هل يفيد الحديث عن “الإسلاميين”؟/ حسام جزماتي

2026.04.06
لنفترض أن شخصاً قال: “بالنسبة لي” لا فرق بين حافظ الأسد وصدام حسين، فكلاهما رئيسان بعثيان، متجاهلاً الفوارق السياسية والشخصية وتباين سيرتَي الديكتاتورين، مغفلاً “البعثيين السوريين”، الذين أعدموا في بغداد و”البعثيين العراقيين”، الذين سُجنوا في تدمر، ناظراً إليهم كعرَض جانبي لصراع الإخوة، محتاراً ما إذا كان الأسد من ارتكب مجزرة حلبجة أو أن صدام أعمل القتل في حماة!
بل لنتخيل أن محللاً سياسياً لا يرى مبرراً للتمييز بين عمار بكداش وعبد العزيز الخيّر، لأن الاثنين قائدان ماركسيان سوريان وصل كلاهما إلى صدارة تنظيمين يحمل كلٌّ منهما وصف “الشيوعي” في اسمه.
أو لنقل إن هناك من لا يريد أن يقتنع بوجود خلاف جاد بين “الحزب الشيوعي السوري” الرسمي وبين جناحه المنشق “الحزب الشيوعي السوري-المكتب السياسي” على الرغم من أن الأمين العام للثاني، رياض الترك، قضى ثمانية عشر عاماً معتقلاً لدى الأسد الأب، في حين أمضى الأمين العام للأول، خالد بكداش، مدة أطول من ذلك من الشراكة في سلطته.
لكن عبثية هذه الأمثلة تنتفي فجأة حين يصبح الحديث عن “الإسلاميين”، إذ لا يمتنع كتّاب وصحافيون عن التنقل بين جماعاتهم وكأنهم أخطبوط برأس واحد وثلاثين ذراعاً: الإخوان المسلمون؛ والقاعدة؛ وطالبان؛ وداعش؛ وحزب التحرير؛ وحركة النهضة؛ والجهاد؛ والجهاد الإسلامي؛ وحركة الأنصار وأنصار الله وأنصار الإسلام وأنصار الشريعة وأنصار السنّة…
والحال أن أي تيار واسع الانتشار يفرز جماعات عديدة، متطابقة ومتشابهة ومتعاونة ومتخاصمة ومتعادية، وهذا واقع الحراك الإسلامي منذ نشأته، ولا سيما بعد انتعاشه إثر هزيمة عام 1976 وظهور “الصحوة” ثم شيوع التنظيمات الجهادية بعد محطة أفغانستان.
ومن الملاحظ أن طبقات هذه المجموعات لم تلغِ سابقاتها بل استمر وجود الكل باختلاف الضعف والقوة، ومع ظهور حركات إسلامية في كل دول العالم العربي والإسلامي، وبتوجهات عدة في كل بلد؛ تشكّلت مروحة واسعة من شرائح الإسلاميين؛ من الديمقراطيين إلى الحازميين الذين كفّروا داعش التي كانوا من رعاياها.
في تمرين سابق كانت “رابطة العقلانيين العرب” قد أصدرت مجموعة كتب عن الإسلام وفق ظواهره، حملت عناوين من نوع: “إسلام المصلحين”؛ “إسلام المتكلمين”؛ “إسلام الفقهاء”؛ “إسلام المتصوفة”؛ “الإسلام الشعبي”؛ “الإسلام السنّي”؛ “الإسلام البدوي”؛ “الإسلام العربي”؛ “الإسلام الآسيوي”؛ “الإسلام الأسود”، وغيرها، ضمن سلسلة “الإسلام واحداً ومتعدداً”.
وعلى الرغم من أن “الرابطة” كانت من أبرز منابر العلمانية إلا أن المثال الذي قدّمته في هذه الكتب لم يؤثر بما يكفي على صعيد تعدد النظر وفرز التجليات، أو أن ذلك ظل يعدّ ملمحاً تاريخياً وثقافياً، ولم يصل إلى الراهن والسياسي.
لكن ما يدفع إلى هذا الكلام هو الواقع الآن.
فمنذ أن وصلت السلطة السورية الحالية إلى دمشق يتزايد خصومها، ولأن كثيراً منهم ينطلق من صدام دموي لم يجف بعد معها طغت عليهم لغة نضالية وما يدعمها من قراءة وتحليل حربيّين، فبات من المألوف أن تقرأ أن الحكم داعشي، أو أنها حكومة القاعدة، أو أنها، على أقل تقدير، سلطة “جبهة النصرة” بداهة.
والحق أن تاريخ “هيئة تحرير الشام” يشجّع على ذلك كله، من دون أن يتوقف عنده، فقد جاءت طلائعها، وعلى رأسهم أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع)، موفدين في صيف 2011 من “دولة العراق الإسلامية”، التي غادروها، عام 2013، ليبايعوا تنظيم “القاعدة” حتى 2016، وفي هذه السنوات الخمس حملت الجماعة اسم “جبهة النصرة” بالفعل.
لكن التوقف عند هذه التواريخ، التي يعود أحدثها إلى عشر سنوات، يشوش على صاحبه إمكانية فهم ما جرى، وما ثبت من هذه المراحل وما تغيّر، وبالتأكيد يضعه في موقف المشدوه أمام القبول الدولي الواسع للسلطة كما يراها، وأخيراً يضيّع عليه فرصة خصومة فعالة ما دام يسدد على القميص القديم للعدو.
فأولاً لم يكن انسلاخ “النصرة” عن داعش ودياً بأي حال، وقد أسال الكثير من الدماء نتيجة رغبة التنظيم الأم، الشرس، في سحق الفرع المتمرد وقتل زعيمه، ولم تخمد الحرب إلا بوهن قوة داعش نتيجة جهود “التحالف الدولي”.
ورغم ذلك ظل نصف نزلاء السجون الأمنية إبان حكم “هيئة تحرير الشام” لإدلب معتقلين بتهمة أنهم دواعش، والكثير منهم لم يخرج، وحتى بعد حكمها دمشق لم يتوقف التنظيم عن توعد “الهيئة” بالكواتم والعبوات.
أما تنظيم “القاعدة” فقد أفصح، على لسان أميره السابق أيمن الظواهري، عن استيائه الشديد من الطريقة التي سلكتها “النصرة” في البيعة ثم فك الارتباط من طرف واحد، وحصل الذين خرجوا من “النصرة” وأسّسوا “حراس الدين” على مباركة “القيادة العامة” بوصفهم الفرع الجديد لتنظيم “القاعدة”، مما فتح أمامهم أبواب سجون “الهيئة” أيضاً، وعرّضهم لملاحقتها التي لم تتوقف إلا عندما حلوا جماعتهم إثر سقوط الأسد.
كذلك، يُغفل القول بأن “هيئة تحرير الشام” هي ذاتها “النصرة”، سنواتٍ من مراقبة قيادتها اليقظة لطريق الصعود وما يتطلبه من تحولات في الأفكار والسلوك وغربلة القيادات والكوادر بما يناسب التغيير، الذي كانت أوسع خطواته في أثناء معركة “ردع العدوان” وما تلاها.
وقل مثل ذلك عن تهم إسلامية متناثرة أخرى تسير السلطة في الاتجاه المعاكس لها تماماً، إذ لم تكتفِ بعدّ جماعة “الإخوان المسلمين” حزباً سياسياً، كغيره، لا يُسمح له بالعمل في داخل البلاد؛ بل صدّت عدداً من الإشارات الإيجابية التي أرسلها “الإخوان”، في حين أصرّت على الاحتفاظ بمعتقلي “حزب التحرير” السابقين في سجن حارم حتى وقت قريب.
هل يعني هذا أن الطبقات الجيولوجية للجماعة لم تترك أثراً في أفكارها وبنيتها وأفرادها وأنصارها؟ بالطبع لا، لكن تمييز ما بقي عن ما ضمُر لازم للفهم، وهو الدرجة الأولى لكل شيء، بما في ذلك المعارضة.
تلفزيون سوريا



