إشتباكات السويداءالتدخل الاسرائيلي السافر في سورياسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعن أشتباكات صحنايا وجرمانا

إشتباكات السويداء والتدخل الاسرائيلي السافر 15 نيسان 2026

تابع مكونات الملف اتبع الرابط التالي:

التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة

لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي

إشتباكات السويداء

لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي

عن أشتباكات صحنايا وجرمانا

تحديث 15 نيسان 2026

محافظ السويداء، مصطفى البكور يوضح تعقيدات المشهد بالسويداء وآفاق الحل بعد نحو عام من الأحداث

2026.04.15

كشف محافظ السويداء، مصطفى البكور، في لقاء خاص مع تلفزيون سوريا، عن تعقيدات ملف المحافظة بعد نحو عام على الأحداث التي شهدتها، وآفاق الحل.

وقال المحافظ: “هناك مجموعات مسلحة وجهات محلية تعرقل أي مساعٍ للحل وتؤثر في الواقع الخدمي والمعيشي، في وقت تؤكد فيه الحكومة أن الطرق مفتوحة، وأنها تعمل على تعزيز الثقة ودفع الحوار الوطني، بالتوازي مع محاولات لإعادة تفعيل المؤسسات وضمان استمرار الخدمات والتعليم”.

ورأى البكور أن الأسباب التي تعيق حل ملف السويداء “باتت واضحة للجميع”، مضيفاً أن “جهات مسلحة، من بينها مجموعات محلية وما يُعرف بالحرس الوطني، تتحكم بمفاصل الحياة في المحافظة وتمنع أي تقارب مع الدولة”.

واعتبر أن هذه الجهات تعرقل أي مبادرات للحل بدوافع تتعلق بالمصالح الشخصية أو السعي للنفوذ، وتعمل على منع أي خطوة تخفف عن الأهالي، لافتاً في الوقت نفسه إلى أن بعض الأصوات داخل السويداء التي تدعو للحلول تتعرض للتهديد، وقد يصل الأمر إلى القتل لمجرد التعبير عن الانتماء للدولة، طبقاً لقوله.

وتابع أن ما يُنشر عبر بعض المنصات لا يعكس بالضرورة موقف أهالي السويداء، مؤكداً أن شريحة واسعة من أبناء المحافظة “ترى أنها جزء من الدولة ولا يمكن أن تبتعد عن دمشق”.

الطريق مفتوح… وتأخيرات غير مرتبطة بالغذاء

وفي ما يتعلق بالواقع المعيشي، قال المحافظ إن الطريق إلى السويداء مفتوح، وإن القوافل التجارية تدخل بشكل طبيعي، ولا توجد قيود على المواد الغذائية.

وأشار إلى أن أي تأخير يحدث يكون مرتبطاً بإجراءات التفتيش أو بمواد غير غذائية، مؤكداً أن المواد الأساسية تدخل إلى المحافظة، وأن هناك سلعاً أصبحت متوفرة حالياً لم تكن موجودة سابقاً.

جهود خدمية تواجه عراقيل

وبحسب البكور، فإن المحافظة كانت تعاني شللاً في قطاعات أساسية، وقد لمس ذلك عند دخوله إليها، مؤكداً أن الحكومة عملت على دعم قطاعات الصحة والتربية والبنية التحتية، رغم وجود عوائق مستمرة.

وقال إنه أجرى لقاءات واسعة مع الأهالي لتحديد المشكلات، وجرى العمل على معالجة ديون القطاع الصحي ودعمه، إضافة إلى إعادة تفعيل قطاع التعليم، كما أشار إلى العمل على المياه والكهرباء، لكنه أكد أن بعض الجهات كانت تعرقل أي خطوات إصلاحية.

اقرأ أيضاً

صرف الرواتب وتنظيم عمل البلديات

وبيّن أن الحكومة ركزت بعد الأحداث على استمرار عمل المؤسسات، لا سيما صرف الرواتب، ودعم البلديات ورفع موازناتها، إلى جانب تنظيم توزيع المحروقات.

وأوضح أن تعيين رئيس جديد لمجلس مدينة السويداء يهدف إلى ضبط العمل الخدمي والإداري، ومتابعة شؤون المدينة من بنى تحتية وخدمات، في ظل تراكم المشكلات نتيجة انقطاع عمل البلديات خلال فترة الأحداث.

كما لفت إلى أن بعض المجموعات تستغل المحروقات وتبيعها بأسعار مرتفعة، ما يعرقل جهود تنظيم السوق.

ملف التعليم والامتحانات

وفي ملف التعليم، أكد البكور أن عدداً كبيراً من الطلاب حُرموا من تقديم الامتحانات العام الماضي، نتيجة رفض جهات محلية التنسيق مع وزارة التربية.

وأشار إلى أن هذه الجهات نظمت امتحانات خارج الإطار الرسمي، وهو ما اعتبرته الحكومة أمراً مرفوضاً، مؤكداً العمل هذا العام على إيجاد حلول تضمن تقديم الطلاب لامتحاناتهم.

وأوضح أنه في حال تعذر تنظيم الامتحانات داخل السويداء، فسيجري اقتراح مراكز بديلة في مناطق مثل جرمانا أو صحنايا أو ريف دمشق.

الدعوة إلى حوار وطني شامل

أكد محافظ السويداء أن الحكومة دعت مراراً إلى إطلاق حوار وطني، معتبراً أنه “البوابة الأساسية للحلول، لأنه يتيح طرح المشكلات ومناقشتها بشكل مباشر”.

وأشار إلى أن هناك رغبة لدى شخصيات في السويداء لإجراء حوار محلي، خاصة مع وجود تراكمات قديمة تعود إلى فترة النظام السابق، لكنه شدد على أن أي حوار يجب أن يكون شاملاً ويضم جميع الأطراف، لأن اقتصاره على جهة واحدة “لن يحقق النتائج المطلوبة”.

مخاوف قديمة ومحاولات لتعزيز الثقة

وأوضح البكور أن المخاوف لدى أهالي السويداء ليست جديدة، بل تعود إلى فترات سابقة، مشيراً إلى أن الحكومة عملت على معالجتها عبر اللقاءات المباشرة وبناء الثقة.

وبيّن أن هذه الجهود شملت عقد اجتماعات مع الأهالي وخروج وفود للقاء الرئيس، إضافة إلى دعوة أبناء السويداء للمشاركة في مؤسسات الدولة، سواء سياسياً أو أمنياً أو خدمياً.

ولفت إلى أن بعض الجهات تسعى إلى تضخيم أي حادثة فردية لتعزيز حالة الخوف، ما يؤدي إلى ردود فعل واسعة داخل المحافظة.

انتقادات لـ”اللجنة القانونية”

وانتقد البكور ما يُسمى “اللجنة القانونية” في السويداء، معتبراً أنها تعمل خارج إطار القانون رغم تسميتها، وتتدخل في شؤون الأهالي والخدمات دون تقديم حلول.

وأشار إلى أنها فرضت قيوداً على حركة السكان وتدخلت في ملفات مثل الطحين والمحروقات، معتبراً أن خروجها من المشهد قد يسهم في تخفيف الأزمة.

وختم محافظ السويداء بالتأكيد على ضرورة فصل القضايا الخدمية عن السياسية، وترك إدارة الملفات لأصحاب الاختصاص، لضمان تحسين الواقع المعيشي، مشدداً على استمرار عمل المؤسسات الحكومية بهدف إعادة الاستقرار إلى المحافظة.

تلفزيون سوريا

———————

 الخارجية السورية لـ”المدن”: السويداء قضية أمن قومي للأردن

الأربعاء 2026/04/15

أكد عبيدة غضبان، باحث استراتيجي في وزارة الخارجية السورية، في تصريحات خاصة لـ”المدن”، أن ملف السويداء يتجاوز الإطار المحلي ليشكل قضية أمن قومي بالنسبة للأردن، في ظل ارتباطه بتحديات مشتركة تتصدرها عمليات تهريب المخدرات والتدخلات الإقليمية، ما يفسر الدور الأردني البارز في جهود الوساطة خلال المرحلة الماضية.

وأشار غضبان إلى مسار متنامٍ من التنسيق مع الأردن، يتجاوز الأطر التقليدية نحو شراكة شاملة تمس مختلف القطاعات الحيوية.

ولفت إلى تحديات أمنية مشتركة وملفات إقليمية معقدة تفرض على البلدين تعزيز التعاون الاستراتيجي وتكريس آليات عمل مشتركة قادرة على مواجهة المخاطر وتحقيق المصالح المتبادلة.

دور الأردن

وفي رد على سؤال: إلى أي حد يلعب الأردن دور في معالجة موضوع السويداء خصوصاً أن خارطة الطريق تم توقيعها في دمشق بتاريخ 16 أيلول/سبتمبر 2025 بوساطة أردنية أميركية مشتركة، إثر الأحداث الدامية التي عصفت بالسويداء في تموز/يوليو وأدت إلى الكثير من الخسائر في الأرواح والممتلكات الخاصة والمرافق العامة؟ أجاب: “يعد موضوع السويداء قضية أمن قومي بالنسبة إلى الأردن من جانبين اثنين: تهريب المخدرات (الذي بات يقتصر بدرجة كبيرة على الحدود المحاذية للسويداء)، والتوسع والتدخل الإسرائيلي، الذي يهدد الأردن (من خلال فكرة ضم الضفة والتوسع الاستيطاني وتهديد الوصاية الهاشمية على المسجد الأقصى) بقدر ما يهدد سوريا، لذا لعب الأردن دوراً بارزاً بالوساطة، استناداً إلى الامتداد الجغرافي والاجتماعي، لا سيما أن وزير الخارجية أيمن الصفدي درزي كذلك”.

ورداً على سؤال حول أن العلاقة مع الحكومة السورية انتقلت الى التعاون والتنسيق بدلاً من العلاقة التي كانت قائمة على الابتزاز والتهديد من قبل النظام السابق، ولا يزال يعاني الأردن من دفعات التهريب التي تنطلق من المناطق في جنوب سوريا الخارجة عن سلطة الدولة، وتكشف الأردن بين الآونة والأخرى عن إحباط هذه الشحنات، هل اليوم المطلوب دور أكبر للأجهزة السورية في هذا الجانب بعد زيارة الشيباني؟ قال الباحث: “يمثل تهريب المخدرات أولوية أمنية واضحة للدولة السورية، وهي تصبح أكثر أهمية عند العلاقة مع الأردن، ولذا، فهي تحاول على تفكيك هذه الشبكات أمنيا واجتماعيا واقتصاديا كاستمرار لهذه الرؤية وتحملا لمسؤوليتها نحو استقرار المنطقة وازدهارها، لكن التحدي الرئيسي هو بقاء السويداء خارج سيطرة الدولة، مما قد يبطئ هذه الجهود”.

التعاون السوري الأردني

وفي ما يخص التعاون السوري الأردني الحالي، أفاد غضبان أنه “يغطي جميع جوانب العلاقات الثنائية بين الدولتين، من الأمني والعسكري والدبلوماسي (كما ظهر في اللقاءات المتعددة على أعلى المستويات)، وفي الاقتصادي والتنموي (من حيث الطاقة والنقل والجمارك والتبادل التجاري وتطوير المعابر)، وحتى الثقافي والتعليمي والديني، كل هذا تحت مظلة مؤسسات قائمة ومستمرة، أهمها مجلس التنسيق الأعلى، سعيا لمراكمة التقدم وتحويله لمشاريع استراتيجية كبرى مثل سكة حديد الحجاز، ومد خط الغاز العربي، ونقل البيانات والنفط لربط المناطق”.

وفي رد على سؤال: هل يقف وراء التنسيق الأمني الظاهر في تصريحات الطرفين، سعيهما لتطويره إلى المجال الاقتصادي بعد حرب إيران من ربط ميناء العقبة باللاذقية وما يمنحه هذا المشروع من أهمية جيوسياسية للطرفين؟ أجاب: “كانت الحرب مؤشراً واضحاً على أهمية الترابط والتعاون المتبادل بين الدولتين، لتقاربها من حيث التهديدات والمخاطر، سواء التقليدية (مثل المخدرات وداعش والعدوان الإسرائيلي)، أو غير التقليدية (كالأمن الغذائي والمائي وخطوط الإمداد)، ولذلك بدا واضحا أهمية تعزيز الدولتين وترابطهما لمواجهة هذه التحديات والتهديدات المشتركة، بناء على التاريخ والجغرافيا الأصيلة، واستناداً إلى الإرادة السياسية المشتركة لتحقيق المصالح المتبادلة على أساس الاحترام والشراكة والتعاون”.

وفي رده على سؤال: كيف يمكن لمجلس التنسيق الأعلى بين الأردن وسوريا أن يتحول إلى منصة تنفيذية فعّالة وليس فقط تشاورية؟ أجاب: “المجلس بالفعل منصة تنفيذية، وهو ما ظهر بكونه مظلة توقيع عشرات الاتفاقيات، كما أن لديه سكرتاريا من الجانبين السوري والأردني لمتابعة تنفيذ الاتفاقيات وتوسيع القطاعات المشتركة ودعم المشاريع الاستراتيجية سعيا لتنفيذها في الدورة المقبلة في دمشق”.

وعن الأهمية والرسائل التي يحملها استقبال ملك الأردن للوفد الوزاري السوري؟ وما الأرضية التي تؤسس لها هذا الاستقبال وهذه الزيارة بالنسبة لسوريا الجديدة؟ قال غضبان: “يمثل هذا الاستقبال خروجا نسبيا عن البروتوكول الدبلوماسي، بلقاء رأس الدولة، العاهل الأردني، لوزير الخارجية والوفد المرافق له، في دلالة واضحة على التقارب وعلى إبراز أهمية المجلس ودوره والأولوية التي توليها كل من عمّان ودمشق لهذا المجلس وللعلاقة الثنائية بين الدولتين الشقيقتين، كما يجب أن تكون تاريخيا وجغرافيا”.

اجتماع مجلس التنسيق

والأحد، انعقد في العاصمة الأردنية عمّان، اجتماع الدورة الثانية لمجلس التنسيق الأعلى السوري الأردني، برئاسة وزير الخارجية أسعد الشيباني ونظيره الأردني أيمن الصفدي، وبمشاركة 30 وزيراً من الجانبين.

والتقى المجلس الملك عبد الله الثاني بحضور ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، حيث جرى تبادل التحيات بين العاهل الأردني والرئيس أحمد الشرع.

وأكد الجانبان عزمهما تعزيز التنسيق والتشاور وتطوير التعاون الثنائي نحو شراكة استراتيجية شاملة، تنفيذاً لتوجيهات قيادتي البلدين.

وأشادت سوريا بالدعم المستمر الذي تقدمه الأردن للحكومة السورية، لا سيما في مساعي إعادة الإعمار، بما يعزز وحدة البلاد ويحفظ أمنها واستقرارها وسيادتها وسلامة أراضيها، ويكفل حقوق جميع المواطنين السوريين.

و قال وزير الخارجية وشؤون المغتربين أسعد الشيباني في منشور على منصة “إكس”: “بإرادة صلبة وطموح عالٍ، تشق العلاقات السورية-الأردنية طريقها نحو أنموذج فريد في المنطقة، يشكّل منطلقاً لتنمية ونهضة اقتصادية، ويضع حجر الأساس لدعم إعادة الإعمار والتعافي، وتعزيز الربط الإقليمي والدولي”.

المدن

——————————-

 سوريا بعد انهيار المفاوضات: مساحة تتقاطع فيها خطوط الضغط/ مهيب الرفاعي

الأربعاء 2026/04/15

بعد انهيار المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، ننطلق في هذه القراءة من لحظة تحول حاسمة في أساس الصراع الإقليمي، حيث أدى فشل جولة إسلام آباد في 11 أبريل/ نيسان الجاري، بعد مفاوضات طويلة ومكثفة لأكثر من عشرين ساعة، وبين وفود على مستوى من الثقل الأمني والاستخباري والعسكري والاقتصادي، إلى إعادة فتح الملفات الجوهرية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، والملاحة في مضيق هرمز، وشبكات النفوذ الإقليمي للطرفين، وضمانات الأمن الإقليمي، ضمن بيئة مشحونة تتزامن مع هشاشة وقف النار واستمرار المقاربة الإسرائيلية القائمة على تثبيت مناطق عازلة في محيطها، بما في ذلك الجغرافيا السورية، وهو ما يعيد تعريف موقع سوريا من دولة تتأثر بتداعيات الأزمة إلى عقدة مركزية في إدارتها وإعادة تشكيل توازناتها.

تعكس هذه المفاوضات فجوة عميقة بين تصورين متباينين في جوهرهما، حيث يسعى التصور الأميركي إلى تفكيك عناصر القوة الإيرانية، سواء على مستوى البرنامج النووي أو منظومات الصواريخ أو الامتدادات الإقليمية، وهو ما لم تنجح أميركا به على الرغم من انها قضت على قيادات من الصف الأول والثاني على مستوى عدة أجهزة عسكرية وأمنية وسياسية لدى طهران؛ في حين يعمل التصور الإيراني على تثبيت هذه العناصر ضمن إطار سيادي مقابل رفع العقوبات وتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، وهو ما يجعل التعارض بين منطق نزع القدرة ومنطق تثبيت السيادة تعارضاً هيكلياً أساسياً يقود بصورة مباشرة إلى انهيار المسار التفاوضي، ويدفع الصراع إلى الانتقال من حيز الدبلوماسية إلى مستوى إعادة تشكيل الوقائع الميدانية.

في هذا الانتقال، تتقدم الجغرافيا الوسيطة بوصفها أداة أساسية لإدارة الاشتباك، وتبرز سوريا في مقدمة هذه الجغرافيا، حيث تتحول إلى مساحة تتقاطع فيها خطوط الضغط الكبرى، وتُعاد صياغة وظيفتها ضمن توازنات جديدة تتجاوز حدودها الوطنية، لا سيما بسبب موقعها الجيوستراتيجي ومساحتها وتحكمها بممرات مهمة. تتعامل الولايات المتحدة مع المجال السوري بوصفه ممراً يجب ضبطه لمنع إعادة إنتاج النفوذ الإيراني، وتنظر إيران إليه كاحتياطي استراتيجي قادر على تعويض الخسائر في الساحات الأخرى، بينما تتعامل إسرائيل مع الجنوب السوري على وجه الخصوص كامتداد مباشر لمنظومة أمنها القومي، وهو ما يضع سوريا في موقع مركب يجمع بين الحاجز والممر وورقة التفاوض المؤجلة في آن واحد.

ضمن هذا السياق، تتحول سوريا من ساحة تتلقى نتائج الصراع إلى أداة تُستخدم في إعادة توزيع الضغط وامتصاص الصدمات وإعادة رسم التوازنات، حيث تتشكل قيمتها الجيوسياسية من قدرتها على التحكم في المساحات الرمادية، وضبط الحدود، وإدارة التداخل بين الأمني والاقتصادي، وهو ما يمنحها موقعاً وظيفياً جديداً داخل معادلة الصراع الإقليمي، ويجعل الجغرافيا السورية جزءاً من هندسة الصراع أكثر من كونها مجرد انعكاس له.

سوريا كعقدة تقاطع للضغط

ضمن هذا المشهد، يمكن ان نقرأ موقع سوريا من خلال ثلاث مقاربات استراتيجية مختلفة تتقاطع فوق الجغرافيا نفسها، وتتعامل مع الأرض السورية بوصفها منظومة حركة وتسليح وعمق خلفي أكثر من كونها مجرد حدود سياسية ثابتة، وهو ما يجعل قيمة سوريا تنبع من قدرتها على احتضان أو تعطيل أو إعادة توجيه هذه العناصر الثلاثة: التسلّح، الممرات والفضاء الخلفي.

ترى إيران في سوريا مساحة لإعادة التكيف الاستراتيجي مع الضغط الحاصل عليها سواء من أميركا وإسرائيل ودول الخليج العربي، حيث تتحول من قاعدة نفوذ تقليدية إلى بيئة مرنة لإعادة إنتاج النفوذ ضمن شروط أكثر تعقيداً لا سيما بعد سقوط نظام الأسد، الحليف الأكبر لطهران. يظهر هذا التحول بشكل خاص في إعادة تعريف مفهوم التسلّح، حيث لم يعد قائماً على تخزين مركزي أو نقل مكشوف، بقدر ما يعتمد على توزيع السلاح ضمن شبكات صغيرة، متنقلة، ومندمجة داخل المجال المحلي، ما يقلل من قابلية الاستهداف ويمنح القدرة على إعادة التجميع السريع عند الحاجة. في هذا السياق، تكتسب المعابر والممرات غير الرسمية التي لم تكتشفها الإدارة السورية الجديدة كلها أهمية مضاعفة، حيث تتحول الطرق الفرعية، والحدود المتداخلة، ونقاط العبور غير المعلنة والشبكات المحلية (العشائر) القائمة على اقتصاد التهريب بغض النظر عن الولاء إلى شرايين أساسية للحركة اللوجستية، وهو ما يجعل الجغرافيا السورية شبكة مفتوحة من المسارات المتغيرة بدل خطوط إمداد ثابتة.

بالتوازي، تتعامل طهران مع سوريا بوصفها فضاءً خلفياً قادراً على امتصاص الضغط وإعادة توزيع القوة، حيث يسمح العمق السوري بإعادة التموضع، وإخفاء الهياكل العسكرية، وإعادة إنتاج القدرة بعيداً عن خطوط الاشتباك المباشر عبر مجموعة خلايا نائمة، وهو ما يمنحها ميزة استراتيجية تقوم على المرونة بدل التمركز. وفي هذا الإطار، تستخدم سوريا كطرقات عبور لإعادة تشكيل البنية العسكرية نفسها، عبر الدمج بين المحلي والإقليمي، وبين العسكري والاقتصادي الخفي.

في المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى هذه العناصر نفسها من زاوية معاكسة تماماً، حيث ترى في سوريا عقدة يجب تفكيكها عبر التحكم بالممرات ومنع تشكّل العمق الخلفي، لا سيما بعد أن أوكلت مسألة ضبط الحدود للحكومة السورية وتخلت عن قاعدة التنف العسكرية، ما يدفعها إلى التركيز على ضبط الحدود والمعابر الرسمية وغير الرسمية، ومراقبة المسارات اللوجستية، وتقليص قدرة أي طرف على استخدام الجغرافيا السورية كقناة تسليح أو كفضاء لإعادة الانتشار. ضمن هذا التصور، تتحول المعابر إلى نقاط سيطرة استراتيجية، ويصبح التحكم بالحركة أهم من السيطرة على الأرض نفسها، حيث يعاد تعريف السيادة على انها القدرة على إغلاق أو فتح المسارات بدل احتكار المجال بالكامل.

كما تعمل واشنطن على تقليص وظيفة سوريا كحديقة خلفية عبر تقليل قدرتها على استيعاب الشبكات وإعادة إنتاجها، سواء من خلال الضغط الأمني، أو دعم نماذج ضبط محلية، أو فرض رقابة غير مباشرة على حركة الأفراد والموارد؛ لتتحول هنا العلاقة مع الدولة السورية إلى علاقة قائمة على الأداء الوظيفي، حيث يُقاس مستوى الضغط أو التخفيف بمدى قدرتها على ضبط هذه المسارات ومنع استخدامها كقنوات تسليح أو إعادة تموضع.

أما إسرائيل، فتتعامل مع هذا الوضع ضمن مقاربة أكثر حدة وعنفاً، حيث ترى في التسلّح والممرات والعمق الخلفي تهديداً يجب تفكيكه قبل أن يتحول إلى هياكل عسكرية مستقرة تربطها بإيران لا سيما في المناطق الحدودية مثل البوكمال في الشرق وبيت جن وبيت تيما وكفر حَور في ريف دمشق الغربي؛ ما يدفعها إلى اعتماد سياسة تقوم على استهداف سلسلة التشكّل كاملة، من النقل إلى التخزين إلى التموضع إلى الاستخدام كما في حالة ” الجماعة الإسلامية” في كناكر وبيت جن جنوب غرب سوريا. في هذا الإطار، تتحول الطرق والمعابر (المصنع وجديدة يابوس كمعابر رسيمة وغيرها من المعابر غير الرسمية) إلى أهداف محتملة، ويصبح أي تحرك لوجستي، أو نقل سلاح، أو إعادة انتشار، جزءاً من منظومة الاستهداف الوقائي.

تتجاوز هذه المقاربة استهداف السلاح نفسه، لتصل إلى استهداف فكرة العمق الخلفي للنشاط الإيراني ونشاط حزب الله، حيث تسعى إسرائيل إلى منع سوريا من التحول إلى مساحة يمكن من خلالها إعادة إنتاج التهديد، عبر تقليص قدرتها على احتضان الشبكات، أو توفير بيئة آمنة لإعادة التنظيم. وبهذا المعنى، تُعاد هندسة الجغرافيا السورية كمساحة مكشوفة إلى حد كبير على اعتبار جبل الشيخ الآن تحت سيطرة الجيش الاسرائيلي، وتُقيد فيها الحركة، وتُراقب فيها مسارات التجمع والعمل المسلح، وتفرض عليها خطوط غير معلنة تحدد ما يمكن أن يمر وما يجب أن يُمنع.

إدارة التوازن على الأرض السورية

بالفعل تتحرك دمشق ضمن مشهد إقليمي معقّد يقوم على تقاطع ضغوط متعددة المستويات وكلفة كل مستوى أعلى من الآخر، ما يدفعها إلى تبني مقاربة دقيقة تقوم على إدارة التوازن بدل الانخراط في اصطفاف حاد، حيث تعمل على الحفاظ على مسافة محسوبة من إيران تضمن استمرار القنوات دون تحويل المجال السوري إلى امتداد مباشر. هذا بالفعل قد حصل من خلال غض النظر عن عدة مجموعات داخل الأراضي السورية لا سيما في مثلث الموت (محور تلول فاطمة وتل أحمر ومناطق الهبارية ودير ماكر) في الجنوب الغربي، وتأخير ضبط الخنادق في بيت جن وتأخير ضبط الانفاق في القصير والزبداني وغيرها؛ وفي الوقت نفسه تضبط مستوى الاحتكاك مع إسرائيل عبر تقليل نقاط التماس المكشوفة في القنيطرة ريف درعا الشمالي الغربي، وتفتح قنوات تواصل غير مباشرة مع الولايات المتحدة وأطراف إقليمية أخرى، بما يتيح لها الحفاظ على هامش مناورة داخل بيئة شديدة الحساسية وسريعة التحول.

تتجاوز هذه المقاربة البعد السياسي التقليدي، لتأخذ شكل إدارة تقنية أمنية للمجال الجغرافي السوري، حيث يتحول التركيز من فرض السيطرة الشاملة إلى التحكم في العناصر التي تُنتج القوة داخل هذا المجال، وفي مقدمتها الحدود، والمعابر، ومسارات الحركة، والتدفقات اللوجستية والتمويل والدعم التقني. ضمن هذا المسار، تعمل الدولة على إعادة تنظيم الجغرافيا السورية كشبكة من المساحات المُدارة وليس المساحات المضبوطة، حيث تُراقب الطرق، وتُدار نقاط العبور، وتُعاد هيكلة المسارات غير الرسمية، بما يقلل من قدرة أي طرف على استخدام الأرض السورية كقناة مفتوحة للتسلّح أو إعادة التموضع.

يأخذ هذا التحول بعداً أعمق عند النظر إلى ما يمكن تسميته بإدارة التدفقات، حيث تتحول الدولة من كيان يسعى إلى السيطرة على الأرض إلى كيان يسعى إلى التحكم في ما يمر عبرها، سواء كان ذلك سلاحاً، أو أفراداً، أو موارد، أو نفوذاً أو خدمات لوجستية من الإدارية حتى الصحية و البشرية. تكتسب المعابر الحدودية، والمناطق الطرفية، والطرق الثانوية، أهمية استراتيجية، لأنها تمثل نقاط التحكم الفعلية في المجال، وهو ما يدفع إلى إعادة توزيع الجهد الأمني من المركز إلى الأطراف، ومن السيطرة المباشرة إلى الرقابة المستمرة.

كما تتداخل هذه المقاربة مع إدارة المساحات الرمادية، حيث تعمل دمشق على تقليص هذه المساحات أو إعادة ضبطها، بدل تركها مفتوحة أمام الفاعلين غير الرسميين لا سيما الخلايا النائمة المرتبطة بحزب الله والحرس الثوري والفصائل العراقية، وذلك عبر مزيج من الإجراءات الأمنية، والتفاهمات المحلية، وإعادة تنظيم الاقتصاد الحدودي، بما يحوّل هذه المناطق من نقاط ضعف إلى أدوات ضمن معادلة الضبط. وفي هذا السياق، لا يجري القضاء على هذه المساحات بالكامل، وإنما إدماجها ضمن نظام مراقبة وتحكم يسمح بإبقائها تحت السقف دون تحولها إلى بيئة مستقلة.

تتحول السياسة السورية هنا إلى عملية ديناميكية مستمرة من إعادة التموضع بالمفهوم التقليدي، تقوم على امتصاص الضغط وإعادة توزيعه عبر الجغرافيا، ولا ننسى هنا ان إسرائيل بالمحصلة هي مصدر قلق لكل من طهران ودمشق ولكل من شعبي الدولتين وفق مؤشرات الرأي العام المتاحة، حيث يُعاد توجيه التوتر من نقطة إلى أخرى، ويُخفض مستوى الاحتكاك في مناطق معينة مقابل تشديده في مناطق أخرى، بما يمنع تراكم الضغط في نقطة واحدة يمكن أن تتحول إلى انفجار. هذه القدرة على إعادة توزيع الضغط تمثل جوهر الاستراتيجية، حيث تتحول الجغرافيا إلى أداة لإدارة التوازن، لا مجرد ساحة له.

تكمن أهمية هذه المقاربة في أنها تعيد تعريف وظيفة الدولة السورية ضمن هذا المشهد، حيث لا تُقاس قوتها بقدرتها على فرض سيطرة مطلقة وتحكم بالمجال الجوب والبري، بقدر ما يقاس بقدرتها على إدارة التعقيد، والتحكم في التداخل بين الأمني والاقتصادي والعسكري والمجتمعي المرتبط بالراي العام لا سيما بعد التوترات في الجنوب السوري والمظاهرات المرتبطة بالتوغلات الإسرائيلية في القنيطرة وبقرار إعدام الاسرى الفلسطينيين؛  وضبط التدفقات التي تشكل أساس النفوذ الإقليمي. وبهذا المعنى، تتحول الدولة من فاعل يسعى إلى الحسم إلى فاعل يدير المجال، حيث تصبح السيادة عملية تشغيل مستمرة تُقاس بالكفاءة في الضبط أكثر من الامتلاك الشكلي للأرض، وهو ما يضع سوريا في موقع فاعل داخل المعادلة، لا مجرد ساحة تتقاطع فوقها الصراعات.

تطويق حزب الله وإعادة تهيئة لبنان

يتجلى البعد الأكثر حساسية في موقع سوريا من هذه التداخلات من خلال تحولها إلى أداة ضغط إقليمي تُستخدم في إعادة تشكيل البيئة العملياتية لحزب الله، وفي الوقت نفسه في تضييق المجال الاستراتيجي الذي تحرك منه داخل لبنان وعبره لا سميا بعد فرض إسرائيل مسار تفاوضي مع لبنان وحده دون إيران او أي دولة إقليمية أخرى، ورغبة تل أبيب بفصل الساحات بأي كلفة. عموماً، الجغرافيا السورية اليوم تُقرأ بكونها حزاماً أمنياً ولوجستياً وسياسياً يجري ضبطه تدريجياً من أجل قطع المرونة التي منحت الحزب لعقود قدرة على الحركة، وإعادة التموضع، ونقل الأفراد والمواد، واستثمار الفوضى الحدودية بوصفها امتداداً طبيعياً لعمله الإقليمي. ومن هنا تكتسب المعابر، والطرق الجبلية، والأنفاق، والمسارات غير الرسمية، قيمة مركزية داخل المشهد، لأنها تمثل البنية التحتية الفعلية التي تسمح بإنتاج النفوذ أكثر مما تمثله المقرات الكبيرة أو العناوين العسكرية التقليدية. وارتبط هذا المسار خلال الأسابيع الماضية بتعزيزات سورية على الحدود اللبنانية ونشر وحدات من الجيش السوري في ريف حمص الغربي وريف دمشق، وبخطاب رسمي وأمني يربط بين منع تهريب السلاح والمخدرات ومنع تسلل عناصر حزب الله أو المجموعات المرتبطة به إلى الداخل السوري.

ضمن هذا الإطار، يتسع معنى الضبط ليشمل أكثر من مجرد مراقبة خط حدودي، إذ يأخذ شكل إعادة تنظيم كاملة للمجال الحدودي والفضاء الخلفي المرتبط به. فالتشديد على ضبط الأنفاق في ريف حمص، وتشديد الرقابة على المسارات المتفرعة في ريف دمشق الغربي، ومراقبة المثلث الجنوبي لسوريا بوصفه فضاءً يتقاطع فيه الأمني بالسياسي باقتصاد الحرب وما بعد الحرب وبالرسائل الإقليمية، كلها خطوات تدل على أن دمشق تتجه إلى تفكيك البنية المرنة التي أتاحت للحزب في مراحل سابقة استخدام الجغرافيا السورية كمنطقة عبور وتخزين وإخفاء وإعادة تموضع. والمعنى الأعمق هنا أن الدولة لا تستهدف فقط السلاح بوصفه مادة، بقدر ما تستهدف السلسلة التي تجعل السلاح قابلاً للحركة بدءاً من الممر، والنفق، والناقل، والمخزن، والوسيط المحلي، والحماية الرمادية التي كانت تسمح باستمرار هذه الشبكة تحت سقف منخفض من الظهور.

بهذا المعنى، يجري التعامل مع سوريا بوصفها مجالاً يجب تنظيفه من القنوات التي تحولها إلى ظهر تشغيلي للبنان، لا مجرد حدود يجب حراستها؛ لا سميا بعد اكتشاف أنفاق تهريب على الحدود في حمص، وهو ما يدعم هذا الاتجاه المني نحو تجريم البنية التحتية للتهريب نفسها، لا فقط اعتراض الشحنات.

ويتعزز هذا المسار أكثر مع تصاعد الحديث عن الخلايا النائمة والخلايا المرتبطة بالحزب داخل سوريا، لأن هذا النوع من الملفات يمنح دمشق فرصة لربط الأمن الداخلي بالأمن الإقليمي في رواية واحدة. فإعلان وزارة الداخلية السورية إحباط مخطط في دمشق واعتقال خمسة أشخاص على خلفية التخطيط لاستهداف شخصية دينية، مع اتهام خلية مرتبطة بحزب الله، ثم تداول تقارير إعلامية قالت إن الهدف كان حاخاماً يهودياً في العاصمة، يمنح السلطة السورية مادة سياسية وإعلامية ذات وزن كبير في هذا الملف. إذ تنبع أهمية هذه القضية من البعد الأمني المباشر، ومن رمزية الهدف وطبيعة التهمة والسياق الإقليمي المحيط بها، لأن ربط الحزب بمحاولة استهداف شخصية دينية يهودية داخل دمشق القديمة (وباب توما التي تحتوي اكثر من كنيس يهودي  قريبة جداً من الاحياء الشيعية ذات الصلة بحزب الله و بإيران سواء اجتماعياً أو دينياً أو اقتصادياً وحتى أمنياً فيما سبق، في كل من حي الأمين و حي الإمام جعفر الصادق) يسمح بإعادة تصويره أمام الداخل السوري وأمام الخارج بوصفه عنصر فوضى واغتيال واختراق أمني، لا مجرد فاعل لبناني مرتبط بساحة الجنوب أو بالمواجهة مع إسرائيل.

وهذه النقطة تحديداً تفتح الباب أمام استثمار إعلامي واسع، لأن القضية تسمح بإخراج الحزب من صورة القوة المقاومة إلى صورة الشبكة العابرة للحدود التي تعبث بأمن العاصمة السورية نفسها وتضع الدولة في مواجهة أخطار أمنية ودبلوماسية مركبة. وقد أعلنت الداخلية السورية بالفعل عن إحباط المخطط، فيما ذكرت تقارير أخرى أن الشخصية المقصودة كانت حاخاماً، مع نفي حزب الله صحة الاتهامات.

يكتسب هذا التوظيف الإعلامي والسياسي عمقاً أكبر حين يوضع في سياق تاريخ ثأري طويل بين الحزب وممثلي الادرة السورية الجديدة في سوريا. فالعلاقة بين حزب الله ودمشق عبرت خلال السنوات الماضية من طور التحالف الوظيفي الكثيف إلى طور الشك والاحتكاك وإعادة الحساب. ومع تغيّر بنية السلطة في دمشق وتبدل أولوياتها بعد سقوط نظام الاسد، أصبحت الذاكرة السياسية والأمنية محمّلة بملفات متراكمة فيها ثأر واختراقات، وأدوار ميدانية متشابكة، وحسابات تقويض نفوذ داخل الأراضي السورية، وشعور متزايد لدى قطاعات داخل الدولة الجديدة بأن الحزب استفاد طويلاً من المساحة السورية أكثر مما خدم استقرار نظام الأسد.

 ومن هنا، يسمح ملف الخلايا النائمة التابعة لحزب الله وإيران للحكومة السورية الجديدة بأن تعيد تأطير هذا التاريخ كله داخل خطاب جديد يقوم على أن الحزب تهديد للنظام العام السوري، وفاعل يعمل داخل المجال السوري بأجندة خاصة تتقاطع مع تهريب السلاح، وتنشيط الخلايا، وإنتاج بيئات رمادية خارجة عن الضبط. يبرر هذا التأطير أيضاً التحول السياسي لصالح رواية أميركا وإسرائيل، ويمنحها أرضية داخلية وإقليمية لتشديد القبضة وتطويق حزب الله دون أن تبدو وكأنها تنفذ رغبات خارجية فقط، الى القدر الذي تبدو و كأنها تدير معركة سيادية لاستعادة المجال من اختراقات متراكمة؛ رغم أنها ترفض في كل مرة التدخل عسكريا في لبنان كما طلبت منها كل من واشنطن وتل ابيب.

في السيناريو الأقسى، يصبح  تطويق أي عمليات تهريب سلاح ورصد أي تحرك مشبوه جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة تعريف وظيفة الجغرافيا السورية؛ على اعتبار ان هذه المناطق ليست متساوية في معناها العملياتي، لكنها تتكامل ضمن شبكة واحدة حيث أن ريف حمص يمثل عقدة عبور وتخزين واتصال بالحدود اللبنانية؛ ريف دمشق الغربي يمثل الحزام الأقرب إلى العاصمة، حيث يتحول أي اختراق إلى تهديد مباشر للرمزية السيادية والأمن الداخلي؛ أما المثلث الجنوبي فيمثل الفضاء الأكثر حساسية من جهة تداخله مع الحسابات الإسرائيلية ومع فكرة المنطقة العازلة والخطوط الحمراء غير المعلنة. ولهذا يصبح الرصد في هذه المناطق رصداً متعدد الطبقات يبدأ من رصد للمواد، وللحركة، وللوسطاء، وللتغيرات الصغيرة في أنماط العبور، ولإشارات إعادة التموضع، لا مجرد رصد لأرتال أو مخازن واضحة. وتنسجم هذه القراءة مع تقارير عن عمليات سابقة نسبت فيها دمشق أسلحة هجمات داخلية إلى حزب الله، ومع دفع أميركي باتجاه تحرك سوري أشد ضده، حتى لو بقيت دمشق حذرة من الانزلاق إلى مواجهة أوسع.

أما حزب الله، يجد نفسه أمام انكماش حاد ومتسارع في فضائه الخلفي داخل سوريا، حيث لم يعد المجال السوري يوفر تلك المرونة التي سمحت له سابقاً بالحركة والتخزين وإعادة التموضع، وهو ما يدفعه إلى تقليص الظهور، وتفكيك كتلته الظاهرة، والاعتماد على شبكات متناثرة تحاول الحفاظ على الحد الأدنى من القدرة ضمن بيئة أصبحت معادية ومكشوفة في آن واحد. غير أن هذا التحول لا ينتج استقراراً، بقدر ما  يرفع من مستوى التوتر، لأن الانتقال إلى عمل أكثر خفاءً يدفع الأطراف الأخرى، وعلى رأسها الدولة السورية وإسرائيل، إلى توسيع دائرة الاشتباه، وتعزيز الضبط، وتحويل الجنوب إلى مساحة احتكاك دائم، حيث تتكثف عمليات الرصد، والتوقيف، والتفكيك، ويجري التعامل مع أي إشارة على نشاط مسلح بوصفها مشروع تهديد يجب إنهاؤه قبل اكتماله.

في هذا السياق، يتبلور السيناريو الأقسى في الجنوب السوري، حيث تتعامل إسرائيل مع هذه الجغرافيا بوصفها مجالاً يجب إعادة تشكيله بالقوة، عبر مزيج من القصف المكثف، والتدمير المنهجي للبنية اللوجستية، والتوغلات البرية المحدودة، وصولاً إلى تثبيت عمق أمني فعلي عبر الحواجز المنتشرة ونقاط التفتيش يتجاوز خطوط الاشتباك التقليدية. يتجه هذا السيناريو نحو ضرب البيئة التي تسمح بوجود هذه الأهداف، من خلال استهداف الطرق، والمخازن واحتلال محيط السدود والممرات المائية، ونقاط العبور، والمناطق التي يُشتبه بأنها حاضنة لأي نشاط مسلح، ما يحوّل الجنوب إلى فضاء مُنهك، تتآكل فيه القدرة على إعادة تنظيم أي جماع مسلحة سواء محلية او ذات ارتباط خارجي.

يتعزز هذا المسار عبر بنية مراقبة كثيفة تعتمد على مخبرين محليين، والإشراف الكامل من المرتفعات الحاكمة، مثل تل الحارة والتلول الحمر وتل الفرس ومرتفعات جباتا الخشب، إضافة إلى مراصد جبل الشيخ، التي تتيح تغطية واسعة للمجال الجنوبي، وربط الحركة على الأرض بصورة استخباراتية متكاملة، تسمح بتتبع الأنماط، وليس فقط الأهداف. وضمن هذه البنية، يصبح أي تحرك، مهما كان صغيراً، قابلاً للرصد والتفسير، ما يفتح المجال أمام تدخل سريع ومباشر، سواء عبر ضربات جوية، أو عمليات قصف مدفعي، أو حتى إنزالات محدودة تستهدف تفكيك نقاط معينة وإرسال رسائل ردعية.

ومع تصاعد هذا النمط، يتحول الجنوب السوري إلى منطقة خاضعة لمنطق العمق الأمني، حيث لا تتوقف العمليات عند حدود منع التهديد، بقدر ما تمتد إلى دفعه بعيداً عن الحدود، عبر خلق حزام من الفراغ العسكري النسبي، تُمنع فيه أي بنية مسلحة من التشكل أو الاستقرار. ويأخذ هذا العمق شكلاً متدرجاً، يتراوح بين التوغلات المحدودة، والضربات المتكررة، والضغط المستمر على القرى والبلدات القريبة من خطوط التماس، ما يؤدي إلى تفريغ المجال من أي قابلية تنظيمية.

المدن

———————————-

 ضمن “محور الشر”: سوريا الجديدة في التصور الإسرائيلي/ ليلى نقولا

الأربعاء 2026/04/15

في خطاب متلفز، عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خريطة للشرق الأوسط، قدّم من خلالها تصوّر حكومته لمصادر التهديد في الإقليم، مصنّفاً عدداً من الدول بوصفها تشكّل خطراً مباشراً على إسرائيل، وفي مقدمتها إيران والعراق وسوريا ولبنان واليمن.

يثير إدراج سوريا ضمن هذه الخريطة تساؤلات كبيرة، ولا سيما في ضوء التحوّلات السياسية التي شهدتها البلاد عقب سقوط نظام بشار الأسد، وتوقيع اتفاق أمني مع السلطة الجديدة. ويبدو هذا التصنيف، في هذا السياق، متناقضاً مع الخطاب الإسرائيلي والأميركي المعلن حول السعي إلى تغيير “سلوك” بعض الفاعلين الإقليميين، ما يستدعي مقاربة تفسيرية أوسع تتجاوز تقييم سياسات الحكم السوري الجديد بحدّ ذاتها.

يمكن فهم استمرار الخطاب الإسرائيلي العدائي تجاه سوريا، وإصرار نتنياهو على إدراجها ضمن سردية “محور الشر”، بوصفه تعبيراً عن مقاربة إسرائيلية استراتيجية في المنطقة تقوم على فلسفتين، الأولى: السعي لتحقيق إسرائيل الكبرى وبالتالي السيطرة على الجغرافيا المحيطة. والثانية: رفض الاعتراف بأيَّة تحوّلات إقليمية لا تخضع للهيمنة الاسرائيلية.

وانطلاقاً مما سبق، يصبح وضع سوريا من ضمن “محور الشر”، لا يتعلّق حصراً بطبيعة النظام السياسي القائم في دمشق، بقدر ما ترتبط بالطمع الإسرائيلي في الجغرافيا السورية، وموقع سوريا المحتمل ضمن أيَّة توازنات إقليمية جديدة.

مركزية الدولة السورية في الحسابات الإسرائيلية

تحتلّ الجغرافيا موقعاً محورياً في التفكير الأمني الإسرائيلي، حيث تُنظر إليها بوصفها عاملاً دائماً لإنتاج التهديد وعدم الاستقرار. وتنطلق هذه الرؤية من اعتبار إسرائيل دولة ذات مساحة محدودة تفتقر إلى عمق جغرافي استراتيجي، وهذا ما يجعل محيطها الإقليمي، ولا سيما دول الطوق، مصدراً دائماً للهواجس الأمنية.

ضمن هذا الإطار، تبرز سوريا بوصفها الدولة الأكبر جغرافياً والأكثر تأثيراً في محيط إسرائيل المباشر. فموقعها المطلّ على الجولان، ودورها كعمق استراتيجي للساحة اللبنانية، فضلاً عن تماسها الجغرافي والسياسي مع العراق وتركيا، يمنحها وزناً خاصاً في معادلات الأمن الإقليمي.

منذ بدء الحرب السورية، قامت المقاربة الإسرائيلية تجاه سوريا على التعامل مع دولة محاصَرة، أو ضعيفة، أو غارقة في أزماتها الداخلية، بما يحدّ من قدرتها على الفعل الإقليمي المستقل. لذا، إن سيناريو سوريا الخارجة تدريجياً من الفوضى، القادرة على إعادة بناء مؤسساتها، المنفتحة على فضاءات إقليمية جديدة، ولا سيما عبر البوابة التركية، يطرح تحدّياً مختلفاً من وجهة النظر الإسرائيلية.

وعليه، تكمن المشكلة الإسرائيلية، ليس في العداء السوري المعلن أو عدمه، بل في نشوء حالة من الاستقرار السياسي خارج الشروط الإسرائيلية. ومن هنا، يمكن القول إن الفوضى في سوريا وفي دول الاقليم، من منظور أمني إسرائيلي، أقل خطورة من قيام دول مستقرة وقادرة على اتخاذ قراراتها السيادية بصورة مستقلة.

البعد التركي في إدراك التهديدات الإسرائيلية

يكتسب النفوذ التركي المتزايد في سوريا أهمية خاصة في الحسابات الإسرائيلية. فتركيا، في العقل الأمني الإسرائيلي، تمثّل حالة إشكالية منذ سنوات: هي ليست عدواً تقليدياً يمكن إدراجه ضمن معادلات الردع المباشر، ولا حليفاً استراتيجياً يمكن الركون إليه. تركيا عضو فاعل في حلف شمال الأطلسي، وتمتلك اقتصاداً متماسكاً نسبياً، وقدرات عسكرية وتصنيعية متقدمة، إضافة إلى هامش واسع للمناورة السياسية داخل النظام الدولي.

وبينما يُنظر إلى إيران باعتبارها عدواً واضح المعالم، تمت إدارة الصراع معه ضمن قواعد اشتباك (سابقة)، ويمكن جرّ الولايات المتحدة إلى حرب مشتركة ضدها، تبدو تركيا قوة صاعدة يصعب اختزالها في خانة العداء الصريح. كما أن أي مواجهة عسكرية مباشرة مع تركيا ستنطوي على كلفة سياسية ودبلوماسية دولية مرتفعة. كل ذلك، يجعل تركيا، من وجهة النظر الإسرائيلية، تحدّياً أكثر تعقيداً على المدى المتوسط والبعيد، أي حينما ينتهي نتنياهو “من المحور الشيعي المتهالك” وينتقل “الى المحور السنّي المتشكّل” وفق رؤيته لمستقبل الصراع في المنطقة.

في هذا السياق، لا تُقيَّم سوريا، في التصور الإسرائيلي، انطلاقاً من تغيّر نظام الحكم فيها أو من خطاب السلطة الجديدة أو حتى من توقيعها اتفاقات أمنية، بل من موقعها المحتمل داخل شبكة إقليمية أوسع يُتوقّع أن تلعب تركيا دوراً قيادياً فيها. وعليه، إن خروج سوريا من دائرة النفوذ الإيراني لا يُنظر إليه بوصفه انتقالاً إلى “فضاء آمن”، بل باعتباره احتمال انتقال من مدار إقليمي إلى مدار آخر مستقل عن الإرادة الإسرائيلية.

المدن

————————–

سوريا المأزومة تخشى صراعا بين تركيا وإسرائيل/ مصطفى رستم

أي تصعيد مدعوم من واشنطن سيؤدي إلى توترات حول دمشق تقودها أنقرة في الشمال وتل أبيب جنوباً

الأربعاء 15 أبريل 2026

ذكر كينت في منشور سابق له على منصة “إكس” بعد استقالته “لن يكون انسحابنا من حلف ’الناتو‘ لتجنب التورط في صراعات خارجية بل لتنضم إلى إسرائيل عندما تتصادم مع تركيا في سوريا”، لافتاً إلى أنه حان الوقت للتوقف عن لعب دور المتسبب في المشاكل والمنقذ في الشرق الأوسط، في حين رفضت الإدارة الأميركية هذه الانتقادات، كما قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت في معرض وصفها رسالة استقالة كينت “تضمنت معلومات غير صحيحة”، وأنه لم يكن له دور في النقاشات التي سبقت الحرب.

أثارت تصريحات المدير السابق للمركز الوطني الأميركي لمكافحة الإرهاب جو كينت زوبعة من الجدل حول صدام متوقع بين الولايات المتحدة وحلف “الناتو” لا سيما بعد امتناع الحلف عن دعم أميركي في الحرب ضد إيران، ونكأ في كلامه صراع نفوذ بين إسرائيل وتركيا على الأرض السورية.

وذكر كينت في منشور سابق له على منصة “إكس” بعد استقالته “لن يكون انسحابنا من حلف ’الناتو‘ لتجنب التورط في صراعات خارجية بل لتنضم إلى إسرائيل عندما تتصادم مع تركيا في سوريا”، لافتاً إلى أنه حان الوقت للتوقف عن لعب دور المتسبب في المشاكل والمنقذ في الشرق الأوسط، في حين رفضت الإدارة الأميركية هذه الانتقادات، وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت في معرض وصفها رسالة استقالة كينت، “تضمنت معلومات غير صحيحة”، وأنه لم يكن له دور في النقاشات التي سبقت الحرب.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب هاجم حلف “الناتو” عبر حسابه بموقع “تروث سوشيال”، وقال “الحلف لم يدعم الولايات المتحدة أثناء احتياجها إليه، ولم يدعمها عندما تحتاج إليه مجدداً”، ولم يفوت صاحب البيت الأبيض فرصة التعليق على استقالة كينت بقوله، “لطالما اعتقدت أنه ضعيف في مجال الأمن، واستقالته أمر جيد”.

وثمة انشقاق في موقف دول “الناتو” حول توسيع الحرب وفي تصريح للأمين العام للحلف، مارك روته قال، “هناك استياء واضح من مواقف عدد من الدول الأعضاء، بعضهم لم يقدم الدعم المتوقع لواشنطن في الحرب الإيرانية، ودول أوروبية لا تزال تدعم الجهود الأميركية الرامية لتقليص نفوذ طهران في حين أظهرت دول أخرى تردداً”.

رجل الاستخبارات

وفي الـ17 من مارس (آذار) الماضي أعلن كينت استقالته من منصبه كرئيس لمركز مكافحة الإرهاب وظل بمنصبه قرابة ثمانية أشهر بعد مصادقة مجلس الشيوخ على تعيينه في يوليو (تموز) عام 2025 وخلال رسالة نشرها على منصات التواصل الاجتماعي قال، “لا أستطيع دعم الحرب المتواصلة في إيران، وإنها لا تشكل تهديداً وثيقاً للأمن القومي الأميركي، وما وقع من حرب بسبب الضغوط الإسرائيلية وضغوط اللوبي الأميركي القوي”.

وكان كينت جندياً في القوات الخاصة الأميركية، وشارك بنحو 11 مهمة قتالية بينها عمليات خلال الحرب على العراق، وعمل ضمن القوات شبه العسكرية التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية قبل أن يخوض العمل السياسي مرشحاً لتمثيل جنوب غربي ولاية واشنطن في الكونغرس، وعمل مساعداً لمديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد وتولى مهام تنسيق المعلومات المتعلقة بالتهديدات الإرهابية داخل الولايات المتحدة وخارجها.

الخلافات المتجددة

إزاء ذلك تتصاعد حدة المناكفات على الصعيدين الإعلامي والدبلوماسي بين تل أبيب وأنقرة في الآونة الأخيرة إذ وصفت الخارجية التركية رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو بـ”مجرم حرب ومطلوب للعدالة” في معرض ردها على تصريحات إسرائيلية سابقة اتهمت أردوغان بدعم إيران.

ويجزم مدير معهد إسطنبول للفكر باكير أتجان بأن إسرائيل لم تتخلَّ عن طموحاتها المرتبطة بتوسيع هامش نفوذها في سوريا ولبنان، لكنها تنتظر اللحظة السياسية والعسكرية المناسبة التي تسمح بتحقيق هذه الأهداف بأقل تكلفة ممكنة.

ويعتقد أن القلق التركي لا ينبع فقط من احتمال تصعيد عسكري محدود، بل من إدراك أن هذا التصعيد قد يكون جزءاً من إعادة تشكيل أوسع للنظام الإقليمي، تداعياته لن تقتصر على سوريا، بل ستمتد إلى شبكة معقدة من العلاقات والتحالفات، لتؤثر على توازنات الشرق الأوسط بأكمله، وعلى موقع تركيا فيه كقوة إقليمية تسعى إلى لعب دور مركزي من دون الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة.

ويواصل أتاجان حديثه لـ”اندبندنت عربية” حول الموقف التركي في حال حدوث أي تصعيد إسرائيلي في سوريا قد يكون محاولة لفرض وقائع جديدة على الأرض، بخاصة في ظل تعقيدات المشهد السوري، وتعدد الفاعلين الدوليين والإقليميين.

ويضيف المتحدث، “إسرائيل قد تسعى من خلال هذا التصعيد إلى إجبار دمشق على قبول ترتيبات أمنية أو سياسية لم تكن لتقبل بها في ظروف طبيعية، مستفيدة من حالة إنهاك تعاني منها الدولة السورية بعد سنوات الحرب، وهذا يضع تركيا أمام معادلة دقيقة فهي من جهة ترفض توسيع النفوذ الإسرائيلي قرب حدودها، ومن جهة أخرى لا ترغب في الدخول في مواجهة مباشرة قد تخلّ بتوازناتها مع القوى الكبرى”.

ويستعرض لنا الباحث في سياسات الشرق الأوسط، أتاجان في مجمل إجابته حول تساؤلاتنا المتعلقة عن انعكاسات أي حرب محتملة ملوحاً إلى مسعى تل أبيب لتثبيت قواعد اشتباك جديدة، تمنع تموضع خصومها، خصوصاً إيران وحلفاءها، بالقرب من حدودها، لكن هذا التوجه وفق رأيه، قد يؤدي إلى احتكاك غير مباشر مع تركيا التي تمتلك وجوداً عسكرياً ونفوذاً ميدانياً في الشمال السوري، وأي خطأ في الحسابات قد يفتح الباب أمام توتر غير مرغوب فيه بين الطرفين.

وأردف أتاجان قائلاً، “أي تصعيد كبير في سوريا قد يعيد العلاقات بين أنقرة وتل أبيب إلى مربع التوتر، حتى وإن كانت قد شهدت في الأعوام الأخيرة محاولات للتطبيع، إذ تجد تركيا نفسها مضطرة للتنديد بالتحركات الإسرائيلية حفاظاً على مكانتها الإقليمية وعلاقاتها مع العالمين العربي والإسلامي، وهو ما قد ينعكس سلباً على مسار العلاقات الثنائية”.

مبالغة ومصالح دول

ومن واشنطن تحدث السياسي السوري، أيمن عبدالنور لـ”اندبندنت عربية” عن شخصية جو كينت، إذ يراه يسلك طريقاً فيه خصوم الإدارة الأميركية الذين فصلتهم منها، وهذا ما دفعه إلى اتخاذ موقف أكثر تشدداً مما يفترض أن يكون على رأس عملهم، أو موقفاً لشخصية خرجت من الإدارة بشكل تقليدي، وهذه المبالغة بحسب رأيه تحمّل الرئيس ترمب تبعات الكلام وينقص من شعبيته.

وتابع عبدالنور، “القضية ليست أنها غير موجودة لكن هناك تضخيماً، ويجب أن ننتبه إليه، من ناحية ثانية، ويوجد مشروعان تركي وإسرائيلي، وبأمكنة أخرى مصالح متطابقة، ومتضاربة والاثنان يعملان في البلد، ولديهما الرغبة بالسيطرة”.

ولفت السياسي السوري النظر إلى كون تركيا لديها نفوذ وشخصيات تابعة لها ومناطق تستخدم فيها الليرة التركية، كما أن هناك جامعات تركية لديها خريجون تعمل على دفعهم لاستلام مناصب في سوريا، ومنحتهم الجنسية، وبذات الأمر أيضاً إسرائيل تعمل بالخفاء عن طريق أشخاص قريبين وموالين أو عرب وأميركان وجنسيات أوروبية.

وحدة سوريا على المحك

ويقول السياسي السوري، “إذا ما انتقل الصرع إلى المرحلة العسكرية سيكون التوجه إلى سيناريو تتقسم في الشمال والجنوب السوري، ومن ثم فالاثنان يمكن أن يصلا إلى نتائج أفضل بالتنسيق والتعاون”.

وبرز خلاف حاد بين البيت الأبيض، وعدد من أعضاء الكونغرس بعدما انتقد مشرّعون اللجوء إلى القوة العسكرية من دون تفويض تشريعي واضح، وهذا ما يُعد تجاوزاً دستورياً بحسب أعضاء من الكونغرس، في وقت تشير استطلاعات الرأي إلى رفض نطاق الحرب أو الدفع بقوات برية داخل إيران.

“رغم أن كليهما يحاول تجنب مواجهة مفتوحة”، كما يرى مدير معهد إسطنبول للفكر أتاجان، لكن التصعيد سيعيد إعادة فرز تحالف بعض الدول العربية التي قد ترى في التحرك الإسرائيلي أداة للحد من النفوذ الإيراني، بينما قد تعده دول أخرى تهديداً مباشراً لوحدة الأراضي السورية واستقرار المنطقة، وهنا تحاول تركيا تقديم نفسها كفاعل توازني، يحافظ على علاقات مع أطراف متعددة.

————————————-

مواقف السوريين من الحروب الشرق أوسطية/ رياض معسعس

على غير المتوقع عمت المدن السورية مظاهرات ضخمة تدين قانون الكنيست لدولة الاحتلال بإعدام الأسرى الفلسطينيين، وتحولت الهتافات إلى نصرة غزة وحماس والفلسطينيين.

وهذا الموقف ليس غريبا على السوريين الذين يعتبرون القضية الفلسطينية قضيتهم الأولى منذ بدايات الهجرة اليهودية وتشكيل الميليشيات الإرهابية الصهيونية لقتل وتهجير الفلسطينيين إلى اليوم، ولا يزال اسم الشيخ السوري عز الدين القسام الذي أطلق ثورة 36 يرفع على رايات الحركة الإسلامية “حماس”، وهذه المظاهرات التي انطلقت من شمال سوريا إلى جنوبها كانت محظورة في عهد النظام الأسدي البائد، فخلال سنتين من الحرب الصهيونية الهمجية على غزة لم يجرؤ السوريون بالخروج إلى الشوارع لنصرة غزة كما فعلت معظم الشعوب العربية والعالمية، فالنظام البائد كان يخشى خروج المظاهرات كي لا تنقلب ضده بعد القمع الوحشي بالحديد والنار للمظاهرات التي انطلقت بعد الثورة وتطالب بإسقاطه.

ويتساءل كثيرون لماذا لا يتظاهر السوريون ضد الحرب الهمجية لدولة الاحتلال على لبنان، أو الحرب الصهيو أمريكية على إيران؟ ولماذا يكرهون حزب الله والنظام الإيراني؟ حتى أن بعضهم احتفل يوم اغتيال أمين عام حزب الله حسن نصر الله، وأيضا عندما تم اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، وحتى هناك من يفضل سقوط النظام الإيراني، أو بمعنى آخر لم يعد “عدو عدوي صديقي” وهنا تكمن المفارقة الكبيرة بتفضيل انتصار دولة الاحتلال على حزب الله، والهجمة الصهيو أمريكية على إيران، وانكسارها في الحرب على الفلسطينيين. رغم أن قبل اندلاع الثورة السورية كان معظم السوريين يرون في حسن نصر الله قائدا مميزا يقف في وجه دولة الاحتلال، ولم يعادون إيران، بل كانوا يحبذون الموقف الإيراني من القضية الفلسطينية ومعاداة دولة الاحتلال. لكن المواقف اختلفت بعد الثورة السورية وتحديدا في العام 2013 عندما كان النظام السوري البائد يترنح تحت ضربات الجيش السوري الحر وسقوطه كان قاب قوسين أو أدنى، قبل أن يقوم بشار الأسد بالاستنجاد بإيران التي قامت بنجدته سريعا بقوات من حزب الله أولا، ثم بميليشيات شيعية باكستانية وأفغانية وعراقية (فاطميون، زينبيون، أبو فضل العباس، الحشد الشعبي، النجباء.. )، ثم الحرس الثوري الإيراني بقيادة قاسم سليماني (الذي قام دونالد ترامب باغتياله في بغداد). هذه الميليشيات دخلت سوريا تحت شعار حماية الأماكن المقدسة (مقام السيدة زينب، ومقام رقية مع أن السوريين كانوا يحافظون على كل المقدسات ويجلونها ولم يتعرض لها أحد منذ واقعة كربلاء ومقتل الحسين). لكن هذا الغطاء الطائفي سرعان ما تبدد عندما بدأت هذه الميليشيات تهاجم الجيش السوري الحر، وتقتل الكثير من المدنيين السوريين، بل قاموا بتدنيس المقدسات، وارتكاب الكثير من الاستفزازات الطائفية “بحق السوريين السنة” من” لطميات” في المسجد الأموي، وفي الشوارع الدمشقية، التهجم وتدنيس قبر معاوية بن أبي سفيان، وشتائم بحق الخلفاء (أبو بكر، وعمر، وعثمان..)، نبش قبر خالد بن الوليد في مسجد حمص… هذه الأفعال أججت الشعور بالكراهية، لكن أحدا لم يكن يجرؤ على التصدي لهذه الاستفزازات خشية القمع الرهيب الذي كان يمارسه النظام.

ولا ينسى السوريون المجازر التي ارتكبت بحقهم من هذه الميليشيات (مجزرة الحولة في العام 2012 قتل فيها 112 سوريا مدنيا بينهم نساء وأطفال ذبحا بالسكاكين والحراب، مجزرة بلدة العتيبة بريف دمشق، حيث نفّذ عناصر حزب الله هذه المجزرة وقتل فيها أكثر من 175 مدنياً كانوا يحاولون مغادرة الغوطة المحاصرة، هذا على سبيل المثال لا الحصر)، وقد عمل حزب الله على احتلال معظم البلدات المحاذية للحدود اللبنانية من القصير شمالا حتى وادي بردى جنوبا ومحاصرة بلدة مضايا وتجويع أهلها، وطرد السكان من أراضيهم ليحل محلهم عناصر الميليشيات، وهذا فيض من غيض.

في حين قام الحرس الثوري الإيراني بالتمركز في أكثر من منطقة سورية وخاصة في دمشق وحلب ومناطق الشيعة (كفر نبل والزهراء وكفريا والفوعة) وبعض القواعد في دير الزور ليتم عبرها نقل الأسلحة لحزب الله، لكن هذا التدخل في الشأن السوري كان خطأ فادحا ومكلفا على إيران وكل الميليشيات الموالية له أيضا، فقد خسر حزب الله لا يقل عن 1700 مقاتل في سوريا، وحوالي 3000 مقاتل من المليشيات الأجنبية ولا يقل عن 1000 مقاتل من الحرس الثوري يضاف إليهم كل الاغتيالات التي قامت بها دولة الاحتلال من خلال القصف المتكرر الذي استهدف ضباطا ودبلوماسيين في سوريا. وللأسف الشديد أن هذا الخطأ الفادح في الرؤية الاستراتيجية لإيران قد أساء لها بقدر ما أساء للسوريين، فمحاولة إنقاذ نظام الأسد المتهالك من ثورة شعبية عارمة ضده لم تكن نظرة صائبة وقد اكتشف حزب الله والحرس الثوري متأخرا أن النظام المخلوع تخلى عنهما وصار يسعى للتخلص من وجودهما في سوريا بعد عمليات القصف الإسرائيلية شبه اليومية لمواقعهما في سوريا، ويضعه في موقف حرج داخليا وعربيا ودوليا. وتبين أيضا بعد تحقيق قام به حزب الله وعناصر من الحرس الثوري على إثر استهداف دولة الاحتلال مبنى للقنصلية الإيرانية في دمشق في 1 نيسان/ أبريل 2024 وأدى إلى مقتل فريق كامل من المسؤولين الإيرانيين الذين عقدوا فيه اجتماعا سريا أن مخابرات النظام البائد كانت تسرب المعلومات لدولة الاحتلال إلى أماكن تواجد الضباط والمسؤولين الإيرانيين (وقد رفض بشار الأسد إجراء أي تحقيق بعد أن طلبت منه إيران القيام به). وسحبت إيران كل ضباطها بعد أن تيقن الإيرانيون أن هذا النظام قد خانهم. وهذا كان سببا أساسيا في تخلى إيران وحزب الله عنه بعد أن خسرت في سوريا أكثر من 50 مليار دولار، الأمر الذي أودى إلى سقوطه المدوي في 8 كانون الأول/ 2024 بتوافق تام أيضا مع روسيا، وفسح المجال أمام تركيا لدعم هيئة تحرير الشام لدخول دمشق بموافقة أمريكية، ومعارضة إسرائيلية التي كانت تجد في النظام البائد أفضل نظام حافظ على أمنها لزهاء نصف قرن، والمخلوع هرب إلى موسكو وليس طهران لأنه يعلم علم اليقين أن الإيرانيين لن يستقبلوه أو إذا استقبلوه سيحاكمونه ويطالبونه باسترداد كل الأموال التي دفعوها لإنقاذ نظامه .

اليوم يتخذ النظام السوري الجديد موقف النأي بالنفس عن التدخل في الهجمة الصهيو أمريكية على لبنان وفلسطين وإيران، وأكده الرئيس أحمد الشرع في زيارته الأخيرة لألمانيا وبريطانيا، لأنه يعطي الأولوية للبناء الداخلي وإعادة الإعمار، ولا يحاول التصدي لكل الاعتداءات التي تقوم بها دولة الاحتلال على الأراضي السورية (آخرها مقتل مدني بقذيفة دبابة إسرائيلية في ريف القنيطرة)، واحتلالها بعض المناطق داخل خط اتفاق فصل القوات الموقع في العام 1974 ويطالب بتدخل المجتمع الدولي لمحاسبة محتل لم يتخل يوما عن احتلال الأراضي السورية والفلسطينية، ولم تنفع معه كل قرارات الأمم المتحدة التي تدينه. ويصرح جهارا نهارا أن مشروعه الأبدي هو ابتلاع كل سوريا ومن حولها لتحقيق حلمه في إنشاء إسرائيل الكبرى، لكن السوريين لهم رأي آخر عبروا عنه في مظاهرات نصرة غزة والأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال.

٭ كاتب سوري

القدس العربي

—————————

الحروب المتعددة الجبهات تقوّض موقع إسرائيل الإستراتيجي

يرى الكاتب ديفيد روزنبورغ أن الحروب التي تخوضها إسرائيل على أكثر من جبهة، لا سيما الحرب الجارية على إيران وحلفائها الإقليميين، كشفت عن حدود هيكلية عميقة في قدرات إسرائيل العسكرية ومتانة اقتصادها ومكانتها الدبلوماسية.

وفي مقال بمجلة فورين بوليسي، قال روزنبورغ -وهو محرر الشؤون الاقتصادية وكاتب رأي بالنسخة الإنجليزية لصحيفة هآرتس- إن الحروب المتعددة الجبهات ستكون لها تداعيات طويلة الأمد على إسرائيل بعد أن بدأت تقوّض تدريجيا موقعها الإستراتيجي.

وبخصوص الحرب على إيران، قال الكاتب إن إسرائيل لم تحقق أهدافها بعد ستة أسابيع من القتال، رغم إلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية الإيرانية واستهداف قياداتها.

وأوضح الكاتب أن النظام الإيراني لا يزال قائما، ويحتفظ بعناصر من برنامجه النووي، إضافة إلى ترسانة من الصواريخ والطائرات المسيّرة. والأهم من ذلك أن إيران أثبتت قدرتها على تعطيل التجارة العالمية عبر إغلاق مضيق هرمز، مما أوجد نقطة ضعف إستراتيجية جديدة.

أقوى أم أضعف؟

وتساءل الكاتب إن كانت إسرائيل قد خرجت من هذه الحرب أقوى أم أضعف، وقال إنه رغم التفوق التكتيكي فإن الموقع الإستراتيجي العام لإسرائيل تراجع.

واستند الكاتب في تقييمه إلى ثلاثة أعمدة رئيسية للقوة الإسرائيلية، هي القوة العسكرية والقدرة الاقتصادية والتحالف مع الولايات المتحدة، وقال إنها جميعا تواجه ضغوطا متزايدة.

فعلى الصعيد العسكري، يرى الكاتب أن كلفة الحرب كانت باهظة، لأن النزاعات السابقة كلفت الاقتصاد الإسرائيلي نحو 116 مليار دولار من الإنفاق الدفاعي المباشر، وأضافت الحرب مع إيران مليارات أخرى إلى هذه الفاتورة.

من جهة أخرى، يعاني الجيش الإسرائيلي -بنظر الكاتب- ضغطا ميدانيا كبيرا، مع انتشار قواته في غزة وجنوب سوريا والضفة الغربية، فضلا عن احتمال استمرار الوجود في جنوب لبنان.

إعلان

ويشير روزنبرغ إلى أزمة متفاقمة في عدد الجنود، مع نقص يُقدَّر بنحو 15 ألف فرد. كما أن محاولات معالجة هذه الفجوة، مثل تمديد الخدمة الإلزامية أو إنهاء إعفاء المتدينين، تعثرت سياسيا.

ونتيجة لذلك، يجري استدعاء جنود الاحتياط لفترات طويلة ومتكررة، مما يثير مخاوف بشأن الاستدامة. وقد حذر مسؤولون عسكريون كبار من أن الجيش قد ينهار إذا استمرت الضغوط الحالية.

أما اقتصاديا، فإن الكاتب يحذر من أن مرونة الاقتصاد الإسرائيلي تتعرض للاختبار، لأن الحكومة تمول الحرب بشكل أساسي عبر الاقتراض بدلا من زيادة الضرائب أو خفض الإنفاق المدني، مما أدى إلى ارتفاع الدين العام المتوقع أن يتجاوز 70% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية 2026.

كما أن خطط رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لزيادة الإنفاق الدفاعي على مدى العقد المقبل (إلى نحو 6% من الناتج) قد تفرض ضغوطا إضافية على المالية العامة، وتجبر الدولة على الاختيار بين الأمن والإنفاق الاجتماعي.

العلاقة مع أمريكا

لكنَّ الجانب الأكثر إثارة للقلق -بحسب روزنبرغ- هو تطور العلاقة مع أمريكا، لأن الحرب على غزة وإيران عززت التعاون بين البلدين، ووفرت دعما عسكريا وماليا غير مسبوق، لكنه قد يمثل -بنظر الكاتب- ذروة العلاقة وليس وضعا مستقرا.

ولاحظ الكاتب أن التداعيات السياسية للحرب بدأت تنعكس داخل الولايات المتحدة، خصوصا مع تأثيراتها الاقتصادية مثل ارتفاع أسعار الطاقة، إضافة إلى ظهور مؤشرات بأن إسرائيل ونتنياهو تحديدا قد يتحولان إلى عبء سياسي في واشنطن.

وأظهرت استطلاعات الرأي تراجعا ملحوظا في صورة إسرائيل لدى الأمريكيين خاصة بين الشباب والديمقراطيين، وحتى داخل الحزب الجمهوري بدأ بعض الشباب المحافظين في إبداء مواقف أكثر نقدية.

كما بدأت أصوات مؤثرة داخل تيار ماغا (لنجعل أمريكا عظيمة مجددا) بالتشكيك في جدوى الحرب، موضحة أن التدخل الأمريكي خدم المصالح الإسرائيلية أكثر من المصالح الأمريكية. وأشار الكاتب إلى أنه رغم أن تلك الآراء ما زالت أقلية، فإن تأثيرها يتزايد.

دوامة من الالتزامات

ومع هذه التحديات، يشير الكاتب إلى أن نتنياهو يواصل اتباع نهج عسكري هجومي قائم على الردع والاستباق بدلا من الدبلوماسية، ويشير إلى أن التفوق العسكري الإسرائيلي لم ينجح في إخضاع خصوم إسرائيل في المنطقة، وضرب مثلا بحركة المقاومة الإسلامية (حماس) وقال إنها لم تستسلم حتى الآن.

وشكك الكاتب في مدى قدرة إسرائيل على خوض “حروب بلا نهاية”، وقال إنه في حال عدم التحول نحو المسار الدبلوماسي أو إعادة تعريف أهدافها الإستراتيجية، فإن إسرائيل قد تجد نفسها عالقة في دوامة من الالتزامات المتصاعدة التي قد تعجز عن تحمُّلها.

المصدر: فورين بوليسي

—————————

أزمة ثقة بين المواطن والرغيف في السويداء: صور مضللة وشكاوى حقيقية وتحاليل تثير جدلًا

14 أبريل 2026

شهدت محافظة السويداء خلال الأيام الماضية موجة من الجدل الواسع على مواقع التواصل الاجتماعي، تخللتها حالة من القلق والارتباك بين المواطنين، على خلفية شكاوى متزايدة حول وجود شوائب حادة يُشتبه بأنها زجاج داخل رغيف الخبز المنتج في الأفران العامة، مما أثار مخاوف جدية من مخاطر صحية قد تصل إلى تمزقات في الجهاز الهضمي ونزيف داخلي.

وبحسب ما رصدته صفحات محلية وناشطون في المحافظة، فإن الشكاوى بدأت تتصاعد مع ورود تقارير عن رصد شوائب صلبة وداكنة تشبه قطعًا زجاجية ناعمة داخل الطحين المستخدم في أفران السويداء مؤخرًا، وهو ما دفع بعض الأهالي إلى التحذير من استهلاك الخبز، وأدى إلى توقف عدد من الأفران احترازيًا، وسط مخاوف متنامية من تلوث الطحين المورد من المؤسسة السورية للحبوب في ريف دمشق بعد استئناف توريده.

من جهته، نفى مدير التجارة الداخلية وحماية المستهلك في السويداء، علاء مهنا، ما يتم تداوله، حيث أكد أن نتائج التحليل الأولي التي أجرتها المديرية لعينات دقيق تمويني سُحبت من خمسة أفران مختلفة أثبتت عدم وجود أية شوائب من زجاج أو أجسام غريبة في الخبز، مشيرًا إلى أن اللون والحموضة مطابقة للمواصفات، كما أظهرت تحاليل الملح المستخدم في الإنتاج مطابقته للمواصفات أيضًا.

ورجح مهنا أن تكون الشكاوى ناتجة عن أخطاء في العمل داخل الفرن أو المطحنة، أو نتيجة خلل في تحبب الدقيق في حال كان مصدره قمحًا من النوع القاسي، في محاولة لتوجيه النقاش نحو أسباب تقنية بعيدًا عن فرضية التلوث المتعمد أو الإهمال في التوريد.

لكن هذا التوضيح الرسمي لم يبدد مخاوف المواطنين، خاصة في ظل اعتراف غير مباشر بوجود شكاوى فعلية حول جودة الرغيف، وإقرار المديرية نفسها بأن بعض الصور المتداولة كانت مضللة، بينما ظل الغموض يكتنف حقيقة الشوائب التي رصدها أهالي السويداء بأعينهم داخل أرغفة الخبز، وهو ما دفع العديد من العائلات إلى الإحجام عن شراء الخبز من الأفران العامة طوال اليومين الماضيين، واللجوء إلى أنواع أخرى مثل الخبز السياحي أو العربي رغم ارتفاع أسعارها.

وعلى منصات التواصل الاجتماعي، انقسمت التعليقات بين من يثق بنتائج التحاليل الرسمية ويعتبرها كافية لإنهاء الجدل، وبين من يرى أن العينات التي سُحبت من خمسة أفران فقط لا تمثل كل الأفران في المحافظة، ويطالبون بتحقيق شامل وشفاف يشمل جميع مراحل الإنتاج بدءًا من القمح وانتهاءً بالرغيف، مع دعوات متكررة للإعلان عن نتائج فحص العينات التي جرى سحبها من الأفران الموقفة احترازيًا.

ويزداد المشهد تعقيدًا مع انتشار صور مضللة إلى جانب صور حقيقية، وهو ما استغله البعض للتشكيك بجميع الشكاوى، بينما رأى آخرون أن وجود صور مضللة لا ينفي وجود شوائب حقيقية، مستشهدين بتوقف أفران بالفعل وشهادات حية من مواطنين التقطوا صورًا لخبزهم قبل رميه.

—————————

السويداء.. محاولة اغتيال شاب تهدد بـ”انتفاضة شعبية” ضد الحرس الوطني

نيسان 15, 2026

أفادت مصادر محلية في السويداء أن الشاب “عناد مكارم” دخل إلى المستشفى الوطني أمس الثلاثاء 14 نيسان، إثر تعرضه لطلق ناري مباشر على الوجه حيث وُصفت حالته بـ “الحرجة”.

وأوضحت المصادر أن الحادثة جاءت بعد ظهور الشاب في فيديو مصوّر توعّد فيه عناصر تتبع لما يسمى الحرس الوطني “بانتفاضة شعبية” بسبب سوء إدارتهم لملف السويداء والتورط في تهم فساد وابتزاز.

وأشارت المصادر ذاتها إلى أن “حوادث القتل انتشرت مؤخراً بشكل كبير خصوصاً للأسماء التي تعارض بعض الشخصيات المسؤولة عن الملف في السويداء وعلى رأسها المكتب الأمني التابع للحرس الوطني”.

وتأتي هذه الحادثة في ظل فلتان أمني تشهده المحافظة الخاضعة لسيطرة العصابات الخارجة عن القانون، ولا سيما تكرار حوادث القتل والاغتيال التي أسفرت عن إصابة عدد من المدنيين وعناصر من الجيش وقوى الأمن.

وفي 15 كانون الأول المنصرم، قتل الشاعر والناشط السياسي أنور فوزات الشاعر برصاص مجهولين في قرية بوسان بريف السويداء الشرقي وسط اتهامات لميليشيا الحرس الوطني بقتله بسبب مواقفه الناقدة لهم.

المصدر: الإخبارية

—————————

=====================

تحديث 14 نيسان 2026

——————————–

مقتل مهندس يعيد تسليط الضوء على الفوضى الأمنية في السويداء/ محمد أمين

14 ابريل 2026

يعكس مقتل مهندس في السويداء، جنوب سورية، مجدداً حالة الاضطراب الأمني التي تعيشها المحافظة ذات الغالبية الدرزية، في ظل أوضاع استثنائية وقطيعة مستمرة مع العاصمة دمشق منذ يوليو/ تموز من العام الفائت، عقب أحداث دامية وانتهاكات واسعة بحق المدنيين. وقالت شبكات إخبارية محلية إن المهندس منير نجيب البحري (63 عاماً) قتل صباح الثلاثاء بعد تعرضه لإطلاق نار في حي الدبيسي وسط مدينة السويداء أثناء محاولة اختطافه، ما أدى إلى وفاته على الفور في المكان.

وبينت شبكة “السويداء 24” الإخبارية أن القتيل “كان من الوجوه المعارضة البارزة للشيخ حكمت الهجري وقوات “الحرس الوطني” في محافظة السويداء، ويعد أحد المشاركين الأوائل في الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت عام 2011 ضد نظام بشار الأسد السابق”.

وجاء الحادث بعد يوم واحد من وعيد أطلقه حكمت الهجري، أحد شيوخ العقل في المحافظة والمتحكم الفعلي بالقرار، تجاه معارضيه، وزعم أنه “ليس لهم مكان في المنطقة”، داعياً إياهم إلى الخروج دون رجعة.

وتعليقاً على الحادث، ذكر أحد النشطاء السياسيين في السويداء (فضّل عدم ذكر اسمه لوجود مخاطر أمنية)، لـ”العربي الجديد”، أنه “لم تتضح بعد الأبعاد الكاملة للجريمة”. وأشار إلى أنه “لم تُعرف بعد أسباب القتل أو الجهة التي تقف وراء الجريمة”، مشيراً إلى أن “المغدور من عائلة ثرية، لذا ربما تكون الجريمة جنائية متعلقة بالسرقة فقط”، مضيفاً أن “المغدور كان ذا سمعة حسنة في المحافظة”. وبرأيه، يندرج الحادث في سياق “الفوضى المنتشرة في المحافظة وغياب القانون والمحاسبة”، مضيفاً: “لكن لم تصل الأمور في السويداء إلى حد الفلتان الأمني”.

وفي السياق، قال ريان معروف، مدير منصة “السويداء برس”، في حديث مع “العربي الجديد”، إن “الجريمة غامضة ومفاجئة”، مضيفاً أن البحري “كان مهندساً مدنياً ينحدر من أسرة غنية مادياً من بلدة رساس، ويقيم في مدينة السويداء، ومعروف في الأوساط الاجتماعية المحلية بأخلاقه العالية واتزانه”. وأكد معروف أن “القتيل كان بعيداً عن الشؤون السياسية، ولم يرد اسمه في أي نشاط سياسي معلن”، مشيراً إلى أن “المعلومات التي تناقلتها وسائل الإعلام الموالية للحكومة السورية عن أنه كان معارضاً بارزاً للهجري والحرس الوطني معلومات مضللة”، مضيفاً: “أكد لنا شقيقه أنه كان بعيداً عن الشأن السياسي”. وأشار معروف إلى أن “هناك تحقيقات تجريها الجهات الأمنية المحلية حول ملابسات الجريمة”، مضيفاً أن “عائلة المغدور مفجوعة بالحادثة، ولم يصدر عنها حتى اللحظة سوى إعلان الوفاة”.

من جانبه، اعتبر الناشط السياسي أدهم مسعود القاق، في حديث مع “العربي الجديد”، الجريمة التي حدثت بحق المهندس البحري “اغتيالاً”، مشيراً إلى أن القتيل “من عائلة ثرية وقد عُرف بموقفه الوطني بمواجهة تيار فاسد يعمل لمصلحة بضعة أشخاص تاجروا بدماء الناس وأموالهم وصنعوا الكبتاغون وباعوه للشباب ويتعاملون مع العدو الصهيوني”.

وتابع القاق: “بقاء هذا الفلتان الأمني في السويداء ومكابرة بعض المتنفذين والتحكم بمصير أبنائها ستزيد من هذه الجرائم التي يندى لها الجبين”. وطالب “الحكومة الانتقالية” في دمشق بـ”الإسراع في احتكار السلاح وبسط سيطرة الجيش السوري الحديث على كامل تراب سورية، وعدم انتظار إشارات من الخارج القريب والبعيد”، مضيفاً: “يجب أن تتحمل هذه الحكومة مسؤولية حماية الناس أينما وجدوا”.

ويخيّم اضطراب على المشهد العام برمته في محافظة السويداء، التي بدأت قطيعة مع العاصمة دمشق منذ يوليو/ تموز العام الفائت، بعد أحداث دامية وانتهاكات واسعة بحق المدنيين على خلفية تدخل الجيش السوري لإيقاف احتراب داخلي ما بين الدروز وعشائر بدوية، أدى إلى مقتل وتهجير الآلاف من سكان المحافظة، سواء من الدروز أو البدو.

ويحكم الشيخ الهجري اليوم محافظة السويداء من خلال ما يُعرف بـ”الحرس الوطني”، وهو نتاج اندماج عدة فصائل محلية، رافضاً كل الحلول السياسية التي طُرحت من أجل جسر الهوة الكبيرة مع الحكومة في دمشق، ومنها تفاهم إقليمي وضع في العاصمة الأردنية في سبتمبر/ أيلول الفائت بمباركة أميركية، دعا إلى تحقيق في أحداث يوليو ومحاسبة المتهمين بارتكاب انتهاكات وجرائم، وإيصال كميات كافية من المساعدات الإنسانية والطبية للمحافظة.

ويدعو الهجري إلى فصل محافظة السويداء عن سورية، أو على الأقل فرض إقليم حكم ذاتي يحمل صبغة طائفية في جغرافية محدودة الموارد. وقال في بيان له أواخر مارس الفائت إنه متمسك بـ”حق تقرير المصير” وفق القوانين الدولية، والاعتماد على “القوة الذاتية ودعم الحلفاء”، وعلى رأسهم إسرائيل، لبناء مستقبل “آمن ومستقر”. وكان الهجري قد قال مطلع العام الجاري لصحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية: “نحن نرى أنفسنا جزءاً لا يتجزأ من منظومة وجود دولة إسرائيل، بوصفنا ذراعاً نسجت تحالفاً مع إسرائيل”.

العربي الجديد

————————–

الشعب السوري حائط صدّ المداخلات الإسرائيلية/ سميرة المسالمة

13 ابريل 2026

تشير التصريحات المتبادلة إلى أنّه لا يوجد في الأفق بعد ما يفيد بإمكان عقد تفاهمات (في المجال الأمني) سورية إسرائيلية، بما يضع حدّاً لمداخلات إسرائيل في الشأن السوري، جغرافياً وأمنياً وسياسياً بسبب تعنّت إسرائيل، وغطرستها، ولا مبالاتها بالتسوية مع سورية أو مع غيرها، ولا حتى باتفاقات التطبيع التي عقدتها مع عدة دول عربية في ظلّ قدرتها على ممارسة الأعمال العدائية من دون حسيب أو رقيب دولي.

ويمكن تفسير هذا بأنّ إسرائيل اليوم تقودها حكومة المتطرّفين، بنيامين نتنياهو وبتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، وتعتقد أنّه بإمكانها فرض “السلام بالقوة” (والصحيح فرض “الاستسلام بالقوة”) على الأطراف المعنية، بحسب مصالحها، وتنطلق في هذا من شعورها بالقدرة على أن تكون قوةً إقليميةً عظمى في الشرق الأوسط، بعد حرب إبادة وحشية شنّتها منذ عامين ونصف العام على أكثر من جبهة، في غزّة ولبنان وغيرهما، كما تنطلق من الدعم اللامحدود الذي تقدّمه إليها الولايات المتحدة في ظلّ إدارة ترامب، في المجالات كلّها السياسية والاقتصادية والعسكرية.

على ذلك، كلام وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني عن تعثّر التقدّم في التفاوض مع إسرائيل، بسبب رفض الأخيرة العودة إلى اتفاق 1974، الذي طرحته سورية أساساً لأي عملية تفاوضية جديدة معها، يأتي في هذا السياق، خاصّة أنّ إسرائيل تعدّت حدود الاتفاق واستباحت مساحات جديدة تمكّنها من فرض ظروف تفاهم مختلفة عن سابقتها.

أيضاً، ربّما يفيد هذا التصريح بأنّ إسرائيل تتهرّب من هذا الاستحقاق، لأنّها تعرف أنّ الموقف السوري إزاء إسرائيل يتأسّس على ما قرّرته الشرعية الدولية. أولاً، في شأن استعادة الجولان السوري المحتل. وثانياً، في شأن الاستناد إلى الموقف العربي بخصوص عملية التسوية العربية ـ الإسرائيلية، وفقاً للمبادرة العربية للسلام التي أُقرّت في مؤتمر القمّة العربي (بيروت 2002).

تبعاً لهذا، يمكن النظر إلى استمرار اعتداءات إسرائيل ومداخلاتها في سورية باعتبارها بمثابة ردٍّ على الموقف السوري بخصوص رؤية دمشق للحلّ السياسي، وبخصوص محاولتها تصفير المشكلات مع دول المنطقة، واعتماد الطرق الدبلوماسية لحلّ الخلافات السياسية نهجاً اعتمدته السلطة الجديدة بعد زوال حكم بشّار الأسد، وبعد التغيّرات السياسية في المنطقة عموماً، وخروج إيران وأذرعها من سورية. وهكذا، تسعى إسرائيل، من خلال توسيع حالة الحرب الحالية واستمرارها ضدّ إيران وأذرعها في المنطقة، ومن خلال مداخلاتها السياسية والأمنية في سورية، إلى تحقيق طرحها الأمني المتعلّق بإنشاء مناطق عازلة في الجنوب السوري، في محافظات السويداء والقنيطرة ودرعا، على نحو يوازي ما تسعى إليه في لبنان وما فعلته في قطاع غزّة، معيدةً بذلك مفهوم “الجدار الحديدي” الذي لازمها منذ نشأتها الأولى بعدّه أحد مرتكزات عقيدتها التقليدية الأمنية، لمنع التهديدات، وتعزيز أمنها، من خلال ترتيباتٍ تضمن تفوّقها الأمني على دول الجوار كاملةً، من دون أن يعني هذا أنّها لن تتمدّد إلى ما بعد تلك المناطق فيما لو اقتضت ضروراتها “الأمنية” ذلك.

بيد أنّ مفهوم “الحائط الحديدي” اليوم لا يقتصر على البعد العسكري، ولا على الجغرافيا، إذ بات يشمل تدخّلات إسرائيل في الدول المجاورة في محاولة لإحداث استطالات تتقاطع، أو تتماثل معها عبر محاولة تشكيل الدول المجاورة على أسس طائفية وإثنية، فتصبح ظاهرة إسرائيل دولةً يهوديةً أمراً عادياً.

بديهي أنّ هذا التوجّه ليس خافياً على القيادة الجديدة في سورية، التي تدرك حقيقة المطامع والمداخلات الإسرائيلية المريبة والمضرّة، التي تتجاوز البعد الدفاعي والأمني أو تتغطى به لتوسيع مناطق سيطرتها بالوسائل العسكرية التي تخضع لها لاحقاً الاتفاقات السياسية، مستغلّةً في ذلك الظروف المعقّدة التي تمرّ بها سورية على الصعيد الداخلي، وانشغالها في معالجة أوضاعها الاقتصادية والمعيشية، وفي حلّ مشكلة إعادة الإعمار المتعثّرة في ظلّ الظروف الدولية، كما استعادة الاستقرار الاجتماعي وتجاوز الخلافات والتباينات الداخلية، وبناء مؤسّساتها، خصوصاً الأمنية منها على أسس “دولتية” غير فصائلية، لأنّ هذه المسائل كلّها هي التي تشكّل ما يمكن تسميته “الإطار” الذي يمكن أن يُحدث إجماعات وطنية سورية تحصّن البلد والمجتمع إزاء أيّ تهديدات ومخاطر خارجية.

إذن، يمكن القول إنّ سورية في أوضاعها الحالية تجد نفسها في وضع صعب، ومع ذلك تملك القدرة والإرادة لصدّ ما تبيّته لها إسرائيل، مستندةً في هذا إلى الشرعية الدولية والاحتضان العربي، لكنّ أكبر حائط صدّ للمداخلات الخارجية، ولا سيّما الإسرائيلية، يفترض أن يتمثّل في الشعب السوري، وهذا ما يفترض أن يكون في مركز اهتمام السلطة السورية وأولوياتها، لأنّ وحدة شعب سورية الضمانة لوحدة الجغرافيا السورية، وسيادة الدولة على أراضيها.

————————————

سورية ولبنان مجدّداً/ معن البياري

14 ابريل 2026

قد يعدّ تقليدياً بيانُ وزارة الخارجية (والمغتربين) السورية، المعلن في الثامن من أبريل/ نيسان الجاري، إدانة الجمهورية العربية السورية “العدوان الإسرائيلي على جمهورية لبنان الشقيقة”. وقد يُؤخَذ من باب المجاملات البروتوكولية التي بادرت إلى مثلها دولٌ عربيةٌ وأجنبيةٌ غير قليلة تضامنت مع لبنان، ووَصفت، كما فعلت دمشق، ذلك العدوان الذي أوقع عشرت القتلى والجرحى، انتهاكاً واضحاً للقانون الإنساني الدولي وميثاق الأمم المتحدة. ولكن النظر إلى البيان السوري يحسُن أن يخرج عن هذا الاعتبار، بل من بالغ الضرورة أن تبادر الحكومة السورية إلى ما هو أبعد من تضامنٍ معلنٍ في بيان رسمي، ذلك أن العلاقات بين شعبي البلدين أعمقُ من أي وصف، فضلاً عن يديهيّة أن استحقاقات الجوار تفرض نوعاً خاصّاً من العلاقات. ولكن هذا الكلام سيكون في الهواء، وبلا معنى، من دون التفاتٍ إلى التعقيد العويص الذي طبع العلاقات اللبنانية السورية عقوداً، سيما في زمن حافظ الأسد الذي أخذته منظوراتُه الجيوسياسية في المنطقة إلى محاولته إلحاق لبنان في منظومة القرار السوري، أو قراره الشخصي على الأصح، ما أوجد حالة شاذّةً في شكل تلك العلاقات، وترك مواريث ضاغطةً في ذاكرة اللبنانيين، جعلتهم يقيمون على تحسّبٍ لا يطمئن تماماً إلى وصلاتٍ من حُسن النية، ومن الندّية المفترضة، فوقائع غير قليلة بقيت شواهد على وصايةًٍ سوريةٍ منظورةٍ على الدولة اللبنانية. وليس المقام هنا سردُ المسار الذي انعطفت فيه العلاقات إلى غير طوْر ولوْن ومزاج، في الأعوام الثلاثين الأخيرة، وفي البال إن الأسد الأب ظلّ يمتنع عن وجود سفارتين للبلدين في بيروت ودمشق، حتى إذا صار ما صار تالياً اضطرّ نجلُه الساقط إلى أن تكون السفارتان. ومع العهد الجديد الذي عبرت إليه سورية مع انتصار الثورة قبل أكثر من عام، وتوازى مع مستجدّاتٍ غير هيّنةٍ أحدثت تأثيراتها الواسعة في الداخل اللبناني، فلنا أن نطمح (أو نطمع) في صيغةٍ سوريةٍ لبنانيةٍ مغايرةٍ لسابقاتها التي كثيراً ما انطبعت بالتكاذُب والإنشائيات. وما عوين من مداولاتٍ واتصالاتٍ وزياراتٍ بين الجانبين في شهور ما بعد الانعطافة الكبرى في دمشق يمكّن من توقّع الصيغة المشتهاة على أكفأ ما يأمله السوريون واللبنانيون، وقد تحرّر اثناهما من أثقالٍ فادحةٍ كانت تطوّق كل اجتهاد يدفع باتجاه شفافيةٍ أكثر، وصراحةٍ أوضح، وتعاون أمثل.

لا يزاول الحكم الراهن في سورية نفعية ثأرية أو انتقامية عندما يأتي بيانُ التضامن مع لبنان ضد العدوان الإسرائيلي أخيراً على “دعم جهود الحكومة اللبنانية في بسط سلطتها على كامل أراضيها وحصر السلاح بيد الدولة”، فهذا هو منطوق كل الدول التي تناصر  لبنان في محنته التي لا تنفكّ تتجدّد، جرّاء الاستهدافات الوحشية الإسرائيلية. ولم يعُد ثمّة، باستثناء إيران، من يراوغ أو يداور في هذا الشأن، فقد صار من حقوق المواطن في لبنان أن ينعُم بدولةٍ لها وحدها قرار السلم والحرب، دولةٍ لا يعاند سفير دولة أخرى فيها قرارَها بمغادرته. ولم يخرُج البيان السوري، الموجز، عن إسناد الدولة اللبنانية في هذا، بلغة واثقةٍ، ونبرة طبيعية.

وفي غضون ما يتعرّض له لبنان، وطناً ودولة وشعباً، من استهداف إسرائيلي عدواني، وفي غضون مفاوضاتٍ مباشرة، برعاية أميركية في واشنطن، بين الدولة المعتدية والمُعتدى عليها، ربما يكون مناسباً، أو ضرورياً ربما، أن تبادر السلطة في دمشق إلى تقديم كل عوْن وغوْث ممكنين، وكل دعم إنساني، فضلا عن الإسناد السياسي، ولو من المعلوم أن إمكانات سورية ليست في تلك السّعة التي تمكنها من تأدية دور عريضٍ في هذا وذاك، غير أن الارتباط الإنساني والعاطفي والوجداني، العروبي في وصفٍ واجب آخر له، يحتّم، على الأرجح، من صانع القرار في دمشق أن يولي هذا الأمر مكانه في صدارة مشاغله الراهنة. سيّما وأن لا حاجة للحديث عن القيمة التي يحوزها لبنان في أجندات السياسة الخارجية السورية، بل والداخلية من قبل ومن بعد..

سلم الله لبنان وحماه وأبقى سورية نعم السند والعضد.

العربي الجديد

——————————–

 هل باتت تركيا هي التهديد الاستراتيجي الأول لـ”إسرائيل”؟/ عدنان علي

2026.04.14

تشهد العلاقات التركية–الإسرائيلية، وتحديدًا على مستوى القيادة بين رجب طيب أردوغان وبنيامين نتنياهو، توترًا متصاعدًا يعكس تحولات عميقة في بنية التوازنات الإقليمية. إذ لم يعد هذا التوتر مجرد خلاف سياسي عابر، بل أضحى جزءًا من صراع أوسع على النفوذ وإعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.

وفي هذا السياق، تتزايد مؤشرات الانتقال من مرحلة “التلاسن الدبلوماسي” إلى حالة يمكن وصفها بـ”كسر العظم الإقليمي”، مدفوعة بتراكم الخلافات حول القضية الفلسطينية، وتداعيات الحرب في غزة، وتباين الرؤى الاستراتيجية تجاه ملفات المنطقة، بما في ذلك الموقف من إيران والوضع في سوريا.

وفي ظل تحولات جيوسياسية كبرى تعيد رسم خريطة النفوذ، يسعى نتنياهو إلى هندسة تحالف “سداسي” يهدف إلى تطويق تركيا وما يسميه بـ”الحلف السني الناشئ”، عبر اليونان وقبرص شمالًا، وإثيوبيا و”أرض الصومال” جنوبًا، وصولًا إلى الهند شرقًا. وفي المقابل، ترد أنقرة بنقل المواجهة إلى ساحات القضاء الدولي ومنصات الحصار الاقتصادي، في محاولة لتجريد تل أبيب من شرعيتها الدولية. ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا لدى الطرفين بأن الصراع لم يعد محصورًا في إطار ثنائي، بل تشابك مع شبكة تحالفات إقليمية ودولية معقدة.

ويمثل التدهور الحالي قطيعة واضحة مع مراحل سابقة من التعاون الاستراتيجي، حين كان البلدان شريكين في مجالات الأمن والطاقة والتنسيق العسكري. غير أن العقد الأخير شهد تصدعًا تدريجيًا نتيجة للسياسات الإسرائيلية الإقليمية، وصولًا إلى “الانفجار” الحالي الذي أعاد تعريف كل طرف للآخر بوصفه خصمًا استراتيجيًا محتملًا.

وتتجلى الاستراتيجية التركية متعددة الأبعاد في فرض قيود على السفن المرتبطة بإسرائيل وتشديد الرقابة البحرية، وهي خطوات تحمل أبعادًا اقتصادية وسياسية كبيرة. كما سعت أنقرة إلى تدويل المواجهة عبر المطالبة بتعليق مشاركة إسرائيل في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتحريك آليات منظمة التعاون الإسلامي، فضلًا عن الانضمام إلى الدعوى التي رفعتها جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية. ويأتي “التصعيد القضائي” في مقدمة أدوات الضغط التركية، مع إعلان لائحة اتهام بحق 35 مسؤولًا إسرائيليًا، بينهم نتنياهو، على خلفية حادثة “أسطول الصمود” الخاص بقطاع غزة، بهدف تقويض شرعية القيادة الإسرائيلية دوليًا وخلق بيئة ضغط أخلاقية وسياسية ضدها.

من جهتها، تعيد الحكومة الإسرائيلية صياغة أولوياتها في ضوء هذه المتغيرات، حيث بدأ الخطاب السياسي الإسرائيلي يُصنّف تركيا بوصفها “تهديدًا ناشئًا” يوازي في خطورته التهديد الإيراني التقليدي. وقد عبّر رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت عن هذا التوجه بوضوح حين دعا إلى التعامل مع أنقرة كجزء من محور إقليمي منافس.

وضمن هذا الإطار، يسعى بنيامين نتنياهو إلى بناء تحالفات إقليمية ودولية جديدة، من بينها التحالف السداسي المشار إليه، في محاولة لتطويق النفوذ التركي وموازنة تحركاته. إلا أن هذه الاستراتيجية تعكس، في جانب منها، محاولة لتعويض تراجع الدعم التقليدي لإسرائيل، خصوصًا في بعض الدوائر الغربية، نتيجة للجرائم الإسرائيلية في قطاع غزة.

والواقع أن أي محاولة لاختبار فاعلية هذه التحالفات الإسرائيلية المنشودة لا بد أن تكشف أننا لسنا بصدد تحالف عضوي متماسك، بل أمام شبكة متداخلة من المصالح الثنائية التي تفتقر إلى تعريف موحد للتهديدات. فالهند، التي تمثل الركن الآسيوي لهذا الطموح، تظل محكومة بمبدأ “تعدد الشراكات”، إذ إن حاجتها إلى التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية تصطدم بحرصها على توازن علاقاتها مع دول الخليج وإيران، مما يجعل انخراطها في حلف صدامي مباشر أمرًا مستبعدًا. أما في شرق المتوسط، فيبقى التعاون مع اليونان وقبرص رهينًا بملفات الطاقة والأمن البحري والخصومة التقليدية مع تركيا، لكنه يظل مقيدًا بالتزامات هذه الدول تجاه الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، وهو ما يحدّ من قدرة تل أبيب على تحويله إلى حلف عابر للأقاليم بأجندة إسرائيلية واضحة.

ويعكس طرح “التحالف السداسي”، من جهة أخرى، اعترافًا ضمنيًا بتراجع مركزية “الاتفاقيات الإبراهيمية” في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي. فالاتفاقيات التي قُدمت، في عهد الرئيس دونالد ترمب، بوصفها فجرًا جديدًا لاندماج إسرائيل في المحيط العربي، تعاني اليوم من تآكل الثقة السياسية نتيجة لحرب غزة وتمسك قوى رئيسية، مثل السعودية، بشرط قيام دولة فلسطينية.

ومع هذه التطورات، يبدو أن إسرائيل انتقلت من استراتيجية “الاندماج” التي روّج لها ترمب إلى استراتيجية “التطويق” التي ينتهجها نتنياهو، حيث يُستبدل العمق العربي بتحالفات مع دول “الأطراف” التي يمكن توظيفها في ترتيبات أمنية من دون الارتباط بقيود الرأي العام العربي أو استحقاقات القضية الفلسطينية. ويظهر هذا التحول بوضوح في التصعيد الإسرائيلي تجاه شركاء السلام التقليديين، أي الأردن ومصر، عبر التلويح بملفات المياه والحدود.

وفي المحصلة، ورغم التصعيد بين تركيا وإسرائيل، يبقى احتمال الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة بينهما محدودًا في المدى المنظور، نظرًا لتعقيدات التوازنات الدولية، وعضوية تركيا في حلف الناتو، وتشابك المصالح الاقتصادية والأمنية بين الطرفين. إلا أن ذلك لا ينفي إمكانية تصاعد الاحتكاك غير المباشر في عدة ساحات إقليمية، تشكل مسارح تنافس مفتوحة بين الجانبين.

وتأتي الساحة السورية في مقدمة هذه المسارح، حيث تتضارب المصالح الأمنية والعسكرية، وتبقى عرضة لصدامات غير مباشرة، سواء عبر النفوذ أو العمليات المحدودة. كما يمثل شرق المتوسط ساحة أخرى للتنافس، في ظل الخلافات حول الغاز وترسيم الحدود البحرية، إضافة إلى التصعيد السياسي المرتبط بغزة والقدس، والذي يغذي الخطاب العدائي بين الطرفين.

ولا تقتصر المنافسة على الشرق الأوسط، بل تمتد إلى إفريقيا، حيث تسعى كل من تركيا وإسرائيل إلى تعزيز حضورهما، وهو ما ظهر في التحركات الإسرائيلية تجاه مناطق مثل “أرض الصومال”، في سياق محاولة موازنة النفوذ التركي المتنامي في القرن الإفريقي.

تلفزيون سوريا

————————–

 مفاوضات واشنطن تكشف رهانات إسرائيل: فصل الحزب وإيران

الثلاثاء 2026/04/14

في ما يبدو أنّه البُعد السّياسيّ الأهمّ في المفاوضات المرتقبة بين لبنان وإسرائيل، كشف موقع “واللا” الإسرائيليّ أنّ أحد الأهداف المركزيّة التي طُرحت داخل دوائر القيادة الإسرائيليّة لا يقتصر على إدارة الحرب أو فتح قناة تفاوضيّة فحسب، بل يتعلّق بالسّعي إلى إحداث شرخٍ بين “حزب الله” وإيران، باعتبار أنّ اللّحظة الرّاهنة قد تمثّل، وفق التّقدير الإسرائيليّ، “نقطة انكسار” في العلاقة بينهما.

وبحسب التّقرير، فإنّ هذا الهدف عُدّ من أبرز الأهداف المطروحة في النّقاشات الإسرائيليّة، إذ نقل الموقع عن مصدرٍ مطّلع قوله إنّ “ما يحدث الآن أمرٌ كبير جدًّا، وقد يكون نقطة الانكسار بالنّسبة إلى حزب الله”. وأضاف: “دخل حزب الله الحرب لحماية إيران، لكنّ إيران تتخلّى عن حزب الله وتدفعه إلى الواجهة وحده”.

وتابع المصدر أنّ إيران هدّدت بالعودة إلى الحرب ضدّ إسرائيل إذا لم توقف الأخيرة حربها على “حزب الله”، “لكنّها لم تفعل شيئًا، والتّقديرات تشير إلى أنّها لن تفعل”. ورأى أنّ طهران “لن تُعرّض وقف إطلاق النّار للخطر من أجل حزب الله”، مضيفًا أنّها قد تعود إلى القتال لاحقًا، لكن “لأسبابٍ تتعلّق بها هي، كملفّ اليورانيوم أو مضيق هرمز، لا بسبب الهجمات الإسرائيليّة على حزب الله”.

وبحسب المصدر نفسه، فإنّ “حزب الله يرى أنّه خاض المعركة من أجل الإيرانيّين، لكنّ الإيرانيّين لا يردّون له الجميل”، معتبرًا أنّ هذا التطوّر “بالغ الأهمّيّة في مسار كسر المحور بين الجانبين على المدى الطويل”.

واشنطن تدفع نحو قناةٍ مباشرة

في موازاة ذلك، أشار “واللا” إلى أنّ إسرائيل ولبنان سيفتتحان، مساء اليوم الثلاثاء عند السّادسة مساءً بتوقيت إسرائيل، أوّل محادثات سلام مباشرة بينهما منذ أكثر من ثلاثة عقود، في مقرّ وزارة الخارجيّة الأميركيّة في واشنطن، في خطوةٍ تعكس، بحسب الموقع، رغبةً أميركيّة قديمة تجدّدت منذ دخول الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب ولايته الثّانية.

ووصف الموقع هذه المحادثات بأنّها لقاءات سياسيّة على مستوى مناسب، تُعقد في وزارة الخارجيّة الأميركيّة في منطقة “فوغي بوتوم”، قرب مكتب وزير الخارجيّة ماركو روبيو، في محاولةٍ لفتح قناةٍ دبلوماسيّة علنيّة بين البلدين على خلفيّة الحرب المستمرّة في الشّمال.

الرّسالة الأميركيّة: الحرب مع “حزب الله” لا مع لبنان

ونقل التقرير عن مسؤولٍ كبير في وزارة الخارجيّة الأميركيّة قوله إنّ “نتيجةً مباشرةً لأفعال حزب الله الطّائشة، تُجري حكومتا إسرائيل ولبنان أوّل محادثات دبلوماسيّة مفتوحة ومباشرة ورفيعة المستوى من هذا النّوع منذ عام 1993، بوساطة الولايات المتّحدة”.

وأضاف المسؤول أنّ المحادثات ستركّز على “مواصلة الحوار بشأن ضمان أمنٍ طويل الأمد على الحدود الشّماليّة لإسرائيل، ودعم تصميم الحكومة اللّبنانيّة على استعادة سيادتها الكاملة على أراضيها وحياتها السّياسيّة”.

وفي هذا السّياق، بدت الرّسالة الأميركيّة واضحة، وفق التقرير، ومفادها أنّ “إسرائيل في حالة حرب مع حزب الله، لا مع لبنان، وبالتالي لا يوجد ما يمنع الجارين من التحدّث”. وأشار الموقع إلى أنّ الجانبين تفاوضا قبل سنوات حول الحدود البحريّة والغاز، لكنّ المسار الحاليّ يذهب أبعد من ذلك، مع حديثٍ عن نيّةٍ للوصول إلى سلام، ولو أنّ أحدًا لا يعتقد، في هذه المرحلة، أنّ الحكومة اللّبنانيّة قادرة على نزع سلاح “حزب الله” بفعل هذه المحادثات.

إسرائيل تريد شرعيّةً للحرب و”اتّفاقًا على الرّف”

إلى جانب هدف الفصل بين “حزب الله” وإيران، تحدّث التقرير عن هدفٍ إسرائيليّ آخر يتمثّل في تأمين شرعيّةٍ دوليّة لاستمرار الحرب. وأوضح أنّ القيادة الإسرائيليّة لا تزال تُبدي شكوكًا حيال قدرة الدولة اللّبنانيّة على فرض سلطتها على “حزب الله”، لكنّها ترى في المفاوضات وسيلةً لتخفيف حدّة الانتقادات الدوليّة، ولو تواصل القتال.

ونقل “واللا” عن مصدرٍ إسرائيليّ مشارك في المتابعة قوله: “لا مشكلة في التحدّث مع لبنان ما دمنا نواصل القتال بكلّ قوّتنا، ونحن نقاتل بكلّ قوّتنا. لقد تعرّضوا الأسبوع الماضي لقصفٍ كثيف، وقوّاتنا تتعامل مع بنت جبيل. عندما يكون هناك تفاوض وحديث، تتوافر شرعيّة، أو على الأقلّ تنخفض حدّة الانتقادات العالميّة لإسرائيل. نحن بحاجة إلى هذه الشرعيّة لمواصلة التّعامل مع جنوب لبنان، وهذا ما يحدث”.

وكشف التقرير أنّ من بين الطّروحات التي نوقشت قبل انطلاق المفاوضات إمكانيّة توقيع “اتّفاقٍ على الرّف”، أي اتّفاقٍ مؤجّل التنفيذ، يقوم على معادلة مفادها أنّه إذا نجح لبنان في تفكيك “حزب الله” تتوقّف إسرائيل عن القتال، أمّا إذا لم يتحقّق ذلك، فتواصل إسرائيل هجماتها “بكلّ قوّتها”، مع السّعي إلى إظهار أنّها كانت منفتحة على اتّفاق، بما يوفّر لها، من وجهة نظرها، مزيدًا من الغطاء الدوليّ.

تنياهو: لبنان ليس عدوًّا

وفي الإطار نفسه، أشار الموقع إلى أنّ القدس تُرسل إشاراتٍ مماثلة، إذ شدّد رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، في سلسلة مواقف أخيرة، على أنّ إسرائيل لا ترى في لبنان عدوًّا، بل ترى أنّ خصمها هو “حزب الله” فقط.

وأوضح نتنياهو، بحسب التقرير، أنّ إسرائيل “لن تسمح بواقعٍ يواصل فيه حزب الله مهاجمة مواطنينا من الشّمال”، وأنّ الهدف هو “إعادة الأمن الكامل إلى سكّان الشّمال، سواء عبر العمل العسكريّ أو من خلال ترتيبٍ سياسيّ يضمن إزالة التّهديد”.

سلام يُرجئ زيارته إلى الولايات المتّحدة

في المقابل، لفت “واللا” إلى أنّ رئيس الحكومة اللّبنانيّة نوّاف سلام، الذي كان يعتزم التوجّه إلى الولايات المتّحدة قبل تبلور مبادرة السّلام، أدرك أنّ الظّرف لم يعد مناسبًا، ليس بسبب المفاوضات وحدها، بل أيضًا بسبب الحرب، فقرّر في اللحظة الأخيرة إلغاء زيارته.

ونقل التقرير عن سلام قوله: “في ضوء الظّروف الدّاخليّة الحاليّة، ومن منطلق الالتزام بأداء واجبي كاملًا في الحفاظ على أمن الشّعب اللّبنانيّ ووحدته، قرّرت إرجاء رحلتي إلى الأمم المتّحدة والولايات المتّحدة من أجل متابعة عمل الحكومة من بيروت”.

ورأى الموقع أنّ استخدام سلام عبارة “الظّروف الداخليّة” لم يكن عابرًا، في إشارةٍ إلى أنّ التوتّرات داخل لبنان لا تقلّ حساسيّةً عن العمليّات العسكريّة الجارية.

وبحسب التقرير، يُعقد الاجتماع مساء اليوم عند السّادسة مساءً بتوقيت إسرائيل، في مقرّ وزارة الخارجيّة الأميركيّة في واشنطن.

ويضمّ الوفد الإسرائيليّ السفير في واشنطن يحيئيل ليتر، فيما تمثّل لبنان السفيرة في واشنطن ندى معوّض، ويشارك عن الجانب الأميركيّ وزير الخارجيّة ماركو روبيو، والسفير الأميركيّ في بيروت ميشال عيسى، إلى جانب مستشار روبيو مايك نيدهام.

أهمّيّة الاجتماع

ورغم أنّ التقرير أكّد أنّ لا أحد يعلّق آمالًا كبيرة على هذه المفاوضات في المرحلة الحالية، فإنّه اعتبر أنّ أهمّيّة الاجتماع تكمن، في الحدّ الأدنى، في مجرّد انعقاده، لما يحمله من دلالاتٍ سياسيّة تتجاوز نتائجه المباشرة.

وبذلك، تكشف الرّواية التي قدّمها موقع “واللا” أنّ إسرائيل تتعامل مع المفاوضات لا بوصفها مسارًا دبلوماسيًّا صرفًا لإنهاء الحرب، بل كأداةٍ متعدّدة الوظائف، تُستخدم لتأمين شرعيّةٍ لاستمرار العمليّات العسكريّة، والضّغط على “حزب الله”، ومحاولة فصل الحزب عن إيران، بالتوازي مع اختبار إمكانيّة فتح قناةٍ سياسيّة مباشرة مع لبنان. وفي المقابل، يتمسّك لبنان، بحسب ما ينقله التقرير، بأولويّة وقف إطلاق النّار قبل الانتقال إلى أيّ تفاوضٍ مباشر، ما يجعل المسار كلّه معلّقًا على قدرة الوساطة الأميركيّة على ردم فجوةٍ واسعة بين منطقين متناقضين، منطق التهدئة ومنطق التفاوض تحت القصف

المدن

————————–

إسرائيليون: هاكان فيدان يقرأ سياستنا بدقة ويميز بين نتنياهو والدولة

تداولت حسابات إسرائيلية على نطاق واسع تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، التي قال فيها إن إسرائيل تسعى إلى إعلان تركيا عدوا جديدا بعد إيران، مما أثار تفاعلا لافتا داخل الفضاء الرقمي الإسرائيلي.

وكشف الجدل المتصاعد أن عددا من النشطاء الإسرائيليين رأوا في تصريحات فيدان فهما دقيقا لتعقيدات المشهد السياسي في إسرائيل، مشيرين إلى أنه يميز بوضوح بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وشبكة اليمين السياسي، وبين بقية مكونات النظام السياسي لا سيما أحزاب اليسار.

وفي هذا السياق، كتب أحد المغردين أن وزير الخارجية التركي “يجري تمييزا واضحا بين نتنياهو والمعسكر اليميني وبين أحزاب اليسار”، مضيفا أن “تفاصيل حديثه واختياره للكلمات يظهران أنه لا يعمم موقفه على كل النظام السياسي الإسرائيلي، بل يركز على نتنياهو وائتلافه، بما في ذلك إيتمار بن غفير”.

وفي تعليق آخر، اعتبر مغرد إسرائيلي أن فيدان “محق تماما”، قائلا إن “المشكلة ليست في إسرائيل كدولة، بل في نتنياهو”، مضيفا أن “الحديث عن الحاجة إلى عدو يرتبط ببقاء نتنياهو السياسي”.

وكان فيدان قد قال في تصريحات سابقة إن إسرائيل “لا تستطيع العيش دون عدو بعد إيران”، مشيرا إلى أن تل أبيب تعمل على تطوير خطاب سياسي جديد يضع تركيا في موقع “العدو المقبل”. وأضاف أن هذا التوجه “لا يقتصر على حكومة نتنياهو، بل يظهر أيضا لدى بعض شخصيات المعارضة الإسرائيلية”.

وفي مقابلة مع وكالة الأناضول، اتهم وزير الخارجية التركي إسرائيل بأداء دور “معطل” في مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، قائلا إن “هناك دائما عاملا إسرائيليا يجب أخذه في الحسبان”.

كما أشار فيدان إلى أن القيادة السياسية الإسرائيلية تحمل “عقدة” اتجاه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، معتبرا أن نتنياهو يسعى إلى توجيه الخطاب السياسي الإسرائيلي نحو اعتبار تركيا خصما جديدا في المرحلة المقبلة.

إعلان

وأفاد وزير الخارجية بأنه من الحقائق الموثقة جيدا أن القيادة السياسية الإسرائيلية لديها عقدة اتجاه الرئيس أردوغان.

وأضاف: “إنهم ببساطة لا يستطيعون استيعاب أن هناك أحداثا كثيرة تقع في المنطقة، لكن توازن تركيا الإستراتيجي وجهودها في الموازنة تضعها في موقع لا يمنح إسرائيل أي فرصة للقيام بمناورة تضعف تركيا، وهذا يدفعهم حتما إلى حالة من الاختلال”.

وفي نفس السياق ثمن حساب السفارة الإيرانية في اليابان تصريحات فيدان ونشر تغريدة على “إكس” جاء فيها “وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يطلق تحذيرا حادا يتردد صداه في عموم المنطقة، من خلال قوله إن إسرائيل لا تستطيع العيش من دون عدو بعد إيران”.

وأضافت السفارة: “إن إسرائيل تعمل الآن على تصوير تركيا بوصفها العدو التالي، يحدد فيدان نقطتين محوريتين: المصدر الحقيقي لعدم الاستقرار الإقليمي، والدوافع السياسية الكامنة وراء ما يصفه بسرديات إسرائيلية اتجاه إيران”.

المصدر: الجزيرة + مواقع التواصل الاجتماعي

——————————–

عمليات يومية للاحتلال في الجنوب السوري.. ما أخطر السيناريوهات؟/ محمود عبد اللطيف

13 أبريل 2026

تشير المعلومات إلى أن القوات الإسرائيلية زادت من عديد قواتها داخل الأراضي السورية مع بدء الحرب في لبنان، وأبرز النقاط التي زادت من تواجدها فيها هي مرتفعات جبل الشيخ مع عمليات تدريب تحاكي التقدم باتجاه الأراضي اللبنانية انطلاقًا من المرتفعات السورية، ويبدو الأمر في صورته الأولى محاولة من الاحتلال لكسب نقاط في الحرب ضد حزب الله في لبنان، مع تعزيز وجوده في الأراضي السورية إلا أن النشاط الإسرائيلي في الداخل السوري يزداد خطورة على عدة مستويات.

عمليات يومية

تتحرك قوات الاحتلال في القرى القريبة من شريط الفصل والتي تقع ضمن ما يسمى بـ “المنطقة العازلة”، بشكل يومي، وتنقسم هذه العمليات بين إطلاق النار العشوائي باتجاه القرى، واستهداف المدنيين بشكل مباشر والاعتقالات وصولًا إلى إطلاق النار على قطعان المواشي أو مصادرتها، لكن الخطر الحقيقي في المنطقة يشير إليه أحد سكان بلدة حضر في حديث لـ “ألترا سوريا” بالقول إن “التركيز على زيادة الشرخ بين مكونات المنطقة هو أبرز ما يعمل عليه الاحتلال الإسرائيلي في المنطقة، فسكان المناطق الدرزية يتداولون معلومات عن قبول سكان المناطق الأخرى لمساعدات غذائية وطبية وكميات من المحروقات من النقاط العسكرية غير الشرعية المنتشرة في سوريا، وعلى الرغم من إن هذا الكلام غير صحيح إلا أن منتشر بالفعل”، مضيفًا: “في الوقت نفسه تسري معلومات بين سكان المناطق الأخرى عن كون الدروز يقبلون بالوجود الإسرائيلي المستدام في مناطقهم بحجة حمايتهم من بقية مكونات المنطقة، ومن خلال هذه النوع الدعائي من المعلومات التي يروجه الإسرائيلي بين سكان المنطقة يبدو أن سياسته تقوم على زيادة الشرخ المجتمعي ومحاولة خلق صراعات بين سكان المناطق المستهدفة بالاحتلال ليضمن وجوده بشكل مستدام”.

لا توجد إحصائيات لعدد ضحايا الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب، ويبدو أن الملف على الرغم من خطورته إلا أنه ليس خبرًا رئيسًا في وسائل الإعلام السورية والعربية، ويستفيد الاحتلال خلال الشهر الأخير من انشغال العالم بالحرب “الأمريكية – الإيرانية”، ليزيد من تحركاته في المناطق الجنوبية من سوريا، ولا يكاد يوم يمر بدون سقوط ضحايا من المدنيين بنيران الاحتلال، الأمر الذي يثير مخاوف السكان من تحول قضية الجنوب السوري إلى ورقة منسية إلى أن يتغول الأمر ويصبح الاحتلال بالفعل القوة المسيطرة على كامل الجنوب، لكن هل يكتفي الاحتلال بمناطق شريط الفصل ومرتفعات جبل الشيخ فقط، وهل مشروعه التوسعي في سوريا قد يقف عند حد معين؟

سيناريوهات خطرة

السيطرة على مرتفعات جبل الشيخ ومحاولة التوسع منها باتجاه لبنان، ستعني ربطًا جغرافيًا بين ما احتله العدو من الأراضي السورية مع تلك التي احتلها من الأراضي اللبنانية، وهذا يعني توسعًا قد يعمل على جعله مستدامًا من خلال المستوطنات التي تريد المنظمات الصهيونية بناءها في سوريا ولبنان في آن معًا، لكن هذا السيناريو قد يبدو توسعيًا وفقط بالنسبة لـ تل أبيب، بدون مكاسب أبعد من الجغرافيًا إن لم يكن هناك معلومات عن أهمية الجنوب السوري على مستوى الأمن المائي والغذائي، وأمن الطرقات وسلامة التجارة الدولية التي يهددها الاحتلال بشكل مباشر.

فالسيطرة على منابع المياه العذبة في منطقة جبل الشيخ والمناطق الغربية من الجنوب السوري وصولًا إلى نهر اليرموك، تعني تهديدًا مباشرًا لـ الأمن المائي لـ سوريا والأردن في آن معًا، ولعل الاجتماع الوزاري بين دمشق وعمان والذي ناقش في جزء منه تقاسم الموارد المائية مع الأردن يعد من الرسائل المباشرة لـ تل أبيب من كلا الطرفين بأنهما يضعان الخطر الإسرائيلي في هذا السياق ضمن حسابتهما وإن لم يكن هناك تصريح مباشر في هذا الإطار، ولأن الجنوب السوري جزء أساسي من السلة الغذائية السورية فإن السيطرة عليه من قبل الاحتلال بشكل مستدام ستعني تهديدًا للأمن الغذائي لسوريا ولجملة الدول المستفيدة من عمليات تصدير الخضار والفواكه السورية، والحديث هنا بشكل مباشر عن الأردن ودول الخليج العربي.

لكن مساعي إسرائيل التوسعية قد تضع في حساباتها ربط ما تسيطر عليه وأخذ الجنوب السوري وصولًا إلى محافظة السويداء، وهذا يعني قطع الطريق الدولية “M5″، والتي تربط بين الأراضي التركية والخليج العربي مرورًا بـ سوريا والأردن، وهذا يعد تهديدًا مباشرًا لـ التجارة الدولية وليس فقط للجنوب السوري، وتبرز أهمية هذا الطريق مع اشتداد الحرب في إيران وطول الفترة الزمنية التي أغلق فيها مضيق هرمز، ما يعني أن إسرائيل ستسعى بكل ما أوتيت من قوة وسياسة لتمنع أي مشروع لتحويل سوريا إلى ممر استراتيجية للتجارة العالمية في وقت يفكر رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بأن يجعل من “ميناء حيفا”، الواجهة البحرية البديلة للمسارات التي تمر بمضائق تسيطر عليها إيران بشكل مباشر وغير مباشر مثل “هرمز – باب المندب”، وضمن هذا الإطار يبدو أن الجنوب السوري “بيضة قبان”، وسيتصدر الأخبار لعالمية بمجرد انتهاء الحرب مع إيران لأن إسرائيل لن تتوقف عما يسميه نتنياهو “إعادة رسم الشرق الأوسط”.

الترا سوريا

————————

لبنان بين خيار الدولة وسلاح “حزب الله”: من يملك قرار المفاوضات؟/ أحمد الجابر

المفاوضات وسلاح “حزب الله”: صراع القرار بين الدولة وإيران

2026-04-14

في ظل تصاعد المواجهة بين “حزب الله” وإسرائيل منذ آذار/مارس 2026، وما رافقها من ضربات عسكرية واسعة وسقوط مئات القتلى وتفاقم الأزمة الإنسانية في لبنان، عاد ملف المفاوضات إلى الواجهة بوصفه أحد أبرز مسارات احتواء التصعيد.

وفي هذا السياق، تشير التطورات الأخيرة إلى تزايد الضغوط الدولية لدفع لبنان نحو مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع إسرائيل، بهدف التوصل إلى ترتيبات أمنية دائمة تشمل وقف الأعمال القتالية وضبط الحدود، وسط طرح مسألة سلاح حزب الله كأحد أبرز بنود النقاش.

إلا أن هذا المسار يواجه تعقيدات كبيرة، إذ يرفض “حزب الله” الانخراط في مفاوضات مباشرة، ويشدد على ضرورة وجود إجماع لبناني مسبق، في وقت خرجت فيه تظاهرات داخلية رفضاً لهذه المحادثات، بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية والتوتر الميداني.

كما يتقاطع الملف اللبناني بشكل متزايد مع المفاوضات الأوسع بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، حيث يُنظر إلى الساحة اللبنانية، ولا سيما دور “حزب الله”، كإحدى أوراق الضغط الإقليمية في تلك المباحثات، ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي ويطرح تساؤلات حول استقلالية القرار اللبناني.

وبين ضغوط الخارج وانقسام الداخل، يجد لبنان نفسه أمام مرحلة دقيقة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع التوازنات السياسية، ما يجعل مسار المفاوضات محوراً أساسياً للصراع على القرار والسيادة في المرحلة المقبلة.

المفاوضات بيد من؟

يقول حنا صالح، كاتب صحفي لبناني لـ”963+”، إن “حزب الله” لا يرفض المفاوضات أبداً، بل يرى أن كل الشغب في الشارع وكل المواقف التي يطلقها، والتي يُخوِّن فيها السلطة وخصوصاً رئيس الحكومة، تتمحور حول عنوان أساسي، وهو: من هي الجهة المفاوضة؟ ويضيف أن “حزب الله” يريد أن تفاوض إيران عن لبنان، ولا يعترف بالدولة اللبنانية ومكانتها ولا باسترجاعها للقرار، معتبراً أن هذا هو الموقف الحقيقي لحزب الله.

ويتابع موضحاً أن إيران فاوضت عن لبنان لسنوات طويلة، كما أن النظام السوري فاوض، حين كان يحتل لبنان، لسنوات طويلة أيضاً. ويشير إلى أن “حزب الله” دخل في اتفاقات، ومنها الترسيم البحري، حيث كان الحزب مع نبيه بري هم من فاوضوا آموس هوكشتاين وإسرائيل عملياً.

كما يلفت إلى أنه في اتفاق وقف النار، فاوض نبيه بري عبر هوكشتاين إسرائيل، ووافق نعيم قاسم بالصورة والصوت على طلبات إسرائيل.

ويؤكد أن الموضوع ليس رفض المفاوضات، بل يعتقد أن هذه الحرب من جانب “حزب الله” كان هدفها، بشكل واضح، أن يصبح لبنان ورقة أكثر فأكثر بيد إيران. ويعلل أن القرار الذي اتخذته الحكومة اللبنانية قطع عملياً هذا المسار، وحرم الطرف الإيراني من استخدام لبنان كورقة لخدمة مصالحه.

وينوه إلى أن “حزب الله”، منذ تأسس وأعلن رسمياً ذلك في 16 شباط 1985، هو حزب إيران في لبنان، لافتاً إلى أن أحد قادته آنذاك، إبراهيم أمين السيد، أعلن: “نحن إيران في لبنان”. ويعتبر أن حزب الله ليس له أي برنامج لبناني أو برنامج سياسي لبناني مستقل.

ويتابع شارحاً أنه منذ انسحاب إسرائيل بقرار من إيهود باراك عام 2000 من الجنوب اللبناني، والذي يعزوه إلى طلب إيراني وحماية لمصالحها، أخذ حزب الله لبنان إلى سلسلة حروب مدمرة.

ويشير إلى أن حرب 2006 كانت بقرار إيراني وأدارها قاسم سليماني، كما يضيف أن حرب إسناد غزة جاءت بقرار أُبلغ إلى حسن نصر الله.

ويلفت إلى أن نعيم قاسم يعلن اليوم ما يسميه “حرب إسناد إيران”، حتى تتمكن إيران من أن يكون لديها أوراق قوة، معتبراً أن حزب الله يسلم قراره إلى علي خامنئي، وأنه لا توجد سياسة لبنانية لـ”حزب الله”.

ويعتقد أن لبنان انطلق في مسار واضح، وهو استعادة الدولة والقرار، مشيراً إلى أنه منذ الثاني من آذار بات الجناح العسكري والأمني لـ”حزب الله” محظوراً من العمل.

ويوضح أن ما يجري حالياً هو عمل خارج عن القانون، وأن الدولة لا تريد في هذا الوقت أي احتكاك، لكن هذا الطرف يصبح أكثر فأكثر معزولاً وخارجاً عن القانون، متوقعاً ألا يتأخر الوقت كثيراً لإحالة الرؤوس الحامية إلى القضاء.

سلاح الحزب والعزلة

يقول يوسف دياب، كاتب وباحث سياسي يقيم في بيروت لـ”963+”، إن “حزب الله” يرفض المفاوضات لسببين، موضحاً أن السبب الأول هو رفضه لأي مفاوضات تفضي إلى نزع سلاحه، حيث يرى أن أي مفاوضات اليوم بين إسرائيل ولبنان ستؤدي إلى هذا المسار، وهو أمر لا يقبله الحزب.

ويضيف أن السبب الثاني هو أن “حزب الله” يريد أن تكون إيران هي المفاوضة عن لبنان، أو أن يكون لبنان ورقة في المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية وليس العكس، مشيراً إلى أنه لا يريد للبنان أن يكون مستقلاً في هذا الموضوع، طالما أن الحزب يربط مصلحة لبنان بمصلحة إيران، فيصبح لبنان ورقة على طاولة المفاوضات الإيرانية.

ويشير إلى أن هذا الأمر يضع الدولة اللبنانية في موقف ديبلوماسي حرج، لافتاً إلى أن كل دول العالم تدرك أن “حزب الله” يرهن قرار الدولة اللبنانية بيده، ويرفض التنازل عن أن يكون هو المقرر في موضوع المفاوضات.

ويتابع موضحاً أن “حزب الله”، رغم إعلانه رفض المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، لا يرفض المفاوضات غير المباشرة، ولا المفاوضات التي تجري بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، حيث تتفاوض عنه عملياً، وهو ما يعكس، بحسب رأيه، تناقضاً في الموقف. ويلفت إلى أن الولايات المتحدة، التي تعد بالنسبة لإيران “الشيطان الأكبر”، تتفاوض معها وجهاً لوجه، ما يدل على أن المسألة ليست مبدئية بل مصلحية، حيث تتقدم مصلحة إيران على مصلحة لبنان بالنسبة لـ”حزب الله”.

ويؤكد أن موقف “حزب الله” يتعارض مع موقف الدولة اللبنانية والسياسة اللبنانية بشكل كبير، موضحاً أن طروحات الدولة، سواء في خطاب القسم لرئيس الجمهورية أو في البيان الوزاري أو في قرارات الحكومة، تتحدث عن حصر السلاح بيد الدولة وعن أن يكون قرار الحرب والسلم بيدها، وهو ما يرفضه الحزب بشكل مطلق.

ويرى أن لبنان متمسك بعلاقاته الخارجية مع الدول العربية الشقيقة والدول الصديقة، مثل دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، أما على صعيد الاستقرار الداخلي، فيعتقد أن “حزب الله” قد يلوّح بورقة الأمن الداخلي من خلال مظاهرات أو محاولات تطويق مؤسسات الدولة، ومنها مقر رئاسة الحكومة، كما حدث في اليومين الماضيين، لكنه لم ينجح في ذلك.

ويعتقد أنه قد يذهب الحزب إلى محاولة قلب الطاولة من أجل التعويض عن خسائره أمام إسرائيل، وهو أمر متوقع، لكنه يلفت إلى أن “حزب الله” يعرف أنه سيكون وحيداً في هذه المواجهة، وقد يجد نفسه منبوذاً من كل الأطراف اللبنانية، حتى من حلفائه ضمن ما يُعرف بالثنائي الشيعي، حيث يشير إلى أن نبيه بري وحركة أمل ليسا معه في هذا الطرح.

ويختم معتبراً أن الحكومة اللبنانية قد لا تكون قادرة على تغيير قناعات “حزب الله”، لكنها مطالبة بأن تمضي قدماً في قراراتها، سواء في التفاوض أو في حصر السلاح بيدها أو في التأكيد على أن قرار الحرب والسلم بيد الدولة، حتى لو أدى ذلك إلى نتائج سلبية على وضعها، مؤكداً أنها تستند إلى دعم واسع من الشعب اللبناني وإلى دعم عربي ودولي، وهو ما يمنحها المصداقية في قراراتها.

+963

—————————

=======================

تحديث 12 نيسان 2026

——————————–

تحولات الشارع الإسرائيلي: أيّ جديد وأيّ طارئ؟/ صبحي حديدي

ثلاث مؤسسات إعلامية إسرائيلية، إذاعة «كان» والقناة 12 والقناة 13، أجرت مؤخراً سلسلة استطلاعات للرأي حول حظوظ الأحزاب في انتخابات الكنيست المقبلة، تشرين الأول (أكتوبر) المقبل كموعد أقصى؛ وكذلك حول أسئلة مثل هوية المنتصر في الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية الراهنة ضدّ إيران.

ففي الموضوع الأول، تقول الخلاصة إنّ الأحزاب الصهيونية المعارضة لائتلاف بنيامين نتنياهو الحاكم سوف تحقق مكاسب ضئيلة متفرقة، لكنها لن تتمكن من بلوغ سقف الـ61 مقعداً الكافية لتشكيل الحكومة؛ وأنّ الأحزاب الصهيونية المتحالفة مع نتنياهو، وبينها «ليكود» أيضاً، ستخسر مقاعد ضئيلة هنا وهناك، ولكنها لن تعجز عن إيجاد تحالفات جانبية تمكنها من الاحتفاظ بالحكومة.

الأبرز، في المقابل، أنّ حزب «القوّة اليهودية»، الذي يتزعمه وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، سوف يحصل على 10 مقاعد، قافزاً من 8 في استطلاعات رأي سابقة؛ وأنّ حزب «أزرق أبيض»، وزعيمه بيني غانتس رئيس هيئة أركان جيش الاحتلال الأسبق، لن يتخطى العتبة الضرورية لحيازة أعضاء في الكنيست؛ وخلاصة تلفزة «كان» أنّ ائتلاف نتنياهو سيحصل على 51 مقعداً، مقابل 59 للأحزاب الصهيونية المعارضة.

وفي الموضوع الثاني، بصدد  سؤال تلفزة «كان»، هل انتصرت الولايات المتحدة ودولة الاحتلال في الحرب على إيران؟ أجابت نسبة 25% بالإيجاب، و58% بالنفي. وفي استطلاع القناة 12، حول سؤال مشابه، اعتبرت نسبة 30% أنّ أمريكا ودولة الاحتلال انتصرتا، و19% لصالح إيران، و40% لم تنسب ايّ نصر لأيّ فريق. من جانبه خرج استطلاع القناة 13 بنسبة 33% لصالح واشنطن وتل أبيب، و28% ذهبت إلى طهران، و39% كانت نسبة العاجزين عن تحديد الفريق المنتصر!

وللمرء المتابع للأطوار الحديثة والمعاصرة من تحولات المجتمع الإسرائيلي، سواء بصدد انتخابات الكنيست أو حروب دولة الاحتلال أو العرى الوثيقة بين الملفّين في تكوين «مزاج» الشارع العريض؛ ليس ثمة ما يفاجئ حقاً في معطيات هذه الاستطلاعات، ولا جديد يستحق مقام المنعطف أو حتى المحطة الفاصلة. هذا مجتمع مشوّش متشرذم، تحكمه جملة من منظومات القلق من الحرب والرهاب من السلام، في آن معاً، مع رجحان طاغٍ لكفّة الهاجس الأوّل إزاء طمأنينة الثاني؛ وانحياز، تالياً، إلى حيرة الاستقرار إلا على خيار العسكرة والتطرف وإرهاب الدولة والسياسات العنصرية والتشدد الديني…

كذلك فإنّ مؤشرات هذه الاستطلاعات لا يصحّ أن تُقرأ بمنأى عن تجلياتها على أرض الاحتلال الإسرائيلي، في ملفّ واحد على الأقلّ هو الاستيطان، بافتراض أنّ جرائم الحرب المتنوعة المتكررة المستدامة يمكن أن تتقاطع تبعاتها، مثل تأويلاتها، لدى فريق حاكم وآخر يزعم موقع «المعارضة». وربما في جانب واحد محدد من فظائع الاستيطان، هو التغطية الحاخامية/ الفقهية لأنشطة الاستيطان «غير الشرعية»؛ أي تلك التي قد يضطرّ جيش الاحتلال إلى تفكيكها، تنفيذاً لقرارات المحكمة العليا مثلاً. فبدل مقاومة الجنود الإسرائيليين القادمين لتفكيك البؤر الاستيطانية (وليس المستوطنات، للإيضاح الضروري)، عمّم المجلس الحاخامي منشوراً يطالب المستوطنين ببناء المزيد من المواقع الاستيطانية، على مبدأ: يفككون موقعاً، فنبني خمسة!

إلى هذا، يحثّ الحاخاماتُ المستوطنين على الاستعداد عاطفياً وجسدياً لتكرار بناء المواقع الاستيطانية، بالتضافر مع الاستعداد لمواجهة الجنود، استناداً في الخلفية الأبعد إلى فتوى شهيرة أصدرها مجلس حاخامات المستوطنات وانطوت على جملة محرّمات، بينها النصّ على أنّ كلّ موقع استيطاني هو فريضة من فرائض إعمار دولة الاحتلال، ويمنع اخلاؤه منعاً باتاً؛ وكذلك الحكم بأنّ الجيش الإسرائيلي هو «جيش الشعب»، ومهمته «تتجسد في محاربة الإرهاب والانتصار على الأعداء».

بهذا المعنى يمكن، أيضاً، استيعاب أسباب بلبلة الإسرائيليين، حيال مفهوم «الانتصار»؛ فلا طارئ هنا أيضاً، ولا جديد.

القدس العربي

——————————–

 هل ينجح لبنان بفك ارتباطه مع إيران؟/ ميشال شماس

2026.04.12

لم تكن الهدنة التي أنهت الحرب الشاملة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران بعد تسعة وثلاثين يوماً مجرد توقف للعمليات العسكرية، بل كشفت عن حدود القوة لدى الأطراف المتحاربة، وفتحت الباب أمام إعادة رسم التوازنات في المنطقة. فالحرب التي اشتعلت على أكثر من جبهة، من الخليج العربي إلى شرق المتوسط، لم تُعدل فقط قواعد الاشتباك، بل أعادت ترتيب الملفات، وفي مقدمتها الملف اللبناني الذي انفجر فور إعلان الهدنة، ليصبح الساحة الأكثر حساسية في مرحلة ما بعدها، ومؤشراً مبكراً على اتجاهات الصراع المقبلة.

ورغم تأكيد المسؤولين الإيرانيين أن لبنان مشمول بالاتفاق، وأن الهدنة تمتد إلى الجبهة اللبنانية لأن مصلحتها إبقاء الساحة اللبنانية جزءاً من منظومتها الإقليمية، باعتبارها تشكل ورقة ضغط أساسية في مواجهة واشنطن وتل أبيب، إلا أن الموقف الأميركي والإسرائيلي جاء معاكساً تماماً: الهدنة لا تشمل لبنان، ولا تمنع استمرار العمليات العسكرية ضد حزب الله. هذا التباين لم يكن مجرد اختلاف في التصريحات، بل تعبيراً عن صراع استراتيجي حول موقع لبنان في مرحلة ما بعد الحرب، وعن بداية فصل عملي بين المسارين الإيراني واللبناني.

وجاء الاعتداء الإسرائيلي الواسع على بيروت ليحول هذا التباين إلى واقع ميداني واضح. فالهجوم، الذي خلف مئات القتلى والجرحى ودماراً كبيراً، لم يُنفذ بوصفه جزءاً من مواجهة مع إيران، بل كعملية تستهدف حزب الله داخل الساحة اللبنانية حصراً، في رسالة سياسية قبل أن تكون عسكرية: إسرائيل تتعامل مع لبنان كملف منفصل عن طهران، والهدنة مع إيران لا تُقيد عملياتها في الجنوب. هذا الفصل العملي بين الجبهتين مثّل تحولاً نوعياً، إذ أظهر أن إسرائيل ترى في لبنان ساحة يمكن الضغط عليها مباشرة، من دون المرور عبر طهران أو انتظار موقفها، الأمر الذي وضع الدولة اللبنانية أمام واقع جديد لا يمكن تجاهله.

إلا أن المعيار الحاسم في هذا الفصل كان الموقف اللبناني الرسمي الذي بدأ يتبلور مباشرة بعد إعلان حزب الله دعمه لإيران وانخراطه في الحرب، إذ اتخذت الحكومة اللبنانية خطوة غير مسبوقة باتجاه استعادة قرارها السيادي، فأعلنت أن سلاح الحزب غير شرعي، وقررت سحب اعتماد السفير الإيراني وطلب مغادرته الأراضي اللبنانية، إلا أنه رفض تنفيذ القرار. هذا التحول الرسمي شكل إشارة واضحة إلى أن بيروت بدأت فعلاً في فك الارتباط السياسي الذي ربطها بالسياسة الإيرانية لعقود. ثم جاء موقف الرئيس اللبناني ليرسخ هذا الاتجاه، معلناً رفض أي تفاوض تُجريه إيران باسم لبنان، ومؤكداً أن الدولة اللبنانية وحدها هي المخولة بتحديد مسار الحرب والسلم. هذه المواقف فتحت الباب أمام استعداد بيروت للدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية، في محاولة واضحة لإعادة وضع لبنان كفاعل مستقل داخل معادلة الصراع.

هذا التحول في موقف الدولة اللبنانية لم يكن معزولاً عن المتغيرات التي سبقت الحرب على إيران. فمنذ أيلول عام 2024، تكبد حزب الله خسائر عسكرية وبشرية كبيرة أضعفت قدرته على فرض إيقاعه على الدولة اللبنانية، ثم جاء سقوط نظام الأسد في دمشق وانهيار البنية اللوجستية التي بنتها طهران داخل سوريا ليقطع شريان الإمداد البري الذي اعتمد عليه الحزب لعقود. هذه التطورات مجتمعة قلصت هامش الحركة الذي كان يتمتع بها، وخلقت فراغاً استراتيجياً سمح للدولة اللبنانية باتخاذ قرارات لم يكن ممكناً اتخاذها في السابق، وفي مقدمتها إعلان استقلالية القرار الوطني ورفض التفاوض عبر طهران.

في المقابل، رأت الولايات المتحدة في هذا التحول فرصة ثمينة يمكن استثمارها في المفاوضات المقبلة مع إيران في باكستان، بما يعزز موقعها التفاوضي ويمنحها ورقة إضافية تمكنها من حصر النقاش في الملفات التي تعتبرها جوهرية: البرنامج النووي، الصواريخ البالستية، ومضيق هرمز. كما يتيح لها فصل الملف اللبناني عن الملف الإيراني الحد من قدرة طهران على الاستثمار في الساحة اللبنانية، وبالتالي تقليص نفوذها الإقليمي. أما إسرائيل، فاعتبرت هذا الفصل مكسباً استراتيجياً، إذ يضعف قدرة حزب الله على العمل كامتداد مباشر للسياسة الإيرانية، ويحول المواجهة معه إلى مواجهة محلية محصورة داخل الحدود اللبنانية، لا جزءاً من صراع إقليمي واسع.

في ضوء ذلك، تبدو السيناريوهات مفتوحة على أكثر من احتمال: فقد ينجح الفصل تدريجياً إذا تمكنت الدولة اللبنانية من تعزيز مؤسساتها وتثبيت استقلالية قرارها، وقد يبقى هشاً إذا تداخلت المصالح المحلية والإقليمية وأعادت إنتاج الاعتمادية على فاعلين خارجيين. وهناك أيضاً احتمال أن تعيد إيران ترتيب أوراقها عبر وسائل غير مباشرة فتستعيد نفوذها تدريجياً، أو أن تؤدي الضغوط المتبادلة إلى تصعيد يعيد الأمور إلى منطق الصراع الإقليمي.

خلاصة الأمر أن الفصل بين الملفين بدأ فعلاً، لكنه لا يزال في بدايته. نجاحه الكامل رهين بقدرة الدولة اللبنانية على تثبيت استقلال قرارها داخلياً، واستعداد الفاعلين الإقليميين والدوليين لقبول هذا الواقع الجديد. مرحلة ما بعد الهدنة لا تشبه ما قبلها: لبنان اليوم أمام فرصة نادرة لإعادة تعريف دوره، لكن استثمار هذه الفرصة يتطلب جهداً طويل الأمد، وإرادة داخلية متماسكة، ودعماً دولياً يواكب التحول دون استغلاله.

تلفزيون سوريا

——————————–

=======================

تحديث 11 نيسان 2026

——————————–

حذرة متيقظة.. هكذا تعيش سوريا زمن الحرب/ عمر كوش

حاولت سوريا النأي بنفسها عن التصعيد الدائر في المنطقة منذ بدايته، فلم تتخذ موقفا مؤيدا أو معارضا للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران- والتي دخلت فترة هدنة لمدة أسبوعين- لكن حين استُهدفت دول الخليج والأردن من قبل إيران لم تتردد في إعلان تضامنها معها، وإدانة جميع الاعتداءات عليها، ومع ذلك بقيت في قلب الحدث، محاولة تحييد نفسها عن الصراع، وتجنب تأثير تداعياته عليها.

مع دخول الحرب شهرها الثاني قبل الهدنة، باتت سوريا تمثل نموذجا معقدا شاهدا على صعوبة الحياد السياسي، إذ يفرض موقعها الإستراتيجي في المنطقة، وتماسها مع بؤر توتر نشطة، تحديات كثيرة على وضعها الأمني والجيوسياسي، مما يجعلها ساحة لتقاطع مصالح أطراف إقليمية ودولية.

وهو الأمر الذي يظهر مدى حساسية موقفها، ويتطلب منها البحث عن سبل للحد من تأثيرات موقعها الجغرافي، عبر اتخاذ إجراءات لحماية حدودها، وإدارة علاقات متوازنة مع كل من العراق، ولبنان، وسائر دول الجوار، والتعامل بحكمة مع التهديدات العابرة للحدود.

مسارات سياسية

تركزت السياسة السورية الجديدة على مجموعة متشابكة من المسارات التي أرادت من خلالها إعادة تموضع الدولة ووظيفتها ودورها، حيث يبرز مسار إدماج سوريا في النظام الإقليمي في ظل الحرب الدائرة، وما تخلفه من تحديات وضغوط دولية وإقليمية عليها. إضافة إلى مسار تأكيد الاستقلالية والسيادة، وما يفرضه من مساعٍ لحماية الداخل.

ويبقى أن التصعيد المنفلت في المنطقة يفرض عليها بناء منظومة علاقات مع دول الجوار، وخاصة الأردن، ودول الخليج التي فرضت الهجمات الإيرانية عليها تحديات على مختلف المستويات السياسية، والأمنية، والاقتصادية.

تتقاطع مساعي سوريا في إعادة تموضعها الإقليمي- التي تضع استرارها ضمن منظومة عربية متكاملة- مع مساعي دول الخليج الهادفة إلى ضمان استقرارها والحد من التهديدات الخارجية، وعدم الانخراط في الصراع، وتوفير بيئة آمنة.

إعلان

لذلك تجد الحكومة السورية نفسها مدفوعة للعمل في نطاق إستراتيجي متحرك، تتمحور فيه الأولويات حول سبل توفير ممكنات حماية الأمن الإقليمي، الذي يضع استقرارها كجزء من استقرار دول الخليج، والأردن، والعراق، ولبنان.

وبالتالي، فإنها تأمل من هذا النهج أن يفتح أمامها إمكانية تقوية دورها السياسي، وإبراز أهميته في سياق معادلة إقليمية، تنهض على الاستقرار والانضباط الأمني، وتجنب الفوضى والانفلات.

التحدي الإسرائيلي

يفرض الموقع الجغرافي لسوريا البقاء في حالة تأهب دائمة، بالنظر إلى تواصل التوغلات والاعتداءات الإسرائيلية على المنطقة الحدودية، والدعم الإسرائيلي لجهات انفصالية محلية في السويداء، تسعى إلى تقويض وحدة الجغرافيا السورية. إضافة إلى محاولات تل أبيب وسواها دفع الإدارة السورية للتدخل في لبنان ضد حزب الله، وهو ما رفضته بشدة السلطات في دمشق.

تهدف حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية المتطرفة في ظل استمرار التصعيد في المنطقة، إلى جر سوريا للانخراط فيه؛ بغية نقل المعارك إلى داخل الأراضي السورية، خاصة بعد الاعتداءات الأخيرة على مواقع عسكرية في منطقة “إزرع” بريف محافظة درعا، بذريعة دعم دروز السويداء، ثم الاستهداف المتكرر للمدنيين في ريف محافظة القنيطرة، وقتلها عددا منهم.

تتركز غاية إسرائيل في ضرب الاستقرار السوري وتمزيق جسده، لذلك تمضي في مساعيها الهادفة إلى توسيع المنطقة العازلة في الجنوب السوري.

ولا تزال إسرائيل تمثل التحدي الأبرز والأخطر بالنسبة إلى الدولة السورية، ليس فقط، لأنها تواصل استهداف أراضيها وسيادتها، بل لأنها تمثل الهدف التالي لإسرائيل بعد أن تضع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أوزارها.

العلاقة مع لبنان

تشهد علاقات سوريا من دول المنطقة تحولات معقدة في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في نهاية فبراير/ شباط 2026.

وتسعى دمشق إلى بناء علاقات تهدف إلى دعم استقرارها، حيث قامت بتكثيف اتصالاتها مع دول الجوار، وخاصة مع الحكومتين اللبنانية، والعراقية، من أجل ضبط أمن حدودهما مع سوريا، والتأكيد على ضرورة العمل من أجل منع المجموعات الموالية لإيران من استهداف الأراضي السورية.

غير أن كلا من لبنان، والعراق يمثلان نموذجين لبلدين يعانيان من وجود مجموعات مسلحة لا تخضع لقرار الدولة، الأمر الذي يجعل خيارات كلتا الحكومتين محدودة، ويحصر حركتهما في مجال ضيق، تسعيان فيه إلى تحقيق توازن دقيق بين ضرورات داخلية وضغوط خارجية، عبر التحرك من أجل حصر السلاح بيد الدولة، والتحسب من عدم الوصول إلى مرحلة الصدام العسكري معها، تجنبا لمخاطر الانزلاق في حرب أهلية باهظة الثمن على الجميع.

وعلى الرغم من التصعيد الحاصل في المنطقة، فإن الحكومة السورية تفادت الانخراط في معارك مع “حزب الله”، وذلك بعكس البروباغندا الإعلامية التي أشيعت كثيرا حول تحضيرات الجيش السوري للدخول إلى لبنان؛ لدعم مساعي الحكومة الهادفة إلى نزع سلاح الحزب.

تضع دمشق في حساباتها تداعيات التصعيد الحاصل، الذي استجلب حربا إسرائيلية عدوانية على لبنان، لا تطال حزب الله فقط، بل اللبنانيين والدولة اللبنانية.

وتعي تماما دور الحرب الدائرة للترويج لمزاعم تدخل سوري في لبنان، بغية توظيفه من أجل إبقاء الداخل اللبناني أسير الانقسامات والاصطفافات الإقليمية، وبما يخدم أطراف الصراع ونفوذهم.

تاريخيا اتسمت علاقات سوريا مع لبنان بعدم التوازن، وتحولت في فترات عديدة إلى علاقة نفوذ وسيطرة، ولم ترتقِ إلى مصاف علاقة بين دولتين مكتملتي السيادة.

غير أن التحولات التي حصلت مؤخرا في سوريا، ولبنان، حملت معها نهاية الأسس التي حكمت طبيعة العلاقات السابقة بينهما، وجرت عملية إعادة بنائها على قاعدة الحوار والمصالح المتبادلة، الأمر الذي يتسق مع عملية إعادة تعريف الدور الإقليمي السوري في مرحلة ما بعد الاستقطاب الحاد.

لكن هذه العملية لا تزال غير محمية من المعوقات، وممكنات التعطيل، والالتفاف عليها، خاصة من طرف القوى غير الدولتية.

 العلاقة مع العراق

أظهرت التطورات الأمنية في كل من لبنان، والعراق خلال الحرب الدائرة نمطا من الصراع المركب، عبر عن تحول عميق في طبيعة التصعيد في المنطقة، وانتقل فيه كل منهما من هامش الحرب إلى قلبها الميداني.

وفي ظل التصعيد الحاصل، لم يعد العراق بيئة يتم فيها تبادل الرسائل السياسية والعسكرية بين الولايات المتحدة، وإيران، بل تحول من مجرد ساحة لاحتواء التوتر إلى ميدان لإدارة الصراع، وألقى دخول العراق، في صدام متعدد المسارات، بظلاله على دول المنطقة.

منذ البداية، بذلت سوريا جهودا حثيثة من أجل ترميم العلاقات مع العراق، وتخفيف البرود الذي أصاب العلاقات البينية، وقدمت مقترحات لتعاون اقتصادي بين البلدين، وبناء أسس تنسيق أمني مع الحكومة العراقية، من أجل ضبط الحدود، وإعادة الروابط الطبيعية بين الدولتين.

وعكس ذلك حرص الحكومة السورية على القطع مع الإرث الذي كان يحكم العلاقة مع العراق، التي كانت تتميز بالتعقيد الأمني، وسيادة حالة تنافس إقليمي، إلى جانب تداخلات حدودية.

أعلنت الحكومة العراقية، منذ اليوم الأول للحرب، أنها ستلتزم الحياد بين طرفي الصراع، ورفضت استخدام أراضيها لانطلاق هجمات عسكرية إيرانية أو أمريكية.

بيد أن مجموعات موالية لإيران لم تلتزم بموقف الحكومة، واستهدفت بالصواريخ والمسيرات دول الخليج والأردن، ووصلت إلى الأراضي السورية، ومع ذلك لم ترد الحكومة السورية على الهجمات التي قامت بها هذه المجموعات.

أهمية الجغرافيا

برزت أهمية الموقع الجغرافي السوري من خلال الارتدادات والوقائع التي أفرزتها الحرب على إيران، حيث بدأ التعامل بجدية مع استخدامه، بغية حل جزء من أزمة الطاقة الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز، من خلال البحث في إمكانية ضخ قسم كبير من الصادرات النفطية وغير النفطية عبر الأراضي السورية وموانئها إلى العالم.

ولم تتأخر الحكومة العراقية- وبالتنسيق مع سوريا- في تسيير صهاريج تنقل النفط العراقي إلى ميناء طرطوس.

وتزامن ذلك مع الشروع في إصلاح الأنابيب التي تربط بين كركوك العراقية والساحل السوري، والتي توقفت عام 2003، كما بدأ العمل من أجل تأهيل خط “التابلاين” القادم من السعودية، وجرت اتصالات مع الأردن لتعزيز المعبر البري، الذي يعرف باسم “كوريدور الشرق الأوسط”.

الحاصل هو أن التصعيد الجاري أظهر أهمية سوريا في الإقليم، وإمكانية أن يكون لها دور مستقبلي واعد، يتوقف نجاحه على مرونة السياسة التي تضعها الحكومة السورية، التي أعلنت القطع مع نهج سياسة المحاور، لتدير العلاقات مع الجوار والعالم على أسس المصالح المشتركة والسيادة المتبادلة، وبما يعكس إعادة تنظيم العلاقات الثنائية، ويستلزم وضوحا سياسيا، وإدراكا دقيقا لتعقيدات التعامل مع القوى الإقليمية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كاتب وباحث سوري

الجزيرة

——————————–

 إما أن تكون قيامة لبنان أو الظلام الأبدي لنا/ عمر قدور

السبت 2026/04/11

فرضت عملية “الظلام الأبدي” نتائجَها سريعاً، إذ أُُعلن عن بدء مفاوضات مباشرة بين الحكومة اللبنانية وتل أبيب. العملية كانت غير مسبوقة من حيث كثافة القصف الإسرائيلي الذي تعرّض له لبنان خلال دقائق معدودة، وما نجمَ عنها يبدو منطقياً بناءً على اختلال ميزان القوى، وإن ظهر خارج منطق المقاومة والحزب الذي لا يعترف عادةً بعواقب الاختلال الكبير. بينما في الجانب الآخر، كان نتنياهو صريحاً في وضع النتيجة التي يريدها من المفاوضات: نزع سلاح حزب الله وإقامة علاقات سلمية.

نظرياً، تحقق أول المطالب الإسرائيلية بفصل مسار المفاوضات مع لبنان عن مسار المفاوضات الأميركية-الإيرانية، وهو أيضاً مطلب لقوى لبنانية تريد أن يكون قرار الحرب والسلم سيادياً، غير مرتبط بحسابات إقليمية، أو رهن مشيئة طرف لبناني. أما مطلب نزع سلاح حزب الله فلا يمكن واقعياً فصله عن مسار المفاوضات بين واشنطن وطهران، والأخيرة قد ضمنت فيما يبدو حتى الآن بقاء النظام الحاكم، وبقاء نفوذه في العراق واليمن، ليكون الكلام عن أذرعه منصرفاً إلى لبنان في المقام الأول، وربما الأخير أيضاً.

ولا بد من ملاحظة أن فصل المسارين، الإيراني واللبناني، هو شكلاني في البداية، بسبب تأثير مجريات المفاوضات الإيرانية-الأميركية على المسار اللبناني، لذا يبدو الفصل المطلوب في النتائج أكثر مما هو في البداية. وسيتحقق الفصل إذا قبِل الحزب، المواكب للمفاوضات على الجانبين، نزعَ سلاحه. وهذا لا يعني انتهاء دوره في لبنان، بل سيعني مشاركته في الصيغة اللبنانية الجديدة التي يمكن التحدث فيها لأول مرة بعد الحرب الأهلية اللبنانية، وبعد انقضاء عهد الوصايتين، السورية والإيرانية.

وبينما يكثر الحديث عن شرق أوسط جديد، لجهة انتهاء الحسابات الإقليمية السابقة، يظهر لبنان في رأس قائمة التغييرات المقبلة. فالأسئلة اللاحقة على الحرب، وقد لا يكون موسمها بعيداً على الإطلاق، تتعلق بالصيغة اللبنانية؛ سواءً أتت بتطبيق الطائف الذي لم يُطبَّق منذ توقيعه، أو بالبحث عن صيغة جديدة، وتفاهمات لا تُقرّ تحت تهديد السلاح، إذا أمكن الوصول إليها من دونه! وسيكون لبنان لأول مرة بلا سلاح خارج عن سيطرة الدولة، التي كان سلاحها ضعيفاً دائماً؛ من حسن حظ اللبنانيين، ومن سوئه أحياناً.

لقد قيل الكثير في معنى لبنان، ولطالما كان على سبيل الإنشاء أو ضمن المزاد السياسي اللفظي. لكن، بالرغم من ذلك، من المفيد جداً استحضار ذاك المعنى الآيل إلى الاندثار، وبواقعية شديدة. فلبنان قدّم النموذج الذي يبدو مستحيلاً حتى الآن في منطقة شرق المتوسط؛ نموذجَ الحريات الذي اندلعت لأجله ثورات في العديد من بلدان المنطقة، ووجِهت بأعتى قوى الماضي، وكأن شعوب تلك البلدان عوقبت لأنها طلبت الحرية يوماً.

من الجيد أن تُستعاد مفردة “اللبننة”، لا للتخويف، بل لتخليصها من حمولتها السلبية، حينما راح يستعملها مستبدون لإخافة الشعوب من مصير مماثل. ومهما قيل عن صعوبات التعايش بين الطوائف اللبنانية فهو مأخوذ مما هو صريح ومعلن في جو من الحرية، والحرب الأهلية اللبنانية، في أعتى أطوارها، لا تضاهي الحروب الداخلية في العديد من بلدان المنطقة، لا من حيث عدد الضحايا، ولا من حيث منسوب الوحشية المستخدمة، ولا من حيث انخراط الدولة في تلك البلدان لتكون طرفاً أساسياً في الحرب.

وفي الحديث عن كون الدولة طرفاً في الحرب، يجب الانتباه إلى مغزى ذلك على صعيد خصخصة الدولة لمصلحة فئة ما، في حين نجا لبنان من الالتباس المدمّر بين السلطة والدولة؛ السائد في معظم بلدان المنطقة. ومن المرجَّح أن وجود الدولة على هذا النحو لعب على نحو خفيّ كصمام أمان أيضاً، إذ لم تأخذ الصراعات اللبنانية المنحى الأكثر راديكالية لجهة الانقلاب على السلطة برمّتها، أو الاستحواذ عليها كما هو حال الاستبداد السائد في الجوار.

كان قدر لبنان، بعد سنوات قليلة على الاستقلال، أن يظهر على خلاف مع مسار الأنظمة الصاعدة في المنطقة. ففي مصر أتى صعود الضباط الأحرار فوق أيديولوجيا لا تقيم اعتباراً للحريات الشخصية، وبعدها بحوالى عقد من الزمن لحق البعث السوري بالتجربة المصرية، ليتأخر عنها لا زمانياً فقط، إنما على مستوى التجربة ككل. لذا بدا لبنان صغيراً وضعيفاً بالمقارنة مع الدور الذي لم يختره أبناؤه له ولأنفسهم، واختارته عنهم ظروف المنطقة.

لكن لبنان، من دون المعنى والقدَر المشار إليهما، يكون ضعيفاً أيضاً، وتنتفي الحاجة إليه، ولا يُستبعد أن يكون مصدراً لأزمات لنفسه وللجوار. والتمسك بجمرة معنى لبنان، على صعوبته، هو الأمل الوحيد المتاح حالياً من أجل اللبنانيين، ومن أجل الجوار أيضاً، ومن أجل ألا يحاول الجوار مرة جديدة تدمير ما هو إيجابي في النموذج اللبناني.

إن عملية “الظلام الأبدي” الكبرى تكون بإدخال لبنان في السياق الذي هرب منه الكيان اللبناني، وأن لا يكون لبنانَ الحريات، وتعايشَ المختلفين الذي لم يكن ولن يكون سهلاً ووردياً دائماً. هو بالأحرى “ظلام” شرق المتوسط الذي سيكون قاتماً جداً، ما لم تُفتح نافذة نور منه، وقد كان لبنان لعقود بمثابة تلك النافذة، وليس من مرشِّح لخلافته في هذه البقعة. فالجوار السوري لا يسير في الاتجاه المؤدي إلى ازدهار الحريات الفردية، وثمة شكوك قوية حول السبيل الذي سيسير فيه بعد المرحلة الانتقالية. والمثال العراقي غير مستقر، وربما يتعزز فيه النفوذ الإيراني كثمن لانحساره عن لبنان.

ما سيؤول إليه لبنان قريباً سيكون على الأرجح مؤشِّراً على حال الجوار أيضاً، لأن نجاح اللبنانيين في الحفاظ على نموذجهم، المتقدِّم ولو نسبياً، يُحسب لهم أولاً، وقد يشجّع البلدان المجاورة بعد انكفاء مطالب الحريات فيها. من جانب آخر، إذا ساعدت قوى إقليمية على بقاء النموذج اللبناني فهذا يدلّ على وجود حد أدنى من نوايا الاستقرار في المنطقة، وعدم المخاطرة بإدخالها بأسرها في ظلام أبدي.

في هذه الأيام شديدة القسوة على اللبنانيين، وبينما هاجسهم الخلاص من “الظلام الأبدي” والإبادي الإسرائيلي، ربما يكون من القسوة تحميلهم ما يتجاوز همومهم المباشرة. لكننا ننطق بدافع الحب إذ نتمنى أن تكون قيامة لبنان، لئلا يكون الظلام الأبدي من نصيبنا جميعاً.

المدنية

——————————–

بين لبنان وإسرائيل/ بيار عقيقي

11 ابريل 2026

عشية مفاوضات مباشرة مفترضة بين لبنان وإسرائيل، يصبح لزاماً فهم أي لبنان يفاوض. إذا كان لبنان المتردّد سياسياً، تحت مسمّى “التوافقية السياسية”، هو من يفاوض، فإنه مهما كان موقفه قوياً أو ضعيفاً، سيخسر قبل نطق أي كلمة. وإذا كان لبنان الساعي إلى لملمة الطوائف الأساسية الكبرى في البلاد: الموارنة، السنة، الشيعة، الروم الكاثوليك، الدروز، الروم الأورثوذكس، ضمن وفد تفاوضي واحد، فسيخسر أيضاً. وإذا كان لبنان المساير بين سلاح الشرعية وخارجها هو من سيشارك، فسيخسر أيضاً. لبنان المفاوض اليوم لا يُمكنه استنساخ وفود تفاوضية، سبق أن حضرت في اتفاق القاهرة في مصر، في عام 1969، ولا في اتفاق 17 أيار 1983. هذان الاتفاقان لم يستمرّا مطولاً. اتفاق القاهرة تمّ إلغاؤه في 1987، واتفاق 17 أيار في 1984. كلّف الأول لبنان حرباً دارت رحاها فيه بين عامي 1975 و1990، وأفضى الثاني إلى تمرّد على شرعية الدولة في 6 فبراير/ شباط 1984. اهتمّ المفاوضون في تلك المرحلة بمكاسب سياسية أكثر من الاهتمام بواقع الحاجة المجتمعية إلى اتفاق. وبدلاً من أن يمنح اتفاق القاهرة، ثم اتفاق 17 أيار، الاستقرار للبنان، أجّجا نيران زعزعته وتدميره. كذلك، لا يمكن السماح للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل بتكرار خطيئة الماضي، وإفساح المجال لتدمير البلاد مرّة أخرى فوق رؤوس أبنائها.

يبدأ الأمر بماذا يريد لبنان أيضاً من المفاوضات المباشرة. في ما يخص إسرائيل، كان رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو واضحاً في الإشارة إلى بندين لا ثالث لهما: نزع سلاح حزب الله وتوقيع اتفاق سلام. وإذا كان لبنان يعتقد أنه في مثل هذه المفاوضات سيبحث فقط في وقف إطلاق النار، فإنه سيكون في وضع حرجٍ سياسياً. وفي الوقت نفسه، لا يُمكن البصم على توقيع اتفاق سلام، فيما الدماء تسيل بغزارة في المناطق اللبنانية. تقتضي الواقعية هنا بتأكيد واقع أساسي: هناك اتفاق هدنة مبرم في 1949، وهناك اتفاق ترسيم حدود بحرية أُقرّ في 2022، وهناك ملف ترسيم الحدود البرّية. يُمكن لبيروت الانطلاق من تلك النقاط، في أيٍّ من مراحل التفاوض. تلك النقاط لا تسمح بجعل الموقف اللبناني ضعيفاً، أقله على المستوى السياسي. غير أنه أيضاً، ليس من مصلحة لبنان الظهور بمظهر “الدولة الفاشلة”، غير القادرة على فرض رؤيتها أو قرارها، متحوّلة إلى ساحة تشابك إيرانية ـ إسرائيلية. من الصعب تفسير مثل هذا المشهد، فيما الحاجة إلى تطبيق مفهوم السيادة ينطلق من نقطة واحدة: إنهاء أزمنة الرمادية والحسم في موضوع سيادة القرار ثمّ الأرض، باعتبار أن الاحتلال الإسرائيلي جاثم على أجزاء واسعة من جنوب لبنان. “الرمادية” هنا تتجلى في مواقف سياسيين وعسكريين، يعتقدون أن ما يجري في لبنان يُمكن إدراجه في حسابات رئاسية ونيابية وحتى بلدية. أي إنهم لا يفهمون جذرياً مفهوم الدولة، سوى بالسعي إلى المناصب. لذلك، ستتيح المفاوضات المباشرة المفترضة، المجالَ لطرح أسئلة جوهرية مرتبطة بالذهنية السياسية اللبنانية، وباستعداد السلطة على معالجة التناقضات البنيوية في فهم “مشروع الدولة”.

عدا ذلك، فإن السلوكات المتطيّرة في أي مفاوضات والعجز عن فهم الصورة الكبيرة للبنان وطناً ولدور الدولة فيها ولمفهوم السيادة ووحدة الأرض والقرار، سيجعل من المفاوضات المرتقبة نقطة سوداء، من دون المغالاة في أنها قد تنهي دور لبنان ـ 1920، لمصلحة كيانات مدمّرة ومتطرّفة، لم تر الحياة في حرب 1975 ـ 1990. بالتأكيد الأمر ليس سهلاً أبداً، والتراكمات التاريخية أكبر مما يمكن تخيّله، لكنها لحظة مفصلية لم يفرضها لبنان، بل فُرضت عليه لحسابات إيرانية صرف، لكن قدره في أن يواجهها. اليوم، بكل مساوئه، أفضل من الغد بكل غموضه. هذا ما يجب أن يعرفه المفاوض اللبناني.

العربي الجديد

——————————–

=======================

تحديث 10 نيسان 2026

——————————–

نتنياهو وشرق أوسط جديد من جنوب لبنان وسورية/ مالك ونوس

10 ابريل 2026

من جملة الوقائع والخطط الموضوعة مسبقاً، يمكن الافتراض أنّ المنطقة التي احتلها جيش الاحتلال الإسرائيلي، ويتقدّم فيها يومياً في جنوب لبنان وسورية، ستكون هي المدماك الأوّل الذي يضعه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لبدء مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي طرحه، ويتحدّث عنه دائماً. وبالأخذ بعين الاعتبار الحرب التي يشنّها الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة لإضعاف إيران والتأثير في دول الجوار من أجل فرض إسرائيل قوةً إقليميةً، ومثلما قال نتنياهو أخيراً: “قوة دولية”، من الطبيعي أن نشهد خطوات توسّعية غير متوقّعة من الإسرائيليين، مدفوعين بفائض القوة الذي ظهر عليهم في الحرب أخيراً.

يتذرّع الإسرائيليون بحجّة السعي لضمان أمن سكّان المستوطنات الشمالية من خلال إنشاء المنطقة العازلة في جنوب لبنان في منطقة الليطاني. هذه المستوطنات التي لم تشهد أيّ خروقات من الجانب اللبناني بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين الإسرائيليين والحكومة اللبنانية في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، استناداً إلى قرار مجلس الأمن رقم 1701، على عكس الطرف الإسرائيلي الذي خرق ذلك الاتفاق آلاف المرّات عبر غارات شنّتها المقاتلات الحربية والمسيّرات، ما أدّى إلى سقوط مئات الضحايا والتسبّب في دمار كبير في المنازل والمؤسّسات. وفي 22 مارس/ آذار الماضي، أمر نتنياهو ووزير حربه بتدمير جميع الجسور القائمة على نهر الليطاني بحجّة منع عناصر حزب الله من عبورها. وأمرا سكّان منطقة جنوب النهر بإخلائها، ووجّها قواتهما إلى تدمير جميع القرى والبلدات والمساكن في تلك المنطقة التي تشكّل 10% من مساحة لبنان الكلّية، معتمدين سياسةً تقوم على تدميرها بدلاً من شنّ عمليات عسكرية لتطهيرها من المقاتلين. وتزامن صدور أوامر الإخلاء بحادثتَين، أوّلهما رشّ القوات الإسرائيلية مبيدات غريبة في هذه المنطقة، وفي المنطقة التي احتلّتها جنوبي سورية بعد سقوط نظام بشّار الأسد، ورجّح كثيرون أنّها مواد حارقة وظيفتها القضاء على الغطاء النباتي الذي يوفّر التستر والحماية للمقاتلين. وثانيهما الأمر الذي أصدره نتنياهو لقوّاته في 29 مارس/ آذار الماضي، القاضي بتوسيع المنطقة العازلة لتشمل منطقة جنوبي الليطاني برمّتها، بالتزامن مع الاجتياح البرّي الجاري والهجمات اليومية في عمق الأراضي اللبنانية.

يعرف الإسرائيليون حقّ المعرفة أنّ المنطقة الآمنة هذه لن تكون الحلّ الذي يجلب لهم الأمن في المستقبل إذا ما استمرّوا في عملياتهم العدوانية بحقّ الشعب اللبناني، خصوصاً بعدما قرّروا احتلال قسم من أراضي لبنان. فمهما توسّعت هذه المنطقة، ستبقى غير مجدية، إذ إنّ عامل المسافة لا يحول دون وصول الصواريخ إلى أهدافها في فلسطين المحتلّة، مع التطوّر الكبير الذي شهدته ترسانة حزب الله. ففي الحرب الجارية، تبيّن أنّ حزب الله أطلق عدداً منها من منطقة البقاع، البعيدة بالقياس إلى مساحة لبنان وجنوبه عن حدود فلسطين المحتلّة، ووصلت إلى أهدافها بدقّة.

من جهة أخرى، وفي الفترة الماضية التي كان يجري فيها الحديث عن نزع سلاح حزب الله، طالبت الحكومة اللبنانية وقسم من اللبنانيين الحزبَ بتسليم سلاحه، مستندين إلى حقيقة انتفاء الحاجة إليه نتيجة عدم وجود أراضٍ لبنانية يحتلّها الإسرائيليون. الآن، ومع احتلال هذه المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، ستتوافر الذريعة لحزب الله للاحتفاظ بسلاحه لمقاومة الإسرائيليين، خصوصاً مع ضعف الجيش اللبناني وعدم قدرته على مواجهة الإسرائيليين وفق قدراته اللوجستية والعسكرية والمادية المتوفّرة حالياً. أمّا إذا كان احتلال هذه المنطقة هدفه المساهمة في عملية نزع السلاح، فإنّ الإسرائيليين أنفسهم، قبل غيرهم، يعرفون صعوبة تنفيذ هذه المهمّة بأياديهم، وبعيداً من تسوية إقليمية والتزامهم الاتفاقات الدولية وتعهّدهم بعدم الاعتداء على لبنان أو احتلال أراضيه.

في الحرب الحالية، فكّر الإسرائيليون باتخاذ المناطق السورية التي احتلوها أخيراً في جبل الشيخ للالتفاف إلى منطقة البقاع والسيطرة على المناطق التي يوجد فيها حزب الله، مستغلّين غياب أيّ مقاومة في هذه المنطقة لتسهيل ذلك الالتفاف. وكان الإسرائيليون قد احتلّوا مساحةً تقدّر بأكثر من 600 كيلومتر مربّع من الأراضي السورية بعد سقوط الأسد. لذلك يبدو أنّهم يفكّرون بضمّ هذه المنطقة الجديدة إلى منطقة جنوب الليطاني لتشكّلا معاً منطقة منزوعة السلاح، وربّما لإلحاقهما مستقبلاً بالمناطق المحتلّة في الجولان والأراضي الفلسطينية، خصوصاً أنّ نتنياهو قال عندما زار إحدى قمم جبل الشيخ التي احتلّها جيشه أخيراً: “سنبقى هنا لفترة طويلة”. وإذا كان احتلال المنطقة السورية مقدّمةً لتنفيذ خطّة ممر داوود نحو الفرات ودجلة وكردستان العراق مروراً بالسويداء ودرعا وحمص، وهو ما يرجّحه كثيرون، فإنّ حلم نتنياهو بإسرائيل الكبرى أو الشرق الأوسط الجديد يكون قد بدأ خطواته الأولى، بالنظر إلى سياسة الإسرائيليين في العمل بهدوء وبطء لقضم الأراضي وتهويدها.

للإسرائيليين تجربة كبيرة في التوسّع عبر القضم اليومي لأراضي الفلسطينيين في الضفة الغربية، وزرع مستوطنات فيها، وشقّ طرق التفافية لتغيير ملامحها ومحاولة تغيير طابعها القانوني. وهم يبدون صبراً كبيراً في ذلك، وقد استطاعوا على مدى خمسين سنة تهويد مساحات واسعة من أملاك الفلسطينيين في أراضي الضفة الغربية عبر قضمها شبراً شبراً، وصولاً إلى السطو على مساحات واسعة وتهويدها وتغيير طابعها بشكل نهائي. وتبرز هنا خطط الحريديم للاستيطان في الجنوب اللبناني في منطقة الليطاني، والمناطق التي احتلّها الإسرائيليون في جنوب سورية، علاوة على وضعهم خططاً مستقبليةً للاستيطان في أراضٍ تقع في جبل لبنان وغيرها من المناطق اللبنانية.

يتسلّح نتنياهو لتنفيذ خططه بوعود ترامب الذي تحدّث في 15 أغسطس/ آب 2024، أي قبل أشهر من تنصيبه في البيت الأبيض، عن نيّته توسيع مساحة إسرائيل على حساب الدول المحيطة. وإذ يمكن القول إنّ كلام ترامب لم يأتِ من فراغ، وربّما قاله مدفوعاً بطلب من نتنياهو من أجل تحضير الأجواء لخطّة التوسّع للوصول إلى حلم إسرائيل الكبرى، فقد شُنّت الحربان على إيران في هذا السياق. فكسر شوكة طهران شرط لازم لتنصيب إسرائيل قوّةً إقليميةً، أمّا الشرط الآخر لهذه القوّة فهو بثّ الخوف لكي يهابها الجميع، وهو ما توفّر بعد ضربها إيران. وبعد هذا، قد لا تجد من يقف في وجهها لتنفيذ خططها، ومنها خطّة الشرق الأوسط الجديد التي يمكن أن تبدأ بها من جنوب لبنان وسورية، بعدما أُضعفت سورية، وها هي تُدمّر لبنان لزيادة ضعفه، ومنع أيّ شكل من أشكال الاعتراض التي قد يبديها.

العربي الجديد

——————————–

 الشيباني: طموحات إسرائيل التوسعية اوقفت الاتفاق الأمني

الخميس 2026/04/09

Image-1775756874

قال وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني إن الاتفاق الأمني مع إسرائيل تعثّر بسبب طموحات الأخيرة التوسعية، معرباً عن دعم بلاده للدولة اللبنانية في نزع سلاح حزب الله، فيما أكد نظيره التركي هاكان فيدان أن إسرائيل تنقل الإبادة الجماعية من غزة إلى لبنان.

جاء ذلك خلال مؤتمر صحافي للوزيرين، اليوم الخميس، وذلك بعد محادثات بينهما في العاصمة التركية أنقرة، في إطار زيارة يجريها الوزير السوري لتركيا، التقى خلالها الشيباني مع المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك، حيث وصف الأخير سوريا بـ”الحالة الاستثنائية”.

ترحيب سوري بالهدنة

وأعرب الشيباني خلال المؤتمر، عن ترحيب بلاده بالهدنة المعلنة بين الولايات المتحدة وإيران، لافتاً إلى أن التدخل الإيراني في سوريا نتج عنه مليون شهيد و15 مليوناً آخرين بين نازح ولاجئ.

وحول الاتفاق الأمني مع إسرائيل، أكد الشيباني أن “الاتفاق الأمني مع إسرائيل تعثر بسبب طموحات إسرائيل التوسعية”، لافتاً إلى أن إسرائيل تواصل انتهاكاتها لسيادة سوريا وأجوائها، وتنفذ توغلات، وذلك أدى إلى عرقلة الوساطة الأميركية للتوصل إلى اتفاق.

وبشأن العدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان، أعرب الوزير السوري إدانة دمشق واستنكارها للقصف الإسرائيلي، مضيفاً أن الدولة السورية “تدعم نزع سلاح حزب الله” من دون تدخلات خارجية، كما أكد أن دمشق تتطلع لشراكة استراتيجية مع بيروت.

الرؤية الاستراتيجية

وعن العلاقات مع تركيا، قال الشيباني إن سوريا وجدت في أنقرة حليفاً وشريكاً موثوقاً تجلى دعمه أفعالاً ملموسة في مسارات إعادة الإعمار وبناء القدرات المؤسسية، وإرساء دعائم الاستقرار، لافتاً إلى أن البلدين دشنا عهداً جديداً عنوانه الشراكة الاستراتيجية والاحترام المتبادل.

وأضاف أن المباحثات أكدت تفاهمات حيوية مع تركيا شقيقة تشمل تعزيز التعاون في قطاعات الطاقة والتجارة والبنية التحتية، ورفع مستوى التنسيق الأمني لضبط الحدود المشتركة ودرء التهديدات التي تستهدف الأمن القومي.

وذكر أن الرؤية الاستراتيجية المشتركة تجسدت في مشروع البحار الأربعة، والذي من شأنه أن يحول سوريا وتركيا معاً إلى شريان رئيسي لإعادة توزيع الطاقة بين الخليج العربي وبحر قزوين والبحر المتوسط والبحر الأسود.

وفي الشأن الداخلي، قال الوزير السوري إن مسيرة التعافي وإعادة بناء مؤسسات الدولة تمضي بعزيمة ووتيرة متسارعة، مضيفاً أن مجلس الشعب السوري الجديد، هو أول برلمان يمثل سوريا الحرة، وسيعقد جلسته الافتتاحية بعد إجراء الانتخابات في محافظة الحسكة قريباً.

وأوضح أن تنفيذ الاتفاق الشامل مستمر مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من أجل ودمجها ضمن صفوف وتشكيلات الجيش العربي السوري، إضافة إلى استعادة الدولة إدارتها الحصرية لكافة المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز والمؤسسات المدنية.

فيدان ينتقد إسرائيل

من جانبه، قال فيدان، إن العالم يجب أن يكون قادرا على الرد على محاولات إسرائيل المحتملة لتخريب وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران.

وحول الهدنة المؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران، قال فيدان، إن فترة الأسبوعين قد لا تكون كافية، وإنه يمكن تمديدها لفترة إضافية إذا اتفق الطرفان. وأضاف “يجب أن يكون الرأي العام العالمي قادراً على الرد على محاولات التخريب المحتملة من جانب إسرائيل”.

وبشأن الوضع في لبنان، قال فيدان، إن إسرائيل تنقل الإبادة الجماعية التي ارتكبتها في غزة إلى لبنان، حسبما نقلت وكالة “الأناضول”.

باراك: سوريا فرصة

وخلال زيارة الوزير السوري أعلن المبعوث الأميركي توم باراك في تغريدة على منصة “إكس”، عن لقاء جمعه مع الوزير السوري.

وقال باراك: “يشرفني الترحيب بوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني. في هذه اللحظة التي تكتنف فيها حالة من عدم اليقين معظم دول المنطقة، تبرز قصة سوريا كحالة استثنائية”.

وأضاف أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب “أدرك مبكراً أن سوريا لا تمثل مشكلة يجب إدارتها، بل فرصة ينبغي اغتنامها”.

وتابع باراك: “​إن ما نشهده الآن ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة قيادة قوية، وإعادة صياغة جريئة للتحالفات الإقليمية، ودبلوماسية تعتمد على اقتناص الأحداث، وذلك النوع من النهج غير التقليدي الذي يتم تجاهله عادةً”.

——————————–

استراتيجية حزب الله في زمن الحرب/ محمد فواز

on 9 أبريل 2026

مع دخول الحرب على الجبهة اللبنانية شهرها الثاني، لا تزال إسرائيل ماضيةً في ما تعتبره معركتها الأخيرة ضدّ حزب الله، الذي يخوض القتال للحفاظ على وجوده، مُعتمدًا على سياسات عدّة لتعزيز موقعه.

يركّز المسار الأول على التأثير في الأوضاع داخل إسرائيل. فمن خلال إطلاق وابلٍ منتظم من الطائرات المسيّرة والصواريخ على شمال إسرائيل ومناطق أخرى، يسعى حزب الله إلى تحقيق مجموعةٍ من الأهداف المتداخلة، مثل إخضاع جبهة إسرائيل الداخلية لضغوطٍ مستمرّة، واستنزاف منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، وتكريس حالة طويلة من انعدام الاستقرار، فضلًا عن إلحاق خسائر مباشرة بإسرائيل حيثما أمكن وبالتنسيق مع إيران. لذا، قد يكون الحزب أكثر اهتمامًا بالحفاظ على وتيرة هذه الهجمات، من اهتمامه بقياس تأثيرها المباشر والملموس. فما يهمّ بالدرجة الأولى هو استمراريتها، وسط احتمال إطالة أمد المواجهة الحالية، فضلًا عن تضرّر خطوط إمداد الحزب بالسلاح عَقب سقوط نظام بشار الأسد في سورية.

ويكمن المسار الثاني في ربط الحرب الدائرة بالصراع الإقليمي المُحتدم بين الجانب الأميركي الإسرائيلي من جهة، وإيران من جهة أخرى. فمنذ البداية، شكّل انخراط حزب الله في الحرب جزءًا من المواجهة الإقليمية الأوسع، إذ أعلن أن الرشقة الصاروخية التي أطلقها تندرج في إطار الردّ على اغتيال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي. وسلّطت عمليات الاستهداف الإسرائيلية التي طالت إيرانيين في لبنان الضوءَ على وجود عناصر من الحرس الثوري الإيراني ينشطون إلى جانب حزب الله على الأراضي اللبنانية. وأفادت تقارير عدّة بتصاعد الهجمات المنسّقة بين طهران والحزب، ما يؤكّد على الترابط الوثيق بين الجبهتَين اللبنانية والإيرانية. وتهدف هذه الضربات المنسّقة إلى إرهاق منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلي وتشتيتها، ما يتيح للصواريخ البالستية الإيرانية اختراق الأجواء الإسرائيلية. لذلك، إن النظر إلى هذا النزاع من منظور لبناني صرف قد يؤدّي إلى إغفال الديناميّات الإقليمية الأوسع التي ترسم مسار الأحداث.

أمّا المسار الثالث فيرمي إلى مقاومة الغزو البرّي الإسرائيلي. منذ اندلاع الحرب، لم تضع إسرائيل إطارًا زمنيًا واضحًا لإنهاء عملياتها العسكرية، بل ظلّ خطابها غامضًا، وعكست تصريحات مسؤوليها حالةً من التباين في المواقف. على سبيل المثال، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في 31 مارس/آذار عن نيّة بقاء القوات الإسرائيلية في “منطقة أمنية” عازلة داخل الأراضي اللبنانية، وتحديدًا جنوب نهر الليطاني، وأضاف أن جميع المنازل في القرى المتاخمة للحدود سيتمّ هدمها “على غرار نموذج رفح وبيت حانون” في غزة.

لكن الجيش الإسرائيلي عمَد لاحقًا إلى “توضيح” تصريحات كاتس، مُحدِّدًا أهدافًا أضيق إلى حدٍّ ما، ومُشيرًا إلى أن مهمته تقتصر على استهداف ما وصفه بـ”البنية التحتية الإرهابية”، لا تدمير جميع المنازل.

يعي حزب الله على ما يبدو أنه لا يستطيع وقف تقدّم القوات الإسرائيلية على جميع الجبهات. لذا، ركّز بدلًا من ذلك على رفع كلفة هذا التقدّم، وإبطاء وتيرته، وزيادة الخسائر التي تتكبّدها إسرائيل بهدف دفعها إلى تخفيض سقف طموحاتها. وعوضًا عن الاعتماد على الدفاع التقليدي الثابت، يتبنّى الحزب مقاربةً ميدانية أكثر مرونةً تركّز على الاستنزاف، وتشمل نشر وحدات قتالية صغيرة ومتحرّكة مزوّدة بصواريخ موجَّهة مضادّة للدروع، إلى جانب تنفيذ هجماتٍ بالطائرات المسيّرة، وخوض اشتباكاتٍ من المسافة صفر. ويتمثّل الهدف من ذلك في تحويل التوغّل البرّي إلى حربٍ طويلة ومُنهِكة لإسرائيل، تستنزف قدراتها تدريجيًا.

ويتمحور المسار الرابع حول جهود حزب الله للدفاع عن موقعه في الداخل، وتجنُّب التعرّض إلى الإقصاء السياسي، ولا سيما أن الدولة اللبنانية اتّخذت سلسلةً من الإجراءات ضدّ الحزب منذ الأيام الأولى للصراع. ففي 2 آذار/مارس، أعلنت حكومة رئيس الوزراء نواف سلام حظرَ أنشطة حزب الله العسكرية والأمنية، مشدّدةً على أن قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى حصرًا بيد الدولة، ما يعكس تحوّلًا مفصليًا في الموقف اللبناني الرسمي. ومع احتدام الحرب، أعرب لبنان، في خطوةٍ غير مسبوقة، عن استعداده لاحتمال إطلاق مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. ثم بلغت المواجهة السياسية مع الحزب ذروتها عبر إصدار الحكومة قرارًا قضى بطرد السفير الإيراني من لبنان، علمًا أن هذا الأخير رفض الامتثال للقرار.

ردًّا على هذه الخطوات، لجأ حزب الله بدوره إلى التصعيد عبر قنواتٍ متعدّدة، محاوِلًا تقويض هذه القرارات أو تعطيلها أو على الأقل الحدّ من تأثيرها. على المستوى الشعبي، حشَد الحزب مناصريه في 26 آذار/مارس احتجاجًا على قرار طرد السفير الإيراني، موجّهًا رسالةً واضحة مفادها أن مثل هذه الخطوة لن تمرّ مرور الكرام في المشهد الداخلي. وعلى مستوى الخطاب العام، تصدّرت وجوهٌ متشدّدة النقاش لرفع سقف خطاب الحزب تجاه السلطات، وعلى رأسهم النائب السابق نواف الموسوي، والوزير السابق محمود قماطي، ورئيس وحدة الارتباط والتنسيق السابق في حزب الله وفيق صفا. على سبيل المثال، شبّه قماطي حكومة نواف سلام بنظام فيشي في فرنسا، الذي حوكِم قادته في النهاية وأُعدِم بعضهم. وتوعّد بأن حزب الله “قادرٌ على قلب البلد”. وقد أعاد ذلك إلى الأذهان أحداث 7 أيار/مايو 2008، التي أدّت إلى إسقاط حكومة فؤاد السنيورة عَقب سيطرة حزب الله على بيروت الغربية.

يُضاف إلى ذلك أن حزب الله يبذل جهودًا حثيثة لتوحيد الصف الشيعي وتفادي التشرذم، في ظلّ ضغوط الحرب والتجاذبات الداخلية المستمرّة. ومع أن رئيس مجلس النواب نبيه بري، الحليف الأقرب لحزب الله، بدا في البداية وكأنه اتّخذ مسافةً من الحزب، كما ظهر من تصويت وزراء حركة أمل مع قرار الحكومة بحظر أنشطة حزب الله العسكرية، سُرعان ما زال هذا التباين. فبعد صدور قرار طرد السفير الإيراني من دون التشاور مع بري، رأى هذا الأخير على ما يبدو أن هذه الخطوات تهدف إلى تقليص نفوذ الطائفة الشيعية في لبنان. ونتيجةً لذلك، طلب من وزرائه مقاطعة جلسة مجلس الوزراء المخصّصة لمناقشة طرد السفير، كما قاطعها وزراء حزب الله، ما قوّض الادّعاء بوجود خلاف بين بري والحزب.

من الناحية العملية، امتنع حزب الله عن تقديم أي تنازلات سياسية تمسّ موقعه الداخلي أو علاقة لبنان مع إسرائيل، قبل انتهاء الحرب. فالحزب يخشى حظرَه بالكامل بمجرّد توقّف الصراع، وقد جادل بأن الدولة قدّمت تنازلاتٍ كثيرة لإسرائيل حتى قبل بدء المفاوضات.

وفي حال تمكّن حزب الله من الصمود وخرَج من الحرب متماسكًا، من المرجّح أن يصوِّر ذلك على أنه انتصار ويسعى إلى تحويل صموده إلى ورقة قوة في المشهد السياسي الداخلي. وسيستغلّ الحزب كلّ الوسائل المتاحة له، على الرغم من الثمن الباهظ الذي تكبّده كلٌّ من لبنان وحزب الله نفسه وبيئته الحاضنة، حتى لو لم يعد يتمتّع بالقوة نفسها التي كان يمتلكها بعد حرب تموز/يوليو 2006. إن هذه الأوضاع تُفاقم حالة القلق في لبنان، بسبب اتّساع طموحات إسرائيل وتكثيف اعتداءاتها على الأراضي اللبنانية، إضافةً إلى سجلّ حزب الله الطويل في تحويل انتكاساته إلى مكاسب سياسية داخلية، أحيانًا عبر استخدام القوة.

——————————–

=======================

تحديث 09 نيسان 2026

——————————–

بعد سقوط “التفاهمات”.. هل تبحث سوريا عن بدائل في مواجهة إسرائيل؟/ أحمد زكريّا

9 أبريل 2026

في ظل تعثر مسار التفاهم مع إسرائيل، تدخل السياسة السورية مرحلة جديدة تتسم بالحذر وإعادة التموضع، بعد إعلان الرئيس السوري أحمد الشرع فشل المحاولة الأخيرة للوصول إلى نقاط مشتركة عبر الحوار.

هذا التحول يأتي في سياق إقليمي متوتر، يتقاطع فيه التصعيد العسكري في الجنوب السوري مع تداعيات الحرب الدائرة في المنطقة، ما يفرض على دمشق إعادة صياغة مقاربتها تجاه تل أبيب على أسس أكثر تعقيدًا وتوازنًا.

حوار انتهى عند “اللحظة الأخيرة”

خلال جلسة حوارية عقدت في المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس) في لندن، مؤخرًا، كشف الشرع عن تفاصيل غير مسبوقة بشأن مسار التواصل مع إسرائيل، مؤكدًا أن سوريا “حاولت من خلال الحوار والنقاش الوصول إلى نقاط جيدة”، إلا أن “كل شيء تغيّر في اللحظات الأخيرة”. وأشار إلى أن إسرائيل تعاملت مع سوريا “بشكل سلبي”، رغم تحقيق تقدم في بعض الملفات خلال المفاوضات.

تصريحات الشرع تعكس، وفق مراقبين، انتقال الملف من مرحلة “اختبار النوايا” إلى مرحلة إعادة تقييم شاملة، خصوصًا في ظل تزامنها مع تصعيد إسرائيلي في الجنوب السوري، واحتجاجات في مناطق متفرقة، ما يضع القيادة السورية أمام تحدي إدارة التوازن بين الأمن الداخلي والضغوط الخارجية.

مفاوضات لا حوار.. وتعقيدات اللحظة الإقليمية

الباحث في المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، الدكتور سمير العبد الله، يوضح في حديثه لـ “ألترا سوريا”، أن ما جرى مع إسرائيل ليس حوارًا بل مفاوضات بين الطرفين بدأت عبر وسطاء ثم تحولت إلى مفاوضات مباشرة، وتم الاتفاق على القسم الأكبر منها، لكن بقيت بعض القضايا المعقدة، وجاء التصعيد الأخير مع إيران، والفشل في تحقيق تقدم بما تبقى من ملفات عالقة، فأوقف المفاوضات مؤقتًا.

ورأى أنه من المتوقع أن تعود المفاوضات بعد انتهاء الحرب مع إيران، بوساطة أمريكية وغيرها، وسيكون مصيرها مرتبطًا بشكل جزئي بمصير الحرب مع إيران، والتقدم في الملفات الداخلية السورية، لذلك ستحاول سوريا خلال الفترة المقبلة استغلال ما لديها من أدوات، على رأسها الضغط السياسي عبر الأصدقاء وعلى رأسهم أمريكا وفرنسا وغيرهما، وحل قضية السويداء التي تستغلها إسرائيل في مفاوضاتها، وكذلك بأن تكون سوريا جزءًا من تحالف عربي إقليمي من المحتمل أن يتشكل في فترة ما بعد الحرب على إيران.

إسرائيل والبحث عن فرض الشروط

من جانبه، يرى الباحث في العلاقات الدولية محمود علوش، في حديثه لـ “ألترا سوريا”، أن أحد أبرز أسباب تعثر الاتفاق الأمني يعود إلى “رفض إسرائيل إبرام اتفاق نهائي”، وسعيها إلى تحسين شروطها وفرض وقائع جديدة على سوريا.

وأكد علوش أن تل أبيب تستغل البيئة الإقليمية المضطربة لتعزيز نشاطها العسكري في سوريا ولبنان، ضمن أهداف أوسع تتجاوز البعد الأمني إلى حسابات توسعية، حسب تعبيره.

وحذّر علوش من أن “الحرب الدائرة في المنطقة، خصوصًا مع إيران، قد تعزز قدرة الولايات المتحدة على التأثير في السياسات الإسرائيلية، ما قد ينعكس على شكل الضغوط الممارسة على دمشق”.

كما يشير إلى أن “إسرائيل تحاول دفع سوريا إلى الانخراط في ملفات إقليمية حساسة، مثل مسألة نزع سلاح حزب الله، وهو ما ترفضه دمشق لأسباب استراتيجية تتعلق بتوازناتها الإقليمية”.

دمشق بين التهدئة والردع

رغم التصعيد، تبدو سوريا حريصة على عدم الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، في ظل إدراكها لحجم التفوق العسكري الإسرائيلي، وحاجتها إلى التركيز على إعادة بناء مؤسساتها بعد سنوات الحرب. هذا التوجه يعكس ما يمكن وصفه بسياسة “التهدئة الحذرة”، التي تسعى من خلالها دمشق إلى تجنب التصعيد، دون تقديم تنازلات استراتيجية.

في هذا السياق، يؤكد الأكاديمي والسياسي، الدكتور كمال عبدو، في حديثه لـ “ألترا سوريا”، أنه “منذ لحظة سقوط نظام بشار الأسد، شنت إسرائيل أكبر عملية قصف جوي استهدفت فيها كل مقدرات الجيش السوري، وكان ذلك دليلًا على أن إسرائيل لا تثق بحكام دمشق الجدد، وأن القوة هي استراتيجية تل أبيب للتعامل مع الواقع الجديد”.

وأضاف: “رغم انفتاح دمشق على محيطها العربي والإقليمي، وفتح الطريق أمام دمشق لتستعيد مكانتها الدولية بدعم أوروبي، وأمريكي بشكل خاص، إلا أن ذلك لم يكن كافيًا لتغيير قناعات تل أبيب أو التخفيف من هواجسها التي لم تتغير”.

وكان من المهم لدمشق، حسب عبدو، تخفيف حدة التوتر مع الجانب الإسرائيلي، لحاجتها إلى بناء ذاتها المدمرة بفعل سنوات الحرب الطويلة إبان الثورة السورية، إذ تدرك أنها غير قادرة على مواجهة تل أبيب في ظل تفوق إسرائيلي هائل، ولذلك قبلت الدخول في مفاوضات مباشرة مع تل أبيب بدعم أمريكي واضح، معلنة رغبتها في التوصل إلى اتفاق يكون مرضيًا للجانبين، إلا أن الجانب الإسرائيلي لم يكن معنيًا بالتوصل إلى أي اتفاق لشعوره بتفوقه وإدراكه بأن سوريا بحاجة إلى اتفاق أكثر منه، وهو لم يقبل بالمفاوضات إلا إرضاء للرئيس الأميركي ترامب ونزولًا عند رغبته.

ولفت عبدو إلى أن: “موقف دمشق اليوم دقيق للغاية، في الوقت الذي تستبيح فيه تل أبيب كل الشرق الأوسط، ولا تخفي تهديداتها العلنية لدمشق، ولذلك تعوّل الإدارة السورية الجديدة على تدعيم جبهتها الداخلية، ودعم عربي وإقليمي داعمٍ لها على كل المستويات، كما تعوّل على الدعم الشخصي للرئيس الأميركي ترامب الذي يؤيد الخطوات التي يقوم بها الرئيس السوري أحمد الشرع وانفتاحه على التعاون مع الولايات المتحدة الأميركية، لعله يشكل عامل ضغط على حكام تل أبيب للتخفيف من عدوانيتهم تجاه دمشق”.

وختم بالقول: “إلا أن كل ما تقدم لن يقدم لدمشق ضمانات أمنية، أو يبعد عنها التهديد الإسرائيلي الذي لم يتوقف للحظة، في ظل واقع عنيف يعيشه الشرق الأوسط وقابل للتغيير العكسي في أي لحظة”.

أوراق الضغط السورية.. ما المتاح؟

أمام هذا المشهد المعقد، تعمل دمشق على إعادة بناء أدواتها التفاوضية، التي لا تقتصر على البعد العسكري، بل تشمل أيضًا عناصر سياسية ودبلوماسية.

ومن أبرز هذه الأدوات:

    التحالفات الدولية والإقليمية: تسعى سوريا إلى تعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة ودول أوروبية مثل فرنسا، بهدف خلق توازن في مواجهة الضغوط الإسرائيلية.

    الاندماج في تحالفات عربية: تشير التقديرات إلى احتمال تشكل تحالف عربي إقليمي في مرحلة ما بعد الحرب مع إيران، قد يشكل منصة دعم لدمشق في مواجهة التحديات الأمنية.

    إدارة الملفات الداخلية: تدرك القيادة السورية أن استقرار الجبهة الداخلية، خصوصًا في مناطق مثل السويداء، يمثل ورقة قوة في أي مفاوضات مستقبلية.

المعادلة الأميركية.. عامل حاسم

يلعب الدور الأميركي دورًا محوريًا في تحديد مسار العلاقة بين دمشق وتل أبيب. فبحسب عبدو، تعوّل سوريا على دعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أبدى تأييدًا لانفتاح دمشق على التعاون مع واشنطن، في محاولة لتحويل هذا الدعم إلى ورقة ضغط على إسرائيل.

لكن هذا الرهان لا يخلو من المخاطر، إذ إن السياسة الأميركية نفسها تخضع لتوازنات داخلية وخارجية، وقد لا توفر ضمانات أمنية كافية لسوريا في مواجهة التهديدات الإسرائيلية المستمرة.

سيناريوهات المرحلة المقبلة

    في ضوء المعطيات الحالية، يمكن رسم عدة سيناريوهات محتملة للسياسة السورية تجاه إسرائيل:

    استئناف المفاوضات: في حال تراجع التوتر الإقليمي، قد تعود المفاوضات بوساطة دولية، مع احتمال التوصل إلى اتفاق جزئي أو مرحلي.

    استمرار حالة الجمود: وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا على المدى القصير، في ظل استمرار التصعيد وعدم توافر شروط التسوية.

    تصعيد محدود: قد تلجأ إسرائيل إلى تكثيف عملياتها العسكرية للضغط على دمشق، دون الوصول إلى مواجهة شاملة.

    إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية: في حال انتهاء الحرب مع إيران، قد نشهد تحولات أوسع تؤثر على طبيعة العلاقة بين الطرفين.

سياسة على حافة التوازن

ووسط كل ذلك، تجد سوريا نفسها اليوم أمام معادلة دقيقة، تحاول فيها الموازنة بين تجنب التصعيد مع إسرائيل، والحفاظ على سيادتها ومصالحها الاستراتيجية، ففشل الحوار لا يعني بالضرورة نهاية المسار التفاوضي، لكنه يؤشر إلى صعوبة الوصول إلى اتفاق في ظل اختلال موازين القوى وتعقيدات المشهد الإقليمي.

وفي الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل سياسة الضغط والتصعيد، تراهن دمشق على الوقت، وعلى إعادة ترتيب أوراقها الداخلية والخارجية، بانتظار لحظة إقليمية أكثر ملاءمة قد تفتح الباب مجددًا أمام تسوية، أو على الأقل، أمام تثبيت قواعد اشتباك جديدة تقلل من مخاطر الانفجار.

الترا سوريا

—————————–

قرار الهجري بتشكيل «مجلس إدارة جبل باشان»… استنساخ لـ«الإدارة الذاتية»؟/ موفق محمد

مصدر رسمي ينفي لـ«الشرق الأوسط» وجود وساطة من دروز خارج سوريا

8 أبريل 2026

نفى مصدر رسمي سوري لـ«الشرق الأوسط»، ما يتم تداوله في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة في محافظة السويداء من وجود محاولات خارجية للعب دور الوساطة بين الحكومة وشيخ العقل حكمت الهجري، وذلك بعد أن أعلن حل ما يُعرف بـ«اللجنة القانونية العليا» وتكليف القاضي شادي فايز مرشد، بتشكيل ما سمّاه «مجلس الإدارة في جبل باشان» لإدارة المرحلة الراهنة في المحافظة.

وتباينت آراء المحللين السياسيين السوريين، حيال قرار الهجري، بين من رأى فيه تراجعاً عن مواقفه السابقة ومن اعتبره إصراراً على إعادة استنساخ تجربة «الإدارة الذاتية» في منطقة الجزيرة السورية التي لم تصمد أمام متغيرات الواقع السوري الجديدة.

رسمياً، عدّ مدير العلاقات الإعلامية بمحافظة السويداء، ذات الأغلبية الدرزية، قتيبة عزام، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن ما أعلنه الهجري «يجر أهالي المحافظة إلى المجهول ويزيد من معاناتهم ولا يوقفها».

وأوضح أن مناطق نفوذ الهجري «توجد فيها مجموعات خارجة عن القانون لا تمثل أبناء السويداء وقيم وعادات المحافظة وقد اختطفت السويداء وأهلها وتتحكم بقرارها ومصيرها، وتستمر بارتكاب الاعتداءات والانتهاكات وتستغل دماء الأبرياء نتيجة أحداث يوليو (تموز) الماضي، وتطلق على نفسها مسميات كـ(المكتب الأمني) و(الحرس الوطني) و(اللجنة القانونية) والآن (مجلس إدارة في جبل باشان)، وجميع تلك المسميات لا شرعية لها ولا تعترف بالقوانين المحلية والدولية وحقوق الإنسان».

وشدد على أن «الدولة هي المرجعية الوطنية الأولى والأساسية لاستتباب الأمن ومنع أي انقسامات أو فوضى تهدد النسيج المجتمعي»، مؤكداً أن نسبة كبيرة من أبناء «جبل العرب» تستنكر ما ترتكبه تلك المجموعات، وتناشد الدولة السورية التدخل من أجل محاسبتهم وفرض سيادة الدولة والقانون.

ونفى عزام صحة ما يتم تداوله في السويداء، من جهود وساطة ومراسلات بين الحكومة والهجري و«الحرس الوطني» تقوم بها جماعات درزية من خارج سوريا، موضحاً أن هذه المحاولات جرت ولكن ليس للوساطة وإنما بين الحكومة ووجهاء في السويداء وبينهم رجال دين الطائفة، ولم تسفر عن نتائج.

وكان الهجري قد أعلن، الثلاثاء، في بيان، حل «اللجنة القانونية»، وتكليف القاضي شادي فايز مرشد بتشكيل ما سمّاه «مجلس الإدارة في جبل باشان». وذكر أن هذه الإدارة هي «إدارة أزمة» بالدرجة الأولى، هدفها بحسب البيان، «انتشال مجتمعنا من تداعيات الحصار والعدوان، وتأمين سبل العيش الكريم، وحماية أمننا الداخلي ضد أي محاولات لكسر بنيتنا الاجتماعية».

قرار الهجري يأتي مع تصاعد الفلتان الأمني الذي تشهده المناطق الواقعة تحت نفوذه، كان آخرها اقتحام مجموعة مسلحة تابعة لما يُعرف بـ«الحرس الوطني»، يوم الاثنين، مديرية التربية والتعليم في مدينة السويداء، واختطاف مدير التربية صفوان بلان، الذي عيّنته الحكومة السورية مؤخراً، ليعلن بلان بعدها الاعتذار عن مهام إدارة المديرية، «نزولاً عند قرار الشيخ حكمت الهجري، وتحت صفو خاطره، تجنباً لشق الصف الداخلي في السويداء».

كما يأتي القرار في وقت يعاني الأهالي في السويداء من تفاقم الوضع المعيشي ومشكلات خدمية وأمنية كثيرة؛ نتيجة الوضع السياسي والأمني الذي يرزحون تحته مع استمرار الانقسام حيال الموقف من الحكومة السورية.

انكفاء النخب

محلل سياسي من مدينة السويداء، فضل عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية، وصف الانتهاكات التي يقوم بها مسلحو الهجري بأنها «نقاط سوداء»، وأكد المحلل لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع في السويداء «مزرٍ جداً» من جميع النواحي، «وحتى النشاط السياسي للنخب الوطنية انكفأ بشكل نهائي بسبب الاعتقالات، والمشروع الإسرائيلي يشاهدونه يسير أمامهم في الطرقات»، على حد تعبيره.

ويُعد التصعيد قبل أيام ومن بينه منع طلاب الجامعات من التوجه إلى كلياتهم في دمشق، «الأكثر قباحة»، بحسب المحلل الذي ذكر أنه تمت مواجهته باستنكار وإضراب شبه جماعي في المحافظة.

وتتبع «اللجنة القانونية» الرئاسة الروحية للطائفة الدرزية التي يتزعمها الهجري، وشُكلت في أغسطس (آب) 2025 لإدارة شؤون المحافظة خدمياً وأمنياً بعيداً عن الحكومة السورية، في أعقاب اشتباكات يوليو. لكنها ووفق تأكيد مصادر محلية لم تقدم أي شيء للأهالي، بل ازداد الوضع سوءاً منذ تشكيلها.

ورأى المحلل أنه «في ظل هذا الواقع، يخسر الهجري ومسلحوه نقاطاً بينها المجتمع، وبدأوا يتلمسون رقابهم خصوصاً مع نفاد الطحين ومنع الموظفين من تسلم رواتبهم، وعدم توفير الخدمات، لأن توفيرها يقتضي تفعيل العلاقة مع الدولة، وهم يعرقلونها، ما ولّد ضغطاً اجتماعياً عليهم».

ويعتقد الضيف أن قرار الهجري الجديد ربما يكون «إعادة تموضع»، لأنه جاء أقل حدة تجاه الحكومة، وخلا من تعابير اعتاد ذكرها في بياناته السابقة، مثل «حق تقرير المصير» و«الانفصال» و«شكر إسرائيل»… وهذا مؤشر على أن شيئاً ما يحصل، وقد يكون هذا البيان «تراجعاً عن المواقف السابقة بسبب الضغوط الاجتماعية والمعيشية».

ومن خلال هذا القرار يضع الهجري وجماعته، «واجهة جديدة لتحميلها المسؤولية»، وفق المحلل الذي أشار أيضاً إلى «أحاديث نخب ثقافية وسياسية واجتماعية في السويداء تفيد بأن حالة قلق تعتري الهجري وجماعته من عدم القدرة على الاستمرار في السيطرة على الوضع ».

مصادر درزية محلية، ذهبت إلى ما ذهب إليه المحلل السياسي بشأن الأسباب التي دفعت الهجري إلى إصدار هذا القرار. ورجح أحدها لـ«الشرق الأوسط»، أن يكون القرار «محاولة لامتصاص غضب الشارع».

التجريب من الصفر

أمّا الكاتب والحقوقي محمد صبرا، فيرى أن القرار يعكس إصرار الهجري على إعادة استنساخ الفشل وتدوير مخلفات الأفكار التي سادت في سوريا سنوات الحرب.

وقال صبرا، وهو كبير مفاوضي المعارضة السورية سابقاً لـ«الشرق الأوسط»، إن تجربة (الإدارة الذاتية) في الجزيرة السورية لم تصمد أمام متغيرات الواقع السوري الجديدة منذ انتصار الشعب على الجلاد في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024، انهارت التجربة نتيجة عدم وجود عوامل موضوعية لبقائها».

وأضاف: «الآن يريد الهجري التجريب من الصفر، أي إعادة إنتاج مشروع (إدارة ذاتية) محكومة بالفشل مسبقاً، فالسويداء ليست الجزيرة السورية بنفطها وقمحها ومائها ولا بالحدود الدولية التي كانت مفتوحة أمامها، ومع ذلك انتهت التجربة، فكيف بالسويداء وهي ثاني أصغر محافظة في سوريا من حيث عدد السكان وبمساحة محدودة ومن دون أي موارد طبيعية… كيف يمكن لعاقل أن يظن بنجاح مثل هذا المشروع؟».

إذا كان الهجري يظن أن إسرائيل قادرة على إنجاح مشروعه فهو واهم، وفق صبرا، الذي أوضح أن إسرائيل التي تعامل الدروز مواطنين درجة ثانية بموجب قانون الهوية الصادر في عام 2018، لا يمكن أن تقدم له سوى «عقد استخدام متدني التكلفة»، وللأسف تكرار الفشل سيدفع ثمنه أهالي السويداء بانهيار منظومة عيشهم ومستقبلهم.

الشرق الأوسط

———————————————-

 رغم الهدنة مع إيران.. إسرائيل تستعد لحرب “لا نهاية لها” في الشرق الأوسط

2026.04.09

في وقت تتجه فيه الولايات المتحدة وإيران نحو تثبيت هدنة مؤقتة تمهيداً لتسوية أوسع، تمضي إسرائيل في مسار مغاير يقوم على توسيع سيطرتها الميدانية وتعزيز حضورها العسكري خارج حدودها، ضمن ما وصفته مصادر عسكرية تحدثت لوكالة “رويترز” بأنه “استراتيجية الحرب طويلة الأمد”.

ووفق مسؤولين عسكريين ودفاعيين إسرائيليين تحدثوا للوكالة، فإن تل أبيب لم تعد تتعامل مع الصراع كحروب منفصلة، بل كحالة ممتدة، تفرض الانتقال من هدف “القضاء على الخصوم” إلى “إضعافهم وردعهم وإعادة انتشارهم”.

وقال الباحث في مؤسسة كارنيغي، ناثان براون، أن القيادة الإسرائيلية باتت مقتنعة بأنها أمام “حرب لا نهاية لها”، مع أطراف لا يمكن إنهاؤها بالكامل، مثل إيران وحلفائها في المنطقة.

مناطق عازلة تتوسع على أكثر من جبهة

وقالت “رويترز” إن هذه المقاربة تعكس إنشاء إسرائيل لما تسميه “مناطق عازلة” في عدة ساحات، تشمل قطاع غزة، وجنوب لبنان، وأجزاء من سوريا.

في جنوبي لبنان، بدأت إسرائيل عملية برية تهدف إلى إنشاء شريط أمني يصل حتى نهر الليطاني، أي ما يعادل نحو 8% من مساحة البلاد، بعد دخول “حزب الله” على خط المواجهة مطلع آذار الماضي.

وتسعى الخطة إلى إخلاء منطقة بعمق يتراوح بين 5 و10 كيلومترات شمالي الحدود، بما يضع البلدات الإسرائيلية خارج مدى الصواريخ قصيرة المدى والأسلحة المضادة للدروع.

ووفق مسؤول عسكري إسرائيلي، فإن القوات عثرت في بعض القرى الحدودية على مؤشرات تفيد بأن نحو 90% من المنازل تحتوي على أسلحة أو تجهيزات مرتبطة بحزب الله، ما يجعلها “أهدافاً عسكرية” وفق التوصيف الإسرائيلي.

تدمير القرى جنوبي لبنان: بين العقيدة الأمنية والجدل القانوني

ضمن هذه الاستراتيجية، بدأت إسرائيل فعلياً عمليات تدمير واسعة في قرى جنوبي لبنان، خصوصاً تلك الواقعة على تلال تطل على الداخل الإسرائيلي.

وصرّح وزير الدفاع الإسرائيلي، إسرائيل كاتس، أن الجيش سيعتمد نموذج “الأرض المحروقة” الذي استخدم في مدينتي رفح وخان يونس في غزة، بهدف إزالة التهديدات بالكامل.

في المقابل، يحذر خبراء قانونيون من تداعيات هذه السياسة، حيث يؤكد الباحث إرين بورير أن التدمير الواسع للممتلكات المدنية دون تقييم فردي دقيق قد يُعد انتهاكاً للقانون الدولي، إلا في حال ثبوت استخدامها لأغراض عسكرية.

عقيدة جديدة: الهجوم الاستباقي بدل الدفاع

ويمثل اعتماد “المناطق العازلة”، وفق مصادر “رويترز”، تحولاً في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، يقوم على نقل المعركة إلى خارج الحدود، بدلاً من الاكتفاء بالدفاع داخلها.

ويقول الجنرال الإسرائيلي المتقاعد عساف أوريون إن “حماية المجتمعات الحدودية لم تعد ممكنة من داخل الحدود”، مضيفاً أن إسرائيل باتت تعتمد مبدأ “رصد التهديد وضربه قبل أن يتشكل”.

وأشارت “رويترز” إلى أنه في حال تثبيت هذه الاستراتيجية، ستكون إسرائيل قد فرضت سيطرة أو وجوداً عسكرياً في عدة مناطق:

    أكثر من نصف قطاع غزة

    جنوبي لبنان حتى عمق الليطاني

    مناطق في جنوبي سوريا تمتد من جبل الشيخ إلى نهر اليرموك

    الضفة الغربية

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، قد أكد أن بلاده “أنشأت أحزمة أمنية عميقة خارج حدودها”، في إشارة إلى هذا الانتشار المتعدد الجبهات.

يمين متطرف يدفع نحو الضم

ويتقاطع هذا التوجه العسكري مع خطاب سياسي داخل الحكومة الإسرائيلية، خاصة من أطراف اليمين المتطرف، حيث دعا وزير المالية، بيزاليل سموتريتش، إلى توسيع حدود إسرائيل حتى نهر الليطاني، كما طرح سابقاً فكرة ضم قطاع غزة وإعادة توطين إسرائيليين فيه.

غير أن مصادر عسكرية تحدثت لـ”رويترز” تشير إلى أن المناطق العازلة لا تعني بالضرورة إعادة ترسيم الحدود، بل قد تُدار عبر وجود عسكري مرن وعمليات مداهمة مستمرة.

شكوك إسرائيلية بجدوى السلام

وذكرت “رويترز” أن هذه الاستراتيجية تأتي أيضاً في سياق تراجع الثقة داخل إسرائيل بإمكانية التوصل إلى اتفاقات سلام طويلة الأمد.

فوفق استطلاع لمركز “بيو للأبحاث” عام 2025، يعتقد 21% فقط من الإسرائيليين بإمكانية التعايش السلمي مع دولة فلسطينية مستقبلية.

كما أظهر استطلاع لمعهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب أن 26% فقط توقعوا أن تؤدي هدنة غزة الأخيرة إلى هدوء طويل، فيما رجح معظم المشاركين عودة القتال سريعاً.

تكلفة استراتيجية للحرب الدائمة

ورغم المكاسب الأمنية التي تراها إسرائيل في هذه المقاربة، حذّرت المصادر والخبراء الذين تحدثت إليهم “رويترز” من كلفتها العالية على المدى الطويل.

ويشير مدير الأبحاث في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، عوفر شليح، إلى أن انتشار القوات على عدة جبهات سيضع ضغطاً كبيراً على الجيش، وقد يحدّ من قدرته على الاستجابة السريعة.

ويرى شليح أن البديل الأكثر استدامة يتمثل في العودة إلى الحدود الدولية، مع اعتماد دفاعات نشطة ومرنة خارجها، دون التورط في انتشار دائم داخل أراضي الآخرين.

تلفزيون سوريا

—————————

 الصّراع على “الشّرق الأوسط الجديد”/ هشام عليوان

2026-04-09

لن يكون الشرق الأوسط بعد الحرب، بعلاقاته، تحالفاته، توازن القوى فيه، وسياساته الدفاعيّة والاقتصاديّة، كما كان قبل الحرب. شيء ما قد تهشّم، ودخلت المنطقة برمّتها في خانة اللايقين الاستراتيجيّ، وكأنّه مخاض العالم وتوازناته الجديدة. فهل هو “الشرق الأوسط الجديد”؟

أراد بنيامين نتنياهو تغيير الشرق الأوسط عقب “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر/تشرين الأوّل 2023، مروراً بتغيير علاقة إسرائيل نفسها مع مقولة الحرب وآثارها وأعبائها الماديّة والنفسيّة، بقدر ما تمتدّ زمانيّاً وتتّسع جغرافيّاً. وهو كان المحرّض الدائم على إيران ودورها في المنطقة، طوال عمله السياسيّ، لا سيما منذ رئاسته الحكومة لأوّل مرّة عام 1996.

في الوقت نفسه، كانت السياسة الأميركيّة طوال تلك السنوات تعتمد استراتيجية الاحتواء إزاء تراكم القوّة الإيرانيّة طوال نصف قرن تقريباً إلى أن نجح نتنياهو أخيراً في إقناع الرئيس دونالد ترامب بسهولة إسقاط النظام بحرب خاطفة.

بالفعل، دخلت الولايات المتّحدة في حرب شاملة على “الجمهوريّة الإسلاميّة” للمرّة الأولى منذ انتصار الإمام الخمينيّ (توفّي عام 1989). ترامب هو الرئيس الأميركيّ الأوّل الذي يحاول إسقاط النظام بالقوّة، أو تدمير إيران.

لن يكون الشرق الأوسط بعد الحرب، بعلاقاته، تحالفاته، توازن القوى فيه، وسياساته الدفاعيّة والاقتصاديّة، كما كان قبل الحرب

حروب الرؤساء الأميركيّين

بالمقابل، تخلّى الرئيس الديمقراطيّ جيمي كارتر (توفّي عام 2024) عن شاه إيران إبّان الثورة الشعبيّة العامّة عليه في عامَي 1978 و1979، وفشل في إنقاذ الرهائن في السفارة الأميركيّة عام 1980، فخسر حظوظه بولاية ثانية أمام الجمهوريّ رونالد ريغان (توفّي عام 2004). وريغان نفسه، عقد الصفقة المشهورة مع طهران، التي عُرفت بفضيحة “إيران غيت”، وحصل بها الإيرانيّون على صواريخ “تاو TOW” ضدّ الدبّابات وصواريخ “هوك HAWK” ضدّ الطائرات من إسرائيل مقابل إطلاق بعض الرهائن الأميركيّين في بيروت، في سياق الحرب مع العراق.

أمّا الرئيس الجمهوريّ جورج بوش الأب (توفّي عام 2018) فقد جعل همّه الأساسيّ تدمير العراق عدوّ إيران، إثر اجتياح الكويت عام 1990. لم يكن الرئيس الديمقراطيّ بيل كلينتون منشغل البال بإيران، في عهدَي هاشمي رفسنجاني (توفّي عام 2017) ومحمّد خاتمي، وهما كانا رئيسين براغماتيَّين اهتمّا بالبناء والانفتاح على المنطقة والعالم.

بالمقابل، انشغل كلينتون بصعود خطر تنظيم “القاعدة” ابتداء من تفجير سفارتَي الولايات المتّحدة في كينيا وتنزانيا عام 1998، والهجوم على المدمّرة الأميركيّة “USS Cole” في عدن عام 2000. بدأت الولاية الأولى للجمهوريّ جورج بوش الابن بهجوم تنظيم “القاعدة” على الأرض الأميركيّة في نيويورك وواشنطن بطائرات مخطوفة عام 2001، ومع أنّه اجتاح أفغانستان في أواخر العام نفسه، بالتعاون مع إيران، إلّا أنّه في خطاب حالة الاتّحاد عام 2002 وضع إيران ضمن ما سمّاه “محور الشرّ” مع العراق وكوريا الشماليّة، وذلك قبل أن يتعاون معها مرّة أخرى بعد أكثر من عام لإسقاط النظام العراقيّ.

كان العصر الذهبيّ للعلاقات الأميركيّة الإيرانيّة في أيّام الرئيس الديمقراطيّ باراك حسين أوباما، الذي عقد معها الاتّفاق النوويّ لعام 2015، وكان من آثاره الاستراتيجيّة الكبيرة إتاحة المجال لإيران كي تصل إلى ذروة نفوذها في المنطقة، وفي غضون الربيع العربيّ الذي دعمه وتبنّى مخرجاته مؤقّتاً.

كان العصر الذهبيّ للعلاقات الأميركيّة الإيرانيّة في أيّام الرئيس الديمقراطيّ باراك حسين أوباما، الذي عقد معها الاتّفاق النوويّ لعام

ترامب والرّحلة المضادّة

بدأ ترامب رحلة مضادّة في العلاقة مع طهران. في مطلع ولايته الأولى انسحب من الاتّفاق النوويّ عام 2018، وبعد عامين اغتال الجنرال الإيرانيّ الأشهر قاسم سليماني. ولولا هزيمة ترامب المفاجئة في انتخابات عام 2020، أمام الديمقراطيّ جو بايدن، فلربّما عجّل هجومه على إيران.

على الرغم من اختلاف ترامب عن أسلافه من الرؤساء في كيفيّة التعامل مع إيران خاصّة، إلّا أنّ الخيط الرابط بينهم كلّهم هو التبشير بشرق أوسط جديد، أو التمهيد له عمليّاً، سياسيّاً أو عسكريّاً، بدءاً من توقيع معاهدة كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1978 برعاية كارتر، ثمّ محاولة تصفية منظّمة التحرير الفلسطينيّة في بيروت عام 1982، في زمن ريغان، إلى إخراج الجيش العراقيّ من الكويت مدمّراً، عام 1991، بقيادة بوش الأب، ثمّ توسيع نطاق التطبيع مع إسرائيل، من خلال اتّفاقيّة أوسلو مع منظّمة التحرير عام 1993، ومعاهدة وادي عربة مع الأردن عام 1994، في أيّام كلينتون، ثمّ ما عزم عليه بوش الابن من تغيير المنطقة بالقوّة عقب هجمات 11 أيلول 2001، ابتداء من اجتياح أفغانستان في 2001، والعراق في 2003، ووضع دول أخرى على اللائحة، وهي سوريا، لبنان، ليبيا، الصومال، السودان، وإيران، بحسب ما أدلى به آنذاك الجنرال ويسلي كلارك.

إن كان بوش قد غرق في مستنقع المقاومتين الأفغانيّة والعراقيّة، إلّا أنّ أوباما تابع مخطّط تغيير المنطقة عبر مساعدة تيّارات الإسلام السياسيّ الشيعيّ والسنّيّ على الانتشار والتوسّع في المنطقة، وتهيئة العراق وسوريا خاصّة ليكونا ساحة الاقتتال الطائفيّ. ثمّ يأتي ترامب ليتوّج الجهود السابقة. في آخر ولايته الأولى (2016-2020)، رعى الاتّفاقيّات الإبراهيميّة بين إسرائيل والإمارات، البحرين، والمغرب. ومع بداية العام الثاني لولايته الثانية، يحاول تطويع إيران بحرب ضروس، وإخراجها من دائرة التأثير والنفوذ خارج الحدود.

الشّرق الأوسط الجديد

قد لا يكون مصطلح “الشرق الأوسط الجديد” أقلّ غموضاً من تعبير “الشرق الأوسط” نفسه، الذي خَلَف المصطلح الجيوسياسيّ البريطانيّ: “الشرق الأدنى”، الذي كان يُطلق في القرن التاسع عشر على الدولة العثمانيّة والبلقان، لتمييز تلك المنطقة عن “الشرق الأقصى”، وهو دول شرق آسيا، مثل اليابان والصين وكوريا.

بانتشار مفهوم “الشرق الأوسط” مع الاستراتيجيّين الأميركيّين مطلع القرن العشرين، ظلّ نطاق هذه المنطقة ضبابيّاً، فمرّة يكون العالم العربيّ كلّه مع تركيا وإيران، ومرّة أخرى يكون أضيق وإلى حدود ليبيا غرباً، ومرّة يكون أوسع بضمّ باكستان وأفغانستان إليه، وإثيوبيا أحياناً.

كأنّ المعيار الغالب هو الإشارة إلى قلب العالم الإسلاميّ، أي العالم العربيّ وأطرافه غير العربيّة من الدول الأكثر تأثّراً به دينيّاً وحضاريّاً، والمؤثّرة فيه سياسيّاً واستراتيجيّاً، مع إضافة إسرائيل. على أيّ حال، الأحداث الكبرى التي ضربت هذه المنطقة الحسّاسة منذ سقوط الدولة العثمانيّة في عشرينيّات القرن الماضي، وتقسيمها بين الدول الاستعماريّة الأوروبيّة، ثمّ قيام دولة إسرائيل، والحروب التي تبعت هذا التأسيس على أرض فلسطين، والتوسّعات التي تلت الهزائم، والتغيّرات التي تعاقبت لناحية طبيعة الدول المؤثّرة وأدوارها، وانعكاس نفوذها على المدى الجغرافيّ، هي التي تدفع بين الفينة والأخرى إلى الحديث عن تغيير الشرق الأوسط أو عن الشرق الأوسط الجديد.

بعد حرب تحرير الكويت عام 1991، بدأ العمل على إعادة ترتيب المنطقة سياسيّاً واقتصاديّاً، مع إطلاق مفاوضات السلام بين دول الطوق وإسرائيل في مدريد عام 1991، وكان يعني عمليّاً تأسيس “شرق أوسط جديد”، بعد إخراج العراق من دائرة القوّة.

يعتبر لاريجاني أنّ إيران هي “أمّ القرى” حاليّاً، وأنّ الأزمات اللبنانيّة والعراقيّة والفلسطينيّة هي بمنزلة مصدّات، أو خطوط دفاعيّة متقدّمة (وهي كناية عن الأذرع في التعبيرات السياسيّة الراهنة)

عام 1993، ظهر كتابان إسرائيليّان، كلاهما يتحدّثان عن مستقبل المنطقة ودور أو مكانة إسرائيل فيها، وشكل التعايش مع الفلسطينيّين أو العرب عموماً:

    الأوّل هو كتاب “الشرق الأوسط الجديد” لشيمون بيريز (توفّي عام 2016)، وهو من القادة التاريخيّين لإسرائيل، مؤسّس المشروع النوويّ الإسرائيليّ، ورئيس حزب العمل لأكثر من 15 سنة، وشغل منصب وزير الخارجيّة، فرئاسة الحكومة، ثمّ رئاسة الدولة، وكان له دور أساسيّ في التفاوض مع منظّمة التحرير الفلسطينيّة في التسعينيّات.

    الثاني هو كتاب “مكان بين الأمم: إسرائيل والعالم”، لبنيامين نتنياهو، وهو رئيس حزب الليكود، ويُعتبر من الصقور بعكس بيريز، والفرق بينهما ليس في المواقف بل في الوسائل. شغل نتنياهو منصب رئاسة الوزراء أكثر من أيّ سياسيّ آخر في إسرائيل، لكن بشكل متفرّق، أو حوالى 19 سنة.

يرفض الاثنان قيام دولة فلسطينيّة على ما يعتبرانه “أرض إسرائيل”، ولو على الأراضي المحتلّة عام 1967. اقترح بيريز إنشاء كيان كونفدرالي بين الأردنيّين والفلسطينيّين، ومنح فلسطينيّي الضفّة والقطاع حكماً ذاتيّاً. يريد دمج إسرائيل في المنطقة من خلال إطارين: اقتصاديّ وأمنيّ، بما لا يضاهي بل يشابه الاتّحاد الأوروبيّ أو الحلف الأطلسيّ. أمّا نتنياهو فيريد تحقيق أمنية خصمه السياسيّ بيريز بالقوّة الخشنة لا الناعمة، ووفق معادلة “الأمن مقابل السلام” إزاء معادلة “الاقتصاد مقابل السلام”، كما كان يعتقد بيريز.

الشّرق الأوسط الكبير

ثمّ ظهر المصطلح مرّة أخرى، بعد الهجمات على نيويورك وواشنطن عام 2001، واجتياح العراق عام 2003. وذلك حين طُرحت “مبادرة الشرق الأوسط الكبير” “Greater Middle East Initiative” لنشر الديمقراطيّة في دول تلك المنطقة، التي تضمّ العالم العربيّ وباكستان وأفغانستان وإيران وتركيا، علاوة على إسرائيل، وهيكلة نظمها السياسيّة، وإدماج اقتصاداتها في النظام العالميّ. كان الهدف مكافحة جذور التطرّف حتّى لا تتكرّر الأعمال الإرهابيّة ضدّ الولايات المتّحدة.

لكنّ الفشل الأميركيّ في العراق خاصّة بدّد تطلّعات هذه المبادرة، وإن استمرّت برامجها بوتيرة أقلّ زخماً. ثمّ عادت وزيرة الخارجيّة الأميركيّة كوندوليزا رايس إلى استخدام عبارة “الشرق الأوسط الجديد” خلال حرب لبنان 2006 بين إسرائيل و”الحزب”، فرأت أنّ ما يحدث في تلك الحرب هو “آلام مخاض” لولادة نظام إقليميّ جديد، وأداته “الفوضى الخلّاقة Creative Chaos”.

أمّا الحرب الإسرائيليّة على أذرع إيران: “حماس” في غزّة، “الحزب” في لبنان، الفصائل في العراق، وأنصار الله في اليمن، عامَي 2023 و2024، ففتحت الباب لضرب إيران نفسها نهاية شباط المنصرم لإخراجها من المعادلة الإقليميّة وكي تتسيّد إسرائيل عموم المشهد الإقليميّ، مع بقاء التوجّس الاستراتيجيّ الإسرائيليّ من الدول السنّيّة الكبرى في المنطقة، وهي تركيا ومصر والمملكة العربيّة السعوديّة وباكستان، علاوة على سوريا الجديدة.

معركة خاسرة سلفاً

لكنّ الجمهوريّة الإسلاميّة تقاتل، وكذلك أذرعها، لا سيما “الحزب” في لبنان، مع أنّ المعركة خاسرة سلفاً وفق موازين القوى الحاليّة. ربّما أوضح ما يمثّل الوضع الآن هو ما جاء من تنظيرات كتاب الدكتور محمد جواد لاريجاني، وهو الشقيق الأكبر لعلي لاريجاني الأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القوميّ، والكتاب بعنوان: “مقولات في الاستراتيجية الوطنيّة: شرح نظريّة أمّ القرى الشيعيّة“.

يعتبر لاريجاني أنّ إيران هي “أمّ القرى” حاليّاً، وأنّ الأزمات اللبنانيّة والعراقيّة والفلسطينيّة هي بمنزلة مصدّات، أو خطوط دفاعيّة متقدّمة (وهي كناية عن الأذرع في التعبيرات السياسيّة الراهنة)، وإن كانت الدولة الإسلاميّة ضعيفة أمام العدوّ الخارجيّ فبمقدورها المساومة وتقديم التنازلات، وهو ما حاوله الدبلوماسيّ الإيرانيّ المخضرم محمّد جواد ظريف من خلال مقاله في مجلّة Foreign Affairs. كان ظريف عقد صفقة مع الولايات المتّحدة لضمان دور إيران في الشرق الأوسط الجديد المراد تشكيله. لكنّ دور إيران بحسب ظريف سيكون ذا طابع أمنيّ إقليميّ، ما يعاكس تماماً الهدف الإسرائيليّ الراهن، وهو تهميش دور إيران تماماً.

أساس ميديا

——————————–

أهم معبر بين سوريا ولبنان يعود للعمل: تهديد إسرائيل زال

القرار جاء بعد زوال المخاطر التي استدعت إيقاف العمل مؤقتاً خلال الأيام الماضية

الرياض – العربية.نت

09 أبريل ,2026

بعد أيام من التوتر بسبب تهديد إسرائيلي بقصف أهم معبر بين البلدين، أعلنت مديرية العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك في سوريا اليوم الخميس، عن إعادة افتتاح منفذ جديدة يابوس الحدودي مع لبنان المعروف بـ”معبر المصنع”، واستئناف حركة العبور فيه بشكل طبيعي.

الشيباني: تصرفات إسرائيل تهدد استقرار سوريا.. و”قسد” جزء منا

سوريا الشيباني: تصرفات إسرائيل تهدد استقرار سوريا.. و”قسد” جزء منا

“زوال المخاطر”

فقد أوضح مدير الهيئة مازن علوش، أن القرار جاء بعد زوال المخاطر التي استدعت إيقاف العمل مؤقتاً خلال الأيام الماضية.

كما أكد عبر X، أن المعبر سيواصل تقديم خدماته للمسافرين وفق الأطر المدنية والقانونية المعتمدة على مدار 24 ساعة، مع اتخاذ كافة الإجراءات التنظيمية اللازمة لضمان سلامة العابرين وتحقيق أعلى درجات الانسيابية في حركة الدخول والخروج.

أيضا جميع المسافرين إلى الالتزام بالتعليمات الصادرة عن إدارة المنفذ، بما يُسهم في تسهيل الإجراءات وضمان حسن سير العمل.

وفي تغريدة أخرى، لفت علوش،إلى أن حركة المسافرين عبر منفذ جديدة يابوس الحدودي تشهد عودة تدريجية إلى طبيعتها، في ظل استئناف العمل وتزايد أعداد القادمين والمغادرين، وسط جاهزية تشغيلية عالية وإجراءات منظمة تضمن انسيابية العبور وسلامة المسافرين.

إلى ذلك، شدد على أن الكوادر العاملة تواصل تقديم التسهيلات اللازمة على مدار الساعة، بما يعكس حرص الهيئة العامة للمنافذ والجمارك على تأمين أفضل الخدمات وتعزيز استقرار الحركة الحدودية، وفق التغريدة.

جاء هذا بعدما أعلنت الهيئة الأحد الماضي، أن منفذ جديدة يابوس الحدودي أو معبر المصنع كما يعرف، مغلق من الجانب اللبناني، وذلك حتى إشعار آخر.

وأضاف عبر X، بالنسبة للمسافرين المضطرين للدخول إلى لبنان، ولا سيما ممن لديهم حجوزات طيران عبر مطار بيروت الدولي، أنه يمكنهم العبور حالياً عبر منفذ جوسية الحدودي في ريف حمص، كخيار متاح لضمان متابعة سفرهم.

أهمية كبرى وحجج إسرائيلية دون أدلة

يذكر أن معبر جديدة يابوس/ المصنع الفاصل بين دمشق وبيروت، كان عاش حالة ترقب وحذر شديدين وسط إغلاقه بعد تحذيرات الجيش الإسرائيلي باستهداف المنطقة.

إذ هددت إسرائيل السبت الماضي، بقصف المعبر بزعم استخدام حزب الله معبر المصنع لأغراض عسكرية وتهريب وسائل قتالية، وهو أمر نفاه الجانبان الرسميان السوري واللبناني معاً.

عودة الحركة للمعبر الحدودي

كما جرى تواصل مباشر بين لبنان مع الجهات المعنية في الجانب السوري، التي وافقت على السماح للشاحنات العالقة والقريبة من حدودها بالعودة إلى الباحات الجمركية السورية.

وأكد وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني أن معبر المصنع يخضع لرقابة وإشراف كاملين من الأجهزة الأمنية اللبنانية، حيث تُنفّذ عمليات التفتيش والتدقيق والكشف عبر جهاز السكانر وبأقصى درجات الصرامة والانضباط، مشدداً على أن ما يُثار حول إمكانية حصول عمليات تهريب، ولا سيما تهريب أسلحة، هو غير صحيح ولا يستند إلى أي معطيات واقعية، في ظل الإجراءات الأمنية المشددة والتنسيق القائم بين الجانبين اللبناني والسوري.

أما سوريا، فكانت نجحت حتى الآن في النأي بنفسها عن التورط في الصراع الذي توسع في المنطقة من لبنان إلى العراق واليمن، بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، إذ أكد الرئيس السوري أحمد الشرع أن بلاده التي خرجت للتو من سنوات طويلة من الحرب لا تود التورط في النزاع الذي اشتعل في المنطقة منذ 28 فبراير.

ويُعد معبر المصنع الحدودي بين لبنان وسوريا شرياناً حيوياً للحركة التجارية والبشرية، إذ يشكّل المنفذ البري الرئيسي لتدفق البضائع اللبنانية نحو الأسواق العربية عبر الأراضي السورية، إلى جانب كونه المعبر الأكثر استخداماً للمسافرين بين البلدين.

الشرع يتمسك بسياسة “النأي”

وتنعكس أي اضطرابات أو قيود على عمله بشكل مباشر على سلاسل الإمداد والأسعار داخل لبنان، ما يمنحه أهمية اقتصادية واستراتيجية مضاعفة، خصوصاً في ظل الأزمات المتلاحقة التي يشهدها البلد.

كما أن هذه ليست أول مرة، إذ هددت إسرائيل مرارا بقصفه بحجة استخدامه من قبل حزب الله دون إبراز أي أدلة.

——————————–

=======================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى