال المرحلة المقبلة.

ويختم بالقول إن إسرائيل تسعى إلى استغلال مرحلة إعادة بناء الدولة السورية لتعزيز نفوذها وفرض وقائع جديدة على الأرض، سواء عبر دعم قوى انفصالية أو من خلال التوغل التدريجي وقضم الأراضي، مستفيدة من حالة الضعف النسبي التي تمر بها سوريا، وهو ما يتطلب، بحسب تقديره، يقظة مستمرة واستراتيجية شاملة لحماية السيادة السورية في المرحلة القادمة.

حياد في إطار نظري

يقول الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني فراس مخيمر ياغي إن سياسة النأي بالنفس التي تعلن عنها سوريا تبقى، حتى الآن، إطاراً نظرياً أكثر منها واقعاً مطبقاً بشكل كامل، موضحاً أن الممارسة الفعلية على الأرض تعكس صورة مختلفة، حيث تتعرض الأجواء السورية لانتهاكات متكررة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل في سياق استهداف مواقع مرتبطة بإيران، دون أن تعلن دمشق بالحد الأدنى، رفضاً واضحاً لهذه الانتهاكات أو يتقدم بشكوى رسمية إلى مجلس الأمن.

ويضيف ياغي في حديث لـ”963+” أن هذا المشهد يتناقض مع تعاطي الحكومة السورية مع أي اختراق إيراني محتمل، إذ يؤكد أنه في حال مرور صواريخ أو طائرات مسيّرة إيرانية عبر الأجواء السورية، يعمل النظام على محاولة إسقاطها تحت مبرر حماية السيادة، ما يشير، بحسب تعبيره، إلى أن سياسة النأي بالنفس في الحالة السورية تبقى نسبية وليست مطلقة.

ويشدد على أن هذه السياسة قد تتغير بشكل جذري في حال توسعت رقعة الحرب في المنطقة، رغم أن ذلك لن يكون في مصلحة سوريا التي خرجت حديثاً من حرب داخلية مدمرة، مؤكداً أن الشعب السوري يحتاج في هذه المرحلة إلى الاستقرار وتجنب الانخراط في أي اصطفافات إقليمية.

ويشير ياغي إلى أن الجغرافيا السورية تضع البلاد في قلب الصراع الإقليمي، موضحاً أنّ سوريا ترتبط بحدود مباشرة مع عدد من الدول المنخرطة في النزاعات، مثل لبنان والعراق والأردن وتركيا، إضافة إلى إسرائيل، وهو ما يجعلها جزءاً من المشهد الجيوسياسي المعقد في المنطقة.

ويؤكد أنّ هذا الموقع الجغرافي الحساس لسوريا يفرض على صانع القرار السوري تحديات كبيرة في صياغة العقيدة الأمنية وتحديد الخيارات السياسية، خاصة في ظل علاقات متشابكة مع قوى دولية وإقليمية.

ويضيف أن الحكومة السورية تحتفظ بعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة، خصوصاً في مرحلة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وكذلك مع روسيا التي تمتلك قواعد عسكرية داخل الأراضي السورية، وهو ما يعكس طبيعة التوازنات الدقيقة التي تحكم المشهد.

ويوضح أن سوريا لا ترغب بأن تكون جزءاً من هذه الاصطفافات الحادة، إلا أنها قد تجد نفسها مضطرة للانخراط في مواجهة مع إيران و”حزب الله” في حال تصاعدت الضغوط الأميركية والإقليمية، مشدداً على أنّ مثل هذا السيناريو لن يكون في مصلحة سوريا، بل قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة على استقرارها.

وحول إمكانية استمرار الحياد، يؤكد ياغي أن سوريا تمكنت حتى الآن من الحفاظ على شكل من أشكال الحياد الجزئي، لكنه يصفه بالمرحلي، موضحاً أن هذا التوازن قد يصبح عبئاً على الحكومة في حال توسعت رقعة المواجهة الإقليمية واشتدت الاصطفافات.

ويضيف أن استمرار هذا الحياد يبقى مرتبطاً إلى حد كبير بمواقف قوى إقليمية مؤثرة، وعلى رأسها تركيا وقطر، مشيراً إلى أنّ تمسك هاتين الدولتين بموقف محايد ورفضهما للضغوط قد يسهم في إبقاء هذا الحياد الجزئي قائماً.

ويشدد ياغي على أن الحياد الجزئي، في حال استمر، قد يشكل عاملاً مهماً في الحفاظ على وحدة الدولة السورية ومنع انزلاقها نحو مزيد من التمزق، إلا أنه يلفت في الوقت ذاته إلى أن طبيعة علاق الحكومة السورية مع بعض الدول، إلى جانب حالة العداء مع إيران و”حزب الله”، قد تدفعه في لحظة ما إلى الانخراط في صراعات إقليمية تحت عناوين الانتقام أو رد الجميل، مؤكداً أن كل هذه السيناريوهات تبقى مرهونة بالموقف التركي، الذي يرى أنه يمتلك تأثيراً حاسماً في مختلف مفاصل الدولة السورية.

+963

——————————

 هل يتشكّل تحالفٌ إقليمي- دولي لمواجهة إيران وحلفائها؟/ منير الربيع

الجمعة 2026/04/03

الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران تتوسع. تستمر المحاولات لإدخال دول جديدة إليها، وتشكيل تحالف عالمي تحت عنوان حماية الملاحة في مضيق هرمز لحماية الاقتصاد العالمي وإمدادات النفط. تشهد أروقة مجلس الأمن الدولي تحركات حثيثة واجتماعات تمهيداً لجلسة ستعقد يوم الجمعة لاتخاذ قرار بشأن مضيق هرمز وكيفية فتحه وتأمين الملاحة فيه. هناك سعي أميركي لانضمام دول خليجية إلى الحرب والمشاركة في تأمين المضيق بعد فتحه، كذلك تستمر الاتصالات من قبل الصين وروسيا مع دول المنطقة، لأن الدولتين الكبيرتين لا يمكنهما الموافقة على استمرار إيران بإغلاق المضيق. إلى جانب ذلك، تشهد بعض الأروقة الدولية مساعي دولية أيضاً لتصنيف حزب الله تنظيماً إرهابياً بناء على قرار صادر عن مجلس الأمن.

تحالف دولي

تنقسم مواقف الدول العربية والخليجية حول كيفية مقاربة هذه الحرب. هناك دول متحمسة للانخراط فيها مثل الإمارات والبحرين، ودول تفضل التريث والانتظار كالسعودية، ودول تفضل الحياد مثل قطر وسلطنة عمان. في المقابل، تكشف مصادر ديبلوماسية عن سعي بعض الجهات في أميركا لتحويل الحرب على إيران من حرب أميركية إسرائيلية إلى تحالف دولي واسع لمحاربة إيران وحلفائها، انطلاقاً من عنوان تهديد طهران للأمن الدولي والملاحة والاقتصاد والتأثير على حرية التجارة العالمية واستهداف دول الجوار ومصالح داخلية ودولية فيها. كذلك هناك قناعة أميركية إسرائيلية بأنه لا يمكن للضربات التي تنفذها الدولتان أن تقضي على قدرات إيران العسكرية أو أن تغيّر النظام ولا على قدرات حلفاء طهران لا في العراق ولا في لبنان أو اليمن.

..ضد إيران

لذلك، فإن السعي هو للوصول إلى قرارات صادرة عن هذه الدول بضرورة تصنيف حلفاء إيران على لوائح الإرهاب، والتعاون مع العراق لتفكيك الحشد الشعبي، ومع الدولة اللبنانية لسحب سلاح حزب الله والسيطرة على مواقعه، والتعاون مع دول الخليج في اليمن. لذلك تتكون قناعة لدى دول عديدة بأنه يجب توسيع هامش التحالف لخوض الحرب ضد إيران وحلفائها. هنا لا يمكن إغفال الضغوط الأميركية الإسرائيلية التي مورست على سوريا لدفعها للانخراط في الحرب ضد حزب الله والدخول إلى مواقعه في البقاع، إلا أن دمشق رفضت. هذه الضغوط لا تزال مستمرة، وأضيفت إليها مواقف عربية واضحة ضد الحزب، وصولاً إلى الكشف عن خلايا له تم توقيفها في الكويت، البحرين والإمارات، وقد جرى اتهام هذه الخلايا بالتخطيط لتنفيذ عمليات اغتيال شخصيات ومسؤولين أو تنفيذ عمليات أمنية وعسكرية.

الدفاع المشترك؟

وفق ما تكشف مصادر متابعة، فإن بعض المعلومات قد وفرتها دمشق لهذه العواصم الخليجية حول شبكات الحزب التي تنشط هناك. أما بالعودة إلى الضغوط التي مورست على سوريا للدخول إلى لبنان، ورفض دمشق ذلك، فإن الشرع كان قد قدم وجهة نظره للدول العربية بضرورة تشكيل غرفة عمليات مشتركة تكون دفاعية ضد الاعتداءات الإيرانية، خصوصاً في حال قرر ترامب وقف الحرب على إيران، إذ في حينها، فإن طهران مع حلفائها ستنفذ هجمات ارتدادية ضد دول الخليج وسوريا وستعمل على تنفيذ انقلاب سياسي في لبنان. ما أراده الشرع هو تشكيل تحالف عربي دولي للتعامل مع أي تهديدات إيرانية. هذه الفكرة هي التي يتم البحث في تطويرها أميركياً لتوسيع نطاق التحالف ضد طهران وحلفائها، لا سيما أن الشرع رفض التدخل في لبنان، وقد أجرى اتصالات بالمسؤولين اللبنانيين معلناً دعمه لهم واستعداده لمساعدتهم في تطبيق قرار حصر السلاح بيد الدولة، وهذا مؤشر إلى أنَّ الشرع يريد أن يتعاطى مع الدولة اللبنانية وقرارها.

تصعيد في لبنان

عدم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن وقف الحرب على إيران، وحديثه عن استمرارها لما بين أسبوعين أو ثلاثة، يمكن أن يحولها إلى حرب استنزاف طويلة، وهو ما سينعكس على لبنان أيضاً، برفع منسوب العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، والتي بحسب معلومات ديبلوماسية، وصلت إلى بيروت بعد ظهر الخميس، فإن تل أبيب تستعد لتصعيد وتوسيع نطاق عملياتها الحربية، عبر القصف الجوي الذي سيطال مناطق مختلفة، إضافة إلى مواصلة العملية البرية التي تسعى من خلالها إلى فرض أمر واقع عسكري جديد في جنوب لبنان من خلال السيطرة على منطقة نهر الليطاني. عملياً بدأت إسرائيل في الجنوب بالسيطرة على قرى وبلدات الخط الثاني في جنوب نهر الليطاني، وسط استعداد للدخول إلى بلدات النسق الثالث، بينما يعتمد حزب الله أسلوب الكر والفر في تصديه للعمليات الإسرائيلية.

غياب المساعي الديبلوماسية

في موازاة تصعيد العمليات العسكرية لا تزال كل المساعي الديبلوماسية غائبة. وفي هذا السياق تكشف مصادر ديبلوماسية أن السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى قد توجه قبل يومين إلى الولايات المتحدة الأميركية للقاء المسؤولين هناك، وهو كان قد أبلغ المسؤولين اللبنانيين بأنه يجب على الدولة اللبنانية أن تصنف حزب الله تنظيماً إرهابياً بشقيه السياسي والعسكري، وتكلف الجيش الدخول إلى مواقع الحزب وسحب سلاحه، ومنعه من مواصلة إطلاق الصواريخ على إسرائيل، وأنه من دون تحقيق هذه الشروط، فإنه لن يكون هناك أي مسعىً ديبلوماسي جدي للدخول في مفاوضات مع إسرائيل حول سبل وقف الحرب.

التصنيف الإرهابي

يركز الأميركيون على فكرة “تصنيف حزب الله تنظيماً إرهابياً”، مع ما يعنيه ذلك من فرض عدم السماح بأي دور سياسي للحزب داخل لبنان، وليس فقط منع النشاط العسكري والأمني للحزب. يأتي ذلك في ظل ترقب للتصعيد العسكري ضد إيران، وسط نقاشات دولية عديدة حول كيفية التعامل مع النظام الإيراني لفتح مضيق هرمز، وعلى وقع التهديد الأميركي المستمر لتكثيف وتصعيد العمليات العسكرية ضد إيران واحتمال تنفيذ عمليات برية لاحتلال جزيرة خرج أو فتح مضيق هرمز بالقوة. وفي الوقت الذي تسعى فيه أميركا لإدخال دول جديدة إلى هذه الحرب، وتضغط على دول أوروبية عديدة لمساندتها في فتح مضيق هرمز، هناك اتجاهات لدى بعض الدول لضرورة العمل على إعادة إحياء التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، والدخول في حرب واسعة ضد إيران وحلفائها على مستوى المنطقة. في هذا السياق، تتحدث مصادر ديبلوماسية عن ضغوط أميركية عديدة لفرض تصنيف حزب الله تنظيماً إرهابياً على مجلس الأمن الدولي، بالاستناد على قرار الحكومة اللبنانية الذي حظر النشاط الأمني والعسكري للحزب واعتبره غير قانوني، في المقابل هناك من يستبعد أي قدرة لمجلس الأمن على اتخاذ قرار من هذا النوع، على اعتبار أن روسيا والصين ستستخدمان حق النقض لمنع تمرير مثل هذا القرار.

ووفق ما تكشف مصادر ديبلوماسية، فإنَّ دولاً عربية وغربية تبحث مع الأميركيين في كيفية التعامل مع إيران وحلفائها، بوصفهم تحولوا إلى عبء كبير على دول المنطقة، خصوصاً من خلال إغلاق مضيق هرمز أو استهداف دول الخليج. ويستند هؤلاء في ما يقدمونه إلى تصنيف الولايات المتحدة الأميركية للحرس الثوري الإيراني، حزب الله، بعض فصائل الحشد الشعبي، والحوثيين على لائحة الإرهاب، مع سعي لتصنيف هذه التنظيمات إرهابية من قبل مجلس الأمن الدولي، والقيام بشن عمليات عسكرية مشتركة بين واشنطن ودول عديدة ضد هذه القوى التي أصبحت مصنفة إرهابية.

ماذا بعد وقف الحرب الأميركية؟

الدول المخاصمة لإيران، ولا سيما بعض دول الخليج التي تعرضت لاعتداءات إيرانية، تعتبر أنه لا يمكن الاستمرار في التعايش مع نظام إيراني يمتلك أسلحة قادرة على تهديد الخليج كله، وعلى التأثير سلباً على الاقتصاد العالمي، كما أن هذه الدول تتخوف من حالة وقف الحرب الأميركية على إيران، فتخرج طهران أقوى، وبعدها تعود إلى مهاجمة دول الخليج، هذا الأمر نفسه الذي تخشاه إسرائيل التي تسعى إلى إقناع دول عديدة بالانخراط في هذه الحرب، كما تسعى إلى إقناع الولايات المتحدة الأميركية بمواصلة الحرب حتى إسقاط النظام الإيراني أو تدمير كل قدرات إيران العسكرية. في الموازاة فإن التصعيد العسكري الإسرائيلي في لبنان سيبقى مستمراً، إلى حين فرض أمر واقع عسكري جديد من خلال سيطرة الإسرائيليين على جنوب الليطاني، وسط معلومات عن أنَّ إسرائيل تريد تشكيل واقع أمني وجديد ومختلف يمتد من البحر إلى البقاع.

المدن

——————————

الباكستان… تركيا… مصر… والسعودية: محور وهواجس/ صبحي حديدي

قد يتوجب على المراقب الحصيف، المعنيّ بتاريخ الشرق الأوسط، ألا يغفل عن الدلالات الهامة خلف جتماع إسلام آباد الأخير، الذي ضمّ وزراء خارجية الباكستان وتركيا ومصر والسعودية. وأن يتنبه، من باب إضافي، إلى أهداف أعمق خلف هذا الجمع، يمكن أن تذهب أبعد بكثير من الغرض المعلن الخاص بالتوسط بين واشنطن وطهران، لبلوغ نهاية تفاوضية توقف الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية الراهنة ضد إيران.

وأن يأخذ في الحسبان، في باب ثالث، أنّ إسلام آباد وأنقرة والقاهرة والرياض ليست، بحكم العادة، محطات وفاق وتوافق رباعي الطابع على هذا النحو؛ حتى إذا كانت توافقات بَيْنية قد حدثت من قبل، في مناسبات مؤقتة أو أزمات عابرة. فليس على سبيل اللغة الدبلوماسية المألوفة والتعميمية، وحدها، أنّ وزارة الخارجية الباكستانية شددت على أن الاجتماع بحث “تطورات الأوضاع الإقليمية”، وناقش “قضايا ذات اهتمام مشترك”. كذلك فإنّ المآزق المتسارعة في ميادين الطاقة، واستعصاء إيجاد الحلول لاستئناف مرور ناقلات النفط عبرمضيق هرمز، لم تكن وحدها أبرز الهواجس على اجتماع الوزراء الأربعة، بما تمثله بلدانهم على خارطة المنطقة الجيو ـ سياسية.

فإذا شاء المرء استعراض بعض محاور القلق المنفردة، لكلّ بلد على حدة، فإنّ منطق التوازنات والحسابات والمخاطر في كلّ محور محلي يفرض طرازاً من التقاطع بين حساب هنا أو خطر هناك؛ ويفرض، استطراداً، أجندات عمل مشترك يخدم مباشرة المصالح العليا لكلّ من الدول الأربع، ولها مجتمعة: في كثير ربما، وليس في قليل. صحيح أنّ ملفّ الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية هو موضوع اللقاء الرباعي، ولكن ليس أقلّ صحة أنّ قوس الهواجس آخذ في الاتساع بما يتجاوز الإقليم إلى ما يشبه الاستقطاب؛ الاقتصادي أولاً، ثمّ الأمني والسياسي، وصولاً تالياً إلى طبيعة معادلات الهيمنة الكونية بين “غرب” إمبريالي أمريكي ـ إسرائيلي، قد لا يتغيب عنه الحلف الأطلسي طويلاً؛ و”شرق” متعدد السياسات والانحيازات والإثنيات، يتلاقى موضوعياً بوصفه الكتلة المواجهة، شاءت أطرافها أم أبت!

الباكستان بلد مقرّب من الولايات المتحدة إجمالاً وعلى اختلاف الإدارات الجمهورية أو الديمقراطية، وقريب من إيران في اعتبارات كثيرة تتجاوز الجغرافيا والديموغرافيا والتاريخ وروابط التعدد غير التنافري في الانتماء إلى مجموعة الدول الإسلامية. ولكنّ البلد ليس نووياً طوّر القنبلة الذرية لتوّه فحسب، بل هو ثانياً مصدر الخبرات العلمية والتكنولوجية لتطوير برامج مماثلة سلمية أو عسكرية في المنطقة؛ كما أنه ثالثاً، والأهمّ أغلب الظنّ، بلد “القنبلة النووية المسلمة” حسب توصيف هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق. ذلك سبب جوهري كي تستشعر إسلام آباد خطر استهداف مستقبلي، يستوي أن يأتي من واشنطن أو تل أبيب؛ وليس بالضرورة، في الحالتين الأمريكية والإسرائيلية، أن يكون على رأس السلطة أمثال دونالد ترامب أو بنيامين نتنياهو.

وكان كيسنجر قد قسّم نوويات العالم على أديان العالم، هكذا: قنبلة مسيحية في الولايات المتحدة وأوروبا، وبوذية في الصين، ويهودية في إسرائيل، وسيخية في الهند، ومسلمة في الباكستان، و… ملحدة (نعم!) في الاتحاد السوفييتي المنحلّ! وبهذا المعنى، الذي من المرجح كثيراً ألا يكون غائباً عن أذهان دهاقنة التخطيط الجيو ـ سياسي الستراتيجي في الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي وحفنة مواقع أخرى تمتلك “النووي المسيحي”؛ أنّ تركيا على رأس اللائحة، بعد الباكستان وإيران غالباً، وليس بالضرورة هنا أيضاً أن يكون رجب طيب أردوغان وحزب “العدالة والتنمية” في السلطة. يستوي، أيضاً وعلى نقيض المظاهر، أن تكون مناخات العداء والاستعداء هي صفة العلاقات التركية ـ الإسرائيلية؛ أو أن تكون العلاقات التركية ـ الأمريكية على شقاق، أو وفاق كما هي الحال اليوم بين ترامب وأردوغان.

من جانبها فإنّ مصر ليست دولة نووية، ولا يلوح أنّ مفاعل أنشاص، الذي افتتحه الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر سنة 1961 بتعاون من الاتحاد السوفييتي آنذاك، قيد التفعيل بما يكفي لتلمّس إشارات حول سلاح نووي. كما أنّ جولات الارتياب السابقة بين “الوكالة الدولية للطاقة الذرية” إزاء البرنامج النووي السلمي المصري، سنوات 2005 خلال رئاسة محمد البرادعي، أو 2009 (بصدد العثور على آثار يورانيوم عالي التخصيب)، أسفرت عن مسارعة السلطات المصرية إلى تصحيح المخالفات. في جوانب أخرى، ظلت اتفاقيات كامب دافيد تحكم أشكال التنسيق العسكري والأمني المصرية ـ الإسرائيلية في سيناء ومحيط قطاع غزّة، وبقي ساري المفعول توصيف ترامب الشهير للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بأنه “دكتاتوري المفضّل”؛ وهذه، بدورها، تبيح التفكير باستبعاد مصر الراهنة عن هواجس المستقبل، من جانب واشنطن وتل أبيب.

هذا مشهد لا يلغي حقيقة تحظى بإجماع واسع النطاق، سواء لدى المؤمنين بمكانة مصر الجيو ـ سياسية والتاريخية على خارطة العالم العربي والمنطقة عموماً، أو لدى المصادقين على هذه المكانة ولكن من زوايا التوجس حول ما تحمله من مخاطر على دولة الاحتلال الإسرائيلي، ومن داخل بُعد بالغ الحساسية والخطورة: أنّ مصر هي البلد العربي الأعلى ترشيحاً لتطوير برنامج نووي قائم أصلاً، وأنّ خبراتها الوطنية في هذا المضمار سبق أن أثبتت علوّ شأن وتميزاً من خلال العمل في برنامج العراق النووي؛ الذي لم تتردد تل أبيب في قصفه وتدميره يوم 7 حزيران (يونيو) 1981، تنفيذاً لـ”عقيدة بيغن”، التي شاء لها أن تكون قاعدة عمل دائمة لكلّ حكومة إسرائيلية، بصدد أي برنامج نووي عربي.

السعودية، في أيّ تلخيص أمني أو موسوعي بصدد المشاريع النووية، ليس لديها أيّ برنامج نووي معلَن أو معروف، وهي مصادقة على اتفاقية الحدّ من انتشار الأسلحة النووية، بل هي جزء من تحالف يدعو إلى شرق أوسط خال من الصناعة النووية العسكرية؛ فضلاً عن تمتعها بمزايا برنامج الـIP3 الأمريكي لعام 2016، الذي يتكفل بتشكيل شركة لنقل التكنولوجيا النووية إلى السعودية. الأمر لا ينتهي هنا، في ناظر دولة الاحتلال الإسرائيلي، وأياً كان التحالف الحاكم يمينياً أو يمينياً متطرفاً عنصرياً ومتديناً متشدداً، أو ليبرالياً وسطياً “معتدل” السياسات تجاه المملكة؛ خاصة في ضوء الآمال المعلقة على احتمالات التطبيع، وانضمام الرياض إلى اتفاقيات داود.

هذه، في أوائل الحسابات الإسرائيلية كما في نهاياتها، دولة مسلمة ونفطية ومحورية، لا تنهض سياساتها الرسمية على حال عداء ساخنة أو متفجرة مع تل أبيب، ولكنّ شعبها في غالبيته الساحقة لا يختلف عن غالبية ساحقة من شعوب مصر والأردن والإمارات والبحرين والسودان والمغرب، إضافة إلى سوريا ولبنان والعراق والعالم العربي قاطبة، من حيث محورية القضية الفلسطينية ورفض التطبيع مع دولة الاحتلال. عدا عن حقيقة أخرى جديرة بتوجس دولة الاحتلال، هي الحصيلة الراهنة والاحتمالات الآتية لأيّ توافق سعودي ـ تركي، لا مناص من امتداده بما يشمل الإضرار بالأمن القومي الإسرائيلي.

ولتأكيد امتياز استقطابي ما بعد إقليمي خلف لقاء إسلام آباد، خرجت الباكستان مع الصين بمبادرة من 5 ‌نقاط، بينها ضمان سيادة إيران ودول الخليج، والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد باستخدامها هلال التفاوض، والوقف الفوري لاستهداف المدنيين والبنى التحتية الحيوية والنووية السلمية، وضمان أمن الممرات الملاحية… وكأنّ تباشير محور الحاضر وهواجس المستقبل لدى الدول الأربع لم يكن ينقصها إلا إضافة بُعد امتيازٍ استقطابي ما بعد إقليمي، صريح ونوعي يتوجب أن يربك أمراء الحرب في واشنطن وتل أبيب.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

القدس العربي

——————————-

الأساس القانوني لطلب دول الخليج تعويضات عن الاعتداءات الإيرانية/ فضل عبد الغني

03 ابريل 2026

تفتح الهجمات الإيرانية على دول الخليج، بعد الضربات الأميركية – الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/ شباط 2026، باباً قانونياً لا يقلّ أهميةً عن البابين العسكري والسياسي. فحين تُصاب مطارات ومحطّات مياه ومنشآت نفطية وأعيان مدنية في دول أعلنت أنّها ليست طرفاً في النزاع، يبرز السؤال: هل يقتصر الأمر على الإدانة السياسية، أم  هناك أساس قانوني متين يخوّل هذه الدول المطالبة بجبر الضرر؟

ينتقل الكاتب هنا من مستوى السجال العام إلى مستوى التكييف القانوني الدقيق، بربط الوقائع بحظر استخدام القوة، وقواعد القانون الدولي الإنساني، ومبادئ مسؤولية الدولة عن الأفعال غير المشروعة دولياً، ثم يفحص الذرائع التي قد تُثار لتبرير الهجمات، وصولاً إلى العقدة الأصعب: كيف يمكن إنفاذ الحقّ في التعويض أمام التعقيدات القضائية والسياسية القائمة؟

وقد دفعت الهجمات الإيرانية على دول الخليج العربية النزاع الذي تفجّر عقب الضربات الأميركية – الإسرائيلية على إيران نحو مرحلة إقليمية أكثر اتساعاً وتعقيداً. وفي ظلّ الأضرار التي لحقت بأعيان مدنية وبنية تحتية حيوية، يبرز هنا سؤال التعويض: هل تملك هذه الدول أساساً للمطالبة بالتعويض بموجب القانون الدولي؟

مبرِّرات إيرانية

تستند المطالبات القانونية التي قد تتقدّم بها دول الخليج طلباً للتعويض من إيران إلى تلاقي مجموعة من القواعد الراسخة في القانون الدولي، وفي مقدّمتها حظر استخدام القوة المنصوص عليه في المادة 2 (4) من ميثاق الأمم المتحدة، وقواعد القانون الدولي الإنساني العرفي، وإطار مسؤولية الدولة كما صاغته مواد لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً لعام 2001. ويوفّر استهداف إيران للبنية التحتية المدنية في دول الخليج، بما في ذلك المطارات ومحطّات المياه ومصافي النفط، أساساً قانونياً متيناً للمطالبة بجبر كامل للضرر، يشمل الردّ والتعويض والترضية. ولا تكمن الصعوبة الرئيسة في الأساس الموضوعي للمطالبة، بل في بنيتها الإجرائية، خصوصاً في إثبات الاختصاص القضائي، وإنفاذ أيّ حكم يصدر ضدّ دولة لم تقبل الاختصاص الإلزامي لمحكمة العدل الدولية، ويخضع اقتصادها أصلاً لقيود واسعة بفعل العقوبات.

ويندرج السلوك الإيراني ضمن تعريف العدوان الوارد في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314 لعام 1974، الذي يعدّ قصف إقليم دولة أخرى عملاً عدوانياً بموجب المادة 3 (ب) و3 (د). كما تتعارض هذه الهجمات مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني المتعلّقة بالتمييز والتناسب، فضلًا عن قواعد اللجنة الدولية للصليب الأحمر العرفية ذات الصلة، لأنَّ المنشآت المستهدَفة كانت تخدم سكّاناً مدنيين في دول ليست أطرافاً في النزاع المسلّح.

وقد طرحت طهران ثلاثة مبرِّرات قانونية، لا يصمد أيّ منها أمام الفحص الدقيق: الأول، التذرّع بالدفاع عن النفس بموجب المادة 51 من الميثاق، وهو دفع غير قائم قانوناً، لأنَّ حقّ الدفاع عن النفس لا يجيز شنّ هجمات على دولٍ لم تشارك في الهجوم المسلّح المدَّعى به على إيران، سيّما أنَّ دول الخليج أعلنت صراحةً قبل اندلاع الحرب أنَّ أراضيها لن تُستخدم في شنّ ضربات ضدّها.

الثاني، أنَّ استضافة قواعد عسكرية أميركية تسلب الدول الخليجية صفة الحياد أو تحوّلها إلى أطراف مشاركة في الحرب، فهي تتعارض مع أحكام الحياد في اتفاقية لاهاي الخامسة لعام 1907، التي تحمي الدول التي أعلنت حيادها واتخذت تدابير قابلة للتحقّق لمنع استخدام أراضيها ضدّ دولة محاربة.

 المبرِّر الثالث، أنَّ قرار الجمعية العامة رقم 3314 يضفي الشرعية على استهداف تلك القواعد بوصفها أهدافاً عسكرية مشروعة، فهي تقوم على سوء فهم لطبيعة القرار، لأنَّه يعرّف العدوان ولا يحدّد نطاق الأهداف المشروعة في النزاع المسلّح. ويضاف إلى ذلك أنَّ ما تحدّث عنه الرئيس الإيراني من اعتذار إلى الدول المجاورة خلال النزاع فيمكن فهمه بوصفه إقراراً ضمنياً بغياب المبرِّر القانوني للهجمات، قبل أن يناقض هذا الموقف لاحقاً تصريح رئيس السلطة القضائية باستمرار الضربات.

صور جبر الضرر

ويحدّد إطار مسؤولية الدولة، كما صاغته مواد لجنة القانون الدولي، مضمون التعويضات الممكن المطالبة بها. فالمادة 31 تقرّر التزام الدولة المسؤولة بجبر الضرر كاملاً عن الفعل غير المشروع دولياً، بما يشمل صراحة الضررَين المادي والمعنوي. وتبيّن المادة 34 أنَّ صور الجبر ثلاث: الردّ، والتعويض، والترضية. ويظل المعيار الحاكم هو ما قررته المحكمة الدائمة للعدل الدولي في قضية مصنع تشورزوف، من أنَّ الجبر يجب أن يزيل جميع آثار الفعل غير المشروع وأن يعيد الوضع، قدر الإمكان، إلى ما كان عليه لولا ارتكاب ذلك الفعل. وقد أعادت محكمة العدل الدولية تأكيد هذا المبدأ في قضية الكونغو الديمقراطية ضدّ أوغندا في مرحلة التعويضات، مع إقرارها بأنَّ القدرة المالية للدولة المسؤولة قد تكون عنصراً ذا صلة عند تقدير مقدار التعويض.

ويقتضي الرد، وفق المادة 35، إعادة الحال إلى ما كان عليه قبل وقوع الانتهاك. وإذا تعذّر الردّ العيني بالمعنى الحرفي بالنسبة إلى البنية التحتية المدمّرة، فإنَّ الالتزام يمتدّ إلى تمويل إعادة البناء الوظيفي الكامل، ويُعدّ هذا بمثابة ما تشير إليه بعض التطبيقات القضائية أحياناً بصيغة التعويض العيني المحدّد. ويشمل هذا تكاليف إعادة إعمار المطارات ومنشآت الغاز والبنية التحتية النفطية على نحو يعيد إليها قدرتها التشغيلية السابقة. أمّا التعويض، بموجب المادة 36، فيغطّي ما لا يجبره الردّ. وتشمل عناصره تكلفة إعادة البناء المادي، والخسائر الناجمة عن تراجع إنتاج النفط وعائدات التصدير، وهي خسائر يمكن تقديرها بالاستناد إلى معدّلات الإنتاج قبل الهجوم والأسعار السائدة، وكذلك النفقات العسكرية وتكاليف الاستجابة الطارئة خلال الهجمات، فضلاً عن الخسائر التي تكبّدها المستثمرون والمشغّلون من القطاع الخاص في المنشآت المتضرِّرة. كما أنَّ معيار مصنع تشورزوف يقتضي، من حيث المبدأ، تعويض الأرباح الفائتة من تاريخ التدمير إلى حين صدور الحكم متى أمكن إثباتها على نحو كاف. وقد اعتمدت محكمة العدل الدولية في قضية الكونغو ضدّ أوغندا منهجية المبلغ الإجمالي بسبب اتساع نطاق الدمار وصعوبة الإثبات التفصيلي، ومنحت 40 مليون دولار عن أضرار الممتلكات وحدها في سياق أضيق بكثير من السياق محلّ البحث هنا.

أما الترضية، وفق المادة 37، فتتناول الضرر الذي لا يكفي لجبره الردّ أو التعويض المالي وحدهما. ويمكن أن تشمل اعتذاراً رسمياً، وإقراراً صريحاً بوقوع الانتهاك، وتأكيدات وضمانات بعدم التكرار، على النحو المتصل أيضاً بالالتزامات الواردة في المادة 30 بشأن الكفّ عن الفعل غير المشروع وتقديم ضمانات بعدم تكراره حيثما كان ذلك مناسباً. ومن ثم أيّ اعتذار صدر عن الرئيس الإيراني، ثم يتناقض لاحقاً مع استمرار الهجمات، لا يفي بالمتطلّبات القانونية للترضية، التي تستلزم موقفاً رسمياً واضحاً ومؤسّسياً. كما أنَّ الأضرار المعنوية التي تصيب السكان المدنيين، مثل الخوف والنزوح والأذى النفسي، تظلّ قابلة للجبر بموجب المادة 31.

الاختصاص القضائي

التحدي الأهم مسألة الاختصاص القضائي، فإيران لم تصدر إعلاناً بقبول الاختصاص الإلزامي لمحكمة العدل الدولية وفق المادة 36 (2) من نظامها الأساسي. وتوجد مسارات بديلة، لكنَّها جميعاً محدودة. فقد تتيح بعض شروط التسوية الواردة في معاهدات ثنائية أو متعدّدة الأطراف، مثل اتفاقات الطيران المدني أو الشؤون البحرية أو العلاقات القنصلية، منافذ قانونية جزئية.

أمّا الاتفاق الخاص بين الأطراف على عرض النزاع على المحكمة، فيبقى ممكناً من الناحية النظرية، لكنَّه يبدو غير واقعي سياسياً في الظروف الراهنة. ومن ثم، الآلية الأجدر عملياً إنشاء لجنة مطالبات خاصّة على غرار لجنة الأمم المتحدة للتعويضات التي أُنشئت عقب غزو العراق الكويت عام 1990. فقد منحت تلك اللجنة، المنشأة بقرار من مجلس الأمن بموجب الفصل السابع، ما يزيد على 52 مليار دولار من التعويضات، وطوّرت منهجيةً عمليةً لتصنيف المطالبات بحسب أنواعها، وتحديد فئات الخسائر، واعتماد قرائن إثباتية ملائمة، وهي عناصر يمكن تكييفها بصورة مباشرة مع حالة دول الخليج. إنَّ صدور قرار بموجب الفصل السابع لإنشاء مثل هذه الآلية، لا سيّما في ظلّ الإدانة الدولية الواسعة هجمات إيران، يمكن أن يوفّر مساراً أكثر فاعلية. كما أن تجميد الأصول الإيرانية أو تخصيصها لتمويل آلية التعويض يمكن أن يسدّ فجوة الإنفاذ التي يعجز الحكم القضائي التقليدي، المعتمد في النهاية على الامتثال الطوعي، عن معالجتها وحده.

من حيث الإثبات، يمكن إدارة عبء الإثبات وفق المعايير التي اعتمدتها محكمة العدل الدولية حديثاً. ولذلك ينبغي لدول الخليج أن تبدأ بتوثيق الأضرار بصورة منهجية، من خلال صور الأقمار الصناعية، والتقييمات الهندسية، وتحليل الإيرادات المفقودة، وبيانات الوفيات والإصابات، بما يضمن تلبية متطلّبات الإثبات أمام أيّ هيئة قضائية أو شبه قضائية مستقبلية، ويعزّز كذلك موقعها في أيّ مفاوضات سياسية أو دبلوماسية. أمّا خيار التسوية بمبلغ إجمالي عبر المفاوضات الثنائية، فعلى الرغم من أنَّه يضحّي بجزء من الدقة القانونية والفردنة الكاملة لعناصر المطالبة، قد يوفّر حلاً عملياً، وقد استُخدم بالفعل في عدة منازعات تعويض تاريخية بين الدول.

آلية توثيق مشتركة

الأساس الموضوعي لمطالبات دول الخليج بالتعويض من إيران لا يواجه عقبةً جديةً على مستوى التكييف القانوني. فالمطالبة مستندة إلى حظر استخدام القوة، وحماية الأعيان المدنية في القانون الدولي الإنساني العرفي، وقواعد مسؤولية الدولة عن الأفعال غير المشروعة دولياً. ويبقى الإشكال الحقيقي في الوسيلة المؤسّسية للفصل في هذه المطالبات وإنفاذها في مواجهة دولة ترفض الخضوع للاختصاص القضائي الإلزامي. وفي هذا السياق، يبدو إنشاء لجنة مطالبات خاصّة بتفويض من مجلس الأمن، مستلهَمةً من سابقة لجنة الأمم المتحدة للتعويضات، هو المسار الأكثر ملاءمة، وإن كان مرهوناً بتوافق سياسي في مجلس الأمن قد يعرقله حقّ النقض (فيتو).

لا ينبغي لانتظار هذا التوافق أن يعطّل الخطوات التحضيرية. فعلى دول الخليج أن تبادر إلى إنشاء آلية توثيق مشتركة تجمع الأدلة وتصنّفها وفق معايير مقبولة قضائياً، لأنّ تأخّر التوثيق يُضعف القيمة الإثباتية للأدلة ويُعقّد أي مطالبة لاحقة. كما ينبغي لها استكشاف المنافذ القضائية الجزئية المتاحة عبر شروط تسوية النزاعات في معاهدات متعدّدة الأطراف تكون إيران طرفاً فيها، وربط ملفّ التعويضات بمسار العقوبات بحيث يُدرج تخصيص الأصول الإيرانية المجمّدة ضمن شروط أيّ تخفيف مستقبلي لها. إن بناء ملف قانوني وتوثيقي متكامل منذ الآن هو ما يحوّل الحقّ القانوني من حجّة نظرية إلى موقف تفاوضي لا يمكن تجاوزه في أي ترتيب إقليمي مقبل.

العربي الجديد

——————————

الحرب وإعادة تشكيل العالم/ حسام كنفاني

03 ابريل 2026

أسبوعان أو ثلاثة، شهران أو ثلاثة، مهما طالت المدة، هذه الحرب ستنتهي، لكنها ستخلّف عالماً جديداً لا يشبه ما كان سابقاً. فهناك تاريخ جديد يكتب اليوم يفصل بين ما قبل هذا العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران وما بعده. تاريخ له اعتبارات سياسية واقتصادية واستراتيجية ويؤسّس لولادة نظام عالمي جديد لا تزال ملامح تشكله مبهمة.

متغيراتٌ كثيرة ستتوقف على الكيفية التي ستنتهي بها هذه الحرب، لكن أموراً أخرى بدأت تتضح وتتغير حتى قبل تبيان ما سينتج عن الغارات والصواريخ. المتغيّر الأساس اليوم انهيار التحالف السياسي الأوروبي الأميركي تحت وطأة ضربات الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتوجهاته قبل الحرب وخلالها، وهو ما أنتج رفضاً أوروبياً تاماً للانضمام إليه في عدوانه على إيران، أو مساعدته على فتح مضيق هرمز.

هذا الانهيار سيترجم حتماً في تفكيك حلف شمال الأطلسي (ناتو) الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، وكان هدفه الأساس مواجهة المد الشيوعي ممثلاً بالاتحاد السوفييتي، والآن وريثته روسيا. لم يخف ترامب خلال السنوات السابقة تذمّره من هذا الحلف، والتمويل الذي تقدمه الولايات المتحدة له، واليوم لم يعد يتوانى عن التهديد بالانسحاب منه بعدما رفض أعضاؤه مساعدة الولايات المتحدة وإسرائيل في الحرب.

مثل هذا التهديد شكل نداء توعية للدول الأوروبية التي استفاقت على واقع ارتهانها عسكرياً للولايات المتحدة، وبدأت البحث عن بدائل، منها المشروع القديم الجديد لتشكيل “الجيش الأوروبي”، والذي قد يكون بديلاً في مرحلة ما عن حلف شمال الأطلسي.

لن يتوقف الأمر عند الحدود العسكرية، فالمتغيرات العالمية المرتقبة تشمل اعتبارات اقتصادية، بعدما اكتشف العالم مدى تأثير انقطاع إمدادات النفط ومشتقاته على الحياة اليومية بشكل عام، وليس القطاعات الصناعية فقط. وبالفعل، بدأت دول عديدة، خصوصاً في أوروبا، توجهاً للبحث عن بدائل، يتقدّمها توسيع استخدام الطاقة الشمسية، إضافة إلى عودة الحديث عن الاستفادة من الفحم الذي كان محرّك الاقتصاد العامل مطلع القرن الماضي.

هذه التبدّلات التي بدأت وستستمر غير مرتبطة بنتائج الحرب، وما إذا كانت ستخرج بنتيجة حاسمة أو ستنتهي بإعلان الأطراف نصراً من جانب واحد. ومثل هذه النهاية تؤسّس لتحوّل استراتيجي أساسي، وتحمل تداعيات على المدى البعيد على الشرق الأوسط بشكل أساسي. فرغم إعلان الرئيس الأميركي نيته توجيه “ضربات ساحقة” لإيران خلال الفترة المقبلة، من غير المرجّح أن تؤدي مثل هذه الضربات إلى تغيير كبير في واقع الحرب، خصوصاً أنه خلال أكثر من شهر حتى الآن لم تتوقف الغارات الأميركية والإسرائيلية على مناطق واسعة من إيران، من دون أن تؤدي إلى إظهار النظام في إيران نية بالتراجع عن المواجهة، بل على العكس، ازداد تمسّكاً بالمواجهة وأغلق الباب أمام المفاوضات وفق الشروط الأميركية، وقدم شروطاً مضادة غير قابلة للتفاوض.

ومن الواضح أن ترامب لم يكن راغباً في امتداد الحرب إلى هذا الوقت، خصوصاً مع تداعياتها الاقتصادية على الداخل الأميركي، لكنه في الوقت نفسه لم يعد قادراً على الانسحاب منها من دون تحقيق أيٍّ من الأهداف التي كانت موضوعة في بداية العدوان، والتي انهارت وتقلصت اليوم لتقف عند حدود فتح مضيق هرمز، وهو ما ترفضه إيران.

ومن غير المرجّح أن تؤدي الضربات الجديدة (في حال عدم اللجوء إلى أسلحة غير تقليدية) إلى تبدل كبير في مسار الحرب، والتي إذا انتهت على هذا الحال، ستكون حققت أهدافاً مغايرة تماماً لما قامت عليها. فإيران ستثبت أنها صمدت في مواجهة الآلة العسكرية الأميركية، وستصبح القوى الإقليمية العظمى، مع فرض السيطرة كلياً على مضيق هرمز، ما يعني أيضاً إعادة تشكّل جديد لموازين القوى في المنطقة والعالم.

العربي الجديد

——————————

التماهي في الحرب بين أميركا ترمب وإسرائيل نتنياهو/ ماجد كيالي

خيارات عدة للإدارة الجمهورية

آخر تحديث 03 أبريل 2026

أتت جاهزية إسرائيل للحرب مفاجئة، وبعكس الإدراكات السائدة، فبدلا من الحرب السريعة، كانت هذه أطول حرب خاضتها إسرائيل في تاريخها، ومقابل توقع عدم صمود الإسرائيليين (المرفهين) للأثمان والخسائر البشرية والاقتصادية، إذا بهؤلاء كتلة صلبة وراء نتنياهو وحكومته المتطرفة رغم كلفتها الباهظة. أما بخصوص نقل الحرب إلى الخارج، فهذه إسرائيل التي لم تفلح تماما في النأي بجسمها عن الحرب، تصر على مواصلة خوض عدة حروب في الخارج.

أيضا، فإن إسرائيل التي كانت تروج لنفسها كدولة محاصرة وضحية دول ومجتمعات معادية لها لجذب التعاطف لصالحها، لم تعد تبالي بذلك بقدر ما باتت معنية بطرح ذاتها كدولة “إسبارطية” مقاتلة ومتغطرسة، ومستثناة من كل المعايير الإنسانية والمواثيق الدولية.

لا يستنتج من ذلك أن إسرائيل دولة جبارة أو عصيّة على الخسارة، وإنما القصد محاكمة الإدراكات والبديهيات التي عشعشت لزمن طويل في أذهاننا عنها، والتي ترتكز على العواطف والروح القدرية والمكابرة على الواقع، والتي شوشت على كيفية تأهيل أوضاعنا لمواجهة التحديات الناشئة عن وجودها وعن سياساتها في المشرق العربي.

ما يفترض إدراكه أيضا في هذا السياق، أن إسرائيل محدودة القوة من الناحيتين الموضوعية والذاتية، كدولة صغيرة من كل النواحي، وما كان يمكن لها أن تقوم، بما قامت به في غزة والضفة ولبنان وسوريا وإيران جملة واحدة لولا الدعم السياسي والاقتصادي والتكنولوجي والاستخباراتي والعسكري اللامحدود المقدم لها من أميركا الترمبية.

معنى ذلك أن إسرائيل كان يمكنها أن تضرب بقوة في غزة ولبنان وسوريا، كما كانت تفعل سابقا، لكن ما كان بإمكانها لوحدها خوض حرب شاملة ضد عدة أطراف وفق منطق صفري لأكثر من عامين، وتحمّل خسائر باهظة، إذ كل ذلك يحتاج إلى محركات أخرى، لا يمكن أن توفرها من دون شراكة الولايات المتحدة التي تؤمّن لها قوة مضافة، علما أن إسرائيل تتمتع بقوة مضافة ثانية، تتأتى من احتكارها السلاح النووي في الشرق الأوسط.

الاستنتاج هنا أن إسرائيل استغلت الفرصة السانحة، المتمثلة بـ”طوفان الأقصى”، والمتمثلة أيضا بوجود إدارة أميركية برئاسة دونالد ترمب الذي يتبنى أجندة سياسية داخلية وخارجية تتقاطع مع الأجندة ذاتها التي يتبناها بنيامين نتنياهو في إسرائيل، داخليا وخارجيا أيضا، وهذا يفيد أن عملية “الطوفان” رغم كل المخاطر التي نجمت عنها لعبت دور المحفز فقط، لكن وجود إدارة ترمب هي التي مكنت من توسيع الحرب، وجعلها على هذا النحو.

لنلاحظ، مثلا، أن ترمب ونتنياهو، في سياساتهما الداخلية، عملا كل شيء للحد من استقلالية السلطات التشريعية والقضائية، ويناهضان صراحة الديمقراطية الليبرالية. ومثلما أن في إسرائيل ثمة أصوات تحذر من تآكل الديمقراطية لصالح الدكتاتورية، ثمة مثلها في الولايات المتحدة، إذ كل واحد منهما جعل من السلطة القضائية عدوة له وعمل على الحط من شأنها، هذا إلى جانب معاداة وسائل الإعلام، والحط من قيمة حرية الرأي والإطارات التشريعية.

هذا التماثل بين ترمب ونتنياهو حصل في السياسات الخارجية، إذ الاثنان عبرا جهارا عن ضيقهما من الشرعية الدولية، ومن المنظمات الدولية، وضمنها الأمم المتحدة، وقللا من شأنها، واعتبراها بمثابة عبء على أميركا وعلى إسرائيل.

من جانب آخر فإن سياسة ترمب ضد الانفتاح، وضد مسارات العولمة، ومع إقامة جدران على الحدود، وتغذية نزعة فك الارتباط والانعزال (أميركا أولا)، وإعلاء شأن العسكرة والغطرسة واستخدام القوة في العلاقات الدولية، تتناسب مع سياسات إسرائيل، في ظل نتنياهو وحكومته، بعدم المبالاة بالانفتاح على العالم العربي، أو بالتطبيع، مع انتهاج سياسة تقوم على “فرض السلام بالقوة”، وأن “أمن إسرائيل أهم من السلام”، وأن أي حل يجب أن يتأسس  على المصالح أو ما يسمى “السلام الاقتصادي”، مع تعميق وضعية إسرائيل كدولة عنصرية إزاء الفلسطينيين، في سياساتها العملية، وفي قوانينها، كما حصل مؤخرا في تشريع القانون المتعلق بأراضي الضفة، والقانون المتعلق بإعدام الأسرى الفلسطينيين. والمعنى أن الاثنين، نتنياهو وترمب، يستمدان سياستيهما الخارجية من منطلقات أيديولوجية متشابهة.

على الرغم من ذلك، ومثلما أنه يفترض التمييز بين “عملية الطوفان”، وحرب الإبادة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، كسياسة نابعة من قلب العقيدة الصهيونية، والحرب الأوسع في المنطقة، فإنه يفترض التمييز، أيضا، بين الشراكة الأميركية-الإسرائيلية، وبين الأسباب الخاصة للحرب الأميركية ضد إيران، من دون إغفال مسؤولية النظام الإيراني، عن الاستدراج لتلك الحرب، وتوفير “الفرصة السانحة” للولايات المتحدة لشن حرب هوجاء عليها.

وفي الواقع فإن أميركا الترمبية استطاعت من خلال تلك الحرب أن تفرض ذاتها بوصفها اللاعب والقطب، الأقوى، بل والمقرر، في العالم، على كافة الأقطاب والأطراف الدوليين والإقليميين، وأنها صاحب قرار الحرب والسلام في هذا الزمان، في كل مكان، وأنها صاحب القوة الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية في العالم، مع ملاحظة أن الولايات المتحدة البعيدة، لا تطالها الحرب، وأنها باتت مصدّرا قويا للنفط والغاز، وأنها الأقل تأثرا بتداعيات تلك الحرب، وضمنها إغلاق مضيق هرمز، إن لم تكن المستفيدة الأكبر من ذلك، بملاحظة صعود الدولار.

الآن ثمة عدة خيارات للإدارة الأميركية، في الحرب ضد إيران، بمعزل عن إسرائيل، يتمثل أولها، بالاستمرار في تلك الحرب لحد إسقاط النظام أو رضوخه للشروط الأميركية. والثاني، تراجع وتيرة الحرب، أو حتى وقفها، مع فرض الحصار على إيران، لعزلها واستنزافها وإضعافها، وهذا ما حصل مع العراق (1991) الذي أفضى إلى إنهاكه وإسقاطه لاحقا (2003). والثالث، دخول عسكري بري محدود يتركز في السيطرة على الجزر الاستراتيجية في الخليج العربي.

إذن نحن إزاء حرب إسرائيلية، لكنها أيضا أميركية وربما بقدر أكبر، فهي حرب تتوخى ترسيخ مكانة الولايات المتحدة مجددا، بوصفها القطب الأقوى والمقرر في العالم، بعد جدل طويل عن قرب انتهاء القرن الأميركي.

المجلة

—————————–

 الصاروخ الرابع.. مّن يختبر صبر أنقرة؟/ سمير صالحة

2026.04.03

يحمل إطلاق الصاروخ الرابع، خلال شهر واحد، من داخل الأراضي الإيرانية باتجاه الأجواء التركية أكثر من رسالة علنية ومشفرة، يواكبها فرضيات وسيناريوهات متشابكة ومعقدة حول الجهة الفاعلة وأهدافها، أي تجاهل لارتدادات ما يجري سيكون مكلفاً.

من هنا تشكّل معرفة الجهات التي تُحرّك الصواريخ وفهم نواياها مفتاحاً لتعامل تركيا مع الاحتمالات والمخاطر وتحويل ما يجري إلى فرصة لصياغة موقف استراتيجي واضح.

مَن يقف وراء إطلاق الصواريخ وما هي دوافعه الحقيقية؟ وهل يمكن أن تكون الصواريخ مجرّد رسالة رمزية أم مدخل لتغيير قواعد اللعبة؟ وهل يمكن أن تتحول هذه الأعمال إلى سبب في تغيير المواقف والقرارات التركية في التعامل مع ملف الحرب على إيران؟

تكثر التساؤلات والتحليلات مع كل إطلاق صاروخ إيراني باتجاه الأراضي التركية، لكن الخيارات المتاحة لأنقرة وقدرتها على مواصلة الصبر الاستراتيجي تتعقد وسط أجواء إقليمية مليئة بالغموض والمفاجآت.

من يحرك الصواريخ على خط أنقرة-طهران؟

تساعد عملية معرفة مَن يحرّك الصواريخ باتجاه تركيا، على تحديد المواقف والخيارات ووضع خطة استباقية لتقليل المخاطر المحتملة، مع الحفاظ على سياسة أنقرة في البقاء خارج الصراع، لكن ما يحاول فعله البعض هو اختبار قدرات تركيا على التحمل في مواجهة هذه التحرشات والاستفزازات.

تذهب قناعات الداخل التركي باتجاه أنّه لا يمكن فصل مسألة إطلاق الصواريخ عن الصعود والهبوط في العلاقات السياسية بين أنقرة وطهران، وأنّه قد يكون هدف المحرّك هو الإيقاع بين البلدين في هذه الظروف الإقليمية الصعبة، لكن ما يجري لا يمكن فصله عن محاولة لعب ورقة الضغط السياسي والأمني والسياسي على تركيا بهدف تقليص خيارات أنقرة ودفعها نحو الالتحاق بالجبهات.

ومن خلال الربط بين تحليل المخاطر وفهم الأبعاد الإقليمية والدولية، يمكن لأنقرة تحويل هذا التهديد إلى أداة استراتيجية لتعزيز مكانتها وضمان مصالحها الوطنية في بيئة إقليمية معقدة ومتقلبة، لكن حقيقة أخرى تذهب باتجاه أنّ سيناريو تفعيل الصاروخ الخامس لن يكون مجرّد حدث عابر، بل مؤشر يحمل معه تحوّلات في ميزان العلاقات التركية-الإيرانية والتوازنات الإقليمية المرتبطة بمصالح البلدين.

لا تريد أنقرة التفريط بفرصها أمام طاولة الوساطات كطرف رئيسي في ضبط التوازن الإقليمي، لكن من الممكن أن يقود الصاروخ الخامس إلى إعادة ترتيب أولوياتها وخططها في سيناريوهات تقييم المخاطر والمواجهة والتصدي، وقد تشمل الخيارات التصعيد السياسي والدبلوماسي مع طهران، لكنّها ستكون منفتحة على احتمال الرد المحدود وحق الدفاع المشروع عن النفس.

يُشكّل الصاروخ الرابع اختباراً متدرجاً لصبر تركيا وقدرتها على إدارة التوازن بين الردع والسياسة، مع إمكانية تحول كل خطوة إلى أزمة ثنائية أوسع، فإطلاقه ليس حدثاً عادياً أو عشوائياً، بل جزء من لعبة استراتيجية معقّدة، تلزم كل طرف بمراجعة ردود الفعل على المستويات السياسية والعسكرية.

من هنا ستصل ارتدادات الصاروخ الخامس إلى إعادة رسم العلاقات بين البلدين، وستتمدد حتماً باتجاه شبكة التحالفات الإقليمية للطرفين.

تحوّل الصاروخ الرابع إلى مرآة تعكس خطوط القوة والتوترات الثنائية والإقليمية، لكن الصاروخ الخامس سيدفع صناع القرار في تركيا لطرح ومناقشة موازنة دقيقة بين مواصلة الحوار أو الذهاب نحو خيار الرد المشروع، الذي لم يعد يتحمل مزيدا من الصبر.

تواجه تركيا اختباراً جديداً على حدودها الشرقية، مع ظهور الصاروخ الرابع الذي يضع العلاقات أمام امتحان جديد وسط الظروف الإقليمية الصعبة.. مَن يريد اختبار صبر أنقرة هذه المرة؟ هل هي قوى إيرانية تتحرك خارج القرار المركزي، أم خصم إقليمي يتوغّل في دوائر القرار الإيراني، أم قوة خارجية تبحث عن تغيير قواعد اللعبة في المنطقة وتطول مباشرة العلاقات التركية-الإيرانية؟

يتحوّل الخط الجيوسياسي الممتد بين أنقرة وطهران يومًا بعد يوم إلى مسرح تحركات مقلقة، وسط تساؤلات متزايدة في الداخل التركي حول احتمال وجود أدوار غير مباشرة لبعض القوى الإقليمية، من بينها إسرائيل، في التأثير على مسار هذه الصواريخ أو توظيفها في سياق أوسع.

معرفة هوية هذه الجهات وطرق تحركها يمنح تركيا أفضلية في ضبط التوازن الثنائي والإقليمي واستباق أي تهديد محتمل، لكن صعوبة ذلك تحمل معها مخاطر وسيناريوهات أصعب على العلاقة المرتقبة بين أنقرة وطهران… السؤال ليس تقنياً فقط بل سياسي واستراتيجي، ويحدّد مستقبل وحدود الرد التركي.

كشف مَن يحرّك الصواريخ يعتبر حجر الأساس في حجم وشكل الرد التركي، وسيشكل معياراً لتحديد أولويات أنقرة ومدى قدرتها على حماية مصالحها من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع طهران والإجابة هي عند القيادات الإيرانية قبل غيرها.

يواكب مسار العلاقات التركية-الإيرانية شبكة مصالح معقّدة وتقارباً ملزماً أو اضطرارياً، تدقيق المعلومات حول مَن يحرّك الصواريخ، يسهم في حسم مسألة وجود مَن يخطّط لضرب مصالح البلدين فوق رقعة الشطرنج الإقليمي، تحليل هذه المعطيات بدقة يمنح أنقرة وطهران فرصة استباق الأحداث وقطع الطريق على سيناريوهات سوداوية.

تأتي رسالة الصاروخ الرابع بالتزامن مع توقيت دقيق للمواقف التركية، ما يجعل فهم وتحليل دلالاته أمراً ضرورياً لصانعي القرار في أنقرة وطهران على حد سواء.. توجيه الصاروخ الخامس لن يكون مجرد مناورة عسكرية عادية، بل رسالة معقدة ومتعددة الأبعاد تطول سياسة تركيا في التعامل مع تطورات المشهد الإقليمي، وتجاهل هذه الاحتمالات يمكن أن يؤدي إلى تدهور سريع في حسابات الردع بين تركيا وإيران.

قد تأتي محاولات الاستهداف والتأثير عبر مجموعات غير رسمية تنشط في الداخل الإيراني، أو عبر ضغط قوى إيرانية لها حساباتها خارج ما تقوله وتريده السلطة المركزية، أو حتى عبر تدخلات وتوازنات إقليمية غير مباشرة، لكن معالجة ما يجري هو مسؤولية إيران التي تنفي تورطها في إطلاق الصواريخ بينما كل المعلومات والتقارير العسكرية تؤكد إنطلاقها من داخل أراضيها.

توجيه الصواريخ حتى ولو أسقطها حلفاء “الناتو” ليس محض رسالة عسكرية، بل حلقة في صراع النفوذ الاستراتيجي الإقليمي، فهم هوية المحركين الحقيقيين هو أساس قطع الطريق على أي توتر تركي-إيراني، والمسؤولية تقع هنا على طهران أولاً وأخيراً.

سيحمل سيناريو الصاروخ الخامس مزيدا من الضغوطات على أنقرة، لكنه قد يحل معضلة الصبر الاستراتيجي التركي، وإدراك أبعاد ومخاطر محاولة صاروخية جديدة يستدعي حساب ارتدادات ما قد يتحول إلى أزمة ثنائية وإقليمية من قبل صناع القرار في إيران.

طرق الصاروخ الإيراني الرابع أبواب تركيا، لكن حلف شمال الأطلسي كان ينتظر أمام العتبة، رد حلفاء “الناتو” يؤكّد أن تركيا لا تعمل بمعزل عن تحالفاتها الدولية، لكن السؤال هنا ليس فقط مَن يتصدّى للصواريخ بل مَن يتعمد ارتكاب هذا الخطأ المقصود.. صاروخ يُطلق بتقدير خاطئ أو ينحرف عن مساره، كلها احتمالات، لكنها قادرة على التسبب في إشعال أزمة إقليمية أوسع لا تحتاجها المنطقة.

كل ما سبق قائم على الاعتراض الناجح، لكن المعادلة تتغير جذرياً إذا استطاع الصاروخ الخامس الإفلات من المضادات، عندها ينتقل المشهد من اختبار إلى أزمة فعلية، وتصبح كل الحسابات السابقة ملغاة، لم تعد المسألة تناقش على أساس مَن يوجّه الرسائل إلى أنقرة وكيف ستخرج طهران من هذه الورطة.. القفز إلى مواجهة مفتوحة يبقى خياراً بعيداً لكنه ليس مستحيلاً، هناك فارق بين صاروخ يتم اعتراضه في الجو وآخر يصيب هدفاً داخل الأراضي التركية.

تلفزيون سوريا

————————

====================

تحديث 02 نيسان 2026

——————————

الاحتجاجات تزعزع النظام الإيراني والحرب تنقذه/ راتب شعبو

02 ابريل 2026

على غرار ما تصوّر فلاديمير بوتين في مطلع 2022 أنّ حملةً عسكريةً خاطفةً على أوكرانيا ستقود إلى سقوط حكومة فولوديمير زيلينسكي، تصوّر دونالد ترامب أنّ ضربةً عسكريةً قويةً على إيران ستقود إلى “تغيير النظام”. وكما ركّز الروس في البداية على العاصمة كييف، فتقدّموا نحوها من جهة بيلاروسيا في الشمال، ونفّذوا في اليوم الأول إنزالاً جوياً بغرض السيطرة على مطار أنتونوف القريب من العاصمة، على أمل إرباك السلطة ثم انهيارها، ركّز الهجوم الأميركي – الإسرائيلي على إرباك السلطة في إيران من خلال استهداف المرشد الأعلى علي خامنئي، بحسب تصوّرٍ يفيد بأنّ مقتل القائد الأعلى سيعطي دفعاً قوياً للاحتجاجات الشعبية ويؤدّي إلى سقوط النظام، وقيل إنّ صاحب التصوّر هو دافيد برنياع (مدير المخابرات الإسرائيلية). ومثلما فشل رهان الروس على بروز حراك شعبي مضادّ لنظام زيلينسكي، وعلى حدوث انقسام داخل السلطة نفسها، وكانت النتيجة على العكس؛ التفافاً شعبياً حول النظام والجيش، كذلك فشل الرهان الأميركي – الإسرائيلي على أن ترجّح الضربات العسكرية الثقيلة كفّة الاحتجاجات الشعبية المهمّة في إيران، التي كانت قد بدأت في 28 ديسمبر/ كانون الأول 2025 بإضراب تجّار بازار طهران. وجاءت النتيجة هنا أيضاً معاكسة، ذلك أنّ الهجوم العسكري الإسرائيلي الأميركي أخمد الحراك، وبرز نظام الملالي أنّه يقاوم عدواناً خارجياً ضدّ البلاد، وهو ما غطّى إلى حدّ كبير على فظاعة القمع الداخلي الذي مارسه ضدّ المحتجين (الحديث عن قتل نحو 30 ألفاً من المحتجّين في شهرَين) وأراحه نسبياً من مواجهة الاستحقاق الداخلي الذي حجبه استحقاق خارجي طارئ وخطير على يد أعظم قوة عسكرية في العالم. في الحالتَين (أوكرانيا وإيران)، كان الغرض تنصيب سلطة موالية للقوة العظمى المعتدية التي تظنّ أنّها بلغت من العَظمة درجةً تمكّنها من حلّ كلّ شيء بفارق القوة الواسع. وفي الحالتَين، كانت الكلفة العسكرية كبيرة، والخسائر هائلةً على المستويات كلّها. واليوم، الحرب مندلعة هنا وهناك، ملتهمة، إلى جانب العمران والثروات والأرواح، قدرة الشعبين على امتلاك سيطرة معقولة على شؤون حياتهم.

القاسم المشترك بين أوكرانيا وإيران مركزية الهُويّة الوطنية في بناء السلطة، أو الأدقّ، قيام السلطة على ركيزة هُويّاتية تستمدّ كثافتها وتماسكها أكثر عبر المواجهة مع روسيا ومع أميركا بالترتيب، وما جرى أنّ الطرف المعتدي في الحالَتين كان الطرف الذي يلامس مباشرة عصب الهُويّة، الأمر الذي زاد من تعقيد المشكلة. في أوكرانيا تتّجه هُويّة سلطة زيلينسكي المسنودة بشعور هُويّاتي شعبي واسع، إلى معاداة الروس بوصفهم الخطر الأكبر. وهكذا، تندفع الهُويّة الأوكرانية إلى الغرب أكثر، ليس طلباً للحماية فقط، بل أيضاً كي تتمايز من الروس أكثر. أو بكلام آخر، تخفّ كثافة أو عصبية الهُويّة الأوكرانية كلّما اتجهت غرباً، وتتصلّب أكثر كلّما اتجهت إلى الشرق. على سبيل المثال، المعاملة السيئة العلنية التي تلقّاها الرئيس الأوكراني في إحدى زياراته للبيت الأبيض لم تحرّض العصبية الأوكرانية كما كان يمكن أن تفعل معاملة مماثلة من الجانب الروسي.

تقارب الهُويّتين الروسية والأوكرانية يزيد من شدّة حساسية الأخيرة من الأولى، ومن سعيها للتمايز خوفاً من السيطرة والابتلاع بسبب فارق القوة وثقل اليد الروسية، وهذا ما يجعل المقاومة الأوكرانية للتدخّل الروسي مستمرّة ومستبسلة. وفي إيران، من أهم عناصر هُويّة السلطة السياسية الدينية منذ 1979، العداء لأميركا وإسرائيل، وهو مبني على شعور متأصّل بالأهمية والدور الفارسي الفاعل والحضاري. يؤدّي هذا إلى ترجيح كفّة رفض الإملاءات الخارجية العدوانية على كفّة رفض إملاءات الداخل الاستبدادية، ولا سيّما أنّ الأطراف المعتدية تحمل وزر جرائم فظيعة، ولا سيّما في غزّة، ما يساهم في جعل كلامهم عن حرية الشعب الإيراني وتسلّم زمام أمره بيده بلا معنى. ربما لعب هذا الجانب الهُويّاتي، إضافة إلى الانحطاط السياسي والأخلاقي الذي أبداه الطرفان المعتديان في السنوات الماضية، دوراً في إضعاف قوة الاحتجاجات الشعبية التي كانت مندلعةً سلفاً في إيران.

سعي الشعب الإيراني للتحرّر من قيود النظام السياسي الثيوقراطي الخانق الذي يحكمه، يتحطّم، ليس فقط تحت ثقل البطش الرهيب لنظام الملالي، بل أيضاً بفعل الحرب العدوانية الإسرائيلية الأميركية التي يعرض علينا التاريخ فصولها اليوم، وهي حرب تقول التقارير إنّها دمّرت أكثر من 92 ألف منشأة مدنية في إيران، من ضمنها 71 ألف وحدة سكنية و290 مركزاً صحياً و600 مدرسة، منها مدرسة ابتدائية للبنات قُتل فيها نحو مائتي تلميذة. نظراً إلى مدى تطوّر الأسلحة الأميركية الإسرائيلية ودقّتها، فإنّ هذه ليست أضراراً جانبية لقصف مراكز عسكرية، وإنّ ترويع الناس وتدمير البلاد جزءٌ من خطّة حرب يريد المعتدي فيها، مع ذلك، أن يتصوّر أنّه يساند المحتجّين ويوفّر لهم فرص التغيير السياسي.

إذا استطاع النظام الإيراني أن يتجاوز هذه الحرب، سيتضاعف العبء على الشعب الإيراني، ليس فقط بمعنى ابتعاده أكثر عن التحرّر من نظام البطش الرهيب الذي سيكتسب قيمة معنوية بفعل “صموده”، وربّما كسب شروطاً “خارجية” تمدّه بأسباب البقاء في مفاوضات نهاية الحرب، ومن الراجح أن يتجلّى هذا في صورة حملة قمع انتقامية رهيبة ضدّ معارضيه، وحملة تصفية داخل النظام، يقودها الطرف الأكثر تشدّداً، تطاول الأطراف المعتدلة والإصلاحية فيه. وفوق ذلك، سيتحمّل الشعب الإيراني كلفة إعادة بناء ما دمّرته الحرب. وهكذا تكون هذه الحرب قد أنقذت النظام ودفعته أكثر نحو التشدد، بعد أن كانت أركانه تتزعزع بفعل الاحتجاجات الشعبية المتّسعة.

العربي الجديد

——————————

سوريا… ممر اقتصادي أعادته حرب إيران/ تشارلز ليستر

تشهد انخفاضا في العنف بنسبة 73 في المئة أواخر 2025

01 أبريل 2026

دفعت العمليات العسكرية التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران قبل شهر بالشرق الأوسط إلى أتون صراع مرير، عندما انهالت الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية على ما لا يقل عن 12 دولة في أنحاء المنطقة.

وإلى جانب آلاف القتلى الذين سقطوا جراء العمليات الأميركية-الإسرائيلية في إيران ولبنان والعراق، قُتل ما لا يقل عن 37 شخصا في الاعتداءات الإيرانية على الإمارات العربية المتحدة والسعودية والكويت والبحرين وقطر وتركيا وإقليم كردستان العراق.

كذلك أحدثت الضربات الإيرانية على البنية التحتية للطاقة في الخليج، وإغلاقها الفعلي لمضيق هرمز، ارتدادات اقتصادية عالمية حذر خبراء بارزون من أنها قد “تدفع الاقتصاد العالمي إلى انحدار حاد نحو ركود عميق”.

في خضم هذا الصراع الإقليمي الواسع، سجلت سوريا، على نحو لافت، أكثر أشهرها استقرارا منذ 15 عاما. لم تكن العملية الانتقالية السورية، بعد نحو 14 عاما من النزاع الأهلي، سلمية تماما، وقد أعادت موجتان قصيرتان لكنهما شديدتا الدموية من العنف في الساحل وفي محافظة السويداء الجنوبية التذكير بمدى هشاشة هذه المرحلة. ومع ذلك، ظل الاتجاه العام يميل إلى مزيد من الاستقرار.

وبحسب بيانات جمعتها منصة “سيريا ويكلي” (Syria Weekly)، تراجع العنف القاتل في سوريا بنسبة 30 في المئة بين يناير/كانون الثاني وأغسطس/آب 2025، ثم هبط بنسبة 73 في المئة في الثلث الأخير من العام. وعلى الرغم من فترة وجيزة من القتال في شمال شرقي سوريا خلال يناير 2026، سجل شهرا فبراير/شباط ومارس/آذار 2026 أدنى مستويات متتالية للعنف على الإطلاق، إذ شهد مارس سقوط 23 قتيلا فقط في أعمال عنف مباشرة. ويقل هذا الرقم بنسبة 60 في المئة عن المستوى القياسي المتدني المسجل في فبراير 2026، حين بلغ عدد القتلى 58، كما يقل بنسبة 94 في المئة عن المتوسط الشهري البالغ 356 قتيلا في مرحلة ما بعد الأسد.

وعلى الصعيد الداخلي، كان غياب أي تكرار للعنف الكارثي الذي ضرب الساحل والسويداء في 2025 العامل الأبرز في تعزيز الاستقرار العام في سوريا. ويضاف إلى ذلك أن عنف الجماعات الأهلية وعمليات الاغتيال المستهدفة، وهما العامل الأكثر ثباتا وتأثيرا في العنف القاتل خلال 2025، بمتوسط بلغ 75 حالة وفاة شهريا، تراجعا حتى الآن في 2026 بنسبة 87 في المئة، ليهبط المتوسط إلى 10 وفيات شهريا بين يناير ومارس.

ومع أن تنظيم “داعش” لا يزال يمثل تحديا داخليا مزمنا، فإنه تلقى ضربة كبيرة منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024. وقياسا إلى عام 2024، انخفضت هجمات التنظيم في 2025 بنسبة 50 في المئة، فيما تراجعت الخسائر الناجمة عنها بنسبة 76 في المئة. وحتى الآن في 2026، تراجعت هجمات التنظيم بنسبة إضافية بلغت 26 في المئة، وانخفض عدد الضحايا بنسبة 13 في المئة أخرى. كما يتجلى مسار الاستقرار السوري بوضوح على المستوى الجغرافي في نماذج مثل الساحل، الذي انتقل من كونه المنطقة الأكثر اضطرابا في سوريا خلال النصف الأول من 2025 إلى المنطقة الأكثر استقرارا بصورة منتظمة في النصف الثاني من العام نفسه. وقد استمر هذا الاتجاه الإيجابي في 2026، إذ تراجع العنف في اللاذقية وطرطوس بنسبة إضافية بلغت 71 في المئة مقارنة بالفترة الممتدة من يوليو/تموز إلى ديسمبر/كانون الأول 2025.

ومع أن الطريق لا يزال طويلا أمام سوريا، وأن التحديات الداخلية الجسيمة ما زالت قائمة، فإن الاستقرار التدريجي الذي تشهده يمثل تطورا مشجعا للغاية، لسوريا وشعبها أولا، وللشرق الأوسط والعالم على نطاق أوسع أيضا. فعلى مدى سنوات طويلة، لم تصدّر سوريا إلى جوارها سوى الإرهاب والتهديدات والجريمة المنظمة والفساد، بما رسخ المقولة الشائعة: “ما يحدث في سوريا لا يبقى في سوريا”. أما احتمال أن يرسخ الانتقال السوري أقدامه ويكتب له النجاح، فيحمل وعدا بأن يقلب دلالة هذه العبارة رأسا على عقب، فتغدو سوريا مصدرا للاستقرار والازدهار والترابط.

هذه هي الرواية التي تطرحها سوريا في مرحلتها الانتقالية. وعلى الرغم من التحديات الواضحة التي تحيط بالبلاد وبالتحول الجاري فيها، فقد حظيت هذه الرواية بتأييد أطراف كثيرة، من الولايات المتحدة وأوروبا إلى روسيا والشرق الأوسط والصين. ومع دخول الحرب في الشرق الأوسط شهرها الثاني، تزداد هذه الرؤية رسوخا من الناحية الاقتصادية أيضا.

ومنذ ربيع 2025، قدمت سوريا نفسها مفتاحا لفتح مسارات أكثر موثوقية وكفاءة ومباشرة للربط بين آسيا وأوروبا، سواء في التجارة أو الطاقة أو الاتصالات أو غيرها. وقبل اندلاع الصراع الإقليمي الراهن، كان مضيق هرمز والبحر الأحمر يبدوان مسارين يزدادان هشاشة وبطئا والتفافا بالنسبة إلى حركة التبادل العالمي. أما اليوم، ومع امتداد النزاع إلى هذين الممرين نفسيهما، فقد برزا نقطتي اختناق لم تعودا قابلتين للاستدامة استراتيجياً بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي.

وقد وجدت محاولة سوريا تقديم نفسها حلا لمشكلة اقتصادية إقليمية وعالمية مزمنة تتكشف ملامحها بوضوح متزايد، وجدت داعما مبكرا في السعودية، التي أبرمت بالفعل عقودا بمليارات الدولارات لوضع سوريا في قلب ثورة إقليمية في قطاع الاتصالات. وفي إطار دعم ما سمته الحكومة السورية “مشروع سيلك لينك”، ستمتد كابلات الألياف الضوئية من أسبانيا عبر البحر المتوسط، من خلال “كابل ميدوسا” المتعاقد عليه في أكتوبر/تشرين الأول 2025، ثم تعبر الأراضي السورية وصولا إلى الخليج وآسيا. وعند اكتمال المشروع، سيخفض “سيلك لينك” زمن انتقال الإنترنت في أنحاء المنطقة بمقدار يتراوح بين 30 و40 ميلي ثانية، بما يفتح الباب أمام فرص في قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي والتداول المالي والطب الروبوتي عن بُعد، وهي مجالات يصعب عمليا تطويرها بالسرعات التي تتيحها حاليا الكابلات المارة عبر البحر الأحمر وقناة السويس.

ولا يقتصر هذا التوجه على قطاع الاتصالات وحده. فقد بذلت إدارة ترمب الأميركية أيضا جهدا كبيرا لتقديم سوريا كمركز مستقبلي، أو ممر عبور، لتدفقات الطاقة من الشرق الأوسط إلى أوروبا، بما يتيح تجاوز المسارات البحرية الأقل كفاءة، والأعلى كلفة في كثير من الأحيان، والأكثر عرضة للمخاطر. وخلال عام 2025 وحده، أفضت الجهود المدعومة أميركياً لإحياء قطاع الطاقة السوري إلى عقود استثمارية بقيمة 28 مليار دولار، بمشاركة بعض أكبر الشركات العالمية في تلك المحادثات، ومنها “شيفرون”، و”كونوكو فيليبس”، و”توتال”، و”قطر للطاقة”، و”إيني”، و”أديس القابضة”، و”طاقة”، و”دانة غاز”.

ومنذ سقوط الأسد، دخل الخدمة خط أنابيب جديد بين أذربيجان وتركيا وحلب، فيما تتواصل المحادثات لإحياء أو إنشاء خط أنابيب الغاز القطري-التركي، وخط الغاز العربي، وخط أنابيب كركوك بانياس، وجميعها تمتد إلى سوريا وعبرها في اتجاه الأسواق الأوروبية. وإذا كتب لهذه المشاريع أن ترى النور، فإنها ستحدث تحولا في أسواق الطاقة الإقليمية، وستسهم في معالجة المعضلات العالمية الخانقة الناجمة عن الاعتماد على مضيق هرمز وممرات البحر الأحمر. كذلك تعهدت الحكومة العراقية بتصدير 650 ألف طن متري من زيت الوقود شهريا عبر المسارات البرية التي تمر بسوريا طوال صيف 2026.

ومع أن مسار الاستقرار في سوريا بات واضحا، فإن البلاد لا تزال هشة، كما يواجه انتقالها السياسي عددا كبيرا من التحديات الداخلية والخارجية. وإذا كان عام 2025 قد شهد استثمارا سياسيا كبيرا من الحكومة الانتقالية، ونجاحا في ترسيخ شرعية سوريا على الساحة الدولية، فإن عام 2026 سيكون عام اختبار للتحديات الداخلية المرتبطة بالاقتصاد، وبمدى تماسك مجتمعها المتنوع ووحدته. كذلك فإن الأسئلة المعلقة حول العدالة الانتقالية، والحاجة إلى توسيع قاعدة التمثيل في الحكم، إلى جانب تشكيل برلمان، ونجاح دمج الشمال الشرقي، ستحدد جميعها ما إذا كان الاستقرار سيواصل تقدمه.

وتواجه سوريا أيضا أكبر تهديد من الذخائر غير المنفجرة في العالم، وهو خطر يهدد الأرواح ويعرقل التعافي الاقتصادي في آن، وأكثر ما يتركز ذلك في المناطق الريفية. ومنذ سقوط الأسد، قُتل أكثر من 700 شخص في نحو 850 حادثا ناجما عن هذه الذخائر، ومعظمها ألغام أرضية. وقد بذلت الحكومة السورية جهودا حثيثة لمعالجة هذه المعضلة، بالتعاون مع منظمات غير حكومية. ومن خلال حملات التوعية العامة، وجهود إزالة الألغام على المستوى المحلي، تراجع أثر الذخائر غير المنفجرة تدريجيا خلال عام 2025، إذ قُتل 329 شخصا في الربع الأول، و154 في الربع الثاني، و87 في الربع الثالث، و56 في الربع الرابع. غير أن الربع الأول من عام 2026 شهد ارتفاعا جديدا في حوادث هذه الذخائر، مع مقتل 81 سورياً إضافياً، بما يؤكد الحاجة إلى دعم دولي كبير.

كما يحتاج تعافي سوريا واستقرارها إلى قدر من الاستقرار الإقليمي والدولي. وحتى الآن، بقيت سوريا بعيدة إلى حد كبير عن الأعمال العدائية الجارية في المنطقة، باستثناء أربع هجمات بطائرات مسيرة نفذتها جماعات موالية لإيران انطلاقا من العراق المجاور، وقصف مدفعي واحد شنه “حزب الله” من لبنان، دون أن يسفر أي منها عن خسائر بشرية. إلا أن الارتدادات الأوسع للصراع الإقليمي ستفضي حتما إلى تقييد وتيرة الاستثمار أو إبطائها، كما ستحد من قدرة المستثمرين الدوليين على زيارة دمشق لاستكشاف الفرص الجديدة. ويتيح موقع سوريا في قلب الشرق الأوسط فرصا اقتصادية واسعة، لكنه يعني أيضا أن مطار دمشق الدولي ظل مغلقا طوال شهر كامل.

ومع أن طبيعة السلطات الانتقالية في سوريا ما زالت مصدر قلق لكثيرين، فإن احتمال أن تصبح سوريا نقطة ارتكاز في الترابط الاقتصادي الإقليمي والازدهار المشترك هو ما حشد خلف دمشق طيفا واسعا من الأطراف الإقليمية والدولية. ولكي يتحول هذا التصور إلى واقع، يتعين على الحكومة الانتقالية السورية أن تتجاوز كماً كبيراً من العقبات الداخلية، وأن تضطلع بمسؤوليات جسيمة. كما ستؤدي القرارات التي سيتخذها المجتمع الدولي دورا حاسما في تحديد مدى واقعية هذا الأفق السوري. ومن هذه الزاوية، ربما يكون الصراع الإقليمي قد أظهر بوضوح أكبر المزايا المحتملة التي تنطوي عليها الرؤية الاقتصادية الاستراتيجية التي تطرحها سوريا على العالم، غير أن استمرار الحرب زمنا طويلا قد يجعل تحقيق هذه الرؤية أقل احتمالا.

المجلة

—————————————-

 مرة أخرى.. عن سوريا والنأي بالنفس تجاه الحرب الإسرائيلية الأميركية ضد إيران/ ماجد عزام

2026.04.01

نأت سوريا الجديدة، محقّةً، بنفسها عن الحرب الإسرائيلية الأميركية ضد إيران، مع الانشغال بالتركة والأجندة الثقيلة المطروحة أمامها، بعدما ترك نظام بشار الأسد البلد مدمّراً ومحروقاً.

غير أن اتساع الحرب وامتدادها جغرافياً وجيوبوليتيكياً، والتداعيات السياسية والاقتصادية الإقليمية، وحتى الدولية الهائلة، أدّت إلى تغيير – أو للدقة تحديث – في الموقف السوري، ولكن مع البقاء في مربع النأي بالنفس، ولو على التخوم، والحرص على اتخاذ مواقف متناغمة مع دول الجوار، والتموضع ضمن الموقف العربي الإسلامي العام.

إذن، كانت سوريا الجديدة جادّة في سعيها للنأي بنفسها عن الحرب الإسرائيلية الأميركية ضد إيران، ولم تتخذ موقفاً واضحاً من الحرب، كونها غير مضطرة لذلك. ورغم المزاج الشعبي العام المؤيد لتلقي إيران وحلفائها الضربات لانخراطهم إلى جانب نظام بشار الأسد في قمع الثورة وارتكاب جرائم موصوفة بحق الشعب السوري، إلا أن القيادة نأت بنفسها عن هذا المزاج، مع الانشغال بالعمل على ورشة العمل الداخلية والتركة الثقيلة التي تركها الأسد وراءه.

بتفصيل أكثر، لجأت القيادة في سوريا الجديدة إلى خطوات احترازية، على قاعدة النأي بالنفس وعدم إعلان موقف من الحرب نفسها، وتهدئة سياسية وإعلامية لمشاعر الشارع لا تأجيجها. وتضمنت تلك الخطوات نشر تعزيزات عسكرية وأمنية على الحدود اللبنانية والعراقية، لمنع انتقال النيران إلى الأراضي السورية.

وامتدت الاحتياطات إلى المنطقة الجنوبية كذلك، لمنع استخدامها من قبل جماعات وميليشيات مسلحة غير شرعية تابعة ومشغّلة إيرانياً، وهو ما لم تفعله طهران زمن نكبة وإبادة غزة، حفاظاً على نظام بشار الأسد ومنع استهدافه مباشرة وإسقاطه من قبل إسرائيل.

وفي السياق، أكدت سوريا الجديدة مرة أخرى طيّ حقبة نظام بشار الأسد نهائياً، الذي استغل بانتهازية سعي القوى الأجنبية للتعاطي مع سوريا كملعب أو ساحة لتوجيه الرسائل لإطالة بقائه في السلطة. بل نجد هنا تعاطياً مختلفاً وعلى العكس تماماً، حيث تسعى القيادة الجديدة، رغم الأزمات والتحديات الهائلة أمامها، لتصبح – أو للدقة لتعود – لاعباً مركزياً في البيئة العربية والإقليمية، كما كانت دوماً قبل حقبة البعث-الأسد سيئة الصيت.

كان هذا صحيحاً في الأسبوعين الأولين من الحرب، مع العمل على منع أي تداعيات داخلية، تحديداً في السياق الاقتصادي الاجتماعي، وعدم حدوث أزمات كبرى في السلع والمستلزمات والاحتياجات الأساسية، خاصة في قطاعات النفط والغاز والغذاء.

وبالتداعيات المباشرة التي خدمت سياسة النأي بالنفس، استفادت سوريا الجديدة من تفكيك القواعد الأميركية على أراضيها، التي ارتبطت أساساً بنظام الأسد واستدعائه القوى الأجنبية على اختلاف مسمياتها، في حين لا تزال دول اعتُبرت حليفة لإيران زاخرة بالقواعد والقوات الأميركية. ويأتي ذلك بموازاة العمل والانكباب على ترتيب البيت الداخلي، وتسريع خطوات تنفيذ اتفاق 30 كانون الثاني/يناير مع “قسد” أو ما تبقى منها، وتكريس فكرة سوريا الجديدة وسيرورة نهوضها لكل مكوناتها ومواطنيها من دون استثناء، مع التذكير بخريطة الطريق الثلاثية في جبل العرب، وإعادة وضعها بقوة على جدول الأعمال الداخلي في الأيام الأخيرة، مع السعي لإنجاز العملية الانتخابية على علّاتها، ودعوة مجلس الشعب لممارسة دوره الرقابي والتشريعي في أقرب فرصة ممكنة.

وفي التداعيات الاقتصادية، وفيما يخص القطاعات والاحتياجات الحيوية، تجب الإشارة إلى الاكتفاء الذاتي من النفط والغاز والقمح، خاصة بعد استعادة السيطرة على حقول النفط شمال شرقي البلاد، وحصول البلاد عادة على احتياجاتها برّاً وبحراً بعيداً عن مضيق هرمز والخليج العربي. أما المواد الغذائية الأساسية – الحبوب والخضروات والفواكه واللحوم – فكانت سوريا تاريخياً مكتفية، بل ومصدّرة للخارج، وهي الآن تعود تدريجياً لتجاوز حالة القفر والجدب والقحط التي أوجدها النظام الساقط على مختلف المستويات.

ورغم ذلك، وبظل استمرار واتساع ساحات الحرب وامتداد النيران والتداعيات الهائلة لها على الإقليم كله وحتى العالم، بقيت سوريا الجديدة في مربع النأي بالنفس، مع تحديث يتناغم ويدعم دول الجوار والإجماع العربي بشكل عام، واحتياطات أمنية إضافية على الحدود، تحديداً مع لبنان، لكنها ليست موجهة ضد أحد، وإنما لحفظ أمن ومصالح البلاد. وأمر مماثل يمكن قوله عن التعزيزات على الحدود العراقية، في ظل قنوات مفتوحة مع السلطات والقيادات الشرعية في البلدين، وضبط النفس تجاه إطلاق الصواريخ العبثية وحملات التخوين السياسية والإعلامية، والاستعداد للدعم من دون التورط في الشؤون الداخلية اللبنانية أو العراقية. وهذا قرار مسؤول يبدو أنه سيصمد، مع دعم عربي وإسلامي ودولي قوي للموقف السوري.

وفيما يخص سوريا الجديدة والتاريخية، والعلاقة مع العالم العربي والمصالح المتبادلة والمصير المشترك – وهو أمر صحيح وليس مجرد شعارات – مع دعم المواقف العربية والانضواء ضمن الإجماع العام، ورفض الاعتداءات والهجمات الإيرانية ضد الأردن ودول الخليج العربي، وإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع العواصم المعنية.

إلى ذلك، شهدنا دعوة الدول العربية للاستفادة من موقع سوريا الجغرافي لتخفيف الأزمات الاقتصادية، والاعتماد على موانئها المتوسطية بعيداً عن مضيق هرمز والبحر الأحمر، حيث أبدى الأردن فعلاً تجاوباً مع هذه الدعوة، بالإضافة إلى إحياء أفكار وخطط أنابيب النفط مباشرة من العراق والخليج العربي – عبر الأردن – إلى المتوسط، مع تجديد الدعوة للاستفادة من أجواء البلاد وتشغيل مطار حلب للوصل بين الشرق والغرب والشمال والجنوب بعيداً عن خطوط النيران المشتعلة.

كما تم طرح أفكار وخطط تتعلق بسلاسل التوريد برّاً وبحراً، لربط الخليج العربي بالغرب والعالم بعيداً عن هرمز وممارسات وتعسّف إيران، واستحضار ما يُعرف بخطة البحار الأربعة “الخليج العربي، وقزوين، والأسود، والمتوسط”، ما يعني التشبيك بشبكة واسعة من الطرق والمصالح بين سوريا والأردن والعراق ودول الخليج وتركيا، مع أوروبا والعالم بشكل عام.

في الختام، لا بد من التأكيد أن سياسة النأي بالنفس كانت ولا تزال صحيحة، ولصالح سوريا أخلاقياً واستراتيجياً، ولتكريس مركزيتها السياسية والأمنية والاقتصادية والجغرافية كحلقة وصل بين الشرق والغرب وآسيا وأوروبا، مع عدم التأثر بحملة دعائية متعددة الاتجاهات وخاطئة. إذ لن تكون هناك هيمنة إسرائيلية إقليمية بعد الحرب، كما لن تذهب سوريا الجديدة – ولا لبنان الجديد ولا دول عربية أخرى – نحو التطبيع، بل ستتموضع ضمن إطار عربي إسلامي جديد بدأت معالمه بالتشكل، من دون إسرائيل وحتى إيران المستنزفة والمنشغلة بنفسها لسنوات، بل لعقود طويلة، للدفاع عن أمن واستقرار المنطقة ومصالح مواطنيها. وهو ما يمثل تحديثاً لمظلة الحماية الواسعة والراسخة لسوريا الجديدة وسيرورة النهوض فيها، التي لم تتأثر بالحرب بل ازدادت قوة ومناعة، خاصة مع مشاركة الوزير أسعد الشيباني في لقاء الرياض الأسبوع الماضي، الذي ضم 12 دولة عربية وإسلامية، لتأسيس تفاهم وتحالف جديد من دون إسرائيل المعتدية، المنشغلة بنشوة القوة والحرب، وغير الساعية للسلام والحلول العادلة وفق الشرعية الدولية، بل لدوام حالة الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة.

تلفزيون سوريا

——————————

بين هرمز والمتوسط: كيف تعيد سوريا تسويق وزنها الجغرافي؟/ هبا أحمد

أبريل 2, 2026

لم تعد الملاذات الآمنة تقليدية، أي مرتبطة بالأدوات المعروفة من الذهب والسندات والأسهم وما إلى ذلك، بل تخطتها إلى ما يمكن اعتباره ملاذات غير تقليدية مرتبطة بالموقع الجغرافي. فعلى أثر الحرب الأميركية “الإسرائيلية” على إيران، تعود الجغرافيا مرة أخرى لتكون فاعلا أساسيا في تحديد الاتجاهات الاقتصادية الدولية الجديدة.

ومن الموقع الجغرافي تعيد سوريا صياغة دورها كفاعل لا غنى عنه راهنا ومستقبلا، مستفيدة من اللحظة الدولية البالغة الخطورة، لتكون، ولتضع نفسها، في مقدمة الخطوط التجارية الإقليمية البديلة للخطوط التقليدية التي اعتادها العالم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لتستفيد من ذلك في مرحلة البناء الاقتصادي وبناء الدولة.

وتتمتع سوريا بموقع استراتيجي يربط بين قارات العالم الثلاث، مما يجعلها ممرا بريا وبحريا حيويا للتجارة وسلاسل الإمداد العالمية والإقليمية، إضافة إلى أن موقع سواحلها على البحر الأبيض المتوسط يسهل الوصول إلى الأسواق الأوروبية، في حين تربط برا بين تركيا والعراق والأردن ودول الخليج، وبالتالي يفرض موقعها ممرا إجباريا محتملا للطاقة والبضائع.

وفي ظل الحرب الدائرة في الشرق الأوسط وتأثيرها على خطوط الإمداد والطاقة وسلاسل التوريد، بدأ الإقليم، ومن ضمنه سوريا، التفكير في خطوط بديلة وإعادة إحياء مشاريع قديمة تعثر معظمها بفعل الأحداث التي غيرت وجه المنطقة خلال العقد الماضي، لكن السؤال المطروح اليوم هو: إلى أي مدى يمكن أن تعوض هذه المشاريع ما يفقد مع استمرار الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز والتهديدات المحيطة بمضيق باب المندب؟ وماذا عن المدد الزمنية لإعادة إحياء هذه المشاريع والتكاليف المرتبطة بها؟

سوريا والفرص الاقتصادية

مما لا شك فيه أن الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز يفتح أمام سوريا مجموعة من الفرص الاقتصادية التي يمكن استغلالها لتحويل التحديات الجيوسياسية إلى محركات للنمو والتعافي، والتي تستند بشكل أساسي إلى الموقع الجغرافي الاستراتيجي لسوريا وإمكاناتها في التحول إلى مركز لوجستي وتجاري إقليمي.

لكن عند الحديث عن سوريا، وهي الخارجة لتوها من حرب خلفت أضرارا هائلة في البنى التحتية كافة، وعلى وجه الخصوص المتعلقة بخطوط الإنتاج والطاقة، تصبح الأسئلة أكثر إلحاحا، وتغدو الحاجة إلى طرحها والإجابة عنها بدقة وموضوعية أكبر، بما يتماشى مع معطيات الواقع التي يتداخل فيها الأمني مع السياسي والاقتصادي، والإقليمي والدولي، مع إعادة التشبيك مع العالم وصياغة تحالفات وعلاقات جديدة.

وأمنيا، إلى حد ما، وفي الكثير من المواضيع الأمنية، تخطت سوريا أشواطا لا بأس بها، ولا سيما بعد الاتفاق مع “قسد”. وسياسيا، تشهد سوريا حركة سياسية ودبلوماسية نشطة وواسعة باتجاهين: العالم باتجاه سوريا، والأخيرة باتجاه العالم، وكان آخرها زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى كل من ألمانيا وبريطانيا، والاجتماعات التي شهدتها الزيارتان، والاتفاقيات التي تم التوصل إليها في مجالات عدة، بمعنى أن الأرضية السياسية والدولية باتت مهيأة لسوريا لتستعيد دورها.

إلا أنه اقتصاديا، وعند الحديث عن إعادة إحياء مشاريع قديمة مرتبطة بسلاسل التوريد والإمداد والطاقة، يجب التوقف لبحث مدى واقعيتها، أقله راهنا، إذ لا يزال الوضع الاقتصادي السوري هشا، فمثل هذه المشاريع والخطوط البديلة التي يتم الحديث عنها راهنا على خلفية الحرب تحتاج إلى مبالغ تصل إلى مليارات الدولارات، وهنا الحديث عن السكك الحديدية وسلاسلها؛ إلا أن الربط البري يبقى الأنجع.

وبطبيعة الحال، فإن ما سبق ذكره، بقدر ما يقدم توصيفا للواقع، إلا أنه لا يقلل من أهمية موقع سوريا، وأنها مرشحة لتكون أحد المسارات البديلة ضمن سلاسل الإمداد والتوريد في سياق إعادة تشكيل وتعريف الجغرافيا الاقتصادية للعالم، كما أن هذه المرحلة، على خطورتها الإقليمية والدولية، تعد من أفضل المراحل لإعادة إنتاج صيغ وعلاقات وخطوط اقتصادية إقليمية ودولية.

سوريا كملاذ آمن

في زيارته إلى ألمانيا، أكد الرئيس الشرع، خلال مشاركته في اجتماع طاولة مستديرة مع عدد من ممثلي الشركات الألمانية في وزارة الخارجية الألمانية في برلين، أن سوريا، بفضل موقعها الاستراتيجي، تشكل ملاذا آمنا لسلاسل توريد الطاقة، وتوفر فرصا استثمارية واعدة، مؤكدا في الوقت ذاته امتلاكها مخزونا كبيرا من الموارد البشرية المؤهلة، ما يعزز جاذبية بيئة الاستثمار فيها.

ويتزامن كلام الرئيس الشرع مع الرؤية الاقتصادية حول مبادرة البحار الأربعة التي كشف عنها مستشار وزارة الاقتصاد والصناعة السوري أسامة قاضي لـ”الشرق الأوسط”، وهي عبارة عن خريطة طريق تجمع بين إنشاء شبكة قطارات سريعة حديثة وإعادة إحياء أنابيب النفط “التابلاين” التاريخي، بهدف تحويل الجغرافيا السورية والسعودية إلى منصة لوجستية عالمية تربط ثلاث قارات.

وتستهدف هذه المبادرة الاستراتيجية، التي تأتي في توقيت بالغ الحساسية، تأمين تدفق نحو 7 ملايين برميل نفط يوميا بعيدا عن التهديدات الإيرانية، وضمان استقرار أسواق الغذاء والطاقة عالميا، كما تهدف المشاريع المطروحة إلى كسر حلقة “الابتزاز الجيوسياسي” المرتبط بمرور أكثر من 20 في المئة من إمدادات الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، من خلال إيجاد ممرات برية آمنة ومستقرة تخفض تكاليف النقل وتعزز أمن الإمدادات.

وجاء الإعلان عن هذه الرؤية في ظل تعطل حركة الملاحة البحرية وتصاعد التوترات الإقليمية، ما يمنح مشاريع الربط السككي وأنابيب النفط العابرة للحدود زخما استثنائيا بوصفها بدائل مستدامة.

الجغرافيا نقطة انطلاق

يرى الدكتور باسل سعيد علي، عضو الهيئة التدريسية في قسم التمويل والمصارف بكلية الاقتصاد الثانية في جامعة دمشق، ومدير المعهد الإحصائي سابقا، أن سوريا لا تحتاج فقط إلى إعادة إعمار، بل إلى إعادة تعريف نفسها اقتصاديا.

ويطرح الدكتور علي السؤال التالي: لماذا تملك سوريا فرصة جغرافية استثنائية؟ ويجيب: تقع سوريا في قلب المشرق، وتربط بين تركيا والعراق والأردن ولبنان وشرق المتوسط، ما يجعلها مؤهلة لتكون ممر عبور إقليميا للتجارة والنقل والخدمات اللوجستية. كما أن امتلاكها شريطا ساحليا على المتوسط يبلغ نحو 183 كيلومترا يضيف بعدا بحريا مهما يمكن استثماره في الموانئ والمناطق الحرة والخدمات البحرية. وهذه الميزة الجغرافية لا تعني بالضرورة ازدهارا تلقائيا، لكنها تعني أن سوريا تمتلك ما يسمى في الاقتصاد “الأصل المكاني” الذي يمكن تحويله إلى قيمة مضافة إذا توفرت السياسات الصحيحة.

وتشير التوقعات والأبحاث الاقتصادية إلى أنه، وفي مراحل مختلفة من تطور الحالة الاقتصادية في سوريا، ارتفع دور النقل والترانزيت إلى ما بين 10 و15 في المئة من النشاط الاقتصادي الجديد في مرحلة التعافي، مع إمكان نمو حركة البضائع عبر الممرات البرية بنسبة 30 إلى 50 في المئة خلال السنوات الأولى من الاستقرار، وإمكانية خفض كلفة النقل الإقليمي بنسبة 15 إلى 20 في المئة إذا تحسنت المعابر والطرق.

في أي قطاعات يمكن أن تظهر الفرصة الاقتصادية؟

يوضح عضو الهيئة التدريسية أن أهم القطاعات التي يمكن أن تستفيد من الجغرافيا السورية هي النقل واللوجستيات، والساحل والمرافئ، والزراعة، والصناعات الغذائية، ثم الطاقة وإعادة الإعمار. فكل قطاع من هذه القطاعات يرتبط مباشرة بموقع سوريا ومواردها وتوزيعها السكاني.

وفي النقل واللوجستيات يمكن لسوريا، في حال استقرار المعابر والطرق الدولية، أن تتحول إلى منصة عبور بين الداخل العربي وشرق المتوسط. وفي السيناريو الإيجابي، قد يشكل قطاع النقل والخدمات اللوجستية ما بين 10 و15 في المئة من النشاط الاقتصادي الجديد. كما يمكن أن ترتفع حركة الترانزيت البري بنسبة 30 إلى 50 في المئة خلال السنوات الأولى من الاستقرار، مع خفض كلفة النقل الإقليمي بنحو 15 إلى 20 في المئة إذا تحسنت البنية الطرقية والمعابر.

وبين الدكتور علي، في هذا السياق، أهمية الساحل السوري، فالساحل ليس مجرد شريط جغرافي، بل يمكن أن يتحول إلى منصة استثمارية بحرية. فالمرافئ، والمناطق الحرة، والسياحة الساحلية، والصناعات المرتبطة بالنقل البحري، كلها فرص قابلة للنمو إذا توفر الاستقرار.

وفي قطاع الزراعة والصناعة الغذائية، تمتلك سوريا قاعدة زراعية يمكن إعادة بنائها بسرعة نسبية مقارنة بقطاعات أخرى. وإذا جرى الاستثمار في الري والتخزين والتصنيع الغذائي، يمكن لهذه القطاعات أن تتحول إلى رافعة أساسية للتشغيل والأمن الغذائي. فمن الممكن أن ينمو الإنتاج الزراعي بنسبة 10 إلى 15 في المئة سنويا في المراحل الأولى من التعافي، كما يمكن أن تنخفض فاتورة استيراد الغذاء بنسبة 20 إلى 30 في المئة خلال 3 إلى 5 سنوات. كما أن نمو الصناعات الغذائية قد يصل إلى 15 في المئة سنويا إذا توفر التمويل والاستقرار.

هل يمكن اعتبار سوريا ملاذا آمنا؟

تشير الأرقام والتوقعات إلى أنه، وفي حال النجاح في توفير البيئة اللازمة، فإننا سنشهد تدفق استثمارات أولية بين 1 و3 مليارات دولار سنويا في السيناريو المتحفظ، ووصول التدفقات إلى 5 مليارات دولار أو أكثر سنويا إذا توفرت الضمانات القانونية والمالية، ونمو قطاعات العقار والطاقة والاتصالات واللوجستيات بأسرع وتيرة في حال تحسن بيئة الأعمال، ونموا اقتصاديا سنويا بين 5 و10 في المئة في السيناريو المتوسط إذا بدأت إصلاحات حقيقية، مع إمكانية الوصول إلى 12 في المئة أو أكثر في السيناريو المتفائل مع تدفقات استثمارية واسعة، وتراجعا تدريجيا في التضخم إلى نطاق 20 إلى 40 في المئة خلال المرحلة الانتقالية إذا نجحت السياسة النقدية.

وحول واقعية أن تتحول سوريا إلى ملاذ آمن، لفت الدكتور علي إلى أن الكلام واقعي من حيث الإمكانات؛ أي إن سوريا تملك المقومات الجغرافية والاقتصادية التي تسمح لها بأن تصبح بيئة جذب واستقرار.

وبالتالي، إذا تحقق ذلك، فإن سوريا لن تكون مجرد دولة خارجة من الأزمة، بل يمكن أن تصبح نقطة ارتكاز اقتصادية في شرق المتوسط. فسوريا تملك موقعا جغرافيا استثنائيا يؤهلها لأن تصبح ملاذا اقتصاديا. وفي السيناريو الإيجابي، يمكن أن تنمو قطاعات النقل والزراعة والساحل والخدمات بمعدلات بين 10 و15 في المئة، وأن تجذب استثمارات بمليارات الدولارات، لكن كل ذلك يبقى مشروطا بإصلاحات حقيقية لا شكلية.

سوريا والإقليم بمعناه الأوسع

وفي السياق، وربطا بزيارة الرئيس أحمد الشرع إلى ألمانيا وبريطانيا وموقع سوريا الجيواستراتيجي الذي يعاد صياغته، ذكر المستشار والخبير الاقتصادي الدكتور زياد عربش أن هاتين الزيارتين تشكلان منعطفا استراتيجيا في مسار العلاقات السورية الأوروبية ككل، حيث تسعى سوريا إلى الانتهاء من مرحلة التثبيت السياسي للولوج إلى مرحلة الاندماج الاقتصادي في الفضاء الأوروبي.

ويقول عربش في تصريح لـ”الثورة السورية”: “بالتالي تعكس هذه الزيارة المزدوجة توجها أوروبيا بأن سوريا لم تعد مجرد ساحة أزمات، بل بدأت تعيد اكتشاف موقعها الجيواستراتيجي الأصيل كحلقة وصل بين البحر الأبيض المتوسط وعمق القارة الآسيوية. وفي هذه الجغرافيا، تتزاحم الشركات الأوروبية للاستثمار ليس فقط في سوريا كبلد يحتاج إلى كل شيء لإعادة الإعمار، بل في الإقليم بمعناه الواسع، حيث تتداخل سلاسل التوريد والممرات اللوجستية”.

وبين عربش أن زيارة الرئيس الشرع إلى ألمانيا كانت فرصة لسبر شراكات استراتيجية في الطاقة وإعادة الإعمار، إذ شهدت توقيع مذكرات تفاهم مع شركات ألمانية كبرى، في مقدمتها “سيمنس” (Siemens) لتطوير شبكات الطاقة، و”كناوف” (Knauf) في قطاع مواد البناء والتشييد.

أما زيارة بريطانيا، حسب الخبير الاقتصادي، فهي خطوة تمثل امتدادا طبيعيا للزخم الذي بدأ في برلين، لكنها تحمل أبعادا جيوستراتيجية إضافية، مما يشير إلى تنسيق أوروبي متزايد حول الملف السوري، مع خصوصية بريطانيا ببعدها المالي والاستثماري العالمي.

فإعادة التواصل مع المستثمرين الألمان والبريطانيين تمثل نقلة نوعية من مرحلتين: مرحلة إعادة الإعمار الفوري، حيث يمكن أن تسهم الاستثمارات في قطاعات التشييد والبنية التحتية في خلق فرص عمل سريعة وتحفيز الطلب المحلي، ومرحلة التحول الهيكلي، حيث يمكن أن تسهم الاستثمارات في الطاقة والخدمات اللوجستية في إعادة تشكيل هيكل الاقتصاد السوري ليكون أكثر تنوعا وأقل اعتمادا على الاستيراد.

مركزية سوريا في معادلات الاستقرار

وذكر عربش أن الاستثمارات الأوروبية في قطاع الطاقة وقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، ثم قطاع الخدمات اللوجستية والنقل، خاصة في ضوء التداول بمشاريع أنابيب نقل النفط والغاز العراقي والقطري عبر سوريا بطاقة قد تصل إلى أربعة ملايين برميل يوميا، وتكرير مليون برميل، على سبيل المثال، لا تقتصر منافعها على سوريا فقط، بل تمتد لتشمل أوروبا التي تبحث عن مصادر طاقة بديلة. وبالتالي، فإن البعد الاستراتيجي المتمثل في سوريا كممر للطاقة والتجارة موجود على طاولة المباحثات في لندن.

وفي المحصلة، وفي خضم المتغيرات الإقليمية والدولية، تمثل زيارة الرئيس الشرع إلى ألمانيا وبريطانيا أكثر من مجرد لقاءات دبلوماسية، إنها لحظة إعادة اكتشاف لمركزية سوريا في معادلات الاستقرار والربط الإقليمي. فمع نتائج الحرب، بعد أن تضع أوزارها، يمكن أن تجعل من سوريا الممر البري الحيوي الذي يعيد تعريف الربط بين الشرق والغرب.

ومع استمرار الحرب في بعض جبهات المنطقة، يظل الرهان على أن الاستقرار المستدام والسلام هما المدخل الحقيقي لتحقيق المصالح الاقتصادية الكبرى، وأن سوريا، بموقعها الفريد، قادرة على أن تكون جسرا لا حاجزا، وممرا لا ساحة صراع.

الثورة السورية

——————————

لماذا يقف السوريون على الحياد في حرب إيران؟/ طالب عبد الجبار الدغيم

أبريل 2, 2026

بعد أن خاض السوريون حرباً طويلة ضد نظام الأسد وحلفائه، وفي مقدمتهم إيران وميليشياتها، وجدوا أنفسهم في مواجهة إرثٍ ثقيل من الصراع والمعاناة والدمار والانهيار على مختلف المستويات الاجتماعية والاقتصادية والمؤسساتية الأمنية والعسكرية والخدمية. وفي الوقت ذاته، ظلّ الاحتلال الإسرائيلي، بوصفه عدواً تقليدياً على الحدود، يمارس أشكالاً متكررة من العدوان.

وضمن هذا السياق المركّب، تبدو شريحة واسعة من السوريين ميّالة إلى اتخاذ موقفٍ يقوم على الابتعاد عن الاصطفاف، ومحاولة البقاء على مسافة واحدة من الاشتباك الأخير بين الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل من جهة، وإيران وميليشياتها في العراق ولبنان من جهة أخرى.

ويشير عالم السياسة الأميركي صموئيل هنتنغتون إلى أن المجتمعات التي تمر بتحولات عميقة تعيد تشكيل تفضيلاتها السياسية انطلاقاً من التجربة التاريخية، وما اختزنته الذاكرة من قصص وأحداث. وفي الحالة السورية، أسهمت سنوات الثورة السورية ضد نظام الأسد في إعادة ترتيب الأولويات بعد رحيل هذا النظام في الثامن من كانون الأول عام 2024؛ إذ باتت قضايا الاستقرار الداخلي وإعادة بناء الدولة تتقدّم على الانخراط في صراعات إقليمية، في تعبيرٍ عن تكيف سياسي واجتماعي فرضته مرحلة ما بعد سقوط النظام.

ولا يمكن فهم الموقف الحكومي والشعبي – في سوريا الجديدة – من إيران دون استحضار دورها خلال الثورة السورية؛ فقد انخرطت طهران بفاعلية عبر الحرس الثوري وشبكة من الميليشيات التي شاركت في القتال بجانب نظام الأسد وجيشه في قتل الشعب السوري. وخلال سنواتٍ طويلة من العنف، وما رافقها من نزوح وتهجير وانتهاكات واسعة، ترسّخت لدى كثير من السوريين صورةٌ سلبية عن هذا التدخل وفظاعته، باعتباره جزءاً من تجربة رهيبة تركت أثراً عميقاً في الوعي الجمعي السوري.

وفي هذا السياق، يُبين عالم الاجتماع الفرنسي موريس هالبواكس أن الذاكرة الجماعية تتشكّل من التجارب الحيّة التي تعيشها المجتمعات، وتعيد إنتاج فهمها للواقع. وانطلاقاً من ذلك، يَغيب التعاطف الشعبي مع إيران في صراعها مع إسرائيل، إذ تستحضر الذاكرة السورية صور الحرب التي ارتبطت بدورها داخل البلاد.

وفي المقابل، تمتدّ العلاقة مع إسرائيل عبر تاريخ طويل من العداء، إذ لا تزال ملامحه حاضرة في قضية الجولان المحتل منذ عام 1967، وما يمثّله من سبب من أسباب العداء المستمر. كما شهدت الأراضي السورية، في فترات قريبة (في الأيام الأولى من سقوط نظام الأسد)، ضرباتٍ عسكرية وغارات جوية استهدفت مواقع متعددة، شملت العاصمة دمشق ومناطق في الجنوب والوسط، إضافة إلى توغلات في بعض المناطق العازلة، الأمر الذي عزّز شعوراً متراكماً بالتهديد لدى السكان، ورسّخ صورة هذا العداء في الوعي العام.

وبناء على ذلك، فإن الحياد السوري في الصراع الحالي لا يمكننا فهمه باعتباره انحيازاً لإسرائيل التي تحتل فلسطين وأراضٍ عربية، وإنما هو موقف مركّب ينبثق من رفضٍ مزدوج؛ للدور الإيراني المرتبط بالحرب الداخلية، والدور الإسرائيلي المتصل بتاريخٍ طويل من العداء واحتلال الأرض. ومن هذا الباب، لا يرى كثير من السوريين في إسرائيل طرفاً يمكن التعاطف معه أو بناء علاقة معه، حتى في ظل موقفهم الحاد من الدور الذي لعبته طهران داخل سوريا.

وفي حقيقة الأمر، يُعدّ الإرهاق العام وحالة عدم اليقين بمستقبل الأيام في علاقة بلدهم بالوسط المحيط، من أبرز السمات التي تطبع المزاج النخبوي والشعبي في سوريا في الوقت الراهن. فقد خلّفت سنوات الصراع دماراً واسعاً في البنية التحتية، وأدّت إلى نزوح ملايين السوريين داخل البلاد وخارجها، فضلاً عن خسائر بشرية واقتصادية جسيمة

وفي ظل هذه التجربة المريرة، اختار السوريون اليوم تجنّب أي صراع جديد قد يعيد إنتاج دوامة العنف. وفي تفسير هذا الميل، يشير عالم الاجتماع الأميركي تشارلز تيلي إلى أن المجتمعات التي خاضت حروباً طويلة تميل إلى تقديم الاستقرار كأولوية تتقدّم على سواها من الاعتبارات السياسية. كما يلفت فرانسيس فوكوياما إلى أن الأزمات الكبرى تعيد تشكيل الرؤى السياسية والمفاهيم الأخلاقية للأفراد، بحيث تنتقل من الجانب الأيديولوجي إلى حساباتٍ تقوم على المؤسسات والمصالح العملية. وفي الحالة السورية، أسهم هذا التحول في بروز اتجاه عام يضع استقرار الدولة في صدارة الأولويات، ويعكس ميلاً واسعاً نحو الحياد النسبي في الصراع الإيراني – الإسرائيلي.

ومع ذلك، فإن هذا الحياد لا يعني إنكار المأساة الفلسطينية أو تجاهل الصراع العربي–الإسرائيلي، بل يعكس موقفاً أخلاقياً تشكّل تحت وطأة تجربة مباشرة مع الطرفين المتصارعين في الماضي القريب. حيث أفرزت التجربة السورية نوعاً من الحساسية الأخلاقية تجاه الصراعات، انعكس في تبدّل أنماط التعاطف والموقف العام.

فبعد أن كان التعاطف الشعبي واسعاً في محطات سابقة كما في حرب العراق 2003، وحرب لبنان في تموز 2006، يبدو السوريون اليوم أقرب إلى أشكال من الفتور أو الحذر أو التحوط الأمني، ترتبط بإدراك متزايد لتعقيدات الأدوار الإقليمية وتشابكها مع المأساة السورية.

وفي نهاية المطاف، يمكن القول إن المزاج السوري العام يتّجه، على المستويين الرسمي والشعبي، نحو هذا النمط من الحياد الحذر؛ حياد لا يخلو من مراقبةٍ مشوبةٍ بشيء من الترقّب لما يجري. ويعكس ذلك تركيزاً متزايداً على الأولويات الداخلية، وفي مقدمتها استعادة الاستقرار وتسهيل الخدمات وإعادة الإعمار، بدلاً من الانخراط في صراعات إقليمية لا تبدو منسجمة مع احتياجات المرحلة.

ويأتي هذا الحياد تعبيراً عن وعي سياسي تشكّل نتيجة التجربة، ومن رغبة في توظيف اللحظة الراهنة لخدمة مسار التعافي، وإعادة بناء ما أنهكته سنوات الحرب خلال خمسة عشر سنة.

الثورة السورية

————————————-

إيران بين الحرب والتفاوض: هدنة النار ومفاوضات الظل/ ضياء قدور

أبريل 2, 2026

تكشف القراءة المتأنية للمشهد الإيراني الراهن أن الحرب الجارية لم تعد مجرد مواجهة عسكرية مفتوحة، بل بدأت تتحول تدريجياً إلى ساحة صراع سياسي داخل بنية النظام نفسه.

فالمعطيات الموجودة، من جهة، وما يرشح من الحديث عن مقترحات أميركية لوقف الحرب، من جهة أخرى، يوحيان بأن طهران دخلت مرحلة انتقالية دقيقة: لا هي قادرة على الذهاب إلى حرب شاملة طويلة المدى، ولا هي مستعدة لقبول تسوية تُظهرها في موقع المنكسر. ومن هنا تبرز فرضية الهدنة المحدودة مع التفاوض السري بوصفها السيناريو الأكثر ترجيحاً في هذه المرحلة.

اللافت في هذا التقدير أنه ينطلق من تقاطعين مهمين. الأول، أن ثمة أصواتاً من داخل البيئة القريبة من النظام بدأت تدافع صراحة عن فكرة الخروج المنظم من الحرب، لا باعتبارها تنازلاً استراتيجياً، بل بوصفها آلية لإنقاذ النظام من استنزاف أوسع. والثاني، أن الجانب الأميركي نفسه، لا يتعامل مع الحرب كهدف قائم بذاته، بل كوسيلة ضغط لفرض ترتيبات سياسية وأمنية جديدة. وبهذا المعنى، فإن الرسالة المشتركة للطرفين هي أن الحرب لم تنته، بل دخلت طوراً سياسياً جديداً.

لكن الأهم من ذلك هو ما يكشفه هذا التحول عن بنية السلطة داخل النظام الإيراني. ففي مرحلة علي خامنئي، كانت آلية اتخاذ القرار -على الرغم من وجود تنافسات داخلية- تنتهي غالباً إلى مركز واحد يحسم المسار. أما اليوم، فالصورة أكثر تعقيداً. فالتقدير يتحدث عن انتقال النظام من التركيز الشديد إلى تعدد أقطاب مضبوط، حيث تتوزع القوة بين بيت القيادة الجديد، والحرس الثوري، ومجلس الأمن القومي، والحكومة، والبرلمان، وأوساط دينية تكنوقراطية وتيار متشدد. هذا يعني أن القرار لم يعد محكوماً بإيقاع واحد، بل بتوازنات داخلية قابلة للاهتزاز.

في قلب هذه البنية الجديدة، يبرز منطق من ثلاث مستويات يحكم سلوك النظام. الأول هو منطق البقاء الذي يحرك النواة الأمنية-العسكرية، وهدفه منع الانهيار ولو عبر قبول هدنة مؤقتة. الثاني هو المنطق البراغماتي الذي تمثله الحكومة وبعض التكنوقراط، ويدفع نحو تقليل الخسائر الاقتصادية والبحث عن مخرج تفاوضي.

أما الثالث فهو المنطق الأيديولوجي، الذي يرفض التنازل الكبير ويفضل استمرار المواجهة ولو بصيغة محدودة. ونتيجة تفاعل هذه المستويات يبدو النظام اليوم عالقاً في منطقة وسطى: لا حرب كاملة ولا سلام كامل، بل أزمة مضبوطة يحاول إدارتها بدل حسمها.

ومن النقاط المهمة أيضاً ما يتعلق بالحرس الثوري. فالواقع يقول إنه لم يعد كتلة صلبة موحدة، بل تجل لثلاثة اتجاهات داخله: اتجاه استراتيجي يميل إلى هدنة محدودة، واتجاه متشدد يرفض أي اتفاق، واتجاه تنفيذي أقرب إلى تخفيف التوتر.

وإذا صح هذا التقدير، فإن معنى ذلك أن الحرس نفسه لم يعد محصناً من الانقسام حول كيفية إدارة المرحلة المقبلة. وهذا تطور بالغ الحساسية، لأن الحرس أكثر من مجرد مؤسسة عسكرية، فهو العمود الفعلي لمنظومة القوة والردع والتدخل الإقليمي.

ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بين المرونة التكتيكية والاستعداد لتغيير جوهري. فبحسب التقديرات نفسها، لا يزال النظام يرفض الدخول في تفاوض من نوع ربح أمريكي – خسارة إيرانية، لأن أي تراجع جوهري في الملفات النووية أو الصاروخية أو الإقليمية قد يفتح الباب أمام تصدعات داخلية أوسع، خاصة في ظل تنامي خطر الاحتجاجات وعودة شبح الانتفاضة. ومن هنا يمكن فهم سبب امتناع طهران عن إغلاق باب التفاوض نهائياً، وفي الوقت نفسه إصرارها على طرح شروط مقابلة تجعل العملية السياسية بطيئة ومتعثرة وقابلة للاستخدام الداخلي.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: هل تتجه الحرب إلى التوقف؟ بل: ماذا سيحدث داخل النظام إذا توقفت؟ فالتطورات والتحليلات تشير بوضوح إلى أن أي وقف لإطلاق النار لن يطفئ الأزمة، بل قد ينقلها من الجبهة العسكرية إلى الداخل الإيراني.

إذ من المتوقع، في حال الهدنة، أن تتسع الفجوات بين مراكز القوة، وأن يزداد التنافس على إدارة المرحلة التالية، فيما تبقى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قائمة من دون حل. وبمعنى آخر، فإن وقف النار قد لا يكون نهاية الأزمة، بل بداية فصل آخر منها.

لهذا كله، تبدو الخلاصة الأكثر واقعية هي أن إيران تقف عند لحظة مفصلية وهشة معاً. فالحرب أضعفت مركز القرار، والتفاوض لم ينضج بعد، والقوى الداخلية تتحرك في مساحة ملغومة بين الخوف من الهزيمة والخوف من الانفجار. وفي مثل هذا المشهد، يصبح احتمال الهدنة المحدودة المترافقة مع مفاوضات سرية أعلى من سيناريوهات الحسم السريع، سواء نحو السلام أو نحو الحرب الشاملة.

لكن ما يبقى ثابتاً هو أن أي تسوية مقبلة، إذا لم تُجب عن الأزمة البنيوية التي صنعها النظام خلال عقود، فلن تكون سوى محطة مؤقتة في مسار أزمة أكبر.

الثورة السورية

————————-

توظيف المسألة الكردية في الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران/ عبد الله راشد المرسل

​​​ مع اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/ فبراير 2026، دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من الصراع تتجاوز في طبيعتها وأدواتها أنماط المواجهة التقليدية بين الدول. فالمواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة أخرى، لم تعُد صراعًا على النفوذ الإقليمي أو مواجهة غير مباشرة عبر مناطق وسيطة مثل العراق وسورية ولبنان فحسب، بل أخذت أيضًا تتحول تدريجيًا إلى صراعٍ مركّب يمتد من المجال البحري في الخليج العربي إلى البنية الداخلية للدولة الإيرانية. وفي مثل هذا السياق، تصبح القضايا القومية والعرقية داخل الدول المتعددة الإثنيات عناصر محتملة في إعادة تشكيل مجال العمليات الجيوسياسي.

أولًا: المسألة الكردية والبنية القومية للدولة الإيرانية

يشكّل الأكراد إحدى أكبر القوميات العابرة للحدود في الشرق الأوسط، وتنتشر تجمعاتهم السكانية بين أربع دول رئيسة، هي: تركيا، والعراق، وسورية، وإيران. وقد منح هذا الامتداد الجغرافي القضيةَ الكردية طبيعةً فريدة جعلتها مرتبطة، على نحو دائم، بتوازنات القوى الإقليمية والدولية. وفي الحالة الإيرانية تحديدًا، تتخذ المسألة الكردية بعدًا خاصًّا نظرًا إلى تمركزها في منطقة حدودية ذات حساسية تمتد على طول جبال زاغروس وتربط إيران مباشرة بإقليم كردستان العراق.

تشير الدراسات الديموغرافية إلى أنّ الأكراد يشكلون ما بين 10 و12 في المئة من سكان إيران، ويتمركز وجودهم أساسًا في محافظات كردستان وكرمانشاه وأذربيجان الغربية وإيلام. وقد ظل هذا الإقليم، الذي يطلق عليه الأكراد اسم “روجَهلات كردستان”، جزءًا من معادلة الأمن القومي الإيراني منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1979. فالعلاقة بين الدولة المركزية والحركات القومية الكردية تشكّلت منذ بداية الثورة الإسلامية، ضمن سياق من التوترات السياسية والعسكرية التي ارتبطت بمطالب الحكم الذاتي والاعتراف بالحقوق الثقافية والقومية[1].

في الأشهر الأولى التي تلت سقوط نظام الشاه عام 1979، ظهرت في المدن الكردية حركة سياسية واسعة تطالب بإقامة نظام إداري يمنح الإقليم قدرًا من الحكم الذاتي ضمن إطار الدولة الإيرانية. غير أن القيادة الثورية الجديدة، التي كانت في طَور تثبيت أركان النظام السياسي الجديد، رأت في هذه المطالب تهديدًا مباشرًا لمشروع الدولة المركزية التي سعت إلى بنائها. وقد أدى هذا التباين بين الطرفَين إلى اندلاع مواجهات مسلحة في العديد من المدن الكردية خلال السنوات الأولى من عمر الجمهورية الإسلامية، عندما أرسلت الحكومة قوات الحرس الثوري لإعادة فرض السيطرة على الإقليم[2].

ومنذ تلك اللحظة، أصبحت المناطق الكردية جزءًا من حسابات الدولة الإيرانية من الناحية الأمنية؛ إذ تداخلت الاعتبارات القومية مع معادلات الأمن القومي والسيادة الإقليمية. لكنّ هذه المسألة لم تبقَ شأنًا إيرانيًا داخليًا خالصًا؛ إذ إن التحولات الكبرى التي شهدها الشرق الأوسط، منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، أعادت تعريف مكانة القضية الكردية في جغرافية المنطقة من الناحية السياسية.

وفي هذا السياق، أدى الغزو الأميركي للعراق عام 2003 إلى نشوء كيان كردي يحظى بنسبة عالية من الحكم الذاتي في شمال هذا البلد، ثمّ إن الحرب السورية بعد عام 2011 أفضت إلى صعود القوى الكردية المسلحة بوصفها فاعلًا رئيسًا في التوازنات العسكرية في شمال سورية. وقد منحت هذه التحولات الحركة الكردية في المنطقة مجالًا أوسع للحركة السياسية والعسكرية، وجعلت القضية الكردية جزءًا من حسابات القوى الكبرى استراتيجيًا[3].

وقد مثّلت الحرب التي تجري في الخليج العربي، منذ مطلع آذار/ مارس 2026، بدايةً لمرحلة جديدة من هذه التفاعلات. فمع تصاعد الضربات العسكرية التي استهدفت منشآت إيرانية مرتبطة ببرامج الصواريخ والطائرات المسيّرة، ومع تصاعد التوترات البحرية في مضيق هرمز، بدأت ملامح انتقال الصراع من المواجهة بين الدول إلى التأثير في البنية الداخلية لإيران نفسها.

وقد برزت المناطق الكردية في غرب إيران بوصفها أحد الفضاءات التي بدأت تشهد نشاطًا متزايدًا لبعض الفصائل الكردية المعارضة للنظام الإيراني. وتشير تقارير أمنية متعددة إلى تسجيل زيادة في تحركات بعض هذه الفصائل التنظيمية خلال الأسابيع التي تلت اندلاع حرب احتلال العراق، وقد شملت عمليات محدودة ضد مواقع للحرس الثوري الإيراني في المناطق الجبلية القريبة من الحدود العراقية، إضافة إلى محاولات مرتبطة بإعادة تنشيط الشبكات السياسية والتنظيمية داخل المجتمع الكردي[4].

ويتصدر الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني قائمة القوى السياسية التي تسعى إلى توسيع حضورها في هذه المرحلة؛ إذ يعود تاريخ هذا الحزب إلى أربعينيات القرن العشرين عندما أدّى دورًا مركزيًا في تجربة جمهورية مهاباد الكردية عام 1946، وتُعد هذه التجربة أوّل محاولة حديثة لإقامة كيان سياسي كردي في إيران. وقد حافظ الحزب، منذ ذلك الحين، على حضور سياسي وعسكري في المناطق الكردية الإيرانية؛ فهو يتبنى خطابًا قوميًا يدعو إلى إقامة نظام فدرالي داخل إيران يضمن للأكراد حقوقًا سياسية وثقافية موسَّعة[5]. وفضلًا عن هذا الحزب، تنشط تنظيمات أخرى؛ مثل حزب الحياة الحرة الكردستاني PJAK المرتبط أيديولوجيًا بحزب العمال الكردستاني في تركيا. وقد خاض هذا التنظيم، خلال العقدين الماضيين، مواجهات مسلحة متقطعة مع القوات الإيرانية في المناطق الحدودية، مستفيدًا من طبيعة المنطقة الجبلية الوعرة، ومن امتداد المجتمع الكردي جغرافيًا عبر الحدود[6].

ومع اندلاع الحرب الحالية في الخليج، بدأت بعض هذه التنظيمات ترى في اللحظة الجيوسياسية الراهنة فرصةً لإعادة طرح القضية الكردية في إيران ضمن سياق إقليمي أوسع. فالحرب الخارجية التي تواجهها طهران تخلق بطبيعتها بيئة استراتيجية يمكن أن تسمح لبعض القوى المحلية بمحاولة توسيع هامش حركتها السياسية والعسكرية. غير أن هذه التحركات لا يمكن فهمها بمعزل عن تاريخ طويل تتّسم به العلاقة بين الحركة الكردية والقوى الدولية، وهو تاريخ يتضمّن ذاكرةً معقدة من التحالفات المؤقتة والخيبات المتكررة.

وهنا يبدأ البعد الأكثر حساسيةً في المسألة الكردية المعاصرة: فالذاكرة السياسية العميقة لما يعتبره الأكراد نمطًا متكررًا من الاستغلال والتخلي، من جانب القوى الكبرى، تجعل القيادات الكردية تتعامل بحذر شديد مع أيّ دعوة من دعوات الانخراط في صراعات إقليمية واسعة من دون ضمانات سياسية واضحة.

ثانيًا: الذاكرة التاريخية الكردية: من سيفر ولوزان إلى اتفاق الجزائر

عند الانتقال من تحليل التحركات الكردية الراهنة في غرب إيران إلى فهم حسابات القيادات الكردية تجاه الحرب التي تجري في الخليج العربي، يتضح أن العامل الأكثر تأثيرًا في الموقف الكردي المعاصر لا يقتصر على موازين القوى العسكرية أو الحسابات الإقليمية الآنية، بل إنه يشمل أيضًا ما يمكن تسميته الذاكرة السياسية العميقة للحركة القومية الكردية. فهذه الذاكرة تشكلت خلال قرنٍ كامل من التجارب التي رسّخت لدى النخب الكردية تصورًا متكررًا عن نمطٍ من العلاقات مع القوى الكبرى مبنيٍّ على الاستقطاب المؤقت ثم التخلي اللاحق. وقد أصبح هذا النمط، بسبب تكراره عبر أجيال مختلفة، جزءًا بنيويًا من الوعي السياسي الكردي المعاصر؛ بحيث لا يمكن فهم الحذر الحالي تجاه أيّ تحالفٍ عسكري جديد من دون العودة إلى جذوره التاريخية.

ويرتبط هذا الإدراك التاريخي باللحظة المؤسسة التي أعادت رسم خريطة الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى. ففي أعقاب انهيار الإمبراطورية العثمانية عام 1918، برزت – أوّل مرّة – إمكانية قيام كيان سياسي كردي مستقل ضمن النظام الإقليمي الجديد الذي كانت القوى الأوروبية بصدد تشكيله. وقد نصّت معاهدة سيفر الموقعة عام 1920 بين الحلفاء والدولة العثمانية على مواد أتاحت مجالًا لاحتمال إنشاء دولة كردية في الأناضول وشمال بلاد ما بين النهرين؛ إذ تضمنت المواد 62 و63 و64 آليةً تسمح بإقامة حُكم ذاتي كردي قد يتطور لاحقًا إلى استقلال كامل إذا ما أقرَّ بذلك سكان المنطقة عبر استفتاء محلّي[7]. غير أن هذه الإمكانية زالت سريعًا؛ إذ أدّت التحولات العسكرية والسياسية التي قادتها الحركة الكمالية في تركيا إلى إعادة التفاوض في ترتيبات ما بعد الحرب، وهو ما أدّى إلى توقيع معاهدة لوزان عام 1923 التي ألغت عمليًا كل إشارة إلى قيام دولة كردية مستقلة، وأعادت رسم الحدود الإقليمية، على نحو أدى إلى تقسيم المناطق الكردية بين أربع دول رئيسة هي: تركيا والعراق وسورية وإيران[8].

وقد ترك هذا التحول أثرًا عميقًا في الوعي السياسي الكردي؛ إذ اعتُبر لحظة تأسيسية لما أصبح لاحقًا خطابًا سياسيًا كرديًا يقوم على فكرة “الوعد المجهَض” الذي قدّمته القوى الدولية، ثم تراجعت عنه عندما تغيرت حساباتها الاستراتيجية. ومنذ تلك اللحظة، أصبحت القضية الكردية في الأدبيات السياسية الكردية مرتبطةً بفكرة أن النظام الدولي نفسه كان جزءًا من المشكلة، وأنه لم يكن وسيطًا محايدًا في حلّها.

لكن هذه التجربة لم تبقَ حدثًا تاريخيًا بعيدًا، بل أُعيد إنتاجها في أكثر من مرحلة من مراحل القرن العشرين اللاحقة. ومن ذلك، مثلًا، ما حدث في سبعينيات هذا القرن في العراق. ففي هذه المرحلة دعمت الولايات المتحدة وإيران الشاه حركة التمرد الكردية في شمال العراق بقيادة مصطفى البارزاني، وذلك في إطار الصراع الإقليمي مع نظام حزب البعث في بغداد. وقد وفرت واشنطن وطهران دعمًا عسكريًا واستخباريًا للحركة الكردية؛ ما مكّنها من الاستمرار في قتال الجيش العراقي عدة سنوات. غير أن هذا الدعم انقطع على نحو مفاجئ عام 1975 بعد توقيع اتفاق الجزائر بين العراق وإيران، وهو الاتفاق الذي أعاد ترتيب الحدود بين البلدين وأزال أحد أبرز أسباب التوتر بينهما. وما إن وُقّع الاتفاق حتى توقفت مساعدات إيران والولايات المتحدة للحركة الكردية؛ ما أدى إلى انهيار التمرد خلال فترة قصيرة وترك الأكراد في مواجهة مباشرة مع القوات العراقية[9].

وقد وصف كثير من الباحثين هذه الحادثة بأنها المثال الأكثر وضوحًا في التاريخ الحديث بالنسبة إلى العلاقة المتقلبة بين الحركات الكردية والقوى الدولية. فقد كشف التحقيق الذي أجراه الكونغرس الأميركي لاحقًا، في إطار ما عُرف بتقرير “لجنة بايك”، أن الدعم الأميركي للحركة الكردية لم يكن يهدف أساسًا إلى تحقيق طموحات الأكراد القومية، بل كان جزءًا من استراتيجية أوسع لإضعاف العراق في سياق توازنات إقليمية للحرب الباردة[10]. وقد أدّى ذلك إلى ترسيخ قناعة واسعة داخل الأوساط السياسية الكردية مفادها أن التحالفات مع القوى الكبرى غالبًا ما تكون ظرفيةً ومرتبطةً بحسابات استراتيجية تتغير ما إنْ تتغير مصالح هذه القوى نفسها.

ولا يقتصر هذا الشعور التاريخي بالخذلان على التجربة العراقية، بل يمتد إلى التجربة الكردية داخل إيران أيضًا. فقد شارك العديد من الأكراد الإيرانيين في الثورة التي أطاحت نظام الشاه عام 1979، وهم يأملون أن يؤدي سقوط النظام الملكي إلى إتاحة مجالٍ لصيغة جديدة من الاعتراف السياسي والثقافي بحقوقهم القومية. غير أن العلاقة بين الأكراد والسلطة الجديدة سرعان ما تدهورت خلال الأشهر الأولى بعد الثورة. ففي آب/ أغسطس 1979، أصدر آية الله الخميني تصريحات حادّة ضد الأحزاب الكردية، واعتبر النزعة القومية الكردية خروجًا على وحدة الدولة الإسلامية، وهو ما أتاح أوضاعًا لحملة عسكرية واسعة استهدفت المناطق الكردية، وأدّت إلى اندلاع صراع مسلح استمر سنواتٍ[11]. وقد تسبّب هذا الصراع في قتل آلاف الأكراد؛ ومن ثمّ رسّخ في الذاكرة الكردية تجربةً أخرى من تجارب التحالف المؤقت الذي يتحوّل سريعًا إلى مواجهة دامية.

ثالثًا: الضمانات السياسية ومحاذير الانفتاح الكردي على الصراع

أسهم تراكب هذه التجارب التاريخية المتعددة في تشكيل ما يمكن تسميته الوعي السياسي الحذر لدى القادة الأكراد المعاصرين. فهؤلاء القادة، الذين يتابعون اليوم تطورات الحرب الجارية في الخليج، ينظرون إلى الدعوات التي تشجعهم على الانخراط في الصراع ضد طهران من خلال عدسة هذا التاريخ الطويل من التحالفات المؤقتة. ولهذا السبب، يرفض كثير منهم فكرة الانخراط الكامل في أيّ مواجهة عسكرية من دون الحصول على ضمانات سياسية واضحة من القوى الدولية التي قد تستفيد من هذا الانخراط.

وتتمثل هذه الضمانات في مجموعة من المطالب السياسية، وفي مقدمتها الاعتراف بحق الشعب الكردي في تقرير المصير ضمن إطار دولة إيرانية ديمقراطية وفدرالية، وهو المطلب الذي يطرحه ائتلاف القوى السياسية في كردستان إيران بوصفه الإطار السياسي القادر على التوفيق بين وحدة الدولة وحقوق القوميات المختلفة[12]. وتطالب القوى الكردية بإنشاء نظام إداري ديمقراطي في المناطق الكردية الإيرانية يمنحها صلاحيات سياسية وإدارية واسعة، على نحو يشبه النموذج القائم في إقليم كردستان العراق. مع تأكيد ضرورة وجود التزام دولي طويل الأمد يضمن استمرار الدعم السياسي لقضيتهم، حتى بعد انتهاء أيّ مواجهة عسكرية مع النظام الإيراني. ويعكس هذا المطلب إدراكًا متزايدًا لدى النخب الكردية مفاده أن الدعم العسكري وحده لا يوفر ضمانة حقيقية لمستقبلهم السياسي، وأن التجارب السابقة أظهرت أن القوى الكبرى قد تتخلى بسرعة عن حلفائها المحليين عندما تتغير مصالحها الاستراتيجية.

وتتضمن المطالب الكردية، أيضًا، جوانب ثقافية وقانونية تتعلق بالاعتراف بالهوية الكردية داخل النظام السياسي الإيراني؛ مثل السماح بالتعليم باللغة الكردية، والاعتراف الرسمي بحقوق الشعب الكردي الثقافية واللغوية. ويرى القادة الأكراد أن هذه الحقوق تمثّل الحد الأدنى من الضمانات التي ينبغي توافرها في أيّ تسوية سياسية مستقبلية.

وكذلك تسعى القيادات الكردية إلى الحصول على ضمانات تتعلق بالحماية من التدخلات الإقليمية المحتملة. فالدول المجاورة، وفي مقدمتها تركيا، تنظر إلى أيّ صعود للقوة الكردية في المنطقة بوصفه تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، وهو ما يجعل الأكراد يخشون أن يجدوا أنفسهم مرة أخرى في موقع المواجهة مع أكثر من دولة إقليمية في آنٍ واحد إذا ما انخرطوا في صراع واسع مع إيران من دون إطارٍ سياسي دولي واضح.

ومن جانب آخر، لا يمكن قراءة أيّ انفتاح كردي واسع داخل إيران على الصراع الدائر في الخليج بمعزل عن الحسابات الأمنية التركية؛ إذ تنظر أنقرة إلى المسألة الكردية في المنطقة باعتبارها ملفًّا عابرًا للحدود يؤثّر، على نحو مباشر، في توازنها الأمني الداخلي. فتركيا، التي تخوض منذ عقود صراعًا مع حزب العمال الكردستاني، ترى أنّ أيّ تحول في وضع القوى الكردية المسلحة في جوارها الإقليمي قد ينعكس مباشرةً على ديناميات الصراع الكردي داخل أراضيها. ومن هذا المنطلق، تراقب المؤسسة الأمنية التركية، باهتمام بالغ، التطورات في المناطق الكردية الإيرانية، خصوصًا ما يرتبط منها بنشاط تنظيمات حزب الحياة الحرة الكردستاني الذي يرتبط أيديولوجيًا وتنظيميًا بحزب العمال الكردستاني.

وتنبع حساسية الموقف التركي من أنّ اندماج القوى الكردية الإيرانية في الصراع الحالي قد يؤدي إلى إعادة تشكيل المجال الكردي المسلح الممتد من جبال قنديل في شمال العراق إلى الحدود الإيرانية – التركية. ففي حالة تحوّل غرب إيران إلى منطقة نشاط عسكري واسع للقوى الكردية، قد يُتاح مجالٌ لتشكُّل فضاء عملياتي متصل يسمح بانتقال المقاتلين والسلاح والخبرات بين التنظيمات الكردية المختلفة في المنطقة. ويعني ذلك بالنسبة إلى تركيا احتمال ظهور بيئة استراتيجية جديدة تُعزّز قدرات الشبكات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، وهو ما تعتبره تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي. ولهذا السبب، فإنّ أيّ تصعيد كردي داخل إيران قد يدفع تركيا إلى فرض مجموعة من المحاذير الاستراتيجية التي تهدف إلى منع تحوّل هذا التصعيد إلى واقع جيوسياسي دائم. وقد تشمل هذه المحاذير تعزيز الوجود العسكري التركي على الحدود الشرقية، وتكثيف العمليات الاستخبارية في المناطق الجبلية الواقعة بين العراق وإيران، إضافةً إلى ممارسة ضغوط سياسية على حكومة إقليم كردستان العراق؛ لمنع استخدام أراضي الإقليم قاعدةً لعمليات تستهدف إيران انطلاقًا من الفضاء الكردي المشترك.

ولا يمكن استبعاد احتمال مفاده أنْ تلجأ تركيا إلى توسيع نطاق عملياتها العسكرية العابرة للحدود إذا ما رأت أن التطورات في غرب إيران تؤدي إلى تقوية بنية التنظيمات العسكرية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني. وقد شهد العقدان الماضيان عدّة عمليات تركية داخل شمال العراق استهدفت قواعد الحزب في جبال قنديل، وهو ما يشير إلى استعداد تركيا لاستخدام القوة العسكرية خارج حدودها عندما ترى أن التوازن الأمني الداخلي مهدد.

ويكتسب الموقف التركي أهمية إضافية في ظل عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي “الناتو”، وهو أمرٌ يمنح أيّ تطور أمني كبير على حدودها بُعدًا يتجاوز الإطار الثنائي بينها وبين إيران. فتركيا تشكّل بالنسبة إلى هذا الحلف الجناح الجنوبي الشرقي، وأيّ اضطراب واسع في بيئتها الأمنية قد يفرض داخل الناتو نقاشًا متعلقًا بكيفية التعامل مع تداعيات الحرب في الخليج من الناحية الاستراتيجية. وإنْ أدى الصراع إلى حوادث عسكرية تؤثّر في المجال التركي على نحو مباشر، فإنّه قد يُمهّد لتفاعلات أكثر تعقيدًا داخل الحلف نفسه؛ إذ تتقاطع الحسابات الأمنية بالنسبة إلى أعضاء الناتو مع مخاوف تركيا المتعلقة بالمسألة الكردية.

ومن هذا المنظور، فإنّ انخراط القوى الكردية الإيرانية في الصراع الإقليمي يتضمَّن احتمالَ توسيعٍ لنطاق الحرب حتى تشمل فاعلين إقليميين جدُدًا. فبدلًا من أن يبقى الصراع محصورًا في المواجهة بين إيران وكلٍّ من الولايات المتحدة وإسرائيل، قد يتحول إلى مجال أكثر تعقيدًا تتداخل فيه الدول والجماعات المسلحة، فضلًا عن الفاعلين العابرين للحدود. وفي مثل هذا السيناريو، قد تواجه المنطقة خطر التحول إلى فضاء صراع متعدد الجبهات؛ بحيث تتقاطع الحروب بين الدول مع النزاعات القومية الداخلية، وتتحول الحدود الجغرافية إلى “خطوط تماسٍّ” بين شبكات متداخلة من القوى المحلية والإقليمية والدولية.

من أجل ذلك، ينظر العديد من المحللين إلى العامل التركي بوصفه أحد المتغيرات الحاسمة في تحديد نطاق التصعيد المحتمل بالنسبة إلى المسألة الكردية داخل إيران. فاستجابة أنقرة لأيّ تحوّل كبير في هذا الملف قد تضطلع بدور أساسي في تشكيل ملامح المرحلة المقبلة من الصراع؛ سواء كان هذا الدور عبر احتواء التوترات، أو عبر إدخال المنطقة في مرحلة جديدة من التفاعلات الجيوسياسية الأكثر تعقيدًا.

خاتمة

تفسّر هذه الحسابات المعقدة الحذرَ الشديد الذي تبديه القيادات الكردية تجاه التطورات الجارية في الخليج. ففي حين ترى بعض القوى الكردية في الحرب فرصةً تاريخية لإعادة طرح قضيتها السياسية في إيران، فإنّ التجارب التاريخية السابقة تدفعها، في الوقت نفسه، إلى البحث عن ضمانات سياسية واضحة قبل الانخراط كليًّا في أيّ مواجهة عسكرية واسعة النطاق. وبذلك، فإنّ المسألة الكردية في السياق الراهن لا تقتصر على كونها جبهة إضافية في الصراع الإقليمي؛ ذلك أنها تعكس أيضًا صراعًا أعمق بين الذاكرة التاريخية للحركة الكردية وحسابات القوى الدولية التي تسعى إلى توظيف هذه القضية ضمن استراتيجياتها الأوسع في الشرق الأوسط.​

[1] David McDowall, A Modern History of the Kurds, 3rd ed. (London: I.B. Tauris, 2004).

[2] Abbas Vali, Kurds and the State in Iran: The Making of Kurdish Identity (London: I.B. Tauris, 2011).

[3] Michael M. Gunter, The Kurds Ascending: The Evolving Solution to the Kurdish Problem in Iraq and Turkey (New York: Palgrave Macmillan, 2016).

[4] International Crisis Group, Iran’s Kurdish Regions: Security and Political Dynamics, Middle East Report no. 266 (Brussels: 2023), accessed on 2/4/2026, at: https://www.crisisgroup.org

[5] William Eagleton Jr., The Kurdish Republic of 1946 (London: Oxford University Press, 1963).

[6] Cengiz Gunes, The Kurdish National Movement in Turkey: From Protest to Resistance (London: Routledge, 2012).

[7] David Fromkin, APeace to End All Peace: The Fall of the Ottoman Empire and the Creation of the Modern Middle East (New York: Henry Holt, 1989).

[8] McDowall.

[9] Ofra Bengio, The Kurds of Iraq: Building a State within a State (Boulder, CO: Lynne Rienner Publishers, 2012).

[10] Gunter.

[11] Ervand Abrahamian, A History of Modern Iran (Cambridge: Cambridge University Press, 2008).

[12] Vali.​

المراجع

Abrahamian, Ervand. A History of Modern Iran. Cambridge: Cambridge University Press, 2008.

Bengio, Ofra. The Kurds of Iraq: Building a State within a State. Boulder, CO: Lynne Rienner Publishers, 2012.

Eagleton Jr., William. The Kurdish Republic of 1946. London: Oxford University Press, 1963.

Fromkin, David. APeace to End All Peace: The Fall of the Ottoman Empire and the Creation of the Modern Middle East. New York: Henry Holt, 1989.

Gunes, Cengiz. The Kurdish National Movement in Turkey: From Protest to Resistance. London: Routledge, 2012.

Gunter, Michael M. The Kurds Ascending: The Evolving Solution to the Kurdish Problem in Iraq and Turkey. New York: Palgrave Macmillan, 2016.

International Crisis Group. Iran’s Kurdish Regions: Security and Political Dynamics. Middle East Report no. 266. Brussels: 2023.

McDowall, David. A Modern History of the Kurds. 3rd ed. London: I.B. Tauris, 2004.

Vali, Abbas. Kurds and the State in Iran: The Making of Kurdish Identity. London: I.B. Tauris, 2011.​

باحث دكتوراه في العلوم السياسية، جامعة سوسة، تونس.

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

——————–

خطيئة إعادة اختراع إيران/ وائل قنديل

01 ابريل 2026

يبدو باعثاً على الدهشة أن يحاول أحد إثبات أنّ إيران جارة للدول العربية، ومكوّن أصيل من جغرافيا المنطقة. هذا يشبه تعريف الماء بالماء، أو إثبات أنّ الأرض كروية، غير أنّ هذا الصنف من الكلام متوفّر بكثرة هذه الأيّام، وكأنّنا بصدد إعادة اكتشاف إيران والشرق الأوسط.

التبرير الصهيوني، بشقيه الأميركي والإسرائيلي، للعدوان المُتواصل على إيران أنّها تحاول الهيمنة على الشرق الأوسط، وأنّ وجودها دولةً قوية يشكل خطراً وجوديّاً على جيرانها العرب، وبالتالي، لا يتورّع المعتدون عن محاولة إقناع دول الخليج بحتمية الدخول في المعركة جنباً إلى جنب الصهيوني الطيب الذي يحمل الخير والسلام والاستقرار للمنطقة، وهي المحاولة التي تقابل رفضاً قاطعاً من بعض الأطراف، أو هكذا تعلن على الأقل، واستجابة مرتعشة في صمتٍ من أطراف أخرى تمنّي نفسها بالاندماج الكامل مع العدو الصهيوني، على نحو ما يعبّر بعض الحمقى في الإمارات على سبيل المثال.

قد يبدو مفهوماً أن يتحدّث عدو جاهل مغرور بقوّته، مفتون بقدراته الإجرامية، عن إيران الحالية بوصفها خطراً طارئاً وداهماً على المنطقة، ذلك  أنّ هذا الكيان الصهيوني اللقيط، المكوّن من المستعمرين الذين ضجّت بهم مجتمعاتهم الأصلية في بلدان العالم الاستعماري، فألقت بهم في أرض فلسطين العربية، ينطلق من عقدته الأبدية بأنّه مجهول النسب دخيل على هذه المنطقة، ما يجعله يتحرّك ويتحرّك وكأنّه جزء منها، على الرغم من أنّ تعريفه القانوني بحسب قرارات الأمم المتحدة أنّه احتلال قائم على أجساد شعب فلسطيني عريق عميق الجذور في الجغرافيا والتاريخ. أمّا غير المفهوم، والرائج جداً هذه الأيّام، أن تبدو بعض أطراف المنطقة في كلامها عن إيران وكأنها تكتشفها من جديد، وبالتالي تعبّئ خطابها الدبلوماسي بعبارات من نوعية أنّ إيران جارة يجب البحث في تنظيم علاقات جوار معها، وكأنّه لم تكن هناك علاقات مُمتدّة آلاف السنين بالفعل، أو كأنّ هذه الأطراف تتعرّف إليها مجدّداً، لكن هذه المرّة بعيون دونالد ترامب ومحدّداته.

والحال كذلك، ثمّة مخاوف من أن يكون الإلحاح على فكرة أنّ إيران جارة في الخطاب الإعلامي العربي نوعاً من محاولة غسل الأيدي من جريمة أميركية صهيونية تتحرّك أمامنا لإحراق الجميع، بالدوافع نفسها التي اغتالوا بها العراق 2003، إذ يعيدون الكرة الآن مع أمّة إيرانية، موجودة ومُتحقّقة تاريخيّاً وجغرافياً، وتحمل حضارة يتجاوز عمرها سبعة آلاف عام، منها 2500 عام  إمبراطورية موحّدة، وخمسمائة عام من الوجود كيانًا سياسيًا حديثًا يتمتّع بحدوده الجغرافية الحالية.

باختصار، إيران مكوّن أصيل من مكوّنات وجود هذه المنطقة، عمرها من عمر المنطقة وأكبر بكلّ تأكيد من عمر أميركا نفسها، ومن أعمار الدول المُستجدّة على الجغرافيا الشرق أوسطية، وليس من بينها بالطبع ذلك الكيان اللقيط المُلقى مثل طفل خطيئة استعمارية كبرى فيها. صحيح أنّ العلاقات بين العرب وإيران لم تكن هادئة طوال الوقت، غير أنّ هذا لا يسقط حقيقة أنّه لا يمكن الحديث عن منطقتنا من دون الأخذ في الاعتبار أنّها أمة إيرانية جارة وشقيقة، منذ جاء الإسلام وصهر الجميع في وعاء حضاري واحد. كما لا يمكن لأحد أن يتجاهل واقع علاقات سياسية واقتصادية وثقافية عميقة وممتدّة ومتطوّرة بين إيران والدول العربية، وخصوصاً في الجانب الاقتصادي من هذه العلاقات، إذ يصل حجم التبادل التجاري بينها وبين العرب إلى عشرات المليارات من الدولارات سنوياً، ويدهشك أنّ الإمارات تصدّرت الدول العربية، والثانية على مستوى العالم بعد الصين في قائمة الشركاء التجاريين مع إيران، حيث تظهر الأرقام أنّ التجارة بين طهران وأبوظبي في 2024 بلغت نحو 28 مليار دولار مُحقّقةً طفرة تاريخية.

الشاهد أنّ إيران ليست خطراً وجودياً على العرب، حتى وإن تأزمت العلاقات بين الطرفين في بعض الأوقات، وانزلقت إلى الصراع المسلّح. نعم هي منافس حضاري قوي، غير أنّ هذه القوّة ينبغي ألا تُخيف أحداً وتدفعه إلى وضع يده في يد العدو الحقيقي والوحيد للإجهاز عليها، هذا انتحار حضوري ووجودي وإعلان للاستسلام للحلم الصهيوني الذي يريد ابتلاع إيران والعرب معاً.

حريٌ بالعرب أن يفكّروا كيف يصبحون أقوياء وغير تابعين مثل إيران، لا أن يتصرّفوا مثل مجموعة من الأطفال المذعورين من قوّة الجار حدّ الارتماء في أحضان العدو الذي يتربّص بها وبنا ويقترب حثيثًا من ارتكاب الجريمة الأكبر في حقّ المنطقة كلّها.

العربي الجديد

——————————

أين الواقع من التوقّعات؟/ أنطوان شلحت

01 ابريل 2026

لعل أكثر ما يلفت النظر، في سياق متابعة الإجمال المرحلي للعدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران الذي دخل أسبوعه الخامس، تأكيد الأوساط المقرّبة من رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، أنه تم تحقيق إنجازات مهمة، غير أنها ليست من صنف الإنجازات طويلة المدى، بينما رأى محللون عسكريون إسرائيليون كثيرون تسمية الأشياء بمسمياتها بهذا الصدد، عبر وصف هذه الإنجازات بأنها لا تتجاوز المستوى التكتيكي، وما زالت أدنى بكثير من المستوى الاستراتيجي.

ويعود هذا، في قراءتهم، إلى عدة أسباب وعوامل جوهرية أبرزها: وجود فجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج الفعلية، وعدم استشراف ما لدى إيران من قدرة على امتصاص الضربة الأولى وإعادة التكيّف، واستئناف التهديدات الأمنية في الجبهات المختلفة، لا سيما من لبنان، فضلاً عن تكلفة الحرب وتداعياتها في مقابل مردودها. وفي هذا الشأن، يتركز النقاش الإسرائيلي الداخلي في الوقت الحالي على التكلفة الاقتصادية العالية، والضغط على الجيش وتشكيلات الاحتياط، وكذلك تأثير الحرب على مستقبل العلاقات مع الولايات المتحدة ومع الأسرة الدولية عموماً، ومع أوروبا خصوصاً.

كي ننمذج على ما تقوله أوساط مقرّبة من نتنياهو، يمكن الإشارة إلى ما صدر من آخر التعقيبات عن رئيسين سابقين لمجلس الأمن القومي، مئير بن شبات وتساحي هنغبي، واللذين أكد كل منهما على حدة أنه بعد شهر من الحرب ثمّة إنجازات وإخفاقات من ناحية إسرائيل، وكذلك هناك إنجازات لإيران. وبينما يشدّد كلاهما على أن إسرائيل ألحقت أضراراً بالغة بإيران، يؤكّدان، في الوقت عينه، أن قواعد اللعبة لم تتغيّر جذريّاً، وهو ما يستلزم إطالة أمد الحرب. أما أبرز إنجازات إيران فهو بقاء النظام، والنجاح في استخدام سيطرته على مضيق هرمز لتعزيز صورة إيران دولة جريئة لا تتردّد في اتخاذ خطوات تصعيدية، وهو ما يمكن أن يعزّز موقعها في أي مفاوضات. وليس هذا فحسب، بل أيضاً أفلحت السلطات الإيرانية في منع تجدّد الاحتجاجات الشعبية، وتمكنت من تنظيم تظاهرات دعمٍ واسعة.

ومن أبرز المسائل الأخرى التي يُشار إسرائيلياً إليها، بعد انقضاء أول شهر على الحرب، لا بدّ من التوقف عند مسألتين من ضمن مسائل عديدة أخرى: الأولى، استنتجت معظم التحليلات الإسرائيلية أن إيران تمكّنت من إيجاد ردع مع دول في الخليج مثل السعودية والإمارات اللتين تتجنبان الانخراط في الحرب، على الرغم مما تتعرّضان له من هجمات. كما ينسحب هذا الردع على دول أوروبية لا تنفكّ تتردّد في التعاون العسكري مع الولايات المتحدة. وخلص بعضهم إلى أن ترامب فشل في إقامة تحالف دولي واسع، خلافاً لما كانت عليه الحال في حروب سابقة شنتها الولايات المتحدة على غرار الحربين إبّان إدارتي الرئيسين جورج بوش الأب والابن في عامي 1991 و2003.

المسألة الثانية متعلقة بالجبهة مع لبنان، فباعتراف تساحي هنغبي، أظهر حزب الله قدرة ملحوظة على التعافي، على الرغم من الضربات التي تلقاها خلال حرب عامي 2023 و2024، وما زال في وسعه أن يستمر نسبياً في تشغيل منظومات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وهو ما يشير إلى أن اتفاق وقف إطلاق النار مع لبنان لم يجلب الأمن إلى المنطقة الشمالية. وفي الوقت الحالي، تقضي خطة الجيش الإسرائيلي، بحسب ما يجري تداوله، الوصول إلى نهر الليطاني وإنشاء منطقة منزوعة السلاح حتى الخط الأزرق، بجانب إقامة “شريط أمني” في الجنوب اللبناني. ومثلما كتب أحد كبار الضباط في الاحتياط فإن الجيش يعود إلى جنوب لبنان، بعد أن أوحى بأنه وصل إلى نقطة حسم، و”أعاد العدو القهقرى سنوات”، وإذا به يعود هو إلى نقطة الصفر. وتساءل: إلى متى سنظل نُفاجأ بأن الطرف الثاني يستعيد عافيته سريعاً، ويبقى قويّاً شديد البأس؟

العربي الجديد

——————————–

 بكين وموسكو والأيام الحاسمة للحرب: مبادرة خليجية من الدوحة؟/ منير الربيع

الأربعاء 2026/04/01

أيام قبل انقضاء المهلة التي منحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب للوصول إلى اتفاق مع إيران أو ضرب منشآت الطاقة فيها. دول العالم تسرّع من وتيرة تحركاتها ولقاءاتها في سبيل تجنّب المزيد من التصعيد الذي قد يؤدي إلى اشتعال المنطقة، إذ إن طهران هددت بضرب منشآت الطاقة في دول الخليج. تستكمل الولايات المتحدة تحشيداتها العسكرية، تستقدم المزيد من الجنود ومن الأسلحة والتقنيات، ومن بينها تلك المتخصصة بالتشويش على الاتصالات التي تستخدم في حالة شنّ هجوم بري. لكنها في المقابل أيضاً تواصل مواكبة مسار المفاوضات والمبادرات التي أقدمت عليها أكثر من دولة، وآخرها الصين التي اقترحت مع باكستان مبادرة من 5 نقاط، كانت قد طرحت في الاجتماع الرباعي الذي ضم إلى باكستان، تركيا السعودية ومصر، على أن يستكمل ذلك في القمة الصينية الخليجية التي ستعقد الأربعاء.

اجتماع خليجي

خليجياً، تتسارع الحركة أيضاً كما هو الحال بالنسبة إلى التحركات الدولية. هنا برزت الحركة المكوكية التي قام بها أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى السعودية وبعدها إلى دولة الإمارات، في مسعىً قطري واضح للعمل على خفض التصعيد ووقف الحرب في المنطقة، والبحث عن حلول سلمية. قبل اجتماع باكستان الرباعي، أيضاً تحركت قطر على خط إسلام أباد من خلال الاتصال الذي جرى بين رئيس وزراء قطر الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني ووزير الخارجية الباكستاني محمد اسحاق دار. تتحرك قطر على خط السعي للوصول إلى معادلة وقف أي اعتداءات إيرانية على دول الخليج، إضافة إلى السعي لعقد اجتماع خليجي على مستوى الزعماء، وتحقيق تقارب سعودي إماراتي وتوحيد الموقف والصف، وتجاوز الخلافات، إضافة إلى حفظ دور دول الخليج كفاعل أساسي إلى جانب مصر للبحث عن صيغة لوقف الحرب بشكل نهائي، خصوصاً أن دول الخليج تريد أن تكون شريكاً في أي اتفاق سيحصل. هنا لا بد من النظر إلى الدوحة مجدداً، وحركة الموفدين إليها أو الزيارات التي سيجريها مسؤولون قطريون في إطار تجديد دور الوساطة لوقف الحرب، كما أنه يمكن أن تتبلور كل هذه التحركات إلى تقديم مبادرة خليجية مشتركة تخرج من الدوحة.

بكين وواشنطن

بعد تحرك إسلام أباد باتجاه بكين، يأتي الاجتماع الصيني الخليجي، الذي لا تبدو الولايات المتحدة الأميركية بعيدة عنه، وسط معلومات تتحدث عن اتصالات صينية أميركية حول وقف الحرب، مع إيجاد صيغة حلّ لفتح مضيق هرمز عبر اعتماد آلية دولية توفر أمن الملاحة فيه، ورسم ملامح اتفاق شامل، يقضي بأن لا تسعى إيران للحصول على سلاح نووي، وتتم معالجة ملف التخصيب والصواريخ، مع تقديم ضمانات للجميع بعدم تجدد الحرب وعدم حصول أي اعتداء.  في كل هذه اللقاءات يتم السعي الحثيث لعقد اجتماع يضم موفدين أميركيين وإيرانيين، ودولاً إقليمية وخليجية.

تطويق الصين

الدور الذي تلعبه الصين في هذه المرحلة له أكثر من هدف، أولاً لا تريد سقوط النظام الإيراني، ولا دخول إيران في حالة فوضى، لأن ذلك سيعني انتصاراً أميركياً إسرائيلياً كاملاً على حدودها، ولأن الولايات المتحدة ستصبح هي الطرف الممسك بكل منابع وأنابيب النفط الإيراني الذي ستستورده الصين. كما أن بكين تريد استعادة دور راكمت عليه منذ سنوات وترجمته في اتفاق بكين في العام 2023 بين إيران والسعودية، وتسعى إلى توسيع ذلك ليشمل كل دول الخليج، وهذا ما يعني إعادة حضورها في الخليج العربي وعلى مستوى المنطقة.

يعيدنا ذلك إلى العام 2023 أيضاً، عندما بدا أن الصين تحقق تقدماً على مسار خطتها للحزام والطريق، وهي التي سعت الولايات المتحدة الأميركية إلى تعطيلها، خصوصاً بعد أحداث 7 أكتوبر، وهو ما استكمله ترامب بعد انتخابه ومن خلال السياسة التي يعتمدها حول مواجهة الصين في أميركا اللاتينية والشرق الأوسط أيضاً، وحتى الوصول إلى تطويق الصين من خلال العلاقات والتحالفات التي تبرمها الولايات المتحدة مع دول عديدة في شرق آسيا. يعني ذلك أن الحرب على إيران ستأخذ بشكل أو بآخر بعداً من الصراع أو التنافس الصيني الأميركي على المستوى العالمي.

روسيا وأوكرانيا

التحرك الصيني لا بد أن يكون منسقاً مع روسيا التي لديها اتصالاتها مع الولايات المتحدة الأميركية أيضاً، وكانت قد تقدّمت بمقترحات كثيرة لتجنب الحرب ولتكون هي الجهة الضامنة لليورانيوم الإيراني العالي التخصيب. في المقابل، كان التحرك الأوكراني اللافت باتجاه دول الخليج، في ظل التوتر الأميركي الأوروبي، إذ زار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي السعودية، قطر والإمارات والكويت، وبحث مع هذه الدول في تعزيز التعاون العسكري، ولا سيما في مجال الحصول على مسيرات أوكرانية ذات تكلفة زهيدة لكنها فعالة في التصدي للمسيرات الإيرانية.

المؤكد أنه ليس من مصلحة المنطقة ولا دول الخليج خصوصاً إطالة هذه الحرب ولا اتساعها، في ظل مساعٍ دولية كثيرة لدفع دول الخليج إلى الانخراط في الحرب، وفي ظل رفض الدول الأوروبية الدخول إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية. في المقابل، تسعى دول الخليج إلى تجنب الحرب وعدم الانخراط فيها، بينما هناك تصورات عديدة يتم تقديمها في إطار تحفيز هذه الدول على الانخراط في الحرب على قاعدة الاستفادة من الحرب الأميركية الحالية على إيران، وأنها فرصة مؤاتية للانخراط إلى جانب الولايات المتحدة وإسقاط النظام الإيراني، إضافة إلى خوض حرب ضد حلفاء إيران في المنطقة ككل، ولا سيما في سوريا والعراق ولبنان أيضاً.

تحالف مكافحة الإرهاب

بعض من يتحدثون بهذه الصيغة، يستندون إلى فكرة تفعيل “تحالف مكافحة الإرهاب”. وبما أن الولايات المتحدة تصنّف الحرس الثوري تنظيماً إرهابياً، يمكن لدول أخرى أن تحذو حذوها وتصنفه أيضاً، فتكون الحرب ضد الحرس الثوري، وكذلك ضد كل حلفاء إيران الذين تم تصنيفهم على لوائح الإرهاب، مثل حزب الله، وبعض فصائل الحشد الشعبي والحوثيين. من يتحمس لهذه الفكرة يعتبر أن الفرصة متاحة لذلك الآن، ويستند أيضاً إلى ما أعلنته دول خليجية مثل الكويت، البحرين والإمارات، عن إلقاء القبض على شبكات مرتبطة بحزب الله والحرس الثوري الإيراني لجمع الأموال لتمويل مشاريع عسكرية أو كشف مخططات لتنفيذ عمليات أمنية وعسكرية وعمليات اغتيال ضد مسؤولين في هذه الدول، وأن يكون ذلك عنصراً متمماً لعناصر الانخراط في القتال يُضاف إلى مسألة الرد على الضربات التي توجهها إيران إلى دول الخليج.

حرب استنزاف

في هذا السياق، يبرز التحرك السياسي الخليجي والعربي، لتجنب مثل هذه الخيارات لأنها ستدخل المنطقة في حرب استنزاف طويلة إيرانية عربية، وعربية عربية أيضاً، بينما من الأفضل البحث عن حلول سلمية مع ضمانات واضحة على مستويات الأمن، الممرات، الطاقة والاقتصاد. إنها أيام مفصلية تقف فيها المنطقة على شفير انفجار كبير، ما لم تنجح كل الدول الساعية إلى وقف الحرب في تقديم طروحات تُقبل من غالبية القوى والأطراف.

نتنياهو والتوريط في الحرب

عملياً، يقيم ترامب اليوم بين ضغطين: الضغط الديبلوماسي الدولي لوقف الحرب، والضغط الإسرائيلي الذي يواصله نتنياهو لمواصلة الحرب. لا أحد يمكنه التنبؤ بما سيقرره ترامب أو يقدم عليه، لكن لا يمكن إغفال عناصر التأثير الإسرائيلي، خصوصاً في ظل كلام نتنياهو عن استكمال المهمة، أو كلام وزير الدفاع الأميركي عن التفاوض مع إيران بالقنابل، أو كلام نتنياهو عن “تحالفات جديدة” ستكشفها الأيام المقبلة. فما يريده نتنياهو هو دفع دول عربية إلى الحرب ضد إيران وحلفائها في المنطقة، على قاعدة أن فشل المفاوضات وإصرار ترامب على الحسم العسكري وأنها ستكون معركة حتى النهاية، سيدفع حكماً هذه الدول إلى الانخراط في الحرب، وهو ما ستعتبره إسرائيل فاتحة جديدة لتنسيق أمني وعسكري مع تلك الدول، مع ما سيعنيه ذلك من تبعات مستقبلية.

المدن

—————————-

مسارات الحرب بين غياب الحسم العسكري والاستعصاء التفاوضي/ أمجد أحمد جبريل

02 ابريل 2026

بعد مرور أكثر من أربعة أسابيع على اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، يتجلّى مأزق “المراوحة” بين غياب “الحسم العسكري” و”الاستعصاء التفاوضي”، بفعل ثلاثة متغيّرات: أوّلها اتّجاه سياسات الأطراف الأميركية والإسرائيلية والإيرانية نحو “التصعيد الممنهج”، ولجوء إدارة دونالد ترامب إلى أسلوب “الخداع الاستراتيجي” مرّات، بغية إضعاف المركز التفاوضي لإيران. وثانيها تطوّر التحالف الأميركي الإسرائيلي، خصوصاً تصاعد التنسيق العملياتي والاستخباري و”التخادم الاستراتيجي” بين الطرفَين، وبروز مسألة “توزيع الأدوار” بينهما. وثالثها إحجام أغلب القوى الدولية عن لعب أدوار الوساطة في هذه الحرب، ربّما بسبب تقديراتها لعدم نضوج ظروف تهدئة الحرب أو إنهائها تماماً، بالتوازي مع بروز أدوار القوى الإقليمية، سيّما باكستان وتركيا ومصر، في محاولة الوساطة بين واشنطن وطهران.

وفي إطار تحليل مسار الحرب على إيران واستعصائها على “الحسم العسكري السريع”، واحتمالات عودة الطرفين الأميركي والإيراني إلى المسارات التفاوضية لحلّ هذه الأزمة الدولية الإقليمية المعقَّدة، يمكن التوقّف عند أربع ملاحظات: أولاها تتعلّق بانعكاسات سياسة “القوة” التي تنتهجها إدارة ترامب، لا سيّما الاندفاع تحت تأثير نجاح نموذج اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في محاولة تطبيق سياسة مشابهة في إيران، علماً أنّ اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي لم يؤدِّ إلى انهيار النظام، أو خروج الإيرانيين إلى الشارع لإسقاطه.

أيّ تقويم لموقف واشنطن من الحرب لا يمكنه تجاهل حجم الدور الإسرائيلي في التأثير في القرار الأميركي بخوضها، أو تعجيل موعدها على الأقلّ، ما يؤكّد تطوّر التحالف الأميركي الإسرائيلي، خصوصاً تطوّر التنسيق العملياتي والاستخباري، إلى حدود غير مسبوقة تاريخياً، كما يتّضح من ثلاثة أمور: أوّلها مثابرة نتنياهو في تحريض واشنطن على طهران، ودعم الانقلاب الأميركي على مسار مفاوضات مسقط – جنيف، على الرغم من تصريحات عُمانية وإيرانية مبشِّرة بوجود مستوى من التوافق العام بين واشنطن وطهران. وثانيها وجود “توزيع أدوار” بين الولايات المتحدة وإسرائيل؛ ففي حين تستهدف واشنطن القدرات النووية والصاروخية الإيرانية، مع الحفاظ على مصادر الطاقة الإيرانية، توسّع إسرائيل استهدافاتها لتشمل ضرب القدرات العلمية والبشرية والبنى التحتية عموماً، بغية إخراج إيران من معادلات التأثير الإقليمي ومعادلات أمن الطاقة؛ إذ يبدو واضحاً “الاستعجال الإسرائيلي” في توظيف الفرصة السانحة، وصولاً إلى “حسم الصراع” مع إيران ومحورها الإقليمي، وتدشين “إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات”، إذ يريد نتنياهو محو عار هجوم الفصائل الفلسطينية على مستوطنات غلاف غزّة (7/10/2023) من ذهن المجتمع الإسرائيلي الخائف قبيل موعد الانتخابات الإسرائيلية القريبة. وثالثها، أنّ الأبعاد الشخصية والنفسية تلعب دوراً أكبر من المألوف في هذه الحرب، بسبب الانسجام الواضح بين مسؤولي حكومة نتنياهو وبين المسؤولين الأميركيين، وقدرة الأوّل على تسويق الحرب على إيران في أروقة صنع القرار الأميركي، علماً بأنّ غموض أهداف الحرب النهائية، واتساع رقعتها الجغرافية ونطاقها التدميري، قد يدفعان باتجاه إطالة أمدها، وربّما التأثير سلبياً في شعبية الرئيس ترامب والحزب الجمهوري عشية انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

تتعلّق الملاحظة الثانية بالأبعاد الدولية للحرب، خصوصاً ما يتعلّق بالمواقف الصينية والأوروبية والروسية التي تكشف، على تفاوتها، قيودَ المرحلة الانتقالية التي يمرّ بها النظامان الإقليمي والدولي، في ظلّ خشية أغلب الدول من تبعات التحدّي الصريح لسياسات واشنطن، والمزاج المتقلّب للرئيس ترامب، وهذا ما يفسّر مواقف فرنسا وبريطانيا وألمانيا التي عادت إلى ما يشبه “الاصطفاف” خلف مواقف واشنطن، والسماح لها باستخدام القواعد العسكرية على أراضيها، بالتوازي مع انتهاج سياسة “التحوّط الاستراتيجي” وعدم الانخراط المباشر في الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. وكذا تبرز “المقاربة الصينية الحذرة”، وحرصها على العلاقات الاقتصادية – النفطية مع إيران ودول الخليج، بغض النظر عن مآلات النظام السياسي في طهران، حتى لا تخسر علاقاتها مع أيّ نظام قد يخلفه، بالتوازي مع تشديد خطاب الدبلوماسية الصينية على وقف الحرب والعودة إلى المفاوضات، لتجنّب تأثيرها في إمدادات النفط؛ إذ يبدو تفضيل الصين مصالحها الاقتصادية وتنويع مصادر طاقتها (عبر اللجوء إلى دول آسيا الوسطى) على توظيف الحرب لفرض توازنات مختلفة على واشنطن، وتكريس دور بكين في معادلات الأمن العالمي والإقليمي.

من جانب آخر، تتجلّى أمام موسكو فرصةٌ لكسر عزلتها الدولية وإعادة تصدير نفطها إلى الصين والهند، لا سيّما بعد الاضطراب في الإمدادات الإيرانية والخليجية، وتصاعد التوتّرات الجيوسياسية وإغلاق مضيق هرمز، ناهيك عن احتمال انصراف أنظار العالم، ولو مؤقتاً، عن أزمة أوكرانيا، التي تتداخل بشدّة مع حرب إيران، خصوصاً في مسألة دور “الطائرات المسيّرة” في المعركة، وحرص كييف على عرقلة أيّ تسوية تتنازل فيها عن إقليم دونباس لمصلحة روسيا. ومن المحتمل أن يؤدّي تفاعل هذه المواقف الدولية إلى ثلاث نتائج؛ أولاها تصاعد حدّة الاصطفافات/ الاستقطابات في حرب إيران، ما يعني احتمال إطالة أمدها وانخراط أطراف أكثر فيها، خصوصاً إذا انحازت أطراف أخرى (مثل الهند وروسيا) لأحد الطرفَين الأميركي والإيراني. وثانيتها تضاؤل فرص قيام القوى الدولية بجهود وساطة بين واشنطن وطهران، ما يزيد فرص القوى الإقليمية، سيّما تركيا وباكستان ومصر، بحكم توازن موقفها من الحرب والتمتّع بثقة الطرفَين المباشرين فيها الأميركي والإيراني. وثالثها بروز خطابات “قوى متوسّطة”، مثل إسبانيا، في التأكيد على ضرورة احترام قواعد الشرعية الدولية، كما تجلّى في تصريح رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز (4/3/2026)، حول رفضه حرب إيران، رغم التهديدات الأميركية بفرض عقوبات على بلاده، ورفض مدريد تكرار أخطاء الماضي في حرب العراق، و”عدم إمكانية حلّ المشكلات الدولية عبر القنابل والحروب، وأنّ الحلّ الحقيقي يكمن في الحلول السياسية والدبلوماسية واحترام القانون الدولي”.

تتعلّق الملاحظة الثالثة بالأبعاد الإقليمية للحرب، التي تضيف حتماً عوامل تُعزّز محرّكات الصراع الإقليمي في الشرق الأوسط، بالتوازي مع استمرار المعضلة الأمنية (Security Dilemma)، في نظام إقليمي يتّسم بالتنافس الشديد، والتشابكات المعقّدة مع النظام الدولي، خصوصاً في هذه المرحلة الانتقالية التي يمرّ بها النظامان الدولي والإقليمي.

وعلى الرغم من أنّ قرار إنهاء الحرب هو بيد الرئيس ترامب، يمكن أن تسهم ضغوط الأطراف غير المباشرة في الحرب (دول الخليج، تركيا، باكستان، مصر) في إعادة واشنطن إلى سياسة أكثر توازناً، بدلاً من اختزال كلّ شيء في المصلحة الاستراتيجية الإسرائيلية، على نحو يؤدّي إلى إطالة المعركة مع إيران، بسبب تمادي إسرائيل في توظيف هشاشة النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، وتوظيف ضعف ردّات فعله على “تغوّلها” في المنطقة برمّتها.

وإذ تتسارع عجلة الحرب في إيران والخليج والإقليم، فمن نافل القول إنّ العلاقات الخليجية الإيرانية، لا سيّما السعودية الإيرانية، قد انحدرت إلى “حضيض سحيق” بسبب أخطاء استراتيجية الأمن القومي الإيراني التي استهدفت دول الخليج كلّها، بما فيها عُمان وقطر، الوسيطان الأساسيان في الصراع الأميركي الإيراني، من دون تقدير لتصاعد الغضب الخليجي والعربي من تصدير طهران صراعها مع واشنطن إلى دول الخليج التي تمثّل إحدى البوابات المهمّة لإيجاد مخرج من هذه الحرب المجنونة، نتيجة تحوّل الصراع الإسرائيلي الإيراني على مكانة القوة الإقليمية الأولى إلى “نزاع صفري” (Zero-Sum Game).

وبناءً عليه، يسير إقليم الشرق الأوسط حثيثاً نحو مرحلة من “التعقيد الشديد”، لعدّة أسباب؛ أوّلها احتدام الصراع الإيراني الأميركي (بتحريض إسرائيلي واضح). وثانيها تصاعد/ تداخل أدوار قوى إقليمية من خارج الإقليم (الهند، باكستان، إندونيسيا، أذربيجان، إثيوبيا… إلخ). وثالثها احتمال تراجع دورَي الفاعلين الإيراني والإسرائيلي، في المديين المنظور والمتوسّط، على نحو يطرح سؤالاً جوهرياً عن القوى الإقليمية والدولية التي يمكنها توظيف هذا التراجع (روسيا، الصين، إسبانيا، تركيا، الهند، باكستان… إلخ). ورابعها زيادة التشابك في مسارح الصراعات الدولية والإقليمية، نتيجة تصاعد الصراع بين السياسات الأميركية والإسرائيلية والأوروبية من جهة، وبين السياسات الروسية والإيرانية من جهة أخرى؛ ما يعني عملياً صعوبة الفصل بين تسوية أيّ من هذه الصراعات بمعزل عن الأخرى، بسبب تداخلها لتشكّل ساحة جيوسياسية واحدة، كما يتجلّى في “العجز الإقليمي” عن وقف حرب إبادة غزّة، الذي شجّع على تغوّل إسرائيل على منطقة المشرق العربي، خصوصاً سورية ولبنان، وأدّى في المحصّلة إلى تصاعد الصراع في البحر الأحمر، والانخراط اليمني/ الحوثي في مساندة الشعب الفلسطيني المحاصر… إلخ.

تتعلّق الملاحظة الرابعة بتعقيدات البعد الداخلي الإيراني؛ إذ تقترب طهران من خوض “صراع وجودي” بعد اغتيال علي خامنئي، وذلك على الرغم من أنّ إيران تسعى إلى كسر التوافق الأميركي الإسرائيلي، وسحب موقف واشنطن بعيداً عن رغبة نتنياهو في “صراع صفري” مع النظام الإيراني، تمهيداً لإسقاطه في نهاية المطاف، كما سلف القول. والحقّ أن تصعيد الحرب على إيران وطول مدّتها سيؤدّيان إلى نتيجتَين؛ إحداهما تصاعد دور الحرس الثوري، وتحكّمه بمفاصل القرار الاستراتيجي، كما يكشف تصريح الناطق باسم الحرس الثوري علي محمّد نائيني (8/3/2026) إن القوات المسلّحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية قادرة على مواصلة حرب ضارية مدّة ستّة أشهر على الأقلّ بالوتيرة الحالية للعمليات ضدّ الولايات المتحدة وإسرائيل. والأخرى تآكل الواجهة السياسية للبلاد (لمصلحة الحرس الثوري)، ما يؤكّد ارتباك القرار الاستراتيجي الإيراني، على نحو ما ظهر في استهداف أراضي الوسيطين العُماني والقطري، كما ذكر آنفاً، بغية رفع الكلفة الاستراتيجية على واشنطن ودفعها لطلب وقف الحرب، بدلاً من توجّهها نحو مغامرات أكبر (مثل التوغّل الأميركي البرّي، أو توظيف ورقة أكراد إيران لتسريع تفكّك الدولة، أو تحريك الشارع الإيراني ضدّ النظام… إلخ).

إجمالاً لما تقدّم، تظلّ تداعيات الجولة الثانية من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران مفتوحةً على سيناريوهات مختلفة، لأنّها تشكّل “نقطة فاصلة” في تاريخ المنطقة والعالم، في ظلّ ثلاثة أمور متداخلة: أوّلها تصاعد أخطار تطوّر التحالف الأميركي الإسرائيلي على الخليج والإقليم والعالم. ثانيها تضخيم تل أبيب لتوقّعاتها بشأن آفاق التطبيع الإقليمي معها، خصوصاً بعد زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إسرائيل (25 و26 فبراير/ شباط 2026)، وعودة إسرائيل للحديث عن تحالفها مع اليونان وقبرص. وثالثها وجود فرصة أمام إقليم الشرق الأوسط، في حال “تماسكه” وتطوير قدرته على الضغط على واشنطن، لوقف هذه الحرب الضروس، وصولاً إلى بلورة “ائتلاف عالمي” يتعامل مع تصاعد تحدّيات سياسات المحور الأميركي الإسرائيلي في فلسطين والإقليم، على نحو يُعيد الاعتبار إلى قواعد القانون الدولي، ويُعظّم إمكانية الوساطات الدولية والإقليمية، لإعادة لغة الحوار والدبلوماسية، بغية التصدّي لغياب نمط صنع القرار الرشيد العقلاني، وتصاعد الأبعاد المسيانية الغيبية، وأوهام “النصر المطلق” لدى كلّ من ترامب ونتنياهو، التي تؤدّي في المحصّلة إلى “اتساع الخرق على الراتق”، وبلوغ نقطة “اللا عودة”، في سيناريو “الفوضى الإقليمية الشاملة” التي ستأكل الأخضر واليابس في المنطقة والعالم بأسره.

العربي الجديد

——————————-

مؤشرات لتراجع أمريكي أم مناورة لبدء الغزو؟

كرر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في مقابلة على “فوكس نيوز” ما قاله تقريبا نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، حول المطالب الأمريكية خلال المفاوضات الجارية مع إيران. تمسّك المسؤولان الكبيران بمنع إيران من الحصول على يورانيوم مخصّب يسمح لها بإنتاج قنبلة نووية، وموافقتها على التخلص من ترسانتها من الصواريخ.

بعد ذلك بساعات أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصريحات خصّ بها شبكة “إن بي سي” نيوز، بدا فيها أنها تلتفّ على الأهداف عالية السقف التي أطلقها قادة أمريكا وإسرائيل التي تدرّجت من إسقاط النظام الإيراني (حسب خطة الموساد التي كانت أساس إعلان الحرب)، مرورا بإنهاء المشروع النووي (الذي كان قد سبق لترامب أن قال أنه قضى عليه في حرب الإثني عشر يوما في حزيران/ يونيو 2025)، وصولا إلى مسألة القضاء على القوة العسكرية لإيران (القاعدة التصنيفية وأسلحة الجو والبحر والصواريخ)، والتخلص من الميليشيات الموالية لها في المنطقة.

حسب تلك التصريحات فإن الولايات المتحدة ستغادر إيران في غضون أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع لأنه، على حد قول ترامب، “ما من سبب يستدعي بقاءنا”، وأنه “لا يكترث بالمواد النووية” (الهدف الأول من حربي حزيران/يونيو وشباط/فبراير)، وأن “هناك تغييرا كاملا للنظام في إيران”، وهو انقلاب مثير للسخرية على هدف إسقاط النظام.

تتفوق الحاجة إلى الخروج السريع من الحرب، و”الهبوط عن الشجرة”، حسب هذه الأقوال، على حصول اتفاق حتى مع إيران، فحسب قوله إنه لا داعي لأن تبرم إيران الاتفاق من أجل إنهاء العملية العسكرية، وهو ما يتناقض مع قاله في اللقاء نفسه عن أن إدارته “تجري حاليا مفاوضات مع قادة إيرانيين أكثر اعتدالا”، وأن الحرب (أي عمليات اغتيال القادة العسكريين) أدت إلى “تغيير كامل للنظام”!

هناك تحليلات أخرى أوردتها صحف غربية، تتساءل إن كان ترامب يخطط لغزو بري لإيران يوم “الجمعة العظيمة”، وهي تحليلات تؤطر تصريحات الرئيس الأمريكي المتناقضة ضمن عنوان “الغموض المسلّح”، حيث تتقلّب التصريحات بين إعلان الانتصار والتلويح بالانسحاب، مما يهدئ الأسواق العالمية، إلى التهديد بـ”محو كامل” لإيران، وبحشد عشرات آلاف الجنود لتنفيذ خطط غزو الجزر الإيرانية.

ترى هذه التحليلات أن التحرّكات العسكرية الأمريكية دخلت مرحلة التنفيذ الفعلي مع وصول عديد القوات الأمريكية في المنطقة إلى 50 ألف جندي، وذلك بالتزامن مع تسجيل مئات الرحلات الجوية العسكرية، مما يدل على تصعيد لوجستي واسع النطاق. سبب توقع إعلان بدء الغزو البري مع “الجمعة العظيمة” هو أن الأسواق الأمريكية والأوروبية تكون مغلقة لثلاثة أيام.

ما لا تختلف عليه التحليلات، في النهاية، هو أن الدخول البري المتوقع إلى جزيرة خرج، وفتح مضائق هرمز، مع احتمال توجيه “ضربة نوعية” لإيران، سيعني، بالضرورة، حصول تصعيد كبير يمكن أن يتدرّج إلى حرب استنزاف طويلة، وغرق الجيش الأمريكي في الجغرافيا الإيرانية المعقدة.

القدس العربي

———————————

حرب بلا حسم: 3 روايات تتصارع في الشرق الأوسط/ سوسن مهنا

يمكن قراءة المرحلة الحالية كنصر عسكري غير مكتمل وتفاوض غير ناضج وتحالفات متصدعة

الخميس 2 أبريل 2026

يتجه المشهد الحالي نحو مسارين، إما فرض تسوية قسرية تترجم ميدانياً إلى تهدئة هشة، تبقي جذور الصراع قائمة وتؤجل الانفجار، أو الانزلاق إلى تصعيد أوسع نتيجة خطأ في الحسابات أو فشل التفاوض. وفي الحالتين، لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى اختبار مزدوج لقدرة الولايات المتحدة على فرض نظام ردع جديد، ولقدرة إيران على الصمود ضمن معادلة استنزاف طويلة.

في لحظة إقليمية شديدة الانكشاف يقف الشرق الأوسط عند تقاطع ثلاث روايات متناقضة، رواية أميركية تعلن اقتراب “النصر”، ورواية إيرانية ترفض الاستسلام وتتمسك بشروطها، وواقع ميداني يكشف عن أن الحرب لم تحسم بعد بل دخلت مرحلة إعادة تعريف الأهداف.

في خطابه الأخير، حاول الرئيس الأميركي دونالد ترمب تثبيت صورة انتصار سريع، معلناً أن العمليات العسكرية “اقتربت من تحقيق أهدافها” وأن القدرات الإيرانية “تعرضت لضربات قاسية”، مع تهديد واضح بمواصلة القصف إذا لم تستجب طهران، بل وذهب إلى حد القول إن بلاده قادرة على “إعادتها إلى العصور الحجرية” إن لزم الأمر.

لكن خلف هذا الخطاب الحاسم، تكشف المعطيات أن الحرب لم تقفل سياسياً ولا عسكرياً. فالإدارة الأميركية لم تقدم حتى الآن تصوراً واضحاً لنهاية العمليات أو شكل “ما بعد إيران” الحالية، خلال وقت لا تزال فيه قضايا جوهرية عالقة، مثل مصير البرنامج النووي الفعلي وحجم المخزون المخصب وضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز.

هذا الغموض يتقاطع مع مسار تفاوضي لم ينقطع بالكامل، إذ استمرت قنوات الاتصال غير المباشر بين واشنطن وطهران حتى خلال العمليات، ووصفت في مراحل سابقة بأنها “منتجة”، قبل أن تتجمد عملياً تحت ضغط التصعيد العسكري وتضارب الشروط بين الطرفين.

المفارقة أن ترمب نفسه يعكس هذا التناقض، فمن جهة يعلن أن إيران “تريد التفاوض” وأن الحرب أوشكت على نهايتها، ومن جهة أخرى يربط أي وقف لإطلاق النار بشروط قصوى تتعلق بإعادة فتح هرمز والتخلي عن عناصر القوة الاستراتيجية، مما يجعل التفاوض أقرب إلى أداة ضغط عسكرية منه إلى مسار تسوية حقيقي.

في موازاة ذلك، برز عامل جديد يعيد تشكيل التوازن الدولي، شبه غياب لحلف شمال الأطلسي (الناتو) عن المشاركة الفعلية في الحرب. فالدول الأوروبية الأساس اختارت النأي بنفسها عن الانخراط المباشر مكتفية بمواقف سياسية أو دعم دفاعي محدود، ورافضة استخدام قواعدها لعمليات هجومية واسعة. هذا التباعد دفع ترمب إلى تصعيد غير مسبوق ضد الحلف، واصفاً إياه عملياً بأنه غير فاعل ومهدداً بإعادة النظر في التزام واشنطن به أو حتى الانسحاب منه.

نصر عسكري غير مكتمل

هذا المشهد يكشف عن أن الحرب لم تعد فقط مواجهة مع إيران، بل تحولت أيضاً إلى اختبار عميق لبنية التحالفات الغربية نفسها. فبينما تقاتل الولايات المتحدة وإسرائيل عملياً في محور واحد، يظهر انقسام واضح داخل المعسكر الغربي حول حدود المشاركة وكلفة الحرب وأخطارها على الاقتصاد العالمي، خصوصاً مع الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد.

بالتالي، يمكن قراءة المرحلة الحالية كنصر عسكري غير مكتمل وتفاوض غير ناضج وتحالفات متصدعة، لا الحرب انتهت فعلياً على رغم خطاب الحسم ولا المفاوضات نضجت على رغم استمرار قنواتها، ولا “الناتو” بقي متماسكاً كما في أزمات سابقة. وهذه الثلاثية هي التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة، إما بالانتقال إلى تسوية مضبوطة تعيد ترتيب التوازنات، أو الانزلاق نحو مرحلة أكثر خطورة تتسع معها الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني.

سيناريو فشل المفاوضات وتداعياته الإقليمية

هنا يبرز سؤال محوري، ماذا لو فشلت المفاوضات؟ وما التداعيات الإقليمية؟

في التقدير الاستراتيجي، أي اتفاق حول الملف الإيراني لن يقاس فقط بما إذا كان يوقف النار أو يخفف العقوبات، بل بقدرته على كبح ثلاث دوائر خطر دفعة واحدة، الخطر النووي وخطر الاشتباك الإقليمي المتعدد الساحات وخطر تعطل شريان الطاقة العالمي في مضيق هرمز. وهذا مهم لأن السوق لا يسعر الخطاب السياسي بحد ذاته، بل يسعر احتمال عودة الإمدادات ومستوى الأخطار على الملاحة، وإمكان اتساع الحرب.

وعملياً، دخل السوق بالفعل مرحلة تسعير الخطر، فوكالة الطاقة الدولية قالت إن الحرب منذ الـ28 من فبراير (شباط) الماضي، عطلت جزءاً كبيراً من الإمدادات الإقليمية، وأدت إلى شبه توقف في حركة الناقلات عبر هرمز، وإلى تكدس مئات الناقلات وتهديد صادرات كبار المنتجين، مما يضع ضغطاً هائلاً على أمن الطاقة العالمي، مع اضطراب يقارب 20 مليون برميل يومياً من الخام والمنتجات.

فيما سجل سعر النفط القياسي العالمي خام “برنت” أكبر ارتفاع شهري له على الإطلاق خلال مارس (آذار) الماضي، وارتفع بنسبة 59 في المئة خلال الشهر، ليصل إلى أكثر من 115 دولاراً للبرميل، متجاوزاً الرقم القياسي السابق البالغ 46 في المئة والمسجل خلال سبتمبر (أيلول) 1990 عقب حرب الخليج، قبل أن يتراجع إلى حدود 92 دولاراً وقت إعداد تقرير الوكالة.

وعليه، إذا توصل إلى اتفاق فعال فالتأثير الأول لن يكون انفراجاً كاملاً بل إزالة جزء من علاوة الأخطار، والسبب أن جذور الأزمة ليست سياسية فحسب بل تشغيلية أيضاً، إذ يمر عبر هرمز نحو 20 مليون برميل يومياً، أي قرابة 25 في المئة من تجارة النفط البحرية العالمية، بينما لا تتجاوز السعة البديلة القابلة لإعادة التوجيه 3.5 إلى 5.5 مليون برميل يومياً تقريباً، وفق تقارير.

لذلك، يكفي أن تقتنع السوق بأن التهديد على الملاحة تراجع وأن مسار التفاوض أصبح قابلاً للاستمرار، حتى ينخفض السعر سريعاً من مستوى سعر الحرب إلى مستوى أقرب إلى أساسات العرض والطلب. لكن الانخفاض لن يكون بالضرورة حاداً أو فورياً إذا بقي تنفيذ الاتفاق بطيئاً أو غامضاً، لأن السوق ستحتفظ بجزء من علاوة الخطر إلى أن يختبر عملياً سلامة المرور البحري واستقرار الصادرات الخليجية.

تجميد للتصعيد وليس تسوية شاملة

أضف إلى أن أثر الاتفاق على الاستقرار الإقليمي سيكون في أفضل الأحوال تجميداً للتصعيد أكثر منه تسوية شاملة. فالوكالة الدولية للطاقة الذرية أكدت أن المفاوضات الأميركية-الإيرانية كانت جارية خلال الـ26 من فبراير الماضي، وأن نجاحها قد ينعكس إيجاباً على ملف الضمانات.

لكنها في الوقت نفسه أوضحت أن الوكالة لا تملك منذ أكثر من ثمانية أشهر وصولاً كافياً للتحقق من بعض المخزونات والمواد النووية في المواقع المتأثرة، وأنها لا تستطيع حالياً تقديم ضمانات كاملة، في شأن عدم تحويل المواد النووية المعلنة، عن الاستخدام السلمي في تلك المواقع. معنى ذلك أن أي اتفاق، حتى لو أعلن سياسياً، سيبقى في حاجة إلى فترة تحقق فني وزمني. ومن هنا، فإن أثره الإقليمي المرجح هو خفض احتمال الحرب الكبرى لا إنهاء كل ساحات التوتر فوراً.

في المقابل، سيعيد تعثر المفاوضات أو انهيارها الأزمة إلى منطق الردع بالنار بدل الردع بالتفاهم، وهنا يصبح سوق النفط أول من يتلقى الصدمة.

لماذا؟ لأن هرمز ليس مجرد ممر نفطي بل عقدة تمس الخام والمنتجات والغاز المسال معاً. وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن تعطل المضيق لا يهدد فقط صادرات الخام الخليجية، بل أيضاً نحو 19 في المئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، مع اعتماد شبه كامل لصادرات قطر والإمارات من LNG (نوع من الغاز الطبيعي المسال) على هذا الممر.

وأي فشل للمفاوضات لا يعني فقط ارتفاع البنزين أو الديزل، بل يفتح موجة أوسع من ارتفاع كلف الكهرباء والصناعة والشحن في آسيا وأوروبا، حتى لو كانت أوروبا أقل اعتماداً مباشرة من آسيا على نفط هرمز نفسه.

السيناريو الأخطر

ويتمثل السيناريو الأخطر في حال الفشل هو ألا يحصل إغلاق كامل للمضيق، بل تعطيل انتقائي وممتد. هذا النوع من التعطيل قد يكون أكثر إرباكاً للسوق من الإغلاق الصريح، لأنه يخلق بيئة ضبابية، بعض السفن تمر وأخرى تتأخر وبعض الدول تعامل كـ”غير معادية”، وأخرى تمنع أو تخضع لقيود خاصة. وأبلغ مجلس الأمن والمنظمة البحرية الدولية رسمياً من الجانب الإيراني بإطار يسمح بمرور “السفن غير المعادية” فحسب، مما يعني أن عنصر الانتقائية دخل فعلاً في المعادلة، وفعلياً أفادت شبكة “سي بي أس” الأميركية، الأول من أبريل (نيسان) الجاري، ونقلاً عن بيانات ملاحية، بأن 71 في المئة من السفن التي عبرت ​مضيق هرمز​ لإيران، أو جزء من أسطول الظل المرتبط بنفطها، مشيرة إلى أن سفن أسطول الظل الإيراني شكلت 88 في المئة من عمليات العبور في مضيق هرمز خلال الأسبوع الماضي.

واقتصادياً، هذا أخطر من مجرد حدث عسكري عابر، لأنه يحول تدفق الطاقة من سوق عالمي موحد إلى تدفق مشروط سياسياً وأمنياً، فتزداد فروق الأسعار، وتتعاظم كلفة الشحن، ويرتفع هامش الخوف في العقود الآجلة.

تحريك ساحات الاستنزاف

من الناحية الإقليمية، سيدفع فشل المفاوضات كل الأطراف إلى توسيع أوراق الضغط غير المتماثلة، وستسعى إيران غالباً إلى التعويض عن ضعفها في ساحة المواجهة المفتوحة عبر الضغط البحري، وتحريك ساحات الاستنزاف المحيطة، ورفع كلفة الحرب على خصومها وجيرانها، من دون الذهاب بالضرورة إلى معركة كلاسيكية شاملة.

في المقابل، ستعد كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، أن فشل التفاوض أسقط جدوى الاحتواء، مما يفتح الباب أمام ضربات أوسع على البنية العسكرية والطاقة والنقل. والنتيجة ستكون ليست فقط استمرار الحرب، بل إعادة إنتاج الإقليم كسلسلة جبهات مترابطة، من الخليج إلى البحر الأحمر والعراق وسوريا ولبنان. وكلما تعددت الجبهات، ارتفع خطر الخطأ في الحسابات، أي الانتقال من رسائل النار المضبوطة، إلى انفجار يصعب تطويقه.

ثلاثة مستويات من الارتفاع

أما في سوق النفط، فإن فشل المفاوضات يخلق ثلاثة مستويات من الارتفاع، المستوى الأول وهو زيادة الخطر الجيوسياسي المباشرة، وظهرت بالفعل في قفزة الأسعار منذ نهاية فبراير الماضي.

أما المستوى الثاني فيتمثل بالخوف من فقدان إمدادات مادية حقيقية، خصوصاً أن البدائل اللوجيستية المتاحة لا تعوض إلا جزءاً محدوداً من نفط هرمز.

وبالنسبة إلى المستوى الثالث فهو الأثر الاقتصادي الارتدادي، إذ إن وكالة الطاقة الدولية خفضت بالفعل توقع نمو الطلب العالمي عام 2026، لأن ارتفاع الأسعار واضطراب المنطقة أضعفا النشاط وخفضا الاستهلاك المتوقع خلال مارس وأبريل 2026 بأكثر من مليون برميل يومياً في المتوسط مقارنة بالتقديرات السابقة.

وهذا يعني أن صدمة الفشل قد ترفع الأسعار من جهة، لكنها في الوقت نفسه تسرع تباطؤ النمو العالمي من جهة أخرى، أي مزيج نفط مرتفع ونمو أضعف، وهو أسوأ تركيب للأسواق والحكومات المستوردة للطاقة.

وكانت وكالة الطاقة الدولية أفادت خلال بداية العام الحالي بأن السوق تتجه نحو أكبر فائض في المعروض، يتجاوز 4 ملايين برميل يومياً خلال النصف الأول من عام 2026، مع متوسط سنوي يزيد على 3.7 مليون برميل يومياً. وفي المقابل، أشارت تقديرات مستندة إلى أرقام “أوبك” حينها، إلى سوق أقرب بكثير إلى التوازن، مع فائض محدود لا يتجاوز في المتوسط نحو 600 ألف برميل يومياً خلال العام.

وكان رجح خمسة من مندوبي “أوبك+” لوكالة “رويترز” أن يبقي التحالف على قرار تعليق زيادات إنتاج النفط لشهر مارس الماضي، وجاء ذلك على رغم ارتفاع سعر خام “برنت” إلى ما يزيد على 70 دولاراً للبرميل، وذلك خلال يناير (كانون الثاني) الماضي، أي قبل أن تبدأ العمليات العسكرية في المنطقة.

تعميم أو احتواء للصدمة؟

ومن هنا، فإن التداعيات الإقليمية لفشل المفاوضات لن تكون متساوية بين الدول، فالدول الخليجية المصدرة قد تستفيد مالياً من ارتفاع السعر إذا بقيت صادراتها سالكة جزئياً، لكنها تتضرر أمنياً إذا أصبحت منشآتها وممراتها تحت خطر دائم. والدول المستوردة للطاقة في المنطقة، وعلى رأسها الاقتصادات الهشة، ستدفع الثمن سريعاً عبر كلفة المحروقات والكهرباء والنقل والتضخم، وهذا ما بدا واضحاً في الأسواق اللبنانية على سبيل المثال. وستشعر أوروبا وآسيا بالأثر عبر السعر العالمي أكثر من الاعتماد المباشر وحده، لأن النفط سلعة مسعرة عالمياً حتى عندما لا تأتي كل البراميل من هرمز. لهذا، فإن فشل التفاوض لن يبقي الأزمة شرق أوسطية فحسب، بل سيتحول إلى أزمة تضخم وطاقة وتجارية عابرة للأقاليم.

وعليه وتبعاً للمعطيات السابقة، إذا كان الاتفاق قابلاً للتحقق والتنفيذ سيخفض احتمال الحرب الكبرى ويضغط على أسعار النفط نزولاً عبر سحب جزء مهم من علاوة الأخطار، لكنه لا يلغي فوراً هشاشة الإقليم ولا يضمن عودة كاملة وسريعة إلى ما قبل الأزمة. أما في حال فشل المفاوضات، وهو السيناريو الأعلى كلفة، سيوسع من رقعة عدم الاستقرار وسيطيل أمد عسكرة الملاحة والطاقة، ويرفع من احتمال بقاء النفط عند مستويات مرتفعة ومتقلبة، مع انتقال الأثر من الجغرافيا الأمنية إلى الاقتصاد العالمي. وباختصار، إن نجاح التفاوض قد يعني احتواء الصدمة، أما فشله فيعني تعميمها، في الإقليم والأسواق معاً.

مرحلة اللاحسم المدار

في المحصلة، ما يجري اليوم لا يمكن اختزاله بانتصار سريع كما يحاول الخطاب الأميركي تصويره، ولا بصمود مطلق كما تروج طهران، بل هو انتقال إلى مرحلة أخطر، مرحلة اللاحسم المدار، إذ إن تصريحات دونالد ترمب تجمع بين إعلان تحقيق الأهداف، والتهديد بمزيد من التصعيد، وتكشف عن أن واشنطن نفسها لم تحسم خيارها النهائي بين إنهاء الحرب أو توسيعها، بل تستخدم القوة العسكرية كأداة لفرض شروط تفاوضية أعلى. وفي المقابل، فإن استمرار القنوات غير المباشرة مع إيران، على رغم الضربات، يؤكد أن باب التسوية لم يغلق، لكنه بات مشروطاً بتوازنات ميدانية لا تزال تتبدل.

والأهم أن غياب حلف شمال الأطلسي عن الانخراط المباشر لم يعد تفصيلاً، بل مؤشر إلى تحول عميق في طبيعة التحالفات الغربية. فهذه الحرب كشفت عن أن واشنطن قد تجد نفسها تقاتل في ملفات كبرى خارج الإجماع الغربي التقليدي، وأن أوروبا لم تعد مستعدة لدفع كلفة مواجهة مفتوحة في الشرق الأوسط، خصوصاً مع الأخطار الاقتصادية المرتبطة بالطاقة وسلاسل الإمداد. وهذا ما يفسر التصعيد السياسي الأميركي تجاه الحلف، والذي يعكس توتراً استراتيجياً يتجاوز إيران نفسها.

وبناءً عليه فإن المشهد الحالي يتجه نحو أحد مسارين، إما فرض تسوية قسرية تترجم ميدانياً إلى تهدئة هشة تبقي جذور الصراع قائمة وتؤجل الانفجار، أو الانزلاق إلى تصعيد أوسع نتيجة خطأ في الحسابات أو فشل التفاوض. وفي الحالتين، لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية بل تحولت إلى اختبار مزدوج لقدرة الولايات المتحدة على فرض نظام ردع جديد، ولقدرة إيران على الصمود ضمن معادلة استنزاف طويلة. وبين هذين الحدين، يبقى الإقليم أمام واقع مفتوح، إذ لا شيء انتهى بعد، وكل ما يُقال عن “نهاية الحرب” هو حتى الآن جزء من معركة الروايات لا أكثر.

————————–

 حقائق المشرق الجيوسياسية: ما تؤكده الحرب وما تنفيه/ بشير نافع

29 مارس 2026

الحرب التي اندلعت بالهجوم على إيران، في 28 فبراير/شباط2026 ، واتسعت لتستهدف لبنان، وشهدت ردًّا إيرانيًّا في كافة الاتجاهات استهدف إسرائيل وأهدافًا في جوار إيران العربي، ليست سوى جولة أخرى في حرب طويلة بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2023. وهذه الحرب، حرب العامين ونصف العام، هي الأطول على الإطلاق في تاريخ المشرق الحديث، وهي حرب محدودة، والأكثر اتساعًا في الوقت نفسه. الأكثر اتساعًا لأنها استهدفت الجغرافيا المشرقية في جهاتها الأربع، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وحرب محدودة، لأنها لم تمتد إلى خارج حدود المشرق العربي-الإسلامي إلا بظلال خفية وعابرة، وبتوقعات لم يزل ثمة شك في تحققها.

وهذه الحرب هي الأكثر أهمية والأوقع أثرًا من سلسلة الحروب العربية-الإسرائيلية بعد 1948، ومن كافة الحروب الأخرى التي شهدها المشرق، من الحرب العراقية-الإيرانية، إلى حربي الخليج الأولى والثانية. ليس لأنها الحرب الأطول وحسب، ولا لأنها بدأت بالاشتباك في فلسطين التي لم تنفك تمثل بؤرة الصراع الأكثر اشتعالًا منذ سبعين عامًا، ولا لأنها شهدت في جولتها الأخيرة أول عمل عسكري/سياسي أميركي/إسرائيلي فعلي، ولكن أيضًا لأنها تستهدف كافة دول المشرق بلا استثناء.

ويمكن القول: إنها لذلك كله تعيد التوكيد على حقائق جيوسياسية، ما كان لها أن تخفى عن قادة الحكم ورجال الدولة وعن الرأي العام. كما أنها أظهرت هشاشة قناعات جيوسياسية، كانت إلى الأمس القريب تبدو وكأنها مسلَّمات ليست عرضة للتساؤل أو الشك.

مجال الحرب

بدأت الحرب بمواجهة قصيرة ومحدودة بين مقاومين فلسطينيين في قطاع غزة والقوات الإسرائيلية في جوار القطاع. ولكنها سرعان ما اتسعت في جولتها الأولى لتصل إلى لبنان، وإلى هجوم إسرائيلي على إيران بهدف اغتيال قيادات فلسطينية، وإلى تبادل قصف منخفض الوتيرة بين إسرائيل وإيران. ولأن الحوثيين في شمال اليمن عملوا على محاولة إيقاف الملاحة الأميركية-الإسرائيلية في باب المندب، وتعهدوا عدة هجمات صاروخية وبطائرات مسيرة على إسرائيل مسانَدةً للمقاومة الفلسطينية، تعرض اليمن لغارات إسرائيلية مدمرة طوال العامين الأولين للحرب، وأخرى أميركية لفترة أقصر.

ولم تكد جولة الحرب الأولى تنتهي حتى قامت إسرائيل بقصف مجمع سكني في العاصمة القطرية، التي كانت تقوم بدور وساطة رئيسي في مفاوضات وقف النار، بهدف اغتيال قيادات المقاومة الفلسطينية في الخارج.

 أدَّت الحرب في عامها الأول إلى تبلور توازن قوى إقليمي جديد في المشرق، ساعد بصورة غير محسوبة ولا متوقعة على إطاحة نظام الأسد وانتصار الشعب السوري بعد 15 عامًا دامية ومريرة من الثورة. ولأن إسرائيل رأت في الدولة السورية الجديدة مصدر تهديد، سارعت إلى إطلاق هجمات واسعة على مقدرات سوريا العسكرية وإلى التوغل في الجانب السوري من الجولان. كما تسببت الحرب في تزايد حدة التوتر بين تركيا وإسرائيل، بعد أن اتخذت تركيا موقفًا متعاطفًا مع الفلسطينيين، وبدا وكأنها توشك أن تعزز من وجودها في سوريا.

ولم تلبث الحرب أن ولدت حربًا أخرى على إيران، استمرت لاثني عشر يومًا، شاركت فيها الولايات المتحدة بدور جانبي ومحدود، بهدف تدمير المقدرات النووية الإيرانية. ولم تكن حرب الاثني عشر يومًا محدودة بالجغرافيا الإيرانية، لأنها استهدفت أيضًا مواقع لميليشيات عراقية عُرفت بالولاء لإيران، في موازاة استمرار الهجمات على لبنان واليمن.

في جولتها الأخيرة، اندلعت الحرب بهدف إسقاط نظام الحكم الإيراني أو إحداث تغيير جوهري في قيادته ووجهته الإستراتيجية. ولذا، فقد بدأت هذه الجولة بمحاولة إبادة أكبر عدد ممكن من القيادة الإيرانية، بمن في ذلك المرشد الأعلى، وأوقعت التدمير بآلاف المواقع العسكرية والبحرية والأمنية والصناعية والجامعية، إضافة إلى مواقع اتصال وتحكم. وسرعان ما امتدت الحرب إلى لبنان، الذي تعرَّض لهجمات تدميرية في جنوبه وفي ضاحية عاصمته الجنوبية والبقاع، وإلى عشرات محاولات الاغتيال؛ إضافة إلى توغل بطيء ومستمر للقوات الإسرائيلية في المنطقة جنوبي الليطاني.

ولأن إيران نظرت إلى الحرب عليها بوصفها حربًا وجودية، فقد تبنَّت مقاربة شمولية للرد، لم تستند إلى مسوغات قانونية أو أخلاقية ولم تفرِّق في ردِّها بين إسرائيل وجوارها العربي-الإسلامي، الذي لم تعلن ولا دولة من دوله موافقتها على الحرب أو المشاركة فيها. قصفت إيران أهدافًا عسكرية وأمنية واستخباراتية في إسرائيل، كما استهدفت مواقع تمركز أميركية في الجوار العربي، إضافة إلى موانئ تحميل نفط ومَصَافٍ للبترول وإنتاج الغاز المسال، مدعية تبعيتها لشركات أميركية.

وعلى الرغم من أن مسؤولين إيرانيين كبارًا أنكروا الهجوم الصاروخي على عُمان، وإطلاق صاروخين إلى المجال الجوي التركي، إلا أن الأرجح أن إيران كانت مصدر هذه الصواريخ وأن المقصود منها كان الإنذار والتهديد.

وكما دفعت إيران حزب الله في لبنان للمشاركة في الرد على الحرب الأميركية-الإسرائيلية، كذلك فعلت في العراق؛ حيث شاركت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران في قصف أهداف في دول الخليج العربية، وفي قصف مواقع تتبع المعارضة الإيرانية الكردية في الشمال العراقي. ولكن الإقليم الكردي في شمال العراق كان هدفًا أيضًا لهجمات صاروخية إيرانية، استهدفت مواقع تمركز للقوات الأميركية، ومعسكرات ومكاتب للمعارضة الإيرانية الكردية، ومنشآت نفطية.

نجم عن حرب العامين ونصف العام، حتى الآن، دمار إبادي لقطاع غزة ومقتل عشرات الآلاف من سكانه، ودمار مشابه لبلدات وقرى الشريط الحدودي اللبناني وأجزاء واسعة من ضاحية بيروت الجنوبية، ودمار محدود لموانئ ومعسكرات ومحطات توليد طاقة يمنية. في سوريا، استهدفت الحرب تدمير كل ما تبقى من السلاح الثقيل والطائرات المقاتلة والطائرات المروحية بعد إطاحة النظام السابق، وإلى تمركز القوات الإسرائيلية في الجانب السوري من خط فصل القوات بأعماق مختلفة. كما نجم عنها دمار واسع النطاق، لم تتكشف أبعاده بعد، لمقدَّرات الشعب الإيراني ومؤسسات دولته؛ وتدمير لمواقع نفط وغاز، ومحطات تصدير نفط وغاز، وأهداف مدنية أخرى في دول الخليج والعراق.

تسببت الحرب في خفض كبير في دخل دول الخليج والعراق، التي يشكِّل تصدير النفط والغاز مصدر دخلها الرئيس. ولأن الحرب لم تزل مستمرة، فليس من الممكن بعد تقدير حجم التراجع في دخل هذه الدول. كما تسببت الحرب في تهجير ما لا يقل عن ثمانية ملايين من الفلسطينيين واللبنانيين والإيرانيين من مدنهم وبلداتهم.

وإن كانت الحرب قد أخفقت، أو تكاد أن تخفق، في تقسيم سوريا وإيران ولبنان، فإنها فاقمت من هشاشة الدولتين، اللبنانية والعراقية، وإن كان بمستويات متفاوتة. في العراق، حيث تتمتع إيران بنفوذ واسع النطاق في أوساط مواطنيه الشيعة، وفي مؤسسات دولته، كشفت الحرب عن غياب فادح لسيادة الدولة على أرضها، وقصور هائل في قدرة الدولة العراقية على السيطرة على شعبها. وإضافة إلى أن الحرب أظهرت عجزًا مشابهًا في قدرات الدولة اللبنانية، فإنها توشك أن تدفع لبنان كله إلى حافة الحرب الأهلية.     

حقائق تؤكدها الحرب

ما تؤكده الحرب بصورة لم يعد ممكنًا منازعتها أن المشرق العربي الإسلامي، الممتد من البحر الأسود إلى خليج عدن، ومن أصفهان إلى القاهرة، يمثل مجالًا جيوسياسيًّا واحدًا. خارج هذا الدائرة، ثمة دائرة أكبر، تحيط بالدائرة الداخلية الصغرى، وتضم عددًا من المجموعات الجيوسياسية. تمثل الهند وباكستان وأفغانستان معًا مجالًا جيوسياسيًّا واحدًا، وكذلك هي دول وسط آسيا المسلمة، ومجموعة دول جنوب القوقاز، ودول البلقان، واليونان وقبرص، وشمال إفريقيا، والسودان ودول القرن الإفريقي.

ترتبط مجموعة دول المجال المشرقي المركزي، أمنيًّا وسياسيًّا وديمغرافيًّا، بصورة وثيقة، وتكاد تكون جميعها، ما عدا إيران، وريثة الرابطة العثمانية. ولكن إرادة ومصالح القوى الخارجية هي التي صنعت معظم كياناتها السياسية، ورسمت حدودها، خلال العقد التالي على نهاية الحرب الأولى.

وإن لم تشترك دول هذا المجال في لغاتها الرسمية، فإنها تشترك في مكوناتها الإثنية المتنوعة، والعابرة للحدود، عربًا وتركًا وكردًا بصورة رئيسية، وهو ما صنع توترًا مديدًا بين أطراف التنوع الديمغرافي للشعوب، والأنظمة التي تحكمها. يشكِّل المسلمون السنَّة الأغلبية العظمى من سكان دول هذا المجال، ما عدا إيران ذات الأغلبية الشيعية، ولكن الطبيعة الخاصة لنمط الاجتماع في هذا المجال حافظ أيضًا على وجود جماعات ملموسة العدد من المسلمين الشيعة والزيدية والإسماعيلية والعلوية والدرزية، إلى جانب جماعات من المسيحيين من أتباع معظم الكنائس؛ وعلى وشائج القرابة بين شعوبها.

هنا، في هذه المجال المشرقي من العالم، وُلِدت أبكر الحضارات الإنسانية. هنا بدأت كتابة التاريخ، وهنا تعلَّم الإنسان كيف يزرع الحقول ويبني المدن، وهنا وضع الإنسان أول الشرائع والقوانين، وهنا وُلدت عقيدة التوحيد وعرف الإنسان ربه وخالقه واتجه إلى عبادة الإله الواحد.

ربطت بلادَ دائرة المشرق المركزية منذ قرون طويلة طرق قوافل التجار والحجيج والباحثين عن العلم والمعرفة، تمامًا كما تربطها اليوم أنابيب النفط والغاز والطرق السريعة وخطوط الطيران والملاحة. وقد برزت هذه المنطقة، منذ القفزات الملموسة في تطور وسائل الاتصال وحركة التجارة في القرن التاسع عشر، بوصفها دائرة جيوسياسية واحدة، الوضع الذي تجلَّى في أكثر صوره وضوحًا خلال الحرب العالمية الأولى، وانتشار الجيش العثماني للقتال، من العراق إلى مصر، ومن البحر الأسود إلى اليمن، ومن غرب إيران إلى البوسفور.

ولم تلبث هذه الوحدة الجيوسياسية أن عادت إلى التجلي في كافة المنعطفات الرئيسة خلال العقود ما بعد الحرب الأولى من القرن العشرين، من تأسيس المملكة العربية السعودية، والثورة الفلسطينية الكبرى في 1936–1939، وقيام إسرائيل في 1948، والحرب الثانية وإعادة احتلال سوريا ولبنان والعراق، والعدوان الثلاثي على مصر، وعقود الحرب الباردة وسياسة الأحلاف، والهزيمة العربية في يونيو/حزيران 1967. وما تعيد توكيده حرب العامين ونصف العام أن إسرائيل مصدر تهديد لكافة جوارها المشرقي، وأن ليس ثمة أمن خليجي بمعزل عن أمن إيران وتركيا والعراق وبلاد الشام، كما أن ليس ثمة أمن تركي بمعزل عن أمن إيراني وعراقي وسوري.

ولا يتعلق أمن هذا المجال بالجانب العسكري وحسب بل بالاقتصاد والتجارة وأنظمة الاتصال واستقرار الاجتماع السياسي. تشترك كل من إيران والعراق وتركيا وسوريا في مواجهة تحديات المسألة القومية الكردية. وتسببت سياسات القمع والتدخل الأجنبي خلال سنوات الثورة السورية في تدفق ملايين اللاجئين في كافة أنحاء المجال الجيوسياسي المركزي، من تركيا إلى لبنان والأردن والسعودية ودول الخليج الأخرى، ومن شمال العراق إلى مصر. ويصعب حسم الصراع الاقتصادي والتجاري في شرق المتوسط دون تفاهم بين تركيا وسوريا ولبنان ومصر. كما ارتبط انهيار الدولة اليمنية، والأثر الذي تركه هذا الانهيار، بتقاطعات سياسية واقتصادية بين دول الخليج والسعودية وإيران والعراق.

ترددت أصداء العدوان على غزة في إيران ولبنان والعراق وتركيا والإمارات وباب المندب، سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا. وحتى بمعزل عن هجمات الطائرات القاذفة والصواريخ والطائرات المسيرة، يكاد إغلاق مضيق هرمز، وتراجع صادرات النفط والغاز العربية، أن يترك آثارًا اقتصادية فادحة على كافة دول الدائرة المركزية، التي يعمل الملايين من أبنائها في دول الخليج.

هذا لا يعني بالضرورة أن هناك فصلًا قاطعًا بين الاعتبارات والمتطلبات الجيوسياسية لدول الدائرة المركزية، ودول الدائرة الخارجية الأكبر. هناك بالطبع صلات وثيقة بين أمن تركيا، من جانب، وأمن دول جنوب القوقاز والبلقان واليونان وقبرص، من جوانب أخرى. ويرتبط أمن السعودية واليمن ومصر، من جانب، بأمن السودان ودول القرن الإفريقي، من جانب آخر. كما أن ثمة علاقات تاريخية، وحسابات توازن قوة، تجمع باكستان والهند بالسعودية ودول الخليج. تمامًا كما تجمع روابط العروبة بين كافة دول المشرق والمغرب العربيين. ولكن هذه الصلات والعلاقات بين دول الدائرة المركزية ودول الدائرة الخارجية الأكبر هي في أغلب الأحيان محدودة وخطِّية الطابع، أو شرطية ومرحلية. في المقابل، تشترك دول الدائرة المركزية في مجال جيوسياسي متداخل، وعضوي، ومستديم، وحيوي.          

حقائق تنفيها الحرب

تجاهلت أنظمة الدولة الحديثة، الدولة القومية المركزية، مواريث البلاد التي تحكمها، وغضَّت النظر عن تنوعات شعوبها، وصنعت تصوراتها لأمنها، في أغلب الأحيان، في أطر قومية حصرية، وبدون كبير اعتبار لمصالح جوارها في المجال المركزي الجيوسياسي. ولأن أنظمة الدول الحاكمة أُقيمت على أسس من التوترات المديدة، التي وُلِدت من الخطوط العشوائية التي رسمت حدود هذه الدول، ولتفاوت مستويات الثراء والمقدرات التي تتمتع بها كل منها، فقد حكمت علاقات الجوار والمحيط الإقليمي مخاوف متبادلة، وعداوات ظاهرة أو مستبطنة، ودوافع توسع وسيطرة في بعض الأحيان.

عاشت شعوب دائرة المشرق المركزية قرونًا ضمن نظام إمبراطوري رسم تاريخَها وأسَّس لأنماط اجتماعها. ولكن كافة دول دائرة المشرق المركزية الحديثة نشأت من محاولات عبثية وانتحارية للقطيعة مع هذا الميراث، بهذه الدرجة أو تلك. وكان لتبني نموذج الدولة الحديثة، الدولة القومية، عواقب كارثية على الشعوب وعلى العلاقات بين دول الدائرة المشرقية المركزية. داخليًّا، عملت معظم دول المشرق على فرض هوية قومية أحادية، ذات بُعد ديني أو عداء للدين، مُوقعة انقسامات داخلية. وخارجيًّا، تبنَّت سياسات تقوم على أساس تصور ضيق لمصالح الدولة، متجاهلة العلاقات التاريخية بينها وبين محيطها الإقليمي.

وتكاد كافة حالات استدعاء مظلة الحماية الأجنبية، أو الوجود العسكري للقوى الكبرى، أن تكون وليدة الخوف من تغول إحدى دول الجوار، سواء لتبني هذه الدولة سياسات عدوانية صريحة، أو لأنها أصبحت أداة أو ركيزة لمطامح ونفوذ دولة كبرى أخرى. وليس ثمة شك أن قيام دولة إسرائيل، وما تمثله من تهديد مباشر ودائم لمحيطها العربي-الإسلامي، أدَّى إلى تفاقم أزمات دول دائرة المركز المشرقي.

منذ ما بعد الحرب الثانية، ونهاية حقبة الاستعمار المباشر، لم تنفك أغلب دول الدائرة المركزية عن البحث عن مظلة الحماية الخارجية. ولم تلبث سياسات الانضواء في تحالفات تقودها قوى كبرى، أو بناء علاقات دفاعية وأمنية وثيقة بهذه القوة الخارجية أو تلك، أو حتى السعي إلى وجود عسكري أجنبي، أن اكتسبت صفة الحقائق الأمنية وضمانات الاستقرار والحماية والسيادة.

كانت هذه السياسات ما أسس للعلاقات الخاصة بين الولايات المتحدة، من جهة، والسعودية وإيران الشاه، من جهة أخرى، ولانضواء العراق في الحلف المركزي، وعضوية تركيا في حلف الناتو، خلال حقبة الحرب الباردة. وهذه السياسات ذاتها ما أقام العلاقات متعددة الأوجه بين سوريا ومصر والعراق، من جهة، والاتحاد السوفيتي، من جهة أخرى. والمشكلة، أن تكلفة مظلة الحماية الخارجية كانت دائمًا كبيرة.

لم تتحرك القوى الكبرى لضمان حماية واستقرار دول المشرق إلا عندما كان التهديد يمس مصالحها المباشرة، تمامًا كما كان التدخل الأميركي لحماية نظام الشاه من السقوط في مطلع الخمسينات، والتدخل السوفيتي لحماية النظام المصري في الستينات، والتدخل الأميركي ضد العراق في حرب الخليج. في أغلب حالات التهديد الأخرى لدول الدائرة المشرقية المركزية، تخلَّت القوى الخارجية عن حلفائها أو تجنبت تحمل أعباء التدخل.

لم يستطع الاتحاد السوفيتي حماية مصر من العدوان الثلاثي، ولا من الهزيمة الفادحة في حرب يونيو/حزيران 1967، ولا حماية منظمة التحرير من الاجتياح الإسرائيلي في 1982. ولم تستطع الولايات المتحدة حماية نظام الشاه في 1979، وتركته يواجه مصيره المحتوم، ولا استطاع الاتحاد السوفيتي حماية العراق من الهزيمة المحققة في حرب الخليج الثانية.

وبنهاية الحرب الباردة، أصبح التساؤل حول جدوى الحماية الأجنبية أكثر إلحاحًا. عجزت روسيا الاتحادية عن حماية العراق من الغزو الأجنبي؛ ورفضت الولايات المتحدة بعد الاحتلال انتشار القوات التركية في غرب وشمال العراق لحماية السنَّة العراقيين من هجمات الفصائل الشيعية الموالية لإيران. كما ترددت الولايات المتحدة في تقديم أية مساهمة ملموسة لدعم الجهد السعودي الحربي في اليمن، أو حماية الفضاء السعودي من اعتداءات الفصائل العراقية والحوثية.

طوال عقود، تركت الولايات المتحدة لبنان والسلطة الفلسطينية فريسة للتوغل والاعتداءات الإسرائيلية. وعندما تحولت سوريا إلى ساحة تدافع بين تركيا، من جهة، وروسيا وإيران، من جهة أخرى، لم تحرك الولايات المتحدة ساكنًا لدعم أكبر حليفاتها في الناتو. ومنذ تصاعدت حدة التوتر بين تركيا واليونان، وقفت الولايات المتحدة وكافة دول الناتو الأخرى، ولم تزل، إلى جانب اليونان في الصراع على قبرص وعلى المجال التجاري-الاقتصادي في بحر إيجة وشرق المتوسط.

وليس مثل حرب العامين ونصف العام مناسبة لتكشف حدود الثقة بمظلة الحماية الخارجية. وقفت الولايات المتحدة بكامل ثقلها السياسي والعسكري خلف إسرائيل طوال عامي الحرب على غزة، ولم تنصت لدعوات حلفائها العرب والأتراك لوقف إبادة أشقائهم الفلسطينيين. وبالتحالف الفعلي مع إسرائيل، خططت الولايات المتحدة للحرب على إيران بدون استشارة أصدقائها العرب والأتراك في الجوار، الذين كان من الواضح أنهم سيكونون أول المتضررين من الحرب. لم تستطع الولايات المتحدة، أو لم تبذل جهدًا كافيًا، لحماية دول الخليج والأردن والعراق من الهجمات الإيرانية؛ كما أنه لا الصين ولا روسيا، حليفتا إيران الوثيقتان، حاولتا حمايتها من الحرب المدمرة، أو حتى تقديم المساعدة الضرورية للدفاع عنها.

زمن المراجعة

هذه الحرب ستنتهي، بعد أسبوع أو اثنين، أو بعد شهر أو شهرين، ستنتهي. ولكن توقف دوي الطائرات والصواريخ، مهما كان حجم الدمار والضرر الذي أوقع بإيران ودول جوارها، يجب ألا يسمح بعودة الأمور في دائرة المشرق المركزية إلى ما كانت عليه قبل الحرب. على دول دائرة المشرق المركزية أن تدرك أنها تقطن مجالًا جيوسياسيًّا واحدًا، وأن أمنها وحياتها واستمرار وجودها ومستقبل أبنائها، وثيق الصلة والارتباط بدول المجال الأخرى. وهذا ليس مجرد خيار بل حقيقة فرضتها شروط الجغرافيا والتاريخ والمواريث الثقافية.

لا يستدعي هذا بالضرورة التخلي عن الهويات الوطنية، الثقافية والسياسية، ولكنه يتطلب إحياء الذاكرة التاريخية للدول والشعوب، والوعي بأنها جميعًا وريثة قرون من الفضاء الإمبراطوري، الذي تداخلت فيه الأعراق والجماعات الإثنية والولاءات. لا يمكن لدول المشرق أن تصنع مستقبلًا أفضل بعقلية الدولة القومية، الدولة التي لا ترى إلا نفسها ومصالحها.

الشرعية التي تؤسَّس على سياسات تغول الدول على بعضها على البعض الآخر، أو تهديد الواحدة منها لجوارها، سواء لطموحات قومية مضخمة أو لعلاقات بقوى أجنبية، هي شرعية وهمية، قصيرة العمر وقصيرة النظر. ولا يمكن ضمان أمن مجموعة صغيرة من دول المشرق على أساس من بناء محور خليجي أو شيعي أو سُني أو عربي، وبمعزل عن الآخرين. خلال ربع القرن الماضي، تعرضت بلاد المشرق للدمار، كليًّا أو جزئيًّا، كما لم تتعرض أي منطقة أخرى في العالم: العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، وفلسطين، وإيران، وعدد من دول الخليج. وبدون إدراك لحجم وأثر وعواقب حرب العامين ونصف العامين، قد تخفق كل محاولات الخروج من هذا الدمار.

أستاذ تاريخ الشرق الأوسط وباحث أول في مركز الجزيرة للدراسات.

مركز الجزيرة للدرسات

————————–

العودة المستحيلة إلى ما قبل التحوّلات/ رفيق خوري

02 أبريل ,2026

في حرب الدفاع عن إيران يركّز “حزب اللّه” في خطابه على الدفاع عن لبنان وضرورة الوحدة الوطنية. وفي تصنيف المواقف السياسية يجعل “الحزب” من نفسه وارتباطه بالجمهورية الإسلامية وتنسيق ضرباته الصاروخية على إسرائيل مع ضربات الحرس الثوري الإيراني مركز الدائرة ومعيار الوطنية. وهذا تحايل على الواقع الذي كان علاجه من أيام كونفوشيوس “وجوب إعادة المعنى إلى الكلمات”. فما معنى الدفاع عن لبنان واستراتيجية “إيلام العدو” بالقصف الصاروخي حين يكون الردّ هو التدمير وتهجير بيئة “الحزب” وتوسيع الاحتلال؟ وما معنى الوحدة الوطنية إذا كانت مغامرة طرف واحد بالوطن ودعوة الأطراف الباقية المختلفة معه إلى تحمّل العواقب والمشاركة في الانتحار السياسي؟ وكيف يكون طرف واحد، لا لبنان، مركز الدائرة، ومعيار الوطنية هو الارتباط بإيران والتضحية بلبنان من أجلها واعتبارها عاملًا داخليًا لا خارجيًا؟

المسألة أخطر من ذلك وأكبر. فحين دقت أجراس الخطر على النظام، أعادت طهران إحياء “وحدة الساحات” وسارعت إلى توظيف استثمارها العسكري والأمني في المنطقة للدفاع عنها عبر “حزب اللّه” في لبنان و “الحشد الشعبي” في العراق و “أنصار الله” الحوثيين في صنعاء. وما يعمل له “الحزب” هنا هو السعي لإعادة لبنان إلى الوضع الذي كان عليه قبل “حرب الإسناد” لغزة واستعادة الهيمنة الكاملة على بلد مسروق ومفلس وسلطة مشلولة.

ومهمة الحشد الشعبي هي قصف أصول أميركية وعراقية ومراكز مدنية في العراق وإقليم كردستان وسوريا. ومهمة الحوثيين هي معاودة قصف إسرائیل وإغلاق مضيق هرمز. وكلّ هذا في إطار تصوّر إيران أن مواجهتها الحرب الأميركية – الإسرائيلية ستؤدّي إلى “نصر إلهيّ” وإعادة المنطقة إلى ما قبل التحوّلات الهائلة التي حدثت بعد “طوفان الأقصى” وحرب غزة ولبنان وحربها هي وسقوط نظام الأسد، وبالتالي إسقاط “سلام ترامب” ومشروع الشرق الأوسط الجديد لمصلحة المشروع الإقليمي الإيراني. وهذه مهمّة مستحيلة.

ذلك أن التحوّلات ركّزت أوضاعًا جديدة في غزة ولبنان وسوريا وجعلت أذرع إيران في العراق وصنعاء في مأزق، ووضعت إيران نفسها على طاولة البحث فوق میدان حرب طاحنة. فضلًا عن أن “دينامية” التحوّلات متحركة إلى الأمام، ولا مجال للحديث عن “دومينو” انهيارات وخطوات إلى الوراء. وإذا كانت الجمهورية الإسلامية تدافع عن نفسها وتقصف دول الخليج وعلى استعداد للذهاب إلى النهاية لأنها في “حرب وجود”، فإن أميركا ليست في حرب أهدافها إسرائيلية تورّط فيها الرئيس دونالد ترامب بإغواء من بنيامين نتنياهو، حسب نظرية رائجة في المنطقة وإسرائيل وأميركا.

هي، على العكس، في حرب أهدافها الأميركية أكبر من الأهداف الإسرائيلية. حرب الدور الأميركي والمصالح الأميركية في الشرق الأوسط المحتاج إلى إعادة تشکیل، وعمليًا حرب تكريس الأرجحية الأميركية على الكبار فوق المسرح الدولي. والورطة التي يبدو ترامب عالقًا فيها، وسط ضغوط اقتصادية كبيرة في أميركا والمنطقة والعالم، لا مخرج منها بالنسبة إلى الرئيس الأميركي إلّا بتكبير الحرب أو بصفقة يأخذ فيها ما أراد الحصول عليه بالقوّة. أليس الرئيس دوایت أيزنهاور الذي دفع بریطانیا وفرنسا إلى الوراء بعد حرب السويس وجعل الدور الأميرکي أساس اللعبة في غرب آسيا هو القائل:”لكي تحلّ أزمة كبّرها”؟

مفهوم أنه لا شيء اكتمل، لا في غزة ولا في لبنان ولا في سوريا. و “حزب اللّه” يعود إلى الاستقواء على الدولة ويهدّدها ويفاخر بقوته الصاروخية في محاربة إسرائيل. لكن ما يجمع الدولة و “الحزب” واحد. الدولة تستطيع اتخاذ قرارات جريئة ومهمة حول سحب السلاح واعتبار النشاطات العسكرية والأمنية ل “الحزب” خارج القانون، لكنها لا تستطيع التنفيذ. و “الحزب” يستطيع أن يقصف ويربك إسرائيل لكنه لا يستطيع منعها من تدمير القرى وتهجير مليون شخص وإعادة احتلال جنوب الليطاني.

و “شيئان لا حدود لهما : الكون والحماقة الإنسانية”، كما قال أينشتاين.

*نقلاً عن “نداء الوطن”.

—————————-

إلى أي حد ستكون الحرب على إيران تحولا مفصليا؟/ كريستوفر فيليبس

إن استعداد إيران لمهاجمة جيرانها الخليجيين، رغم محاولاتهم قبل الحرب سلوك طريق التهدئة والوساطة، لن يغيب سريعا عن الذاكرة

01 أبريل 2026

فعلى سبيل المثال، يرى آمبروز إيفانز-بريتشارد، في مقال له بصحيفة “التلغراف”، أن خطوات ترمب قد تقوده إلى لحظة تاريخية تذكر بأزمة السويس سنة 1956، أي إلى مشهد يتبدد فيه النجاح العسكري السريع تحت وطأة ضغوط اقتصادية عالمية أوسع، بما يفضي في نهاية المطاف إلى تراجع مهين وتحول في موازين السياسة الدولية.

وقد يكون من السابق لأوانه الجزم بصحة هذه التقديرات، فما دمنا نجهل كيف ستنتهي هذه الحرب، لا يمكن إطلاق أحكام واثقة على الكيفية التي قد يتبدل بها المشهدان السياسي والاقتصادي. ومع ذلك، لا يبدو تشبيه هذه اللحظة بأزمة السويس بعيدا تماما من الواقع. فمن الجلي منذ الآن أن الحرب مرشحة لأن تدفع نحو تبدلات سياسية واقتصادية، حتى لو ظل مدى هذه التبدلات مجهولا لسنوات.

لا رجعة إلى الوراء بالنسبة إلى إيران

يبدو أن البلد القابع في قلب هذا الصراع هو الأشد عرضة للتحول بفعل تداعياته. وقد يتخذ هذا التحول صورة تغيير للنظام، وهو ما سعت إليه إسرائيل والولايات المتحدة، أو قد ينزلق إلى حرب أهلية. لكن المؤشرات حتى الآن لا توحي بأن أيا من هذين الاحتمالين بات وشيكا. والأرجح أن النظام سيبقى، بصورة أو بأخرى، لكن بقاءه لن يعني عودته إلى ما كان قائما قبل الحرب. فعلى الصعيد الداخلي، قد يكون الجدل الذي وسم السياسة الإيرانية طوال العقود الماضية، حول الانفتاح على الولايات المتحدة وحلفائها والتفاوض معهم، قد اقترب من الحسم، مع تمسك المتشددين بأن الأيام قد أثبتت صحة شكوكهم القديمة. أما ما إذا كان هؤلاء المتشددون الصاعدون سيتجهون إلى مزيد من القبضة الصارمة في الداخل، أو سيقدمون بعض التنازلات لإضعاف حركة المعارضة التي كانت تهدد النظام قبل الحرب، فذلك ما لم يتكشف بعد.

أما على المستوى الإقليمي، فإن استعداد إيران لمهاجمة جيرانها الخليجيين، رغم محاولاتهم قبل الحرب سلوك طريق التهدئة والوساطة، لن يغيب سريعا عن الذاكرة. وصحيح أن ثمة أوجها من الشبه مع الكيفية التي صار بها صدام حسين منبوذا بعد حرب الخليج، إلا أنه من المستبعد أن تتوافق الأمم المتحدة على عقوبات خانقة تماثل تلك التي فرضتها على العراق. كذلك لن يقطع حلفاء رئيسون، مثل الصين وروسيا، صلاتهم بطهران، وهو ما قد يجعل إيران أكثر إرباكا وأشد استعصاء مما كانت عليه الدولة البعثية المنهكة في العراق. فإذا احتفظت، ولو بجزء من قدرتها على إنتاج الطائرات المسيرة والصواريخ، وعلى تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وعلى استئناف برنامجها النووي، فإن إيران الجريحة الناقمة قد تغدو عامل اضطراب أكبر في الشرق الأوسط مما كانت عليه من قبل.

وعلى الصعيد الدولي، فإن ازدياد عزلة إيران من شأنه أن يعزز الموقعين العالمي والإقليمي لكل من الصين وروسيا، لأنهما من القلة القليلة التي ما زالت طهران تنظر إليها على أنها وسيط موثوق. وفي الوقت نفسه، ستتلقى آمال بكين وموسكو في أن تتحول مجموعة “بريكس” الموسعة إلى كتلة عالمية منافسة للغرب ضربة من جراء التوترات بين عضوين جديدين فيها، هما إيران والإمارات العربية المتحدة.

انعدام اليقين في الخليج

إذا نجا النظام الإيراني، فستجد دول الضفة الأخرى من المضيق نفسها أمام أسئلة صعبة. فكل واحدة منها سترغب في ترميم صورتها كواحة للاستقرار ووجهة آمنة للاستثمار الأجنبي، غير أن بلوغ ذلك قد يغدو عسيرا في ظل وجود حكومة معادية في طهران. وقد يصبح الاتجاه إلى مزيد من التحصين الأمني أمرا لا مفر منه، لكن هذا المسار قد يصطدم بمحاولات إعادة بناء بيئة جاذبة للأعمال. فالاستثمارات الأجنبية في قطاعات مثل الطيران والتمويل والسياحة، التي كانت تتجه في السابق إلى دبي وأبوظبي والدوحة، قد تفضل مستقبلا ملاذا أكثر أمنا نسبيا في إسطنبول والرياض وجدة.

وقد تجد دول الخليج نفسها أيضا مضطرة إلى إعادة النظر في منظومتها الدفاعية. فهل ينبغي مراجعة مدى القرب من الولايات المتحدة، بعدما كان ترمب هو من دفع نحو هذه الحرب؟ أم إن الأرجح هو المضي أبعد في هذا التحالف، بعدما أثبتت القوات الأميركية ومعداتها الدفاعية أهمية حاسمة في اعتراض معظم الهجمات الإيرانية؟ وإذا كان الاتجاه الأول مطروحا، فهل يمكن الاستعانة بشركاء أكثر موثوقية، مثل الصين أو بريطانيا أو فرنسا، إلى جانب واشنطن لا بديلا عنها، اتقاءً لاندفاعات متهورة قد تصدر عن ترمب في المستقبل؟ وبالمثل، كيف ستنعكس الحرب على علاقات دول الخليج بعضها ببعض؟ هل يمكن أن تدفعها، عوض الاتكال على رعاة خارجيين، إلى السعي نحو صيغة أمن جماعي أكثر تماسكا، أي ذلك “الناتو الخليجي” الذي كثر الحديث عنه؟ أم إن التباينات ستغلب في نهاية المطاف، فتمضي كل دولة في طريقها الخاص؟ ومن المرجح جدا أن يبدو الخليج بعد الحرب أكثر وحدة أو أشد انقساما، وأكثر التصاقا بالولايات المتحدة أو أكثر تنوعا في تحالفاته الدولية. غير أن ما يكاد يكون مؤكدا أنه لن يبقى على الهيئة التي كان عليها قبل عام 2026.

ارتدادات جيو-اقتصادية

اقتصاديا، وإذا كان إيفانز بريتشارد يرى في هذه الحرب “لحظة السويس” الخاصة بترمب، فإن المقارنة الأجدر على المدى البعيد قد تكون صدمة النفط عام 1973. غير أن الاقتصادات الغربية في ذلك العام تلقت ضربة مباشرة من صدمة الإمدادات التي أحدثها الحظر النفطي الذي فرضته “أوبك”، فدخل معظمها في حالات ركود زعزعت استقرارها لسنوات. وقد أسهم ذلك في تباطؤ النمو على نحو مهد لصعود النيوليبرالية في ثمانينات القرن الماضي. وعلى المستوى الدولي، عزز هذا المسار إصرار واشنطن على ضمان تدفق النفط من الخليج، الأمر الذي قاد إلى تعمق الانخراط الأميركي في المنطقة، وصولا إلى حربي 1991 و2003.

فهل يمكن أن تفضي الأزمة الراهنة إلى هزات اقتصادية مشابهة؟ لقد دفعت بالفعل الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية إلى السحب من مخزوناتها النفطية الاحتياطية، في إشارة واضحة إلى خشية من أن يؤدي ارتفاع أسعار الوقود إلى إغراق الاقتصاد العالمي في أزمة حادة. وكلما طال أمد الحرب ازدادت احتمالات حدوث ذلك، فضلا عن التداعيات السلبية الثانوية التي قد تظهر من حيث لا يحتسب أحد. أما الأثر السياسي للركود، فليس من السهل التنبؤ به، غير أن الحكومات القائمة كثيرا ما تتحمل اللوم، وهو ما قد يمنح القوى الشعبوية المعارضة زخما إضافيا في بلدان عديدة. وقد ذهب بعضهم إلى التساؤل عما إذا كانت هذه الصدمة الجديدة في الإمدادات، وقد جاءت على مقربة من صدمة عام 2022، قد تعجل الانتقال بعيدا من الوقود الأحفوري. فالصين تمضي بالفعل في موقع الصدارة في ميدان الطاقة المتجددة، وهي- إلى جانب امتلاكها احتياطات أقوى من النفط والغاز- تبدو حتى الآن أقدر على امتصاص آثار الأزمة من الحكومات الغربية. أما الأوروبيون، فيبدون وكأنهم فوجئوا مرة أخرى على نحو يشبه ما جرى قبل أربع سنوات، وهو ما قد يدفع بعضهم إلى مراجعة حساباتهم. ومع ذلك، أفضت صدمة 1973 إلى تركيز أكبر على تأمين الوقود الأحفوري، لا إلى الابتعاد عنه، ولذلك لا شيء يضمن أن تنتهي هذه الأزمة إلى استنتاجات مغايرة.

ترمب و”سُويسُهُ” الخاصة؟

هل ستخلف هذه الحرب لترمب تبعات جيوسياسية شبيهة بتلك التي خلفتها أزمة السويس على رئيس الوزراء البريطاني أنطوني إيدن عام 1956؟ لقد كانت السويس آخر الحروب الإمبراطورية الكبرى لبريطانيا، والحرب التي أرغمتها على إعادة ضبط سياستها الخارجية بما يلائم موقعها كقوة ثانوية في واقع الحرب الباردة الجديد. وعلى نحو مماثل، يلفت إيفانز بريتشارد إلى أن ميزانية الدفاع الأميركية اليوم، قياسا إلى الناتج المحلي الإجمالي، تكاد لا تبلغ سوى نصف ما كانت عليه في ثمانينات القرن الماضي، وهو ما أسهم في عجز واشنطن عن الجمع، في آن واحد، بين مهاجمة إيران وبحريتها الحربية وتأمين مرافقة السفن عبر مضيق هرمز. غير أن الفارق الجوهري عن وضع بريطانيا عام 1956 يكمن هنا. فالولايات المتحدة، وإن بدت أضعف مما كانت عليه في ذروة الحرب الباردة، لا تزال لا تواجه ندا مهيمنا، أو مجموعة أنداد، على شاكلة الدور الذي أدته الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في تقييد بريطانيا آنذاك. صحيح أن بكين في صعود، لكنها لم تبلغ بعد مرتبة الندية الكاملة.

ويعني هذا الاختلاف البنيوي أن الحرب على إيران قد لا تمثل للولايات المتحدة كارثة جيوسياسية بحجم تلك التي مثلتها السويس لبريطانيا. لكنها قد تضر ترمب شخصيا، كما أضرت إيدن. فالحرب، بما جرّته من كلفة اقتصادية، لا تحظى بشعبية في الداخل، وقد تكلفه ثمنا سياسيا في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. أما خارجيا، فقد عمقت تداعياتها الفجوة بينه وبين الحلفاء الأوروبيين، فيما قد تدفع دول الخليج إلى إعادة النظر في درجة علاقتها من واشنطن. ومع ذلك، ما زال الحلفاء الغربيون، على المستوى البنيوي، يعتمدون على الولايات المتحدة في الدفاع، ولا سيما في أوكرانيا. ولئن أبرزت الحرب على إيران مجددا، وربما بصورة أوضح، حجم الاضطراب الذي يمكن أن يسببه دونالد ترمب لحلفاء أميركا، فإنها لم تبدل الحقيقة الأساسية المتعلقة بموقع الولايات المتحدة في العالم. وما لم تستثمر الصين أو روسيا، أو قوة أخرى، تداعيات هذا النزاع لتؤدي دورا أكثر بروزا، وهو احتمال لا يبدو راجحا، فإن تلك الحقيقة لم تتغير. والأرجح أن حلفاء واشنطن سيواصلون السير في المسار نفسه، أي توسيع هامش استقلالهم الذاتي تدريجيا بقدر ما يستطيعون، مع إدراكهم أنهم ما زالوا مرتبطين بعمق بالولايات المتحدة، التي تحكمها في الوقت الراهن رئاسة متقلبة، وأحيانا خطرة.

المجلة

—————————–

الحرب الإيرانية والردع النووي/ ستيف هويت

هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، زادت اليقظة الأميركية تجاه أسلحة الدمار الشامل التي يملكها أعداء الولايات المتحدة

01 أبريل 2026

حين يتعلق الأمر بالسلاح النووي، لم تعد المعادلة “إما أن تستخدمه وإما تخسره” بقدر ما هي “إما أن تمتلكه أو تفقد القدرة على صنعه نهائيا”. ومع أن الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل تهدف أيضا إلى تقليص النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، بما في ذلك نفوذ طهران لدى حلفائها، فإن البرنامج النووي الإيراني يظل في قلب هذا الصراع. كذلك أسهم التهديد النووي الإيراني في تسويق الحرب لدى جماهير وحكومات متشككة في عدد من البلدان.

ولم تكن الصراعات حول برامج الأسلحة النووية في التاريخ حكرا على إيران، بل إن هذا النوع من النزاع ليس استثنائيا حتى في القرن الحادي والعشرين. فثمة تاريخ طويل لدول خارج القوى النووية الخمس الكبرى، وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين والمملكة المتحدة وفرنسا، سعت إلى الانضمام إلى النادي النووي، في مقابل أطراف أخرى كانت مصممة بالقدر نفسه على منعها. والدول التي نجحت في انتزاع مكان لها داخل هذا النادي الحصري لم تتخل عن أسلحتها قط، باستثناء حالة بارزة واحدة، كما أنها لم تواجه هجوما وجوديا من النوع الذي تتعرض له إيران اليوم. وإذا صح أن “الماضي مقدمة للمستقبل”، فقد يشهد العالم اتجاها متزايدا لدى دول، ولا سيما تلك التي تواجه خصوما إقليميين، إلى السعي لامتلاك السلاح النووي بوصفه ضمانة ضد هجوم شامل من النوع الذي تتعرض له إيران الآن. وهذه قراءة لها وجاهتها، لكن أن يكون لك هدف شيء وأن تبلغه، كما أثبت التاريخ مرارا، شيء آخر.

وفي تجربتي العراق وليبيا يتجلى الدرس الذي بدأت إيران تدركه منذ يونيو/حزيران 2025. فقد كان نظام صدام حسين يحلم بالحصول على سلاح نووي، وشرع في السعي إلى تحقيق ذلك الحلم خلال سبعينات القرن الماضي. وقد تنبه آخرون إلى تلك المساعي. ففي يونيو/حزيران 1981، وفيما يشبه أحداث يونيو/حزيران 2025، قصفت القوات الجوية الإسرائيلية مفاعلا نوويا عراقيا كان لا يزال قيد الإنشاء كانت قد زودته به فرنسا. ومن المفارقات أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية هاجمت الموقع نفسه جوا قبل ذلك بعام، وإن كانت عملياتها أقل فعالية من تلك التي شنتها إسرائيل.

ولم يتوقف العراق في مسعاه إلى امتلاك أسلحة نووية عام 1981، رغم أنه لم يقترب من تحقيق هذا المسعى لضخامة متطلباتها وللجهود التي بُذلت لإحباطها، ولا سيما عبر العقوبات. وعلى نطاق أوسع، شجع نظام صدام التكهنات بشأن الجهود التي كان يبذلها لحيازة أسلحة الدمار الشامل، وتحديدا الأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية، بوصفها وسيلة لترهيب خصومه الإقليميين. غير أن الخداع الممنهج الذي مارسته بغداد لم يكن دليلا على امتلاكها الفعلي لتلك التقنيات.

وفي المقابل، كان التهديد بامتلاك العراق لمثل هذه الترسانة يقدم خدمة للمصالح الأميركية. ففي البداية، استخدمت إدارة جورج بوش الأب ورقة التهديد النووي العراقي لحشد الدعم لحرب الخليج عام 1991. ثم حذر ابنه جورج بوش الابن وأتباعه من امتلاك بغداد أسلحة دمار شامل لتعزيز الدعم لغزو العراق عام 2003، وهو الغزو الذي أفضى في نهاية المطاف إلى الإطاحة بنظام صدام حسين.

ونرى في ليبيا مثالا آخر على العواقب المحتملة التي قد تلحق بالأنظمة التي تواجه أعداء لدودين وتعجز عن تطوير أسلحة نووية. ففي ظل الحكم الطويل للدكتاتور معمر القذافي، واصلت البلاد العمل على تطوير برنامج نووي منذ سبعينات القرن الماضي، وحصلت على ألفي طن من اليورانيوم من النيجر أواخر السبعينات. وبلغت التوترات المتصاعدة مع الولايات المتحدة ذروتها في ثمانينات القرن الماضي، وانتهت بقصف ليبيا على يد إدارة رونالد ريغان عام 1986.

استمر البرنامج النووي الليبي سرا. فقد ذكرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن طرابلس قررت في يوليو/تموز 1995 “إعادة تنشيطه” عبر تطوير أجهزة طرد مركزي غازية يمكن استخدامها لأغراض سلمية أو لإنتاج مواد تدخل في صناعة السلاح. وبحلول عام 2000، أفادت وكالات الاستخبارات الأميركية بأن الجهود الليبية الرامية إلى تعزيز برنامجها النووي دفعتها إلى شراء التكنولوجيا اللازمة عبر شبكة عبد القدير خان من باكستان. واشتهر عبد القدير خان بوصفه الأب الروحي للبرنامج النووي الباكستاني، ثم تبين لاحقا أنه نقل تلك التكنولوجيا إلى دول خارج باكستان.

وجاءت بعد ذلك هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، وتزايدت اليقظة الأميركية تجاه أسلحة الدمار الشامل التي يملكها أعداؤها. وكانت ليبيا، التي تندرج ضمن هذه الفئة، في موقف حرج، حتى مع محاولات القذافي تحسين العلاقات في النصف الثاني من تسعينات القرن العشرين. وأدت تداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، ورد أميركا الحازم على أعدائها، إلى تنبيه القذافي وحكومته. وسعيا إلى رفع العقوبات وتخفيف الضغط، وافقت طرابلس على إنهاء برنامجها لتطوير أسلحة الدمار الشامل، بما فيها الأسلحة النووية. ولم تكن ليبيا أول دولة تنهي طوعا برنامجا لتطوير الأسلحة النووية. فخلال حقبة الفصل العنصري، امتلكت جنوب أفريقيا برنامجا نشطا نجح بحلول عام 1982 في إنتاج سلاح نووي جاهز للاستخدام. وفي المجمل، أنتجت جنوب أفريقيا ستة أسلحة قبل أن تقرر حكومة الرئيس فريدريك ويليام دي كليرك التخلص من تلك القنابل عام 1989. وأكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية تدمير هذه الأسلحة النووية عام 1994.

ووفى نظام القذافي، شأنه شأن حكومة جنوب أفريقيا، بوعده بإنهاء محاولاته لامتلاك أسلحة نووية. وبذلك القرار، ضمن بقاءه في نهاية المطاف، إلا أن القصة لم تنته عند هذا الحد. وبدلا من ذلك، اندلعت الانتفاضة في البلاد في فبراير/شباط 2011، وبعد شهر، تدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بالصواريخ والقوة الجوية لحماية الثوار. وبحلول أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، كان الثوار يسحبون القذافي من قناة للصرف الصحي ويقتلونه.

ومن المستحيل الجزم بما إذا كان امتلاك الأسلحة النووية سينقذ القذافي ونظامه الديكتاتوري. غير أن بعض الدول الاستبدادية ترى في ذلك رهانا لا ترغب في قبوله، لأن المخاطرة كبيرة للغاية. وتبرز حالة كوريا الشمالية بوصفها المثال الأوضح على الأسلحة النووية باعتبارها وسيلة الدفاع القصوى. وفي نصيحته الأخيرة إلى خلفه في الرئاسة عام 2017، حذر باراك أوباما دونالد ترمب من أن كوريا الشمالية هي القضية الأصعب التي يتعين على القائد الأعلى الجديد التعامل معها. وطورت كوريا الشمالية، بمساعدة شبكة عبد القدير خان، سلاحها النووي، واستعرضت قدراتها بتفجير أول قنبلة نووية لها عام 2006.

وأظهرت البلاد أنها لا ترغب في إنهاء برنامجها النووي رغم العقوبات والضغوط الدولية. فقد صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عام 2017 بأن زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون سيجبر شعبه على “أكل العشب” قبل التخلي عن الأسلحة النووية. وتشير التقديرات الحالية إلى أن البلاد تمتلك عشرات الرؤوس النووية، بينما تواصل تطوير قدراتها الصاروخية لتكون قادرة على إيصال بعض من ثروتها المشعة إلى أعدائها. وبالفعل، بينما كانت الحرب مستعرة في الشرق الأوسط، أجرى الجيش الكوري الشمالي تجربة إطلاق صواريخ متعددة في بحر اليابان في 14 مارس/آذار. وليس من قبيل المصادفة أن تصور آني ياكوبسن، في كتابها الواقعي الأكثر مبيعا “الحرب النووية: سيناريو”، العالم كما نعرفه وهو يتعرض للتدمير في صراع نووي أشعله صاروخ باليستي عابر للقارات مزود برأس حربي نووي أطلقته كوريا الشمالية باتجاه البر الرئيس للولايات المتحدة.

ويبدو الدرس التاريخي واضحا إذن. فلا بد من اتباع استراتيجية كوريا الشمالية لتجنب مصير إيران والعراق وليبيا. فالفشل في امتلاك أسلحة نووية يبطل بوليصة التأمين ضد أي عدوان عسكري من جانب دول أخرى قد يردعها التهديد بالانتقام النووي. وعلى الرغم من وجاهة هذا التفسير، فإن الرغبة في امتلاك أسلحة نووية لا تعني بالضرورة امتلاكها. فالرحلة الأخيرة طويلة وشاقة ومليئة بالعقبات. ولذا، من المرجح أن ينطوي المستقبل على غياب الأمان في إيران، بدلا من الوصول إلى الأمان الذي حققته كوريا الشمالية بفضل الردع النووي.

المجلة

—————————–

إيران وثلاثي الحرب وسياسة الأرض المحروقة/ بادية فحص

النظام الإيراني اعتاد الركون إلى “سياسة الأرض المحروقة”، أو إلى خيار الانتقام من القريب في عقر داره، كلما وجد نفسه غير قادر على مواجهة العدو في الميدان

آخر تحديث 01 أبريل 2026

على مدى أكثر من شهر من الحرب، طالت الصواريخ الإيرانية ردّا على الغارات الأميركية-الإسرائيلية، الموانئ والمطارات ومحطات الطاقة والمنشآت الاقتصادية والتجمعات المدنية والسياحية في دول الخليج العربي، بينما ظلت وتيرتها منضبطة ومحدودة تجاه إسرائيل (العدو الأيديولوجي) فلم تؤذها بالقدر نفسه، كما لم تكن بالشراسة نفسها.

فقد أفادت الإحصائيات غير الرسمية التي ترصد طبيعة الرد الإيراني ونمطه، بأن نحو 85 في المئة من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي أطلقتها إيران “دفاعا عن نفسها”، استهدفت البنى التحتية المدنية في دول الخليج العربي، في حين لم تتجاوز نسبة الصواريخ التي أُطلقت على إسرائيل 15 في المئة حتى الآن.

من ناحية، تؤكد هذه الأرقام أن الأولوية “الدفاعية” للنظام الإيراني قائمة على إيذاء محيطه وجيرانه وزعزعة استقرارهم الداخلي، كما أنها في الوقت نفسه، تفضح نفاق هذا النظام، وتُسقط القناع عن خطابه الأيديولوجي “المقاوم” الذي بنى عليه شرعيته على مدى أكثر من أربعة عقود، وهو مواجهة المشروع الصهيو-أميركي في المنطقة. ومن ناحية أخرى، توضح أن رد النظام الإيراني صادر عن عقلية دفاعية بدائية ليس لها أي تفسير أو تعريف في الحروب والمواجهات العسكرية، سوى أنها تسعى إلى تفريغ العنف بشكل انفعالي، عبر إلحاق أكبر قدر من الأذى بالبنى المدنية بوصفها نقاط ضعف، على حساب الأهداف العسكرية بوصفها مكاسب استراتيجية.

إذا نبشنا في سلوكياته الدائمة وسيرته الماضية، نجد أن النظام الإيراني اعتاد الركون إلى “سياسة الأرض المحروقة”، أو إلى خيار الانتقام من القريب في عقر داره، كلما وجد نفسه غير قادر على مواجهة العدو في الميدان، ولذلك لا يعود من قبيل المبالغة اتهامه بأنه يطبّق هذه السياسة ضد جيرانه في الخليج العربي.

بمعنى آخر، يستجير النظام الإيراني بافتعال الأزمات في المنطقة حين تشتد عليه أزماته، ويتوسّل توسيع ساحات الصراع كآلية تحميه من السقوط، وبدل أن يستغل “الخطر الخارجي” ليجعل منه حافزا لإعادة ترتيب بيته الداخلي، وتعميق التحالفات مع الجيران، نراه يحوّله إلى فرصة لمضاعفة العنف، فلا تعود “سياسة الأرض المحروقة” بذلك، مجرد أداة يضخّم فيها حجم الكلفة على محيطه، بل تصبح التعبير الأوضح عن أزمته البنيوية وانسداد أفقه السياسي.

وفي أكثر صورها وضوحا، تعكس “سياسة الأرض المحروقة” الحالية، أزمة حكم في إيران، من علاماتها التفكك الذي أصاب بنية النظام، نتيجة استهداف مراكز صنع القرار، واغتيال القادة الكبار، وانكشاف المؤسسات الأمنية والعسكرية بفعل التكنولوجيا الأميركية المتقدّمة، وانتشار شبكات التجسس الإسرائيلية على أراضيه، مما أدى إلى إحداث تصدّعات كبيرة داخل هرم السلطة، بحيث لم يعد هناك مركز قرار متماسك وموحّد، ولا قدرة حقيقية على إدارة المجالين الداخلي والخارجي، فما تبقّى هو مجموعة من “الناجين” تعمل بشكل فردي غالبا، وفي ظروف من فقدان السيطرة، وتحاول تعويض عجزها عن الوصول إلى أهدافها بالتصعيد العشوائي.

على صعيد متصل، تنفّذ الولايات المتحدة وإسرائيل في حربهما على إيران “سياسة الأرض المحروقة” نفسها أيضا، فنتيجة استهدافهما البنية التحتية على امتداد الخريطة الإيرانية، وقعت إيران في هاوية انهيار اقتصادي كارثي، وأجبرتها غاراتهما المشتركة والمتواصلة على إغلاق موانئها الاستراتيجية التي تمتد من شواطئ آستارا على بحر قزوين إلى بوشهر وبندر عباس على ضفة الخليج، وأتت نيران الصواريخ على مراكز الطاقة المدنية من ماء وكهرباء وخزانات وقود في كل المحافظات، ومع أزمة مضيق هرمز، انخفضت الإيرادات إلى أدنى مستوياتها التاريخية، وتعطّلت بالتالي دورة الحياة الاقتصادية اليومية للشعب الإيراني بكامله.

في المحصلة، أليس غريبا أنه فيما تمارس الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية “سياسة الأرض المحروقة” ضد إيران، أن يردّ النظام الإيراني بتوسيع مساحتها باتجاه محيطه الإقليمي وبطريقة أكثر عنفا وأشد انتقاما؟ ألا تكشف هذه الممارسة المتبادلة عن تماثل أو تطابق في الأسلوب بين ثلاثي الحرب (واشنطن وتل أبيب وطهران) دون أي تفاضل بين أي طرف منها؟

فما يبدو في ظاهره صراعا بين الأطراف الثلاثة، يخبئ في عمقه ما يبدو أنه تقاطع في الأهداف أو توافق مستتر في الغايات والمقاصد، ويعطي انطباعا أن ما يجري أكثر من لعبة حرب تختلف أو تفترق فيها استراتيجيتان، إذ إنهما تعودان وتلتقيان عند نقطة واحدة: استنزاف اقتصادات دول الخليج العربي، وتدمير مقومات الحياة فيها، وتفكيك عمرانها المدني والحضري والبشري الذي كافحت من أجل بنائه على مدى أجيال.

المجلة

—————————-

لماذا يعجز أقوى جيش في العالم عن فتح مضيق هرمز؟/ أحمد كامل

لم تكن الحروب يوما مسألة قوة مجردة أو كثافة نارية، قدر ما كانت مسألة توظيف للقدرات. فمجال الصراع، كما يراه المفكر والاستراتيجي الأمريكي “إدوارد لوتواك”، يخضع لـ”منطق مفارق”، قد تنقلب فيه مواطن القوة إلى نقاط ضعف والعكس، حيث الوسائل الأبسط قادرة على تقييد قوة أكبر، إذا وضعت في المكان المناسب. ويعد مضيق هرمز من أبرز تجليات هذا المنطق في الوقت الحالي، فهو ممر مائي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقطة نحو 34 كيلومترا، لكن لغما معدنيا صغيرا يستقر في قاعه أو يطفو على سطحه، يكفي لتحويله إلى منطقة تهديد فعلي لحركة الملاحة العالمية.

لا يعود هذا الواقع إلى بساطة الوسائل المتاحة لتعطيل الملاحة فحسب، بل يرتبط أيضا بتأثيرها الفعال داخل بيئتها. ففي هرمز تتكامل الجغرافيا مع الوسائل، حيث تحد الممرات الضيقة من المناورة، وتعد المياه الضحلة نسبيا، التي لا يتجاوز عمقها نحو 60 مترا، مثالية لزراعة الألغام، كما تتيح سواحل إيران الجنوبية الطويلة نشر الألغام عبر زوارق صغيرة سريعة يصعب تعقبها. وفي هذه الظروف، لا تحتاج طهران إلى كثافة نارية كبيرة بقدر ما تحتاج إلى توزيع ذكي للخطر داخل الممر، مستفيدة من معادلة تكلفة غير متكافئة، حيث يمكن لسلاح زهيد الثمن أن يلحق ضررا هائلا بخصم أكثر تفوقا.

وقد تجسدت هذه المعادلة بوضوح عام 1988، حين اصطدمت الفرقاطة الأمريكية “صامويل بي روبرتس” (FFG-58) بلغم إيراني في الخليج العربي، ما أدى إلى فتح ثقب كبير في هيكلها وكسر عارضتها. وفي حين لم تتجاوز تكلفة اللغم ألفي دولارِ، بلغت تكلفة إصلاح السفينة قرابة 90 مليون دولارِ.وتقدر الاستخبارات الأمريكية أن إيران تمتلك أكثر من 5 آلاف لغم بحري، وقد بدأت بالفعل في نشرها داخل هرمز، بما يمنحها قدرة غير متكافئة على تعطيل حركة السفن ورفع كلفة أي تدخل عسكري دون الانخراط في مواجهة مباشرة.

وفي المقابل، تمتلك واشنطن حزمة متكاملة من قدرات مكافحة الألغام، في مقدمتها سفن القتال الساحلي الأمريكية (إل سي إس – LCS)، التي تبرز بوصفها أداة مركزية لكسر هذا النمط من الردع. فهذه السفن، المصممة للعمل في المياه الضحلة والبيئات الساحلية المعقدة، مزودة بأنظمة متخصصة لمكافحة الألغام، وتعتمد على مسيرات سطحية وتحت سطحية لكشف الألغام وتعطيلها بهدف فتح ممرات آمنة داخل المضيق.

غير أن إزالة هذه الألغام لن تجري في بيئة محايدة، بل تحت طيف واسع من التهديدات، التي تشمل صواريخ ساحلية قادرة على استهداف القطع البحرية داخل الممر الضيق، وزوارق سريعة يمكنها شن هجمات مباغتة، فضلا عن تهديد المسيرات وعمليات التشويش أو الاستطلاع التي تكشف تحركات السفن وتحد من قدرتها على العمل بحرية.

في ظل هذه الظروف، تتحول عملية إزالة الألغام إلى جهد بطيء ومعرض للانقطاع، خصوصا مع إمكانية إعادة زرع الألغام بوتيرة أسرع من تلك التي تزال بها. فهل تستطيع هذه السفن فرض ممر آمن ومستقر داخل المضيق؟ أم أن طبيعة المعركة ستجعل من كل محاولة لفتحه إجراء مؤقتا ينتهي بخيبة أمل؟

تطوُّر اللغم البحري

تعود جذور الألغام البحرية إلى القرن الرابع عشر، حيث استخدم الصينيون عبوات ناسفة بدائية، مصنوعة من مثانة حيوانية محكمة العزل، تحتوي على شحنة متفجرة تشعل عبر فتيل بسيط. وفي عام 1777، طور الأمريكي “ديفيد بوشنل” أول لغم بحري بمعناه الحديث، حين وضع في نهر “ديلاوير” برميلا من البارود، وزوده بصاعق يفعل عند اصطدامه بجسم صلب، لاستهداف السفن البريطانية خلال حرب الاستقلال. ورغم أن الهجوم لم ينجح في إغراق أي سفينة كبيرة، لكنه أثبت أن عبوة صغيرة مخفية تحت الماء يمكن أن تربك أسطولا بأكمله.

منذ ذلك الحين، لم تتوقف الألغام البحرية عن التطور؛ إذ رافقت كل حرب كبرى تقريبا. ففي الحرب العالمية الأولى زرع الحلفاء والألمان مئات الآلاف من الألغام، وكان أبرز تجلياتها ما عرف بـ “حاجز بحر الشمال”، وهو حقل ألغام ضخم امتد لمئات الأميال بين بريطانيا والنرويج بهدف تقييد حركة السفن والغواصات الألمانية. وفي الحرب العالمية الثانية تحولت الألغام إلى أحد أكثر الأسلحة البحرية فتكا، حيث تسببت في إغراق أعداد كبيرة من السفن لدى مختلف الأطراف. ويكشف هذا المسار التاريخي حقيقة ثابتة مفادها أن اللغم البحري سلاح منخفض التكلفة لكنه مرتفع التأثير.

أما في شكلها المعاصر، فتنقسم الألغام البحرية إلى 4 فئات رئيسية، يتحدد الفارق بينها بموقع اللغم في الماء وآلية تفجيره. أولها اللغم المربوط، وهو الأقدم والأكثر شيوعا تاريخيا، إذ يتكون من رأس حربي كروي يطفو تحت سطح الماء مباشرة، مثبت بكابل متصل بمرساة في القاع. ويحتوي الجزء السفلي من الرأس الحربي على المتفجرات، بينما يوفر جيب هوائي في الأعلى الطفو اللازم. وعلى السطح الخارجي تبرز “قرون” معدنية، تحتوي على أمبولات زجاجية مملوءة بمحلول إلكتروليتي موصل للكهرباء. وعندما يصطدم هيكل السفينة بأحد هذه القرون، تنكسر الأمبولات ويسيل المحلول داخل خلية جافة مما يغلق الدائرة الكهربائية ويؤدي إلى تفجير اللغم. هذا التصميم البسيط، الذي ابتكره الألمان في مطلع القرن العشرين، لا يزال فعالا حتى اليوم.

الفئة الثانية هي اللغم الطافي، وهو أبسط الأنواع، إذ يتحرك بحرية مع التيارات دون ارتباط بالقاع. وتكمن خطورته في صعوبة التنبؤ بمساره، ما قد يدفعه إلى الانجراف بعيدا عن منطقة زرعه. وقد سعت اتفاقية لاهاي عام 1907 إلى تقييد استخدامه بسبب طبيعته غير القابلة للسيطرة، غير أن هذا القيد لم يمنع ظهوره في الممارسة الفعلية. كما أن قطع كابل اللغم المربوط، سواء بفعل عمليات الكسح أو التآكل، يمكن أن يحوله إلى لغم طافٍ بما يضاعف أيضا من مستوى تهديده.

إعلان

أما الفئة الثالثة فهي اللغم القاعي، ويعد الأخطر والأكثر تطورا، فهو يستقر في قاع البحر بما يتيح تعبئته بأوزان كبيرة من الشحنات المتفجرة، كما أنه لا يعتمد على التلامس المباشر، بل يعمل عبر ما يعرف بأنظمة التأثير، إذ يرصد بصمة السفينة المارة فوقه باستخدام مجموعة من المستشعرات، التي تشمل كواشف مغناطيسية ترصد تغير المجال المغناطيسي للأرض بفعل الهيكل المعدني للسفينة، وهيدروفونات صوتية (أي ميكروفونات مصممة لرصد الأصوات تحت الماء) تلتقط ضوضاء المحركات والمراوح، إضافة إلى مستشعرات ضغطية تقيس التغير في ضغط الماء الناتج عن إزاحة السفينة. هذا المزيج يتيح للغم التمييز بين الأهداف، بحيث يمكنه تجاهل السفن الصغيرة أو غير ذات الأهمية، وانتظار الهدف المحدد قبل التفجير.

ولا يتوقف الأمر عند ذلك، إذ يمكن برمجة الألغام القاعية الحديثة بواسطة مؤقتات تأخير تجعلها خاملة لفترة بعد زرعها، وعبر عدادات تسمح لها بتجاهل عدد من الإشارات قبل تفعيلها. وتجعلها هذه الخصائص أكثر خداعا، إذ قد تمر وحدات كسح الألغام فوقها دون أن تنفجر، ما يخلق انطباعا زائفا بأن المنطقة آمنة، بينما تظل الألغام كامنة في انتظار لحظة التفعيل المناسبة.

وأخيرا تأتي الفئة الرابعة، المعروفة باسم اللغم اللاصق أو “ليمبت”، نسبة إلى حلزون بحري يلتصق بالصخور. وهو لغم صغير الحجم يثبت يدويا على هيكل السفينة بواسطة غواص أو سباح باستخدام مغناطيسات، ويفجر عادة بمؤقت زمني بما يمنح من زرعه فرصة للانسحاب. وقد طوره البريطانيون خلال الحرب العالمية الثانية لعمليات التخريب الخاصة، وهدفه في الغالب ليس إغراق السفينة بل شلها عبر استهداف المروحة أو دفة التوجيه.

جاهزية إيرانية.. وسوء استعداد أمريكي

وتقدر تقارير الكونغرس الأمريكي أن مخزون إيران من الألغام البحرية يشمل مزيجا من ألغام التلامس المربوطة وألغام القاع، وهو مخزون تراكم على مدار أربعة عقود، عبر الاستيراد والإنتاج المحلي. فعلى مستوى الألغام التقليدية، تقدر ترسانة إيران بنحو ألفي لغمِ، أبرزها ألغام “صدف” و”إم-8″، والأخير تحديدا هو الذي كاد أن يتسبب في إغراق الفرقاطة “صامويل بي. روبرتس” عام 1988.

أما الألغام الأكثر تطورا لدى إيران فتشمل ألغاما قاعية من فئة “إم دي إم-6” (MDM-6) الروسي، الذي يحمل رأسا حربيا ثقيلا بوزن يصل إلى نحو 1100 كيلوغرامِ، إلى جانب لغم “إم سي-52” (MC-52) المصنوع من غلاف غير مغناطيسي بما يقلل احتمالات اكتشافه ويربك أنظمة الكسح، فضلا عن لغم “ماهام-2” المحلي الإنتاج.

غير أن التهديد الأكثر تعقيدا يتمثل في لغم “إي إم-52” (EM-52) الصيني المنشأ، وهو من فئة الألغام الصاعدة؛ إذ يستقر في القاع على أعماق قد تصل إلى 200 مترِ، وعند رصده الهدف، يطلق مقذوفا عموديا بإمكانه إصابة أسفل هيكل السفينة. ويجمع هذا النوع بين ميزة التخفي التي تميز الألغام القاعية التقليدية وقدرة الاشتباك مع أهداف في أعماق أكبر، ما يوسع نطاق التهديد بشكل ملحوظ. وتشير التقديرات إلى أن نشر هذا النوع من الألغام قد يتطلب استخدام غواصات، مثل غواصات “كيلو” الروسية التي تمتلك إيران عددا منها، ما يعكس مستوى أعلى من التعقيد العملياتي في توظيف هذه القدرات.

في المقابل، ترصد التقارير فجوة لافتة في الجاهزية الأمريكية للتعامل مع هذا النوع من التهديدات، سواء على مستوى التقدير المسبق أو الاستعداد العملياتي. فبينما كانت إيران تطور أدواتها وتراكم قدراتها في مجال حرب الألغام، كانت واشنطن تتحرك في اتجاه معاكس، قائم على إعادة هيكلة قدراتها التقليدية دون اكتمال بدائلها الجديدة.

إعلان

ففي سبتمبر/أيلول 2025، أي قبل أشهر قليلة من بدء العملية العسكرية الحالية ضد إيران، أخرجت البحرية الأمريكية آخر 4 كاسحات ألغام من فئة “أفنجر” (Avenger) من الخليج العربي، منهية بذلك وجودا استمر أكثر من 3 عقود. وجاء هذا القرار في إطار التحول نحو مفهوم جديد لمكافحة الألغام يعتمد على الأنظمة غير المأهولة.

وتبرز المفارقة في أن هذه السفن وصلت إلى ميناء فيلادلفيا للتخريد في التوقيت نفسه الذي بدأت فيه التقارير تشير إلى زرع إيران ألغاما في المضيق، ما يعكس فجوة زمنية بين تفكيك القدرات القديمة وتفعيل البدائل الجديدة. ولم يقتصر هذا النهج على الولايات المتحدة فقط، إذ سارت البحرية البريطانية في الاتجاه ذاته، حيث سحبت آخر سفنها المتخصصة في إزالة الألغام من الخليج في وقت سابق من العام الحالي 2026 دون إرسال بديل مباشر.

يذكر أن سفن “أفنجر” مصممة من هياكل خشبية مغلفة بألياف زجاجية، بما يقلل من بصمتها المغناطيسية ويحد من احتمالات تفعيل الألغام أثناء عملها، وهو ما يتيح لها العمل داخل حقول الألغام نفسها. وبفضل هذا التصميم، ساهمت هذه السفن في تدمير أكثر من ألف لغمِ قبالة سواحل الكويت، زرعها العراق خلال حرب الخليج مطلع التسعينات..

الرهان الأمريكي الجديد

أما البديل الذي تراهن عليه البحرية الأمريكية، وهو سفن القتال الساحلي (إل سي إس – LCS)، فيختلف في فلسفة عمله جذريا عن كاسحات الألغام البحرية مثل “أفنجرز”. فبدلا من دخول حقل الألغام مباشرة كما تفعل “أفنجرز”، تبقى السفينة خارج منطقة التهديد بينما ترسل أنظمة غير مأهولة للقيام بالعمل. وتشمل الحزمة التي تعتمد عليها سفن القتال الساحلية الأمريكية مزيجا من المنصات المأهولة والمسيرات السطحية وتحت السطحية، المصممة لتحديد مواقع الألغام والتعرف عليها ثم تعطيلها أو تدميرها، دون تعريض السفينة والطاقم للخطر المباشر.

عمليا، تعتمد المنظومة على 3 مستويات متكاملة؛ الأول جوي، عبر مروحيات “سي هوك” التي تنطلق من سطح السفينة، وهي مزودة بنظام مسح ليزري محمول جوا، يقوم بتمشيط المياه الضحلة بسرعة عالية بحثا عن الألغام الطافية أو القريبة من السطح. ويمكن تبسيط عمل هذا النظام باعتباره أشبه بشعاع ليزر يمسح ما تحت الماء ويكشف الأجسام الغريبة بسرعة تفوق وسائل الاستشعار التقليدية. كما تحمل المروحية نظاما آخر يطلق مركبة صغيرة تحت الماء تتجه نحو اللغم المكتشف وتعمل على تدميره.

أما المستوى الثاني فهو سطحي، ويعتمد على زورق غير مأهول يعمل كمنصة استطلاع متقدمة للسفينة الأم. هذا الزورق يمكن تزويده بسونار متطور لمسح القاع ورسم صورة دقيقة له؛ بحثا عن الألغام القاعية أو المربوطة، كما يمكن تزويده بنظام يحاكي البصمة الصوتية والمغناطيسية لسفينة حقيقية، بهدف استدراج الألغام التأثيرية لتنفجر قبل اقتراب القطع البحرية الفعلية.

وفي المستوى الثالث (تحت الماء)، تستخدم مسيرات مغمورة مصممة خصيصا للكشف عن الألغام القاعية، خصوصا تلك المدفونة داخل الرواسب والتي يصعب رصدها بالوسائل التقليدية. وتعمل هذه المركبات بهدوء نسبي وتوفر قدرة دقيقة على تحديد مواقع الألغام الأكثر تعقيدا.

ورغم هذه الجاهزية النظرية، فإن استخدام هذه السفن في السياق الحالي سيكون سابقة، إذ لم تختبر هذه المنظومة بعد في عمليات فعلية واسعة النطاق لإزالة الألغام تحت ظروف قتال معقدة. كما أن البرنامج واجه منذ بدايته سلسلة من الإخفاقات. فقد صممت سفن القتال الساحلي كمنصة سريعة ومرنة منخفضة الكلفة، قادرة على تبديل مهامها بين مكافحة الألغام ومكافحة الغواصات والقتال السطحي. غير أن هذا التصور تعثر مبكرا بفعل مشكلات تقنية، إلى جانب معاناة بعض السفن من أعطال ميكانيكية، خاصة في نظام الدفع، وهو ما أدى إلى انخفاض سرعتها مقارنة بالمخطط له.

أما على مستوى حزمة مكافحة الألغام، يخلص تقرير مكتب الاختبار والتقييم العملياتي في البنتاغون لعام 2025 إلى أنه لا يمكن الحكم على الفعالية التشغيلية أو الملاءمة لسفن القتال الساحلي المزودة بهذه الحزمة، بسبب نقص البيانات الكافية حول أداء أنظمة الكشف والتدمير. كما يرصد التقرير مشكلات واضحة في بعض المكونات الأساسية. فقد صنف نظام “الكنس بالتأثير” الذي يحاكي بصمة السفن على أنه غير ملائم تشغيليا، مع جاهزية لم تتجاوز 29%، وهي أقل بكثير من الحد الأدنى الذي حددته البحرية. وإلى جانب ذلك، أظهر نظام التحييد الجوي للألغام المحمول على مروحية “سي هوك” والمسؤول عن تدمير الألغام المكتشفة، مستوى موثوقية منخفضا قبل دخوله الخدمة، فضلا عن محدودية قدرته على التعامل مع معظم أنواع الألغام ضمن سيناريوهات التهديد الفعلية.

إعلان

علاوة على ذلك، تصنع سفن القتال الساحلي من الألومنيوم وليس من الخشب والألياف الزجاجية على غرار “أفينجر”، وهو ما يمنحها بصمة مغناطيسية أعلى ويمنعها من دخول حقول الألغام مباشرة دون تعريض نفسها لخطر التفجير. لذلك يتعين عليها البقاء خارج منطقة التهديد والاعتماد على منصات غير مأهولة لتنفيذ المهمة كما ذكرنا، إلا أن هذه المنصات مقيدة بمدى الاتصال وخط الرؤية مع السفينة الأم، ما يحد من نطاق عملها، خاصة في الظروف البحرية الصعبة أو على المسافات الكبيرة.

3 سفن في مهمة مستحيلة

في هذا السياق، يشير تقرير صادر عن مركز الاستراتيجية البحرية، وهو مركز أبحاث أمريكي يركز على الأمن القومي في المجال البحري، إلى أن هذه السفن واجهت صعوبات في أداء مهامها حتى في ظروف اختبار مثالية. فقد أظهرت اختبارات أجريت قبالة سواحل جنوب كاليفورنيا، في مياه صافية وخالية من العوائق البصرية، أن هذه الأنظمة أخفقت في تحقيق الكفاءة المطلوبة، بما يدفع إلى التساؤل عن كيفية أدائها في مياه هرمز العكرة، إذا ما كانت ترتكب مثل هذه الأخطاء في بيئة اختبار مثالية.

غير أن الصعوبات التي تواجهها هذه السفن لن تقتصر على تعذر الرؤية، بل تمتد إلى بيئة تهديد متعددة الطبقات تحيط بعملية كسح الألغام نفسها. فعلى الساحل الإيراني الجنوبي، تنتشر منصات إطلاق متحركة لصواريخ مضادة للسفن مثل “نور” و”قادر”، بمدى يمتد إلى نحو 300 كيلومترِ. وتتميز هذه الصواريخ، خصوصا في مرحلتها النهائية، بأنها تحلق على ارتفاع منخفض جدا لا يتجاوز أمتارا قليلة فوق سطح الماء، ما يقلص زمن اكتشافها ويصعب رصدها راداريا. كما تمتلك إيران صواريخ باليستية مضادة للسفن مثل “خليج فارس”، القادرة على استهداف أهداف متحركة برؤوس مناورة.

وعلى سطح الماء، يعتمد الحرس الثوري على أسراب من الزوارق السريعة الصغيرة التي تتجاوز سرعتها 50 عقدة، وتهاجم بشكل جماعي لتطويق السفن من اتجاهات عدة. وبعض هذه الزوارق مزود بصواريخ خفيفة وأسلحة رشاشة، فيما يعمل بعضها الآخر كزوارق انتحارية محملة بالمتفجرات. وتشير التقديرات الاستخبارية الأمريكية إلى أن إيران لا تزال تحتفظ بنحو 90% من زوارقها الصغيرة وقوارب إلقاء الألغام حتى بعد الضربات الأمريكية الأولى.

وفي الوقت ذاته، تمتلك غواصات “غدير” الإيرانية القدرة على العمل في المياه الضحلة، حيث يصعب رصدها بوسائل الحرب المضادة للغواصات التقليدية المصممة لغواصات أكبر في مياه أعمق، أي أن بيئة العمليات نفسها تمنح هذه المنصات أفضلية تكتيكية.

يعني ذلك أن سفن القتال الساحلي لن تعمل بمعزل عن التهديد، بل ستحتاج إلى غطاء جوي وبحري مستمر طوال عملية الكسح. فمروحية “سي هوك”، التي تقوم بتمشيط المياه بالليزر، تظل هدفا محتملا لصواريخ أرض-جو قصيرة المدى، فيما تعمل المركبات السطحية غير المأهولة، التي تسحب أنظمة السونار، داخل ممرات ضيقة لا يتجاوز عرضها ميلين بحريين، وعلى مقربة من جزر إيرانية محصنة.

وتشير “إيما سالزبوري”، الباحثة في معهد أبحاث السياسة الخارجية، إلى أن الولايات المتحدة -دون دعم حلفائها- لا تمتلك الأصول الكافية لتنفيذ مهام الضرب والمرافقة وكسح الألغام في آن واحد، بما يضيف قيدا إضافيا على فعالية هذه العمليات. فالبحرية الأمريكية لا تمتلك سوى 3 سفن قتال ساحلية مجهزة بحزمة مكافحة الألغام. كما تكشف التجارب الميدانية عن هشاشة إضافية في منظومة التشغيل، حيث يؤدي تعطل أي مكون إلى تعطيل المهمة بالكامل. ففي إحدى الاختبارات، تعطلت آلية استعادة مركبة سطحية غير مأهولة، ما استدعى تدخل سفينة أخرى لاسترجاعها، فالسفينة الأم لن تستطيع التعامل مع مثل هذه الأعطال بنفسها، نظرا لتصميمها المعتمد على الألومنيوم، والذي يمنعها من دخول حقل الألغام دون تعريضها لخطر مباشر.

غير أن ذلك لا ينفي تماما قدرة الولايات المتحدة على فتح ممر داخل المضيق، لكن السؤال الأكثر إلحاحا يتعلق بقدرتها على إبقائه مفتوحا. فكما أشرنا، تمتلك إيران القدرة على إعادة زرع الألغام بوتيرة أسرع من إزالتها، وفي ممر لا يتجاوز عرضه بضعة أميال، يكفي لغم واحد أو حتى اشتباه بوجوده، لإعادة إغلاق ما تم تأمينه بجهد استغرق أسابيع، مما يجعل المضيق في جوهره اختبارا لطول النفس والقدرة على الاستمرار في القتال لمدى زمني أطول، ولن يقاس فيه النجاح بمجرد تحقيق إنجاز محدود سرعان ما تعكسه تطورات القتال.

المصدر: الجزيرة

———————————-

قصف الجامعات والمنشآت المدنية.. بين أهداف الحرب على إيران وحدود الأخلاق

مع احتدام وتيرة الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، تتزايد التحذيرات من انزلاق الصراع إلى مستويات أكثر خطورة، مع تصاعد خطاب التهديدات العسكرية واتساع دائرة الأهداف المحتملة لتشمل بنى تحتية مدنية حيوية.

ويتهم المنتقدون الولايات المتحدة بتخليها عن المعايير الأخلاقية، واتباع سياسة “تجهيل وتعجيز” ممنهجة من خلال قصف المؤسسات التعليمية والبحثية، مما يثير مخاوف جدية من انزلاق المنطقة نحو كارثة إنسانية غير مسبوقة وتكريس جيل جديد من العداء والمواجهة.

المعايير الأخلاقية ضحية الحرب

تحت عنوان “أمريكا تتخلى عن المعايير الأخلاقية”، أشارت صحيفة نيويورك تايمز في مقال تحليلي إلى تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بأنه سيقضي على محطات توليد الكهرباء وآبار النفط وجزيرة خارك، وربما أيضا منشآت تحلية المياه في إيران، قضاءً مبرما “إذا لم يتم التوصل سريعا إلى اتفاق يضمن فتح مضيق هرمز”.

واعتبر دبليو جي هنيغان محلل شؤون الأمن القومي في مقاله، هذا التهديد “خروجا شائنا عن ضبط النفس الذي سعى إليه معظم الرؤساء في زمن الحرب”.

وحذر من أن حرب ترمب على إيران تنطوي على خطر مباشر يهدد حياة ملايين الإيرانيين وتترتب عليه عواقب طويلة الأمد تحول دون حصولهم على الماء والكهرباء والضروريات الأخرى.

ويرى خبراء في القانون الدولي أن الاستهداف المتعمد للبنية التحتية الإيرانية، إذا ما نُفِّذ، من شأنه أن يشكل حتما “جريمة حرب”.

وأوضح الكاتب أن أحد المبادئ الأساسية للقوانين التي تحكم أي صراع حديث لا يجيز استهداف المدنيين أثناء المواجهات العسكرية.

ونقل المقال عن روبرت غولدمان، أستاذ القانون ومدير مكتب أبحاث جرائم الحرب في الجامعة الأمريكية بواشنطن، قوله إن “التدمير العشوائي للبنية التحتية المدنية لإيران يُعد انتهاكا صارخا لقوانين النزاعات المسلحة والقانون الإنساني الدولي، ومن شأنه أن يتسبب في آثار كارثية واضحة ومتوقعة على السكان المدنيين”.

إعلان

كما أشار براين فينوكان، وهو محامٍ سابق في وزارة الخارجية الأمريكية، إلى أن تصريحات ترمب “تُشكل تهديدا باستهداف أعيان مدنية بغض النظر عن مبدأ التمييز، وهو ما قد يُعد جريمة حرب”.

ورغم أن بعض المنشآت قد تُصنف “أهدافا مزدوجة الاستخدام” -وفق مقال نيويورك تايمز- فإن القاعدة تفرض التناسب، أي تجنب إلحاق أضرار مفرطة بالمدنيين مقارنة بالمكاسب العسكرية المرجوة.

“حين تطال الحرب البنى الأساسية، يصبح المدنيون في مرمى تبعاتها المباشرة” (الفرنسية)

انقسام في الداخل الأمريكي

لم تكن هذه التهديدات محل إجماع حتى في الأوساط الداعمة للعمليات العسكرية؛ فقد تناولت صحيفة وول ستريت جورنال هذه المسألة في افتتاحيتها، حيث فرّقت بين الأهداف “المشروعة” مثل منشآت النفط التي تمول النظام الإيراني، وبين الاستهداف “العشوائي” للبنية التحتية المدنية.

واعتبرت الصحيفة أن ضرب محطات الكهرباء وتحلية المياه “سيضر بالشعب الإيراني أكثر مما يضر بالنظام”، محذرة في الوقت نفسه من أن ذلك قد يؤدي إلى أزمة إنسانية حادة، تشمل نقص المياه والكهرباء، وربما موجات نزوح إلى الدول المجاورة.

وحذرت الافتتاحية من أن مثل هذه الخطوات قد تأتي بنتائج عكسية، إذ تمنح السلطات الإيرانية ذريعة لتحميل الولايات المتحدة مسؤولية الأوضاع الإنسانية، كما قد تقوض الدعم الإقليمي والدولي للحملة العسكرية.

وأضافت أن إحدى مزايا تكنولوجيا القصف الموجّه أنها تتيح للجيش الأمريكي ضرب العدو دون إلحاق أضرار مدنية، معتبرة ذلك “تحسنا في المعايير الأخلاقية المتعلقة بالحروب، يبيِّن أوجه الفرق بين أساليب القتال الأمريكية وتلك التي ينتهجها أناس كالرئيس الروسي فلاديمير بوتين على سبيل المثال”.

 حرب على المستقبل: استهداف الجامعات

من جانبه، سلط موقع إنترسبت الضوء على اتساع نطاق استهداف الحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ليشمل مؤسسات أكاديمية، حيث تعرضت جامعتان إيرانيتان -هما جامعة أصفهان للتكنولوجيا وجامعة إيران للعلوم والتكنولوجيا في طهران- لقصف عنيف خلال الأيام الماضية، بزعم ارتباطهما ببرامج عسكرية.

ووصفت الكاتبة ناتاشا لينارد في مقالها بالموقع الإخباري الأمريكي هذه المبررات بأنها “جوفاء ومغرضة”، مشيرة إلى أن المنطق ذاته قد يبرر نظريا استهداف جامعات أمريكية أو إسرائيلية مرتبطة بأبحاث عسكرية، ولها روابط مباشرة مع المجمع الصناعي العسكري الأمريكي والإسرائيلي.

ووفقا  للمقال، فإن تلك الروابط المباشرة كانت ستجعل من جامعات مثل كاليفورنيا في بيركلي، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وجونز هوبكنز أهدافا مشروعة، من بين عشرات المؤسسات التعليمية الأخرى.

بل إن الجامعة العبرية في القدس تضم قاعدة عسكرية في حرمها الجامعي، ومع ذلك لا تعتبرها واشنطن أهدافا مشروعة، على حد تعبير لينارد.

ونقل موقع إنترسبت عن هيليه دوتاغي، الباحثة في جامعة طهران، القول إن قصف الجامعات يعكس نمطا أوسع يهدف إلى “إضعاف القدرات الصناعية والعلمية لإيران بشكل منهجي لمنعها من الدفاع عن سيادتها”.

إعلان

ويربط حقوقيون بين هذا السلوك وما حدث في قطاع غزة عام 2024، حيث دمرت آلة الحرب الإسرائيلية الجامعات بالكامل للحيلولة دون أن يتمكن الفلسطينيون من إعادة بناء مجتمعاتهم.

الكلفة البشرية

على الأرض، ترسم الأرقام صورة قاتمة للوضع الإنساني؛ حيث تشير تقديرات مجموعات حقوق الإنسان إلى مقتل ما لا يقل عن 1443 مدنيا في إيران، بينهم 217 طفلا، منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط الماضي. كما أفادت الأمم المتحدة بنزوح نحو 3.2 ملايين إيراني من منازلهم.

ولم تقتصر الخسائر على الجانب الإيراني، إذ قُتل 13 جنديا أمريكيا وأصيب أكثر من 300 آخرين، بالإضافة إلى مقتل أكثر من 1110 أشخاص في لبنان جراء الحملة الإسرائيلية، وعشرات القتلى في دول الخليج وإسرائيل.

المصدر: الصحافة الأميركية

———————————————-

مشروع القرار الخليجي حول مضيق هرمز يسقط الإشارة إلى الفصل السابع بعد تهديد روسيا باستخدام الفيتو/ عبد الحميد صيام

الأمم المتحدة- “القدس العربي”: علمت “القدس العربي” من مصادر دبلوماسية أن الخلافات حول نص مسودة مشروع القرار الذي قدمته دول مجلس التعاون الخليجي عبر العضو غير الدائم في مجلس الأمن، سفير البحرين، جمال فارس الرويعي، ما زالت قائمة.

وكانت المسودة الأولى تشير إلى استخدام الفصل السابع، لإبقاء المضيق مفتوحا عبر إنشاء قوة خاصة متعددة الجنسيات للسيطرة على المضيق، وإبقائه مفتوحا بالقوة إذا لزم الأمر.

وقد علمت “القدس العربي” من مصدر دبلوماسي رفيع، أن المسودة الأولى التي تضمنت إشارة واضحة للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، والذي يعطي المجلس الحق في اعتماد إجراءات عقابية يمكن تنفيذها بالقوة، إن لزم الأمر، جاءت من وفد الولايات المتحدة.

لكن الموقف الروسي الصلب، المدعوم من الصين، أجبر رعاة مشروع القرار التخلي عن الإشارة إلى الفصل السابع.

فقد اعترضت روسيا بشكل حاد على استخدام عبارة “يجيز استخدام جميع الوسائل اللازمة” لحماية الملاحة التجارية في مضيق هرمز. وجاء الموقف الروسي قويا وواضحا: روسيا ستستخدم الفيتو ولن تكرر غلطة ليبيا، عندما سمحت للمجلس باعتماد القرار 1973 (2011) الذي فوض استخدام القوة لحماية المدنيين، وانتهى تطبيقه إلى إسقاط النظام وتقسيم ليبيا.

وكانت البحرين قد وزعت نسخة معدلة من مشروع القرار،  بعد أن حذفت إشارة صريحة إلى آليات إنفاذ ملزمة، على أمل تجاوز اعتراضات دول أخرى. لكن المسودة لقيت اعتراضات من الصين وروسيا وفرنسا التي طالبت بإجراء مزيد من المشاورات قبل وضعه في صيغته الزرقاء، ودخول مرحلة الصمت التي تسبق التصويت عليه.

وفي مؤتمره الصحافي في مقر الأمم المتحدة، الأربعاء، لمناسبة تولي البحرين رئاسة مجلس الأمن لشهر نيسان/أبريل الحالي، أكد السفير البحريني، جمال فارس الرويعي، أن مشروع القرار ما زال قيد المشاورات وبحاجة إلى كثير من العمل. وقال الرويعي: “هناك اتصالات ومناقشات مستمرة مع أعضاء المجلس للتوصل إلى توافق في الآراء، وإيجاد مسودة تحظى بالإجماع، حتى يتسنى اعتمادها قريبا”.

وحسب المصدر الدبلوماسي، فإن النص ما زال قويا وغير مقبول من روسيا، لأن هناك ما يشير إلى ما قد يفهم منه أنه تشريع لاستخدام القوة لضمان مرور آمن للملاحة البحرية عبر مضيق هرمز وخليج عمان.

وحسب معلومات متداولة هنا ما زالت غير مكتملة، فإن فرنسا قد تقترح مشروع قرار بديلا، يحصل على توافق أوسع داخل المجلس ويقوم أساسا على الحصول على تفويض من الأمم المتحدة لإبقاء المضيق مفتوحا أمام الملاحة البحرية بمجرد هدوء الأوضاع.

ووفق النسخة الثالثة من التعديلات، فإن المشروع الذي يحث على خفض تصعيد الأعمال العدائية الجارية في الخليج ومضيق هرمز وخليج عمان، والعودة إلى المسار الدبلوماسي، يأذن للدول الأعضاء “باستخدام جميع الوسائل اللازمة، بما يتناسب مع الظروف، في مضيق هرمز والخليج وخليج عمان، بما في ذلك داخل المياه الإقليمية للدول الساحلية الواقعة داخل مضيق هرمز أو المتاخمة له، لتأمين المرور العابر وردع المحاولات الرامية إلى إغلاق الملاحة الدولية عبر مضيق هرمز أو إعاقتها أو التدخل فيها بأي شكل آخر، وذلك إلى أن يقرر المجلس خلاف ذلك”.

كما يشدد على “حق الدول الأعضاء، وفقاً للقانون الدولي، في الدفاع عن سفنها ضد الهجمات والاستفزازات، بما في ذلك تلك التي تقوض حقوق وحريات الملاحة، كما ينعكس في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار”.

ويكرر المشروع مطالبة إيران بالوقف الفوري لجميع الهجمات ضد السفن التجارية وسفن الشحن، و”أي محاولة لعرقلة حق المرور العابر المشروع أو حرية الملاحة في مضيق هرمز، كما يدعو إلى وقف الهجمات ضد البنية التحتية المدنية، بما في ذلك البنية التحتية للمياه ومحطات تحلية المياه، فضلاً عن منشآت النفط والغاز”.

——————————

ترامب يريد تحميل كلفة الحرب على إيران لدول الخليج

01 ابريل 2026

بعدما أغرق الرئيس الأميركي دونالد ترامب الشرق الأوسط بأزمة كبيرة مع إطلاقه بالشراكة مع إسرائيل الحرب على إيران في 28 فبراير/ شباط الماضي، وما تلاها من تركيز طهران في ردها بتنفيذ اعتداءات مستمرة حتى اليوم على دول الخليج، وإغلاق مضيق هرمز، ما كبّد الخليج خسائر هائلة، ها هو اليوم يتّجه، بحسب ما يُمكن رصده من مؤشرات، لتحميل هذه الدول تكاليف حربه، في استمرار لنهج الابتزاز الذي يعتمده منذ ولايته الأولى (2017-2021) تجاه من يفترض أنهم حلفاء واشنطن التاريخيون.

ومع دخول الحرب شهرها الثاني، تكون قد دفعت الولايات المتحدة أكثر من 36 مليار دولار، وفقاً لموقع “إيران كوست تيكر” الذي يرصد تكاليف الحرب بالاعتماد على مصادر بينها وزارة الحرب الأميركية (بنتاغون) وما ينشر في مراكز أبحاث ووكالات أنباء عالمية، حيث بلغ الإنفاق أكثر من مليار دولار يومياً منذ بدء الضربات. وتشمل الخسائر مليارات الدولارات من الأصول العسكرية المتضررة أو المدمرة، من طائرات مقاتلة إلى أنظمة دفاع صاروخي، إلى جانب ارتفاع عدد الضحايا.

كلفة الحرب على إيران

وفيما طلب البنتاغون تمويلاً بقيمة 200 مليار دولار لمواصلة هذه الحرب، وجّه ترامب أنظاره إلى الدول العربية للمساهمة في تمويلها. وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت، للصحافيين مساء الاثنين الماضي، إن الرئيس الأميركي مهتم بدعوة دول عربية للمساهمة في تحمّل تكاليف الحرب. وعند سؤالها خلال إفادة صحافية عن مساهمة دول عربية في تحمّل كلفة الحرب، قالت ⁠ليفيت إنها لا تريد استباق موقف الرئيس، لكنها أشارت إلى أن ‌هذه فكرة مطروحة لدى ترامب. وأضافت: “أعتقد أن ⁠الرئيس مهتم جداً بدعوتهم إلى القيام بذلك… إنها فكرة أعلم أنها تراوده، وأعتقد أنكم ستسمعون منه المزيد بشأنها”.

ويترافق ذلك مع تسريبات عن أن ترامب قد ينهي الحرب حتى لو ظل مضيق هرمز مغلقاً إلى حد بعيد، وتأجيل عملية معاودة فتحه المعقّدة إلى وقت لاحق، وفق صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية، على الرغم من تبعات هذا الإغلاق على الاقتصاد العالمي وعلى دول الخليج تحديداً. وبحسب “وول ستريت”، فإن واشنطن قد تضغط على حلفائها في أوروبا والخليج لأخذ زمام المبادرة في إعادة فتح المضيق.

مسار من الابتزاز

وعلى الرغم من شراكة دول الخليج الأمنية والاقتصادية الطويلة مع واشنطن، فإن ترامب انتهج مسار الابتزاز علناً بحق هذه الدول حتى قبل أن يصل إلى البيت الأبيض، فخلال حملته الانتخابية بين 2015 و2016، قال ترامب في تصريحات حينها: “لدينا دول غنية جداً في الشرق الأوسط… لن تكون موجودة لولا نحن… يجب أن يدفعوا لنا”. وعند توليه الحكم في 2017، وعند إعلانه في ديسمبر/ كانون الأول 2017 استراتيجيته للأمن القومي، طالب البلدان الثرية بأن تسدد للولايات المتحدة تكلفة الدفاع عنها، في إشارة إلى دول الخليج.

كذلك طالب ترامب مراراً الدول المنتجة للنفط في الشرق الأوسط، التي تتصدرها السعودية، بخفض أسعار النفط عبر زيادة الإنتاج، مذكّراً هذه الدول بـ”الحماية الأميركية” لها. وطالب ترامب في يوليو/ تموز 2018، دول الخليج وعلى رأسها السعودية التي قال إنه تربطه بحكامها علاقات جيدة، بتعويض نفط إيران التي قال إنها عدو لدول منظمة “أوبك”. وأضاف في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز الأميركية حينها إن “الولايات المتحدة توفر الحماية لكثير من دول المنظمة النفطية”. وفي تصريحات عام 2018، زعم ترامب أن السعودية لن تصمد على الأرجح لأكثر من أسبوعين من دون مساعدة عسكرية من واشنطن. وقال حينها: “نحن نحمي السعودية. هل تعتبرونها دولة غنية؟ أنا أحب الملك سلمان. لكنني قلت: يا جلالة الملك، نحن نحميكم. قد لا تتمكنون من البقاء أسبوعين من دوننا. عليكم أن تدفعوا تكاليف جيشكم. عليكم أن تدفعوا.” وأدلى ترامب بهذه التصريحات خلال تجمع انتخابي في ولاية ميسيسيبي في أكتوبر/ تشرين الأول 2018، وسط تصفيق حار من أنصاره.

وفي تصريحٍ قبل أيام، ادعى الرئيس الأميركي أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان “يتملقه” في وصفه للوضع الراهن بين واشنطن والرياض. وفي كلمة ألقاها في منتدى استثماري مدعوم من السعودية في فلوريدا، قال ترامب: “لم يكن يتوقع حدوث هذا. لم يكن يتوقع أن يتملقني… كان يظن أنني سأكون مجرد رئيس أميركي آخر لدولة تتدهور. لكنه الآن مضطر إلى أن يكون لطيفاً معي”. ثم اتخذ الرئيس الأميركي نبرة أكثر تصالحية، واصفاً ولي العهد محمد بن سلمان بأنه “ذكي”، مضيفاً أن نظرة الناس إلى الولايات المتحدة قد تحسنت بشكل ملحوظ في عهده. وعلى الرغم من ذلك، سعى الرئيس الأميركي لتعزيز العلاقات مع الخليج عبر الصفقات، وخلال جولته في مايو/ أيار 2025 التي شملت السعودية وقطر والإمارات، عمل ترامب على تأمين مليارات الدولارات عبر صفقات الاستثمار. وقال ترامب حينها: “زرنا قطر والسعودية والإمارات، وجلبنا حوالى 5.1 تريليونات دولار، وهذا ليس سيئاً”. يُذكر أنه عندما قادت الولايات المتحدة تحالفاً دولياً ضمّ عشرات الدول خلال حرب الخليج لمواجهة الغزو العراقي للكويت بناءً على طلب الأخيرة وعدد من جيرانها العرب، جمعت دول المنطقة وأعضاء التحالف، بمن فيهم ألمانيا واليابان، 54 مليار دولار للمساهمة في تمويل التدخل العسكري الأميركي.

العربي الجديد

———————–

الأمم المتحدة تحذر من تداعيات الحرب على الاقتصادات العربية

أصدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقريرًا حول خسائر اقتصادات المنطقة العربية جراء الصراع العسكري الدائر في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وإيران وأذرعها في المنطقة من جهة أخرى.

وتوقع التقرير الصادر اليوم، الثلاثاء 31 من آذار، أن تتكبد الاقتصادات العربية خسائر تتراوح بين 3.7 و6.0% من إجمالي ناتجها المحلي الجماعي، ما يشكل خسارة تتراوح قيمتها بين 120 و194 مليار دولار أمريكي.

وأوضحت الأمم المتحدة أن الخسائر المتوقعة تتجاوز إجمالي النمو للناتج المحلي الإجمالي الذي حققته المنطقة في عام 2025.

وحذرت من أن الخسائر ستترافق مع ارتفاعات في معدلات البطالة بنسبة تناهز 4%، بما يعادل فقدان 3.6 مليون وظيفة، وهو ما يفوق إجمالي الوظائف التي استحدثتها المنطقة خلال عام 2025.

وأشار التقرير إلى أن هذه الانتكاسات الاقتصادية ستدفع ما يصل إلى أربعة ملايين من سكان المنطقة إلى براثن الفقر،  أغلبيتهم في منطقة بلاد الشام والبلدان العربية الأقل نموًا.

تداعيات متفاوتة

أوضح التقرير أن تداعيات الحرب ليست متجانسة بين جميع دول المنطقة، بل تتفاوت بشكل ملحوظ نظرًا للخصائص الهيكلية التي تتسم بها مناطقها الفرعية الرئيسية.

وبيّن أن أكبر الخسائر على مستوى الاقتصاد الكلي، تتركز في منطقتي مجلس التعاون الخليجي ومنطقة المشرق، حيث يؤدي التعرض الشديد لاضطرابات التجارة وتقلبات أسواق الطاقة إلى حدوث تراجعات كبيرة في مستويات الناتج والاستثمار والتجارة.

وتوقع التقرير أن تخسر هاتان المنطقتان الفرعيتان ما نسبته 5.2 إلى 8.5% و5.2 إلى 8.7% من ناتجهما المحلي الإجمالي، على التوالي، بينما تظل التداعيات معتدلة في شمال إفريقيا.

ونوه إلى ارتفاع معدلات الفقر في منطقة المشرق العربي بنسبة 5%، مما سيدفع ما بين 2.85 و3.30 مليون شخص إضافي إلى دائرة الفقر، وهو ما يمثل أكثر من 75% من إجمالي الزيادة في الفقر على مستوى المنطقة العربية ككل.

جرس إنذار

الأمين العام المساعد للأمم المتحدة ومدير المكتب الإقليمي للدول العربية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، عبد الله الدردري قال، إن الأزمة تدق جرس الإنذار لدول المنطقة لكي تعيد تقييم خياراتها الاستراتيجية المتعلقة بالسياسات المالية والقطاعية والاجتماعية بشكل جذري.

وأضاف أن حرب الشرق الأوسط تمثل نقطة تحول مهمة في المسار التنموي للمنطقة، مبيّنًا أن نتائج التقرير تبرز الحاجة المُلحة إلى تعزيز التعاون الإقليمي لتنويع الاقتصاد، بما يتجاوز الاعتماد على النمو القائم على إنتاج المحروقات.

ونوه الدردري إلى ضرورة توسيع القواعد الإنتاجية وتأمين النظم التجارية واللوجستية وتوسيع نطاق الشراكات الاقتصادية، للحد من التعرض للصدمات والنزاعات.

تأثيرات الحرب على الاقتصاد السوري

قال الباحث والمحلل الأول في مركز “كرم شعار للاستشارات” بنجامين فيف، في حديث سابق لعنب بلدي، إن بقاء سوريا خارج المواجهة العسكرية المباشرة، لا يمنع تأثرها اقتصاديًا عبر ثلاث قنوات رئيسة شملت:

ـ ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا.

ـ اضطراب التجارة وسلاسل الإمداد.

ـ تراجع الاستثمارات والمساعدات الخارجية، خصوصًا من دول الخليج التي تشكل مصدرًا أساسيًا للتمويل والاستثمار في سوريا.

أما الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي الدكتور عبد الرحمن محمد، فقال إن انعكاس الحرب الإيرانية- الإسرائيلية على سوريا يمكن توصيفه اقتصاديًا بأنه “تأثير تراكمي لصدمة خارجية على اقتصاد هش”.

ويشاطر عبد الرحمن فيف في رأيه، بأن سوريا ليست طرفًا مباشرًا في الحرب بقدر ما هي ساحة تتأثر بنتائجها، مشبهًا الاقتصاد السوري بمريض يعاني مرضًا مزمنًا ثم يتعرض لصدمة جديدة تعطل وظائفه الحيوية.

—————————–

هكذا تخطط واشنطن للاستيلاء على اليورانيوم الإيراني وسط مخاطر بالغة

02 ابريل 2026

قالت صحيفة واشنطن بوست الأميركية، في تقرير، الأربعاء، إن خطة الكوماندوز المحفوفة بالمخاطر التي وضعتها واشنطن للاستيلاء على اليورانيوم الإيراني وُضعت بناءً على طلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وأشارت إلى أن الخطة التي عُرضت على ترامب الأسبوع الماضي، والتي تقضي بإرسال قوات برية لإزالة المواد النووية الإيرانية، ستكون مهمة بالغة الصعوبة، لم يسبق لها مثيل في زمن الحروب.

ويشير طلب ترامب الخطة، الذي لم يُكشف عنه سابقاً، إلى اهتمامه بالتفكير في مهمة عمليات خاصة ستكون بالغة الحساسية وذات مخاطر عالية، وفق الصحيفة التي تنقل عن مصدرين مطلعين قولهما إن الجيش الأميركي قدّم للرئيس خطة للاستيلاء على ما يقارب ألف رطل من اليورانيوم عالي التخصيب في إيران، تتضمن نقل معدات حفر جواً، وبناء مدرج لطائرات الشحن لنقل المواد المشعة. ويوضح المصدران أن الخطة المعقدة عُرضت على ترامب خلال الأسبوع الماضي بعد أن طلب مقترحاً، كما جرى التطرق إلى مخاطرها التشغيلية الكبيرة.

ويقول خبراء إن هذه الخطة ستمثل مهمة بالغة الصعوبة لم يسبق لها مثيل في زمن الحروب، إذ إنها ستتطلب نقلاً جوياً محتملاً لمئات أو آلاف الجنود والمعدات الثقيلة لدعم عمليات التنقيب عن المواد المشعة واستخراجها. ويقدّر مسؤولون دفاعيون سابقون أن ذلك قد يستغرق أسابيع، وسيجري تحت نيران كثيفة في عمق الأراضي الإيرانية. ويقول نائب مساعد وزير الدفاع السابق والضابط المتقاعد في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية والبحرية الأميركية ميك مولروي: “ستكون هذه واحدة من أكبر العمليات الخاصة وأكثرها تعقيداً في التاريخ، إن لم تكن أكبرها على الإطلاق. إنها تشكل خطراً كبيراً على القوات”. وفي ردّ مكتوب على أسئلة الصحيفة حول الخطة، تقول المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت إنه من واجب البنتاغون اتخاذ الاستعدادات اللازمة لمنح القائد الأعلى أقصى قدر من الخيارات، “وهذا لا يعني أن الرئيس قد اتخذ قراراً”، وفق تأكيدها.

وتنقل الصحيفة عن أحد المصدرين، اللذين تحدثا إليها شرط عدم الكشف عن هويتهما، قوله إنه للوصول إلى مخزون اليورانيوم في منشأة أصفهان الإيرانية، يجب الحصول على معدات الحفر، واختراق الخرسانة، والدرع الرصاصي، وأي غطاء واقٍ آخر، ثم يجب الوصول بطريقة ما إلى قاع هذه الصومعة، وإخراج الحاويات المليئة بالمواد النووية ونقلها جواً. وتتفاوت التقديرات بشأن المدة التي قد تستغرقها العملية، حيث تتراوح من أسابيع إلى عدة أشهر.

وفي السياق، يقول الجنرال المتقاعد جوزيف فوتيل، الذي قاد كلاً من القيادة المركزية الأميركية وقيادة العمليات الخاصة الأميركية، إن أفضل طريقة لاستعادة المواد ستكون بعد وقف إطلاق النار، وبرفقة أفراد من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مستطرداً: “لكن إذا اضطررنا إلى خوض معركة للوصول إلى هناك، فقد يكون ذلك ممكناً”.

وعلى الرغم من إقرار فوتيل بأن هناك مخاطر كثيرة مرتبطة بهذا الأمر بالغ التعقيد، وترجيحه إمكانية وقوع إصابات، يقول إن “هذه هي طبيعة عمل قوات العمليات الخاصة الأميركية. هذا ما نفعله. لدينا أفراد مدربون تدريباً خاصاً للعمل في مثل هذه البيئات”. من جانبه، يرى مسؤول دفاعي سابق مطلع على خطط الحرب بشأن إيران وقدرات قوات العمليات الخاصة أن حجم المهمة وتعقيدها سيجعلانها بالغة الصعوبة، لكنها ممكنة، مضيفاً: “باستثناء ضربة سريعة ذات طابع رمزي لإظهار قدرتنا على فعل المزيد، فإن استعادة معظم، أو كل المواد، تتطلب احتلالاً مؤقتاً”.

ويصف جنود سابقون ومسؤولون التعقيدات الاستثنائية المحيطة بمثل هذه العملية. ويقولون إنه من المرجح أن تبدأ العمليات اللوجستية بضرب الدفاعات والمعدات الإيرانية لتأمين ممر آمن للقوات البرية التي ستنقل جواً مئات الأميال داخل البلاد لإنشاء طوق دفاعي حول المنشآت. ويتوقع الخبراء أن أحد الخيارات هو إنزال الفرقة 82 المحمولة جواً وقوات الرينجرز التابعة للجيش الأميركي بالمظلات للسيطرة على الأرض التي قد تكون ضمن مدى مدفعية “العدو” وصواريخه وطائراته المسيّرة. ومن هناك، سيقوم المهندسون على الأرجح ببناء مهبط طائرات لنقل الإمدادات والمعدات، والتي قد يُنزل بعضها جواً من طائرات الشحن أو تعليقها بطائرات المروحيات، مشيرين إلى أن كلا الخيارين سيجعل طائرات النقل الأبطأ “عرضة لنيران العدو”.

ويفيد مسؤولون بأن استمرار أعمال الحفر الشاقة سيتطلب قوة دعم كبيرة؛ سيعمل الميكانيكيون والسائقون وعمال التزود بالوقود وغيرهم على مدار الساعة، وسيحتاج الطعام والماء إلى إعادة إمداد مستمرة. ويضيف مسؤولون سابقون أنه من المرجح أيضاً وجود متخصصين مدنيين في المجال النووي من وزارة الطاقة ووكالات أخرى في الموقع لتقييم المخاطر والإشراف على إزالة اليورانيوم. وبحسب “واشنطن بوست”، من المرجّح أن تبدو العمليات اللازمة لإيواء الأفراد وإطعامهم وحمايتهم أقرب إلى قاعدة صغيرة منها إلى مهمة سرية منخفضة الظهور. أما الجهود المبذولة لاختراق الصخور والدخول إلى منطقة التخزين، فستكون مجرد بداية لعملية شاقة للغاية، تتقدم فيها قوات الكوماندوز ببطء شديد، متراً تلو الآخر، داخل أعماق منشأة مليئة بالمجهول.

وتنقل الصحيفة عن أحد أفراد القوات الخاصة السابقين ذوي الخبرة في التدريب على مثل هذه المهام إشارته إلى أن فرق الاقتحام، التي يُحتمل أن تكون من قوات دلتا التابعة للجيش أو قوات البحرية الخاصة (SEALs)، ستستخدم المناشير ومشاعل القطع لتجاوز العوائق داخل المنشأة الواقعة تحت الأرض، بينما يقوم قناصة بتأمينهم. وسيرتدي أفراد القوات الخاصة بزات واقية وأجهزة تنفس، وسيحملون أجهزة استشعار لكشف التهديدات الإشعاعية.

وفي تفصيلها العملية، تشير الصحيفة إلى أنه سيتعين على الفرق أن تضع في اعتبارها أن أي شيء تطلق النار عليه، أو تفجّره، أو تقطعه، قد يؤدي إلى إثارة مواد خطرة، كما أن المخاوف بشأن التعرض للإشعاع ستتطلب عمليات شاقة ومتكررة لإزالة التلوث عن الأفراد والمعدات، لافتة كذلك إلى احتمال وجود أفخاخ متفجرة. ويقول الجندي السابق في القوات الخاصة: “إنها عملية بطيئة ودقيقة، وقد تكون بالغة الخطورة”، كما أن عملية نقل اليورانيوم هذه ستعرض القوات والمعدات والمواد النووية لهجمات إيرانية محتملة، حيث يُنقل عشرات الأفراد جواً عبر المجال الجوي للعدو، وفق قوله. ويقدّر مسؤولون سابقون أن العملية برمتها في إيران، حتى لو سارت بسلاسة نسبية، قد تستغرق أسابيع.

——————————–

====================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى