تطور الاقتصاد السوري تحديث 15 نيسان 2026

لمتابعة الملف اتبع الرابط التالي:
تحديث 15 نيسان 2026
مشروع البحار الأربعة هندسة جديدة لممرات الطاقة والتجارة العالمية/ تسنيم حسناوي
مشروع “البحار الأربعة” مبادرة استراتيجية تقوم على إنشاء شبكة ربط متكاملة بين أربعة بحار رئيسية في الشرق الأوسط، ضمن منظومة نقل متكاملة، وتهدف إلى تحويل سوريا وتركيا إلى مركز إقليمي محوري في حركة الطاقة والتجارة العالمية.
ويقوم المشروع على فكرة ربط أربعة مسطحات مائية، هي: الخليج العربي وبحر قزوين والبحر المتوسط والبحر الأسود، ضمن منظومة نقل متكاملة تربط بين آسيا وأوروبا.
تعود فكرة المشروع إلى عام 2009، حين طرحها الرئيس التركي الأسبق عبد الله غول، لكنها تعرقلت بعد الثورة في سوريا عام 2011 واندلاع الحرب فيها، ثم عادت إلى الواجهة عام 2026 مع إغلاق إيران مضيق هرمز، وما سببه ذلك من اضطراب في أسواق الطاقة وحركة الملاحة الدولية.
خريطة تظهر فيها البحار الأربعة الآتية: الخليج العربي بحر قزوين البحر المتوسط البحر الأسود
الجذور التاريخية
تعود جذور مشروع “البحار الأربعة” إلى عام 2009، بوصفه رؤية استراتيجية طرحها الرئيس التركي غول أثناء زيارته سوريا ولقائه بالرئيس السوري آنذاك بشار الأسد، إذ قدّم الرئيس التركي تصورا يقوم على ربط البحار المحيطة بالمنطقة ضمن إطار تعاون اقتصادي واسع.
وفي السياق ذاته، روّجت دمشق لما عُرف بـ”استراتيجية البحار الأربعة” بهدف دمج الفضاء الاقتصادي الإقليمي، وربط سوريا بتركيا وإيران وأذربيجان، إلا أن المشروع واجه لاحقا تحديات حالت دون تنفيذه، أبرزها اندلاع الحرب في سوريا عام 2011، وما رافقها من تعقيدات إقليمية ودولية، إلى جانب الصراعات على مصادر الطاقة والعقوبات الاقتصادية التي حدّت من فرص الاستثمار.
وعاد المشروع إلى الواجهة خيارا استراتيجيا في ظل تصاعد التوترات التي هددت الممرات البحرية التقليدية، خاصة مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية يوم 28 فبراير/شباط 2026، وما سبقها من تصعيدات عسكرية في المنطقة.
إعلان
وأسهم المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توم براك في إعادة طرح الفكرة ضمن مقاربة لوجستية بديلة، قبل أن يُعلن عنها رسميا في أبريل/نيسان 2026 في إطار تفاهمات بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ونظيره التركي هاكان فيدان، لتشكل مدخلا لمرحلة جديدة من التعاون بين البلدين.
أطراف المشروع
تمثل سوريا وتركيا الركيزة الرئيسية للمشروع في مرحلته الأولية، بحكم موقعهما الجغرافي واتصال حدودهما، مما يتيح إطلاق ممرات الطاقة والنقل بشكل تدريجي دون الحاجة إلى توافق إقليمي شامل في البداية.
ويُعد العراق من أبرز المرشحين للانضمام إلى المشروع في مراحله اللاحقة، نظرا لامتلاكه موارد طاقة كبيرة وحاجته إلى منافذ تصدير إضافية.
وتحظى المبادرة باهتمام دولي، إذ تلعب الولايات المتحدة دورا داعما عبر تحفيز الاستثمارات في قطاعات الطاقة والبنية التحتية. وانخرطت أطراف أخرى أبدت اهتمامها بالمشروع، مثل أوكرانيا التي عرضت التعاون مع سوريا في مجال سلاسل الإمداد والأمن الغذائي، بما يوسع نطاقه ليشمل مجالات تتجاوز قطاع الطاقة.
آليات التنفيذ
يرتكز المشروع على مجموعة من العناصر الأساسية لتحقيق هذا الربط، أهمها:
ممر بري استراتيجي: إنشاء ممر بري عابر للأراضي السورية والتركية، يشكل حلقة وصل مباشرة بين البحار الأربعة والمناطق المحيطة بها.
بنية تحتية عابرة للحدود: تطوير شبكة متكاملة تشمل خطوط أنابيب لنقل النفط والغاز، وشبكات سكك حديدية، وطرق نقل بري، إضافة إلى موانئ حديثة ومراكز متخصصة لتخزين وتسييل الطاقة.
نقل الطاقة إلى الأسواق العالمية: نقل موارد الطاقة من الخليج العربي ودول بحر قزوين عبر هذا الممر البري إلى الموانئ السورية والتركية، تمهيدا لإعادة تصديرها إلى أوروبا والأسواق الدولية.
الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية
يمثل مشروع “البحار الأربعة” تحولا نوعيا في موقع سوريا وتركيا ضمن منظومة الطاقة والتجارة العالمية، إذ ينقلهما من دور جغرافي تقليدي إلى مركز إقليمي محوري لإعادة توزيع الطاقة بين آسيا وأوروبا.
ويعزز المشروع قدرة البلدين على الاندماج في سلاسل الإمداد العالمية، عبر تطوير بنية تحتية عابرة للحدود تشمل خطوط أنابيب وموانئ وشبكات نقل ومراكز تخزين وتسييل، مما يرسخ موقعهما منصة لوجستية متكاملة.
كما يدعم المشروع توجه أوروبا نحو تنويع مصادر الطاقة، في ظل تراجع الاعتماد على الإمدادات الروسية، وهو ما يمنح تركيا فرصة لتعزيز طموحها لأن تكون مركزا عالميا للطاقة، ويتيح لسوريا استعادة دورها الاقتصادي عبر مشاريع استراتيجية طويلة الأمد.
وعلى الصعيد الجيوسياسي، يسهم المشروع في تعزيز الوزن الاستراتيجي للبلدين داخل معادلات الطاقة والتجارة الدولية، بما ينعكس على قدرتهما في التأثير في تدفقات الإمداد الإقليمية والعالمية، فضلا عن تحقيق عائدات مالية كبيرة قد تضاهي إيرادات ممرات دولية رئيسية مثل قناة السويس وقناة بنما.
التأثير على ممرات الطاقة العالمية
من المتوقع أن يسهم المشروع في إعادة تشكيل خريطة ممرات الطاقة العالمية، عبر تقليص الاعتماد على المسارات البحرية التقليدية، خاصة في مناطق الاختناق الجغرافي.
ويبرز هذا التأثير في الحد من الضغط على ممرات حيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب، التي تشهد توترات أمنية متكررة تؤثر على استقرار الإمدادات، مما يجعل المشروع جزءا من منظومة بديلة تقلل من مخاطر التعطل أو الإغلاق.
إعلان
كما يؤدي المشروع إلى كسر الاحتكار الجغرافي للممرات البحرية خيارا شبه وحيد لنقل الطاقة، من خلال إنشاء شبكة برية تتيح مسارات متعددة وأكثر استقرارا، وتمنح الدول المنتجة والمستهلكة خيارات أوسع في إدارة تدفق الموارد.
وفي هذا السياق، يسهم المشروع في تحويل نمط تدفقات الطاقة من الاعتماد الأحادي على النقل البحري إلى نموذج أكثر تنوعا، يجمع بين المسارات البرية والبحرية، بما يعزز استقرار الإمدادات على المدى الطويل.
وبذلك، لا يقتصر أثر المشروع على كونه مسارا بديلا، بل يمتد إلى إعادة توزيع موازين الحركة في تجارة الطاقة العالمية، وإعادة تعريف أهمية الممرات الجغرافية في معادلة الإمداد الدولي.
مبادرة “4+1”
في نهاية مارس/آذار 2026، وبالتزامن مع تصاعد التوترات في مضيق هرمز، طرحت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية مبادرة “4+1” الاستراتيجية الوطنية، بهدف تطوير ممرات برية بديلة وآمنة لنقل الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية التقليدية.
وتقوم هذه المبادرة على إعادة تأهيل البنية التحتية للنقل في المنطقة، من خلال تطوير شبكة قطارات سريعة حديثة وإحياء أجزاء من خط سكة حديد الحجاز، إلى جانب إعادة تشغيل خطوط أنابيب نفط تاريخية مثل خط “التابلاين”، بما يتيح تدفق كميات كبيرة من النفط عبر مسارات برية مستقرة، وتحويل الجغرافيا السورية وما يجاورها إلى منصة لوجستية تربط آسيا بأوروبا.
أما عن علاقة هذه المبادرة بمشروع “البحار الأربعة”، فتقوم على التكامل لا التنافس، إذ يركز المشروع على الربط الجغرافي بين المسطحات المائية وإعادة تشكيل مسارات الطاقة الدولية، بينما تعمّق مبادرة “4+1” هذا الاتجاه عبر ربط الاقتصادات والبنى التحتية الإقليمية ضمن شبكة نقل متعددة الوسائط، تتقاطع فيها شبكات النقل البحري والبري والسككي، مما يمنح المنظومة بعدا تنمويا أشمل يتجاوز قطاع الطاقة وحده.
المصدر: الجزيرة + الصحافة السورية
—————————
الاستيراد في سوريا بين الفرص والتحديات/ يحيى السيد عمر
أبريل 15, 2026
تشهد الأسواق في سوريا مرحلة مفصلية تتقاطع فيها الحاجة إلى استقرار السوق مع متطلبات الحفاظ على الإنتاج المحلي. ومع اتساع حضور السلع المستوردة خلال الفترة الأخيرة، باتت سياسة فتح الاستيراد جزءًا أساسيًّا من المشهد الاقتصادي، في وقت تحاول فيه سوريا استعادة نشاطها بعد سنوات من الانهيار من جرّاء سياسات النظام البائد.
هذا التوجه لم يأتِ من فراغ، بل فرضته ظروف السوق التي عانت من نقص واضح في بعض السلع نتيجة تراجع إنتاج عدد من القطاعات الصناعية وانخفاض طاقتها التشغيلية. ومع محدودية العرض المحلي، برز الاستيراد كحلّ سريع لتغطية الاحتياجات اليومية؛ ما أدّى إلى زيادة تنوُّع المنتجات المتاحة أمام المستهلك، وأسهم في تخفيف الضغط على الأسعار في عدة مجالات.
انعكست هذه التغيُّرات بشكل مباشر على الحياة اليومية؛ حيث أصبح الوصول إلى سلع كانت نادرة في السابق أكثر سهولة. هذا التحسُّن أعاد جزءًا من الحيوية إلى الأسواق، وخلق حالة من النشاط التجاري، خاصة في القطاعات التي تعتمد على حركة بيع سريعة، كما أن توفُّر بدائل متعددة منح المستهلك قدرة أكبر على الاختيار وفق إمكاناته.
الاستيراد قد يدعم ويُحسِّن من ظروف المستهلك ويوفِّر له خيارات متعددة، وقد ينعكس على انخفاض الأسعار في مرحلة ما، لكن هذه المكاسب التي يُحقِّقها المستهلك هي مكاسب آنية، فهي على المستوى المتوسط والبعيد قد تتحوَّل إلى عامل سلبي نتيجة تضرُّر المنتج الوطني، سواءٌ الزراعي أو الصناعي؛ ما يؤدي إلى زيادة البطالة وانخفاض مستوى الأجور وتوقُّف عدد من المصانع وتسريح العمال. وبذلك فإن المحصلة النهائية قد تنعكس سلبًا على المستهلك نفسه.
كما أن التوسُّع في الاستيراد يُسبِّب ضررًا للجميع، المنتج والمستهلك، إلا أن الضّرر على المنتج يظهر بشكل واضح وسريع، بينما يحتاج ظهوره على المستهلك إلى وقت ليبرز في المدى المتوسط. لذلك فإن حماية المنتج الوطني، سواءٌ أكان زراعيًّا أم صناعيًّا، تَصُبّ أيضًا في مصلحة المستهلك على المدى الطويل؛ ما يستدعي التفكير بإستراتيجية متكاملة، لا الاكتفاء بالمعالجات الآنية.
في المقابل، يقف المنتج الوطني أمام واقع أكثر تعقيدًا. كثير من المنشآت الصناعية لا تزال تعمل ضمن حدود ضيقة، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج وصعوبة تأمين مستلزمات العمل. الطاقة، والنقل، والمواد الأوّلية تُمثِّل أعباءً مستمرة، إلى جانب تحديات تتعلَّق بالتمويل وضعف القدرة على التوسُّع.
هذه الظروف تجعل المنافسة مع السلع المستوردة غير متكافئة في كثير من الأحيان، المنتجات القادمة من الخارج تصل إلى السوق بتكاليف أقل نسبيًّا؛ ما يمنحها أفضلية سعرية واضحة. ومع حسابات المستهلك على مستوى الإنفاق، تتراجع قدرة المنتج الوطني على الحفاظ على موقعه، حتى في القطاعات التي يمتلك فيها خبرة طويلة.
هذا التراجع لا يظهر بشكل مفاجئ، بل يتَّخذ مسارًا تدريجيًّا يبدأ بانخفاض المبيعات، ثم تقليص الإنتاج، وصولًا إلى توقُّف بعض المنشآت عن العمل. ومع كل منشأة تتراجع، تتأثَّر شبكة أوسع من العاملين والمورّدين؛ ما ينعكس على سوق العمل وعلى النشاط الاقتصادي بشكل عامّ.
في هذا السياق، يبرز تحوُّل مهم في طبيعة السوق؛ حيث تميل الكفة تدريجيًّا نحو الاستهلاك على حساب الإنتاج. هذا التحوُّل لا يرتبط فقط بحركة السلع، بل يمتدّ إلى بنية الاقتصاد نفسه. الاعتماد المتزايد على الخارج في تأمين الاحتياجات يُضْعف دور الصناعة الوطنية، ويجعل السوق أكثر ارتباطًا بعوامل خارجية مثل أسعار الصرف وتكاليف الشحن. ورغم ذلك، لا يمكن تجاهل الفوائد التي يوفِّرها الاستيراد في المرحلة الحالية.
هناك سلع لا يتوفَّر لها إنتاج وطني كافٍ، وأخرى تحتاج السوق إلى كميات أكبر منها بشكل فوري. في هذه الحالات، يُشكّل الاستيراد أداة ضرورية لضمان استقرار المعروض ومنع حدوث فجوات تؤثر على حياة الناس.
كما أن وجود منتجات مستوردة يُسهم في الحدّ من ارتفاع الأسعار بشكل مفرط، خاصة في القطاعات التي تشهد طلبًا مرتفعًا. هذا الدور مهم في الحفاظ على توازن السوق، لكنه يبقى مرتبطًا بمدى القدرة على الاستيراد في ظل التغيُّرات الاقتصادية.
عند النظر إلى الصورة بشكل أوسع، يظهر أن العلاقة بين الاستيراد والإنتاج المحلي ليست علاقة تعارض مُطلَق، بل تحتاج إلى إدارة دقيقة تُحقِّق التوازن بين الطرفين. السوق التي تعتمد بالكامل على الاستيراد تَفْقد قدرتها على الاستقرار على المدى الطويل، كما أن السوق المغلقة لا تستطيع تلبية جميع الاحتياجات. من هنا تبرز أهمية توجيه الاستيراد نحو ما يخدم العملية الإنتاجية، مثل المواد الأولية ومستلزمات التصنيع. هذا التوجُّه يساعد المصانع على زيادة إنتاجها، ويمنحها فرصة لاستعادة نشاطها تدريجيًّا، بدلًا من منافستها بشكل مباشر عبر إدخال سلع جاهزة.
إلى جانب ذلك، يمكن اعتماد إجراءات خاصة لدعم الصناعات التي تمتلك مقوّمات الاستمرار، من خلال تنظيم دخول بعض السلع التي لها بدائل محلية. هذه الخطوة تحتاج إلى توازن دقيق؛ بحيث تُحقِّق الحماية دون أن تؤدي إلى ارتفاع كبير في الأسعار أو تراجع في توفُّر السلع.
تحسين بيئة الإنتاج يبقى عاملًا حاسمًا في هذا السياق. الصناعة لا يمكن أن تتطوَّر دون توفُّر بنية مناسبة تشمل الطاقة المستقرة، وتسهيلات التمويل، وطرق نقل فعّالة. هذه العناصر لا تقلّ أهمية عن السياسات التجارية، بل تُشكِّل أساسًا لأيّ عملية إنتاج مستدامة.
في ضوء هذه المعطيات، تبدو سياسة فتح الاستيراد ذات تأثير مزدوج، فهي من جهة تُسهم في تنشيط الأسواق وتوفير السلع، ومن جهة أخرى تُضاعِف من التحديات التي تواجه الإنتاج المحلي. هذا التداخل يفرض الحاجة إلى رؤية أكثر شمولًا، تضع كل عنصر ضمن سياقه الصحيح.
المرحلة الحالية تتطلّب التعامل مع الاستيراد كوسيلة ضمن مجموعة أدوات، لا كخيار منفصل عن بقية السياسات. كما أن ربطه بخُطط دعم الإنتاج يُسهم في تحويله إلى عنصر إيجابي، بدلًا من أن يكون عاملًا ضاغطًا على الصناعة.
في النهاية، يعتمد استقرار السوق على تحقيق توازن مستدام بين تلبية الاستهلاك ودعم الإنتاج المحلي، عبر نهج تدريجي مُعتمَد لا يقوم على حلول سريعة. هذا التوازن يُسهم في بناء اقتصاد أكثر صلابة وقدرة على التكيُّف مع المتغيرات الدخلية والخارجية. وفي ظل التحولات الحالية، يصبح الوصول إلى هذا التوازن خيارًا ضروريًّا لضمان استمرارية النشاط الاقتصادي وتحقيق قدر من الاستقرار على المدى الأبعد.
الثورة السورية
—————————
أجندة وطنية لدعم الشركات الناشئة التقنية.. تحوّل نحو الابتكار والريادة/ رغد خضور
أبريل 15, 2026
على مدى سنوات، نشأت محاولات متفرقة لبناء شركات ناشئة تقنية في سوريا، وعلى الرغم من الافتقار إلى الحد الأدنى من الوضوح والدعم المنهجي، فإن ذلك لم يمنع رواد الأعمال السوريين من الاستمرار في الابتكار والعمل ضمن ظروف محدودة.
الآن، ومع إطلاق الأجندة الوطنية للشركات الناشئة التقنية، تتجه هذه الجهود نحو إطار أكثر ترابطاً، يهدف إلى تحويل المبادرات الفردية إلى منظومة متكاملة قادرة على إنتاج أثر اقتصادي أوسع.
وتنطلق هذه الأجندة من فهم مختلف لطبيعة الشركات الناشئة التقنية، بوصفها كيانات مبنية للنمو السريع والتوسع، لا مشاريع صغيرة تسعى إلى الاستقرار المحلي وحسب، خاصة مع تسارع التحولات نحو اقتصاد قائم على الابتكار، حيث تبرز الحاجة إلى بيئة تمكينية تستفيد من المواهب السورية وتواكب الفرص المتاحة، بدلاً من أن تتركها تتبدد في أسواق أخرى أكثر جاهزية.
وتطرح الأجندة الوطنية نفسها كإطار جامع لتوحيد الجهود القائمة، وربط الفاعلين ضمن منظومة واحدة، مع التركيز على تمكين المؤسسين ومنحهم المساحة والوضوح اللازمين لبناء حلول قابلة للتوسع لمشكلات حقيقية، فيما تؤدي وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات دور الشريك الداعم، عبر العمل على إزالة العوائق وفتح المسارات، دون أن تحل محل المبادرات التي يقودها رواد الأعمال أنفسهم.
وبين تسهيل تأسيس الشركات، وتعزيز الوصول إلى التمويل، وفتح الأسواق، تسعى هذه الأجندة إلى إعادة تشكيل بيئة الأعمال التقنية في سوريا، ضمن رؤية أوسع ترى في الابتكار ركيزة أساسية لإعادة بناء الاقتصاد، ومساراً لخلق فرص عمل ذات أثر مستدام.
وأكد معاون الأمين العام لرئاسة الجمهورية لشؤون مجلس الوزراء، المهندس علي كده، أن إطلاق الأجندة الوطنية للشركات الناشئة الرقمية يمثل محطة رئيسية لإعادة تقييم واقع الشركات الناشئة التقنية، ويرسم ملامح مرحلة جديدة أكثر استجابة لطموحات الشباب واحتياجاتهم الاقتصادية.
وأوضح كده، في كلمة له خلال مؤتمر إطلاق الأجندة، أن البلاد مرت بتحديات صعبة خلال السنوات الماضية، وما رافقها من تداعيات ناجمة عن الإرهاب الذي جلبه النظام المخلوع، الأمر الذي انعكس سلباً على قطاع الشركات الناشئة، عبر تحويلها من أصول واعدة إلى أدوات محدودة النمو في المجال التقني، وإغلاق أبواب التمويل والأسواق والحلول أمامها. وأضاف أن تلك المرحلة عجزت عن مواكبة التحولات الرقمية المتسارعة عالمياً، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين الواقع المحلي وما يجري على المستوى الدولي.
وأشار كده إلى أن المرحلة الحالية تمثل فرصة حقيقية لإعادة البناء بأسلوب مختلف، لافتاً إلى أن الاستراتيجية الوطنية لدعم الشركات الناشئة التقنية لا تقتصر على كونها وثيقة نظرية، بل تشكل إطار عمل يفتح المجال أمام تأسيس شركات جديدة، ويعزز العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص.
وبيّن أن الهدف لا يقتصر على زيادة عدد الشركات، بل يتجاوز ذلك إلى بناء منظومة نوعية قادرة على تحويل البحث العلمي إلى منتجات، والأفكار إلى مشاريع مستدامة، مشدداً على أن توجيهات الرئاسة تركز بشكل واضح على دعم مسارات التمويل، وتحسين البيئة الحاضنة لهذا القطاع، واعتبار الابتكار ركيزة أساسية في بناء اقتصاد المستقبل.
1000 شركة خلال 3 سنوات
ومن سوريا يجتمع السوريون وينطلقون من هذه الفكرة الجامعة، بكل ما يملكونه من إرادة وطاقة، وذلك وفقاً لوزير الاتصالات وتقانة المعلومات، عبد السلام هيكل، حيث تمثل هذه المقومات أساساً حقيقياً للنهوض.
وأوضح هيكل، في كلمة له خلال المؤتمر، أن الأجندة الوطنية للشركات الناشئة التقنية تستند إلى طاقات السوريين وأفكارهم، وإلى قدرات المهندسين والكفاءات الوطنية، إضافة إلى الشركات السورية التي تصنع وتنافس، والتي تقوم على فرق عمل تسعى إلى الإنتاج وتقديم الفائدة.
وأشار إلى أن العالم اليوم يشهد تحولات متسارعة، متسائلاً عما إذا كان هذا هو الوقت المناسب لإطلاق أجندة للشركات الناشئة التقنية في ظل التحديات الراهنة، ليؤكد أن التوقيت مناسب تماماً، مبيناً أن العمل جارٍ على تأسيس ألف شركة تقنية خلال ثلاث سنوات، مع إمكانية ضخ أكثر من 200 مليون دولار لدعم هذا التوجه.
وأضاف أن تحقيق نتائج ملموسة يتطلب العمل على مسارات متوازنة، وعدم انتظار تحسن الظروف بشكل كامل قبل البدء، بل الانطلاق رغم التحديات، مع توزيع المسؤوليات وتوفير الأدوات لكل فريق، محذراً من الوقوع في حالة الانتظار التي تعيق التقدم.
وأكد أن الشركات الناشئة التقنية تمثل أحد أهم عناصر البناء الاقتصادي، لما تسهم به في خلق فرص العمل، وتعزيز الإنتاجية، وتزويد المجتمع بأدوات أسرع للنمو والحركة.
ولفت إلى أن قطاع التقانة يتميز بمرونة قانونية وقدرة إنتاجية عالية مقارنة بقطاعات أخرى، ما يجعله مجالاً واعداً يمكن لسوريا أن تحقق فيه تقدماً سريعاً، وأن تحجز لنفسها موقعاً متقدماً على المستويين الإقليمي والعالمي.
وأشار وزير الاتصالات إلى أن سوريا تمتلك ميزة تنافسية مهمة تتمثل في كوادرها البشرية، حيث يتمتع السوريون بمزيج من المهارات التقنية والحس التجاري، وقد أثبتوا نجاحهم في الخارج وفي كبرى الشركات العالمية، وتركوا أثراً واضحاً في منتجات يستخدمها الملايين اليوم.
وبيّن أن هذه المعطيات تشكل قاعدة مطمئنة للانطلاق، مشدداً على ضرورة الحفاظ على هذه الثروة البشرية وتوفير البيئة المناسبة لها، بما يضمن توظيفها في مسار التنمية، وتحقيق نتائج ملموسة تنعكس إيجاباً على الاقتصاد والمجتمع.
وقادت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات إعداد الأجندة بالتنسيق مع عدد من الوزارات والمؤسسات الوطنية، فضلاً عن التشاور مع رواد أعمال ومستثمرين ومنظمات مجتمع مدني، بحيث تنتقل ريادة الأعمال من مبادرات متفرقة ومحدودة الأثر إلى إطار وطني موحد، ينسق الجهود ويحدد الأدوار، ويعزز التنسيق المؤسسي بين الجهات الحكومية، ويفعل الشراكة مع القطاع الخاص.
وفي هذا السياق، أكد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، مروان الحلبي، أن الشركات الناشئة لا تُعد مشاريع صغيرة تسعى إلى النمو وحسب، بل تعبيراً عن حيوية الوطن وثقته بشبابه، وقدرتهم على تحويل الأفكار إلى قيمة، والمعرفة إلى منتج، والجامعات إلى رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والتقنية.
وفي كلمة له خلال المؤتمر، بيّن الحلبي أن إطلاق هذه المبادرة الوطنية يعكس وعياً متقدماً بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالعقول، ولا يُقاس بحجم الإنفاق فقط، بل بقدرة الدولة على بناء بيئة حاضنة للإبداع، تدعم المبادرات، وتفتح الطريق أمام التحول من التعليم إلى الإنتاج، ومن البحث إلى الريادة، ومن المؤتمرات إلى الأسواق.
وأكد أن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تنظر إلى هذا المسار بوصفه خياراً وطنياً استراتيجياً، مشدداً على أن الجامعات لم تعد أماكن لتلقي المعرفة فحسب، بل ينبغي أن تكون حواضن للأفكار، ومراكز للابتكار، ومصادر إلهام لجيل قادر على المنافسة وتعزيز سيادة الاقتصاد الوطني.
وتسعى الأجندة إلى معالجة التحديات الهيكلية التي واجهت ريادة الأعمال في سوريا خلال السنوات الماضية، بما في ذلك ضعف البيئة التنظيمية، ومحدودية الوصول إلى التمويل، وتراجع البنية التحتية، ونزيف الكفاءات البشرية، من خلال تحويل هذه التحديات إلى فرص عبر سياسات إصلاحية وأدوات تنفيذية واضحة.
ولا تكتفي الأجندة بذلك وحسب، وإنما تولي اهتماماً خاصاً بالشمول الاقتصادي والاجتماعي، وذلك من خلال دعم مشاركة النساء والشباب، وتمكين رواد الأعمال في مختلف المحافظات، وإدماج الكفاءات السورية في الخارج ضمن عملية تطوير المنظومة الريادية الوطنية.
وتلتزم وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات بقيادة تنفيذ هذه الأجندة، بالتعاون مع شركائها في الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، وفقاً لمسؤول الابتكار والشركات الناشئة في الوزارة، أحمد سفيان برم، الذي أوضح أن الأجندة ستعمل على تطوير مبادرات وطنية داعمة، بما في ذلك إنشاء منصات تنسيق، إلى جانب برامج حاضنات ومسرّعات تقنية، وإطلاق أدوات تمويل جديدة تعزز ثقة المستثمرين وتدعم نمو الشركات الناشئة.
وأضاف أن الأجندة تشكل دعوة مفتوحة لجميع الفاعلين في منظومة ريادة الأعمال، من مؤسسين ومستثمرين ومؤسسات داعمة، للمشاركة في بناء بيئة ريادية وطنية متكاملة، قادرة على تحويل الابتكار إلى قيمة اقتصادية واجتماعية ملموسة.
ولأن الهدف هو تمكين الشباب ورواد الأعمال، التقت “الثورة السورية” بعدد من رواد الأعمال والمستثمرين الذين أبدوا ترحيباً كبيراً بالمبادرة لما تقدمه لهم من فرص وتسهيلات، حيث قال مالك مزين، المدير التنفيذي لشركة «بي أوورد»، إن ريادة الأعمال لا يمكن أن تعمل بمعزل عن الحكومة، باعتبارها الجهة المسؤولة عن الترخيص والدعم وفتح المجال أمام الاستثمارات الخارجية، مشيراً إلى أن هذا القطاع يقوم أساساً على الاستثمارات وعلى وجود نظام بيئي متكامل.
وأوضح أن الأجندة المطروحة حالياً تُعد خطوة أولى واضحة نحو بناء نظام بيئي حقيقي لريادة الأعمال داخل سوريا، لافتاً إلى أن أبرز التحديات التي واجهت هذا القطاع سابقاً كانت غياب الشفافية، حيث تعرّض لمحاربة كبيرة رغم كونه قطاعاً تنموياً.
وأضاف أن التوجهات الحالية تعزز مستوى الشفافية، مع وجود إشارات حكومية واضحة نحو الانفتاح على السوق، ودعم الشركات الناشئة وتسهيل إدراجها، مؤكداً أن زيادة عدد هذه الشركات من شأنه توسيع السوق وجذب المزيد من المستثمرين.
وفيما يتعلق بنصائحه لرواد الأعمال، شدد مزين على أن رائد الأعمال الناجح لا ينتظر القوانين أو الإجراءات الحكومية، بل يبادر إلى مواجهة التحديات على أرض الواقع والعمل على حلها، ودعا أصحاب الأفكار إلى عدم الاكتفاء بها، بل السعي لتطبيقها عملياً، والاستفادة من مستوى الشفافية المتزايد للدخول إلى السوق بشكل أفضل.
ويشكل إطلاق الأجندة محطة مفصلية لرواد الأعمال في سوريا، على حد تعبير محمد باسم مدني، مهندس مدني ورائد أعمال، حيث أشار إلى أهمية وضوح التوجهات الرسمية المتعلقة بالشركات الناشئة، كما أُعلن عنها خلال الفعالية.
وأوضح مدني أن إعلان هذه التوجهات، إلى جانب رفع القيود، يمنح رواد الأعمال حالة من الارتياح، إذ بات بإمكانهم فهم المسار المطلوب لمشاريعهم بشكل أدق، بما في ذلك متطلبات التراخيص، وآليات العمل، وسرعة الإجراءات، إضافة إلى توفر منصة واضحة تتضمن جميع التفاصيل المتعلقة بالأجندات والاستراتيجيات الخاصة بالشركات الناشئة.
ولفت إلى أن هذا اليوم كان منتظراً بالنسبة له كمهندس ورائد أعمال، معتبراً أنه يشكل خطوة نحو مواكبة التطور الحاصل في الدول المتقدمة، ومعرفة الاتجاهات المستقبلية في هذا المجال.
وأعرب عن أمله في أن تكون هذه المرحلة بداية إيجابية لانطلاقة حقيقية للشركات الناشئة، لافتاً إلى الحماس الكبير لدى الشباب، خاصة فيما يتعلق بمعرفة آليات ترخيص شركاتهم داخل سوريا.
من جهته، أفاد عمرو حداد، شريك إداري في شركة “بداية”، أن الشركة تعمل كنموذج يهدف إلى دعم الشركات الناشئة في سوريا، من مرحلة التأسيس وصولاً إلى تقديم الخدمات التقنية والتسويقية وخدمات الموارد البشرية.
وأوضح أن “بداية” تساعد رواد الأعمال في الوصول إلى المستثمرين، خاصة أن إحدى أبرز المشكلات التي تواجه رواد الأعمال اليوم تتمثل في غياب الدعم في المراحل الأولى، حيث يجدون أنفسهم عالقين بين متطلبات البدء دون تمويل، واشتراطات المستثمرين بوجود مشروع قائم قبل الاستثمار.
وأضاف أن الشركة تتبنى نموذجاً يقوم على دعم المشاريع التي تؤمن بها، عبر تقديم خدماتها مقابل حصة بسيطة جداً من الشركة، بهدف مساعدتها على النمو ووضعها على المسار الصحيح الذي يؤهلها لجذب المستثمرين لاحقاً.
وأشار إلى أهمية تعزيز التنسيق بين القطاع الخاص والحكومة، لفهم توجهات الدعم الحكومي والعمل ضمن الإطار نفسه، وكشف حداد عن أحد المنتجات التي تعمل عليها الشركة حالياً، والذي يهدف إلى تسويق المنتجات السورية المعدّة للتصدير، وبيعها عبر منصات إلكترونية خارج سوريا، لا سيما في أسواق الخليج.
الثورة السورية
—————————
“الصدمة الثلاثية” تضرب المنطقة.. كيف ينجو الاقتصاد السوري من موجة الضغوط؟/ هلال عون
أبريل 15, 2026
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وما تفرضه من ضغوط متزايدة على الاقتصاد العالمي، تبرز مخاوف جدية من انعكاسات ما يُعرف بـ”الصدمة الثلاثية” على الاقتصادات الهشّة، وفي مقدمتها سوريا. فمع ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء وتباطؤ النمو العالمي جراء الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، يجد الاقتصاد السوري نفسه أمام اختبار جديد يطرح تساؤلات حول قدرته على الصمود في مواجهة موجة ضغوط متسارعة تتجاوز حدوده الداخلية.
وحذّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقرير، الإثنين، من انزلاق أكثر من 32 مليون شخص حول العالم إلى براثن الفقر، جراء التداعيات الاقتصادية للحرب الإيرانية، متوقعاً أن تكون الدول النامية الأكثر تضرراً.
ووسط شكوك حول هشاشة وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، ذكر البرنامج أن العالم يواجه ما وصفه بـ”الصدمة الثلاثية” التي تشمل الطاقة والغذاء وضعف النمو الاقتصادي.
وأوضحت الوكالة المعنية بمكافحة الفقر أن الصراع يُقوّض المكاسب التي تحققت في مسار التنمية الدولية، ومن المتوقع أن يكون تأثيره متفاوتاً بين المناطق.
وبعد عرض ثلاثة سيناريوهات للحرب، خلص البرنامج إلى أنه في أسوأ الحالات – التي تتضمن ستة أسابيع من التعطيل الكبير لإنتاج النفط والغاز، وثمانية أشهر من ارتفاع التكاليف المستمر – سيقع ما يصل إلى 32.5 مليون شخص حول العالم في براثن الفقر.
واستخدم التقرير خط الفقر المخصص لذوي الدخل المتوسط الأعلى، وهو معيار دولي يُحسب وفق البنك الدولي، ويُعرّف بأنه دخل يقل عن 8.30 دولارات للفرد يومياً.
وأشار التقرير إلى أن الدول الغنية تبدو في وضع أفضل للتخفيف من تداعيات الحرب، بينما تواجه دول الجنوب العالمي وضعاً أكثر هشاشة، وتتعرض بالفعل لقيود مالية شديدة.
قطاعات متأثرة
ارتفعت أسعار الطاقة بشكل حاد خلال الأسابيع الستة للحرب الإيرانية، حيث أدى إغلاق مضيق هرمز إلى انقطاع إمدادات النفط والغاز عن الاقتصاد العالمي. ومع ما ترتب على ذلك من آثار سلبية على إمدادات الأسمدة والشحن العالمي، وسط تحذيرات من أن “قنبلة موقوتة” تهدد الأمن الغذائي في العالم النامي.
وقال مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ألكسندر دي كرو: “سنشهد أثراً طويل الأمد، لا سيما في الدول الأفقر، حيث يُدفع الناس إلى براثن الفقر مجدداً. هذا هو الجانب الأكثر إيلاماً. فالذين يُدفعون إلى الفقر غالباً ما يكونون هم أنفسهم الذين كانوا يعيشون في فقر، ثم خرجوا منه، والآن يُدفعون إليه من جديد”.
ورأى الخبير الاقتصادي الدكتور جمعة حجازي، أن تداعيات الحرب تجاوزت التأثير المباشر، وأطلقت سلسلة من الارتدادات الاقتصادية المتزامنة التي تضرب بنية الاقتصاد من عدة اتجاهات في وقت واحد.
وأوضح حجازي لصحيفة “الثورة السورية”، أن أولى هذه التأثيرات تظهر في قطاع الطاقة، حيث يؤدي أي اضطراب في الإمدادات إلى تراجع إنتاج الكهرباء وارتفاع تكاليف المعيشة بشكل فوري.
وأضاف أن التجارة الخارجية تمثل نقطة ضعف رئيسة، في ظل تعقّد طرق النقل وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع وتوافرها في الأسواق.
ومن أبرز المخاطر التي أشار إليها حجازي تسارع معدلات التضخم، خاصة مع ارتفاع تكاليف الاستيراد، ما يؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية للأسر.
وأكد أن هذه التطورات ستضع شريحة واسعة من السكان تحت ضغوط معيشية قاسية، وهو ما يتماشى مع التحذيرات الدولية من اتساع رقعة الفقر.
أما على صعيد السوق النقدية، فقد يؤدي تزايد الطلب على العملات الأجنبية إلى تراجع قيمة العملة المحلية ويزيد من حالة عدم الاستقرار.
الاستثمار تحت ضغط عدم اليقين
لفت الخبير حجازي إلى أن بيئة الاستثمار في مثل هذا الوضع تصبح أكثر هشاشة في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية، حيث تميل رؤوس الأموال إلى التريث أو الانسحاب، ما يؤدي إلى تأجيل المشاريع وتراجع النشاط الاقتصادي.
وحذر من أن استمرار التصعيد قد يدفع الاقتصاد من مرحلة التباطؤ إلى مرحلة أكثر خطورة، تتسم بارتفاع معدلات البطالة وتراجع الإنتاج.
كما تطرق حجازي إلى تأثير الأزمة على ملف عودة اللاجئين، مشيراً إلى أن تدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمية يقلل من فرص العودة، وقد يدفع بعض العائدين إلى المغادرة مجدداً.
وأشار أن مستقبل الاقتصاد السوري يبقى مفتوحاً على سيناريوهات عدة، تتراوح بين احتواء محدود للأزمة في حال تهدئة التصعيد، وبين سيناريوهات أكثر خطورة في حال استمرار النزاع أو اتساع نطاقه.
وشدد حجازي على أن العبء الأكبر سيقع على كاهل المواطن، في ظل اقتصاد يعاني أصلاً من اختلالات هيكلية عميقة، ما يجعل أي صدمة إضافية كفيلة بتفاقم الوضع الإنساني بشكل كبير.
وأضاف أن المعطيات الواردة في تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تشير إلى مرحلة اقتصادية دقيقة تمر بها المنطقة والعالم، حيث تتداخل العوامل الجيوسياسية مع التحديات الاقتصادية لتنتج واقعاً معقداً.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو الحاجة ملحّة إلى اعتماد سياسات اقتصادية مرنة وإصلاحات هيكلية عميقة قادرة على امتصاص الصدمات وتعزيز القدرة على التكيف، خاصة في الدول الهشة مثل سوريا، وفق حجازي، الذي شدد على أن العامل الحاسم يتمثل في القدرة على التحرك السريع والفعّال لتجنب الأسوأ وتحويل التحديات إلى فرص ممكنة للنهوض الاقتصادي.
تأثير مباشر
قال مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إن “صراعاً كهذا يُعد تراجعاً للتنمية، وحتى في حال توقف الحرب ووقف إطلاق النار -وهو موضع ترحيب كبير – فإن آثار الصراع ستظل قائمة بالفعل”.
كما صرّح رئيس صندوق النقد الدولي بأن “الآثار المدمرة” للحرب قد تترك ضرراً دائماً بالاقتصاد العالمي، حتى في حال انتهائها.
ورأى رجل الأعمال فيصل عطري، أن سوريا تقع ضمن واحدة من أكثر المناطق عرضة لتداعيات هذه الأزمة، وتواجه مخاطر اقتصادية مرتفعة نتيجة موقعها الجغرافي وطبيعة ارتباطها بالاقتصاد الإقليمي.
وبحسب عطري، فإن السيناريوهات التي يطرحها التقرير تشير إلى احتمال انكماش الناتج المحلي الإجمالي في المنطقة بنسبة تتراوح بين 5.2 بالمئة و8.7 بالمئة، مع خسائر إقليمية قد تصل إلى 194 مليار دولار. ويترتب على ذلك فقدان عشرات الآلاف من فرص العمل، إلى جانب ارتفاع حاد في أسعار الوقود والغذاء والأدوية.
وقال عطري لصحيفة “الثورة السورية”، إن تعطّل سلاسل الإمداد، خاصة في مجالي الغاز والكهرباء، سيزيد من الضغوط على الاقتصاد السوري، في وقت تعاني فيه البلاد أساساً من تحديات هيكلية عميقة. كما أن تراجع الاستثمارات الخارجية والمساعدات، خصوصاً من دول الخليج، سيحدّ من قدرة الاقتصاد على التعافي.
وتوقع عطري أن تمتد التأثيرت إلى البعد الاجتماعي، بما في ذلك ارتفاع معدلات الفقر في سوريا بنحو 5 بالمئة، ما يعني انضمام ما بين 2.85 و3.3 ملايين شخص إضافي إلى دائرة الفقر.
كما أشار إلى أن احتمالات تدفق العائدين من لبنان أو عودة اللاجئين ستفرض ضغوطاً إضافية على الخدمات العامة والبنية التحتية، ما قد يؤدي إلى زيادة التوترات الاجتماعية وتعميق الفجوات الاقتصادية، فضلاً عن تهديد الاستقرار.
إصلاحات اقتصادية
في تقريره الذي نُشر بالتزامن مع اجتماع قادة العالم في واشنطن لحضور اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي، أكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ضرورة وجود استجابة عالمية لدعم الدول الأكثر تضرراً من التداعيات الاقتصادية.
وأشار البرنامج إلى الحاجة لتحويلات نقدية موجهة ومؤقتة لحماية الأسر الأكثر ضعفاً في الدول النامية، بتكلفة تُقدّر بنحو ستة مليارات دولار للتخفيف من آثار الصدمات على من يعيشون تحت خط الفقر.
وقال دي كرو: إن الوكالات الدولية وبنوك التنمية يمكنها تقديم الدعم المالي، مضيفاً: “هناك عائد اقتصادي إيجابي من تقديم تحويلات نقدية قصيرة الأجل لتجنب عودة الناس إلى الفقر”. ويمكن أن تشمل التدخلات البديلة إعانات مؤقتة أو قسائم للكهرباء أو غاز الطهي.
وفي هذا الإطار، دعا عطري إلى تبني نموذج حكومي قائم على الكفاءة والخبرة، وتنفيذ إصلاحات هيكلية عاجلة، تشمل تعزيز الحوكمة والشفافية وإطلاق مصالحة مجتمعية شاملة، وتبسيط الإجراءات الاستثمارية ومنح إعفاءات للمواد الأولية.
كما شدد على ضرورة دعم الإنتاج المحلي، خاصة في القطاعين الزراعي والصناعي، وتنويع مصادر الطاقة عبر الاستثمار في الطاقة المتجددة، إضافة إلى تعزيز التعاون الاقتصادي الإقليمي بعيداً عن الاعتبارات السياسية.
ورأى عطري أن هذه الأزمة، رغم خطورتها، قد تشكل فرصة لإعادة بناء الاقتصاد السوري على أسس حديثة، إذا تم التعامل معها برؤية إصلاحية شاملة.
الثورة السورية
—————————
نحو “الهيئة الوطنية للتمكين الاقتصادي”.. مشروع برسم التفعيل/ أسامة قاضي
2026.04.15
يقدّم القرآن الكريم رؤية متكاملة لبناء الإنسان والمجتمع، إذ لا يقتصر خطابه على الجوانب الروحية فحسب، بل يمتد ليؤسس لمنظومة اقتصادية واجتماعية قائمة على العدالة والكرامة الإنسانية. ومن أبرز الآيات التي تعكس هذا البعد التنموي قول الله تعالى: ﴿لِلۡفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحۡصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ ضَرۡبٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ يَحۡسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغۡنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعۡرِفُهُم بِسِيمَاهُمۡ لَا يَسۡـَٔلُونَ النَّاسَ إِلۡحَافٗا﴾.
وتؤسس هذه الآية لمفهوم عميق من التمكين الاقتصادي للفئات التي مُنعت من العمل بسبب ظروف قاهرة، مع الحفاظ على كرامتها الإنسانية. وفي السياق السوري، حيث خلّفت سنوات الصراع آثارًا إنسانية واقتصادية عميقة، تبرز الحاجة الملحّة إلى ترجمة هذا التوجيه القرآني إلى سياسات عملية تعيد دمج الفئات المتضررة في دورة الإنتاج.
تمثل الأرامل والأيتام وذوو الهمم، ولا سيما من فقدوا أطرافهم، إضافة إلى العاطلين عن العمل والمتضررين من عسف النظام السابق، نموذجًا معاصرًا للفئة التي وصفها القرآن الكريم بقوله «لا يستطيعون ضربًا في الأرض». ومن هنا تنبع أهمية الانتقال بهذه الفئات من دائرة الحاجة إلى دائرة الإنتاج، وهو ما يجسد جوهر مشروع تأسيس “الهيئة الوطنية للتمكين الاقتصادي”. إذ يهدف المشروع إلى نقل هذه الفئة من حالة العجز إلى التمكين الاقتصادي، ضمن رؤية وطنية اقتصادية وإنسانية تستند إلى القيم الأخلاقية التي رسخها القرآن الكريم، وتستفيد في الوقت ذاته من أدوات التنمية الاقتصادية الحديثة لإعادة بناء سوريا.
يجدر التذكير بأن سوريا امتلكت تجربة رائدة في هذا المجال من خلال “هيئة مكافحة البطالة”، التي تم تأسيسها خلال الأعوام 2002–2003 بهدف دعم المشاريع الصغيرة وتوفير فرص العمل. وقد أثبتت هذه الهيئة نجاحًا ملموسًا خلال فترة قصيرة، إذ تمكنت من منح نحو 14,400 قرض للمواطنين، ما أسهم في تحسين مستوياتهم المعيشية وتنشيط الاقتصاد المحلي. إلا أن هذه التجربة الواعدة لم يُكتب لها الاستمرار، إذ تم إغلاقها عام 2006 من قبل النظام السابق وبعض المتنفذين الفاسدين بعدما لمسوا الأثر الإيجابي لهذه المبادرة، وهو ما لم يتوافق مع مصالحهم.
وفي ذلك الوقت، قمتُ بإعداد دراسة ميدانية شاملة استغرقت أربعة أشهر، خلصت إلى أن استمرار عمل هذه الهيئة كان كفيلًا بالقضاء على البطالة في سوريا خلال فترة لا تتجاوز خمس سنوات، نظرًا لما أظهرته من قدرة عالية على تحفيز النشاط الاقتصادي وخلق فرص عمل مستدامة. وقد شكّلت هذه النتائج دليلًا واضحًا على أهمية الاستثمار في المشاريع الصغيرة والمتوسطة كأداة فعّالة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وبعد التحرير، أُعيد طرح هذا المقترح انطلاقًا من الإيمان بأهميته الاستراتيجية في إعادة بناء الاقتصاد الوطني، إلا أنه لم يحظَ بالتفعيل المطلوب آنذاك. ويُعتقد أن أحد الأسباب الرئيسية لذلك كان نقص السيولة النقدية بالليرة السورية قبل طباعة العملة الجديدة. أما اليوم، وبعد أن مكننا الله من طباعة عملة وطنية جديدة، فقد أصبحت الظروف أكثر ملاءمة لتنفيذ هذا المشروع الحيوي، مما يجعله مشروعًا برسم التفعيل بانتظار الإرادة السياسية اللازمة لتحويله إلى واقع ملموس.
يقترح المشروع تخصيص مبلغ تريليون ليرة سورية بالعملة القديمة، أو ما يعادل 10 مليارات ليرة سورية بالعملة الجديدة، أي ما مجموعه نحو 90 مليون دولار أميركي، كمرحلة أولى لتمويل المشاريع متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة في مختلف أنحاء البلاد. ويتم توزيع هذا التمويل بما يحقق التوازن بين حجم المشاريع وقدرتها على خلق فرص العمل، حيث يُخصص 40٪ للمشاريع متناهية الصغر التي تقل كلفتها عن عشرة آلاف دولار، و30٪ للمشاريع الصغيرة التي تتراوح كلفتها بين عشرة آلاف وثلاثين ألف دولار، و20٪ للمشاريع المتوسطة التي تتراوح كلفتها بين ثلاثين ألفًا ومئة ألف دولار، إضافة إلى تخصيص نسبة 10٪ للتدريب والإدارة والمتابعة لضمان استدامة هذه المشاريع.
وتُمنح هذه القروض دون فوائد ولمدة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات، مع اعتماد نظام نقاط يضمن توجيه الدعم إلى الفئات الأكثر استحقاقًا مثل الأرامل والأيتام وذوي الهمم والمتضررين من الحرب، مع إعطاء أولوية للمشاريع التي تخلق فرص عمل أكبر، ولا سيما في المناطق الريفية. كما يُكتفى بتقديم ضمانات اجتماعية من ثلاثة أفراد بدلًا من الضمانات العقارية المعقدة، مما يسهم في تسهيل الوصول إلى التمويل وتعزيز روح التكافل المجتمعي، إلى جانب تخصيص برامج تدريب وبناء قدرات ومتابعة مستمرة لضمان نجاح المشاريع واستدامتها.
ومن المتوقع أن يسهم هذا البرنامج في تمويل ما لا يقل عن 6800 مشروع من المشاريع الإنتاجية والخدمية والزراعية ومشاريع الثروة الحيوانية، وخلق ما لا يقل عن 37000 فرصة عمل مباشرة، فضلًا عن فرص العمل غير المباشرة، مما يعزز الإنتاج المحلي ويقلل الاعتماد على الاستيراد، ويوسّع القاعدة الضريبية للدولة، ويسهم في تحقيق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. كما أن سداد القروض سيتيح إعادة تدوير رأس المال لتمويل مشاريع جديدة، مما يضمن استدامة البرنامج على المدى الطويل.
إن تأسيس “الهيئة الوطنية للتمكين الاقتصادي” لا يمثل مجرد مبادرة اقتصادية، بل يجسد رؤية حضارية متكاملة تستلهم مقاصد الشريعة الإسلامية في تحقيق العدالة الاجتماعية وصون كرامة الإنسان. فالانتقال من فئة «لا يستطيعون ضربًا في الأرض» إلى فئة منتجة يعكس تحولًا استراتيجيًا يضع الإنسان في قلب عملية التنمية، ويؤكد أن إعادة بناء سوريا تبدأ بتمكين أبنائها اقتصاديًا. ومع توفر السيولة النقدية اليوم، لم يعد هناك ما يعيق تنفيذ هذه المبادرة، لتبقى “الهيئة الوطنية للتمكين الاقتصادي” مشروعًا برسم التفعيل بانتظار تبنّيه من قبل صُنّاع القرار، ليكون نقطة انطلاق نحو مستقبل أكثر ازدهارًا وعدالةً لسوريا وأبنائها.
تلفزيون سوريا
—————————
ين تطوير “السورية للتجارة” وخصخصتها.. لماذا يبقى ملف الدعم الاجتماعي بلا حسم؟/ محمد كساح
2026.04.15
يتجاوز التعاطي الحكومي مع مؤسسة “السورية للتجارة” حدود إعادة هيكلة ما تبقى من منظومة الدعم الاجتماعي، ليمتد إلى إعادة صياغة دور المؤسسة ووظيفتها الأساسية، فبعد أن أُعلن عن إلغائها عقب سقوط النظام المخلوع عاد ملفها لاحقاً إلى الواجهة مع توجهات نحو استثمار أصولها وعقاراتها، قبل أن تُتخذ خطوة جديدة تمثلت في تأجير أكثر من 500 صالة للقطاع الخاص ضمن خطة لإعادة الهيكلة.
هذا المسار المتدرج يطرح تساؤلات حول مستقبل المؤسسة، وما إذا كانت الحكومة تتجه إلى تطويرها كذراع للدعم الاجتماعي، أم تمضي نحو خصخصة جزئية غير معلنة، في ظل استمرار غياب صيغة واضحة وحاسمة لملف الدعم الاجتماعي.
خطة إصلاحية تعيد المؤسسة إلى الواجهة
وفي التفاصيل، أعلنت السورية للتجارة، مؤخراً عن تأجير أكثر من 500 صالة تابعة لها في مختلف المحافظات ضمن خطة إصلاحية تهدف إلى تحويل الخسائر إلى أرباح من خلال استثمار الأصول وتوحيد منافذ البيع.
وأوضح مدير عام المؤسسة، عامر قسوم، في تصريح لوكالة الانباء السورية “سانا” أن المؤسسة كانت تعاني من ديون تجاوزت 50 مليار ليرة سورية (بحسب العملة القديمة) نتيجة لاختلالات سابقة، ما استدعى إطلاق خطة شاملة لإعادة الهيكلة، تعتمد على إيقاف الأنشطة الخاسرة والتركيز على الاستثمار.
وأشار قسوم إلى أن المؤسسة تضم نحو 4500 موظف وتمتلك 1280 صالة وأكثر من 150 مستودعاً، إضافة إلى أسطول نقل لتوزيع المواد بالتعاون مع المؤسسة السورية للحبوب، موضحاً أن تأجير الصالات يهدف لتحقيق إيرادات مباشرة وتطوير باقي الصالات ضمن نموذج موحد.
وأضاف أن المؤسسة تعمل على إنشاء شبكة تضم 440 صالة بهوية ونظام بيع موحد، لتسهيل وصول المواطنين للسلع بأسعار تنافسية مع إمكانية التدخل لضبط السوق عند ارتفاع الأسعار.
وبيّن قسوم أن الصالات قسمت إلى فئتين، وأُعدَت دفاتر شروط فنية ومالية للمستثمرين، تشمل خطط تشغيلية وتجهيز الصالات ودراسات جدوى، مع تحديد مدة الاستثمار بـ 10 سنوات قابلة للتقييم.
وسبق أن أعلنت المؤسسة السورية للتجارة تحضيراتها لطرح المئات من العقارات والأصول التابعة لها في مختلف المحافظات للاستثمار، بعد توقف النشاط التجاري فيها، وحينها أعلنت المؤسسة أنها فتحت الباب أمام جميع المستثمرين، أفراداً وشركات، من داخل سوريا وخارجها، بشرط استيفاء الشروط القانونية، وتقديم الوثائق المطلوبة المنصوص عليها في دفاتر الشروط.
وأوضحت المؤسسة وقتها أن الشروط المالية حسب نوع العقار وموقعه وجاهزيته، في حين تتراوح مدة العقود بين سنة وخمس سنوات أو أكثر، بحسب دراسة الجدوى الخاصة بكل عقار.
قلب العلاقة بين الوسيلة والغاية
ويرى الباحث الاقتصادي في شركة “كرم شعار للاستشارات” ملهم جزماتي أنه يجب العودة للغاية التي تم من أجلها إنشاء “السورية للتجارة”، فهي ليست مؤسسة اجتماعية خالصة، لكنها أيضاً ليست في أصلها القانوني شركة استثمارية ربحية بحتة.
ويوضح جزماتي في حديثه لـموقع تلفزيون سوريا أن المرسوم التشريعي رقم 6 لعام 2017 الذي أحدثها عبر دمج ثلاث مؤسسات قديمة أعطاها صلاحيات تجارية واسعة وهي شراء وبيع السلع، العمل كوكيل، واستثمار الأصول، واعتبرها تاجراً في علاقتها مع الغير.
ويتابع الخبير لكن النص نفسه ربط هذه الأدوات صراحةً بأهداف التدخل الإيجابي، والتصريحات الرسمية المرافقة لصدور المرسوم قالت إن دورها هو توحيد الأسعار، تقليص الوسطاء، وضبط السوق وحماية المواطنين وتأمين احتياجاتهم، وهذا مهم جداً، لأنه يعني أن المنطق التجاري كان أداة، لا الغاية الأصلية للمؤسسة.
بناءً على ما سبق، يؤكد جزماتي أن ما يجري اليوم ليس مجرد إعادة هيكلة إدارية، بل إعادة تعريف لوظيفة المؤسسة نفسها، مضيفاً أنه عندما تعلن الحكومة خطة لتأجير نحو 500 صالة من أصل شبكة واسعة تضم قرابة 1280 صالة وأكثر من 150 مستودعاً، وتقول إن الهدف هو تحقيق إيرادات مباشرة، وتقدّم الخطة إعلامياً تحت عنوان الانتقال من صالات تقليدية إلى منصات استثمارية ورفع ربحية المؤسسة، فنحن لم نعد أمام مؤسسة تدخل في السوق لضبطه بقدر ما أصبحنا أمام مؤسسة تريد تعظيم العائد من أصولها.
ويتابع جزماتي بأنه إذا كانت “السورية للتجارة” قد أُنشئت قانونياً كمؤسسة تجارية لخدمة التدخل الإيجابي، فإن تحويلها اليوم إلى منصة استثمار وربحية يعني قلب العلاقة بين الوسيلة والغاية.
حسم الملف أفضل الحلول
ويلفت جزماتي إلى أن الاستثمار سابقاً كان وسيلة لدعم حضور المؤسسة في السوق، أما الآن فهناك خشية من أن يصبح السوق الاجتماعي مجرد غطاء لمشروع تعظيم الإيراد، وهذه ليست مسألة لغوية، بل مسألة معيار نجاح؛ هل سنقيس المؤسسة بقدرتها على خفض الأسعار وتأمين السلع؟ أم بعدد العقود الاستثمارية والعائد السنوي؟
يتابع جزماتي: هنا نفهم لماذا ما تزال سوريا تحتفظ بجزء من الإرث الاجتماعي للدولة القديمة رغم الحديث عن اقتصاد السوق الحر؛ ليس لأن الحكومة عادت إلى الاشتراكية، بل لأن الواقع المعيشي لا يسمح بانسحاب الدولة دفعة واحدة من ملف السلع الأساسية.
ويضيف بأن الخطاب الحكومي نفسه يتحدث عن اقتصاد حر تنافسي وشراكة مع القطاع الخاص، لكنه في الوقت نفسه يؤكد بقاء الدور الاجتماعي والتنظيمي للدولة، وأن التدخل في التسعير يستمر في السلع الاستراتيجية، ومع بقاء الحد الأدنى للإنفاق.
وتأسيساً على ما سبق، يرى جزماتي أنه يتوجب على الحكومة حسم الدور الأساسي لـ”السورية للتجارة” قبل أي شيء آخر، فإذا كانت تريدها مؤسسة تجارية استثمارية، فعليها أن تقول ذلك صراحة، وأن تتوقف عن تقديمها كأداة دعم اجتماعي، وأن تنقل ملف الحماية الاجتماعية إلى مؤسسات مختصة وشبكات دعم واضحة، أما إذا كانت تريدها ذراعاً للتدخل الإيجابي وحماية المستهلك، فعليها أن تعترف بأن الربحية هنا ليست المعيار الأول، وأن تضع لها التزامات خدمة عامة واضحة وتمويلاً صريحاً يعوّض كلفة هذا الدور.
لكن الأسوأ ـ برأي جزماتي ـ هو الإبقاء على الصيغة الهجينة الحالية؛ تحميل المؤسسة وظيفة اجتماعية، ثم محاسبتها بمنطق الربح، ثم تبرير التحول الاستثماري باسم التطوير.
تحول جذري في وظيفة المؤسسة
من جانبه يشير الباحث ومدير منصة “اقتصادي” يونس الكريم إلى أن الطرح الحالي الذي أعلنت عنه “السورية للتجارة” يُعدّ في جوهره عملية خصخصة لصالاتها، لافتًا إلى أن هذه الخطوة ليست جديدة، بل تعود إلى خطة سابقة كان النظام المخلوع قد طرحها عام 2008، ويجعل عملية الخصخصة أقرب لتحول إلى شركة تطوير عقاري .
ويضيف في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن هذا الطرح يقود إلى تحوّل جذري في وظيفة المؤسسة، إذ ينتقل دورها من جهة تدخّلية تهدف إلى خفض الأسعار في السوق وتحقيق توازن سلعي بما يسهم في التخفيف من حدّة الفقر، إلى كيان ربحي يركّز على تحقيق العوائد المالية كغاية بحد ذاتها، لا كوسيلة لخدمة أهداف اجتماعية واقتصادية أوسع.
ويؤكد الكريم أن المضي في هذا المسار يحمل تداعيات مباشرة على سوق العمل، إذ يُتوقع أن يفضي إلى تسريح شريحة واسعة من العاملين نتيجة لتلاشي الحاجة إلى أدوارهم مع التحول نحو نماذج تشغيل استثمارية.
ويحذّر الباحث الاقتصادي من اختلالات تنافسية محتملة في قطاع التجزئة، في ظل نقل إدارة الصالات التابعة لـ”السورية للتجارة” إلى شركات استثمارية كبرى، الأمر الذي يمنح هذه الشركات أفضلية قائمة على قوة العلامة التجارية والانتشار الجغرافي للمؤسسة، بما يفرض ضغوطاً متزايدة على المتاجر الخاصة، ويُسهم في إعادة تشكيل هيكل السوق على حساب الفاعلين الأصغر.
وينظر الكريم إلى “السورية للتجارة” ونظيراتها بوصفها أدوات مرنة للتدخل الحكومي في ضبط أسعار السلع، وتحقيق قدر من التوازن في السوق.
ويشير الكريم إلى أن طرح صالات المؤسسة للاستثمار الخاص من شأنه أن يُقوّض هذه المرونة، ويُضعف قدرة الدولة على التدخل المباشر لدعم الشرائح الأشد فقراً، ما يهدد بتفاقم أوضاعها المعيشية، ولا سيما في ظل غياب أطر نقابية أو حزبية فاعلة تتولى الدفاع عن هذه الفئات أو توفير شبكات أمان تحول دون انزلاقها إلى ما دون خط الفقر.
ويرى الكريم أن مقاربة الحكومة لملف الدعم الاجتماعي تتطلب مراجعة جذرية، إذ يجري تقييم أداء المؤسسات العامة وفق معايير الربحية والعائد المالي بمعزل عن وظائفها الاجتماعية.
ويختم الكريم حديثه بالقول إن هناك بدائل لمعالجة تراكم الديون، من بينها اعتماد صيغ خصخصة جزئية قائمة على الشراكة مع القطاع الخاص، بما يحقق كفاءة تشغيلية من دون التفريط بالدور الاجتماعي الحيوي لهذه المؤسسات، أو تقويض وظائفها التدخلية في السوق.
تلفزيون سوريا
—————————-
بعد منع الاستيراد.. أسعار الدراجات النارية تشعل أزمة معيشية في سوريا/ محمد موسى محمد ديب
2026.04.15
لم يكن قرار منع استيراد الدراجات النارية إجراءً تنظيمياً فحسب، بل أصبح عاملاً فعالاً في الضغط على حياة الأهالي، خصوصاً في المناطق التي يعتمد فيها الأهالي على الدراجات النارية بشكل كبير، باعتبارها، وسيلةً شبه وحيدة للتنقل والعمل.
ففي مدن مثل معرة النعمان جنوبي إدلب، الواقعة على الأوتوستراد الدولي، برزت انعكاسات القرار بشكل مباشر، مع ارتفاع ملحوظ في الأسعار وتراجع القدرة على الشراء، وسط حديث عن مضاربات في السوق واحتكار لبعض الكميات المتوفرة.
وبينما يرى البعض في القرار محاولة للحد من الازدحام، يؤكد عاملون في القطاع أنه ضيّق على شريحة واسعة من الأهالي، وفتح الباب أمام فوضى تسعيرية غير منضبطة.
هذا الواقع يطرح تساؤلات حول توازن القرار بين تنظيم السوق وحماية سبل العيش، خاصة في ظل غياب بدائل حقيقية أمام آلاف السوريين الذين يعتمدون على الدراجة النارية كوسيلة رزق يومي.
وفي نهاية كانون الأول الماضي أصدرت اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير القرار رقم /5/ لعام 2025، القاضي بمنع إدخال الدراجات النارية بجميع أنواعها واستخداماتها إلى الأراضي السورية، سواء كانت جديدة أم مستعملة، اعتباراً من 1 نيسان 2026.
الأسعار تقفز.. والسوق يدخل دائرة الاحتكار
يقول محمد بربش لموقع تلفزيون سوريا، مدير شركة لبيع الدراجات النارية في معرة النعمان، إنّ قرار وقف الاستيراد انعكس بشكل مباشر وسريع على السوق، مشيراً إلى أن الأسعار شهدت ارتفاعاً ملحوظاً خلال فترة قصيرة، نتيجة قلة المعروض ودخول بعض التجار في حالة مضاربة على الكميات المتوفرة.
ويضيف أن القرار رغم طابعه التنظيمي، “أضرّ باليد العاملة والتجار على حد سواء”، موضحاً أن شريحة واسعة من الأهالي تعتمد على الدراجات النارية كوسيلة أساسية للعمل والتنقّل، في ظل عدم القدرة على تحمّل كلفة السيارات.
ويؤكد أن أسعار الدراجات، التي كانت تتراوح سابقاً بين 400 و700 دولار، تجاوزت اليوم حاجز الألف دولار بحسب النوع، ما جعل اقتنائها أكثر صعوبة بالنسبة للكثيرين.
كما يشير بربش إلى أن استمرار القرار قد يهدد عمل أصحاب المكاتب في هذا القطاع، في حال نفاد الكميات المتوفرة، مطالباً الجهات المعنية بإعادة النظر فيه، إلى جانب معالجة إشكاليات أخرى مرتبطة بترخيص الدراجات، مثل اشتراط شهادة المنشأ، والتي لا تتوفر في بعض الحالات رغم وجود فواتير نظامية.
من ناحيته يروى حمزة الموسى، وهو شيف يعمل في أحد مطاعم ريف معرة النعمان لموقع تلفزيون سوريا، أن الدراجة النارية لم تكن يوماً خياراً ثانوياً بالنسبة له، بل الوسيلة الوحيدة التي يعتمد عليها للوصول إلى عمله والتنقل بين القرى، في ظل غياب وسائل نقل منتظمة وارتفاع تكاليف البدائل الأخرى.
ويقول إن القرار الأخير بمنع استيراد الدراجات النارية انعكس بشكل مباشر على حياته وحياة كثيرين مثله، موضحاً أن الأسعار ارتفعت بشكل مفاجئ، ما جعل شراء دراجة جديدة أو حتى استبدال القديمة أمراً صعباً.
ويضيف أن هذا الواقع وضع عبئاً إضافياً على الأهالي، خاصة في مناطق مثل ريف المعرة الشرقي، حيث عاد كثيرون إلى قراهم دون منازل جاهزة أو بنية تحتية، ودون مصادر دخل مستقرة.
ويشير الموسى إلى أن الاعتماد على الدراجات النارية في هذه المناطق لا يقتصر على العمل فقط، بل يشمل تأمين الاحتياجات اليومية والتنقل بين القرى، ما يجعل أي ارتفاع في أسعارها أو نقص في توفرها ينعكس مباشرة على تفاصيل الحياة اليومية.
ويرى أن استمرار هذا الوضع قد يزيد من معاناة العائدين، في وقت هم بأمسّ الحاجة فيه إلى تسهيلات لا إلى أعباء جديدة.
بين التنظيم والواقع.. قرار يحمل وجهين
في الوقت الذي تبدو أهداف القرار تنظيمية في ظاهرها، تكشف تداعياته في السوق عن واقع أكثر تعقيداً، حيث تتقاطع مساعي الحد من الفوضى المرورية مع ضغوط معيشية متزايدة يواجهها المواطنون.
وفي هذا السياق يرى عمر عبد الكريم حرحش، صاحب مكتب لبيع الدراجات النارية في معرة النعمان، أن قرار منع الاستيراد لا يمكن النظر إليه من زاوية واحدة، موضحاً أنه قد يحمل جانباً تنظيمياً يهدف إلى الحد من الازدحام المتزايد في المدن.
لكنه في الوقت ذاته يشير حرحش في حديثه لموقع تلفزيون سوريا إلى أن انعكاساته على السوق جاءت سلبية بالنسبة لشريحة واسعة من الأهالي، خاصة مع ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ نتيجة قلة المعروض، مضيفاً أن المشكلة لم تتوقف عند حدود القرار نفسه، بل امتدت إلى حالة من المضاربة والاحتكار لدى بعض التجار الذين استغلوا الكميات المخزنة لرفع الأسعار بشكل كبير، ما ضاعف الأعباء على المواطنين.
ويؤكد حرحش أن ضبط السوق بات ضرورة ملحّة، من خلال رقابة أكبر على الأسعار ومنع الاحتكار، مشدداً على أن أي قرار تنظيمي يجب أن يراعي الواقع المعيشي للأهالي، خاصة في مناطق تعتمد بشكل كبير على الدراجات النارية كوسيلة أساسية للحياة اليومية.
الصيانة.. كلفة تتضاعف
وفي سياق متصل يقول عمر العمر، وهو شاب من بلدة معرشمشة في ريف المعرة الشرقي لموقع تلفزيون سوريا إن تأثير قرار منع الاستيراد لم يقتصر على أسعار الدراجات نفسها، بل امتد بشكل واضح إلى قطع الغيار وكلفة الصيانة، حيث شهدت الأسعار ارتفاعاً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة.
ويضيف العمر أن إصلاح الأعطال البسيطة بات يشكّل عبئاً مالياً، ما يدفع البعض إلى تأجيل الصيانة رغم الحاجة إليها، وهو ما قد يعرّضهم لمخاطر إضافية أثناء التنقل.
إحدى ورش تصليح الدراجات النارية في ريف إدلب – تلفزيون سوريا
ويشير العمر إلى أن الاعتماد على الدراجة في المناطق الريفية، مثل معرشمشة، يبقى ضرورة يومية، سواء للوصول إلى العمل أو لتأمين الاحتياجات الأساسية، ما يجعل أي ارتفاع في كلفة تشغيلها ينعكس مباشرة على قدرة الأهالي على الاستمرار في حياتهم الطبيعية.
وينوه العمر إلى أن استمرار هذا الواقع قد يزيد من الضغوط على الشباب تحديداً، الذين يجدون أنفسهم أمام خيارات محدودة في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع كلفة المعيشة.
وبين قرارٍ يسعى لتنظيم السوق، وواقعٍ معيشي يزداد تعقيداً، تبقى الدراجات النارية في ريف إدلب الجنوبي أكثر من مجرد وسيلة نقل، بل شرياناً يومياً لحياة آلاف الأهالي، ومع غياب بدائل حقيقية، يتحول أي خلل في هذا القطاع إلى عبء مباشر على العمل والتنقل وحتى القدرة على الاستقرار.
وفي ظل تصاعد الأسعار واتساع فجوة القدرة الشرائية، يبرز التحدي في إيجاد توازن بين ضبط السوق ومنع الفوضى من جهة، وحماية سبل العيش من جهة أخرى، خاصة في مناطق لا تزال تعيش آثار الحرب وتفتقر إلى بنية اقتصادية مستقرة.
تلفزيون سوريا
———————————–
قناة مصرفية مشتركة… مكاسب متساوية أم أفضلية تركية؟/ حلب – عمار محمد الدروبي
الأربعاء 2026/04/15
بعد سنوات من التعقيدات والتحويلات غير المباشرة، تقترب سوريا وتركيا من فتح قناة مصرفية مباشرة، في خطوة قد تغيّر قواعد التبادل المالي بين البلدين. لكن خلف هذا التطور، يبرز سؤال أساسي: هل هي شراكة متوازنة أم مكسب يميل لمصلحة الطرف الأقوى اقتصادياً؟
ويؤشر هذا التوجه، وفق ما أعلنه حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية في وقت سابق، إلى بلوغ الاتفاق مراحله النهائية، وهذا ما يعكس تسارع التنسيق بين المؤسسات المالية في دمشق وأنقرة، وسعي الطرفين إلى تجاوز العوائق التقليدية في التحويلات المالية عبر الحدود.
ولا يقتصر التعاون المرتقب على تسهيل المدفوعات، بل يمتد ليشمل تطوير أنظمة دفع متكاملة واعتماد تسويات مالية أكثر تنظيماً، وهو ما قد يسهم في تقليل الاعتماد على الوسطاء وخفض تكاليف العمليات التجارية، بما يعزز بيئة الأعمال ويشجع التبادل التجاري المباشر.
كما يعكس هذا التطور محاولة مشتركة لتعزيز الاستقرار الاقتصادي، وتهيئة بيئة أكثر استقراراً للتجارة والاستثمار، في ظل مرحلة ما بعد الحرب التي دخلت عامها الخامس عشر، وما تفرضه من تحديات على صعيد إعادة بناء البنية التحتية وتنشيط الاقتصاد.
ما هي القناة المصرفية؟
وفق خبراء الاقتصاد، تبدو القناة المصرفية المشتركة آليةً رسميةً تربط الأنظمة البنكية في بلدين، بما يتيح تنفيذ التحويلات المالية بينهما بشكل مباشر دون الحاجة إلى وسطاء خارجيين، حيث تعتمد هذه القناة على تنسيق بين المصارف المركزية لتسهيل المدفوعات وتسوية الحسابات التجارية بسرعة وكلفة أقل.
كما تتيح القناة استخدام العملات المحلية في التبادل، عبر اتفاقيات مبادلة عملات، بدلاً من الاعتماد الكامل على الدولار أو اليورو، وتساهم في تقليل المخاطر المرتبطة بالتأخير أو القيود المفروضة على التحويلات عبر أطراف ثالثة.
نجاح مشروط
رأى المحلل الاقتصادي عبد السلام العمر أن القناة المصرفية المزمع إنشاؤها بين سوريا وتركيا تمثل خطوة تقنية مهمة لتجاوز تعقيدات التحويلات المالية، لكنها لا تعني بالضرورة انتقالاً فعلياً لتداول العملتين داخل الأسواق المحلية في البلدين.
وقال العمر في حديث لـِ “المدن”، إن استخدام الليرة التركية والليرة السورية سيبقى محصوراً في إطار التسويات التجارية بين البنوك والشركات، وهو ما يسهم في تخفيف الضغط على الدولار وخفض تكاليف الاستيراد، خاصة بالنسبة للتجار السوريين.
وأشار العمر إلى أن نجاح هذه الآلية مرهون بعدة عوامل، أبرزها استقرار سعر الصرف، وتوافر الثقة بين المؤسسات المالية، إضافة إلى قدرة مصرف سوريا المركزي والبنك المركزي التركي على بناء نظام تسويات فعال وآمن.
وأكد أن القناة المصرفية قد تعطي دفعة للتبادل التجاري، لكنها لن تكون بديلاً كاملاً عن العملات الأجنبية في المرحلة الحالية، بل أداة مكمّلة لتسهيل العمليات وتقليل المخاطر.
ميزان المكاسب
ويثير التوجه نحو القناة تساؤلات لدى الأوساط الاقتصادية حول ميزان المكاسب بين الطرفين، في ظل تفاوت واضح في قوة القطاع المصرفي والبنية المالية، ما يدفع بعض الخبراء إلى ترجيح استفادة أكبر للجانب التركي على المدى القريب.
ورأى الخبير المالي والمصرفي فراس شعبو أن القناة سوف تسهل عملية التبادل التجاري بين البلدين من خلال البنكين المركزيين، عبر عمليات المراسلة المالية وتسهيل عمليات الاستيراد والتصدير، مرجحاً أن تكون كفة الاستفادة راجحة لصالح الطرف التركي، بسبب قوة البنوك التركية مقارنة بالسورية في المدى المنظور.
وقال شعبو لـِ “المدن”، إن الاتفاقية سوف تساهم في تسريع العمليات المالية بين البلدين وتخفيف اللجوء إلى السوق السوداء، “فيما تنامى حجم التبادلات التجارية بين دمشق وأنقرة إلى أكثر من مليارين ونصف دولار خلال العام، بعدما كان نحو مليار خلال السنوات السابقة”.
واستبعد شعبو أن تساهم القناة، في حال بدء العمل بها، في تحسين سعر صرف الليرة السورية أمام العملات الأجنبية، مؤكداً أن مشكلة الليرة وانخفاض قيمتها هي مشكلة هيكلية مرتبطة بالداخل السوري، والناتج المحلي الإجمالي، وتوقف الأعمال بشكل أو بآخر.
في المحصلة، قد تفتح القناة المصرفية باباً لتسهيل التبادل التجاري بين سوريا وتركيا، لكنها في الوقت نفسه تعكس واقعاً غير متكافئ بين اقتصادين مختلفين في القوة والاستقرار. وبينما تبدو الفوائد مشتركة في الشكل، يبقى تحديد الرابح الفعلي مرهوناً بقدرة كل طرف على توظيف هذه الأداة لمصلحته.
المدن
———————-
الكسب غير المشروع تستلم أصول الجراح والقطان والأخير يتحدث عن تفاصيل التسوية
2026.04.15
أعلنت لجنة مكافحة الكسب غير المشروع في سوريا استكمال إجراءات استلام الأصول العائدة لرجل الأعمال نعيم الجراح ووسيم قطان وأخوته، قبل أن يؤكد الأخير أن ما جرى تمّ بالاتفاق والتفاهم، وليس إجراءً مفاجئاً كما تم تداوله.
وقالت اللجنة لوكالة الأنباء السورية (سانا)، اليوم الأربعاء، إن ذلك يأتي ضمن طلبات الإفصاح الطوعي المقدّمة إلى اللجنة، والتي جرت دراستها، وتحديد الأصول والنسب والأموال الواجب استردادها وفق التسويات المالية المبرمة.
وأوضحت أن استلام هذه الأصول يأتي في إطار تنفيذ التسويات التي تنص على نقل الملكية الكاملة إلى الدولة السورية، وتسليم إدارتها إلى الجهات الحكومية المختصة، بما يضمن استمرار عملها واستقرارها.
وأضافت أنها تواصل اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بالتنسيق مع الجهات المعنية، بما في ذلك التحفّظ على الأموال والأصول المنقولة وغير المنقولة، وتقييد أي حركة مالية مرتبطة بقطان والجراح، ضمن الأطر القانونية التي تحمي حقوق الدولة وتمنع تهريب الأصول.
كيف علّق قطان على الأمر؟
وفي تعليقه على ما تم تداوله، قال رجل الأعمال وسيم قطان، بمنشور على حسابه الشخصي بموقع “فيسبوك”، إن ما جرى بخصوص استلام الأصول العائدة له، ومنها مول المالكي ومول قاسيون، تمّ بالاتفاق والتفاهم مع لجنة الكسب غير المشروع.
ونفى رجل الأعمال أن يكون الإجراء مفاجئاً كما يتم تداوله في بعض الصفحات، ولا سيما تلك التي تتناول الموضوع بأسلوب سلبي أو تحريضي، وفقاً لما ذكر.
وأوضح قطان أنه بادر بتقديم طلب طوعي إلى اللجنة، حيث خضع الملف لدراسة دقيقة، وأثيرت خلاله مجموعة من الملاحظات والاستفسارات التي جرى التعامل معها وتوضيحها بشفافية.
وأشار إلى أن ذلك أفضى إلى التوصل إلى اتفاق يقضي بتسليم إدارة المولات، وذلك بعد استلام مول يلبغا من قبل وزارة الأوقاف، إلى حين استكمال إجراءات التسوية.
ودعا قطان وسائل الإعلام والصفحات إلى تحري الدقة، وعدم التحدث باسمه أو باسم اللجنة بهدف تحقيق التفاعل أو كسب المتابعة.
كما أعرب عن أمله في أن تتم عملية التسوية بطريقة أكثر فاعلية، بما يحقق المنفعة العامة، من خلال الاستفادة من الخبرات والكفاءات التجارية والصناعية لأصحاب المشاريع أنفسهم، الذين أسهموا في نجاحها واستمراريتها، معتبراً أن الأمانة وحدها لا تكفي لإدارة مشاريع بهذا الحجم، بل يجب أن تقترن بالخبرة والتجربة لضمان حسن الإدارة واستدامة النجاح.
وسيم القطان
اللجنة توضح المعلومات المتداولة
بدورها، أكدت اللجنة أن ما يُتداول عبر بعض وسائل الإعلام أو منصات التواصل الاجتماعي من معلومات جزئية أو غير دقيقة لا يعكس حقيقة الإجراءات، مشيرة إلى أن جميع الملفات تخضع لتحقيقات مالية وقانونية معمّقة، وأن القرارات المتخذة تستند إلى أدلة واضحة ومعايير محددة، وليس إلى الشائعات.
كما شددت على أن مهامها لا تقتصر على استرداد الأموال فقط، بل تشمل أيضاً ضمان استمرارية عمل المؤسسات والمعامل والأصول المستعادة، وحماية حقوق العاملين فيها، وذلك استناداً إلى القرار الرئاسي رقم /13/ لعام 2025.
الاستثمار المستقبلي والشفافية
وأشارت اللجنة إلى أن أي استثمار مستقبلي لهذه الأصول سيكون وفق القوانين السورية وبأعلى درجات الشفافية، مع ضمان حقوق العاملين واستقرارهم الوظيفي.
واختتمت اللجنة بالتأكيد على التزامها بعدم التفريط بأي حق من حقوق الدولة، ومواصلة العمل على استرداد الأموال والأصول الناتجة عن الكسب غير المشروع.
وكان رئيس لجنة مكافحة الكسب غير المشروع في سوريا، باسل السويدان، قد أكد في تصريح له الشهر الفائت استمرار جهود اللجنة لملاحقة الأموال المنهوبة من النظام المخلوع وحماية الأصول الاقتصادية المستردة لصالح الدولة، مشيراً إلى أن الهدف هو الحفاظ على المال العام واستثماره في التنمية الاقتصادية.
ماذا نعرف عن وسيم قطان ونعيم الجراح؟
يُعرف وسيم قطان بأنه رجل أعمال لعب دوراً بارزاً في دعم اقتصاد النظام المخلوع، وكان واجهة لعدد من الأنشطة الاقتصادية المرتبطة به. ويملك قطان شركات ومشروعات عدة، من بينها شركة “لاروسا للمفروشات” و”أفران هوت بيكري”، إضافة إلى استثمارات في مجمع يلبغا ومول قاسيون، كما شغل سابقاً منصب رئيس غرفة تجارة ريف دمشق ورئيس مجلس الأعمال السوري العُماني. وهو خاضع لعقوبات أميركية، فقد وصفته وزارة الخزانة الأميركية بأنه “رجل أعمال فاسد، ومتواطئ في دعم نظام الأسد”.
أما نعيم الجراح، فهو رجل أعمال سوري فلسطيني، وبحسب المعلومات المتداولة يملك مجمع “أب تاون” الشهير والقرية الشامية التي صُوّرت فيها مشاهد من مسلسل “باب الحارة”.
كما شغل مناصب إدارية عدة، منها رئيس مجلس إدارة شركة خطوط كنده الجوية في سوريا، ومدير عام وشريك مؤسس في شركات للتطوير والاستثمار العقاري، من بينها شركة جراح وشامي وأشقر، إضافة إلى شركة الرضا.
تلفزيون سوريا
————————-
=====================
تحديث 14 نيسان 2026
——————————–
فائض صغير ووعد كبير… كيف تبنى سردية التعافي في موازنة سورية؟/ مرشد النايف
14 ابريل 2026
تتكرر في الخطاب الرسمي ملامح نمط خطابي يكاد يستقرّ قاعدةً: أرقام تُعلن بوصفها حقائق مكتفية بذاتها، منفصلة عن سياقاتها، كأنها تقول كل شيء بينما تُخفي الأهم. وبيان وزارة المالية السورية أخيراً الأداء المالي للموازنة العامة للدولة لعام 2025 – الذي نشره الوزير يسر برنية عبر صفحته على فيسبوك.
جاء البيان “تأكيداً لنهج الشفافية في نشر البيانات المالية”، وكشف، على سبيل المثال، أن “الرسوم الجمركية ساهمت بنسبة 39% من إجمالي الإيرادات العامة خلال العام الماضي”، لكن البيان لم يذكر، وهو مختصر بطبيعته، نسبة مساهمة الرسوم والضرائب غير الجمركية التي بلغت 31% من إجمالي الإيرادات، وهي متاحة في البيانات التوضيحية المرفقة.
المشكلة هنا ليست في الحجب بقدر ما هي في أن المواطن العادي لن يبحث عنها، ما يعني أن الصورة الذهنية التي تترسخ في الرأي العام هي صورة ناقصة: ضرائب الجمارك فقط (39%)، في حين أن جمع النسبة مع إيرادات الرسوم والضرائب غير الجمركية البالغة 31% يوسّع عدسة الرؤية: فالمجموع هنا 70% من إيرادات الدولة جاءت من الرسوم والضرائب، لا من الإنتاجية. وهذا يعني أن سبعة أعشار كل دخل الدولة يأتي من جيوب المواطنين عبر الضرائب والرسوم، وليس من عائد الإنتاج أو الثروة الوطنية.
هنا لا يعود السؤال: هل الوزارة أخفت المعلومات؟ بل: لماذا لا توجد آلية في البيانات الرسمية تساهم في تنمية الجمهور معرفياً، من خلال نقل هذه التفاصيل إلى المواطن العادي بلغة مفهومة؟ وهل الشفافية الحقيقية تكتمل بالنشر فقط، أم تحتاج إلى تفسير وتوصيل نشط؟
وما تطرحه هذه المقالة يهدف إلى لفت انتباه الحكومة (وبيان المالية نموذجاً) إلى أنها شريك في زرع التنمية من خلال طرح بياناتها في سياق فهم واضح، ليطرحها الإعلام، الشريك الثاني، للنقاش في الفضاء العام بعد تعبئتها في أطر تفسيرية أعمق. هو ائتلاف بين توضيحات حكومية وصحافة “الأخبار الجادة- الصعبة”.
كيف تُدار الأرقام خطابياً؟
إذا كان بيان وزارة المالية يعلن التزامه بالشفافية، وهو أمر جدير بالتنويه والثناء، فإن قراءته عن قرب تكشف أن الشفافية طبقات أيضاً، وتحتاج إلى تفسير وعدسة مكبّرة كما سبق ذكره. في هذا المستوى، لا يعود السؤال فقط: ماذا قالت الوزارة في بيانها؟ إنما: كيف نقرأ ما أعلنته؟ ومن هذا المنطلق، لا تبدو الأرقام سوى مدخل لتحليل أعمق، يوفره لنا منهج تحليل الخطاب النصي الذي صاغه عالم اللسانيات البريطاني نورمان فيركلاف. وسنعتمد في هذا التقرير على ثلاث آليات مركزية مستلهمة من منهجه: الأولى، تتبع الإنجاز الحسابي (الرقمي) بوصفه أداة لبناء سردية التحول؛ الثانية، تفكيك التضخيم المستقبلي بصفته وعداً مؤجلاً يُستخدم لتأجيل المساءلة في الحاضر؛ الثالثة، كشف الطمأنة الاجتماعية بوصفها لغة مهدئة تملأ الفراغ التفسيري دون تقديم التزامات قابلة للقياس. هذه الآليات الثلاث ستشكل الهيكل التحليلي الرئيسي للتقرير.
أولاً: الإنجاز الحسابي
في قلب البيان، يقف رقم واحد بوصفه بطل السردية: فائض بقيمة 46 مليون دولار، هو الأول منذ 36 عاماً. هذا الرقم، على صغره، يُحمّل دلالة تفوق حجمه بكثير، لأنه لا يُقدَّم قيمةً اقتصاديةً، بل علامة زمنية: نهاية حقبة وبداية أخرى. وهنا تعمل أداة “الإنجاز الرقمي” بأوضح صورها. فبدلاً من تقييم الفائض بحجمه أو أثره، يُضخَّم عبر ربطه بزمن طويل من العجز.
يتحول الرقم إلى إعلان رمزي عن “التحوّل”، حتى لو لم يترافق مع تحول ملموس في حياة الناس. ويمكن فهم هذا التضخيم الخطابي، جزئياً، في سياق حاجة الوزارة الملحة إلى بناء رواية تعافٍ أولية، سواء لجذب التمويل الدولي أو لترسيخ فكرة أن هناك انفصالاً عن مرحلة العجز المزمن. لكن هذا لا يلغي أن المواطن يبقى بحاجة إلى ترجمة هذا الفائض إلى خدمة فعلية أو تحسن في قدرته الشرائية، وإلا ظل الرقم مجرد علامة في وثيقة، لا أثراً في الواقع.
ويتعزّز هذا التأطير عبر ربط الفائض بمفاهيم مثل “الإدارة الرشيدة” و”مكافحة الفساد”، ما يمنحه بعداً أخلاقياً، لا مالياً فقط. وبذلك، يُعاد تعريف النجاح: ليس بما يتحقق اجتماعياً، بل بما يمكن تأطيره إنجازاً تاريخياً. لكن ما يغيب هنا هو السياق: كيف تحقق هذا الفائض؟ هل هو نتيجة نمو إنتاجي، أم نتيجة زيادة في الجباية وضبط الإنفاق؟ مرة أخرى، يُعزل الرقم عن شروط إنتاجه، ليُعاد تقديمه دليلاً مكتملاً. وبهذا، لا يصبح الرقم مجرد مؤشر، إنما أداة لإعادة كتابة السردية العامة: من اقتصاد عاجز إلى اقتصاد يتعافى. وهي قفزة رمزية، أكثر منها واقعية، لكنها فعّالة خطابياً.
استخدم البيان الرقم لتشييد سردية انتقال من العجز إلى التعافي، على الرغم من أن تلك “العقود” لم تكن زمناً اقتصادياً طبيعياً قابلاً للمقارنة، إنما حقبة حكم اتسمت بأولويات مختلفة تماماً، لم تكن التنمية الاقتصادية أو الشفافية المالية في صدارتها، بل القتل تحت التعذيب والمزيد من “صروح” الصيدنايات، وهو ما يجعل المقارنة المباشرة معها منفّرة.
ثانياً: هناك ويوماً ما
لا يتوقف الخطاب عند الاحتفاء بلحظة الحاضر، بل ينتقل سريعاً إلى المستقبل عبر الإعلان عن قفزة إنفاقية كبيرة في موازنة 2027، فـ”الإنفاق مرشّح لزيادة أكبر في موازنة عام 2027، وتحديداً لتمويل المشاريع التنموية وإعادة الإعمار وبرامج مكافحة الفقر”. هنا تظهر بوضوح أداة “هناك ويوماً ما” (حللّها يوماً بعمق الرئيس التشيكي السابق فاتسلاف هافل)، التي لا تعمل فقط على مستوى الأرقام، إنما على مستوى الزمن نفسه. فبدلاً من مساءلة الحاضر بما فيه من تراجع في القدرة الشرائية وضعف في الخدمات، يُعاد توجيه الانتباه نحو مستقبل يُقدَّم بوصفه مختلفاً جذرياً. فبدلاً من التوقف عند محدودية الفائض أو طبيعة الإيرادات، يُدفع القارئ إلى التفكير في “القفزة المقبلة”. الرقم الكبير لا يُقارن بالحاضر، بل يُستخدم لتجاوزه.
تضخيم حجم الموازنة العام المقبل لا يُقرأ فقط مؤشراً اقتصادياً، بل أداة لإنتاج أفق نفسي جديد، يُخفف من ضغط الواقع عبر استدعاء وعدٍ كثيف بإعادة الإعمار والتنمية. وهنا كل نقص راهن يصبح قابلاً للتفسير بوصفه مرحلة انتقالية، وكل اختلال يمكن احتواؤه ضمن “القفزة الكبرى” المنتظرة. ولكن هذا الاستخدام للزمن، رغم مشروعيته الجزئية في سياقات ما بعد النزاع، يبقى ناقصاً ما لم يُرفق بآليات تنفيذ واضحة ومؤشرات قابلة للقياس، وإلا تحوّل المستقبل إلى مساحة خطابية مفتوحة، تُدار فيها التوقعات أكثر مما تُدار فيها السياسات.
ثالثاً: الطمأنة الاجتماعية
إلى جانب الأرقام والوعود بارتفاع الإنفاق العام في “موازنة عام 2026، إلى حوالي 10.5 مليارات دولار، أي نحو أكثر من ثلاث مرّات من الإنفاق العام في 2025″، يحرص البيان على إدخال لغة اجتماعية تؤكد “الإنفاق الاجتماعي” و”مكافحة الفقر” و”خدمة المواطن”. هذه اللغة لا تقدّم تفاصيل أو نسباً دقيقة، لكنها تؤدي وظيفة أساسية: تهدئة القلق في الشارع السوري. وهنا تظهر تقنية “الطمأنة الاجتماعية” التي تعتمد على استخدام مفردات واسعة ومقبولة، من دون ربطها بمؤشرات قابلة للقياس. فالمتلقي يسمع ما يطمئنه من دون أن يمتلك أدوات للتحقق. لا يُقال كم سيُخصّص للفقراء، أو كيف ستُقاس النتائج، بل يُترك ذلك ضمن إطار عام.
توازن هذه الأداة بين صرامة الأرقام ومرونة اللغة. فحيث قد تثير الأرقام أسئلة، تأتي الطمأنة لتخفيف حدتها. وهي تعمل بشكل خاص في سياقات هشّة، حيث يكون الحفاظ على الحد الأدنى من الثقة أمراً ضرورياً. وفي غياب التحديد، تتحول الطمأنة إلى ما يشبه “الوعد المفتوح” الذي تصعب مساءلته. فهي لا تُقدّم التزاماً بقدر ما تُقدّم انطباعاً، ولا تبني سياسة بقدر ما تبني شعوراً. وهذا ما يظهر بوضوح في فقرة البيان التي تقدر إيرادات عام 2026 بنحو 8,7 مليارات دولار، منها 28% من النفط والغاز. فالتقديرات من دون أسس واضحة (سعر البرميل، حجم الإنتاج) تبقى في فضاء “الوعود المفتوحة” نفسها. ثم تعد الوزارة بنشر “تفاصيل تهم المواطن” لاحقاً.
من أين تأتي الأموال؟
يفتح هذا الأفق المستقبلي سؤالاً حاسماً بشأن مصادر التمويل. فالإيرادات المتوقعة لعام 2026، والبالغة 8,7 مليارات دولار، تعتمد على إدراج موارد النفط والغاز، إلى جانب استمرار الدور الكبير للرسوم الجمركية والضرائب (70% من إيرادات العام الماضي). هنا تظهر بنية مزدوجة: من جهة، عودة إلى نمط الاقتصاد الريعي القائم على الموارد الطبيعية، ومن جهة أخرى، اعتماد متزايد على الضرائب غير المباشرة.
تشكل الرسوم الجمركية نموذجاً لما يمكن تسميته “الجباية الصامتة”، حيث لا يتحمّل التاجر الرسوم الجمركية، بل ينقلها بالكامل إلى المستهلك النهائي. فالمواطن هنا هو “الممول الحقيقي”، لكنه يظهر في الصورة “مشترياً” فقط، وليس بصفته دافعاً مباشراً للضرائب. وفي المقابل، يُعاد تقديم هذه الإيرادات ضمن خطاب عن “تحسّن النشاط الاقتصادي” و”ضبط الفساد”، من دون إبراز كافٍ لكلفة هذا التحسن على المستوى المعيشي. هل نظلم الوزارة في كل ما سبق؟ هل نحمّلها فوق طاقتها؟ أم نحاول تفعيل دور الصحافة قوة مساءلة وعدسة تفسير؟
التوظيف: حماية أم إنتاج؟
يشكّل بند الأجور والرواتب، الذي يستحوذ على نحو 41% من إجمالي الإنفاق العام خلال عام 2025 البالغ نحو 379.2 مليار ليرة سورية جديدة، أي ما يعادل نحو 3.4 مليارات دولار، بزيادة 45.7% عن 2024. إذاً، يشكّل هذا البند أحد أبرز مفاصل هذه الموازنة. من حيث المبدأ، لا يمكن التقليل من أهمية هذا الدور، فالتوظيف العام في دولة خارجة من أزمة عميقة جداً يشكّل شبكة أمان ضرورية، ويحدّ من انزلاق مزيد من السكان نحو الفقر (وفي حالتنا السورية ينتشلهم من فكّ انعدام الأمن الغذائي) ويحافظ على حدّ أدنى من الاستقرار الاجتماعي. بهذا المعنى، يبدو التوسّع في التوظيف خياراً مفهوماً، بل ومطلوباً في مراحله الأولى، ولا يعني ذلك شيكاً على بياض. ولكن القيمة الحقيقية لهذا الخيار لا تُقاس بعدد الوظائف، بل بطبيعتها ووظيفتها الاقتصادية. فحين ينفصل التوظيف عن الإنتاجية، ويتحوّل من أداة لإنتاج القيمة إلى وسيلة لإدارة العلاقة مع المجتمع، يفقد جزءاً كبيراً من جدواه التنموية. هنا لا تعود الوظيفة العامة مدخلاً للتمكين الاقتصادي، بل تتحول تدريجياً إلى آلية احتواء، تُمنح فيها الرواتب بوصفها “تنفيعة” لا ثمناً لعمل منتج. وفي هذه الحالة، يقترب التوظيف من منطق “المكافأة”، حتى وإن لم يُقدَّم بهذه الصيغة.
نماذج مقارنة
في التجارب المقارنة لدول خارجة من النزاع، لا يظهر التوظيف العام بوصفه سياسة اقتصادية فقط، بل أداة لإدارة التوازنات الاجتماعية والسياسية. ففي العراق بعد 2003، أتاحت الوفرة النفطية للدولة توسيع الموازنات بشكل كبير، وتضخيم بند الرواتب والتوظيف العام. غير أن هذا التوسع، رغم أهميته في تحقيق استقرار نسبي قصير الأمد، لم يُقرن بإصلاحات إنتاجية، ما أدى إلى ترسيخ نمط ريعي يعتمد على توزيع الموارد بدلاً من توليدها. وكشفت المؤشرات المالية عمق الأزمة: بلغ متوسط الإنفاق الحكومي نسبة من الناتج المحلي في العراق بين عامي 2005 و2012 حوالي 52%، وهو من أعلى المعدلات في المنطقة، في حين بلغت فاتورة الرواتب العامة وحدها متوسّط 31% من إجمالي الإنفاق، أو 18% من الناتج المحلي. والأكثر دلالة أن عدد موظفي القطاع العام قفز من 1,2 مليون عام 2003 إلى أكثر من ثلاثة ملايين عام 2015، ما جعل فاتورة الرواتب “أكبر بند إنفاق من الخزينة العامة”. هذا النمو غير المستدام، كما توثق المصادر، “يشكل عبئاً على الاستقرار المالي طويل الأمد”، وأجبر الحكومة لاحقاً على تجميد جزئي للتعيينات عام 2016 (باستثناء قطاعي الصحة والأمن)، ما يثبت أن النموذج الريعي/ التوزيعي يصل حتماً إلى حدود حرجة جداً. وبالفعل، انخفض إجمالي موظفي القطاع العام نتيجة لذلك من 3,03 ملايين في 2015 إلى 2,89 مليون في 2018.
وفي تجربة رواندا بعد الإبادة الجماعية عام 1994، يمكن رصد مسار مغاير تماماً. فبينما تضخم التوظيف في البداية في ردة فعل طبيعية للحاجة إلى إعادة بناء الدولة المنهارة، سرعان ما أدركت الحكومة أن هذا التوسع يلتهم الإيرادات المحدودة ويفتقر إلى الكفاءة. وبين عامي 1998 و2009، قادت رواندا واحدة من أجرأ عمليات إعادة هيكلة الخدمة المدنية في العالم: تم تخفيض عدد الموظفين في الوزارات المركزية بنسبة 90%، مع مضاعفة رواتب من بقوا ثلاث مرات، ورافقت ذلك لامركزية تقديم الخدمات الأساسية في القطاعات المختلفة بعد أن كانت مركّزة في العاصمة كيغالي. وعلى عكس النموذج العراقي القائم على “توزيع الريع”، سعت رواندا إلى بناء جهاز إداري أصغر حجماً وأعلى كفاءة، مدعوماً بلجنة خدمة عامة مستقلة تعتمد على الجدارة وليس الولاءات. غير أن النتائج كانت متباينة: فتحسنت جودة الموظفين، لكن بعض الوزارات أصبحت تعاني من نقص حاد في العدد اللازم للقيام بالوظائف الأساسية.
لكن من الإنصاف القول إن تجربة رواندا، رغم قيمتها الاستفهامية، لا يمكن استنساخها مباشرة في السياق السوري. فالعوامل السياقية تختلف اختلافاً جذرياً: حجم الدولة، تعقيد النسيج الاجتماعي، غياب الدعم الدولي بالمستوى نفسه، والأهم أن رواندا خضعت لنموذج حكم مركزيّ شديد الصلابة أحياناً على حساب الحريات، وهو ما قد لا يكون مقبولاً أو ممكناً في سورية ما بعد الثورة. لذلك نقدم هذه المقارنة ليس نموذجاً يُحتذى، بل أداة لفتح الأسئلة: هل يمكن تحقيق كفاءة إدارية دون تقليص حاد في التوظيف؟ وهل مضاعفة الرواتب وحدها كافية لتحقيق الإنتاجية، أم تحتاج إلى إصلاح مؤسّسي أعمق؟
الخلاصة
ليست موازنة 2025 مجرد أرقام، بل خطاب يعيد تعريف النجاح إنجازاً تاريخياً لا معاشياً. بعد عقود من العجز والظلام، البيان يبشّر، والمواطن ينتظر.
سورية الجديدة المحرَّرة بدماء أبنائها، ففي كل شبر قبر، تستحق تعميق الشفافية وترسيخها ممارسةً عامةً. بيانات تفسير، لا إعلانات.
العربي الجديد
—————————–
سوريا وعهد “الدولة التاجر”.. ماذا وراء تحويل “مؤسسات عامة” إلى “شركات قابضة”؟/ سعيد اليوسف
2026.04.14
بموجب حزمة من المراسيم “الرئاسية”، أعادت السلطة السورية الجديدة هيكلة إدارة أبرز القطاعات الحيوية ذات الطابع السيادي والاستراتيجي، عبر تحويلها من مؤسسات ومرافق عامة إلى شركات ذات طابع اقتصادي واستثماري.
ففي السادس من نيسان 2026، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع ثلاثة مراسيم متتالية حملت الأرقام (44، 45، 46)، قضت بتحويل قطاعات التعدين والكهرباء والمياه من “مرافق خدمية” إلى “شركات” ذات طابع اقتصادي، تتمتع بالاستقلال المالي والإداري وترتبط بوزارة الطاقة.
ورغم أن هذه الخطوة تُقدَّم في إطار تطوير الاستثمار الاحترافي وتعزيز الحوكمة، فإنها تفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول شرعية اتخاذ قرارات بنيوية تمس أصول الدولة في مرحلة انتقالية لم تستكمل مؤسساتها بعد، إضافة إلى مخاوف تتعلق بمصير الدعم الاجتماعي في بلد يعاني من تدهور القدرة الشرائية واتساع رقعة الفقر.
من “المؤسسة” إلى “الشركة”
المراسيم الثلاثة لم تكتفِ بتغيير النمط الإداري، بل أعلنت عن ولادة كيانات جديدة حلّت مكان “المؤسسات” التي سبق وترهلت في عهد نظام المخلوع بشار الأسد، وهي:
الشركة السورية للتعدين (SMC): حلّت محل “الشركة العامة للفوسفات والمناجم، وكل مديريات ومرافق ومعامل (المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية)”، لتتولى استثمار الخامات وتسويقها ضمن إطار اقتصادي موحد.
الشركة السورية للكهرباء (SEC): حلّت محل “المؤسسة العامة لتوليد الكهرباء” و”المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء”، وجميع الشركات التابعة للمؤسستين، في خطوة تهدف إلى توحيد إدارة القطاع كهربائياً ضمن كيان واحد.
المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي: أُعيد تشكيلها كـ”مؤسسة ذات طابع اقتصادي، تتمتّع باستقلال مالي وإداري”، إلى جانب إحداث “شركات عامة” على مستوى المحافظات، تحل محل “المؤسسات العامة” السابقة.
يسعى هذا التحوّل -وفق قراءات اقتصادية- إلى تقليص البيروقراطية، لكنّه يعكس في الوقت ذاته تحولاً في علاقة الدولة بالمواطن، عبر الانتقال من نموذج “المرفق العام” القائم على تقديم الخدمة بوصفها حقاً، إلى نموذج “الشركة”، التي تُدار وفق معايير الكفاءة والعائد.
ويأتي هذا المسار استكمالاً لخطوات سابقة، حيث أصدر الرئيس أحمد الشرع “المرسوم رقم (189) لعام 2025″، القاضي بإحداث “الشركة السورية للبترول (SPC)” كشركة عامة قابضة ذات طابع اقتصادي، لتحل محل “المؤسسة العامة للنفط” و”المؤسسة العامة للتكرير” وجميع الشركات التابعة لهما.
ولا يقتصر هذا التحوّل على قطاع الطاقة وحده، بل يبدو جزءاً من استراتيجية شاملة لإعادة صياغة ملكية الدولة، إذ سبقته خطوة مماثلة في قطاع الطيران عبر “المرسوم رقم (214) لعام 2025″، الذي أحدث “الشركة السورية القابضة للطيران” لتحل محل “مؤسسة الخطوط الجوية السورية”، مع استقلال مالي وإداري.
ويعكس هذا التواتر في إصدار المراسيم توجهاً واضحاً نحو الابتعاد عن نموذج “القطاع العام التقليدي”، لصالح كيانات تُدار بعقلية استثمارية أقرب إلى منطق القطاع الخاص، ما يمهّد لمرحلة جديدة في إدارة أصول الدولة.
فك الارتباط بالخزينة.. هل يُرفع الدعم تدريجياً؟
يُعدّ “الاستقلال المالي” أحد أبرز ملامح هذه المراسيم، حيث يوضّح الخبير الاقتصادي محمد أحمد، أنّ الكيانات الجديدة أصبحت “وحدات محاسبية مستقلة تمتلك موازناتها الخاصة، وتعتمد في تمويلها على الأرباح والقروض والمنح (إضافة إلى مساهمات الدولة عند الحاجة)، بدلاً من الاعتماد المباشر على الخزينة العامة”.
ويضيف أحمد -المتخصّص في شؤون الطاقة في مركز “كرم شعار للاستشارات”- لـ موقع تلفزيون سوريا، أنّ هذا النموذج يمنح هذه الشركات مرونة تشغيلية واستثمارية كبيرة، ويتيح لمجالس إداراتها إقرار الخطط والموازنات وإبرام الشراكات، لكنه في المقابل يفرض عليها تحقيق نوع من التوازن المالي.
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي محمد علبي، في تصريح لـ موقع تلفزيون سوريا، أنّ هذا التحول “ينقل القطاعات من منطق إداري إلى منطق اقتصادي أو تجاري”، حيث تُقاس الكفاءة بالعائد والاستدامة، لا بمجرد تقديم الخدمة.
ويحذّر “علبي” من أنّ هذا النموذج عادةً -رغم إبقاء الدعم الحكومي قائماً نظرياً- لا يستمر طويلاً “بل يتقلص تدريجياً وصولاً إلى زواله”، إذ تميل الشركات عند أوّل اختلال مالي إلى نقل عبء التمويل إلى “التعرفة،” ما قد يسرّع وتيرة رفع الدعم، خاصة في ظل وضع اقتصادي هش وانطلاق هذه القطاعات من حالة خسارة أصلاً.
في المقابل، يشير محمد أحمد، إلى أنّ “سياسة الدعم لا تُحسم في مراسيم التأسيس، وأن استمرار إمكانية التمويل الحكومي (جزئياً)، يعني أن مسار الدعم سيُحدد لاحقاً وفق السياسات التنفيذية، لا ضمن النصوص الحالية”.
لكن من زاوية حقوقية، يرى مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، أنّ جوهر الإشكالية في هذه المراسيم يكمن في التوتر بين منطق الربحية ومتطلبات الحقوق الأساسية، إذ إن الشركات التي تُلزم بتحقيق التوازن المالي أو الربح ستتجه، بحكم طبيعتها، إلى رفع تعرفة الكهرباء والمياه إلى مستويات التكلفة الفعلية أو ما يقاربها، ما قد يمسّ بحقوق أساسية، من بينها الحق في المياه ومستوى المعيشة.
حق الحياة أم منطق السوق؟ مياه سوريا بين التكامل الإقليمي وسد الاحتياج الأساسي
ويرى عبد الغني، أنّ المعالجة القانونية السليمة لا تكمن في الإبقاء على الدعم الضمني ضمن التعرفة، بل في إعادة تصميمه عبر نظام دعم اجتماعي مباشر يستهدف الفئات الضعيفة، ويضمن حصولها على الخدمات الأساسية بصرف النظر عن قدرتها على السداد، وفق المنطق التجاري.
“خصخصة جزئية” تحت سقف الملكية العامة
رغم تأكيد المراسيم على بقاء ملكية الدولة لهذه الشركات وعدم جواز طرحها للاكتتاب العام إلا بقانون، إلا أنّ نموذج “الشركات ذات الطابع الاقتصادي” يتيح لها قانوناً، إبرام عقود استثمار وتأسيس شركات مع القطاع الخاص.
ويشير محمد أحمد إلى أن مراسيم تحويل المؤسسات العامة إلى شركات لا تنص على أي “خصخصة”، سواء كانت كلية أو جزئية، بل تذهب إلى “قوننة” الشراكات عبر السماح بإبرام عقود مع القطاع الخاص.
في المقابل، يرى “علبي” أن هذه الأدوات تمثل “خصخصة جزئية عملياً”، إذ إن إدخال شركات خاصة في التشغيل والإدارة، بعقود طويلة الأمد، ينقل جزءاً من القرار الاقتصادي إلى القطاع الخاص، حتى من دون إعلان خصخصة صريحة، ويعدّ هذا المسار، وفق رأيه، مساساً بقطاعات سيادية كالمياه، التي تخضع عادةً لضوابط صارمة في مختلف دول العالم.
“نظام العقود للجهات العامة في سوريا”
في موازاة توسيع صلاحيات هذه الشركات، يبرز غموض قانوني لافت حول الإطار الذي سيحكم تعاقداتها، ولا سيما مدى خضوعها لأحكام “قانون العقود رقم 51 لعام 2004″، الذي ما يزال يشكّل المرجعية الأساسية لتنظيم عقود الجهات العامة في سوريا.
واللافت أيضاً أن المراسيم الثلاثة، وغيرها من المراسيم التي نصّت على تحويل المؤسسات العامة إلى شركات، لم تنص صراحة على إخضاع هذه الكيانات لهذا القانون، ما يفتح الباب أمام تفسيرات قانونية متباينة، خصوصاً في ظل تصنيفها كـ”شركات ذات طابع اقتصادي”، وهو ما يضعها في منطقة رمادية بين قواعد القانون العام ومنطق الشركات.
وفي هذا السياق، يوضح فضل عبد الغني، أنّ تصنيف هذه الشركات كـ”كيانات تجارية” قد يجعل خضوعها لـ قانون العقود “موضع تفسير، لا حكماً نصياً واضحاً”، محذّراً من أن هذا الغموض يخلق بيئة قانونية ملتبسة، وهو تحديداً “ما يولّد مخاطر الفساد الكبرى في تجارب إعادة الإعمار المقارنة”.
ويضيف عبد الغني، أنّ تجارب دول ما بعد الحروب والنزاعات، مثل العراق والبوسنة، أظهرت أن غياب الضبط القانوني الواضح في التعاقدات أدى إلى “محسوبيات هيكلية”، مؤكداً أن الضمانة الأساسية تكمن في إصدار مرسوم صريح يُخضع هذه الشركات لـ”قانون المشتريات العام” من دون استثناء، طالما أن ملكيتها ما تزال عامة.
ويرى حقوقيون أنّ قانون العقود الحالي صُمم أساساً للمؤسسات الحكومية التقليدية، وليس لـ”شركات قابضة” تعمل وفق منطق اقتصادي، ما يفتح الباب أمام اعتماد أنظمة تعاقد أكثر مرونة، لكنه في المقابل يوسّع “المنطقة الرمادية” بين القانون العام وقانون الشركات، ويجعل الشفافية مرهونة بالتشريعات التنفيذية.
“شركات” وزارة الطاقة
ترتبط الشركات الجديدة بوزارة الطاقة، وهي وزارة استُحدثت عبر دمج ثلاث وزارات استراتيجية: (الكهرباء، النفط والثروة المعدنية، الموارد المائية)، وذلك وفق “المرسوم رقم 150 لعام 2025″، الذي أصدره الرئيس الشرع، ضمن إطار حكومي موحّد لإدارة قطاعات الطاقة والموارد.
ووفق هذا الدمج، تتخذ العلاقة بين الوزارة والشركات الجديدة طابعاً “هجينا”، حيث تحتفظ الوزارة بدور تنظيمي واستراتيجي، مع استمرار تأثيرها التنفيذي عبر التعيينات والتوجيه، حيث يرى خبراء أن هذا النموذج، رغم شيوعه في المراحل الانتقالية، يثير إشكالية “تضارب المصالح”، إذ تجمع الجهة نفسها بين دور المنظّم والمالك.
وفي هذا السياق، يحذّر الحقوقي فضل عبد الغني من “تعارض مصالح هيكلي”، حيث تصبح الجهة المفترض أن تحمي المستهلك هي نفسها المستفيدة اقتصادياً من الشركات، ما قد يرسخ احتكاراً حكومياً بطابع تجاري.
ويشير إلى أنّ ضم قطاعات حيوية، مثل الكهرباء والتعدين والمياه، تحت شركات يُشرف عليها وزير واحد أو مظلة وزارية واحدة، يرسّخ احتكاراً حكومياً تجارياً، فهو يجمع بين غياب المنافسة، وغياب الرقابة البرلمانية، إلى جانب ضعف المحاسبة القضائية على القرارات التشغيلية.
“قانونية” المراسيم والفراغ الرقابي
على الصعيد القانوني، تثير هذه المراسيم نقاشاً حول مدى توافقها مع طبيعة المرحلة الانتقالية، حيث يؤكّد فضل عبد الغني أنّ التغييرات الهيكلية في ملكية الدولة وأصولها العامة تستوجب مشاركة تشريعية، لأنّها تمس حقوقاً دستورية، وأن غياب مجلس تشريعي انتقالي يخلق فراغاً رقابياً يضعف الشرعية الإجرائية لهذه القرارات.
من جانبه، يتساءل محمد علبي عن مدى صلاحية حكومة انتقالية لاتخاذ قرارات اقتصادية بنيوية طويلة الأمد قد يصعب التراجع عنها لاحقاً، مشيراً إلى أن تجارب دول أوروبية مثل بولندا والتشيك أرجأت خطوات مماثلة إلى حكومات منتخبة، نظراً لآثارها الممتدة لعقود.
ملاحظات قانونية حول بعض “المراسيم”
أمّا محمد أحمد، فيرى أنه رغم تضمّن المراسيم آليات حوكمة داخلية كالتقارير الدورية وتعيين مدقق حسابات خارجي، إلا أنّ هذه الأدوات تبقى غير كافية ما لم تُستكمل بإلزام الإفصاح المالي وضبط قواعد التعاقد وإخضاع الشركات لرقابة مالية وإدارية وقضائية واضحة، محذّراً من أنّ الاستقلال الإداري من دون مساءلة قد يضعف الرقابة بدلاً من تعزيز الكفاءة.
“مسار أوسع لإعادة تشكيل الاقتصاد في سوريا”
تندرج المراسيم المرتبطة بتحويل المؤسسات العامة إلى شركات ضمن سياق أوسع لإعادة هيكلة القطاع العام في سوريا، تعمل عليه الحكومة الجديدة خلال المرحلة الانتقالية، إذ تعكس الخطوات المتتالية توجهاً متصاعداً نحو إعادة تشكيل المؤسسات التقليدية ضمن كيانات أكثر استقلالاً وذات طابع اقتصادي.
وخلال العام 2025، صدرت مراسيم لإحداث هيئات وكيانات جديدة بصلاحيات مالية وإدارية موسّعة، شملت إعادة تنظيم إدارة المعابر والحدود ضمن هيئة مركزية موحّدة، إلى جانب طرح مشاريع لتحويل شركات القطاع العام إلى شركات مساهمة مملوكة للدولة.
لا يمكن فصل هذه التحولات عن الأساس الذي وُضع في أواخر عهد نظام المخلوع بشار الأسد، عبر “القانون رقم (3) لعام 2024″، الذي مهّد لتحويل المؤسسات العامة إلى شركات مساهمة وقابضة.
ورغم اختلاف الأهداف المعلنة، يبدو أنّ السلطة الحالية قد تبنّت هذا النهج واستكملته ووسّعته، مع تعميق الانتقال من نموذج “المرفق العام” القائم على الخدمة إلى نموذج “الشركة” القائم على الكفاءة والعائد، بما يعكس انتقالاً تدريجياً نحو إدارة الموارد بـ”عقلية التاجر”.
وبحسب خبراء، تتمثل الإشكالية في استمرار المسار ذاته وإن بصيغة محدّثة، حيث جرى تفعيله كأداة لمعالجة الانهيار الاقتصادي، وبينما يكمن الفارق في الأهداف المعلنة -من خدمة “أزلام النظام” سابقاً إلى تعزيز الاستثمار والحوكمة حالياً- يبقى الاختبار الحقيقي في مستوى الشفافية وحماية المواطنين، خصوصاً في ظل انتقال يجري ضمن “منطقة رمادية” تفتقر إلى رقابة تشريعية صارمة.
عن “الخصخصة”
لا ينكر خبراء سوريون أن نموذج “القطاع العام” التقليدي بات إرثاً مترهلاً، ما يجعل البحث عن بدائل أكثر كفاءة أمراً مشروعاً، بما في ذلك “الخصخصة” أو الشراكات مع القطاع الخاص، شرط أن تقترن بضوابط صارمة تمنع الاحتكار.
لكن الاعتراض في الحالة السورية يتركّز على “السياق والشرعية”، إذ إن المضي بتحوّلات تمس “أصولاً سيادية” في مرحلة انتقالية غير مكتملة دستورياً، ومع جدل قائم حول قانونية المراسيم، يضع هذه الخطوات في “منطقة رمادية” تثير تساؤلات حول مشروعيتها واستدامتها.
وإنّ غموض الصلاحيات الممنوحة للشركات الجديدة، واتساع هامش حركتها وفق منطق تجاري على حساب الأهداف الخدمية، يفتح الباب أمام مخاوف من تحوّلها من أدوات لـ”خدمة المواطن” إلى استنزافه مادياً، لا سيما في ظل غياب رقابة برلمانية فاعلة تضمن عدم انزلاق نموذج “الدولة التاجر” نحو شكل جديد من الاحتكار المغلّف بالقانون.
لذلك، يرى خبراء اقتصاديون وقانونيون، أنّ جوهر النقاش لا ينبغي أن يُختزل في سؤال “الخصخصة: نعم أم لا”، بل في “كيف ومتى وتحت أي ضمانات” يمكن تطبيق هذه التحوّلات، بما يضمن تحقيق الكفاءة الاقتصادية من دون التفريط بالحماية الاجتماعية، وبقاء موارد الدولة في خدمة المجتمع لا استنزافه.
—————————-
تكامل مشروع البحار الأربعة التركي ومشروع 4+1 الوطني/ أسامة قاضي
أبريل 14, 2026
يمثل تصريح وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني حول التوافق مع تركيا لإحياء مشروع البحار الأربعة خطوة استراتيجية تعكس تحولاً نوعياً في الرؤية الاقتصادية لسوريا، وتؤكد التوجه نحو إعادة تموضعها كمحور إقليمي لتوزيع الطاقة والتجارة بين الشرق والغرب.
هذا التصريح لا يعبّر فقط عن تقارب سياسي، بل يشير إلى رؤية اقتصادية متكاملة قادرة على إحداث نقلة نوعية في بنية الاقتصاد الإقليمي، خاصة عندما يتكامل مع مشروع 4+1 الذي يضع سوريا في قلب منظومة لوجستية متعددة الوسائط تربط البر بالبحر والسكك الحديدية.
نشأ مشروع البحار الأربعة في سياق رؤية إقليمية هدفت إلى ربط البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود وبحر قزوين والخليج العربي ضمن فضاء اقتصادي واحد، بما يتيح تنويع مسارات الطاقة وتعزيز التكامل التجاري بين دول المنطقة، وقد حظي هذا المشروع باهتمام خاص خلال فترة الرئيس التركي الأسبق عبد الله غُل ما بين 2004 و2009، في إطار سياسة الانفتاح الإقليمي وتعزيز التعاون الاقتصادي بين دول الجوار.
ولكن “الحَوًل السياسي” لنظام الأسد وتوجهه نحو تشجيع بناء الهلال الفارسي في الوطن العربي بالتعاون مع إيران أفشل المشروع، ومع عودة الحديث عنه اليوم مع حكومة سوريا بعد التحرر من نظام الأسد، تتجدد الفرصة لإعادة تفعيل هذه الرؤية بما يتلاءم مع المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية الراهنة.
في هذا السياق، يأتي مشروع 4+1 الذي يمثل رؤية وطنية سورية تعمّق هذا التوجه وتمنحه بُعداً استراتيجياً أوسع، فبينما يركز مشروع البحار الأربعة على الربط الجغرافي بين البحار، يضيف مشروع 4+1 منظومة متكاملة تشمل خطوط أنابيب النفط والغاز: إعادة تأهيل خط التابلاين، وخط كركوك بانياس، وخط الغاز القطري، وتصدير الغاز المسال القطري من بانباس، ومشروع قطار سريع يصل سوريا بالمملكة العربية السعودية.
إضافة إلى ذلك، تعزيز ممرات الأمن الغذائي من تركيا وسوريا بعد تأسيس شبكات سكك حديدية عالية التكنولوجيا، وإعادة تأهيل خط الحجاز، إضافة إلى الربط مع الأسواق العالمية عبر الموانئ السورية. هذه المنظومة تجعل من سوريا مركزاً إقليمياً لتوزيع الطاقة والغذاء والتجارة، وتعيد إحياء دورها التاريخي كجسر يربط بين آسيا وأوروبا والعالم العربي.
أحد أبرز أوجه التكامل بين المشروعين يتمثل في قدرتهما على تحييد الاعتماد المفرط على الممرات البحرية الحساسة، وعلى رأسها مضيق هرمز ومضيق باب المندب، اللذان يشكلان شريانين حيويين لتدفق النفط والغاز والتجارة العالمية.
يمر عبر مضيق هرمز ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية ونسبة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال، بينما يمثل مضيق باب المندب بوابة رئيسية للتجارة بين آسيا وأوروبا، وإن أي اضطراب في هذين الممرين يؤدي إلى ارتفاع حاد في تكاليف الشحن والتأمين، ويؤثر بشكل مباشر في أسعار الطاقة والسلع الأساسية، وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن تعطّل هذه الممرات لمدة شهر واحد قد يؤدي إلى خسائر عالمية تتجاوز مئة مليار دولار نتيجة اضطراب سلاسل التوريد وارتفاع أسعار النقل والتأمين.
إن تعطّل شحن 20 مليون برميل نفطي خلال شهر واحد بسعر برميل 100 دولار يعني ليس فقط خسارة 60 مليار دولار، بل ارتفاع متزايد في سعر النفط والغاز الذي بالضرورة سيرفع أسعار الشحن والأسمدة والأعلاف وباقي السلع مما سيؤدي للضغط على الفقراء في العالم، بينما المشاريع 4+1 مجتمعة تكلّف أقل من 50 مليار دولار، بمعنى أن ابتزاز إيران لدول الخليج والعالم لمدة شهر كاف للنظر بجدية للبدء بهذه المشاريع فوراً ودون إبطاء، وكحل استراتيجي لابد منه.
ولا تقتصر جدوى هذه المشاريع على بعدها الاستراتيجي فحسب، بل تمتد أيضاً إلى إمكانية تنفيذها بحيث يتم اعتماد نموذج تنفيذي قائم على توزيع الأعمال على مجموعة من الشركات العملاقة وتتولى كل شركة تنفيذ مقطع محدد؛ على سبيل المثال 200 كم من خطوط الأنابيب أو السكك الحديدية، وبإشراف شركة متخصصة في إدارة المشاريع والتنسيق الهندسي، من شأنه أن يسمح بتنفيذ هذه المشاريع بشكل متوازٍ. ووفق هذا النهج، يمكن إنجاز الشبكة المتكاملة من طرقات وسكك حديدية وتركيب أنابيب خلال فترة لا تتجاوز العامين، خاصة في ظل توافر أحدث التقنيات والخبرات الدولية في مجال البنية التحتية.
هذا التوجه لا يعزز فقط أمن الإمدادات العالمية، بل يسهم أيضاً في خفض تكاليف النقل والتأمين، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على أسعار الغذاء والأسمدة والأعلاف، ويساعد في تخفيف الأعباء الاقتصادية عن الدول الفقيرة والنامية.
وفي إطار تعزيز التكامل الاقتصادي العربي–التركي، تبرز ضرورة إتاحة وصول المصنّعين في مدينة حلب إلى أقرب ميناء بحري، وهو ميناء إسكندرون في تركيا. وكذلك فإن مد خط حديدي بين منطقة الشيخ نجار الصناعية وميناء اسكندرون أمر حيوي، وقد شهدت السنوات السابقة توافقاً بين سوريا وتركيا والأردن على تفعيل استخدام هذا الميناء لخدمة الحركة التجارية والصناعية، بما يعيد إحياء الدور التاريخي لحلب كمركز صناعي وتجاري رئيسي في المنطقة.
إن تمكين الصناعات الحلبية من الوصول السريع إلى هذا الميناء من شأنه أن يقلل تكاليف التصدير، ويزيد من تنافسية المنتجات السورية في الأسواق العربية والدولية، كما يعزز سلاسل القيمة الإقليمية بين سوريا وتركيا ودول مجلس التعاون الخليجي، ولا يقتصر التكامل بين البلدين على الموانئ البحرية فحسب، بل يمتد ليشمل إحياء شبكة سكة حديد الحجاز، التي تعود إلى عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، والتي شكلت في مطلع القرن العشرين أحد أهم مشاريع البنية التحتية في المنطقة.
اهتمام تركيا بإحياء هذه السكة التاريخية ينسجم مع الرؤية المعاصرة لإنشاء ممرات سككية حديثة تربط تركيا بسوريا والأردن وصولاً إلى شبه الجزيرة العربية، وهذا الربط السككي يوفّر وسيلة نقل فعّالة ومنخفضة التكلفة للبضائع والطاقة، ويعزز التكامل الاقتصادي والسياحي والثقافي بين دول المنطقة.
كما يفتح هذا التكامل آفاقاً أوسع من خلال إمكانية ربطه بممر تجاري يمتد من الهند إلى المملكة العربية السعودية ومنها إلى سوريا وتركيا ثم إلى أوروبا، وهو ما يشكل جسراً استراتيجياً بين آسيا وأوروبا. هذا الممر لا يختصر الزمن والتكلفة فحسب، بل يسهم أيضاً في استقرار أسواق النفط والغاز العالمية من خلال توفير مسارات بديلة وآمنة لنقل الطاقة، مما يقلل من تقلبات الأسعار ويعزز موثوقية الإمدادات.
التكامل بين مشروع البحار الأربعة ومشروع 4+1 يشكل رؤية استراتيجية شاملة لنهضة الشرق الأوسط، قائمة على التعاون العربي–التركي وتحقيق المصالح المشتركة. هذه الرؤية تسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي، وخلق فرص عمل، وجذب الاستثمارات، ودعم جهود إعادة الإعمار، إضافة إلى تحسين مستويات المعيشة في المنطقة.
في المحصلة، يمكن القول إن إحياء مشروع البحار الأربعة، بالتوازي مع تنفيذ مشروع 4+1، يضع الأسس لتحول تاريخي في دور سوريا، لتصبح مركزاً إقليمياً للطاقة والتجارة والخدمات اللوجستية، ومن خلال تحييد المخاطر المرتبطة بالمضائق البحرية، وتفعيل ميناء إسكندرون لخدمة الصناعات الحلبية، وإحياء سكة حديد الحجاز، وربط المنطقة بممرات تجارية عالمية، تتبلور رؤية متكاملة قادرة على تحقيق التنمية المستدامة والاستقرار الاقتصادي للشرق الأوسط والعالم.
الثورة السورية
——————————–
سوريا بوابة التجارة العالمية على المتوسط!/ مازن الشاهين
ممرات الفرصة التاريخية: هل تعيد سوريا رسم خريطة التجارة العالمية من على المتوسط؟
2026-04-14
بينما تتصارع القوى العظمى على إعادة تشكيل طرق التجارة العالمية، تعود سوريا لتطرق أبواب التاريخ من جديد، فبعد عقود من الصراع والعزلة، تتحول موانئ اللاذقية وطرطوس على البحر المتوسط إلى محط أنظار عمالقة الاقتصاد الدولي، في مشهد قد يعيد إحياء دور البلاد كحلقة وصل استراتيجية بين الشرق والغرب، كما كان الحال على “طريق الحرير” القديم، وبينما تتحوّل موازين القوى التجارية العالمية بوتيرة متسارعة، وتتصارع القوى الكبرى على السيطرة على ممرات النقل الاستراتيجية، تجد سوريا نفسها فجأةً في قلب هذا التنافس الجيواقتصادي المحتدم، فالدولة التي عاشت أكثر من عقد تحت وطأة الحرب والحصار والعقوبات، تستيقظ اليوم على مشهد مغاير: ملايين الدولارات تتدفق نحو موانئها، وعواصم القرار تتسابق للوصول إلى شواطئها المتوسطية، فيما تعيد خرائط الجيواقتصاد رسم مكانتها بالحبر الذهبي كحلقة وصل لا غنى عنها، فكيف تحولت سوريا من عبء استراتيجي إلى فرصة تاريخية في لعبة الممرات الاقتصادية الدولية؟ وما هي التحديات الجوهرية التي تقف بين الطموح والإنجاز؟
سوريا وإعادة رسم خريطة IMEC
في سبتمبر 2023، على هامش قمة مجموعة العشرين في نيودلهي، أعلن قادة العالم عن مشروع طموح حمل اسم الممر الاقتصادي الهندي-الشرق الأوسط-أوروبي (IMEC). وقّعت عليه ثماني حكومات: الهند والولايات المتحدة والسعودية والإمارات وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والاتحاد الأوروبي، في مذكرة تفاهم صوّرته البيانات الرسمية باعتباره “طريق التوابل الجديد” في إشارة إلى المسارات التاريخية التي كانت تربط آسيا بأوروبا.
يقول الباحث في التخطيط الاستراتيجي الدكتور عبدالناصر الجابري في تصريحات لـ”963+” إن سوريا تعيش “لحظة الفرصة والمسؤولية” مع تدفّق الاستثمارات ومشاريع الممرات، لكن تحويل الوعود إلى نتائج ملموسة يتطلب حكومة مستقرة، ومؤسسات قانونية موثوقة، واستراتيجية وطنية واضحة للنقل واللوجستيك، ومفاوضاً يدرك قيمة أوراقه. ويوضح أن مشروع IMEC يربط الهند بالخليج ثم أوروبا عبر أنابيب طاقة وكابلات وسكك حديد، لكنه جُمّد بعد حرب غزة، ما فتح الباب لسيناريو بديل يجعل سوريا “عقدة الربط” بفضل ساحلها وشبكة طرقها وانفتاحها الدولي بعد سقوط نظام الأسد.
ويشير إلى أن رفع العقوبات الأميركية عن الموانئ والبنك المركزي في يونيو 2025 أعاد دمج سوريا مالياً وفتح الاستثمارات، فتعاقدت دمشق مع “موانئ دبي العالمية” لتطوير طرطوس و”CMA CGM ” وموانئ أبوظبي لتطوير اللاذقية، ما خلق “شبكة إماراتية مزدوجة” تجذب خطوط الشحن الكبرى. ويؤكد الجابري أن السيناريو الجديد يضع سوريا بديلاً للمسار الإسرائيلي في الممر الهندي-الأوروبي، حيث تتحول موانئ اللاذقية وطرطوس إلى مراكز ترانزيت إقليمية تربط الخليج والأردن والعراق ولبنان بأوروبا.
الممرات البرية.. إحياء طريق الحرير الجنوبي:
في عالم تتغير فيه موازين الاقتصاد بسرعة، لم تعد الجغرافيا مجرد عامل ثابت، بل تحولت إلى فرصة استراتيجية، ومع إطلاق مشروع الممر الاقتصادي الهندي ـ الشرق أوسطي ـ الأوروبي (IMEC)، عاد السؤال القديم الجديد: هل يمكن لسوريا أن تستعيد دورها التاريخي كحلقة وصل بين الشرق والغرب؟
يقول المحلل السياسي سعيد عبدالعظيم في تصريحات لـ”963+” إن سوريا تمثل العمق البري الحتمي لربط الخليج بالمتوسط وأوروبا، إذ يتيح مسار بري-بحري نقل البضائع من الرياض إلى اللاذقية خلال ساعات، عبر مشروع قطار الخليج-المتوسط السريع وإحياء خط الحجاز، ما يقلل الاعتماد على مضيق هرمز ويعيد رسم خرائط التجارة.
ويشير إلى اتفاق تركي-سوري لإحياء “طريق الشرق الأوسط” عبر سوريا والأردن نحو الخليج بطاقة مئات الشاحنات يومياً بحلول 2026، وإحياء مشروع خط الغاز القطري-الأوروبي عبر سوريا بتكلفة 10–15 مليار دولار مع تزايد حاجة أوروبا لبدائل الغاز الروسي. كما اختارت السعودية سوريا لمسار كابلات ألياف ضوئية نحو اليونان بعد استبعاد المسار الإسرائيلي، ما يوسّع دور دمشق ليشمل تدفق السلع والبيانات ويعزز تكامل الموانئ الخليجية مع الممرات البرية إلى أوروبا.
الحسابات الخليجية والأوروبية.. لماذا تُراهن على سوريا؟
لفهم الرهان الاستثماري في سوريا، يجب فهم مصالح اللاعبين الرئيسيين، حيث يؤكد “عبدالعظيم” أن الإمارات التي تدير عمليات موانئ دبي العالمية في أكثر من 75 دولة وتتعامل محطاتها مع 9.2% من إجمالي حركة الحاويات العالمية، ترى في سوريا ليس فقط بلداً مجاوراً يحتاج إعمار، بل ثغرة جيوستراتيجية في منظومتها اللوجستية، فتحكّمها في طرطوس واللاذقية معاً يُكمل شبكتها الممتدة من جبل علي إلى جدة إلى العقبة إلى سواحل المتوسط، أما السعودية، فقد ضخّت نحو 6.4 مليار دولار في مشاريع إعادة الإعمار السورية وفق بيانات متاحة، وهي ترى في سوريا ممراً لخطوط نقل الغاز القطري-التركي التي ستُعزز مكانتها في سوق الطاقة الأوروبية، فضلاً عن كونها جاراً مستقراً على حدودها الشمالية يُسهم في تعزيز محيطها الأمني، وأوروبياً لم تعد القارة العجوز تتعامل مع سوريا كملف إنساني وحسب.
والزيارة التي أجراها الشرع الى ألمانيا وبريطانيا، وأعقبتها تطمينات اقتصادية أوروبية متتالية، تكشف أن المصلحة الأوروبية في سوريا المستقرة لا تقتصر على إدارة ملف اللاجئين، بل تمتد إلى رغبة حقيقية في توفير بديل آمن لطرق الطاقة والبضائع يقلّل الاعتماد على الممرات الروسية والإيرانية.
يضيف عبدالعظيم أنه مع اشتداد المنافسة على ممرات التجارة العالمية، يبدو أن سوريا عادت لتلعب دوراً لا يمكن تجاهله في هذه المعادلة المعقدة، فالمشاريع العملاقة لتطوير موانئها، والتحركات الدبلوماسية المكثفة مع جيرانها، والموقع الاستراتيجي الفريد على المتوسط، كلها عوامل تضع البلاد على أعتاب مرحلة جديدة قد تعيد لها وهجها التاريخي كمركز رئيسي على طريق الحرير، وقد يكون الطريق ما زال طويلاً، والتحديات كبيرة، لكن ما يحدث على الأرض اليوم يشير إلى أن سوريا لم تعد مجرد ساحة للصراعات، بل أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حلولها، ولاعباً رئيسياً في رسم ملامح التجارة العالمية لعقود قادمة.
التحديات الجوهرية.. بين الإمكانية والواقع:
لا يُكتمل التحقيق بالفرص وحدها دون استيعاب التحديات الهيكلية التي تعترض هذا المشروع الطموح، فثمة فجوة واسعة بين حجم الطموح وجاهزية الواقع.
يرى عبدالعظيم أن أبرز التحديات أمام دور سوريا كممر تجاري هي تضرر البنية التحتية وكلفة إعادة تأهيل الطرق والسكك والموانئ بعشرات المليارات، مع غياب تمويل واضح للقطاع البري، إضافة إلى الهواجس الأمنية وملف المجموعات المسلحة والحاجة لتحديث الإطار القانوني لجذب الاستثمار وضمان فض النزاعات.
ويشير إلى منافسة إقليمية من قناة السويس وميناء حيفا وتركيا، وتعقيدات جيوسياسية مع مصالح القوى الكبرى ودور الصين في ميناء بيرايوس، مؤكداً أن اتفاق طرطوس خطوة لإعادة دمج الاقتصاد السوري. ويختتم بأن المطلوب استراتيجية وطنية شاملة للنقل واللوجستيك، عقود موانئ عادلة، تسريع التشريعات، ربط الممرات بالتنمية الداخلية، ضمان الأمن على الطرق، واستثمار التنافس الدولي لصالح سوريا.
طريق الحرير والثقل التاريخي.. سوريا دائماً مفترق طرق
ليست المرة الأولى التي تقف فيها سوريا عند هذا المفترق، كما يؤكد الباحث التاريخي سعيد الأحمد في تصريحات لـ”٩٦٣+” أنه على مدى آلاف السنين، شكّلت بلاد الشام الجسر الحيوي بين الحضارات والتجارات الكبرى، فقد حكمت مدينة تدمر قوافل طريق الحرير في القرنين الأول والثالث الميلادي، ودمشق كانت العقدة التي لا تستقيم بدونها رحلة التوابل والحرير من الشرق إلى الغرب، فيما كانت أنطاكية الباب البحري الذي يختم الرحلة وصولاً إلى روما والقسطنطينية، أما الفرع الجنوبي لطريق الحرير التاريخي، الممتد من الصين عبر بلاد فارس والعراق وسوريا إلى البحر المتوسط، كان يمر بالضرورة عبر الأراضي السورية، وحافظت سوريا على هذه المكانة المحورية، ولم يُحرمها منها إلا مزيج من الاستعمار وتقطيع أوصال المنطقة وثم الحرب المديدة.
ويضيف الأحمد سوريا تعود إلى موقعها الطبيعي كعقدة وصل تجارية بعد أن فقدت هذا الدور خلال سنوات الحرب، وهذا الإرث التاريخي ليس مجرد زينة خطابية، بل يتحول اليوم إلى ورقة تفاوضية في متناول الحكومة السورية، فأي ممر لوجستي يتجاهل سوريا يُكلَّف بتجاوز جغرافي مرتفع الثمن، تماماً كما كانت قوافل العصور الوسطى تدفع ضريبة الالتفاف حول الأراضي التي رفضت منحها حق العبور, وإن عودة سوريا إلى خارطة التجارة العالمية عبر الممر “الهندي–الأوروبي” ليست مجرد حلم رومانسي باستعادة أمجاد “طريق الحرير”، بل هي ضرورة اقتصادية تفرضها لغة الأرقام والجغرافيا، فالعالم الذي يبحث عن طرق أسرع وأرخص لن يجد أفضل من الساحل السوري ليكون جسره نحو المستقبل.
+963
——————————————
دمشق.. إعادة إعمار أم إعادة إقصاء/ أحمد عسيلي
تم مؤخرًا في دمشق الإعلان عن مشروع سياحي ضخم في قلب المدينة يحمل اسم “ذا بومنت”، وهو مشروع يضم فندقًا فاخرًا، ومرافق ترفيهية، ومركزًا تجاريًا، ومساحات مصممة لاستقبال نمط حياة أقرب إلى مدن الرفاهية منه إلى الواقع السوري الحالي.
هذا الإعلان لا يأتي بوصفه حدثًا استثنائيًا، بل كحلقة جديدة في سلسلة متكررة، فقبل أشهر، تم الإعلان عن حزمة استثمارية ضخمة تضم أكثر من 12 مشروعًا، بقيمة تقارب 14 مليار دولار (كما تم الإعلان عنه طبعًا)، شملت مطارًا و”مترو” ومشاريع عقارية وتجارية كبرى.
هنا يبرز التناقض بشكل صارخ بين صور لمدينة تُبنى وتُعرض على الشاشات، وصورة بلد لا يزال يعيش في هشاشة اقتصادية واجتماعية عميقة.
الإشكالية ليست في فكرة المشاريع أو الحلم بمدن حديثة، فالحلم شرط أساسي لأي إعادة بناء، وندرك جيدًا أنه لا يمكن لمجتمع خرج من العنف أن يتعافى دون أن ينتج صورة عن مستقبله، وأن يتخيل نفسه أيضًا في مكان آخر، لكن السؤال ليس في وجود الحلم، بل في موقعه: هل يشكل امتدادًا للواقع، أم قطيعة معه؟ فحين ينفصل الحلم عن الشروط المعيشية للناس، يفقد وظيفته كأفق ممكن، ويتحول إلى نوع من التعويض، أو إلى صورة تُنتج لتُرى، لا لتُعاش.
فهل يمكن لكم أن تتخيلوا معي مدينة كدمشق، خارجة لتوّها من حرب طويلة، ما زالت محاطة بحزام واسع من البؤس والدمار، وفي وسطها وبعض نقاط محيطها جزر معزولة من أماكن الرفاهية والترف؟
على كل حال، هذا المشهد ليس جديدًا تمامًا على التجربة السورية، فمنذ منتصف الألفية، خصوصًا بعد عام 2005، بدأت موجة “المولات” التجارية بالظهور، ولا سيما في مناطق مثل كفرسوسة، حيث كان يمكن للمرء أن يدخل إلى فضاء مكيف ونظيف ومضاء ومليء بالمطاعم والعلامات التجارية، ثم يخرج منه مباشرة إلى أحياء عشوائية، حيث الفقر كثيف والواقع مختلف جذريًا.
هذا التباين ليس سوريًا فقط، بل سمة عالمية في كل دول التفاوت الطبقي الصارخ، ولي تجربة شخصية مع هذا التناقض في مدينة نيودلهي، ففي أول يوم لي، وبعد عدة ساعات من وصولي، نصحتني صاحبة المنزل الذي كنت أقيم فيه بالذهاب إلى مركز تجاري قريب، هناك، وجدت عالمًا كاملًا من الرفاهية، من مطاعم ومقاهٍ وأسعار لا تختلف كثيرًا عن أوروبا، لكن، ما إن تخرج من هذا الفضاء المغلق، حتى تجد نفسك أمام مشهد آخر مختلف تمامًا، ترى فيه مشردين وفقرًا وحياة يومية لا تشبه بأي شكل ما كنت قد رأيته قبل دقائق، المفارقة أن ثمن فنجان قهوة داخل “المول” كان يكفي لإطعام عدة أشخاص في الخارج.
الخوف هنا ليس من وجود هذه الفضاءات بحد ذاتها، بل من أن تتحول إلى النموذج السائد: جزر معزولة من الرفاهية، محاطة ببحر من الحرمان، وأن تصبح المدينة منقسمة بين واقعين لا يلتقيان، فهذا الانفصال بين الصورة والواقع سيكون له أثره النفسي المدمر للإنسان السوري، فمع تكرار هذه المشاهد، يبدأ بالتشكل شعور خفي بالاغتراب، المدينة التي يعيش فيها الفرد لم تعد تعكس حياته، بل تعرض أمامه نمطًا من العيش لا يمتّ إليه بصلة، ومع الوقت، لا يعود الأمر مجرد فرق اقتصادي، بل يتحول إلى قلق مبهم، ناتج عن التناقض المستمر بين ما يُعرض وما يُعاش، وقد يتطور إلى شكل من الانسحاب أو الاكتئاب، حيث يفقد الفرد إحساسه بأن أي تغيير محتمل يمكن أن يشمله، وفي بعض الحالات، يتحول هذا التفاوت إلى شعور بالإهانة الصامتة، كأن المدينة لا تُقصيه فقط، بل تذكّره باستمرار بأنه ليس جزءًا مما يُبنى فيها.
لا يتعلق الأمر هنا فقط بالفجوة الاقتصادية أو بالتمايز الاجتماعي، بل بعلاقة أعمق بين الإنسان والمكان الذي يعيش فيه، فالمدينة ليست مجرد إطار خارجي، بل تشكل امتدادًا نفسيًا للذات، تحمل ذاكرة الفرد وتمنحه إحساسًا بالاستمرارية والانتماء، الشوارع التي يسير فيها، والمقاهي التي يعرفها، والأسماء التي ألفها، كلها عناصر تشكّل جزءًا من هويته اليومية.
وحين تتغير هذه العناصر بطريقة لا تعود تشبهه، لا يشعر فقط بالغربة عن المكان، بل بنوع من الانفصال عن نفسه، كأن جزءًا من تاريخه الشخصي لم يعد له مكان، أو كأن المدينة التي كانت تؤطّر حياته بدأت تنسحب منه، هنا، لا يكون الاغتراب مجرد شعور عابر، بل يتحول إلى فقدان تدريجي للانتماء، وإلى قلق أعمق يتعلق بموقع الفرد نفسه داخل هذا الفضاء: أين مكاني في مدينة لم تعد تعكسني؟
بهذا المعنى، لا تعود المسألة مرتبطة فقط بما يُبنى، بل بمن يُعاد تعريفه من خلال هذا البناء، فحين تُعاد صياغة المدينة وفق صور لا تخصّ سكانها، لا يفقد الناس أماكنهم فقط، بل يفقدون أيضًا جزءًا من أنفسهم التي كانت تجد في هذه الأماكن امتدادها الطبيعي.
كأن المدينة لم تعد تُبنى لتُعاش، بل لتُشاهد، وستكون مشاهدة مصحوبة بالحسرة وعدم الانتماء.
——————————
بمشاركة برنية والحصرية.. جلسة تناقش الأولويات الاقتصادية في سوريا/ وسيم العدوي
13 نيسان 2026
نظم معهد “الشرق الأوسط” بالتعاون مع مجلس الأعمال الأمريكي- السوري جلسة حوارية في واشنطن، شارك فيها وزير المالية السوري محمد يسر برنية، وحاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية، والمدير التنفيذي لمجلس الأعمال الأمريكي السوري وائل الزيات، الاثنين 13 من نيسان.
وتركز النقاش بين المشاركين في الجلسة حول “الرؤية الصريحة والاستشرافية لتوجهات السياسة الاقتصادية في سوريا، والتي ترتكز على استعادة المصداقية، وإعادة بناء المؤسسات، والانخراط مجددًا في الساحة الدولية”، وفقًا لما ذكره مجلس الأعمال الأمريكي السوري (USSYBC) لعنب بلدي.
وعبر صفحته على “فيسبوك” قال وزير المالية السوري، إن الإحاطة التي تم تقديمها في الجلسة الحوارية بمعهد “الشرق الأوسط” في واشنطن، تناولت التوجهات والتطورات الاقتصادية والمالية لسوريا ومسار الإصلاحات المؤسسية الجارية.
وأوضح برنية أنه تم التركيز على الجهود المبذولة لتعزيز البنية التحتية المالية، ودعم أسس النمو المستدام، وإعادة دمج سوريا تدريجيًا في الاقتصاد العالمي، وجرى استعراض التقدم المحقق في برنامج التحول متعدد السنوات الذي تقوده وزارة المالية، والمؤشرات الأولية على تحسن الأداء المالي، والعمل المستمر لتحديث القطاع المصرفي وخفض معدلات الفقر عبر برامج عملية وقابلة للقياس.
وناقش المشاركون بالجلسة مع الحضور تطور النظم المالية في سوريا، بدءًا من التقدم المحرز في إعادة الربط بالنظام المالي العالمي وصولًا إلى الهدف الأوسع المتمثل في تفعيل تدفقات مالية أكثر شمولًا لدعم التجارة، والتحويلات، وتعزيز دور القطاع الخاص.
وأضاف برنية إنه تم إجراء حوار، وصفه بالبنّاء، مع نخبة من رجال الأعمال السوريين والأمريكيين، وتسليط الضوء على الخطوات العملية الرامية إلى ترسيخ بيئة استثمارية أكثر شفافية واستقرارًا، من خلال تحديث الأطر القانونية والتنظيمية ذات الصلة.
الثقة أساس التعافي
وشدّد كل من وزير المالية وحاكم المصرف المركزي على أن الثقة هي العملة الأهم في مسار التعافي، عبر:
إعادة بناء ثقة المواطنين والمجتمع الدولي التي تشكّل الأساس لأي إصلاح، والتي تمثل أولوية اقتصادية أساسية.
تحقيق الشفافية كالتزام مؤسسي مستمر، وليس مجرد خطاب.
أسس معهد الشرق الأوسط (MEI) في واشنطن العاصمة عام 1946، وهو مؤسسة بحثية وثقافية غير حزبية، تعد الأقدم في أمريكا المخصصة حصريًا لدراسات المنطقة، ويقدم المعهد تحليلات، وتوصيات سياساتية لصناع القرار، بالإضافة إلى برامج تعليمية وفنون، ويسعى المعهد إلى تعزيز المعرفة بالشرق الأوسط داخل الولايات المتحدة، بحسب ما يعرّف عن نفسه عبر موقعه الإلكتروني.
أهمية المراسلة المصرفية للاستثمار
قال حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، خلال الجلسة، “فيما يتعلق بواقع القطاع المصرفي والنظام المالي، فإنه رغم التحديات، يتمتع النظام المالي بدرجة من الاستقرار، إذ إن:
سعر الصرف مستقر نسبيًا وقابل للإدارة.
الدولة تحاول امتصاص الصدمات الاقتصادية دون تحميلها بالكامل للمواطنين (مثل عدم رفع أسعار الغاز).
لكن الاستثمار الأجنبي المباشر غير ممكن دون علاقات مراسلة مصرفية كاملة مع الخارج، وهو عائق أساسي.
ونقلت وكالة “رويترز” منذ أيام عن الحصرية قوله، إن بلاده في المراحل النهائية لإنشاء حساب مصرفي مراسل مع البنك المركزي في تركيا المجاورة، وستناقش أيضا عملية محتملة لتبادل العملات تهدف إلى تعزيز التجارة.
من جانبه قال رئيس “مجلس الأعمال الأمريكي السوري”، جهاد سلقيني، عبر “لينكد إن”، إنه مع استمرار سوريا في انتقالها من مرحلة الإصلاح المالي إلى تحديد أولويات الاستثمار والقطاع المصرفي، تتجه النقاشات اليوم نحو:
استعادة علاقات المراسلة المصرفية.
إعادة الارتباط بنظام “سويفت”.
إعادة هيكلة العملة السورية.
تفعيل التحويلات الرقمية.
تهيئة البيئة المناسبة لجذب الاستثمارات الأجنبية.
ولفت إلى أن العمل متواصل مع قرب انطلاق أول أيام أنشطة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في العاصمة الأمريكية واشنطن.
عوائق.. خطة استراتيجية
قال حاكم المركزي السوري، إن سوريا لا يزال تصنيفها ضمن الدول الراعية للإرهاب (SST)، وهذا يشكّل عائقًا رئيسًا يتسبب بما يلي:
قيود على استخدام حسابات المصرف المركزي (خاصة المرتبطة بالاحتياطيات).
التعرض لأحكام قضائية داخل الولايات المتحدة مرتبطة بهذا التصنيف.
تأثير سلبي واسع على تدفقات الاستثمار والتعاملات المصرفية الدولية.
وضع مصرف سوريا المركزي، وفق الحاكم الحصرية، خطة استراتيجية متوسطة الأجل (2026–2030) تشمل:
خمس ركائز أساسية.
18 هدفًا استراتيجيًا.
17 مشروعًا تنفيذيًا.
وأشار الحصرية إلى أن هذا الأمر “يعكس توجهًا نحو التخطيط المؤسسي والاستمرارية في هذه السياسات”.
وقال الحصرية إن هناك نحو 1.7 مليار دولار أرصدة سورية، عالقة في المصارف اللبنانية، مع اتخاذ مخصصات تحوطية بشأنها.
وصُنّفت سوريا كدولة راعية للإرهاب (SST)، إبّان حكم الرئيس الأسبق، حافظ الأسد، وبقيت على القائمة في عهد ابنه بشار، وقد أُدرجت بداية لدعمها جماعات مثل منظمة التحرير الفلسطينية والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وفقًا لمعهد “واشنطن لدراسات الشرق الأدنى”.
الانضباط المالي واستراتيجية التمويل
أكد وزير المالية السوري خلال الجلسة، أنه فيما يتعلق بالانضباط المالي واستراتيجية التمويل، أشارت الحكومة السورية إلى تحول واضح نحو سياسات مالية تقليدية ومنضبطة، منها:
عدم اللجوء إلى التمويل النقدي.
التوجه لاستخدام السندات والصكوك لتمويل إعادة الإعمار والتنمية.
التركيز على تجنب السياسات التضخمية والحفاظ على الاستقرار المالي.
وأشار الوزير برنية إلى أن الفائض الحكومي الذي تم الإعلان عنه في وقت سابق من هذا العام، يعود إلى مسؤولية وتقشف وزارة المالية، والتزامها بمكافحة الفساد والإنفاق بشكل مسؤول.
كما بيّن أن الموازنة التي تم إصدارها لهذا العام (2026) تُعد مؤشرًا على التزام الوزارة بالشفافية، وهي خطوة غير مسبوقة في سوريا.
ولفت إلى “محدودية العائدات من موارد شمال شرقي سوريا حتى الآن، نتيجة الحاجة إلى استثمارات كبيرة”.
وكان وزير المالية أعلن، في نيسان الحالي، عن موازنة العام 2026 بإيرادات تقدر بنحو 959 مليار ليرة سورية (حوالي 8.7 مليار دولار)، مقابل نفقات تصل إلى 1056.7 مليار ليرة (نحو 10.5 مليار دولار)، وبعجز يقارب 1.8 مليار دولار، أي ما يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي.
وسيكون تمويل العجز، بحسب برنية، من خلال إصدار سندات وصكوك بشكل أساسي، وبعض الفوائد من خلال الصندوق السيادي.
قطاعات الصحة والتعليم والخدمات والإعمار
قال وزير المالية، إن هناك أيضًا التزامًا بتمويل الرعاية الصحية والتعليم والخدمات الاجتماعية وإعادة الإعمار، وقد تم إنشاء صندوق جديد بقيمة 1.5 مليار دولار لإعادة إعمار دير الزور.
وأكد برنية أن الحكومة السورية تسعى إلى ضمان أن يشعر السكان المحليون في المناطق الغنية بالنفط بعوائد وفوائد الموارد المستخرجة من أراضيهم.
وبالنسبة لإعادة توجيه الإنفاق نحو القطاعات الاجتماعية، أشار الوزير برنية إلى وجود تحول مهم في أولويات الإنفاق:
الإنفاق على التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية تجاوز الإنفاق الدفاعي لأول مرة.
نحو 80% من موظفي القطاع العام يتقاضون رواتب مقبولة نسبيًا، في إطار الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.
ونشرت وزارة المالية السورية اليوم، في 7 من نيسان الحالي، موجزًا عن الأداء المالي للموازنة العامة للدولة لعام 2025.
وبحسب البيانات التي نشرها وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، عبر صفحته على “فيسبوك“، فإن هناك تغيرًا في نسبة الفائض الذي تم تحقيقه في الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2025، والتي حددها في تصريح سابق لإحدى القنوات التلفزيونية بنحو عشرة أضعاف.
وبرر الوزير السوري هذا التراجع في الفائض بالقول، إن “الفائض كان قد وصل لحوالي نصف مليار دولار، مع نهاية الربع الثالث، كما سبق أن ذكرنا، وإنما انكمش تدريجيًا خلال الربع الرابع مع تزايد بعض مطارح الإنفاق العام وسداد الالتزامات المتأخرة”، دون أن يحدد ما هي النفقات الطارئة والالتزامات
إصلاحات مؤسسية وتغييرات في الحوكمة
وبين وزير المالية السوري أنه تم تحديد مؤشرات أولية على الإصلاح، منها:
مجلس الضرائب يضم غالبية من القطاع الخاص (خمسة من تسعة أعضاء)، إلى جانب ممثلين عن القانون والأوساط الأكاديمية.
الابتعاد عن ممارسات سابقة حيث كانت وزارة المالية تمارس ضغوطًا على الشركات.
توجه واضح نحو حوكمة قائمة على القواعد وتعزيز دور القطاع الخاص.
وفيما يتعلق بالانخراط الدولي وإعادة الاندماج، أكد وزير المالية أن هناك تواصلًا أسبوعيًا مع وزارة الخزانة الأمريكية لدعم الإصلاحات، وتم دعوة بعثة المادة الرابعة من صندوق النقد الدولي (IMF Article IV) لأول مرة إلى سوريا، كخطوة مهمة نحو إعادة الاندماج.
وأشار أيضًا إلى أنه تم طلب دعم الصندوق في تطوير أنظمة البيانات والتحليل، ما يعكس إدراكًا للفجوات المؤسسية.
وأوضح برنية أن سوريا أنشأت صندوقين، أحدهما بقيمة نحو 1.5 مليار دولار لإعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية.
وزير المالية السورية بحث منذ أيام، أيضًا مع مجلس إدارة الهيئة العامة للضرائب والرسوم الرابع، استراتيجية عمل الهيئة المستقبلية، ورقمنة الخدمات، بحضور أعضاء المجلس، وبمشاركة ممثلين عن مؤسسة “علم” السعودية، وناقش التعديلات التي تم إجراؤها على الصكوك التشريعية الضريبية التي ستصدر قريبًا (ضريبة البيوع العقارية، رسم الطابع، المرسوم التشريعي رقم 30 لعام 2023)، إضافة إلى تطبيق السلفة الضريبية على المستوردات وأسباب التأخر في تطبيقها.
بوادر تعافٍ في الاقتصاد السوري
أكد نائب المدير التنفيذي لمجلس الأعمال الأمريكي السوري، سمير صابونجي، في حديث لعنب بلدي، أن هذه الجلسة، التي عقدت في معهد “الشرق الأوسط” بواشنطن، تتزامن مع دخول سوريا عامها الثاني من المرحلة الانتقالية، حيث بدأ اقتصاد البلاد يُظهر بوادر تعافٍ وإعادة اندماج.
وقد رُفعت معظم العقوبات عن سوريا، ويعيد المجتمع الدولي التواصل مع دمشق على أعلى المستويات، وفقًا لصابونجي.
وأوضح المحامي الأمريكي من أصل سوري، أنه نتيجة لذلك، يتزايد الاهتمام بالاستثمارات الخارجية، كما أن العمل جارٍ على قدم وساق في الإصلاحات الاقتصادية والمالية والمصرفية الداخلية، وبدأت ثمار هذا التقدم المبكر تظهر بالفعل حيث حققت الحكومة السورية فائضًا في الميزانية بنهاية عام 2025، لأول مرة منذ عام 1990.
تحديات أمام الاستثمار
قال صابونجي، إن هناك توجهًا حكوميًا سوريًا نحو نموذج قائم على الثقة والإصلاح، لكن هذا التقدم لا يزال مقيدًا بـ:
تصنيف “SST”.
ضعف الاندماج المصرفي الدولي.
محدودية تدفقات الاستثمار.
وأوضح المحامي صابونجي أن هذا التصنيف يؤثر على ثقة المستثمر، ويشكل حاجزًا قانونيًا للمعاملة مع الحكومة السورية خاصة للمصارف، وهو العقبة الرئيسة لإعادة فتح العلاقات مع البنوك الأمريكية.
وأشار إلى أن هذا اللقاء مع وزير المالية السوري وحاكم مصرف سوريا المركزي، يعكس توجهًا حكوميًا نحو الشفافية والانضباط المالي والإصلاح المؤسسي، مع سعي جاد لإعادة الاندماج في النظام المالي العالمي.
مؤتمر الطاقة الأمريكي- السوري
وكان مجلس الأعمال الأمريكي السوري نظم “مؤتمر الطاقة الأمريكي السوري” الذي عُقد في واشنطن، في 26 من آذار الماضي، وشكل محطة لافتة في نقاشات مستقبل قطاع الطاقة في سوريا، بمشاركة مسؤولين وخبراء من الجانبين، طُرحت خلاله ملفات حساسة تتعلق بإمدادات النفط والغاز ومساراتها الإقليمية.
وتركزت المداخلات في المؤتمر الذي حضرته عنب بلدي افتراضيًا، على التحديات الجيوسياسية التي تعوق مشاريع الطاقة، إضافة إلى التحولات التي طرأت على مصادر التوريد وشبكات النقل في المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول، يوسف قبلاوي، قال خلال المؤتمر، إن الشركة تلقت دعمًا مهمًا خلال المرحلة الماضية، وأسهم ذلك في دفع مسار إعادة الإعمار وتعزيز دور قطاع الطاقة، مشيرًا إلى أن حضور سوريا المؤتمر يعكس أهمية الانفتاح على الشراكات والتواصل مع مختلف الفاعلين.
وأوضح قبلاوي أن سوريا تمر بمرحلة انتقالية من الحرب والفساد إلى مرحلة إعادة البناء، وهذه المرحلة تتطلب إعادة ترتيب الأولويات والعمل على مختلف المستويات، وأشار إلى أن قطاع النفط والغاز يشكّل ركيزة أساسية، إذ يوفّر الموارد المالية اللازمة لتمويل مشاريع الإعمار.
وأضاف أن الشركة السورية للبترول تلعب دورًا رئيسًا في دعم الاقتصاد، وجزء كبير من جهود إعادة البناء يعتمد على الإيرادات التي يحققها هذا القطاع، مبينًا أن هناك تعاونًا دوليًا متزايدًا، خاصة مع الولايات المتحدة ودول أخرى، لا يقتصر على قطاع الطاقة، بل يشمل قطاعات متعددة مثل البنية التحتية والتجارة.
وأشار قبلاوي إلى توقيع عدد من العقود ومذكرات التفاهم مع شركات دولية، تتضمن مشاريع استكشاف جديدة وإعادة تأهيل الحقول القائمة، موضحًا أن هذه الخطوات تعكس تحسن البيئة الاستثمارية، وبعض الشركات بدأت تطلب رفع حالة “القوة القاهرة”، ما يشير إلى عودة تدريجية للاستثمارات.
ولفت إلى أن العمل جارٍ على تعزيز الأمن في مناطق الإنتاج، من خلال التعاون مع الجهات الحكومية واستخدام تقنيات حديثة، مؤكدًا أن الاستقرار الأمني عنصر أساسي لاستمرار المشاريع.
عنب بلدي،
—————————-
تقليص الدعم والتحول إلى اقتصاد السوق.. مخاوف وأسئلة حول البدائل في سوريا
من الأكثر ضرراً من تقليص الدعم الحكومي لبعض المواد الأساسية؟
2026-04-13
تشهد سوريا في المرحلة الراهنة تحولات اقتصادية متسارعة، مع توجه الحكومة إلى توسيع الاعتماد على اقتصاد السوق الحر، ضمن سياسات تهدف إلى إعادة هيكلة المنظومة الاقتصادية وتقليص دور الدولة المباشر في التسعير والدعم.
ويأتي هذا التوجه في وقت تمر فيه البلاد بظروف اقتصادية معقدة، تتسم بارتفاع معدلات التضخم وتراجع القدرة الشرائية لدى شريحة واسعة من السكان.
وتكشف مؤشرات اقتصادية وتصريحات رسمية إلى أن الحكومة تدرس خطوات تدريجية لإنهاء أو تقليص الدعم المقدم لبعض المواد الأساسية، في محاولة لمعالجة الاختلالات في المالية العامة، وتخفيف الأعباء عن الموازنة، إضافة إلى تشجيع الاستثمار وتحريك عجلة الإنتاج في القطاعات المختلفة.
غير أن هذه التحولات تثير في المقابل حالة من القلق لدى كثير من المواطنين، الذين يخشون من أن يؤدي تقليص الدعم إلى موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة أصلاً، وتراجع مستويات الدخل لدى كثير من الأسر السورية.
ويبدو أن توجه الحكومة نحو تقليص الدعم لا يأتي بمعزل عن التحديات المالية التي تواجهها الدولة، إذ يشكل نظام الدعم التقليدي عبئاً كبيراً على الموازنة العامة، خاصة مع تراجع الموارد الاقتصادية خلال السنوات الماضية.
جهات تبحث عن بيئة عمل
يقول الدكتور كميل الساري، أستاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية في جامعة السوربون، إن معظم الجهات الدولية التي يمكن أن تموّل سوريا، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والمؤسسات المالية العالمية، إضافة إلى المستثمرين الأوروبيين والأميركيين، تفضّل العمل في بيئة اقتصادية تقوم على اقتصاد السوق الحر.
ويضيف الساري في حديث لـ”963+”، أن هذه المؤسسات عادةً ما تشترط وجود سياسات اقتصادية تقوم على تقليص تدخل الدولة في السوق ورفع الدعم الحكومي الواسع عن الأسعار، بحيث تتحرك الأسواق وفق آليات الإنتاج والعرض والطلب وربحية الشركات، وأن هذا النموذج هو السائد في معظم الاقتصادات الحديثة التي تعتمد على اقتصاد السوق.
ويبيّن أن هذا التوجه يختلف عن النموذج الاقتصادي المركزي الذي كان سائداً في الاتحاد السوفيتي، حيث كانت الدولة تمتلك الشركات وتتحكم بالإنتاج وتحدد الأسعار والأجور، مؤكداً أن هذا النموذج لم يحقق نجاحاً على المدى الطويل، ليس فقط في الاتحاد السوفيتي، بل في عدد من الدول التي تبنّت الاقتصاد الموجّه.
وفي المقابل، يشدد الساري على ضرورة مراعاة القدرة الشرائية للمواطنين عند تنفيذ أي إصلاحات اقتصادية، موضحاً أن الانتقال إلى اقتصاد السوق يجب أن يرافقه مرحلة انتقالية مؤقتة تهدف إلى حماية الفئات الأكثر ضعفاً، كي لا يؤدي رفع الدعم إلى حرمان شرائح واسعة من المجتمع من القدرة على الاستهلاك.
كما يضيف أن الحكومة السورية تستطيع، في حال تنفيذ إصلاحات اقتصادية، الانتقال من الدعم العام إلى الدعم المباشر للفئات الفقيرة والهشة. ويوضح أن الدعم المباشر يضمن وصول المساعدات إلى المستحقين فعلاً، بدلاً من نظام الدعم الشامل الذي يستفيد منه الفقير والغني على حد سواء.
ويشير الساري إلى أن هذا النوع من السياسات أصبح معتمداً في العديد من الدول، حيث يتم توجيه الموارد الحكومية بشكل أكثر دقة نحو الفئات المحتاجة، بما يحقق قدراً أكبر من العدالة الاجتماعية والكفاءة الاقتصادية في الوقت نفسه.
ضبابية شكل النظام الاقتصادي
يقول الدكتور عمار يوسف، الباحث والأكاديمي السوري في دمشق، إن سوريا تعيش حتى الآن حالة من الضبابية فيما يتعلق بطبيعة النظام الاقتصادي القائم في البلاد، في ظل غياب رؤية واضحة تحدد المسار الاقتصادي الذي تتجه إليه الحكومة خلال المرحلة الحالية.
ويضيف يوسف في حديث لـ”963+”، أن الفترة الأخيرة شهدت ظهور قرارات وخطط تتعلق بإنهاء الدعم الحكومي عن العديد من السلع والبضائع والمواد الاستهلاكية، مشيراً إلى أن إنهاء الدعم في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة يمثل عبئاً كبيراً على الفئات الفقيرة في سوريا، وقد يؤدي إلى نتائج قاسية على قدرتهم المعيشية.
ويلفت إلى أن عدم تحديد هوية واضحة للاقتصاد السوري يحمل تبعات سلبية متعددة تنعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين، موضحاً أن هذا الغموض في السياسات الاقتصادية يخلق حالة من عدم الاستقرار ويزيد من صعوبة التكيف مع التغيرات الاقتصادية.
ويرى أن مجمل هذه العوامل تدفع الحكومة السورية عملياً نحو تبني سياسات أقرب إلى اقتصاد السوق الحر، لافتاً إلى أن المؤشرات الحالية توحي بأن الدولة تتجه تدريجياً إلى تقليص تدخلها في السوق ورفع الدعم الحكومي عن عدد من السلع.
ويضيف أن الحكومة السورية لا تبدو في الوقت الراهن مهتمة بشكل كافٍ بارتفاع الأسعار المتسارع، معتبراً أن الدعم الحكومي الذي كان يقدم في السنوات الماضية كان في كثير من الأحيان وهمياً أو محدود الأثر، ولم ينجح في تحقيق حماية حقيقية للمواطنين من موجات الغلاء.
ويشير يوسف إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في أن سوريا لا تملك حتى الآن خططاً اقتصادية بديلة واضحة بعد إنهاء الدعم الحكومي، موضحاً أن الاقتصاد يسير في الوقت الحالي ضمن حالة ضبابية ودون وجهة محددة يمكن أن تشكل إطاراً واضحاً للسياسات الاقتصادية المقبلة.
ويؤكد أن الفجوة بين الدخل والإنفاق الشهري للمواطنين باتت كبيرة للغاية، إذ يتقاضى الموظف السوري في المتوسط نحو مئة دولار شهرياً، في حين تحتاج العائلة الواحدة إلى أكثر من ألف دولار شهرياً لتأمين احتياجاتها الأساسية من الطعام والشراب فقط، وهو ما يعكس حجم الضغوط المعيشية التي يواجهها السوريون في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
+963
—————————–
فتح باب الاستيراد في سوريا.. إنعاش أم تهديد للصناعة المحلية؟/ خالد الخطيب
2026.04.13
في خضم التحولات الاقتصادية التي تشهدها سوريا، عاد ملف فتح الاستيراد إلى واجهة النقاش العام، وسط تباين حاد في الآراء حول جدواه وتداعياته، فبين من يراه خطوة ضرورية لإنعاش الأسواق وتخفيف الضغط عن المستهلك، ومن يحذر من انعكاساته على الصناعة المحلية الهشة، وهنا يبرز تساؤل جوهري، هل تمثل هذه السياسات فرصة لإعادة التوازن الاقتصادي، أم أنها تهدد ما تبقى من قدرة الإنتاج الوطني وتقضي ربما على الصناعة المحلية؟
دعم غائب وضغوط متزايدة
في ظل توجهات لفتح الأسواق أمام المنتجات المستوردة بهدف تحفيز الحركة التجارية، تتصاعد التحذيرات من انعكاسات هذه السياسات على الصناعة المحلية، وفي هذا السياق، قال الباحث الاقتصادي أحمد عزوز لموقع تلفزيون سوريا إن الواقع الذي يواجهه الصناعيون السوريون يكشف عن فجوة واضحة بين السياسات المعلنة واحتياجات القطاع الإنتاجي، مشيراً إلى أن الإجراءات الحالية لا تقدم دعماً حقيقياً للصناعات المحلية، بل تزيد من أعبائها في ظل أزمات اقتصادية متراكمة.
ويضيف عزوز أن تخفيض الرسوم الجمركية قد يبدو خطوة منطقية لتنشيط السوق، إلا أنه يبقى إجراء شكليا ما لم يترافق مع سياسات موازية لدعم الإنتاج المحلي، فبحسب رأيه، تتحمل المصانع المحلية أعباء إضافية، في وقت يمنح فيه الاستيراد أولوية لا تنسجم مع هشاشة البيئة الاقتصادية.
تحديات الإنتاج المستمرة
ويشير عزوز إلى أن أحد أبرز أوجه القصور يتمثل في غياب رؤية واضحة لدعم الصناعة الوطنية، سواء عبر تحسين سلاسل التوريد أو تبسيط الإجراءات الإدارية أو تأمين التمويل للمشاريع الصناعية، خاصة الصغيرة والمتوسطة، ويرى أن هذه الفجوة قد تؤدي إلى تصدير فرص العمل للخارج، من خلال استيراد سلع يمكن إنتاجها محلياً في حال توفرت بيئة مناسبة.
ويطرح عزوز تساؤلات جوهرية حول أولويات السياسات الاقتصادية، متسائلاً، ألم يكن من الأجدر تبسيط الإجراءات الجمركية وخفض تكاليف الإنتاج أولاً قبل فتح الباب أمام المنتجات الأجنبية؟ كما يلفت إلى أن أزمة الكهرباء تشكل عائقاً رئيسياً أمام الإنتاج، حيث تؤدي الانقطاعات المتكررة إلى توقف الآلات وزيادة التكاليف التشغيلية، فضلاً عن الأضرار الفنية التي تصيب المعدات، وفي ظل هذه الظروف، تصبح القدرة على المنافسة شبه معدومة، ويغدو الاستثمار في تطوير الأعمال مخاطرة كبيرة.
عوائق أمام المنافسة
لا تتوقف التحديات التي تواجه الصناعة السورية عند أزمة الطاقة، بل تمتد لتشمل البنية التحتية المتدهورة التي باتت، وفق ما يشير إليه الباحث الاقتصادي أحمد عزوز، أحد أبرز العوامل المعيقة لأي محاولة للنهوض بالإنتاج المحلي، فالمصانع لا تعمل ضمن بيئة إنتاجية مستقرة، بل ضمن منظومة تعاني من اختلالات عميقة في النقل والاتصالات والخدمات الأساسية، ما يرفع من كلفة الإنتاج ويطيل زمن وصول السلع إلى الأسواق، وفي المقابل، تستفيد الصناعات في الدول المنافسة من شبكات نقل حديثة، وموانئ فعالة، وأنظمة لوجستية متكاملة، تتيح لها إنتاج وتوزيع السلع بكفاءة أعلى وكلفة أقل، وهو ما يضع المنتج السوري في موقع غير متكافئ منذ البداية.
وتظهر هذه الفجوة بشكل واضح في تكاليف الشحن الداخلي والخارجي، حيث يواجه الصناعيون صعوبات في نقل المواد الأولية إلى المصانع، أو إيصال المنتجات النهائية إلى الأسواق المحلية والخارجية، نتيجة تردي الطرق وارتفاع تكاليف النقل وتعقيد الإجراءات، كما أن ضعف خدمات الاتصالات يحد من قدرة الشركات على إدارة عملياتها بكفاءة أو الانخراط في الأسواق الرقمية، التي أصبحت جزءاً أساسياً من المنافسة الحديثة.
وينتقد عزوز غياب أي إصلاحات حقيقية في القطاع اللوجستي، معتبراً أن الاكتفاء بتخفيض الرسوم الجمركية لا يمكن أن يحقق نتائج ملموسة دون تطوير بيئة النقل والشحن، فالقطاع لا يزال، بحسب توصيفه، يعاني من بيروقراطية معقدة تعيق حركة البضائع، إضافة إلى مظاهر احتكار تحد من المنافسة وترفع التكاليف على المنتجين، وهذا الواقع ينعكس سلباً على كفاءة سلاسل التوريد، ويُفقد الصناعة المحلية قدرتها على الاستجابة السريعة لمتطلبات السوق.
ويحذر عزوز من أن استمرار هذه الاختلالات، بالتوازي مع سياسات فتح الاستيراد، قد يقود إلى نتائج عكسية، أبرزها تعميق الاعتماد على المنتجات المستوردة، وتراجع الإنتاج المحلي تدريجياً، ما يفاقم من الأزمات الاقتصادية القائمة. كما أن هذا المسار قد ينعكس بشكل مباشر على سوق العمل، عبر فقدان المزيد من الوظائف المرتبطة بالقطاع الصناعي، وتآكل القاعدة الإنتاجية التي تُعدّ أحد أعمدة أي اقتصاد مستقر.
دعوات للانفتاح
في المقابل، يرى بعض المتابعين للشأن الاقتصادي السوري، في تصريحات لموقع تلفزيون سوريا، أن الدعوات لفرض قيود جمركية مرتفعة تعكس توجهاً نحو العودة إلى سياسات الانغلاق التي سادت في فترات سابقة خلال حكم نظام “البعث”، والتي لم تؤدِّ إلا إلى اقتصاد ضعيف ومحدود التنافسية.
ويؤكد هؤلاء أن السوق السورية، التي تضم أكثر من 20 مليون مستهلك، لا يمكن أن تكون بديلاً عن الأسواق العالمية التي تضم مليارات المستهلكين، معتبرين أن الانفتاح هو الطريق نحو بناء صناعة قادرة على المنافسة والتصدير، كما يشددون على ضرورة إزالة العقبات الإدارية واللوجستية، وتخفيض تكاليف الطاقة والنقل، بدلاً من فرض قيود إضافية قد تعيق ديناميكية الاقتصاد.
ويشير هذا الرأي إلى أن بعض المصانع قد لا تتمكن من التكيف مع السوق المفتوحة، لكن في المقابل ستنشئ مؤسسات جديدة أكثر كفاءة، ما يسهم في بناء اقتصاد متنوع ومستدام، ويرى هؤلاء أن الإصلاحات الحكومية الأخيرة، مثل تبسيط النظام الضريبي وتسهيل دخول مدخلات الإنتاج، تمثل خطوات إيجابية، لكنها تحتاج إلى استكمال.
بين الانفتاح والحماية
يرى الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر أن الجدل حول فتح الاستيراد يعكس انقساماً بين من يعتبره ضرورة لتوفير السلع وتنشيط السوق، ومن يخشى تأثيره على الصناعة المحلية، ويوضح أن الاستيراد قد يخفف الضغط عن المستهلك عبر توفير السلع بأسعار أقل، لكنه في الوقت نفسه يشكل تحدياً للمصانع التي تعاني من ارتفاع التكاليف وضعف الإنتاج.
ويوضح عمر خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن الاعتماد المفرط على الاستيراد قد يحول السوق إلى منفذ لتصريف منتجات خارجية، ما يهدد بإغلاق المصانع المحلية وفقدان فرص العمل، وفي المقابل، يؤكد أن إغلاق باب الاستيراد ليس حلاً عملياً، داعياً إلى إدارة متوازنة لهذه السياسة، تقوم على تنظيم الاستيراد ودعم الإنتاج المحلي في آن واحد.
ويقترح عمر إعطاء الأولوية لاستيراد المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج، مع فرض قيود مدروسة على السلع التي لها بديل محلي، إلى جانب تحسين البنية التحتية وتوفير التمويل والطاقة بأسعار مناسبة.
يكشف الجدل الدائر حول فتح الاستيراد في سوريا عن معضلة اقتصادية معقدة تتطلب مقاربة متوازنة، لا تقوم على الانفتاح المطلق ولا على الانغلاق التام، فبين الحاجة إلى تنشيط السوق وتوفير السلع، وضرورة حماية الإنتاج المحلي، تبرز أهمية تبني سياسات شاملة تدعم الصناعة الوطنية وتزيل العقبات أمامها، ودون ذلك، يبقى خطر تحول الاقتصاد إلى نموذج يعتمد على الاستيراد قائماً، بما يحمله من تداعيات على الإنتاج وفرص العمل والاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل.
تلفزيون سوريا
—————–
التحدّي البيئي في سورية … الجفاف واستنزاف الموارد ينتجان التوترات الاجتماعية/ مرعي الرمضان
14 ابريل 2026
بينما تركز جهود إعادة الإعمار في سورية على الاقتصاد والبنية التحتية، يتشكل تهديد أقل وضوحاً لكنه أكثر عمقاً، فالأزمة البيئية المتفاقمة قد تعيد إنتاج التوتّرات الاجتماعية في مرحلة انتقالية هشة. وبعد أكثر من عام على سقوط نظام بشّار الأسد، تبدو سورية على أعتاب مرحلة انتقالية واعدة؛ إذ عاد أكثر من 1.48 مليون لاجئ وفق المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في يناير/ كانون الثاني الماضي، وانحسرت العقوبات الدولية، وبدأت بوادر استثمارات خليجية في إعادة الإعمار، مع تقدم تدريجي نحو توحيد المؤسسات والأراضي.
لا تسعى هذه المطالعة إلى تفسير ما جرى في سورية، ولا إلى اختزال عقد من الصراع في عوامل مناخية أو بيئية؛ فالاستبداد والفساد وانسداد الأفق السياسي هي المحرّكات الأساسية لما عاشته البلاد.
تحاول هذه المطالعة قراءة ما ينتظر سورية: التحدّي البنيوي الذي يهدد المرحلة الانتقالية قبل أن تتوطد، والمتمثل في الضغط البيئي المتزايد الناتج من شحّ المياه، والتلوث النفطي، والصيد الجائر، والحرائق، والرعي المفرط. وهي تحديات لم تعد قضايا تنموية أو بيئية منفصلة، بل أصبحت جزءاً أساسياً من مفهوم الأمن البيئي (Environmental Security)، أي قدرة الدولة والمجتمع على إدارة الموارد الطبيعية بطريقة تمنع تحوّل الضغوط البيئية إلى عوامل عدم استقرار سياسي أو اجتماعي. وقد كشفت دراسات المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسّطة المدى أن شرق المتوسّط بات من أكثر مناطق العالم عرضةً للجفاف المتكرر نتيجة تغير المناخ.
من التدهور إلى التوتّر الاجتماعي
يمكن فهم طبيعة المخاطر البيئية عبر مسار سببي واضح أثبتته التجارب الدولية في دول ما بعد النزاع: فالجفاف المستمر، والتلوث، والحرائق، والرعي الجائر تؤدّي جميعاً إلى تراجع الإنتاج الزراعي، فيفقد المزارعون مصادر رزقهم، ومن ثم تتصاعد الهجرة الريفية، فترتفع البطالة الحضرية، وتتصدّع بنية التماسك الاجتماعي؛ وهو تسلسل وثّقته أبحاث متعددة في سياقات مختلفة تمتدّ من السودان إلى اليمن. وما يجعل الحالة السورية أشد حساسية تقاطع هذا المسار مع مرحلة انتقالية هشّة لم تتوطد فيها المؤسسات بعد، ما يضاعف قدرة الضغوط البيئية على إشعال التوترات الاجتماعية أو استغلالها من قوى مزعزعة للاستقرار.
أرقام تعكس حجم الأزمة
رصد برنامج الأمم المتحدة للبيئة في تقاريره أخيراً أن منسوب المياه الجوفية في محيط دمشق انخفض بأكثر من 65 متراً خلال العقدين الماضيين. وتحوّل نهر بردى، الشريان التاريخي للعاصمة، إلى مجرى شديد التلوث في أجزاء واسعة منه جرّاء الصرف الصناعي وانهيار شبكات معالجة المياه. كما وثّقت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن سورية فقدت نحو 30% من غطائها الحرجي منذ عام 2011 نتيجة الحرائق والقطع غير القانوني للأشجار.
وفي حوض الفرات والجزيرة السورية، تفيد تقديرات المنظمة نفسها بأن إنتاج القمح والشعير انخفض بنسب تراوحت بين 40% و60% مقارنة بالمتوسط التاريخي لمطلع الألفية. وعلى صعيد الإنسان، يُقدّر برنامج الغذاء العالمي أن نحو 14.5 مليون سوري يعانون من انعدام الأمن الغذائي أو المائي الحاد. وقبل الحرب، كانت الزراعة تمثل نحو 20%–25% من الناتج المحلي الإجمالي، وتُشغّل قرابة ربع القوى العاملة السورية وفق بيانات البنك الدولي. أما الجفاف الذي اجتاح البلاد عام 2025، فقد أفضى إلى عجز في إنتاج القمح يُقدَّر بنحو 2.7 مليون طن متري، وهو ما يكفي نظرياً لتغطية الاحتياجات الغذائية السنوية لأكثر من 16 مليون شخص.
وفي مناطق سورية متعددة، بدأت آثار التدهور البيئي تتجلى في الحياة اليومية بصورة ملموسة؛ ففي قرية جدوعة قرب سلمية بريف حماة، جفّت آبار زراعية رئيسية ما دفع بعض المزارعين إلى بيع مواشيهم أو هجر أراضيهم. وفي ريف دير الزور، تراجع إنتاج القمح إلى نحو سدس مستواه السابق جراء انخفاض تدفق مياه الفرات وتدهور شبكات الري. وفي ريف كوباني، بدأ مزارعون يتخلون عن الزراعة كلياً بسبب ارتفاع تكاليف الري وتراجع العائد الاقتصادي.
والأكثر دلالةً ما رصده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقاريره الميدانية عام 2025، إذ تبيّن أن نحو 72% من النزاعات المحلية المرصودة في ريف دمشق الشرقي ترتبط بالمياه والأراضي، وهو رقم يلوّح بأن البذرة الأولى لموجة هجرة ريفية جديدة ربما بدأت تنبت في ظل غياب تدخلات فعّالة وعاجلة.
تسارع التصحّر والتلوث النفطي
شهد الساحل السوري خلال عام 2025 موجات حرائق واسعة التهمت آلاف الهكتارات من الغابات في محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة. وتشير بيانات منظمة Global Forest Watch إلى احتراق أكثر من 16.6 ألف هكتار من الغابات والأراضي الزراعية، فيما سُجّل أكثر من 2100 حريق حراجي وزراعي خلال العام الواحد. وفي البادية الشرقية والجزيرة السورية، أدى الرعي الجائر والفلاحة غير المنظمة إلى تسارع التصحر وتدهور المراعي الطبيعية، مما ساهم في زيادة شدة العواصف الترابية في مناطق دير الزور والحسكة.
وفي مناطق إنتاج النفط بدير الزور والحسكة والرقة، تعرّضت البنية التحتية النفطية لأضرار واسعة خلال سنوات الحرب، ما أدى إلى تسربات متكرّرة وتلوث واسع للتربة والمياه. ورصد برنامج الأمم المتحدة للبيئة في وثائقه الصادرة بين عامي 2023 و2024 ثلاثة أشكال رئيسية لهذا الإرث البيئي الثقيل: تسرّب مركبات هيدروكربونية ومعادن ثقيلة إلى نهر الفرات وروافده، ما يهدد مياه الشرب والري لملايين السكان. تشكّل بحيرات نفطية ملوثة في بعض الحقول تحول دون نمو النباتات لسنوات طويلة. انبعاث غازات سامة وجسيمات دقيقة من عمليات التكرير البدائي، تحتوي على مركبات مسرطنة كالبنزين والهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات.
الصيد الجائر والمياد سلاحا
تواجه الموارد السمكية في سورية تراجعاً حادّاً نتيجة الصيد الجائر وغير المنظم؛ ففي الساحل السوري، أدى استخدام الشباك المحظورة والمتفجرات إلى استنزاف المخزون السمكي بصورة ملحوظة، فيما أدى الصيد بالسموم والكهرباء في نهر الفرات إلى تدمير أجيال كاملة من الأسماك الصغيرة. وقد جمعت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) شهادات صيادين محليين تُفيد بأن كميات الصيد اليومية انخفضت بنسبة تتراوح بين 60 و80% مقارنة بعقد 2010.
ولا يمكن فهم الأزمة المائية في سورية بمعزل عن بعدها الإقليمي العابر للحدود؛ فنهر الفرات، الذي يُمثّل شرياناً حيوياً لنحو 15 مليون سوري، يخضع لمعادلة قوة غير متوازنة تحكمها تركيا من المنبع. يضم مشروع جنوب شرق الأناضول (GAP) أكثر من 22 سداً، في مقدمتها سد أتاتورك الذي تبلغ طاقته التخزينية نحو 48 مليار متر مكعب. وقد انخفض تدفق الفرات عند الحدود السورية التركية في بعض السنوات إلى أقل من 500 متر مكعب في الثانية، مقارنة بمتوسّط تاريخي يتجاوز 800 متر مكعب وفق ما ترصده محطة جرابلس المائية.
وتدخل سورية المفاوضات المائية من موقع ضعف مزدوج: فمن الشمال تواجه التحكم التركي في منابع الفرات، ومن الشرق ترتبط بالعراق الذي يعاني من ضغوط مائية مشابهة، ومن الداخل تفتقر إلى سلطة مركزية راسخة قادرة على التفاوض باسم الدولة. وعلى الرغم من أن اتفاقية عام 1987 بين تركيا وسورية حددت حصة سورية بـ 500 متر مكعب في الثانية، فإن هذا الرقم لم يُلتزم به دائماً، كما أنه يظل دون المستوى الكافي لتلبية الاحتياجات الزراعية في ظل الجفاف المتصاعد.
ثمة نافذة دبلوماسية قد تفتحها المرحلة الانتقالية؛ فتركيا أبدت اهتماماً ببناء علاقات مع الحكومة السورية الجديدة، وهو ما يمكن توظيفه للمطالبة بمراجعة الاتفاقيات المائية ضمن إطار تفاوضي شامل. وتُلهم التجربة العالمية في هذا السياق من اتفاقية مياه النيل إلى معاهدة السند بين الهند وباكستان بأن المؤسّسات المشتركة لإدارة الأنهار العابرة للحدود يمكن أن تُحوّل التنافس على المياه من منبع توتّر إلى أداة استقرار إقليمي.
هل البيئة أولوية حالياً؟
يرى فريق من صانعي القرار والمانحين الدوليين أن ربط إعادة الإعمار بالاشتراطات البيئية ترف لا تتحمّله دولة تسعى أولاً إلى الاستقرار الأمني وإعادة تشغيل اقتصادها، وأن الأولويات ينبغي أن تنصبّ على البنية التحتية والتعليم والصحة، لا على سياسات مناخية معقدة التطبيق ومكلفة التمويل. ويحمل هذا الاعتراض منطقاً واقعياً يستحقّ الجدّية، غير أنه يرتكز على تقاطع زمني وهمي بين الأولويات، وكأن تحقيق الاستقرار والاهتمام البيئي أمران متنافيان، في حين أن الوقائع تُثبت العكس. فقد وثّق فريق من الباحثين بقيادة كولن كيلي في دراسة نُشرت في المجلة العلمية الأمريكية PNAS عام 2015، أن موجة الجفاف التي اجتاحت سورية بين عامي 2006 و2010 ساهمت في نزوح نحو 1.5 مليون مزارع نحو المدن، وضخّت وقوداً اجتماعياً في صراع لاحق. ولن يعيد إهمال هذا الدرس في مرحلة إعادة الإعمار التاريخ فحسب، بل سيُكرّره بشكل أكثر مرارة؛ إذ ستجد الدولة الانتقالية الهشة نفسها أمام توترات متراكمة اجتماعية ناجمة عن نزاعات مياه وأرض قبل أن تُكمل بناء مؤسّساتها. … والمعادلة الحقيقية ليست مسألة بيئة أو استقرار، بل هي: إدارة بيئية ذكية الآن أم أزمات اجتماعية أكثر كُلفةً لاحقاً؟
إعادة إعمار أخضر
شهد موسم الأمطار 2025- 2026 تحسناً ملحوظاً، إذ بلغت كميات الهطول في بعض المناطق نحو 60% من المعدّل السنوي حتى فبراير/ شباط الماضي. غير أن هذا التحسّن لا يعوّض عقداً من التراجع التراكمي في المياه الجوفية، في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتصاعد معدلات التبخر التي يرصدها برنامج كوبرنيكوس الأوروبي لرصد المناخ.
ورغم خطورة التحديات، تفتح مرحلة إعادة الإعمار نافذة لسياسات بيئية أكثر استدامة. فقد أعلن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن أكثر من 550 ألف متر مكعب من الركام الناتج من الحرب أُعيد تدويره حتى الآن. وتنتشر مبادرات تشجير وطنية كـ “غرسة وطن” و”دمشق خضراء”، فيما تُشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن تقنيات الري بالتنقيط توفر ما يصل إلى 60% من المياه مقارنة بالري السطحي التقليدي. كما يمكن لسورية الاستفادة من صندوق المناخ الأخضر المتاح للدول الخارجة من النزاعات والذي لم يُستغل بعد بالقدر الكافي.
توصيات للمرحلة الانتقالية
• إنشاء هيئة وطنية عليا للموارد المائية والبيئة تتبع أعلى مستوى حكومي لضمان التنسيق المؤسسي.
• إصدار قانون شامل لإدارة المياه والثروة السمكية يمنع الاستغلال غير المنظم للموارد.
• توجيه جزء من الاستثمارات الدولية نحو مشاريع الإدارة المستدامة للمياه والطاقة المتجددة.
• إدماج التعويضات البيئية ضمن برامج العدالة الانتقالية للمزارعين والصيادين المتضررين.
• إشراك المجتمعات المحلية ومنظمات المجتمع المدني في إدارة الموارد الطبيعية عبر تعاونيات المياه ولجان إدارة البيئة.
• فتح مسار تفاوضي مع تركيا حول تقاسم مياه الفرات في إطار القانون الدولي للمياه.
وليس الخيار أمام سورية بين الاهتمام بالبيئة أو تجاهلها، بل بين دفع تكلفة الإدارة البيئية المدروسة الآن، أو دفع تكلفة الانهيار الاجتماعي لاحقاً؛ وهي فاتورة أثقل بكثير. يُقدّر البنك الدولي أن تكلفة التدهور البيئي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تبلغ ما بين 3% و5% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً. وفي اقتصاد ناشئ كالاقتصاد السوري الساعي إلى استعادة عافيته، يُمثّل هذا النزيف البطيء عائقاً بنيوياً أمام أي مسار تعافٍ مستدام.
الدرس الذي كان ينبغي تعلّمه من جفاف 2006–2010 لم يُستوعَب بشكل كافٍ حين اندلعت الأزمة. اليوم، وبعد كل التكاليف الباهظة التي دفعتها سورية وشعبها، يغدو تكرار هذا الإخفاق في تجاهل الضغوط البيئية ومخاطرها على التماسك الاجتماعي أمراً لا يحتمل الاعتذار عنه.
ليس الأمن البيئي في سورية ملفاً تقنياً يُحال إلى لجان خبراء؛ إنه قضية سياسية بامتياز تستوجب قراراً سياسياً رفيعاً. والمرحلة الانتقالية بكل ما تحمله من هشاشة هي في الوقت نفسه اللحظة الوحيدة التي يمكن فيها إرساء قواعد مختلفة قبل أن تتكلس الأنماط القديمة من جديد. الأرض السورية تحمل من الجروح ما يكفي، والمطلوب اليوم ألا تُضاف إليها جروحٌ كان بالإمكان تجنبها.
العربي الجديد
——————————–
الشراكة السورية – الأردنية.. إعادة رسم خارطة اقتصادية تتجاوز حدود المنطقة/ فؤاد الوادي
أبريل 14, 2026
اختتمت في العاصمة الأردنية عمان، الأحد الفائت، أعمال الدورة الثانية للاجتماع الوزاري لمجلس التنسيق الأعلى السوري الأردني، بتوقيع حزمة واسعة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، في خطوة وصفت بأنها الأكبر في تاريخ العلاقات بين البلدين، وتهدف إلى الارتقاء بالعلاقة إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية والمؤسسية.
وترسم مخرجات الاجتماع خارطة اقتصادية جديدة يتجاوز طيفها حدود البلدين ليصل إلى المنطقة والعالم، في ضوء التحولات العاصفة التي لا تزال تضرب المنطقة جراء الحرب الأميركية “الإسرائيلية” – الإيرانية، التي أغرقت تداعياتها العالم في أزمة خانقة نتيجة إغلاق مضيق هرمز وتوقف سلاسل الإمداد والطاقة.
وشهدت الاجتماعات، التي شارك فيها نحو 30 وزيرا من الجانبين، توقيع نحو 10 اتفاقيات شملت قطاعات الصناعة والتجارة، والصحة، والتعليم، والشؤون الاجتماعية، والعدل، والإعلام، والسياحة، والأوقاف، إضافة إلى البريد والدفع الإلكتروني، إلى جانب بحث التعاون في أكثر من 21 قطاعا.
مدخل لبناء ممرات اقتصادية بديلة
وضمن هذا السياق، أكدت الباحثة الاقتصادية الدكتورة منال الشياح، نائب عميد كلية الاقتصاد الثانية، في حديثها لـ”الثورة السورية”، أن الشراكة الاقتصادية بين سوريا والأردن تعد من أبرز التحولات التي يشهدها الإقليم في المرحلة الراهنة، إذ تطرح هذه الشراكة إمكانية إعادة رسم خارطة اقتصادية جديدة تقوم على إعادة تفعيل الدور الجغرافي للبلدين محور ربط بين الخليج العربي وشرق المتوسط، في ظل التحولات العالمية في سلاسل الإمداد وارتفاع تكلفة النقل، كما تبرز هذه العلاقة الثنائية بوصفها مدخلا لبناء ممرات اقتصادية بديلة أكثر كفاءة واستقرارا.
وأوضحت الدكتورة الشياح أن هذه الاتفاقيات لم تأت بمعزل عن سياقها السياسي والاقتصادي، بل تعد امتدادا لنهج “التوأمة الاقتصادية” بين البلدين، الذي جرى التوافق عليه في مراحل سابقة بهدف تعميق التكامل الثنائي وتنسيق السياسات في قطاعات حيوية، حيث شكلت هذه التوأمة إطارا مرجعيا لإعادة تفعيل العلاقات الاقتصادية والانطلاق نحو شراكة أكثر شمولا، تقوم على تبادل المنافع واستثمار المزايا النسبية لكل طرف.
وبحسب الشياح، فإن معبر نصيب – جابر الحدودي، الذي يعد موقعا محوريا في هذه الشراكة، يعد أحد أهم الممرات البرية في المنطقة، كونه يربط مباشرة بين شبكات النقل في بلاد الشام والأسواق الخليجية، وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا المعبر في كونه جزءا من ممر بري دولي يمتد من أوروبا عبر تركيا وسوريا وصولا إلى الأردن ثم إلى دول الخليج، ما يجعله حلقة أساسية في إعادة تشكيل سلاسل الإمداد الإقليمية. وقد أدى تعطل هذا المعبر في فترات سابقة إلى ارتفاع كبير في تكاليف النقل وتباطؤ حركة التجارة، في حين أن إعادة تفعيله تعني استعادة أحد الشرايين الاقتصادية الحيوية في المنطقة.
نشاط اقتصادي مواز
ووفقا للباحثة الاقتصادية، فإن الانعكاسات الاقتصادية لهذا المعبر تتجلى في عدة مستويات، فمن جهة، يسهم في خفض تكاليف النقل وزمن الشحن، وهو ما يعزز القدرة التنافسية للسلع المتبادلة بين الدول ويزيد من حجم التجارة البينية، ومن جهة ثانية، يخلق نشاطا اقتصاديا موازيا يرتبط بالخدمات اللوجستية، مثل التخزين والنقل والتخليص الجمركي، ما يفتح المجال أمام فرص استثمارية جديدة ويولد فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، كما يسهم في تنشيط الإيرادات الحكومية من خلال الرسوم الجمركية وبدلات العبور، وهو ما يدعم المالية العامة في البلدين.
وفي هذا الإطار، تشير الدكتورة الشياح إلى أن الاتفاقيات الموقعة بين البلدين تأتي ترجمة عملية لهذا التوجه، حيث تركز أولا على قطاع النقل والتجارة من خلال إعادة تفعيل المعابر الحدودية، ولا سيما معبر نصيب – جابر، وتسهيل حركة الشاحنات وتبسيط الإجراءات الجمركية. وتسهم هذه الخطوات في تنشيط التبادل التجاري، كما تعزز إمكانية استخدام الأراضي السورية والأردنية ممرا للترانزيت للبضائع المتجهة بين دول الخليج وأوروبا، الأمر الذي يعيد إحياء الدور اللوجستي للمنطقة.
أما في قطاع الطاقة، فتتجلى أهمية الاتفاقيات في إعادة تشغيل مشاريع الربط الكهربائي وخطوط نقل الطاقة، بما يسمح بمرور الكهرباء والغاز عبر سوريا إلى دول الجوار. ويسهم هذا التعاون في تعزيز أمن الطاقة الإقليمي، كما يتيح تحقيق عوائد اقتصادية من خدمات العبور، فضلا عن تقليل الحاجة إلى استثمارات جديدة في مسارات بديلة، وهو ما يعكس توجها نحو الاستفادة من البنية التحتية القائمة.
وفيما يتعلق بالأمن الغذائي، تضيف الشياح، فإن الاتفاقيات تشمل جوانب التعاون الزراعي وتبادل المنتجات الغذائية، حيث تمتلك سوريا إمكانات إنتاجية زراعية مهمة، في حين يتمتع الأردن بقدرات لوجستية وتنظيمية تسهم في تسويق هذه المنتجات ونقلها إلى الأسواق الإقليمية. ويؤدي هذا التكامل إلى تقليل الاعتماد على الاستيراد الخارجي، وتعزيز استقرار الأسواق المحلية في مواجهة الأزمات العالمية.
تهيئة البيئة المناسبة لجذب رؤوس الأموال
كما تمتد الاتفاقيات لتشمل مجالات الاستثمار والتعاون الاقتصادي، من خلال تشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص وتهيئة البيئة المناسبة لجذب رؤوس الأموال، خاصة في قطاعات البنية التحتية والخدمات. ويعد هذا الجانب محوريا في دعم جهود إعادة الإعمار وتحفيز النمو الاقتصادي، بما ينعكس على خلق فرص عمل وتحسين النشاط الاقتصادي في البلدين.
وعلى المستوى الفني، تتضمن هذه الشراكة تعاونا في مجالات التنسيق الجمركي وتطوير البنية التحتية وتبسيط الإجراءات الإدارية، وهو ما يسهم في تقليل التكاليف وتسريع حركة التجارة، ويعزز كفاءة سلاسل الإمداد الإقليمية.
وبينت الشياح أنه، رغم الإمكانات الواعدة لهذه الشراكة، فإنها تواجه جملة من التحديات، في مقدمتها البيئة السياسية المعقدة وتأثير العقوبات الاقتصادية، إضافة إلى الحاجة إلى إعادة تأهيل البنية التحتية داخل سوريا، وتوفير التمويل اللازم لتنفيذ المشاريع المشتركة. كما أن تحقيق تكامل اقتصادي فعلي يتطلب إطارا قانونيا وتنظيميا واضحا، وإرادة سياسية مستدامة تدعم هذا المسار.
واختتمت الباحثة الاقتصادية الدكتورة منال الشياح، نائب عميد كلية الاقتصاد الثانية، حديثها لـ”الثورة السورية” بالقول: “إن الشراكة السورية الأردنية، المدعومة بإطار التوأمة الاقتصادية والأهمية الاستراتيجية لمعبر نصيب – جابر، تمثل محاولة جدية لإعادة تموضع اقتصادي إقليمي، من خلال بناء ممرات بديلة لسلاسل الإمداد، وتعزيز التكامل في مجالات الطاقة والغذاء والاستثمار، وإذا ما تم تنفيذ الاتفاقيات الموقعة بفعالية، فإنها قد تسهم في ترسيخ نموذج اقتصادي جديد للمنطقة، يقوم على التنويع والتكامل وتقليل الاعتماد على المسارات التقليدية، بما يفتح آفاقا أوسع للنمو والاستقرار الاقتصادي”.
وفي بيان مشترك أوردته وزارة الخارجية عبر معرفاتها الرسمية، أكد الجانبان التوجه نحو توسيع التعاون الاقتصادي والتجاري، من خلال تفعيل آليات المبادلات التجارية وفق مبدأ المعاملة بالمثل، وخفض الرسوم الجمركية، وتسهيل حركة الترانزيت، بما يسهم في تنشيط التبادل التجاري بين البلدين.
كما شدد البيان على تطوير معبر “نصيب – جابر” وتحويله إلى مركز إقليمي للنقل والتجارة، وتعزيز الاستفادة من الموانئ البحرية، بما يدعم تدفق السلع ويعزز دور البلدين في سلاسل الإمداد الإقليمية.
وفي قطاع الطاقة، رحب الجانبان باتفاق تزويد سوريا بالغاز الطبيعي، والعمل على استئناف الإمدادات خلال فترة قريبة، إلى جانب بحث مشاريع الربط الكهربائي، بما يعزز استقرار قطاع الطاقة. كما اتفق الطرفان على تشكيل فرق عمل مشتركة لتنفيذ مشاريع استراتيجية في مجالات المياه والتكامل الصناعي، إضافة إلى التعاون في مجالات الاتصالات والاقتصاد الرقمي وإدارة الموارد المائية المشتركة، ولا سيما في حوض اليرموك.
اتفاقات وتفاهمات متعددة
كما اتفق الجانبان على تعزيز التعاون في قطاع النقل بمختلف أنواعه، بما يشمل النقل البري والبحري والجوي، وتطوير الإجراءات المرتبطة بحركة الأفراد والبضائع، بما يسهم في تسهيل التبادل التجاري وربط البلدين بممرات النقل الإقليمية.
وعلى الصعيد السياسي، أكد الجانبان ضرورة وقف الاعتداءات “الإسرائيلية” على الأراضي السورية، واعتبرا أنها انتهاك للقانون الدولي وتهديد لاستقرار المنطقة، مع التشديد على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي ورفض أي محاولات لفرض وقائع جديدة.
وعلى مستوى الاتفاقيات التفصيلية، وقعت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، هند قبوات، مذكرتي تفاهم مع الجانب الأردني، شملتا التعاون في مجالات العمل والتشغيل، وتبادل الخبرات في الصحة والسلامة المهنية، إضافة إلى تطوير برامج الحماية والرعاية الاجتماعية وإعداد خطط تنفيذية مشتركة.
وفي القطاع الإعلامي، وقع وزير الإعلام حمزة المصطفى اتفاقية تعاون مع وزير الاتصال الحكومي الأردني محمد المومني، تضمنت تبادل الأخبار بين وكالتي الأنباء، والتعاون في إنتاج البرامج الإذاعية والتلفزيونية، إلى جانب التنسيق في التشريعات الإعلامية والتدريب المهني.
كما وقعت وزارتا التعليم العالي في البلدين اتفاقية تعاون أكاديمي تشمل 16 مجالا، إضافة إلى منح دراسية وتسهيلات للطلبة والباحثين.
وفي المجال الاقتصادي والتقني، وقعت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية مذكرة تفاهم لمدة ثلاث سنوات مع نظيرتها الأردنية، تركز على تطوير الأنظمة الرقمية والإدارية، ولا سيما في مجال مراقبة الشركات، وتبادل الخبرات الفنية.
وفي القطاع القضائي، وقع وزير العدل مظهر الويس مذكرة تفاهم مع نظيره الأردني، تتضمن تعزيز التعاون وتبادل الخبرات، والتنسيق في المجالات القضائية والقانونية بين البلدين.
وفي قطاع النقل الجوي، كشف رئيس هيئة الطيران المدني عمر الحصري عن التوصل إلى صيغة نهائية لاتفاقية النقل الجوي بين البلدين، مشيرا إلى أنها باتت جاهزة للتوقيع قريبا.
وأوضح أن التعاون يشمل أيضا تدريب الطيارين والمراقبين الجويين، والعمل على إعادة تنظيم الأجواء السورية بما يسهم في تحقيق عوائد اقتصادية أكبر، في إطار تطوير قطاع الطيران المدني وتعزيز حركة النقل بين البلدين.
وخلال المؤتمر الصحفي المشترك، أكد وزير الخارجية أسعد الشيباني أن ما يجمع البلدين “يتجاوز الجوار الجغرافي”، مشيرا إلى أن التقارب الحالي يمثل عودة بالعلاقات إلى مسارها الطبيعي، في ظل إدراك مشترك لأهمية بناء شراكة استراتيجية.
وأضاف أن الجانبين يعملان على نقل العلاقة من التفاهمات السياسية المؤقتة إلى إطار مؤسسي متين، عبر تفعيل مجلس التنسيق الأعلى أداة لتنفيذ المشاريع المشتركة.
وأكد أن نقاشات اليوم شملت قطاعات الاقتصاد والتجارة البينية والنقل والخدمات اللوجستية والطاقة والمياه والزراعة والاتصالات والإعلام، وصولا إلى التعاون في الداخلية والأمن والصحة والتعليم العالي والبحث العلمي، ما يجعل الشراكة شاملة لكل مقومات الدولة.
وبدوره، وصف وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي الاجتماع بأنه الأكبر في تاريخ العلاقات الثنائية، مؤكدا أن الاتفاقيات الموقعة تمهد لمرحلة أوسع من التعاون القائم على مشاريع ذات جدوى اقتصادية.
وعلى هامش الاجتماعات، استقبل الملك الأردني عبد الله الثاني الوفد الوزاري السوري، مؤكدا أهمية تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية، وتعزيز التعاون الأمني، وضرورة تنفيذ الاتفاقيات الموقعة بما يخدم المصالح المشتركة، إلى جانب دعم استقرار سوريا وسيادتها.
وكانت الاجتماعات التحضيرية قد انطلقت منذ السبت على مستوى اللجان الفنية المشتركة، حيث جرى بحث الملفات الثنائية ووضع التصورات التي عرضت لاحقا على المستوى الوزاري، تمهيدا لإقرارها ضمن إطار التعاون المشترك.
وتطورت العلاقات بين البلدين بعد سقوط النظام المخلوع، ودخلت مرحلة من الشراكة الاستراتيجية، في ظل وجود قواسم مشتركة، ولا سيما أن سنوات الحرب انعكست سلبا على الأردن، خاصة على الصعيد الاقتصادي بسبب توقف الحركة التجارية والعبور، وعلى الصعيد الأمني نتيجة تحويل النظام المخلوع البلاد إلى منطلق لتهريب المخدرات، ناهيك عن انتشار الميليشيات الإيرانية التي كانت تهدد أمن الإقليم.
وقال وزير الخارجية أسعد الشيباني إن دمشق ترى في الأردن “شريكا استراتيجيا لسوريا”، معتبرا أن “استقرار سوريا مناعة للأردن وازدهار الأردن سند لسوريا”. وأضاف، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره أيمن الصفدي عقد على هامش أعمال الدورة الثانية للمجلس، أن ما يربط البلدين أكثر من المنطقة الجغرافية، مشيرا إلى أن الأمر يعتمد على التنسيق بين البلدين وعودة العلاقات إلى مسارها الصحيح، لافتا إلى أن الأردن “أول من شرع أبوابه لسوريا الجديدة”.
وأكد الشيباني أن طموح سوريا “يتجاوز ملفات محددة”، وأنها تسعى إلى “تحويل العلاقة الأردنية السورية إلى نموذج يحتذى به”، مضيفا أن التقارب الأردني السوري امتداد للعلاقة التاريخية بين البلدين والشعبين الشقيقين. وهذا ما أشار إليه الوزير الأردني أيمن الصفدي، بقوله إن اجتماعات أعمال الدورة الثانية لمجلس التنسيق الأعلى عكست الإرادة السياسية للعاهل الأردني عبد الله الثاني والرئيس أحمد الشرع، في “البناء على ما يجمع بلدينا من علاقات متجذرة، للمضي نحو بناء علاقات استراتيجية متكاملة”.
واعتبر جلالة الملك عبد الله الثاني، خلال استقباله الوفد الوزاري السوري، أن انعقاد الدورة الثانية لمجلس التنسيق الأعلى المشترك خطوة مهمة لدفع العلاقات إلى الأمام، مؤكدا ضرورة استمرار العمل على تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية وتعزيز التعاون الأمني بين البلدين بما يحقق المصالح المشتركة.
ويمثل المجلس أكثر من 20 قطاعا حيويا، ويهدف إلى النهوض بالعلاقات الأردنية السورية نحو الشراكة الاستراتيجية الشاملة في مختلف المجالات، حيث تم توقيع أكثر من 10 اتفاقيات ومذكرات تفاهم، وبحث التعاون في أكثر من 21 قطاعا حيويا في اجتماع أمس الأحد، الذي يعد الأكبر أردنيا سوريا عبر التاريخ، إذ ضم أكثر من 30 وزيرا، ويمثل خطوة عملية لترجمة العلاقات السياسية بشكل ممنهج، بحسب ما ذكر الوزير الأردني أيمن الصفدي.
الثورة السورية
——————————–
سوريا والأردن وتركيا.. أكثر من مجرد اتفاقيات نقل/ ماجد عزام
2026.04.13
أقرّ الاجتماع الثلاثي اللافت لوزراء النقل في سوريا والأردن وتركيا، في العاصمة الأردنية عمّان، الثلاثاء الفائت، مذكرةَ تفاهمٍ بين الأطراف للربط الثنائي والثلاثي والجماعي مع دول الخليج العربي وأوروبا وآسيا الوسطى والبحار: الأحمر والمتوسط والأسود، فيما بدا تطبيقاً برّياً لفكرة الممرّ والجسر الواصل بين قارات العالم والبحار الأربعة.
أمّا البعد الاستراتيجي، فيُكرّس حريةَ الحركة للمواطنين والبضائع، وسوقاً مشتركةً عربيةً وإسلاميةً ممتدةً وواسعةً، بعيداً عن جدال الأيديولوجيا ونقاشها الزائد غير المجدي، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام لبنان، الحاضر أصلاً في الاتفاقيات السابقة، والعراق، ولكن بعد فرض الدولتين سيطرتهما وسلطتهما على كامل أراضيهما، واحتكار القوة والسلاح والقرار، بعيداً عن الميليشيات المسلحة غير الشرعية والمُشغَّلة خارجياً.
إذن، أقرّ اجتماع عمّان بين وزراء النقل في سوريا والأردن وتركيا (يعرب بدر، ونضال القطامين، وعبد القادر أورال أوغلو) مذكرةَ تفاهمٍ ثلاثيةً تستند أساساً إلى اتفاقيات ثنائية، لتسهيل حركة مرور البضائع والشاحنات البرية بين البلدان الثلاثة ودول الخليج العربي وأوروبا وآسيا الوسطى (أوراسيا)، عبر سوريا التي تبدو هنا وكأنها نقطة الربط بين القارات ودول الخليج العربي وتركيا، وهو أمرٌ طبيعي وواقعي قائم أساساً على المصالح الثنائية والجماعية، وكان يجب أن يحدث منذ سنوات، بل عقودٍ طويلة.
تاريخياً، نحن أمام إحياءٍ وتحديثٍ لخطّ سكة حديد الحجاز التاريخي؛ ليمثّل حلقة وصل بين تركيا وسوريا والأردن والسعودية والخليج العربي، وكان يتفرّع إلى كامل سوريا التاريخية (لبنان وفلسطين)، ومن هناك إلى مصر والسودان، لتجسيد وتسهيل حرية الحركة للمواطنين والبضائع، بمعنى أن التنقّل البرّي لا يقتصر على الشحنات التجارية والبضائع، مع الإشارة إلى خطة تركية بكلفة عالية (100 مليون دولار)، أعلن عنها وزير النقل قبل اجتماع عمّان مباشرة، وتتضمن تأهيل خط الحجاز بين تركيا وحلب، وهو جاهز من هناك نحو دمشق والأردن، ومن ثم إلى الخليج العربي.
هذا المشهد كان يجب أن يحدث منذ سنوات، بل عقودٍ طويلة، لكنه تأخر في ظل العداء والقطيعة غير المبرَّرة بين تركيا والعالم العربي. وفي العقود الأخيرة، مثّل نظام بشار الأسد عائقاً مركزياً أمامه، بتعاطيه مع القضايا الاستراتيجية والكبرى من زاوية فئوية ومصلحته الضيقة وبقائه في السلطة بأي ثمن، وكل ثمن.
في هذا السياق، لا بد من التذكير بخطة العام 2010 التي سماها الرئيس رجب طيب أردوغان، ذات مرة، “سوق الـ100 مليون نسمة”، وتضمنت اتفاقية حرية الحركة للمواطنين والبضائع بين تركيا وسوريا والأردن ولبنان، وقيل آنذاك إن الباب مفتوح أمام انضمام العراق كذلك، مع انفتاح تركي على تحديث الاتفاقية كما حصل مع الأردن، وفق المصالح المشتركة وقاعدة “رابح-رابح”، بينما وقف بشار الأسد، منذ الثورة السورية حتى سقوطه، حاجزاً أمامها، وبالتالي أمام الانخراط اللبناني الفعلي بها.
وبالعودة إلى مذكرة تفاهم عمّان الأخيرة، فلا بدّ من تفكيك المشهد لفهمه ثنائياً وثلاثياً وجماعياً، فمع وجود اتفاقيات ثنائية بين الأطراف الثلاثة، جاءت مذكرة عمّان كمحصلة جماعية لها. وبشيءٍ من التفصيل، ثمّة اتفاقيات ثنائية للنقل البري بين سوريا والأردن، لتسهيل حركة البضائع والشاحنات بين البلدين، ووصول الأردن إلى لبنان وموانئ سوريا على المتوسط، وحقّ هذه الأخيرة بالوصول براً إلى دول الخليج العربي، وعبر ميناء العقبة إلى البحر الأحمر، ومن هناك إلى بحر العرب والمحيط الهندي وآسيا.
وأمرٌ مماثل يمكن قوله عن اتفاقيات ثنائية بين سوريا وتركيا، تضمن وصول الشاحنات والبضائع السورية إلى الأسواق الأوروبية وأورو-آسيا وآسيا الوسطى والقوقاز والبحر الأسود، ووصول الشاحنات والبضائع التركية إلى لبنان والأردن والخليج العربي.
وثمّة اتفاقيات وتفاهمات مماثلة سابقة لتسهيل حرية حركة المواطنين والبضائع بين تركيا والأردن، منها خطة “سوق الـ100 مليون نسمة”، بينما عادت سوريا، بعد سقوط النظام، لتمثّل جسراً وممرّاً لوصول البضائع والشاحنات الأردنية إلى تركيا و”أوراسيا” (أوروبا وآسيا الوسطى)، والتركية إلى الأردن ودول الخليج العربي والبحر الأحمر ومصر، للوصل بين البحرين المتوسط والأحمر، حسب التعبير الحرفي لوزير النقل التركي أورال أوغلو.
وبالعموم، وفي المشهد العام، نتحدث عن سوق مشتركة عربية وإسلامية ممتدة وواسعة، من ربع مليار نسمة تقريباً في البلدان الثلاثة ومصر والخليج العربي وآسيا الوسطى، وطريق بري-بحري سيمثّل مع الوقت بديلاً لمضيق وممر هرمز، الذي بات سيّئ الصيت بعد الحرب الأخيرة، وبالتأكيد، لا حضور لإيران في المشهد الجديد في ظل تماديها في الاعتداءات غير الشرعية وغير المبررة ضد دول الخليج العربي والأردن، وخروجها من الحرب مستنزَفة وضعيفة ومعزولة ومنهارة اقتصادياً.
ولا يقلّ أهمية عمّا سبق تمثيلُ الممر-الجسر-الطريق البري/البحري الجديد بديلاً للممر الهندي-الإسرائيلي بين الشرق والخليج والغرب وأوروبا، حيث لا مكان لإسرائيل أيضاً في المشهد الجديد، مع تحريضها على الحرب ضد إيران دون أخذ مصالح ومواقف الدول الخليجية والعربية والإسلامية بعين الاعتبار، وبالتالي، لا ضرورة ولا مبرر للتواصل أو التطبيع معها بأي شكل من الأشكال، خاصة في ظل ممارساتها وجرائمها وخياراتها العسكرية في غزة وفلسطين وسوريا ولبنان والمنطقة عموماً.
وكان الباب، وما يزال، مفتوحاً أولاً أمام لبنان “الجديد”، الحاضر في منظومة و”سوق الـ100 مليون نسمة”، إذ بات بإمكانه الوصول إلى أوروبا وآسيا الوسطى عبر سوريا وتركيا، والخليج العربي عبر الأردن، شرط التحرر نهائياً من الوصاية الإيرانية المنهارة، وفرض الحكومة والقيادة الشرعية في لبنان سيطرتها على كامل أراضيها، واحتكار القوة والسلاح، وحلّ كل المجموعات والميليشيات غير الشرعية، وفق قاعدة: سلطة واحدة، قانون واحد، وسلاح واحد.
والأبواب مفتوحة كذلك أمام العراق الجديد بالمعنى الكامل، كما كانت دائماً، لكن مع ضرورة التحرر من الوصاية الإيرانية، وفرض الحكومة الجديدة سيطرتها، كما في لبنان، على السلاح، وحلّ المنظومات غير الشرعية المشغَّلة إيرانياً، وبإمكانه كذلك لعب دور مركزي في السوق والمشهد برمّته، لامتلاكه حدوداً مع الأردن، والوصول بالتالي إلى البحر الأحمر وبحر العرب والمحيط الهندي بعيداً عن هرمز وأزماته، وعبر سوريا إلى موانئ المتوسط وتركيا وأوروبا وآسيا الوسطى، مع التذكير بطريق البصرة البري وخط السكة الحديد إلى تركيا، والمشروع العملاق بشراكة رباعية مع قطر والإمارات وتركيا، الذي يمكن أن يمثّل ممراً لدول الخليج العربي إلى أوروبا وآسيا الوسطى، ونظرياً تجاوز هرمز والممرات البحرية المأزومة بعيداً عن التدخل الأميركي والإيراني.
في الختام، وباختصار، أصبحت سوريا الجديدة، بموقعها المميّز، خاصة في إثر الحرب الأخيرة والتحولات الهائلة في المنطقة، نقطةَ ربطٍ ووصلٍ بالاتجاهين: من الخليج والأردن والعراق إلى المتوسط والبحر الأحمر وتركيا وأوروبا وأورو-آسيا، وهذه فرصة تاريخية هائلة باتت في المتناول، ولا بدّ من استغلالها جدياً وبمسؤولية عالية من قبل القيادة السورية، بالتوازي مع المضي قدماً في عملية إعادة البناء الجامعة دستورياً ومؤسساتياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وكذلك عربياً وإسلامياً، بعيداً عن الشعارات والخطابات، والتركيز على تحقيق وتجسيد المصالح المشتركة على الأرض.
وهذا، كما حصل في أوروبا منذ عقود، عبر مسار السوق المشتركة والاتحاد والاندماج، مع التذكير بامتلاكنا مقوّمات تفوق بكثير ما تمتلكه القارة العجوز، من حيث غياب الحروب العالمية بيننا، إضافة إلى عوامل الدين واللغة والثقافة والحضارة وعلاقات الجيرة والمصالح الراسخة عبر التاريخ، بانتظار تحقّق حلم انضمام فلسطين، بعد تحريرها، إلى هذه المنظومة، رغم كل الدعاية حول إسرائيل وقوتها، ومع القناعة بزوالها كغيرها من التجارب الاستعمارية عبر التاريخ.
تلفزيون سوريا
———————————-
تركيا تستكمل تأهيل خط للسكك الحديدية مع سوريا
أعلن وزير النقل والبنية التحتية التركي، عبد القادر أورال أوغلو، الانتهاء من أعمال التجديد على عدد من خطوط السكك الحديدية على الحدود مع سوريا.
وأضاف الوزير التركي، بحسب ما نقلت عنه وكالة “الأناضول“، الاثنين 13 من نيسان،أن الوزارة لم تكتفِ بجعل الخط الحدودي مع سوريا صالحًا للعمل، بل قامت بتجهيزه ببنية تحتية وفوقية أكثر قوة ومتانة.
وأوضح أوغلو أن عمليات التجديد شملت خطي السكك الحديدية بين قرقاميش ونصيبين بطول 325 كيلومترًا، وماردين وشنيورت بطول 25 كيلومترًا، وإعادة فتح المسار أمام حركة القطارات.
وأشار إلى أن الأعمال المنفذة على خطي سكة الحديد لم تكن مجرد صيانة، بل عملية تجديد شاملة تلبي الاحتياجات المتراكمة لسنوات طويلة.
وبيّن أنهم استكملوا أعمال الصيانة والإصلاح التي لم تُنجز خلال الفترة بين 2011 و2024 على طول الخط البالغ 350 كيلومترًا.
ونوه أوغلو إلى أن إعادة تشغيل الخط، “ستزيد من قدرة نقل البضائع وستسهم في تعزيز التكامل الإقليمي”.
سوريا تبحث تفعيل خط “الترانزيت” مع العراق وتركيا
اتفقت المؤسسة العامة للخطوط الحديدية السورية، على برنامج عمل بجدول زمني محدد، مع محافظة الحسكة، لتذليل العقبات وإعادة وضع خط “الترانزيت” الواصل بين الحدود التركية والعراقية في الخدمة بالسرعة القصوى، لما له من أثر مباشر في دعم الواردات وتنشيط حركة النقل الدولية.
وذكرت وزارة النقل السورية، الاثنين 13 من نيسان، أن الاجتماع الذي ضم محافظ الحسكة، نور الدين أحمد، ورئيس المؤسسة العامة للخطوط الحديدية السورية، أسامة حداد، بحث سبل تفعيل قطاع السكك الحديدية وتطوير أدائه في المحافظة.
وتخللت الزيارة جولة ميدانية للمدير العام للمؤسسة، أسامة حداد، شملت الكشف الفني على جاهزية المحطة ومعداتها، وتفقد حالة القاطرات والصهاريج والآليات فيها لتقييم احتياجات الصيانة الفورية.
كما استعرض المجتمعون تقريرًا فنيًا شاملًا حول الحالة الراهنة للشبكة الحديدية، وجرى تحديد المتطلبات العاجلة لأعمال التأهيل بما “يضمن استعادة كفاءة هذا الشريان الحيوي”.
وأكد محافظ الحسكة استعداد المحافظة التام لتقديم جميع التسهيلات والدعم للفرق الفنية، مشددًا على القيمة الاستراتيجية للخطوط الحديدية في دعم التنمية والاقتصاد الوطني.
تفاهم سوري- أردني- تركي لتطوير قطاع النقل
وقّع وزراء النقل في سوريا والأردن وتركيا، في 7 من نيسان الحالي، مذكرة تفاهم ثلاثية تهدف إلى تطوير قطاعات النقل والربط اللوجستي بين الدول الثلاث، وذلك عقب اجتماع اللجنة الوزارية المشتركة الذي عُقد في عمان بالأردن.
وتضمنت مذكرة التفاهم، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، إنشاء إطار مؤسسي وفني للتعاون المشترك في النقل البري والبحري والسككي، وتشكيل لجان وفرق عمل مشتركة، وتطوير خطط قطاعية موحدة، لضمان تنسيق الجهود وتوحيد الإجراءات بين الدول الثلاث.
كما ركزت المذكرة على تحويل هذا التعاون إلى مشاريع تنفيذية مدعومة بالرقمنة والاستثمار، عبر تبسيط الأنظمة وتطبيق الحلول الذكية، ومتابعة الأداء وبناء القدرات لضمان الاستدامة، بحسب “سانا”.
ووفق بنود المذكرة، سيشمل التعاون تعزيز الربط السككي الإقليمي عبر تشكيل لجنة فنية ثلاثية لمتابعة التنفيذ، وتطوير النقل البري والبحري والسككي، وتحسين البنية التحتية، وتسهيل حركة الشحن والركاب، وتبسيط الإجراءات الحدودية، بما يسهم في رفع كفاءة سلاسل الإمداد وتعزيز التبادل التجاري ودعم الترانزيت بين الدول الثلاث، بحسب ما نقلته “سانا”.
وأكد وزير النقل السوري، يعرب بدر، في تصريح لوكالة “سانا”، أن مذكرة التفاهم تتضمن “خارطة طريق واضحة تحدد الأنشطة المطلوب تنفيذها على مستوى مؤسسات النقل في الدول الثلاث، ضمن برنامج زمني للمتابعة يمتد لثلاث سنوات”.
وأشار بدر إلى أن هذه الخارطة “تمثل التزامًا عمليًا بتحويل الحدود إلى جسور للتنمية والتكامل”، مؤكدًا أن “تفعيل ممر الشرق الأوسط” عبر هذه الدول “سيحدث تحولًا نوعيًا في المشهد الاقتصادي الإقليمي”.
——————————–
=======================
تحديث 12 نيسان 2026
——————————–
مشروع البحار الأربعة: سوريا وتركيا في قلب الخريطة الجديدة لطاقة العالم/ مازن الشاهين
مشروع ربط البحار الأربعة: الخليج العربي، بحر قزوين، البحر المتوسط، البحر الأسود
2026-04-12
في التاسع من نيسان 2026، وقف وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أمام الكاميرات في أنقرة إلى جانب نظيره التركي هاكان فيدان، وأعلن بوضوح: “دشّنا مع الجمهورية التركية الشقيقة عهداً جديداً عنوانه الشراكة الاستراتيجية والاحترام المتبادل، وتبلورت بيننا الرؤية الاستراتيجية في مشروع البحار الأربعة، والذي من شأنه أن يحوّل سوريا وتركيا معاً إلى شريان رئيسي لإعادة توزيع الطاقة بين الخليج العربي وبحر قزوين والبحر المتوسط والبحر الأسود”.
لم تكن هذه الجملة خطابية فارغة، بل جاءت في سياق متشابك الخيوط: حرب أمريكية إيرانية مستعرة تُهدد مضيق هرمز، وأوروبا تبحث بيأس عن بدائل للغاز الروسي، وسوريا جديدة تحاول أن تُترجم موقعها الجغرافي إلى رأسمال استراتيجي، وتركيا تسعى لتكريس نفسها مركزاً عالمياً للطاقة، وفي هذا التقاطع تحديداً، عادت فكرة البحار الأربعة إلى الواجهة، بعد أن مكثت سبعة عشر عاماً في انتظار ظرفها.
وهو ما أعلنه صراحة توماس براك، المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، في واشنطن، 26 آذار 2026: “ما يحدث جيوسياسياً هو أن قطاع الطاقة انتقل من التركيز على التوزيع إلى التركيز على الأمن، والممرات المائية التي كانت محور توزيع الطاقة أصبحت بحاجة إلى بدائل”.
مشروع البحار الأربعة يعود إلى الحياة.. لكن بشروط مختلفة
يقول الأكاديمي والمحلل السياسي رياض العلي في تصريحات لـ”963+” إن فكرة البحار الأربعة طُرحت لأول مرة علناً حين زار الرئيس التركي الأسبق عبد الله غول دمشق عام 2009، ودعا بشار الأسد إلى “ربط البحار الأربعة المحيطة بدول سوريا وتركيا وإيران والعراق لتكون نقطة ربط تجارية عالمية”، وعندها روّج الأسد للفكرة بحماس، معلناً أن سوريا ستصبح “نقطة التقاطع الإلزامية للعالم كله في مجال الاستثمار والنقل”، وحمل المشروع آنذاك طابع التحالف الرباعي (السوري، التركي، الإيراني، الروسي) الذي ساد تلك المرحلة.
ويتابع العلي: حطّمت الحرب السورية المشروع في مهده، وانهارت العلاقات التركية–السورية، وانكفأت إيران إلى حرب بالوكالة داخل سوريا، وتحولت البنية التحتية السورية من أصل استراتيجي إلى ركام يحتاج إعادة بناء، وظلت الفكرة حبيسة الأدراج الأكاديمية والدراسات البحثية، تذكيراً بما كان يمكن أن يكون، ومع سقوط نظام الأسد وتشكّل الحكومة الانتقالية في دمشق، وتحوّل العلاقة التركية–السورية من العداء إلى الشراكة الاستراتيجية، ثم اندلاع الحرب الأميركي، الإيرانية التي هددت مضيق هرمز، عادت البحار الأربعة إلى الحياة، ولكن بشروط مختلفة جذرياً: إيران خارج المعادلة، وأمريكا داخلها، وأوروبا تطلب بشدة، والخليج يموّل.
ويضيف العلي: ولفهم المشروع، لا بد من قراءة الخريطة بعيون الجيوسياسة لا المصطلحات الدبلوماسية، فسوريا تحتل موقعاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط: فهي تطل على البحر المتوسط بساحل يمتد من اللاذقية إلى طرطوس، بموانئ عميقة قادرة على استقبال ناقلات ضخمة، وتشترك مع تركيا بحدود برية طويلة تتيح ربط الشبكتين البرية والبحرية، وتشارك العراق حدوداً طويلة تفتح نافذة على الخليج ومنابع النفط والغاز، وتحتضن نقطة التقاطع التاريخية لخطوط أنابيب النفط والغاز الإقليمية، كما أنها تقع على مسار طريق الحرير التاريخي الرابط بين آسيا وأوروبا.
ويشير العلي إلى أن المشروع يضع سوريا في قلب منظومة تربط بين البر والبحر والسكك الحديدية والأمن الغذائي، ليس ممراً للطاقة وحسب، بل مركزاً متكاملاً يفتح آفاقاً جديدة للتنمية.
البحر الأسود: الوصول عبر تركيا ـ ربط بأوروبا الشرقية
البحر المتوسط: الموانئ السورية ـ بوابة إلى أوروبا الغربية
بحر قزوين: الغاز الأذربيجاني والكازاخستاني ـ طاقة آسيا الوسطى
الخليج العربي: النفط والغاز الخليجي ـ الوقود الرئيسي
المشاريع التنفيذية ـ خمسة مسارات لرؤية واحدة:
يبين العلي أن رؤية البحار الأربعة تترجم إلى خمسة مشاريع تنفيذية محددة، يُمثّل كل منها خيطاً في نسيج المنظومة اللوجستية والطاقوية الشاملة:
المشروع الأول: (قطار الخليج ـ المتوسط السريع) وهو سكة حديد بسرعة 200–300 كم/ساعة تربط السعودية بالأردن ثم سوريا وصولاً إلى ميناء بانياس، وتقدر التكلفة التقديرية/10–15 مليار دولار ويتطلب تنفيذه تنسيقاً رباعياً (سعودياً،أردنياً، سورياً، لبنانياً).
والمشروع الثاني: (إحياء خط الحجاز) وهو إعادة تأهيل السكة الحديدية التاريخية من المدينة المنورة عبر الأردن وسوريا مع ربطها بالشبكة التركية، والتكلفة التقديرية /3–5 مليار دولار، والتحدي الرئيسي أمام المشروع أن أجزاء واسعة من الخط مدمرة وتحتاج إعادة بناء كاملة.
أما المشروع الثالث فهو (أنابيب الغاز القطري) وهو مد أنبوب من قطر عبر السعودية والأردن وسوريا إلى تركيا ثم أوروبا لتخفيف الاعتماد على الغاز الروسي، والتكلفة التقديرية بحدود /10–15 مليار دولار، إلا أن هذا المشروع يواجه منافسة حادة من الغاز الروسي والأذربيجاني والأميركي في أوروبا.
والمشروع الرابع هو (خط كركوك–بانياس) وهو إعادة تأهيل خط النفط العراقي التاريخي من كركوك إلى ميناء بانياس السوري الذي توقف بعد 2003، والتكلفة التقديرية للمشروع/2–4 مليار دولار ويتطلب استقراراً أمنياً في العراق وتوافقاً سياسياً مع بغداد.
المشروع الخامس والأخير هو (ممر الأمن الغذائي) وهو سكة حديد متخصصة لنقل المنتجات الزراعية الطازجة من عرعر السعودية عبر سوريا مع سلاسل تبريد حديثة، والتكلفة التقديرية /1–2 مليار دولار ويحتاج توافق تجاري واسع وبنية تخزين في المدن السورية.
ويؤكد العلي: سوريا أمام لحظة مفصلية قد تعيد رسم خريطة نقل الطاقة، والظروف الحالية تجعل المشروع أقرب إلى الواقعية من أي وقت مضى.
البُعد الجيوسياسي… من يربح ومن يخسر؟
تقول الباحثة الاقتصادية التركية شاهيناز سليمان الآغا في تصريحات لـ”963+” إن مشروع البحار الأربعة هو أكثر من مشروع اقتصادي، إنه إعادة رسم خريطة التحالفات في المنطقة، ومن يُسيطر على الممرات يُسيطر على السياسة، وأن سوريا ستكون أكبر المستفيدين إذا نجح المشروع، فرسوم العبور وحدها قد تُدرّ عليها مليارات الدولارات سنوياً، فضلاً عن توفير الوظائف في قطاعي البناء والتشغيل، وتحويلها من دولة مدمرة إلى عقدة إقليمية لا يمكن تجاوزها، وكذلك تركيا ستُعزز طموحها المزمن في أن تكون “مركز الطاقة العالمي”، وهي لديها بالفعل خمسة خطوط أنابيب دولية كبرى تعبر أراضيها، وضم محور (سوري ـ خليجي) إلى هذه الشبكة يرفع ثقلها التفاوضي مع أوروبا إلى مستوى جديد، أما أوروبا ستجد في المشروع ما تبحث عنه منذ الحرب الأوكرانية، أي طريقاً بديلاً للغاز لا يمر بروسيا ولا يُرهقها بالغاز الطبيعي المسال الأمريكي باهظ التكلفة، في حين ستجد دول الخليج منفذاً برياً لصادراتها لا يمر بمضيق هرمز الذي باتت توترات طهران تجعله رهاناً مضطرباً.
وترى أن المتضررين المحتملين بالدرجة الأولى إيران، المستبعدة من المعادلة الجديدة، تجد نفسها أمام مشروع يتجاوزها جغرافياً وسياسياً، يُضعف ورقتها في التحكم بمضيق هرمز، ويُقلّص نفوذها في سوريا التي استثمرت فيها عقوداً، ثم روسيا ستخسر أوراقاً استراتيجية متعددة: مثل احتكارها لإمداد أوروبا بالغاز، وموطئها العسكري في طرطوس المُهدَّد بمنافسة دبلوماسية تجارية، وتراجع نفوذها في دمشق لصالح أنقرة وواشنطن، أما إسرائيل فهي أمام مشهد مركّب، فالمشروع يُعزز استقرار جارتها الشمالية من حيث المبدأ، لكنه يُقوي سوريا التي لا تزال في حالة حرب معها رسمياً، ويُرسّخ حضوراً تركياً قوياً على حدودها.
وتضيف الآغا أن ما فاجأ كثيرين في قضية البحار الأربعة أن الدعم الأكثر وضوحاً لها جاء من مبعوث أميركي لا من مسؤول سوري أو تركي، ففي مؤتمر المجلس الأطلسي الأميركي بواشنطن في 26 آذار 2026، قال توماس براك بصريح العبارة إن “منطقة الشرق الأوسط تمر بلحظة تاريخية استثنائية تمتلك فيها سوريا القدرة الروحية والجغرافية والجيوسياسية لتكون جزءاً من حل معضلة مضيق هرمز والبحر الأحمر”، مؤكدة أن الموقف الأميركي ليس بريئاً من الحسابات، فواشنطن تريد سوريا مستقرة تُعيق التمدد الإيراني-الروسي، وتوفر ممراً للطاقة يُخفف اعتماد أوروبا على موسكو، ونقل الطاقة الخليجي عبر سوريا بدلاً من هرمز يُضعف الورقة الإيرانية في أي مفاوضات مقبلة، وقد حضر المؤتمر الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول، ومبعوث سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة، ومساعد نائب وزير الخارجية الأميركي جاكوب ماكغي، في مشهد لافت يُمثل التقاء المسارات الأميركية والسورية بصورة علنية غير مسبوقة منذ عقود.
وتشير الآغا إلى أن الطموح التركي في سوريا لا يقتصر على المشروع البري، ففي كانون الأول 2025، أعلن وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار أن تركيا تسعى لإبرام اتفاق مع سوريا في عام 2026 للتنقيب عن الطاقة البحرية في المتوسط، مشيراً إلى وجود “اتفاق إطاري عام” بين البلدين، في انتظار اتفاق تقني خاص يُتيح إجراء المسوح الزلزالية، وتُدرك أنقرة أن الجمع بين التنقيب البحري المشترك وشبكة النقل البري يمنحها ميزة استراتيجية لا تُضاهى، فهي ستكون في وقت واحد شريكاً في إنتاج الطاقة ومُشغّلاً رئيسياً لممرات نقلها، وبهذه المعادلة تتحول أنقرة من مجرد “ممر” إلى “مركز” بالمعنى الاستراتيجي الحقيقي، وفي 8 نيسان 2026 قُبيل يوم من إعلان (الشيباني–فيدان) عُقدت في إسطنبول الجلسة الأولى للجنة الاقتصادية والتجارية السورية–التركية المشتركة (JETCO)، وهي الآلية المؤسسية التي ستُترجم الرؤى الكبرى إلى عقود ومشاريع قابلة للتنفيذ.
تحديات جوهرية لا تحتمل المجاملة
يحذر الخبير الاقتصادي هلال منصور في تصريحات لـ”963+” من التفاؤل المفرط وتقديم صورة وردية للواقع، فما تزال البنية التحتية الجرح الأعمق، فسنوات الحرب حوّلت شبكة السكك الحديدية السورية إلى أثر بعد عين، من حوادث تفجير متعمد، وإهمال ممتد، ومعدات مسروقة، وإعادة تأهيل هذه البنية قبل التفكير في مشاريع ربط دولية تتطلب استثمارات بمليارات الدولارات وسنوات من العمل الميداني، وهو ما يجعل الجداول الزمنية المتفائلة موضع تساؤل جدي، يضاف لها مشكلة التمويل: من أين والشروط ماذا؟ فالتقديرات الإجمالية لمجمل مشاريع المنظومة تتراوح بين 25 و40 مليار دولار، ولا يوجد حتى اللحظة تعهد تمويلي محدد وشفاف لأي من هذه المشاريع، وأياً كان المموّلون المحتملون (صناديق خليجية، أميركيون، تركية) لديهم شروطهم وحساباتهم، وغياب الشفافية في هذا الملف يُولّد أسئلة مشروعة حول طبيعة الثمن الذي ستدفعه سوريا مقابل الدعم، ولا يمكن تغافل أن الاستقرار الأمني شرط لا تفاوض فيه، وخطوط أنابيب وسكك حديدية ممتدة عبر مناطق شهدت حرباً مزمنة لا يمكن تشغيلها في غياب استقرار أمني موثوق، والديناميكيات القبلية والمناطقية على طول مسارات الخطوط المقترحة، تُمثّل متغيرات حقيقية لا يمكن تجاوزها في أي دراسة جدوى جادة.
ويشير منصور إلى أهمية قراءة ‘المعادلة الإيرانية” بشكل صحيح، فاستبعاد إيران من مشروع يمس مصالحها الحيوية مباشرة، سواء في هرمز أو في نفوذها السوري، لا يعني أنها ستقبل بهذا الاستبعاد صامتة، فطهران تملك أوراق ضغط متعددة داخل سوريا والعراق، وأي حسابات استراتيجية جادة ينبغي أن تُدرج الاحتقان الإيراني كمتغير لا كثابت.
ويرى منصور أن المشروع حقيقي من حيث المنطق الجغرافي، لكن بين المنطق الجغرافي والتنفيذ الفعلي مسافة ضخمة تملؤها السياسة والمال والأمن.
البحار الأربعة في مواجهة IMEC…سباق الممرات:
لا يسير مشروع البحار الأربعة في فراغ، كما يقول”منصور ” إنه يتنافس مع مشروع IMEC ، الممر الهندي ـ الشرق الأوسط ـ أوروبا، الذي أطلقته مجموعة السبع عام 2023 ويمر عبر الهند والخليج والأردن وإسرائيل واليونان ليصل إلى أوروبا، والتنافس بين المشروعين يُلقي بظلاله على قراءة أي منهما بمعزل عن الآخر، فمشروع IMEC يمر عبر إسرائيل، وهي إشكالية عربية كبرى في ظل حرب غزة، ويلقى دعم أمريكي وأوروبي مباشر منذ الإطلاق، وتوجد بنية تحتية لدول عبوره أفضل نسبياً، ويستبعد دول الخليج العربي من المسار المباشر، وتأثر بتعقيدات التطبيع العربي الإسرائيلي ما بعد غزة، أما مشروع (البحار الأربعة) فهو لا يمر بإسرائيل، وهي ميزة سياسية في السياق العربي، والدعم الأمريكي بدأ يتشكّل، ولكنه لا يزال في مرحلة التصريح، إلا أنه يعبر سوريا المدمّرة وهو تحدٍّ لوجستي ضخم، ويُدمج الخليج في المنظومة كطرف محوري لا هامشي، ولا يرتبط بالتطبيع، وهي ميزة في الظرف الراهن.
ماذا تكسب سوريا؟ وما ثمن الدور؟
يرى منصور أن المكاسب المحتملة، هي رسوم عبور الطاقة والبضائع، وقد تبلغ مليارات الدولارات سنوياً، ويحقق مصدر دخل سيادي مستقل، إضافة إلى الآلاف من فرص العمل في بناء وتشغيل البنية التحتية، وهي وقود للتعافي الاقتصادي، وتحويل الديون الخارجية السورية إلى موضع تفاوض، فمن يحتاج الممر يُخفف العبء، والأهم الانتقال من دولة مهمّشة على هامش الاقتصاد الإقليمي إلى عقدة لا يمكن تجاوزها، واستقطاب استثمارات أجنبية مباشرة مرتبطة بحماية مساري الطاقة والتجارة، ولكن هناك أسئلة لا يجوز تجاوزها وهي: ما السيادة السورية على الموارد التي ستُرهن لقاء مشاريع التمويل الخارجي؟ وهل توجد حماية تعاقدية حقيقية تضمن أن سوريا لن تكون ممراً فحسب لا شريكاً بمنافع حقيقية؟ وكيف ستُوزَّع عائدات هذه المشاريع داخلياً، وهل ستصل إلى المواطن أم ستتمركز في يد الدولة؟ وهل الاتفاقيات التي تُبرم اليوم ملزمة لحكومة منتخبة مستقبلاً، وكيف ستتعاطى مع شروطها؟
ويختم منصور بالقول: إن مشروع البحار الأربعة ليس خيالاً جيوسياسياً، فالجغرافيا حقيقية، والحاجة الأوروبية حقيقية، والطموح التركي حقيقي، والدعم الأمريكي يتشكّل بخطوات ملموسة، وما يحدث اليوم في أنقرة وواشنطن يُمثّل أكثر مما حدث في دمشق 2009 من حيث الجدية والدعم الدولي المصاحب، ولكن الفجوة بين الرؤية الاستراتيجية والتنفيذ الفعلي واسعة، وتواجه تحديات كثيرة: منها اقتصادية ومنها أمنية ومنها سياسية داخلية، وسوريا تحتاج إلى نقاش وطني جاد حول كيفية إدارة هذا الدور الجديد لا حول ما إذا كانت تريده، والسؤال الأعمق الذي ينبغي أن يطرحه السوريون على أنفسهم: هل ستكون سوريا شريكاً في صنع هذا المشروع أم مجرد أرض يمر فوقها؟ الجواب على هذا السؤال لن تحدده الجغرافيا ولا المبعوثون الأجانب، بل يحدده السوريون أنفسهم بمقدار ما يطالبون بالشفافية والمشاركة والمحاسبة في كل مرحلة من مراحل هذا المسار الضخم، فمن يتحكم في الممرات يتحكم في السياسة، والسؤال ليس هل ستكون سوريا على الخريطة، بل بأي شروط.
+963
——————————–
إحياء دور سوريا التاريخي على “طريق الحرير” الصيني/ روز هلال
سوريا على مفترق طرق التجارة العالمية.. هل تعود بوابةً لطريق الحرير؟
2026-04-12
في خضمّ الاضطرابات التي تعصف بالإقليم، ولا سيما مع تصاعد احتمالات المواجهة حول إيران وتأزّم الملاحة في مضيق هرمز، يطفو سؤالٌ إستراتيجي: هل تستطيع سوريا استعادة دورها التاريخي كعقدة وصلٍ حيوية على طريق الحرير؟ إن الجغرافيا التي لم تفقد معناها رغم الخراب، ما تزال تمنح سوريا موقعاً فريداً يربط الشرق بالغرب، والبرّ بالبحر، ويتيح، نظرياً، إعادة تشكيل مسارات التجارة الدولية بعيداً عن الاختناقات البحرية. فكلّما ضاق هامش الأمان في الممرات التقليدية، ازداد الإغراء بالبحث عن بدائل برّية أكثر استقراراً، وهنا تستعيد سوريا قيمتها الكامنة، لا بوصفها ممراً فحسب، بل كفضاءٍ لإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي وإعادة تعريف مركزية الإقليم في حركة التجارة العالمية.
غير أنّ استعادة هذا الدور لا تُقاس بإمكان الجغرافيا وحدها، بل تُختبر بصلابة السياسة ومرونة البنية التحتية، وبقدرة الدولة على التحول من ساحة صراع إلى منصة عبور آمنة. فالحرب، مهما وضعت من أوزارها، خلفت تشققات عميقة في الجسد السوري، وأعادت رسم خرائط السيطرة والنفوذ بما يجعل أي مشروع إقليمي رهينة توازنات دقيقة، داخلية وخارجية على السواء. ومع ذلك، فإن لحظات الاضطراب الكبرى غالباً ما تفتح نوافذ لإعادة التموضع؛ فإذا ما أُحسن توظيف الظرف الإقليمي، وربطت إعادة الإعمار برؤية اقتصادية عابرة للحدود، قد تتحول سوريا من عبءٍ جيوسياسي إلى فرصة إستراتيجية، تستعيد عبرها دورها التاريخي، لا كظلٍ باهتٍ لطريقٍ قديم، بل كفاعلٍ جديد في رسم طرق التجارة القادمة.
فرص استثمارية واعدة بطابع ريعي محفوف بالمخاطر
يقول سامر كعكرلي، رئيس المكتب الاقتصادي في حزب اليسار الديمقراطي السوري في ألمانيا، لـ”963+” إن الفرص الاستثمارية في سوريا اليوم “حقيقية وكبيرة”، لكنها تتركز بشكل أساسي في قطاعات الطاقة واللوجستيات والموانئ، وهي قطاعات ذات عوائد مرتفعة وسريعة، لكنها تميل إلى الطابع الريعي وتعتمد بدرجة كبيرة على الاستقرار السياسي والتوازنات الإقليمية، أكثر من اعتمادها على بناء قاعدة إنتاجية مستدامة داخل الاقتصاد السوري.
ويوضح كعكرلي أن مشاريع مثل “Silk Link” وتطوير الموانئ يمكن أن تسهم في إعادة إدماج سوريا ضمن مسارات التجارة العالمية الحديثة، عبر تحويلها إلى عقدة تجمع بين تدفقات البضائع والبيانات، إلا أن هذا الدور يبقى مشروطاً بتحقيق الاستقرار الأمني وربط البنية التحتية داخلياً وإقليمياً، محذراً من أن بقاء هذا الدور منفصلاً عن قاعدة إنتاجية وطنية سيجعل من سوريا مجرد مشروع جغرافي غير مكتمل.
ويشير إلى أن مشاريع النقل والطاقة تحمل إمكانية تحويل سوريا إلى ممر استراتيجي لإمدادات الغذاء والطاقة، من خلال ربط الخليج بالمتوسط وتوفير بدائل برية للممرات البحرية، إلا أن تحقيق هذا التحول يتطلب تمويلاً ضخماً وإعادة إعمار البنية التحتية، واستقراراً سياسياً يسمح بتكامل إقليمي فعلي، مؤكداً أنه من دون هذه الشروط ستبقى هذه المشاريع إمكانات غير مستغلة.
وفي سياق متصل، يحذر كعكرلي من المخاطر البنيوية المرتبطة بإحياء الدور التجاري لسوريا، والتي تشمل هشاشة الاقتصاد الريعي، والارتهان السياسي، واحتمال عودة العقوبات، إضافة إلى تفاقم التفاوت الاجتماعي مشدداً على أن هذا المسار لا يمكن أن يكون مستداماً ما لم يُربط بإعادة بناء قاعدة إنتاجية حقيقية، خصوصاً في الزراعة والصناعة، إلى جانب بناء مؤسسات مالية وقانونية قادرة على إدارة الانفتاح الاقتصادي.
ويبين أن رؤية حزب اليسار الديمقراطي السوري تقوم على الاستفادة من الموقع الجغرافي لسوريا وتحويلها إلى ممر للسلع والبيانات، بما يسهم في تحسين مستوى معيشة السوريين، لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن حصر دور البلاد كمعبر فقط يشكل “مخاطرة كبيرة”، لأنه يؤدي إلى فقدان القرار الاقتصادي وبالتالي جزء من القرار السياسي.
ويلفت كعكرلي إلى أن معظم المشاريع المطروحة حالياً تندرج ضمن إطار اقتصادي خدمي ريعي غير إنتاجي، قد يحقق أرباحاً سريعة لكنه غالباً ما يكون محصوراً ضمن فئات محدودة، ما يعيد إنتاج اختلالات اقتصادية سابقة.
ويستحضر في هذا السياق تجربة الانفتاح الاقتصادي في سوريا بعد المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث، معتبراً أنها أدت إلى توجيه الاستثمارات نحو قطاعات خدمية مثل الاتصالات والعقارات الفاخرة والمطاعم، على حساب القطاعات الإنتاجية، مضيفاً أن بعض الاستثمارات الصناعية، مثل معامل الإسمنت، لم تسهم في بناء قاعدة إنتاج وطنية حقيقية.
ويعرب عن مخاوفه من تكرار هذا المسار حالياً، في ظل التوجه المتزايد نحو مشاريع خدمية مثل الأبراج التجارية والمولات والمشاريع الترفيهية ومشاريع العبور والترانزيت، مقابل غياب خطط واضحة لإحياء القطاعات الإنتاجية، لاسيما الصناعات النسيجية والغذائية، أو إعادة تأهيل القطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني.
ويختم كعكرلي بالتأكيد على أن بعض المشاريع الخدمية قد تكون ضرورية في المرحلة الانتقالية، إلا أن الخطأ يكمن في تحويلها إلى استراتيجية دائمة، مشدداً على أن مستقبل سوريا لا يمكن أن يقوم على المشاريع الريعية وحدها، بل على بناء قاعدة إنتاجية متينة يكون فيها للزراعة والصناعة الدور الأساسي، قائلاً: “الدول لا تبنى على ما يمر عبرها بل على ما تنتجه داخلها”.
الربط السككي الثلاثي: مشروع لإعادة رسم خريطة التجارة
ويرى مدير شبكة الجيوستراتيجي للدراسات في ألمانيا، إبراهيم كابان، أن ربط البنية التحتية السورية بمبادرة “الحزام والطريق” يتطلب إعادة تأهيل شاملة لشبكات النقل الأساسية، تشمل الطرق السريعة العابرة للأقاليم، وشبكات السكك الحديدية، إلى جانب تطوير الموانئ البحرية لتكون قادرة على استقبال السفن التجارية الكبيرة، فضلاً عن تحديث الأنظمة اللوجستية والجمركية وتبني أنظمة إدارة رقمية متقدمة تتيح تتبع حركة البضائع بكفاءة عالية.
ويوضح كابان في تصريحات لـ”963+” أن تحقيق هذا الربط يرتبط بشكل وثيق بتوافر الاستقرار السياسي والأمني، باعتباره عاملاً حاسماً في جذب الاستثمارات الدولية، مشيراً إلى أهمية بناء شراكات استراتيجية مع شركات متخصصة في مشاريع النقل والبنية التحتية، إضافة إلى إدماج الممرات السورية ضمن الشبكات الإقليمية التي تربط آسيا الوسطى والخليج العربي بالبحر المتوسط.
وفيما يتعلق بمشروع الربط السككي الثلاثي بين إيران والعراق وسوريا، يصفه كابان بأنه من المشاريع الاستراتيجية القادرة على إعادة رسم خريطة التجارة في المنطقة، موضحاً أن إنشاء خط سككي متصل يبدأ من المراكز الصناعية في إيران مروراً بالعراق وصولاً إلى الساحل السوري، سيسمح بنقل البضائع مباشرة إلى الموانئ المتوسطية مثل ميناء اللاذقية.
ويضيف أن هذا الربط يمكن أن يخلق ممراً تجارياً فعالاً يختصر الزمن والتكاليف مقارنة بالممرات البحرية الطويلة، ويسهم في تحويل سوريا إلى مركز لوجستي إقليمي يربط بين الأسواق الآسيوية والأوروبية، مشدداً على ضرورة تطوير مراكز لوجستية حديثة بالقرب من الموانئ ومحطات السكك الحديدية، لتعمل كمناطق حرة لتجميع البضائع وإعادة توزيعها.
تحديات أمنية واقتصادية
وحول التحديات التي تواجه إعادة إحياء طريق الحرير في سوريا، يشير كابان إلى أن استمرار حالة عدم الاستقرار في بعض المناطق، إلى جانب العقوبات الاقتصادية، يشكلان أبرز العوائق أمام جذب الاستثمارات الأجنبية، ويلفت أيضاً إلى التحديات اللوجستية المرتبطة بإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة وتحديث أنظمة النقل والتخزين.
ويؤكد كابان أن تجاوز هذه التحديات يتطلب اعتماد نموذج الشراكات الدولية طويلة الأمد، وإشراك المؤسسات المالية الآسيوية والدولية في تمويل مشاريع البنية التحتية، إلى جانب تبني تقنيات النقل الذكي والأنظمة الرقمية لإدارة الموانئ والسكك الحديدية، بما يعزز كفاءة الشبكات ويضمن استدامتها على المدى الطويل.
من جانبه يرى الكاتب والمحلل السياسي أحمد الزين، المقيم في لبنان، أن سوريا تمتلك مقومات بشرية وطبيعية تؤهلها لتكون من الدول الرائدة في الشرق الأوسط، في ظل توفر موارد كالغاز والنفط ومساحات زراعية واسعة ويشير إلى أن ملف إعادة الإعمار يشهد تقاطع مصالح دولية، لافتاً إلى أن تكلفته تتراوح بين 50 و60 مليار دولار، وسط تنافس بين الولايات المتحدة وروسيا والصين للمشاركة فيه.
ويلفت في تصريحات لـ”963+” إلى الأهمية الاستراتيجية لسوريا ضمن مشروع “طريق الحرير” الذي تسعى الصين لتطويره للوصول إلى أوروبا، محذراً من مخاطر هيمنة الدول الغربية على الاقتصاد السوري، ومشدداً على ضرورة تحقيق توازن بين المساعدات الخارجية واستثمار الموارد الوطنية بما يحافظ على وحدة البلاد.
ويشدد في ختام حديثه أهمية بناء اقتصاد وطني مستقل قائم على جهود السوريين، بعيداً عن الاعتماد على الدول الغربية.
+963
——————————–
=======================
تحديث 11 نيسان 2026
——————————–
شرايين الطاقة تبحث عن بدائل.. مشاريع إقليمية لتقليص الاعتماد على مضيق هرمز/ عمار عبد اللطيف
خطوط الطاقة البرية تعود إلى الواجهة: مشاريع لتجاوز مضيق هرمز وإعادة رسم الخريطة الإقليمية
2026-04-11
تتجه الأنظار نحو مجموعة من المشاريع الاستراتيجية التي تسعى إلى تقليص الاعتماد على الممرات البحرية الحيوية التي دائماً ما تشهد توترات وعلى رأسها مضيق هرمز، وذلك عبر تطوير بدائل برية تعزز أمن الطاقة وتمنح الدول المنتجة والمستهلكة خيارات أكثر استقراراً واستدامة.
وتبرز في هذا السياق خطط لإعادة إحياء وتعديل مسار خط أنابيب “التابلاين”، أحد أقدم مشاريع نقل النفط في المنطقة، عبر نقل النفط من منطقة القيصومة شمال السعودية باتجاه موانئ الساحل السوري، وتحديداً مدينة بانياس بريف طرطوس أو اللاذقية، بدلاً من المسار السابق الذي كان ينتهي في مدينة صيدا اللبنانية.
وتشير التقديرات إلى أن الطاقة الاستيعابية لهذا الخط قد تصل إلى نحو 4 ملايين برميل يومياً، ما يجعله أحد أكبر المشاريع القادرة على تخفيف الضغط عن طرق النقل البحرية، وخصوصاً في أوقات الأزمات.
وفي موازاة ذلك، يبرز مشروع خط الغاز القطري كأحد أبرز المشاريع المقترحة لنقل الغاز الطبيعي من الخليج إلى أوروبا عبر البر، حيث يقوم على مد أنابيب تمر عبر الأراضي السورية باتجاه تركيا، ومن ثم إلى الأسواق الأوروبية.
ويتضمن هذا المشروع أيضاً إنشاء بنية تحتية متكاملة للغاز المسال على الساحل السوري، ما يتيح مرونة أكبر في التصدير ويعزز من موقع سوريا كمحطة عبور إقليمية للطاقة.
كما تعود إلى الواجهة خطط إعادة تأهيل خط كركوك–بانياس أو استبداله بخط مواز، الذي كان يشكل سابقاً أحد أهم شرايين نقل النفط العراقي إلى البحر الأبيض المتوسط.
ويستهدف المشروع رفع الطاقة الاستيعابية للخط لتصل إلى نحو مليون برميل يومياً، ما يوفر منفذاً إضافياً لصادرات النفط العراقي بعيداً عن الممرات البحرية التقليدية، ويسهم في تنويع خيارات التصدير.
وتعكس هذه المشاريع مجتمعة توجهاً إقليمياً متنامياً لإعادة رسم خريطة تدفقات الطاقة، عبر تقليل الاعتماد على الممرات البحرية التي تتأثر بالتقلبات الجيوسياسية، واستبدالها بشبكات برية أكثر أماناً نسبياً.
غير أن تنفيذ هذه الخطط يبقى مرهوناً بجملة من التحديات، في مقدمتها الأوضاع الأمنية في مناطق العبور، وحجم الاستثمارات المطلوبة لإعادة تأهيل البنية التحتية أو إنشائها من جديد، إضافة إلى التعقيدات السياسية المرتبطة بتداخل المصالح الإقليمية والدولية.
تحولات الطاقة ليست وليدة
يرى الكاتب والمحلل سياسي كامل حواش المقيم في برمنغهام – بريطانيا، أنه من الضروري التذكير بأن التحولات في سياسات الطاقة العالمية ليست وليدة اللحظة، بل تعود جذورها إلى أحداث مفصلية، أبرزها عام 1973 عندما أقدمت الدول الخليجية على قطع النفط عن الغرب، ما دفع حينها إلى التفكير الجدي في البحث عن مصادر بديلة للطاقة.
ويوضح حواش في حديث لـ”963+”، أن الطاقة النووية، رغم التحفظات التي كانت تحيط بها في تلك المرحلة، بدأت تُستخدم بالفعل لإنتاج الكهرباء في عدد من الدول، إلى جانب تطور مصادر أخرى مثل الطاقة الهوائية والطاقة الشمسية، التي باتت اليوم تعتمد عليها دول عديدة، ومن بينها بريطانيا بشكل ملحوظ.
ويلفت إلى أن النقاش الدائر حالياً لا ينفصل عن الأبعاد السياسية، خاصة فيما يتعلق برؤية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، التي تقوم، بحسب ما يُتداول، على إعادة تشكيل مسارات تصدير النفط بحيث تمر عبر إسرائيل، وتحديداً إلى ميناء حيفا.
ويؤكد أن هذا الطرح يطرح تساؤلات جدية حول مدى استعداد دول الخليج، مثل قطر والإمارات، للانخراط في مسارات مباشرة تنتهي في إسرائيل، بدلاً من خيارات أخرى تمر عبر دول عربية كالأردن، ومنها إلى وجهات مختلفة.
ويضيف أن سوريا، رغم ما شهدته من تغييرات سياسية وتحسن نسبي في نظرة بعض الدول الغربية، لا تزال محاطة بمخاوف تتعلق بالاستقرار، فضلاً عن استمرار التعقيدات السياسية والأمنية، بما في ذلك الوجود الإسرائيلي في بعض المناطق.
ويرى أن أي تحول في مسارات الطاقة عبر سوريا سيبقى مرهوناً بإمكانية التوصل إلى اتفاقيات سياسية، قد تفتح المجال لخطوط تمر من الأردن إلى سوريا ومنها إلى إسرائيل، أو عبر مسارات أخرى تصل إلى البحر الأبيض المتوسط.
كما يشدد على أن التحديات لا تقتصر على مضيق هرمز فقط، بل تمتد إلى مضيق باب المندب، حيث تفرض الأوضاع في اليمن مخاطر إضافية على حركة الملاحة في البحر الأحمر، ما يعزز التوجه نحو إنشاء خطوط أنابيب برية تتجاوز هذه الممرات البحرية الحساسة، وصولاً إلى أوروبا، مضيفاً أن هذا التوجه يعيد إحياء أفكار قديمة تتعلق بربط منابع الطاقة في الخليج بالأسواق الأوروبية عبر مسارات بديلة.
وفي تقييمه للوضع الراهن، يرى حواش أن إيران لا تزال تمتلك نفوذاً كبيراً في مضيق هرمز، مستشهداً بعدم توصل الدول الغربية، رغم اجتماعاتها المتكررة، إلى آلية سريعة وفعالة لضمان حرية الملاحة.
ويشير إلى تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي دعا فيها الدول إلى حماية سفنها بنفسها، معتبراً أن الحل لا يزال مرتبطاً بالحوار مع إيران ومحاولة إعادة ترتيب التفاهمات، خاصة في ظل مطالب إيرانية تتعلق بفرض رسوم أو ترتيبات خاصة لاستخدام المضيق.
ويخلص إلى أن تقليص النفوذ الإيراني في هذا الملف سيبقى مرتبطاً بعاملين رئيسيين، أولهما التوسع في استخدام الطاقة البديلة، وهو مسار طويل الأمد، وثانيهما إعادة رسم خريطة خطوط نقل الطاقة.
مشاريع كبديل جزئي
يقول عبد العظيم المغربل، الباحث المتخصص في قضايا الاقتصاد الكلي، إن هذه المشاريع يمكن أن تشكل بديلاً جزئياً ومهماً، لكنها لا تستطيع في المدى القريب أن تحل بالكامل محل مضيق هرمز، موضحاً أن أهميتها الأساسية تكمن في تنويع مسارات التصدير وتخفيف المخاطر الناتجة عن أي إغلاق أو اضطراب عسكري في الخليج.
ويضيف في حديث لـ”963+” أن الخطوط البرية تمنح الدول المنتجة منفذاً إضافياً نحو البحر الأبيض المتوسط وأوروبا، وهو ما يخفف الضغط على المسارات البحرية التقليدية، لكنه يؤكد أن نجاح هذه المشاريع يبقى مرتبطاً بتوافر الاستقرار والضمانات الأمنية، إضافة إلى الاستثمارات الضخمة اللازمة لإعادة البناء والتشغيل، مضيفاً أنه يمكن اعتبار هذه المشاريع أدوات استراتيجية لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، لا بديلاً كاملاً ونهائياً عنه في المرحلة الحالية.
ويشير المغربل إلى أن العقبة الأولى أمام تنفيذ هذه المشاريع تتمثل في الوضع الأمني داخل سوريا، ولا سيما على امتداد المناطق التي قد تمر بها خطوط الأنابيب، مضيفاً أن العقبة الثانية تكمن في تضرر البنية التحتية بشكل كبير، ما يعني أن أي مشروع يحتاج إلى إعادة تأهيل مكلفة ومعقدة زمنياً وفنياً.
ويوضح أن هناك أيضاً عقبات سياسية مرتبطة بتعدد القوى المحلية والإقليمية والدولية التي يمكن أن تؤثر في خطوط العبور، لافتاً إلى صعوبة التمويل، حيث إن المستثمرين وشركات الطاقة يحتاجون إلى بيئة مستقرة وضمانات قانونية وتشغيلية واضحة قبل الانخراط في مثل هذه المشاريع.
ويؤكد المغربل أن المسارات الجديدة قد تعيد توزيع النفوذ الإقليمي عبر منح دول العبور، وخصوصاً سوريا وتركيا والعراق، وزناً استراتيجياً أكبر، موضحاً أن الدولة التي تملك ممر الطاقة لا تحصل فقط على رسوم عبور، بل تكتسب أيضاً ورقة سياسية واقتصادية مؤثرة في العلاقات الإقليمية.
ويضيف أن هذه الخطوط قد تقلل نسبياً من احتكار بعض الممرات التقليدية لدور التحكم في تدفقات النفط والغاز، وفي الوقت نفسه قد تفتح باب تنافس جديد بين الدول المنتجة نفسها على الأسواق الأوروبية ومسارات الوصول إليها، معتبراً أن خريطة الطاقة الجديدة، إذا تحققت، لن تكون مجرد خريطة أنابيب، بل خريطة نفوذ وتحالفات وتوازنات جديدة في المنطقة.
+963
—————————
نفط الرقة ودير الزور .. تحولات في السيطرة والعقد الاجتماعي/ آريا حاجي
10 نيسان 2026
منذ بداية الحرب في سوريا، تحوّل ملف النفط إلى حكايةٍ معقّدة، من ثروة محلية إلى مصدر للنزاع. تحكّمت به كل سلطة مرت على المنطقة خلال عقد ونصف من الزمن، ونُظِر إليه كخط أحمر، لتعزيز النفوذ، بينما حاصر الإهمال أهالي المناطق التي يتواجد فيها، شأنه شأن الدخان الكثيف والملوّث، وارتفاع أسعار الوقود.
قبل الحرب، كان الإنتاج النفطي السوري يصل إلى نحو 400 ألف برميل يومياً، وكانت الحقول الكبرى في الشرق، خصوصاً دير الزور، من المصادر الأساسية للعملة الصعبة. ومع تفكك السيطرة المركزية، تحوّل النفط من “إيراد دولة” إلى “ريع نزاع”: سيطرت عليه أطراف متعاقبة، وتعرضت البنية التحتية للتدمير والإهمال، وازدهرت ممارسات التكرير البدائي والتهريب.
في الرقة ودير الزور، تغيّر أسلوب إدارة الحقول وطرق الاستفادة منها، بين حكومة البعث، والفصائل المعارضة المحلية، وتنظيم “داعش” وقسد، وصولاً إلى الحكومة السورية الانتقالية منذ بدايات عام 2026. كل من تلك القوى قامت باحتكار الثروة وتهميش سكان المناطق المحيطة بها بطرق مختلفة، وبدرجات متباينة عبر السنين.
“قبل العام 2011 وحتى بعد الثورة وانهيار مؤسسات الدولة هنا، بقي الهدف الرئيسي للقوات التي سيطرت على المنطقة، استغلال واستخراج النفط بكل الطرق الممكنة، الأمر الذي انعكس سلباً على الصحة والبيئة، علماً أن الاستفادة من النفط كانت محدودة وليس كما صُور سابقاً نتيجة ضعف الإنتاج” يقول جلال الحمد الباحث في حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية ومدير منظمة العدالة من أجل الحياة.
بعيد اكتشاف النفط الخام في سوريا بسنوات قليلة، تم تأميم القطاع بشكل شبه كامل وتسلمت إدارته الشركة السورية للبترول، المختصة باكتشاف وإنتاج وتكرير، وتوزيع وتسويق النفط والغاز. شركات غربية عدة عملت على التنقيب واستخراج النفط في سوريا عبر تلك الشركة، وكانت إيرادات النفط تشكّل حوالي ١٨٪ من الناتج المحليّ، لكن التنمية لم تصل إلى تلك “المناطق النامية”، وفق تصنيف نظام الأسد. تتذكر مية الرحبي الباحثة الدستورية النسوية، زيارتها الأولى لها للميادين، التي تتحدر عائلتها منها، مطلع هذه الألفية: “كان الشبان من الأقرباء من خريجي الجامعات يتحسرون على صعوبة تحصيل فرصة عمل في شركات التنقيب المحيطة، وفي أي وظيفة أخرى”.
بعد العام 2011 توقفت معظم الشركات الأجنبية عن العمل، تاركة وراءها آباراً مفتوحة. يقول الحقوقي صالح النايف الذي لم يترك دير الزور خلال التحولات الكثيرة المتعاقبة كافة، إنّه بعد خروج النظام السوري السابق من الرقة ودير الزور، سيطرت مجموعات مسلحة محلية على آبار النفط فيها، ولم تملك أية خطة لإدارة هذا الملف، “كل مجموعة أخذت البئر القريب منها، لتمويل نفسها، وبدا كأن الآبار إرث عائلي يوزّع على المقرّبين.”
مع ظهور “داعش” تغيرت الأوضاع جذرياً، على ما يوضح صالح، حيث أنشأ التنظيم “مكتب الركاز” وأدار الحقول بطريقة منظمة، واستعان بخبراء من العراق وسوريا، ليتحول النفط إلى عصب أساسي لاقتصاد التنظيم. يقول صالح: “استخدم التنظيم شبكات تهريب معقدة لبيع النفط لجهات مختلفة، بهدف تمويل عملياته العسكرية، وشراء الذخيرة والسلاح.”
وبعد سيطرة قوات سوريا الديمقراطية على المدينتين، وكافة الحقول، إبان طرد التنظيم منهما، تحوّل النفط إلى احتكار حزبي ضيق، وفق ما يشير إليه صالح، حيث منحت التراخيص لأصحاب رؤوس أموال محليين لتشغيل الحراقات البدائية، مقابل تسليم حصة كبيرة من الإنتاج لـ “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا”.
علاقات النفط المعقدة في الرقة ودير الزور
لم يعد إنتاج أكبر الحقول على ما كان عليه سابقاً، فحقل العمر، الذي كان إنتاجه يصل إلى نحو 50 ألف برميل يومياً، تراجع في بعض التقديرات الحديثة إلى بضعة آلاف فقط، بسبب نقص الاستثمار وتهالك المعدات، ما يظهر أن الواردات لم تتقلص بفعل تغير القوة السيطرة فقط، بل أيضاً بسبب تراجع القدرة الذاتية على الاستخراج، وهو عامل مؤثر على المدى البعيد، قد يفوق تأثيره تداعيات المعارك التي تغيّر الخرائط.
في الرقة، تتواجد آبار النفط في أراضٍ في عمق البادية، وهي أملاك عامة، مملوكة للدولة، ولم تكن مستثمرة سابقاً قبل اكتشاف النفط، سوى في الرعي، الأمر الذي لم يخلق حساسية بين الأهالي والدولة التي استثمرت هذه الأراضي. تقع الآبار في بادية الشامية جنوبي نهر الفرات، وفي الرصافة، والطبقة، والبادية الجنوبية قرب جبل البشري، بحسب ما يوضحه أحمد (اسم مستعار لرجل من الرقة فضّل عدم الكشف عن اسمه حفاظاً على أمنه).
أما في دير الزور، فيقول أحمد إن الآبار الأكبر حجماً والأكثر عدداً وتوزعاً، تتواجد بين جنوب وشمال نهر الفرات، ويوضح أن الفصائل المحلية المسلحة، تحوّلوا لتجار نفط، خلال فترة سيطرتهم، حتى سمّيت الآبار جنوبي النهر بأسمائهم، وهي الأقل إنتاجاً وتملّكاً من قبل الأهالي، أما تلك الواقعة شمال النهر، فوضعها مختلف تماماً.
“شمالي النهر، توجد آبار كبيرة مثل العزية وحقل العمر الذي شكّلت الجزء الأكبر من المشكلة، وهي قريبة من الأهالي (أملاك عامة)، حيث يمر قسم منها فوق قرى أبو حمام، وغرانيج، وذيبان، بدايةً لم يقترب منها أحد، لكن لاحقاً أصدرت الفصائل فتاوى شرعية تجيز استخدام النفط، خاصةً في منطقة الشحيل.” يضيف أحمد أن النفط كان المشكلة الأكبر ومصدر الخلافات الأساسي بين الأهالي في فترة حكم تنظيم “داعش”.
دور العشائر كان محدوداً، حيث تحولت من لعب دور “حامي القوم”، حسب صالح، إلى “وسيط نفوذ مع السلطة القائمة”، ويوضّح أن إعلان الولاء كان مقابل مكاسب شخصية أو تغاضٍ عن تجارة خاصة. ويشير أحمد إلى أن النظام السوري البائد، كان يوظف بعضاً من أبناء الشيوخ والوجهاء في قطاع النفط إرضاءً لهم.
خلال السنوات الماضية، ظهرت أسماء وشبكات تجارية، تمكنت من التعامل مع جميع الأطراف في الوقت نفسه، ونقل النفط بين مناطق سيطرة القوى المختلفة. النتيجة كانت تكوين ثروات طائلة من هذه التجارة دون الاكتراث بمن يكسب أو يخسر على الأرض من القوى المسيطرة.
الأهالي، الغائب الأبرز عن من ملف النفط
يرى الباحث الحقوقي جلال الحمد أن كل ما تم جمعه من موارد عبر استخراج النفط، سواءٌ أكان قبل أو بعد الثورة، لم ينعكس يوماً على واقع وحياة الأهالي، ولم يحسنها، وأن رؤية الحكومة الانتقالية لم تختلف “مع الأسف” عن رؤية النظام البائد، التي اقتصرت على اعتبار المنطقة، مصدراً للثروات، يجب أن يعود لحكم مؤسسات الدولة. ويرى أن هذه العودة طبيعية، لكنها لم تحقق آمال أهل المنطقة.
“استخراج النفط من دير الزور يحتاج إلى وقت نتيجة أضرار الحرب، لكن النظرة إلى دير الزور لم تتغير: الأهالي، والبنية التحتية، والحالة المعيشية، بعيدة تماماً عن أية حسابات، ويُنظر فقط إلى حجم المكتسبات المالية التي يمكن أن تنعم بها خزينة الدولة.” يقول جلال.
مع سيطرة الحكومة السورية المؤقتة على مدينتَيّ الرقة ودير الزور، لا يزال الغموض يلف ملف النفط، حيث قامت بإغلاق الحراقات، وأعلنت أن الإجراء يهدف إلى حماية البيئة، بحسب صالح، الذي يشير إلى أن الحكومة تقول إنها تسعى لتوقيع عقود مع شركات عالمية، لكن الأرقام الحقيقية للإنتاج والإيرادات لا تزال في دائرة الصمت كما كان الحال لدى السلطات السابقة، مع بقاء المشاكل القانونية المتعلقة بعقود سابقة مع شركات التنقيب الغربية.
“منذ سنوات طويلة يعاني أهالي الرقة ودير الزور من تبعات وجود النفط في أراضيهم، ولا يلبث أن يشعر الأهالي ببعض الأمل مع قدوم كل سلطة جديدة، حتى يعود الأمر لسابق عهده: ثروات المدينتين للغير، وأهلها يعيشون على الفُتات.” يقول صالح. يشير جلال الحمد إلى أن مدينة دير الزور مدمرة بنسبة لا تقل عن 75%، بشكل كلي وجزئي، ويعود النازحون إليها، وسط ظروفٍ معيشية صعبة، ويرى أن هؤلاء يشعرون بظلم مضاعف، وإن عدم إنصاف هذه المدينة، وتعويض ضرر أهاليها، والعمل على تنميتها، قد يُقابل بردود فعل غير متوقعة.
قبل قدوم الحكومة الانتقالية، كانت مطالب الأهالي بسيطة، تتمثل في مصفاة تكرير على أرضهم، وفرص عمل للشباب، ومستشفى، وجامعة، وكهرباء ومطار يسهل التنقل، على حد تعبير صالح، الذي يضيف “كانوا يريدون أن يعود خير بلدهم إليهم، لا مجرد دخان وأسعار مرتفعة.” بعد سيطرة الحكومة المؤقتة، ومع إغلاق الحراقات، ارتفعت الأسعار وفقد كثيرون مصدر رزقهم، وباتت مطالب أهالي الرقة ودير الزور الحالية، وفقاً لصالح، تشمل فرص عمل حقيقية للشباب، وأسعاراً مناسبة للمحروقات، ومستشفى متخصصاً بعلاج الأمراض الناتجة عن التلوث، مع كشف أرقام الإنتاج والإيرادات النفطية، إلى جانب مشاريع تنموية في مجالات الكهرباء والمياه والطرق والتعليم.
ترى الخبيرة الدستورية مية الرحبي، من جانبها، أنه لا يمكن تمييز الأهالي القاطنين في مناطق الثروات في نظام حكم مركزي، ومن الصعب التحول إلى اللامركزية في وقت تعاني فيه البلاد من الهشاشة والضعف، فهو سيؤدي إلى تقسيم فعلي. “لا يمكن تخصيص منطقة واحدة بامتيازات دون غيرها في الوقت الحالي. الحل في التوزيع العادل للثروات، الذي يا ريت أن يصير”، وفقاً لتقديرها.
حكاية ما انحكت
————————
المشافي الحكومية بين الشراكة والخصخصة.. تطوير الخدمات أم عبء جديد على المواطن؟/ ميساء العلي
إشراك القطاع الخاص في إدارة مستشفيات حكومية.. بين الحاجة إلى تحسين الخدمات والمخاوف من ارتفاع تكاليف العلاج
أبريل 9, 2026
أثار حديث هيئة الاستثمار السورية حول إمكانيات الشراكة مع القطاع الخاص في إدارة بعض المستشفيات الحكومية جدلاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية والاجتماعية، في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي يواجهها المواطنون لا سيما الفئات الأكثر هشاشة.
ووسط مخاوف من الآثار المحتملة لهذه الخطوة على قدرة المواطنين على الوصول إلى العلاج، أكدت الدولة استمرار دورها كضامن أساسي للرعاية الصحية، لكن رغم ذلك، يبقى السؤال مطروحاً حول كيفية الموازنة بين جذب الاستثمار وتحسين الخدمات دون المساس بحقوق الفئات الأكثر ضعفاً.
وارتفع عدد المستشفيات التابعة لوزارة الصحة من 70 مستشفى قبل التحرير إلى 90 مستشفى باستثناء مستشفيات الجزيرة، حيث وصل العدد الكلي بعد تحريرها إلى أكثر من 130 مستشفى بمختلف المحافظات، كما يجري العمل على إعادة تفعيل 38 مستشفى خارج الخدمة، تعرضت لأضرار جزئية أو كلية، بسبب الإهمال وجرائم النظام المخلوع.
وكان رئيس هيئة الاستثمار طلال الهلالي، تحدث في تصريحات عن توجه الحكومة لمنح القطاع الخاص دوراً مباشراً في إدارة 71 مستشفى حكومياً، بهدف الاستفادة من عوائد هذه المنشآت.
لكن هيئة الاستثمار أكدت في بيان لاحقاً، أن الواقع الطبي لن يشهد تغييراً يمس جوهر دوره الوطني، وأن الدولة ستبقى الضامن الأساسي للعلاج، ولن يُحرم أي سوري من حقه في الطبابة بسبب وضعه المادي.
تطمينات رسمية
وذكرت الهيئة في بيان، الخميس، أن ما صُرّح عنه في مقابلة إعلامية مؤخراً حول خصخصة المستشفيات الحكومية، هو بحث في نماذج إدارة حديثة بالشراكة مع القطاع الخاص، هدفه تحسين آليات العمل والخدمات المقدمة، بما يرفع الكفاءة ويخدم المواطن أولاً لضمان وصول العلاج لكل مواطن بكرامة.
وأشارت إلى أنه استناداً إلى التفاعل الواسع الذي شهدته منصات التواصل الاجتماعي أمس، وإلى الآراء المشروعة التي عبّر عنها الرأي العام حول ما ورد في المقابلة بشأن مستقبل المستشفيات الوطنية، فإنها تؤكد أن قلق المواطنين مفهوم ومحل تقدير.
وشددت الهيئة في بيانها أن الصحة ليست للبيع، وأن أي نموذج سيتم اعتماده سيكون تحت إشراف الدولة ورقابتها الكاملة وبما يصون حقوق المواطنين ويرتقي بمستوى الخدمات الصحية.
من جهته، أكد مدير مديرية المنشآت الصحية في وزارة الصحة واصل الجرك، أن الوزارة مستمرة في تحسين الخدمات في مستشفياتها الحكومية عبر تحديث الأجهزة الطبية، وتأهيل البنية التحتية، كما يجري العمل على إعادة تفعيل 38 مسشتفى خارج الخدمة وإطلاق مشاريع جديدة لجذب الاستثمار في هذا القطاع.
وأوضح الجرك أن الهدف من التشجيع على الاستثمار في المجال الطبي تنفيذ مشاريع نوعية غير متوفرة حالياً في سوريا، تسهم في تخفيف أعباء سفر المرضى إلى الخارج لتلقي مثل هذه الخدمات أو الحصول عليها عبر مستشفيات القطاع الخاص، كزرع الأعضاء منها الكبد، ونقي العظم، وغيرها.
وشدد على أن الوزارة تتولى تنظيم المشاريع الاستثمارية ومراقبتها وضبطها، بما يضمن بيئة استثمارية صحية، مع إلزام المستثمرين بتخصيص نسبة مجانية أو أجور منخفضة لقاء الخدمات المقدمة للمرضى السوريين في حالات خاصة، إضافة إلى خدمات مدفوعة التكاليف للمرضى من داخل وخارج البلاد.
وقال الجرك: “وزارة الصحة تعتمد نموذجاً مشابهاً في شراكتها مع الجانب التركي في مستشفيي دمر بدمشق والأورام في حلب، حيث طرحت إدارة المستشفيين سابقاً فرض رسوم على المرضى، إلا أن الوزارة أصرت على أن تكون الخدمات مجانية بالكامل في الوقت الحالي”.
وأضاف: “الوزارة بحثت إمكانية شراء الخدمة من القطاع الخاص في مجال التشخيص المخبري والشعاعي داخل المستشفيات الحكومية، بهدف تحديث الأجهزة وضمان جودة الخدمة ومنع انقطاعها”، مؤكداً أن الوزارة هي التي تدفع تكاليف هذه الخدمة من المستشفيات الخاصة، وليس المرضى، وسيتم الإعلان عن التفاصيل مسبقاً في حال اعتماد هذا النظام.
إشراك القطاع الخاص
استبعد الخبير الاقتصادي الدكتور فراس شعبو، بيع المستشفيات الحكومية إلى القطاع الخاص، حالياً أو مستقبلاً، مؤكداً أن هذه المسألة حساسة وتمس الكفاءات الصحية والعدالة الاجتماعية في الوقت ذاته.
وأوضح شعبو لصحيفة “الثورة السورية” أن ما قد يحدث هو إشراك القطاع الخاص في إدارة وتشغيل المستشفيات، بهدف تحسين الأداء، وتقليل الهدر، وإدخال تقنيات طبية حديثة تحفز الأطباء، ما يجعل المستشفيات العامة أكثر قدرة على تقديم الرعاية الصحية للمواطنين، خصوصاً في ظل الوضع الحالي الصعب.
وأشار إلى أن مشاركة القطاع الخاص قد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار، لكن الدولة قادرة على التدخل بتحديد سقف للأسعار ودعم الفئات الأكثر هشاشة عبر نظام التأمين الصحي.
تحسين الكفاءة
من جهته، رأى المحلل الاقتصادي شادي سليمان، أن خصخصة الميتشفيات تهدف عادة إلى تحسين الكفاءة وتقليل الأعباء المالية على الدولة، عبر نقل إدارة المؤسسات إلى القطاع الخاص، الذي يُفترض أن يكون أكثر قدرة على الاستثمار والتطوير. ومن الممكن أن يؤدي ذلك إلى رفع جودة الخدمات الطبية، وتحديث المعدات، وتحسين مستوى الكوادر الصحية.
مع ذلك، غالباً ما تكون هذه الفوائد مشروطة بقدرة المواطنين على تحمّل تكاليف الخدمات الصحية. وبالنسبة للفئات الفقيرة، قد تشكل خصخصة المستشفيات عبئاً كبيراً، إذ كانت المستشفيات العامة الملاذ الأساسي لهم. ومع انتقال الإدارة للقطاع الخاص، من المرجح أن ترتفع تكاليف العلاج، ما قد يمنع شريحة واسعة من المواطنين من الوصول إلى الرعاية الصحية أو يدفعهم لتأجيل العلاج، بما يزيد من الحالات الصحية والتكاليف على المدى الطويل.
وأضاف سليمان لصحيفة “الثورة السورية” أن ضعف نظام التأمين الصحي يزيد من مخاطر هذا التحول، إذ لا توجد حماية كافية للفئات الهشة من ارتفاع الأسعار، ما قد يوسع الفجوة الاجتماعية بين الأغنياء والفقراء، ويؤدي إلى آثار غير مباشرة مثل زيادة معدلات الفقر، ولجوء بعض الأسر للاستدانة، أو بيع ممتلكاتها لتغطية تكاليف العلاج، إضافة إلى التأثير السلبي على الإنتاجية الاقتصادية.
ولتخفيف هذه الآثار، اقترح سليمان تبني سياسات مرافقة، تشمل دعم الفئات الفقيرة بشكل مباشر، وتوسيع نظام التأمين الصحي، وفرض رقابة صارمة على أسعار الخدمات الطبية في القطاع الخاص، لضمان عدم استغلال المواطنين.
وأشار إلى أن خصخصة المستشفيات الحكومية تمثل سيفاً ذا حدين، إذ يمكن أن تحسن القطاع الصحي من حيث الجودة والكفاءة، لكنها في الوقت نفسه تحمل مخاطر كبيرة على العدالة الاجتماعية، ما يستلزم تخطيطاً دقيقاً وإجراءات حماية فعالة لضمان أن تبقى الصحة متاحة للجميع.
مخاطر صحية
أوضحت الباحثة الاقتصادية رشا سيروب، لصحيفة “الثورة السورية”، أن للخصخصة مفهومين: ضيق وواسع.
وأشارت إلى أن الخصخصة بالمعنى الضيق تعني نقل ملكية القطاع العام إلى القطاع الخاص، وهو أمر مرفوض وغير منصوص عليه قانونياً. أما الخصخصة بالمعنى الواسع، فتتمثل في تخلي الدولة جزئياً أو كلياً عن جزء من مهامها لصالح القطاع الخاص.
ولفتت سيروب إلى أن ما تقوم به الحكومة حالياً من منح امتيازات أو استثمارات للقطاع الخاص وفق نظام POT وشراكات بين القطاع العام والخاص يُعد شكلاً من أشكال الخصخصة، مضيفة أن الاعتراض على “مبررات طرح القطاع العام للقطاع الخاص”.
وأضافت أن أجرة ليلة في غرفة بمستشفى خاص تعادل مثيلتها بفندق، محذرة من زيادة أعداد الوفيات وانتشار الأمراض، لأن ارتفاع أسعار الخدمات الصحية سيؤدي إلى حرمان المواطن من الاستفادة منها.
وأضافت أن بيانات الأمم المتحدة تشير إلى أن 12.8 مليون سوري بحاجة إلى مساعدات صحية، وأن 83 بالمئة من الأسر أنفقت أموالاً على الصحة خلال الأشهر الستة الماضية، مما يسلط الضوء على الإنفاق المباشر الواسع النطاق وعوائق القدرة على تحمل التكاليف.
كما ذكرت أن الأمراض المعدية لا تزال مصدر قلق بالغ للصحة العامة، وأن الأمراض غير المعدية تسهم بنحو 70 بالمئة من الوفيات، فيما تبلغ نسبة المجتمعات المحلية التي تبلّغ عن عدم توفر الأدوية لعلاج الأمراض غير المعدية 58 بالمئة.
وأكدت أنه “لا يجب التعامل مع الصحة والخدمات الحياتية على أنها تجارة”.
منطق التنمية الاقتصادية
رأى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، أن الاقتصاد السوري يواجه ضعفاً بنيوياً عميقاً يعوق قدرته على استعادة مسار التعافي، ويُعد نقص التمويل في القطاعات الاقتصادية العامة أحد أبرز التحديات التي تكبح أي محاولة للنهوض، إذ تعاني معظم القطاعات الإنتاجية والخدمية من نقص حاد في الموارد المالية اللازمة لإعادة التشغيل أو التحديث.
وقال قوشجي لصحيفة “الثورة السورية”، إن فتح باب الاستثمار الخاص في القطاعات العامة يمثل محاولة لتعويض غياب التمويل الحكومي، ورغم أن هذا التوجه يبدو من حيث المبدأ خطوة منطقية، فإن تطبيقه في قطاعات حساسة مثل الصحة والتعليم يحمل آثاراً اجتماعية واقتصادية خطيرة، خصوصاً في بلد تتراوح فيه نسبة الفقر بين 80 بالمئة و90 بالمئة من السكان، إذ سيؤدي استثمار القطاع الخاص في الخدمات الأساسية إلى ارتفاع تكاليفها، ما يزيد العبء على الفئات الأكثر هشاشة ويعمّق فجوة عدم المساواة.
وأشار قوشجي إلى أن الأجدى، وفق منطق التنمية الاقتصادية، أن يتجه الاستثمار نحو القطاع الصناعي العام بوصفه القاطرة القادرة على تحريك عجلة الاقتصاد. وأوضح أن القطاع الصناعي يمتلك القدرة على:
خلق فرص عمل واسعة تستوعب شرائح كبيرة من القوى العاملة.
تنشيط سلاسل الإنتاج وتحفيز الاستثمارات المساندة في النقل والخدمات والطاقة والمواد الأولية.
رفع مستويات الدخل وبالتالي تعزيز القدرة الشرائية للمواطنين.
توسيع القاعدة الضريبية وزيادة الإيرادات العامة دون تحميل المجتمع أعباء إضافية.
واختتم قائلاً: “تطوير القطاع الصناعي العام وتحويله إلى محرك للنمو كان سيؤدي إلى تحسين مستويات المعيشة، ما يجعل المواطنين أكثر قدرة على تحمل تكاليف الخدمات الصحية والتعليمية حتى إذا تم استثمارها لاحقاً من قبل القطاع الخاص، بعد تحقيق حد أدنى من التعافي الاقتصادي”.
الثورة السورية
———————-
الرعاية الصحية في سوريا بين منطق الخصخصة وحق العدالة الاجتماعية/ بتول الحكيم
12 أبريل 2026
أثار تصريح رئيس هيئة الاستثمار طلال الهلالي حول خصخصة المستشفيات استياءً بين المواطنين في الشارع السوري وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، على الرغم من إصدار الهيئة توضيحًا يقضي بالتوجه نحو الشراكة بين القطاع الحكومي والخاص، بهدف تحسين جودة الخدمات في المستشفيات، والتأكيد على أن صحة المواطن لن تخضع للمزاودات، إلا أن التوجس من هذا التوجه لا يزال قائمًا.
ومن منظور اقتصادي، يعني تخصيص القطاع الطبي انتقاله من إشراف الدولة إلى القطاع الخاص، نظرًا لعدم قدرة الحكومة على تحسين واقع المستشفيات وضعف إمكانياتها المادية، ولذلك يمكن أن تفرض الحكومة على المستثمرين بعض الشروط، مثل تقديم بعض الخدمات بأجور رمزية أو بشكل مجاني.
الخصخصة تزيد أعباء المواطن
يوضح المحلل الاقتصادي رضوان الدبس لموقع “الترا سوريا” أن الخصخصة تُعد توجهًا نحو الرأسمالية التي لا تتناسب بشكل من الأشكال مع الواقع المعيشي في سوريا، تبعًا لأن القطاع الخاص يقدم خدمات بجودة تتراوح بين المتوسطة والجيدة مقابل مادي. وأضاف أنه لا يمكن للمواطن السوري تحمل تكلفة هذه الخدمات، سواء كان موظفًا في القطاع الحكومي أو الخاص، بالإضافة إلى الفئات الأكثر هشاشةً وعوزًا في المجتمع، إلى جانب ما يترتب عليه من توسيع الهوة بين طبقات المجتمع التي يوسعها هذا التوجه.
ويشير الدبس إلى أن سبب هذا التوجه يعود إلى تراجع القطاع الصحي وتهالكه، وعجز الدولة عن تحسينه، نظرًا لعدم وجود الإمكانيات، وارتفاع الكلفة التشغيلية لهذا القطاع، وما يحتاجه من خدمات لوجستية وعمالة. ويرى أن هذا التوجه ينعكس سلبًا على واقع المواطن البسيط، ويجعل القطاع يخضع لجشع المستثمرين، كما تفعل غالبية المستشفيات الخاصة، التي تعامل المرضى على أنهم زبائن ومتلقي خدمات، بالإضافة إلى استغلال حالات الولادات القيصرية وحواضن الأطفال خاصةً وتحويلها إلى مصادر ربح.
الخصخصة: مقامرة اجتماعية
من جانبه، وصف السياسي والكاتب السوري محمد ياسين نجار، في حديثه لـ”الترا سوريا”، ما يحدث بالمنعطف الاقتصادي بأنه الأخطر منذ عقود، حيث يُلاحظ خلال الآونة الأخيرة حراك تقوده شخصيات تنفيذية، بدأ عبر رفع أسعار الكهرباء، وتبعه قرار إشكالي من رئيس هيئة الاستثمار بتشكيل لجنة كتابة النظام الداخلي الخاص بالتحكيم، بمنأى عن الجهات ذات الصلة، مؤكدًا تبني هذه الشخصيات بوضوح استراتيجية “إدارة الصدمة” لتجاوز مخلفات الحرب.
وبحسب نجار، يشير مصطلح الإدارة بالصدمة إلى الإطلاق المفاجئ للتحكم في الأسعار، ورفع الدعم الحكومي، والخصخصة الفورية للأصول، بهدف تحويل الاقتصاد من نظام موجه إلى سوق حر، لكنها تمثل “مقامرة اجتماعية” عالية المخاطر، في غياب شبكات الأمان الاجتماعي والشفافية، إذ بينما نجحت في بولندا، أدت إلى نتائج كارثية في روسيا.
ومع بروز ملف “خصخصة إدارة المستشفيات”، وما تلاه من استياء شعبي دفع رئيس هيئة الاستثمار إلى التوضيح بأن “الصحة ليست للبيع”، تظهر تساؤلات سياسية ومؤسساتية كبرى تتجاوز لغة الأرقام إلى لغة البقاء.
ويشير نجار إلى خلل في القيادة المؤسساتية، إذ تغيب وزارة الصحة عن الصدارة في ملف صحي بامتياز، ومن المستغرب مهنيًا وتنفيذيًا أن يتولى رئيس هيئة الاستثمار شرح مستقبل المستشفيات الوطنية من منظور “عقود التشغيل”، بينما يغيب “الوزير المختص” المسؤول قانونًا وأخلاقيًا عن السياسة الصحية للدولة، ما يعني تحويل الصحة إلى ملف استثماري بحت، فالصحة “حق سيادي” وواجب اجتماعي، قبل أن تكون “فرصة ربحية”.
ووفقًا لنجار، لا يمكن فصل طموحات هيئة الاستثمار الرامية إلى ضخ أموال مليارية عبر الاستثمارات عن واقع مرير، حيث يرزح أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر وفق تقارير دولية، موضحًا أن “علاج الصدمة” عبر رفع أسعار الكهرباء وتكاليف الطاقة، ثم التلويح بالخصخصة الصحية، يهدد بـ”شلل القوة الشرائية”، متسائلًا عن نفع مستشفى بمواصفات عالمية، فيما يعجز المواطن عن دفع ثمن صورة الأشعة والتحاليل المخبرية.
ويرى نجار أن مجلس الشعب هو حجر الزاوية والضمانة التشريعية، فلا يجوز أن تمر هذه التحولات الكبرى عبر قرارات إدارية أو أنظمة داخلية تضعها لجان قد تفتقر للتخصص الصحي والاجتماعي، ومأسسة هذا التحول تتطلب نقاشًا علنيًا تحت القبة البرلمانية لإقرار تشريعات توازن بين “حق المستثمر في الربح” و”حق المواطن في العلاج بكرامة”.
ويلاحظ، بحسب نجار، تسارعًا في التوجه نحو الاستثمار الخدمي، مقابل غياب رؤية واضحة لاستثمارات صناعية إنتاجية قادرة على تشغيل الكوادر السورية، وزيادة الصادرات، وتأمين تدفقات مستدامة من العملة الصعبة، لافتًا إلى غياب الحوار الوطني الشامل حول ملفات مفصلية تمس حياة المواطن ومستقبل الدولة بشكل مباشر، وعلى رأسها السياسات الاقتصادية والخدمية الكبرى، ملمحًا إلى أن اتخاذ قرارات بهذا الحجم دون إشراك الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين، من نقابات وخبراء وممثلين عن المجتمع، قد يضعف من شرعيتها ويحدّ من فرص نجاحها.
أنسنة الاستثمار
وحول الحلول، يقترح نجار خريطة طريق تعتمد على “أنسنة الاستثمار”، تُبنى على استقطاب “رأس المال الوطني المهاجر”، إذ يجب منح السوريين المغتربين، وخاصة الكوادر الطبية والمستثمرين المقيمين في الخارج، حوافز ضريبية وتسهيلات استثنائية لتملك وإدارة مستشفياتهم في وطنهم؛ فهم الأكثر حرصًا على البعد الإنساني والوطني من الشركات الأجنبية.
ومن ضمن المقترحات مأسسة “العشر الصحي” والدعم الوقفي، عبر تطوير تشريعات تشجع “الأوقاف الصحية” والاستفادة من الزكاة والصدقات ضمن صناديق “الدعم الإنساني والوقفي” لتمويل علاج الفقراء، بما يخلق توازنًا بين الربحية والتكافل، بالإضافة إلى منح المستثمرين إعفاءات ضريبية تتناسب مع عدد “الحالات المجانية” التي يتم علاجها، ما يسهم في تحويل المستشفى من مجرد مشروع تجاري إلى شريك فاعل في تحقيق الأمن الاجتماعي.
الفقر يفاقم المرض، والمرض يفاقم الفقر، في دائرة تنغلق على الطبقات الهشة في المجتمعات، وضمان وصول الدعم الصحي للطبقات المحتاجة ومن هم تحت خط الفقر أولوية، بما يحفظ كرامة المواطنين، ويحمي صحتهم من الأنظمة الربحية وأطماع المستثمرين.
الترا سوريا
——————————–
عالم سوري يشرح: قرار خصخصة المستشفيات صحيح وهناك أمثلة ناجحة
المالك أوضح أن الفكرة الأساسية تقوم على بقاء الدولة مالكة للمستشفيات مع احتفاظها بدورها التنظيمي والرقابي
الرياض – العربية.نت
11 أبريل ,2026
بعد البيان التوضيحي الذي نشرته هيئة الاستثمار السورية حول جدل “خصخصة المستشفيات”، هدأت الضجة في البلاد إلى حد ما لكنها لم تنته، ما دفع أحد الأصوات العلمية للتعليق وشرح الفكرة.
صحيح 100% وهذه أمثلة
فقد أكد الباحث السوري مهند مالك، الحاصل على الدكتوراه في علم الأحياء من جامعة كلود برنارد ليون الأولى في فرنسا، وعلى أبحاث ما بعد الدكتوراه من كامبريدج وبرلين PostDoc in Cambridge & Berlin، أن قرار الهيئة صحيح 100%.
ونشر عبر حسابه في فيسبوك شرحاً تفصيلياً للفكرة، أوضح فيه أن طرح الشراكة بين القطاعين العام والخاص في إدارة المستشفيات يثير جدلاً واسعاً، لكن التدقيق فيه يؤكد أنه لا يعني بيع مؤسسات الدولة كما يُروَّج، بل يمثل محاولة لإصلاح نظام صحي يعاني من إنهاك عميق.
وأضاف أن الفكرة الأساسية تقوم على بقاء الدولة مالكة للمستشفيات، مع احتفاظها بدورها التنظيمي والرقابي، مقابل إسناد عمليات التشغيل وتحسين الخدمات إلى القطاع الخاص، ضمن إطار واضح يضمن جودة الخدمة واستمراريتها.
كما أشار إلى أن تجارب عدة حول العالم قدّمت نماذج مشابهة ناجحة، خاصة في دول ذات موارد محدودة، مستشهداً بدولة رواندا، إذ ساهمت الشراكات مع القطاع الخاص في توسيع التغطية الصحية لتشمل أكثر من 90% من السكان.
أيضاً في الهند، حيث لعبت مؤسسات خاصة دوراً في تحسين خدمات الرعاية الأولية وخفض معدلات وفيات الأطفال.
أما في كينيا، فساعدت (وفق مالك)، هذه الشراكات في توسيع خدمات علاج الإيدز وتنظيم الأسرة، ما خفف الضغط عن القطاع الحكومي.
في المقابل، شدد المالك على أنه لا يمكن تجاهل المخاوف المشروعة، موضحاً أن أبرزها احتمال تأثر الفئات الأقل دخلاً بإدخال القطاع الخاص، إضافة إلى التخوف من تغليب الربحية على جودة الخدمة.
رغم هذا لفت إلى أن هذه التحديات يمكن معالجتها من خلال سياسات واضحة، مثل تقديم دعم حكومي مباشر للفئات الأكثر هشاشة، ووضع معايير صارمة للجودة، إلى جانب رقابة فعالة من الجهات المختصة.
وأكد أن الواقع الحالي للمستشفيات الحكومية في سوريا يعكس أزمة حقيقية، تتمثل في نقص التمويل، وتهالك البنية التحتية، وضغط كبير على الكوادر الطبية، ما يجعل الاستمرار بالوضع القائم خياراً مكلفاً إنسانياً واقتصادياً، لافتا إلى أنه من هنا تبدو الشراكة خياراً عملياً، لكنها ليست حلاً سحرياً.
وأضاف أن نجاح الشراكة يتطلب تنفيذها بشكل تدريجي، بدءاً بمشاريع تجريبية، مع تقييم النتائج قبل التوسع، بما يضمن تقليل المخاطر وتصحيح المسار.
إلى ذلك، ختم أن النقاش يجب ألا يكون بين “عام أو خاص”، بل حول كيفية بناء نظام صحي أكثر كفاءة وعدالة.
وشدد على أنه لتحقيق ذلك، تبقى 4 شروط أساسية: الشفافية، حماية الفئات الضعيفة، رقابة حكومية فعالة، وتسريع آليات الدعم الاجتماعي للفئات المحتاجة، لافتا إلى أنه في ظل الظروف الحالية، قد لا يكون التأخير خياراً، بل تحدياً إضافياً يزيد كلفة الإصلاح في المستقبل.
جدل واسع وتوضيح
يذكر أن جدلاً واسعاً كان عم الأوساط السورية بعد أن أعلن رئيس هيئة الاستثمار طلال الهلالي، أن البلاد ذاهبة إلى “خصخصة المستشفيات”، ما أثار انتقاداً واسعاً، خصوصاً على المنصات.
ورأى معارضو القرار أن الخطوة لا تصلح بواقع المعيشة السوري، حيث ما زال أغلب السوريين تحت خط الفقر، مشددين على أن خصخصة القطاع الصحي ستخلق خللاً كبيراً في قدرة معظم السوريين على الوصول إلى الخدمات الطبية الأساسية.
كما أشاروا إلى أن الخطوة ستضعف الدور الاجتماعي للدولة، خصوصاً وسط قدرة مالية ضئيلة جداً.
أمام هذا الغضب، اضطر رئيس هيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي لإصدار بيان توضيحي أكد فيه أن ما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي غير صحيح، لافتاً إلى أن القطاع الصحي سيبقى ضمن مسؤولية الدولة ولن يعرض للبيع تحت أي ظرف.
وأوضح أن المخاوف التي يعبر عنها السوريون محل تقدير واحترام، معتبراً تفاعل السوريين الواسع دليل حرص على صون حقهم في الرعاية الصحية.
وأعلن أن الدولة ستبقى الضامن الأساسي لتقديم الرعاية الصحية، مؤكداً أن أي نموذج يتم اعتماده سيخضع لإشراف حكومي كامل ورقابة صارمة بما يكفل حماية حقوق المرضى وعدم حرمان أي مواطن من العلاج بسبب وضعه المادي.
وختم مؤكداً أن الهدف من أي إصلاحات مطروحة هو الارتقاء بمستوى الخدمات الصحية، وتحقيق معايير طبية أفضل، وتقديم خدمة أكثر كفاءة وتكلفة أقل لجميع السوريين.
وبعد 14 عاماً من الحرب الدامية، تواجه سوريا التي كانت في عزلة دولية خلال عهد الأسد العديد من التحديات، من إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإطلاق عجلة الإعمار، فضلاً عن إعادة تأسيس البنى التحتية، والقوات المسلحة، وإعادة اللاجئين، والنهوض بالاقتصاد المتهالك، وغيرها الكثير.
كما لم يكن القطاع الطبي بعيداً عن هذه المشاكل، إذ تواجه سوريا أزمة حادة تعاني بسببها المستشفيات الحكومية من نقص شديد في المعدات الطبية الأساسية، بما فيها أجهزة التنفس الاصطناعي والمراقبة الحيوية وغيرها.
—————–
حين تتكلم الأجساد.. المرض كأثر سياسي مؤجل للحرب السورية/ وفاء علوش
2026.04.11
هل انتهت الحرب في سوريا حين سكتت أصوات القذائف، أم تغيّر شكلها فقط؟ ربما لم تعد الحرب اليوم تُرى بالعين، ولم تعد تُقاس بعدد القتلى وحدهم، لكنها صارت تُقرأ في أجساد من بقوا.
لقد انتقلت من الشارع إلى الداخل، من الجغرافيا إلى الإنسان نفسه، حيث لا كاميرات ولا تقارير، لتتراكم آثارها بهدوء، وتظهر على هيئة أمراض تبدو للوهلة الأولى فردية أو عشوائية، لكنها في حقيقتها ليست كذلك.
في السنوات الأخيرة، صار من المألوف سماع قصص عن أمراض مزمنة، واضطرابات مناعية، وإجهاد جسدي ونفسي مستمر بين أشخاص لم يكن لديهم تاريخ مرضي واضح. ولم يربط أحد ذلك مباشرة بما عاشوه، وكأن التجربة الكبرى التي مرّت على بلد كامل يمكن فصلها بسهولة عن أجساد أفراده.
من الناحية العلمية، ليس الجسد كيانًا منفصلًا عن التجربة الإنسانية؛ فهو يتأثر بشكل قد لا ندركه. وحين يمرّ الإنسان بصدمة ولا يجد مساحة لفهمها أو التعبير عنها، فإنها لا تختفي، بل تغيّر شكلها. ربما لا تتصدر المشهد، لكنها تجد لنفسها طريقًا آخر للظهور.
تُنظَّم التجارب الإنسانية عادة ضمن سياق واضح: زمان ومكان وتسلسل منطقي، ما يسمح باستعادتها لاحقًا في الذاكرة من دون أن تعيد إغراق الشخص بالمشاعر نفسها. أما في الصدمات الشديدة أو المتكررة، فقد يختلّ هذا التنظيم، وتنشط مراكز الخطر في الدماغ بشكل مفرط، بينما تتراجع قدرة المناطق المسؤولة عن التحليل والربط، فتُخزَّن التجربة كإحساس حي أكثر منها كذكرى مكتملة.
لهذا السبب، قد تعود الصدمة على شكل مشاعر مفاجئة وتوتر جسدي، أو ردود فعل مبالغ فيها تجاه محفزات بسيطة، من دون أن يكون هناك وعي مباشر بالسبب. ومع الوقت، يتحول هذا النمط إلى حالة شبه دائمة من التأهّب، حيث يتعامل الجسم مع الواقع وكأن الخطر ما زال قائمًا، حتى في غيابه الفعلي.
إن هذا الخلل في معالجة الذاكرة لا يبقى محصورًا في الجانب النفسي، بل ينعكس على الجهاز العصبي والهرموني، ما يفسّر كيف يمكن لتجربة نفسية غير مُعالجة أن تستمر في التأثير على الجسد لسنوات.
لقد اختبر كثير منا الخوف لفترات طويلة: خوف من القصف، والاعتقال، والفقد، والتهجير. هذا الخوف لا يمكن أن يمرّ بشكل عابر، بل يستوطن أجسادنا التي تبدأ بعيش حالة تأهّب مستمر، ومع الوقت يبدأ أثر الخوف بالظهور، ليس على الحالة النفسية فحسب، بل على وظائف الجسم نفسه.
يقول علم النفس إن الصدمة التي يتعرض لها الإنسان لا تنتهي بانتهاء الحدث، بل تبقى في الخلفية وتؤثر على الإيقاع اليومي للحياة. قد تظهر على شكل تعب مستمر، أو آلام متفرقة، أو اضطرابات في المناعة، أو حتى أمراض يصعب تفسيرها بشكل مباشر. وهنا لا يكون المرض مجرد خلل عضوي، بل امتدادًا لتجربة لم تُعالج.
في الحالة السورية، لا يمكن الحديث عن الصدمة بمعناها الفردي فقط؛ فما عاشه السوريون كان واسعًا وممتدًا، وشمل أعدادًا كبيرة من الناس بطرق مختلفة، ما جعل أثره مختلفًا أيضًا. ولم يقتصر على حادثة شخصية، بل شكّل بيئة كاملة من القلق وعدم الأمان. وفي مثل هذه الظروف، يصبح الجسد هو المكان الوحيد الذي يستطيع أن يعبّر حين تغيب بقية المساحات.
لا تتوقف المشكلة هنا عند ما حدث، بل تمتد إلى ما لم يحدث بعد. ففي مجتمعات تعرّضت لصدمات كبيرة، يصعب على المرء أن يصغي إلى جسده، وقد ينقطع التواصل بين الإنسان وبدنه وقتًا طويلًا. لكن ذلك لا يعني أن الجسد سيصمت؛ وحتى يتمكن من إيصال صوته، سيختار من الطرق أكثرها ألمًا كي يعبّر عن نفسه.
إن العيش في حالة لا استقرار مستمرة يجعل الإنسان محاصرًا بين ماضٍ لم يُغلق، وحاضر غير مستقر. ويظهر ذلك جليًا حولنا في أشخاص يعانون من إرهاق دائم دون سبب واضح، وآخرين يتعايشون مع مشاكل في الهضم، أو صداع مزمن، أو اضطرابات في النوم، وآخرين نفقدهم بشكل مفاجئ في كثير من الأحيان، أو يعيشون سنواتهم في حرب ضروس مع مرض عضال.
لقد أصبحت هذه الحالات شائعة، وفي أغلب الأحيان لا يُردّ حدوث المرض إلى العامل النفسي، على الرغم من حضوره الواضح في أسباب كثير من الأمراض الجسدية، مع أن إدراك هذه النقطة قد يفتح أمامنا بابًا أوسع للتماثل للشفاء أو للوقاية في حالات كثيرة.
ليس الهدف هنا نفي الأسباب الطبية، بل توسيع زاوية النظر؛ فالجسد لا يعمل بمعزل عن التجربة، والعلاج في كثير من الحالات لا يكون كاملًا إذا تجاهل هذه العلاقة بين النفسي والفيزيائي. فحين يُختزل المرض في بعده البيولوجي فقط، يُغفل جزء أساسي من قصته.
في السياق السوري، أصبحنا نعاني من متلازمة لا تقل أهمية عن سوء الأوضاع النفسية؛ إنها، إذا صح التعبير، متلازمة «التطبيع مع الألم». فمع مرور الوقت، يصبح التعب حالة عادية، ويُنظر إلى الإرهاق كجزء طبيعي من الحياة. وحين يصبح المرض جزءًا من الروتين، لا نستمع لتحذيره، بل نعتقد أنه علينا فقط التعايش معه. ولا يعني هذا أن الناس لا يشعرون بالألم، بل أنهم لم يعودوا يملكون المساحة أو الأدوات للتعامل معه بشكل مختلف.
يُضاف إلى ذلك العامل الاقتصادي والمعيشي؛ فبالطبع، في ظل الضغوط اليومية، يصبح الاهتمام بالصحة ترفًا في كثير من الأحيان. فالأولوية تكون للبقاء على قيد الحياة بتأمين الأساسيات، لا لدرء الاحتمالات التي لم تحدث بعد.
مع طول فترة الحرب وسوء الأوضاع الإنسانية، أدرك كثير من السوريين عدم قدرتهم على احتمال الألم لوقت طويل، في حين لم يستطع جزء يسير منهم حماية نفسه من ذلك. وبالنسبة لكثير من المهاجرين السوريين، كان الخروج من البلد محاولة واضحة للهروب من الخطر المباشر، لكن ما لم يكن واضحًا بالدرجة نفسها هو أن الخروج الجغرافي لا يعني بالضرورة خروجًا من التجربة نفسها.
إن ما عاشه الإنسان لا يبقى خلفه، بل يرافقه بطريقة أعمق مما يبدو. والذاكرة، بطريقتها في العمل، لا تنفصل عن صاحبها، بل تعيد تشكيل نفسها داخله، وتنعجن مع نظرته للعالم ولذاته. لهذا، قد يجد كثيرون أنفسهم في أماكن آمنة نسبيًا، لكنهم ما زالوا يعيشون شعورًا غير مفسّر بالقلق أو الانفصال وعدم التأقلم.
ليست المشكلة في الأماكن الجديدة والغريبة بقدر ما هي في أن التجربة القديمة لم تُهضم بعد. فما حدث لم يكن عابرًا ليزول بسهولة، بل صار جزءًا من البنية النفسية، من طريقة الإحساس والتفاعل. والهجرة، بهذا المعنى، قد تنقذ الجسد من الخطر، لكنها لا تملك وحدها القدرة على إعادة ترتيب ما تراكم في الداخل.
لا يبقى ما حُمِل من التجربة محصورًا في الذاكرة أو الشعور فقط، بل يبدأ بالظهور على مستوى الجسد نفسه. فالخوف الذي لم يجد طريقه للتفريغ، والشعور الذي لم يُفهم أو يُسمَّ، يتحولان تدريجيًا إلى حالات ملموسة بأعراض جسدية، وأحيانًا أعراض يصعب تفسيرها ضمن سبب واحد واضح. وهنا لا يكون الجسد مجرد متلقٍ سلبي، بل مساحة نشطة تُعبّر عمّا لم يُعالج، وكأنه يواصل سرد القصة بطريقته الخاصة.
لا يعني هذا أن كل مرض له سبب نفسي أو سياسي، ولا يجب التعميم. لكن في حالة مثل سوريا، تداخلت العوامل بشكل كبير، بحيث يصعب فصل هذه الأبعاد عن بعضها. وعلى ما يبدو، فإن التعامل مع الأمراض الجسدية بات يتطلب تغييرًا في النظرة: من التركيز على العرض فقط إلى محاولة فهم السياق، ومن البحث عن حل سريع إلى الانتباه لما يقوله الجسد على المدى الطويل. وهذا ليس أمرًا سهلًا، خاصة في ظروف غير مستقرة.
قد لا يملك السوريون اليوم رفاهية الاستطباب نفسيًا أو محاولة الشفاء الكامل، فالظروف لا تسمح بذلك دائمًا. لكن هذا لا يعني أن ما يحدث في داخلنا يمكن تجاهله إلى ما لا نهاية. وفي كل ألم غير مفسّر، أو في كل تعب لا يزول، هناك احتمال أن يكون الأمر أكثر من مجرد خلل عابر. وهنا علينا أن نتعلم كيف نصغي إلى جسدنا بشكل أفضل.
نحن اليوم شهود، عبر أجسادنا وأرواحنا، على قصة بلد لم يُغلق جرحه بعد، ولم يُعطَ أهله فرصة حقيقية للفهم أو التعافي. وفي هذا الفراغ، تتحول الأجساد إلى أرشيف حي يحتفظ بما لم يُكتب، ويعبّر عمّا لم يُقل.
ربما لا يمكن تغيير كل ذلك الآن، لكن يمكن، على الأقل، الاعتراف به: الاعتراف بأن ما يحدث ليس معزولًا، وأن الجسد ليس ضعيفًا حين يمرض، بل صادق، يقول بطريقته ما لم يُسمح له أن يُقال بطرق أخرى.
تلفزيون سوريا
————————–
سوريا: اقتصاد الظل ينمو… احتكار وتخزين وتسعير بالخوف/ رهام علي
السبت 2026/04/11
تفرض التطورات الجيوسياسية المتلاحقة في المنطقة واقعاً اقتصادياً معقداً على الداخل السوري، يتجاوز في آثاره المباشرة حدود الترقب العسكري. فبينما كان المشهد السوري يتهيأ لاستثمار مخرجات الانفراجات السياسية الأولية، جاءت اضطرابات سلاسل التوريد وارتفاع أكلاف الطاقة العالمية لتعيد رسم أولويات السوق المحلية. هذه المتغيرات وضعت الفاعلين الاقتصاديين أمام تحديات بنيوية، برزت من خلالها أنماط جديدة من “اقتصاد الظل” والمضاربات الاستباقية التي تكيفت سريعاً مع حالة عدم اليقين الإقليمي.
لقد دخل الاقتصاد السوري مرحلة من “الواقعية التقنية” الصعبة. إذ تتقاطع كلف الشحن والتأمين المرتفعة مع آليات تسعير داخلية تعتمد “هوامش أمان” كبيرة، ما خلق فجوة واضحة بين القدرة الشرائية المتهالكة وواقع الأسعار في الأسواق. وفي ظل هذا المشهد، تبرز تساؤلات جوهرية حول قدرة الأدوات الرقابية التقليدية على ملاحقة ديناميكيات السوق الحرة، وحول مدى تأثير “القوى غير الرسمية” في توجيه دفّة العرض والطلب بعيداً عن الأطر المؤسساتية.
التضخم المستورد
في تصريح خاص لـِ “المدن”، يشير الخبير الاقتصادي ورئيس مجلس النهضة السوري عامر ديب إلى أن وصول أسعار النفط إلى مستويات برنت الحالية يخلق مفارقة مؤلمة؛ فبينما كان الانتظار لـِ “حصاد” الانفراج السياسي ورفع قانون قيصر، جاءت تكاليف الطاقة العالمية لتعيد ضبط العداد ضمن سيناريو “التضخم المستورد”. ويقول ديب “إن ارتفاع سعر برنت يعني زيادة تكلفة الشحن والإنتاج عالمياً. وبالنسبة لسوريا، فإن هذا الواقع قد يمتص جزءاً كبيراً من الوفورات المالية الناتجة عن تخفيف العقوبات، إذ تذهب مكاسب الانفراج لتمويل فاتورة الطاقة المتضخمة بدلاً من التنمية”. ويرى ديب أن رفع قانون قيصر يسهل التدفقات المالية، لكنه لا يخفض الأسعار العالمية، وهذا ما يولّد تضخماً مركباً ناتجاً عن تراجع الليرة وارتفاع أسعار الطاقة وغياب حوكمة شفافة للاستثمار، بالرغم من أهمية المراسيم الرئاسية الصادرة.
وهذا ما أكده تقنياً رئيس لجنة الطاقة والغاز الطبيعي في غرفة صناعة دمشق وريفها الدكتور محمد أورفه لي، في حديثه مع “المدن”، بقوله: “لا شك في أن جميع السلع مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالنفط. فالنفط هو العصب الاقتصادي لجميع الأعمال، وعلى رأس تلك النفقات النقل”. ويضيف أورفه لي: ” جميع البضائع تتطلب النقل من مكان التصنيع إلى مكان الاستهلاك، وجميع المواد الأولية تتطلب استهلاكاً كبيراً للنفط الذي يدخل في الزراعة والصناعة وحتى التجارة”.
النفط يقود سلسلة التضخم
ويوضح أورفه لي خطورة المشهد الجيوسياسي قائلاً: “إن علِمنا أن 20% من نفط العالم يخرج من هرمز، تتضح لنا الدائرة الأكبر وارتفاع أسعار النفط الحتمي. فوفق نظرية العرض والطلب، نجد أن المعروض أضحى أقل من المطلوب، فارتفعت أسعار النفط واستشاطت، وانعكست مباشرة على التكاليف، وارتفعت تلك التكاليف ارتفاعاً مخيفاً، فانعكس ذلك على المستهلك النهائي”. ويرى أورفه لي أن اللوم لا يقع دوماً على البائع المباشر: “قد يعتقد البعض أن البائع رفع أسعاره، لكنه لا يعلم بأن من يورد للبائع أيضاً رفع أسعاره عبر سلسلة تصل في الختام لاستهلاك النفط”.
ويلفت رئيس لجنة الطاقة إلى معضلة السياسات الاقتصادية الجديدة: “بعد سياسة الانفتاح التي قامت بها الحكومة الجديدة تدمرت الصناعات الوطنية وسجل الميزان التجاري اختلالاً واضحاً لمصلحة الواردات، الأمر الذي انعكس على الليرة وعلى القدرة الشرائية؛ فأضحى في بعض الحالات الجمل بقرش، ولا نجد في جيوب الناس هذا القرش”.
تحديات اللوجستيات وسيطرة القوى غير الرسمية
بالتوازي، تواجه الطموحات بتحويل سوريا إلى مركز ثقل تجاري عقبات تقنية وأمنية ملموسة. فالمرافئ بحاجة إلى تحديث شامل، والربط النفطي مع العراق عبر الأنابيب يصطدم بتكاليف صيانة باهظة وحاجة لحماية أمنية مكثفة.
وفي الداخل، يبرز الدور التنفيذي لـِ “السورية للبترول” كنهج مركزي يرى ديب أنه يحيّد القطاع الخاص الوطني ذا المرونة العالية، ما أدى إلى نزيف القطع الأجنبي ثمناً للمستوردات بأسعار فورية. هذا الفراغ استغلته قوى لوجستية محتكرة. إذ تؤكد التقديرات الميدانية وأوساط صناعية متقاطعة أن تكاليف النقل الداخلي والإتاوات غير الرسمية باتت تشكل 30% من قيمة المنتج النهائي.
وترافق ذلك مع رصد لحالات “تجفيف ممنهج” للأسواق، تقوم بسحب السلع الأساسية وتخزينها لخلق ندرة اصطناعية، ما قفز بتكلفة سلة الغذاء للأسرة لتتجاوز 5 ملايين ليرة شهرياً، وهو رقم يفوق القدرة الشرائية لـِ 90% من السكان، في اتساق مع التحذيرات المستمرة لمنظمات (الفاو) وبرنامج الأغذية العالمي حول تفاقم انعدام الأمن الغذائي الحاد لمطلع عام 2026
تجار الأزمات: “السعر الاحتياطي” وغرف الواتساب
وفي كشف لآليات عمل السوق السوداء، يوضح أمين سر جمعية حماية المستهلك، عبد الرزاق حبزة لـِ “المدن”، أن التجار يستغلون الحروب والتغيرات الإقليمية فوراً، إذ “يعرف التجار فوراً كيف تؤكل الكتف”. ويضيف حبزة: “الرأسمال جبان، والتجار يحاولون دوماً أخذ احتياطاتهم أولاً من حيث سعر الصرف على أساس سوق حرة، فيقومون بالتحكم بالسعر ويرفعونه ويصرفونه على السعر الذي يناسبهم”.
ويشير حبزة إلى تعدد حلقات الوساطة كعامل رفع إضافي، إضافة إلى ما وصفه بـِ “الاتفاق الضمني” بين التجار على رفع الأسعار أو ثباتها. ويؤكد أن الانتقال للسوق الحرة ساعد هؤلاء التجار لغياب التسعيرة المحددة الملزمة، موضحاً: “طالبنا سابقاً بسعر تأشيري ملزم، لكن ما صدر ليس ملزماً، والدور الحكومي يقتصر على إعلان التسعيرة فقط”.
وحول وفرة المواد، يؤكد حبزة: “لا شيء يجبر التجار على طرح موادهم في السوق باستثناء تلك المدعومة. والتاجر يتحكم بالمواد حسب مصلحته. فهناك قلة في انسيابية المواد، والتاجر لا يمتنع عن البيع (هرباً من المخالفة) بل يقلل الكميات ليرفع السعر”. وكشف حبزة عن أسلوب التنسيق الحديث: “التجار يتواصلون عبر واتساب ويتفقون على نشرة معينة للأسعار والمعروض وتقليل الكميات، والرقابة التموينية غير قادرة على ضبط هذا الموضوع”.
ديناميكيات السوق السوداء وبورصة الشائعات
في ظل هذه الضغوط، ينمو اقتصاد الظل مستفيداً من حالة القلق وتذبذب سلاسل التوريد. وبناءً على واقع الأسواق لمطلع العام 2026، تبرز ظاهرة “التضخم السلوكي” كلاعب أساسي. إذ تشير تقديرات المراقبين والخبراء إلى أن ما يصل إلى 70% من تقلبات الأسعار ناتجة عن “عامل الخوف” والمضاربة الاستباقية، وليس النقص الحقيقي في التوريدات، وهو ما يفسر قفزات أسعار السلع الغذائية بنحو 45% بالرغم من وجود مخازين استوردت بعقود قديمة.
ويعزو حبزة هذا الارتفاع إلى اعتماد التجار “سعراً احتياطياً مستقبلياً” يتجاوز السعر الرسمي وسعر السوق السوداء، تحسباً لأي تدهور إضافي. ومع تلاشي المفعول التسكيني لحوالات المغتربين، تزايد ضغط المستوردين على القطع الأجنبي لتغطية تكاليف الشحن التي قفزت بنسبة 60% نتيجة اضطراب الممرات المائية والمخاطر الإقليمية.
أدوات التعافي ومعايرة مؤشرات السوق
في المحصلة، إن الطريق نحو الاستقرار يتطلب، حسب رؤية عامر ديب، تفكيك الاحتكارات اللوجستية وتحويل مؤسسة النفط من مشغل إلى ناظم ومراقب، مع منح القطاع الخاص دوراً قيادياً في تأهيل البنية التحتية. ويقترح ديب اعتماد آلية لمعايرة الاستيراد والتصدير وفق مؤشر سعري، بحيث يمنع تصدير السلعة عند ارتفاع سعرها محلياً، ويفتح التصدير المقنّن عند انخفاضها لمستوى معين، بالتوازي مع دعم الإنتاج المحلي. من دون هذه الإجراءات، قد يبقى الانفراج السياسي عاجزاً عن مواجهة “التضخم الركودي”، ويبقى الاقتصاد رهينة بيد قوى غير رسمية تمتلك سيولة وقدرة على التحكم بالمنافذ والأسعار بعيداً عن الأطر المؤسساتية التقليدية، وهو ما يحذر منه الخبراء كونه سيؤدي إلى تحويل الاقتصاد السوري إلى نظام “غسيل أزمات” يرسخ نفوذ قناصي الفرص على حساب التنمية الوطنية الشاملة
المدن
———————–
إحياء طريق الحجاز القديم.. ربط التاريخ ورؤية المستقبل/ معاذ الحمد
ثورة النقل والبنية التحتية في سوريا: القطار السريع وإحياء “الحجاز” بين الطموح والواقع
2026-04-11
تتصدر مشاريع النقل السككي والرؤية التنموية الجديدة في سوريا المشهد الاقتصادي والإقليمي، حيث يمثل القطار السريع بين السعودية وسوريا مروراً بالأردن وإحياء خط الحجاز التاريخي أحد أهم مكونات هذه الاستراتيجية. وتأتي هذه المشاريع في مرحلة انتقالية دقيقة تمر بها سوريا، تميزت بتحولات سياسية وأمنية متسارعة، وتداخل مصالح القوى الدولية والإقليمية، ما يجعل من هذه المشاريع أكثر من مجرد جهود للبنية التحتية، بل أدوات استراتيجية لإعادة رسم الجغرافيا الاقتصادية والسياسية للمنطقة، وتقليل الاعتماد على المضائق البحرية التقليدية مثل هرمز، التي تُشكل نقاط ضغط دولية.
وتسعى الحكومة السورية الجديدة إلى بناء شبكة علاقات متوازنة مع القوى الدولية، لا سيما روسيا، الولايات المتحدة، وأوروبا، مع الحفاظ على مصالحها الوطنية في الأمن والطاقة وإعادة الإعمار، وهو ما ينعكس مباشرة على مشاريع النقل والبنية التحتية، والتي لم تعد مجرد أعمال مدنية، بل تشكل محددًا رئيسيًا للشرعية الجديدة للدولة في المرحلة الانتقالية.
القطار السريع السعودي ـ السوري: ربط الخليج ببلاد الشام
يعد مشروع القطار السريع من أبرز المشاريع الاستراتيجية في الرؤية السورية الجديدة، إذ يهدف إلى ربط السعودية بسوريا مرورًا بالأردن بسرعة تتراوح بين 200 و300 كم/ساعة. ويمثل هذا المشروع حلقة مركزية في استراتيجية تنويع الممرات اللوجستية، وتخفيف الضغط على الممرات البحرية التقليدية، مع خلق فرص اقتصادية ضخمة عبر تسهيل حركة البضائع والركاب.
أكد أسامة القاضي، مستشار وزارة الاقتصاد والصناعة السورية، أن المشروع ليس مجرد وسيلة نقل، بل شريان اقتصادي واستراتيجي: “القطار السريع سيحول سوريا إلى بوابة لوجستية حيوية بين الخليج والبحر المتوسط. المشروع سيمكن من نقل المنتجات الزراعية الطازجة بسرعة، كما سيخلق فرصًا للقطاعات اللوجستية والصناعية في سوريا والأردن والسعودية”.
ويضيف القاضي أن المشروع يمثل خطوة متقدمة لإعادة دمج سوريا في الاقتصاد الإقليمي، بعد سنوات من الجمود والعزلة، ويؤكد أن التكامل مع شبكة السكك التركية سيسمح بتحقيق تكامل أوسع بين الشرق الأوسط وأوروبا، مما يعزز التبادل التجاري العابرة للقارات.
في نفس السياق، يشير الدكتور حسان نصر فرج، الباحث في الاستراتيجيات الدولية، في تصريحات لـ”963+” إلى أن المشروع يحمل أبعادًا جيوسياسية كبيرة: “المشروع يعيد إنتاج خط الحجاز بوظائف حديثة، ويضع سوريا على خريطة النقل الدولية بطريقة لم تكن ممكنة قبل ذلك. الهدف ليس فقط الاقتصاد، بل إعادة توزيع النفوذ والحد من بؤر التوتر الإقليمية”.
لكن أيمن الدسوقي، الباحث في الشؤون المالية والاقتصادية، يحذر في تصريحات لـ”963+” من أن التمويل والضمانات المالية تمثل تحدياً كبيراً: “تكلفة المشروع الأولية تتجاوز 50 مليار دولار، وتمويله يحتاج شراكات دولية ومؤسسات سيادية. التضاريس الجغرافية المعقدة تزيد من المخاطر، كما أن أي تأخير سياسي أو أمني قد يعطل المشروع بالكامل”.
هنا يظهر التوافق بين القاضي وفرج على الطموح الاستراتيجي والاقتصادي للمشروع، بينما يظهر الاختلاف مع الدسوقي على الجانب الواقعي والتنفيذي للتمويل والتحديات الميدانية.
إحياء خط الحجاز التاريخي: الربط الرمزي والاستراتيجي
يمثل خط الحجاز التاريخي عنصراً محورياً في استراتيجيات النقل الجديدة، إذ يمتد من دمشق إلى المدينة المنورة، ويهدف المشروع إلى ربط الشبكة السورية بالتركية والأردنية والسعودية، بما يعزز التكامل الاقتصادي والسياسي بين الدول.
وكان قد أكد عبد القادر أورال أوغلو، وزير النقل التركي، أن المشروع لا يقتصر على البعد الرمزي التاريخي، بل يشمل إنشاء بنية تحتية متكاملة للسكك الحديدية وفق معايير القرن الحادي والعشرين: “الخط سيتيح حركة سلسة للبضائع والركاب، مع ربط الشبكة السورية بالتركية والأردنية، ما يعزز التجارة العابرة للدول ويخلق فرصًا استثمارية ضخمة في الخدمات اللوجستية”.
ويظهر توافق كبير مع فرج على ضرورة توحيد المعايير الفنية بين الدول المشاركة، سواء في قياس السكك، أو أنظمة الإشارات، أو الجهد الكهربائي للقطارات، لضمان التشغيل المتكامل.
الممر الغذائي السريع: سوريا مركز للإمدادات الطازجة
تشمل خطة النقل السككي أيضاً ممر الأمن الغذائي السريع، الذي يربط مناطق الإنتاج الزراعي في شمال السعودية بمراكز التوزيع في سوريا خلال ساعات، ويهدف إلى تحويل سوريا إلى مركز إقليمي للإمدادات الطازجة.
وأكد القاضي أن هذا الممر يعزز الدور الإقليمي لسوريا: “سوريا لديها القدرة على أن تصبح قاعدة لتصدير المنتجات الطازجة إلى دول الخليج، مع تطوير مناطق إنتاج ومراكز فرز ومستودعات تبريد حديثة، بما يدعم الاستقرار الغذائي في المنطقة”.
ويشدد فرج على الأهمية الاقتصادية للممر، لكنه يؤكد على أن نجاح المشروع يعتمد على قيمة الميزة النسبية مقارنة بالطرق البحرية التقليدية، مثل السرعة، التكلفة المنخفضة، وسلاسة الإجراءات الجمركية.
خطوط النفط والغاز: تقليل الاعتماد على مضيق هرمز
وتشمل الرؤية الاستراتيجية أيضاً مشاريع خطوط النفط والغاز التي تسهم في تعزيز الأمن الطاقي للمنطقة: تعديل مسار خطوط النفط السعودية لتصل إلى موانئ اللاذقية وبانياس، بطاقة تصل إلى 4 ملايين برميل يومياً، لتجنب الاعتماد على مضيق هرمز. مد أنابيب الغاز القطري عبر سوريا إلى تركيا وأوروبا، مع تطوير محطات للغاز المسال على الساحل السوري. إعادة تأهيل خط كركوك ـ بانياس لرفع الطاقة الاستيعابية من 300 ألف إلى مليون برميل يومياً.
ويعتبر القاضي أن هذه المشاريع تكمل استراتيجية النقل السككي، إذ توفر تكاملاً بين قطاع الطاقة والبنية التحتية، وتعزز قدرة سوريا على لعب دور محوري في المنطقة.
التمويل والتحديات الاقتصادية
يشير الدسوقي إلى أن التحديات التمويلية تمثل عقبة رئيسية: “المشاريع تحتاج إلى تمويل هائل وتعاون دولي، والاستقرار السياسي الداخلي شرط أساسي للنجاح. أي تعطيل أمني أو سياسي قد يوقف المشروع”.
ويوافقه في الرأي عبدالرحمن ربوع، الباحث في الشؤون الاقتصادية، الذي يحذر في تصريحات لـ”963+” من وهمية بعض المشاريع المطروحة دون دراسات جدية: “على الأرض، معظم المشاريع تبقى أحلامًا وردية ما لم تتوافر استثمارات حقيقية وتأمين لوجستي وسياسي. المواطن السوري اليوم يعيش في مناطق متضررة، مما يضعف فرص التنفيذ الفعلي”.
وهنا يظهر توافق بين الدسوقي وربوع على تحديات التمويل والأمن، بينما القاضي وفرج يركزان على الفوائد طويلة المدى والمردود الاستراتيجي، ما يعكس تبايناً بين الطموح والرؤية الواقعية.
اقرأ أيضاً: من الأزمة إلى الشراكة: كيف يعيد التعاون العسكري والاقتصادي ترتيب معادلات الشرق الأوسط؟ – 963+
المخاطر الأمنية والتحديات الميدانية
يضيف ربوع أن أي مشروع ضخم يحتاج إلى تأمين كامل ضد المخاطر الأمنية: “المشاريع الكبرى لا تنجح دون حماية شاملة للبنية التحتية، وضمان سلامة المهندسين والكوادر الفنية، وضمان نقل المواد والمعدات بشكل آمن”.
كما يرى فرج أن توزيع الأدوار بين الدول المشاركة يمكن أن يقلل من المخاطر، عبر تنسيق الجهود الأمنية وتفعيل بروتوكولات الحماية بين الدول، وهو ما يجعل المشروع أكثر واقعية على المدى المتوسط.
وبهذه الطريقة، تتجاوز هذه المشاريع كونها مجرد أعمال بنية تحتية لتصبح أدوات استراتيجية تهدف إلى تعزيز الاستقرار في سوريا، وإعادة توزيع النفوذ الإقليمي، وتعزيز الشرعية الوطنية للقيادة السورية في المرحلة الانتقالية. تُظهر تصريحات المصرحين وجود توافق واضح حول الطموح الاستراتيجي والاقتصادي لهذه المشاريع، بما في ذلك القطار السريع وخط الحجاز والممر الغذائي وخطوط الطاقة، إذ يُنظر إليها جميعًا كوسائل لإعادة سوريا إلى موقع محوري على خريطة النقل والتجارة الإقليمية.
ومع ذلك، هناك اختلافات واضحة في الرؤية العملية والتنفيذية، إذ يركز بعض الخبراء مثل أسامة القاضي وائل فرج على الفوائد طويلة المدى والطموح الاستراتيجي، بينما يحذر آخرون مثل أيمن الدسوقي وعبد الرحمن ربوع من التحديات الواقعية المتعلقة بالتمويل والأمن والاستقرار السياسي، والتي قد تؤخر أو تعيق تنفيذ المشاريع على الأرض.
ويؤكد جميع المصرحين على أهمية وجود إطار قانوني وإقليمي مشترك لتوحيد المعايير الفنية، وضمان التمويل، وتأمين الاستقرار الأمني، وهو ما يمثل شرطًا أساسيًا لنجاح أي مشروع ضخم في بيئة إقليمية متشابكة ومعقدة.
ويعكس هذا التنوع في الآراء التوازن بين الطموح والواقع، ويبرهن على أن الرؤية الجديدة لسوريا في مجال النقل والبنية التحتية لا تقتصر على البناء الاقتصادي، بل تتجاوز ذلك إلى إعادة صياغة الأدوار الإقليمية، وإدارة المخاطر، وضمان تكامل مصالح الدولة الجديدة مع القوى الدولية والإقليمية، بما يسهم في ترسيخ الاستقرار السياسي والاقتصادي على المدى المتوسط والطويل.
——————————
بين التنشيط والتحديات.. ماذا تعني عودة المعابر مع العراق للاقتصاد السوري؟/ محمد كساح
11 أبريل 2026
جاء افتتاح معبر التنف الحدودي مع العراق ضمن خطة حكومية لتنشيط الحركة التجارية بين سوريا والعراق، ورغم ما تواجهه هذه الخطة من تحديات أمنية ولوجستية، فإن المسؤولين السوريين يرون أنها ستنشط حركة العبور بالموازاة مع تفعيل العلاقات الاقتصادية بين البلدين.
وكان مسؤولون سوريون وعراقيون افتتحوا يوم الخميس، 2 نيسان/أبريل 2026، معبر التنف–الوليد الحدودي بين سوريا والعراق، بحضور رئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية قتيبة بدوي، ورئيس هيئة المنافذ الحدودية العراقية عمر عدنان الوائلي.
وقبل أيام، أعلنت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك أنها أجرت جولة تفقدية على معبر اليعربية في محافظة الحسكة شمالي شرقي سوريا، وذلك في إطار تسارع الاستعدادات لإعادة تشغيل المعبر الحدودي مع العراق بعد سنوات من التوقف.
تفاؤل بعودة العلاقات الاقتصادية
أكد مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك مازن علوش، في تصريح خاص لموقع “الترا سوريا”، أن الهيئة تعمل على تأهيل وافتتاح باقي المنافذ الحدودية مع العراق، بما يعزز حركة العبور ويعيد تنشيط العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وذلك في إطار جهود إعادة تفعيل شبكة النقل والتبادل التجاري الإقليمي.
ووفقًا لعلوش، تمت خلال الأيام الماضية إعادة افتتاح منفذ التنف–الوليد جزئيًا أمام حركة الترانزيت، بالتوازي مع استمرار إعداد الدراسات لبناء منفذ جديد متكامل في التنف، بالإضافة إلى ذلك يستمر العمل على تأهيل منفذ اليعربية لوضعه في الخدمة مطلع أيار/مايو القادم، والعمل على دمج منفذ سيمالكا الحدودي مع أربيل داخل منظومة العمل، وبما يتناسب مع جاهزية البنية التحتية والظروف التشغيلية لكل منفذ.
أما فيما يتعلق بواقع المنافذ، فأشار علوش إلى أن الهيئة باشرت تنفيذ مشاريع تأهيل شاملة، شملت إعادة تجهيز البنى التحتية، صيانة الطرق المؤدية إلى المنافذ، تحديث الأنظمة الجمركية، إضافة إلى تعزيز الكوادر البشرية ورفع الجاهزية التشغيلية، بما يواكب متطلبات المرحلة المقبلة.
ورغم هذه الجهود، تطرق علوش إلى تحديات لا تزال قائمة، أبرزها الأضرار الكبيرة التي لحقت ببعض المرافق نتيجة الظروف السابقة، والحاجة إلى استكمال أعمال التأهيل، إلى جانب التحديات اللوجستية المرتبطة بحركة النقل الإقليمي، ومتطلبات التنسيق المستمر مع الجانب العراقي لضمان انسيابية العمل.
ومن المتوقع أن تسهم المنافذ التي أُعيد أو سيعاد افتتاحها بشكل مباشر في تنشيط الحركة التجارية، سواء من خلال زيادة حجم التبادل التجاري بين سوريا والعراق، أو عبر تفعيل حركة الترانزيت نحو دول الخليج، الأمر الذي يعزز من موقع سوريا كممر بري حيوي في المنطقة.
وفيما يتعلق بالتفاهم الأخير مع الجانب العراقي لاستجرار النفط الخام، رأى علوش أن هذا التعاون يأتي في إطار تعزيز التكامل الاقتصادي بين البلدين، ويخضع لتفاهمات قابلة للتطوير وفق احتياجات المرحلة، حيث تسير عمليات الاستجرار بشكل منتظم حتى الآن، مع العمل على تذليل أي معوقات قد تطرأ، بما يضمن استمرارية هذا التعاون وتحقيق الفائدة المشتركة.
وأكد أن الهيئة ستركز في المرحلة المقبلة على استكمال تأهيل باقي المنافذ، وتطوير بيئة العمل الجمركي، وتعزيز الشراكات الإقليمية، بما يدعم حركة التجارة ويخدم الاقتصاد الوطني.
دمج سوريا بمحيطها الإقليمي
من جانبه، يرى الباحث في مركز عمران للدراسات أيمن الدسوقي، في حديثه لـ”الترا سوريا”، أن إعادة اندماج سوريا في المنظومة الإقليمية والدولية وتفعيل جغرافيتها كساحة للتكامل وليس للصراع، شكلت هدفًا مركزيًا للقيادة السورية عقب سقوط نظام الأسد. وفي هذا السياق، تمت استعادة الروابط التجارية مع دول الجوار والاندماج في الاقتصاد الإقليمي على قاعدتي التكامل والاستقرار، وهو ما عززته الحرب الإقليمية وتهديد مسارات التجارة وسلاسل الإمداد الإقليمية وانعكاساتها على الاقتصاد العالمي.
بمعنى آخر، يشير الدسوقي إلى أنه تمت قراءة المشهد الإقليمي بطريقة واقعية من قبل صانع القرار السوري لتجنب الارتدادات السلبية ما أمكن، وتعظيم المكاسب واستغلال الفرص الناشئة. وأضاف أن العراق يمثل شريكًا استراتيجيًا لسوريا، بما يمثله كسوق للصادرات السورية من جهة، وكمورد موثوق للطاقة من جهة أخرى.
وبناء على هذا المعطى، أوضح الدسوقي أنه يتوجّب تجاوز القراءة الاقتصادية البحتة للتبادل التجاري بين سوريا والعراق من خلال المعابر، إلى قراءة الديناميات المحلية والإقليمية التي ستعيد تشكيلها حركة المعابر، بمعنى إعادة تشكيل القوى المسيطرة محليًا وحضور الدولة مركزيًا على حساب الفواعل غير الرسمية التي اعتاشت على تهريب البضائع في ظل إغلاق المعابر الرسمية، إضافة إلى إعادة تشكيل العلاقات التجارية إقليميًا، بما يواكب التغيرات الجيوسياسية إقليميًا.
الهاجس الأمني أكبر التحديات
تقف في وجه تنشيط المعابر بين سوريا والعراق تحديات عديدة، وهي مرتبطة بشكل أساسي بأمرين؛ الضبط الأمني للتعامل مع تهديد تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) والفواعل غير الرسمية المنتشرة على طرفي الحدود التي تتحدى سلطة الدولة المركزية، والثاني متعلق بحوكمة المعابر بشكل يوفر سلاسة للحركة التجارية.
وفي هذا الإطار، يدعو الدسوقي إلى الأخذ بالاعتبار أن هناك منافسة قوية تواجه البضائع السورية في السوق العراقية. وفي ظل ما تعانيه الصناعة والزراعة السورية من تعثر لأسباب متعددة، يعتقد بأن البضائع السورية بحاجة إلى وقت لتواكب السوق العراقية، ليكون التعويل الأكبر حاليًا على تجارة الترانزيت وما توفره من رسوم مالية.
ويحتاج تنشيط الحركة التجارية بين سوريا والعراق، بحسب الدسوقي، إلى منظومة تشغيلية محوكمة توفر عوامل الثقة والأمان والكفاءة؛ وهذا يبنى على سياسات وإجراءات وهياكل مؤسساتية واضحة، إلى جانب بيئة قانونية مستقرة وحديثة ناظمة للقطاعين التجاري والمصرفي عمادها الإجراءات البسيطة بعيدًا عن التعقيد.
ويختم الدسوقي حديثه لـ”الترا سوريا” بالإشارة إلى أنه لا بد من العمل على تطوير المنتجات الوطنية السورية ذات القيمة التنافسية وتعزيز جودتها ودعمها، وذلك لتسهيل قدرتها على المنافسة في الأسواق الإقليمية، ومنها العراق، فضلًا عن الضبط الأمني للحدود بما يتطلبه من تنسيق أمني ثنائي عالٍ من جهة، وتنمية المجتمعات المحلية على طرفي الحدود لتكون شريكًا في الاستقرار من جهة أخرى، فيما يبقى تطوير قطاع النقل السوري والطرقات الرئيسية عاملًا مهمًا في تعظيم المكاسب.
الترا سوريا
————————————
المصرف المركزي بالمراحل النهائية لإنشاء حساب مراسل مع تركيا
أبريل 10, 2026
أكد حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية، الجمعة، أن المصرف في المراحل النهائية لإنشاء حساب مصرفي مراسل مع البنك المركزي في تركيا، وذلك في إطار تطوير العلاقات الثنائية في المجالات النقدية والمصرفية، وتسهيل حركة التجارة والاستثمار بين البلدين.
وقال الحصرية في تصريح خاص لوكالة “سانا”: “في إطار تعزيز التعاون الاقتصادي والمالي بين سوريا وتركيا، شاركنا مع وزير الاقتصاد والصناعة محمد نضال الشعار في اجتماعات اللجنة الاقتصادية المشتركة حيث شكلت هذه المشاركة فرصة لعقد اجتماعات مع السلطات النقدية التركية، وبحث سبل تطوير العلاقات الثنائية في المجالات النقدية والمصرفية”.
تعزيز العلاقات المصرفية
وأوضح الحصرية أن التعاون مع تركيا يشهد تسارعاً ملحوظاً، لا سيما بين مصرف سوريا المركزي والجهات التركية المعنية، متجهاً نحو إطار مؤسسي أكثر رسوخاً، خاصة بعد زيارة وفد من البنك المركزي التركي في شهر تموز عام 2025 التي تم فيها بحث آفاق التعاون، وفرص الدعم الفني وتعزيز العلاقات الثنائية.
وأضاف: في إطار متابعة الانخراط القائم، نتطلع إلى التنسيق المباشر مع الجهات التنظيمية التركية، بما في ذلك هيئة التنظيم والرقابة المصرفية (BDDK)، والتركيز على استعادة علاقات المراسلة المصرفية، وتسهيل تمويل التجارة، ومواءمة الأطر التنظيمية بين الجانبين لدى البنك المركزي التركي، وبحث إمكانية إبرام اتفاقية مبادلة (Swap).
وأكد الحصرية ضرورة تعزيز التعاون مع هيئة التحقيق في الجرائم المالية التركية (MASAK) في مجالات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتبادل المعلومات والخبرات بما يتوافق مع المعايير الدولية.
اجتماعات مثمرة
وكشف حاكم المركزي عن انعقاد اجتماع مثمر مع محافظ البنك المركزي التركي، تناول آليات التنسيق في السياسات النقدية، وتبادل الخبرات في مجالات الاستقرار المالي، وأنظمة الدفع حيث اتسمت هذه اللقاءات بروح إيجابية وبنّاءة، تعكس إرادة مشتركة لفتح آفاق جديدة للتعاون بما يخدم مصالح الشعبين.
كما أكد من جانب آخر، أن المركزي ماض في تعزيز الشراكات الإقليمية، ودعم الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي وتحفيز النمو، رغم التحديات الراهنة، معلناً عن زيارة مرتقبة إلى تركيا، بهدف استكمال ما تم الاتفاق عليه، وتعزيز التنسيق مع الجهات المعنية، وترجمة التفاهمات إلى خطوات تنفيذية عملية.
ارتفاع التبادل التجاري
وفيما يتعلق بالرؤية المستقبلية، توقع الحصرية أن يتوسع هذا التعاون ليشمل تطوير أنظمة المدفوعات المتكاملة، والتسويات عبر الحدود، وأطر تمويل التجارة، إضافة إلى التحضير لإطلاق المنتدى المالي السوري التركي الذي سيجمع الجهات التنظيمية والمؤسسات المالية في البلدين، بما في ذلك البنك المركزي التركي وهيئة (BDDK) لبحث فرص التعاون والاستثمار.
وبيّن الحصرية أن رؤية المصرف المركزي تتمثل في التدرج نحو تحقيق تكامل مالي إقليمي، تكون فيه تركيا إحدى بوابات سوريا إلى الأسواق العالمية، لافتاً إلى أن وجود جالية سورية كبيرة في تركيا، وبلوغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 3.7 مليارات دولار العام الماضي، مع خطة لرفعه إلى 10 مليارات دولار يتطلب تطوير نظام مالي فعّال في سوريا وتعزيز علاقات المراسلة المصرفية بين البلدين.
اهتمام مصرفي تركي بدخول سوريا
وأشار الحصرية إلى أن كلاً من بنك “زراعات” وبنك “آكتيف” التركيين أبديا اهتماماً متقدماً بدخول السوق السورية، إذ يعمل بنك “آكتيف” حالياً على استكمال إجراءات افتتاح مكتب تمثيلي في سوريا، في حين يدرس بنك “زراعات” تأسيس بنك تابع له في سوريا.
وختم قائلاً: “في هذا الإطار، نتطلع أيضاً إلى عقد لقاء خلال زيارتنا القادمة مع وكالة تمويل الصادرات (إكسيم)، لبحث سبل دعم التجارة الثنائية، وتوسيع أدوات تمويلها، وتعزيز التعاون في مجالات تمويل وضمان الصادرات”.
وكان وفد حكومي رفيع المستوى برئاسة وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، أجرى خلال زيارة إلى تركيا أمس الخميس، سلسلة لقاءات مع مسؤولين حكوميين وممثلين عن القطاعين المالي والصناعي في تركيا، ركزت على تعزيز التعاون الاقتصادي، وتوسيع فرص الاستثمار بين البلدين.
+963
——————————–
المصرف المركزي بالمراحل النهائية لإنشاء حساب مراسل مع تركيا
أبريل 10, 2026
أكد حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية، الجمعة، أن المصرف في المراحل النهائية لإنشاء حساب مصرفي مراسل مع البنك المركزي في تركيا، وذلك في إطار تطوير العلاقات الثنائية في المجالات النقدية والمصرفية، وتسهيل حركة التجارة والاستثمار بين البلدين.
وقال الحصرية في تصريح خاص لوكالة “سانا”: “في إطار تعزيز التعاون الاقتصادي والمالي بين سوريا وتركيا، شاركنا مع وزير الاقتصاد والصناعة محمد نضال الشعار في اجتماعات اللجنة الاقتصادية المشتركة حيث شكلت هذه المشاركة فرصة لعقد اجتماعات مع السلطات النقدية التركية، وبحث سبل تطوير العلاقات الثنائية في المجالات النقدية والمصرفية”.
تعزيز العلاقات المصرفية
وأوضح الحصرية أن التعاون مع تركيا يشهد تسارعاً ملحوظاً، لا سيما بين مصرف سوريا المركزي والجهات التركية المعنية، متجهاً نحو إطار مؤسسي أكثر رسوخاً، خاصة بعد زيارة وفد من البنك المركزي التركي في شهر تموز عام 2025 التي تم فيها بحث آفاق التعاون، وفرص الدعم الفني وتعزيز العلاقات الثنائية.
وأضاف: في إطار متابعة الانخراط القائم، نتطلع إلى التنسيق المباشر مع الجهات التنظيمية التركية، بما في ذلك هيئة التنظيم والرقابة المصرفية (BDDK)، والتركيز على استعادة علاقات المراسلة المصرفية، وتسهيل تمويل التجارة، ومواءمة الأطر التنظيمية بين الجانبين لدى البنك المركزي التركي، وبحث إمكانية إبرام اتفاقية مبادلة (Swap).
وأكد الحصرية ضرورة تعزيز التعاون مع هيئة التحقيق في الجرائم المالية التركية (MASAK) في مجالات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتبادل المعلومات والخبرات بما يتوافق مع المعايير الدولية.
اجتماعات مثمرة
وكشف حاكم المركزي عن انعقاد اجتماع مثمر مع محافظ البنك المركزي التركي، تناول آليات التنسيق في السياسات النقدية، وتبادل الخبرات في مجالات الاستقرار المالي، وأنظمة الدفع حيث اتسمت هذه اللقاءات بروح إيجابية وبنّاءة، تعكس إرادة مشتركة لفتح آفاق جديدة للتعاون بما يخدم مصالح الشعبين.
كما أكد من جانب آخر، أن المركزي ماض في تعزيز الشراكات الإقليمية، ودعم الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي وتحفيز النمو، رغم التحديات الراهنة، معلناً عن زيارة مرتقبة إلى تركيا، بهدف استكمال ما تم الاتفاق عليه، وتعزيز التنسيق مع الجهات المعنية، وترجمة التفاهمات إلى خطوات تنفيذية عملية.
ارتفاع التبادل التجاري
وفيما يتعلق بالرؤية المستقبلية، توقع الحصرية أن يتوسع هذا التعاون ليشمل تطوير أنظمة المدفوعات المتكاملة، والتسويات عبر الحدود، وأطر تمويل التجارة، إضافة إلى التحضير لإطلاق المنتدى المالي السوري التركي الذي سيجمع الجهات التنظيمية والمؤسسات المالية في البلدين، بما في ذلك البنك المركزي التركي وهيئة (BDDK) لبحث فرص التعاون والاستثمار.
وبيّن الحصرية أن رؤية المصرف المركزي تتمثل في التدرج نحو تحقيق تكامل مالي إقليمي، تكون فيه تركيا إحدى بوابات سوريا إلى الأسواق العالمية، لافتاً إلى أن وجود جالية سورية كبيرة في تركيا، وبلوغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 3.7 مليارات دولار العام الماضي، مع خطة لرفعه إلى 10 مليارات دولار يتطلب تطوير نظام مالي فعّال في سوريا وتعزيز علاقات المراسلة المصرفية بين البلدين.
اهتمام مصرفي تركي بدخول سوريا
وأشار الحصرية إلى أن كلاً من بنك “زراعات” وبنك “آكتيف” التركيين أبديا اهتماماً متقدماً بدخول السوق السورية، إذ يعمل بنك “آكتيف” حالياً على استكمال إجراءات افتتاح مكتب تمثيلي في سوريا، في حين يدرس بنك “زراعات” تأسيس بنك تابع له في سوريا.
وختم قائلاً: “في هذا الإطار، نتطلع أيضاً إلى عقد لقاء خلال زيارتنا القادمة مع وكالة تمويل الصادرات (إكسيم)، لبحث سبل دعم التجارة الثنائية، وتوسيع أدوات تمويلها، وتعزيز التعاون في مجالات تمويل وضمان الصادرات”.
وكان وفد حكومي رفيع المستوى برئاسة وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، أجرى خلال زيارة إلى تركيا أمس الخميس، سلسلة لقاءات مع مسؤولين حكوميين وممثلين عن القطاعين المالي والصناعي في تركيا، ركزت على تعزيز التعاون الاقتصادي، وتوسيع فرص الاستثمار بين البلدين.
=======================
تحديث 10 نيسان 2026
——————————–
سوريا بعد الحرب.. عودة إلى خريطة الطاقة والنفوذ في الإقليم/ صهيب جوهر
2026.04.10
لم يكن التحول الذي شهدته المنطقة مع اندلاع الحرب الإقليمية الأخيرة مجرد تبدل في موازين القوى العسكرية، بل مثّل لحظة كاشفة أعادت ترتيب الأولويات الاقتصادية والجيوسياسية في الشرق الأوسط. فمع اهتزاز أمن الملاحة في مضيق هرمز، لم يعد السؤال محصوراً بمن يسيطر على البحر، بل بمن يملك بديلاً عنه. في هذه اللحظة تحديداً، عادت سوريا إلى الواجهة، ليس كطرف فاعل في الحرب، بل كحل جغرافي كان مهمشاً، ثم فُرضت الحاجة إليه.
هذا التحول لم يكن نتيجة قرار سياسي سوري بقدر ما كان استجابة طبيعية لواقع جغرافي ظل قائماً طوال الوقت، لكنه بقي معطلاً بفعل الحرب والانقسام. ومع تغير البيئة الإقليمية، بدأ هذا الموقع يُقرأ مجدداً بوصفه نقطة ارتكاز محتملة لإعادة تشكيل مسارات الطاقة والتجارة.
إحياء الجغرافيا المؤجلة
واحدة من أكثر المؤشرات دلالة على هذا التحول تمثلت في عودة الحديث عن سكة الحديد الحجازية، ليس كرمز تاريخي، بل كجزء من تصور جديد لربط المنطقة. المشروع الذي تعمل عليه تركيا لمد شبكتها الحديدية نحو حلب لا يمكن قراءته كخط نقل معزول، بل كمدخل لإعادة وصل الشمال السوري بالعمق التركي، ومنه إلى أوروبا.
المفارقة أن هذا الخط، الذي ظل لعقود جزءاً من الذاكرة أكثر منه من الاقتصاد، يُعاد اليوم طرحه ضمن منظومة لوجستية حديثة، تتجاوز النقل التقليدي إلى إعادة تشكيل مسارات التجارة. فوجود خط قائم بين حلب ودمشق، وإمكانية ربطه مستقبلاً بالحدود الأردنية والعراقية، يعني عملياً إعادة إحياء شبكة نقل إقليمية عابرة للحدود، كانت الحرب قد قطّعتها.
هذا الإحياء لا ينفصل عن رؤية أوسع تعتبر أن سوريا، بحكم موقعها، ليست مجرد دولة عبور، بل عقدة وصل تاريخية بين الشرق والغرب، وهو ما يجعل الاستثمار في بنيتها التحتية للنقل جزءاً من مشروع إقليمي يتجاوزها.
من البحر إلى البر.. كيف فرضت الحرب منطق الممرات البديلة؟
التحول الأهم الذي أفرزته الحرب لم يكن في الجبهات، بل في سلاسل الإمداد. فإغلاق أو تهديد مضيق هرمز كشف هشاشة الاعتماد على المسارات البحرية، ودفع القوى المعنية بالطاقة إلى البحث عن بدائل برية. في هذا السياق، برزت سوريا كأحد الخيارات القليلة القادرة نظرياً على تأمين هذا التحول.
هذا الإدراك لم يبقَ في إطار التحليل، بل بدأ يترجم بخطوات عملية، أبرزها نقل النفط العراقي عبر الأراضي السورية باتجاه المتوسط، ولو بشكل محدود. هذه الخطوة، رغم بساطتها، تحمل دلالة استراتيجية واضحة، المسار السوري لم يعد فكرة، بل أصبح خياراً يُختبر.
وبالتوازي، عاد الحديث عن إعادة تأهيل خط كركوك–بانياس، ورفع قدرته الاستيعابية، إلى جانب طرح مشاريع جديدة لربط العراق بالموانئ السورية عبر أنابيب حديثة، ما يمنح بغداد خيارات تصدير إضافية، ويمنح دمشق مورداً مالياً عبر رسوم العبور.
ما يميّز الطرح الجديد لدور سوريا هو أنه لا يقتصر على النفط، بل يتسع ليشمل منظومة طاقة متكاملة. فالمشاريع التي يجري تداولها تشمل إعادة إحياء خطوط الغاز القديمة، وعلى رأسها مشروع نقل الغاز من الخليج عبر السعودية والأردن وسوريا نحو تركيا وأوروبا، وهو مشروع يعود إلى عام 2008 لكنه يستعيد زخماً جديداً.
إلى جانب ذلك، تظهر أفكار أكثر تقدماً تتعلق بنقل الهيدروجين، في إطار التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، ما يضع سوريا، نظرياً، في قلب شبكات الطاقة المستقبلية، وليس فقط التقليدية.
الأهمية هنا لا تكمن فقط في نوع الطاقة، بل في طبيعة المسار نفسه، الذي يعيد الاعتبار للممرات البرية كبديل جزئي عن النقل البحري، خاصة في ظل التحديات التي كشفتها الحرب.
سوريا كممر لوجستي شامل: من الطاقة إلى الغذاء
التحول في التفكير لا يقتصر على الطاقة، بل يمتد إلى سلاسل الإمداد بشكل عام. فإحدى الأفكار التي يجري تداولها تتمثل في إنشاء ممرات سريعة لنقل الغذاء بين الخليج وسوريا، عبر سكك حديدية حديثة، تتيح نقل السلع خلال ساعات بدلاً من أيام.
هذا الطرح يعكس إدراكاً أوسع لهشاشة النظام التجاري العالمي القائم على الشحن البحري، ويضع سوريا ضمن تصور جديد لممرات متعددة الوظائف، تجمع بين الطاقة والتجارة والغذاء، في شبكة واحدة.
ضمن هذا السياق، يتبلور تصور إقليمي يقوم على توزيع الأدوار بين ثلاث دول. فالعراق، الذي يمتلك فائضاً نفطياً كبيراً، يحتاج إلى منافذ تصدير بديلة، في حين توفر سوريا المسار الجغرافي الأقصر نحو المتوسط، بينما يمكن للبنان أن يشكل امتداداً لوجستياً عبر مرافئه وخدماته.
هذا التكامل، إذا تحقق، لا يعيد فقط رسم مسارات الطاقة، بل يعيد تعريف دور شرق المتوسط كمنطقة عبور، بدلاً من كونه ساحة صراع. كما أنه يمنح الدول الثلاث فرصة للاستفادة من موقعها الجغرافي بطريقة مختلفة، قائمة على التكامل لا التنافس.
سوريا.. الاستثمار في الموقع
الرهان الأساسي في هذا التحول يقوم على تحويل الموقع الجغرافي إلى مورد اقتصادي مباشر. فمرور خطوط النفط والغاز عبر سوريا يعني تحقيق إيرادات من رسوم العبور، إضافة إلى جذب استثمارات في البنية التحتية، من موانئ وطرق وسكك حديدية.
كما أن تطوير موانئ طرطوس واللاذقية وتحويلها إلى مراكز ترانزيت إقليمية يمكن أن يعيد إدماج سوريا في حركة التجارة العالمية، ويمنحها دوراً يتجاوز حدودها.
لكن هذا التحول يتطلب بنية تحتية حديثة، وشبكات نقل متكاملة، وقدرة على إدارة تدفقات كبيرة من البضائع والطاقة، وهي عناصر لا تزال بحاجة إلى إعادة بناء بعد سنوات من الحرب.
رغم كل ما سبق، يبقى هذا المسار مشروطاً بعوامل سياسية وأمنية معقدة. فالعقوبات الدولية لا تزال تشكل عائقاً أمام الاستثمار، كما أن تعدد مناطق النفوذ داخل سوريا يجعل من الصعب تنفيذ مشاريع كبيرة دون تفاهمات إقليمية ودولية.
إلى جانب ذلك، فإن أي تحول لسوريا إلى ممر طاقة سيبقى مرتبطاً بتوازنات حساسة، تشمل مصالح دول كبرى وإقليمية، ما يعني أن الاقتصاد وحده لا يكفي لدفع هذا المسار.
ما أفرزته الحرب حتى الآن لا يمكن اختصاره بتحول كامل في دور سوريا، بل هو إعادة إدراج لها في المعادلة. فالجغرافيا التي تم تهميشها عادت لتفرض نفسها، لكن تحويلها إلى واقع اقتصادي يحتاج إلى ما هو أكثر من الموقع.
سوريا اليوم تقف عند تقاطع مسارين، إما أن تبقى ممراً نظرياً تُطرح حوله المشاريع، أو أن تتحول فعلياً إلى عقدة إقليمية للطاقة والتجارة. الفارق بين المسارين لن تحدده الجغرافيا، بل السياسة.
لكن المؤكد أن ما تغيّر بالفعل هو أن سوريا لم تعد خارج الحسابات، وهذه هي البداية.
تلفزيون سوريا
—————————
ميزانية سوريا.. “فائض” في خزينة الدولة و”عجز” في حياة المواطن/ سعيد اليوسف
2026.04.09
في بلدٍ ما تزال ملامحه مثقلةً بركام الحرب وآلامها، لا تبدو الأرقام وحدها كافيةً لترميم ثقة الناس أو طمأنتهم. فبينما أعلنت وزارة المالية السورية تحقيق أوّل “فائض” في الموازنة العامة منذ عام 1990، يتردّد في الشارع السوري سؤالٌ بسيط: كيف يتحقّق هذا “الفائض” في ظلّ خدمات متردّية، وكهرباء شحيحة، وإعادة إعمار لم تتجاوز مربّع الوعود؟
وفي حين قدّم وزير المالية السوري يسر برنية، هذه النتائج بوصفها دليلاً على “الإدارة الرشيدة”، فجّر الإعلان جدلاً واسعاً حول أولويات الإنفاق في بلدٍ يسعى للنهوض من تحت أنقاض حربٍ استمرّت 14 عاماً، خلّفت اقتصاداً منهكاً ومواطنين يواجهون -بمفردهم- قسوة الظروف المعيشية وتدهور الخدمات الأساسية.
توضيحات رسمية.. أرقام الفائض وحجمه
في محاولة لتوضيح الصورة، نشر وزير المالية عبر حسابه على “فيس بوك” موجزاً للأداء المالي لعام 2025، مؤكداً أن الفائض المسجّل “طفيف ومحدود”، ويعكس “الإدارة الرشيدة والمنضبطة للمال العام”.
وبحسب البيانات الرسمية، بلغ إجمالي الإيرادات العامة لعام 2025 نحو 384.2 مليار ليرة سورية جديدة (قرابة 3.493 مليار دولار)، بزيادة قدرها 120.2% مقارنة بعام 2024، وقد أسهمت الرسوم الجمركية بنحو 39% من هذه الإيرادات، نتيجة ما وصفته الوزارة بـ”تحسن الحركة الاقتصادية وضبط الفساد”.
في المقابل، بلغ الإنفاق العام نحو 379.2 مليار ليرة سورية جديدة (نحو 3.447 مليار دولار)، خُصص 41% منه لتغطية الأجور والرواتب.
وبناءً على ذلك، سُجّل فائض بقيمة 5 مليارات ليرة سورية (نحو 46 مليون دولار)، أي ما يعادل 0.15% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بعجز بلغ 2.7% في العام السابق. وأشار الوزير إلى أن الفائض كان قد وصل إلى نحو نصف مليار دولار مع نهاية الربع الثالث من عام 2025، قبل أن يتراجع في الربع الأخير نتيجة “سداد الالتزامات المتأخرة وتزايد مطارح الإنفاق”.
موازنة بلا “برلمان”
تطرح قضية “الفائض” في موازنة العام 2025 تساؤلاً دستورياً وقانونياً، فالموازنة العامة للدولة تُقرّ تاريخياً ودستورياً بموجب “قانون” يصدر عن السلطة التشريعية بعد مناقشات مستفيضة، إلا أنّ الواقع السوري اليوم يشير إلى أنّ مجلس الشعب لم يُشكل أصلاً منذ سقوط نظام المخلوع بشار الأسد، ما يضعنا أمام تساؤل مشروع: مَن الذي أقرّ موازنة 2025؟ وكيف حُدّدت أبواب الإنفاق والإيرادات؟
وإن تحقيق “فائض” في موازنة لا يعرف السوريون عن تفاصيلها شيئاً، ولم تمر عبر قنوات الرقابة التشريعية، يحوّلها من “خطة اقتصادية وطنية” إلى “تقديرات إدارية” صادرة عن سلطة تنفيذية تفتقر للرقابة البرلمانية.
هذا الغموض يجعل من الصعب التأكد من صحة الأرقام المعلنة، ويطرح شكوكاً حول ما إذا كان الفائض ناتجاً عن تحسن حقيقي، أم أنه مجرّد عملية حسابية لترحيل أرقام من موازنات سابقة غير منفذة.
موازنة عام 2026
بالنسبة لموازنة عام 2026، توقعت وزارة المالية توسعاً كبيراً في الإنفاق العام ليصل إلى أكثر من 10.5 مليارات دولار (أكثر من ثلاثة أضعاف إنفاق عام 2025)، مع التركيز على الإنفاق الاجتماعي والاستثماري، كما قد قُدّرت الإيرادات بنحو 8.716 مليارات دولار، يشكّل النفط والغاز نحو 28% منها.
كذلك، أعلن الوزير عن بدء التحضير لموازنة عام 2027، خلال شهر أيار المقبل، وذلك تمهيداً لعرضها على مجلس الشعب في الربع الأخير من العام الجاري، مؤكداً التزام الوزارة بـ”تعزيز الإفصاح المالي” لتمكين المواطنين من متابعة الإيرادات وأوجه الإنفاق.
في محاولة لكسر حدة الغموض، أعلن وزير المالية يسر برنية عن إطلاق “نسخة المواطن” لموازنة عام 2026، وهي خطوة تُعد الأولى من نوعها في تاريخ سوريا المالي، وتهدف -وفق برنية- إلى تبسيط الأرقام المعقّدة وشرح كيفية توزيع الموارد العامة، مع التركيز على توزيع النفقات بين الدعم الاجتماعي، والصحة، والتعليم، والرواتب.
ومع ذلك، يرى خبراء اقتصاد أن هذه الخطوة -رغم إيجابيتها الشكلية- تبقى “منقوصة” ما لم تقترن بقدرة المواطن على التأثير في صياغة هذه الأولويات، فالنسخة توضّح “أين ستذهب الأموال” وفق رؤية الوزارة، لكنها لا تجيب على السؤال الأهم: هل تلبي هذه التوزيعات الاحتياجات الإسعافية لبلد يحتاج إلى إعادة إعمار بشرية ومادية شاملة؟
إنّ الانتقال من “سرية الموازنة”، التي كانت ديدن نظام المخلوع إلى “نسخة المواطن” هو تغيير في أسلوب العرض، لكن التحدي الحقيقي يبقى في “عدالة التوزيع”، فبينما تتحدّث الأوراق عن مبالغ مخصّصة للتنمية، يصطدم المواطن في الشارع بحقيقة أن هذه الأرقام لا تنعكس تحسناً في جودة حياته اليومية أو قدرته الشرائية، التي ما تزال “تحت الصفر”.
“فائض في اقتصاد منهك”
رغم هذه التوضيحات، فإنّ تسجيل “فائض” في اقتصاد خرج حديثاً من حرب مدمّرة، يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعته ودلالاته، فبحسب تقديرات أممية وتقارير اقتصادية، تكبّد الاقتصاد السوري خسائر بمئات مليارات الدولارات، مع دمار واسع في قطاعات الإسكان والطاقة والصناعة، وتراجع حاد في الناتج المحلي، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.
وفي هذا السياق، يرى خبراء أن تحقيق “فائض” في مرحلة التعافي الأولي يُعد أمراً غير تقليدي، إذ تميل الاقتصادات الخارجة من الحروب والنزاعات إلى تسجيل “عجز”، نتيجة الإنفاق الكبير المطلوب لإعادة الإعمار وتحفيز النمو.
الباحث الاقتصادي مناف قومان، يقدّم قراءة مختلفة بخصوص “الفائض” الحالي، إذ يرى أنّه لا ينبغي تفسيره بالمعنى التقليدي، بل في سياق إعادة ضبط المنظومة المالية بعد عقود من الفساد.
ويقول قومان في تصريح لـ موقع تلفزيون سوريا، إنّ الفائض قد يعكس “التزام وزارة المالية بقطع دورة الهدر ومكافحة الفساد وترشيد الإنفاق”، معتبراً ذلك مؤشراً إيجابياً في مرحلة التأسيس، لكنه يشير في المقابل إلى غياب رؤية اقتصادية حكومية متكاملة تقود الإنفاق نحو مشاريع تنموية واضحة.
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي محمد علبي، خلال حديث سابق لـ موقع تلفزيون سوريا، إن ما نشهده هو إعادة ضبط مالية ونقدية أكثر منه تعافياً اقتصادياً شاملاً، مشيراً إلى أنّ الحكم الحقيقي يجب أن يُبنى على قدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل وزيادة الإنتاج وتحسين مستوى المعيشة، لا على تسجيل وفورات محاسبية.
“الفائض وأولويات الإنفاق”
من زاوية حقوقية، يطرح إعلان الفائض تساؤلات حول أولويات الإنفاق العام، حيث يؤكد فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أن تقييم الموازنة لا ينبغي أن يُقاس بحجم الفائض، بل بمدى مساهمتها في ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وفق ما ينص عليه العهد الدولي الخاص بهذه الحقوق، والذي يُلزم الدول باستخدام أقصى مواردها المتاحة.
وفي تصريح لـ موقع تلفزيون سوريا، حذّر عبد الغني من أن يكون الفائض ناتجاً عن عدم تنفيذ مخصّصات إنفاق مقررة، وهو أمر شائع في الدول التي تعاني من ضعف مؤسسي وبطء في المشتريات الحكومية، ما يثير تساؤلات تتعلق بالشفافية.
وأوضح عبد الغني، أنّ القانون المالي العام يفرض مبدأ الأمانة في تنفيذ الموازنة، وأن أي فجوة بين المخصصات والإنفاق الفعلي تستوجب رقابة ومحاسبة تشريعية، وهي آلية غائبة حالياً في ظل غياب مجلس الشعب.
عملية إعادة الإعمار.. غائبة أم مؤجلة؟
في ظل الحاجة الهائلة لبدء عملية إعادة الإعمار في سوريا، يثير تسجيل “فائض” تساؤلات حول مدى انسجام السياسة المالية مع متطلبات المرحلة الحالية.
وحول ذلك، يشير عبد الغني إلى أن إعادة الإعمار ترتبط مباشرة بحقوق أساسية مثل السكن والمعيشة اللائقة، لافتاً إلى أن موازنة 2026 قفزت إلى نحو 10.5 مليارات دولار مقارنة بنحو ملياري دولار في 2024، وهو توسع يفترض أن يواكبه تنفيذ فعلي.
في المقابل، يرى الباحث الاقتصادي مناف قومان، أنّ عملية إعادة الإعمار لم تبدأ فعلياً بعد وأنّ الخطط لم تكتمل، مشيراً إلى أنّ ما يجري حالياً هو “بناء قاعدة مالية شفافة” تنطلق منها العملية مستقبلاً.
وكان البنك الدولي قد قدّر، في أواخر العام الفائت، كلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، مشيراً إلى أن الخسائر المادية المباشرة في البنية التحتية والمباني السكنية وغير السكنية بلغت نحو 108 مليارات دولار، في حين تراجع الناتج المحلي الحقيقي بنحو 53% بين عامي 2010 و2022.
بين “فائض” الخزينة و”عجز” المواطن
يبقى الفائض المالي في الميزانية السورية مؤشراً ملتبساً، بين رواية حكومية تعتبره نتيجة لـ”الإدارة الرشيدة والمنضبطة”، وبين قراءات تربطه بـ”مرحلة انتقالية” لم تتضح فيها بعد سياسات الإنفاق، خصوصاً في القطاعات الخدمية والاستثمارية.
ونظرياً، يُعد “الفائض” علامة على الاستقرار المالي، لكن “اقتصادات ما بعد الحروب” تميل عادة إلى زيادة الإنفاق لإعادة الإعمار وتحفيز النمو، أمّا في الحالة السورية، ربما اختارت الحكومة الانضباط المالي كمرحلة تأسيسية وتمهيداً لتوسّع أكبر في السنوات المقبلة، غير أن هذا الخيار يصطدم بواقع خدمي هش، حيث يترافق “الفائض” مع نقص واضح في مختلف الخدمات الأساسية.
عموماً، لا يُقاس نجاح أي سياسة مالية بالأرقام وحدها، بل بقدرتها على تحسين حياة الناس بشكلٍ ملموس، فبعد أكثر من 14 عاماً من الحرب، لا ينتظر السوريون إعلان “فائض” في الميزانية بقدر ما ينتظرون خدمات أساسية متاحة، وبيوتاً مرمّمة، وكهرباء مستقرة، ونظاماً تعليمياً فعّالاً، وقطاعاً صحياً متماسكاً.. فذلك هو “الفائض” الحقيقي، الذي يُخرجهم من دائرة “العجز”.
تلفزيون سوريا
——————————–
هل البيئة الاستثمارية في سوريا جاهزة؟.. تصريحات غسان عبود تشعل نقاشاً واسعاً/ أحمد الجابر
بعد تصريحات غسان عبود.. نقاش متصاعد حول واقع الاستثمار وإعادة الإعمار في سوريا
2026-04-09
يتزايد النقاش في الساحة الاقتصادية في سوريا حول مستقبل الاستثمار ودور رجال الأعمال السوريين في مرحلة ما بعد الحرب، خصوصاً مع تزايد الحديث عن إعادة الإعمار والحاجة إلى رؤوس أموال كبيرة لإعادة بناء القطاعات الحيوية.
ويأتي هذا النقاش في ظل محاولات حكومية لإطلاق سياسات اقتصادية جديدة وتحديث القوانين بهدف جذب الاستثمارات المحلية والخارجية، في وقت تشير تقديرات اقتصادية إلى أن عملية إعادة إعمار سوريا قد تحتاج إلى مئات مليارات الدولارات، ما يجعل دور المستثمرين السوريين في الداخل والخارج عاملاً مهماً في هذه المرحلة.
غير أن هذا الملف عاد إلى الواجهة بقوة بعد تصريحات رجل الأعمال السوري غسان عبود، الذي تحدث في تسجيل مصور عن تجربته مع الاستثمار والعمل الإنساني في سوريا بعد التغيير السياسي، موجهاً انتقادات لما وصفه بغياب الوضوح في السياسات الاقتصادية ووجود عقبات تعرقل إطلاق مشاريع استثمارية وتنموية.
وأشار عبود إلى أنه قدم عدداً من المشاريع والمبادرات التنموية، لكنه لم يتلقَّ استجابة عملية لتنفيذها، وفق روايته. كما تحدث عن صعوبات تتعلق بالإجراءات القانونية والمالية التي تواجه المستثمرين الراغبين في العمل داخل البلاد.
وفي السياق ذاته، أصدرت مؤسسة “أورينت” للأعمال الإنسانية بياناً مفصلاً تناولت فيه التحديات التي تواجه مشاريعها داخل سوريا، مشيرة إلى ما وصفته بعقبات بيروقراطية وإدارية، إضافة إلى استمرار بعض الإجراءات القانونية الصادرة في عهد النظام السابق بحق مؤسسها غسان عبود، الأمر الذي قالت إنه يعرقل استكمال التراخيص والإجراءات اللازمة لتنفيذ مشاريع إنسانية وتنموية. كما ذكرت المؤسسة أن التحويلات المالية المرتبطة بمشاريعها ما تزال تواجه تعطيلاً مصرفياً، ما يهدد استمرارية بعض المبادرات التي تعمل عليها.
وأضاف البيان أن المؤسسة قدمت عروضاً لمشاريع خدمية وتنموية، بينها ترميم مدارس وإنشاء مراكز لعلاج الأورام وتوفير أدوية السرطان مجاناً، لكنها، بحسب البيان، لم تتلقَّ استجابة من بعض الجهات الرسمية.
وفي المقابل أكدت المؤسسة استمرارها في إطلاق مشاريع ميدانية داخل سوريا، من بينها برامج لدعم فرص العمل وتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، مؤكدة التزامها بالمساهمة في إعادة بناء المجتمع السوري رغم الصعوبات الإدارية والمالية التي تواجهها.
وأثارت هذه التصريحات والبيانات نقاشاً واسعاً بين مؤيدين يرون أنها تسلط الضوء على تحديات حقيقية في بيئة الاستثمار والعمل التنموي في سوريا، وبين من يعتبر أن الحكومة تعمل ضمن ظروف معقدة وتحتاج إلى وقت لمعالجة التحديات القانونية والإدارية المتراكمة.
وفي هذا الإطار تتباين آراء شخصيات سياسية واقتصادية وقانونية حول واقع الاستثمار في البلاد ومستقبله، بين من يرى أن الفرص الاقتصادية بدأت بالتحسن تدريجياً، ومن يعتقد أن الطريق ما يزال طويلاً أمام بناء بيئة استثمارية مستقرة وجاذبة.
الحكومة لديها أولويات
يقول أحمد عبد الحميد، رئيس المكتب التنفيذي لتنسيقيات الثورة السورية، في حديثه لـ”963+”، إن رجل الأعمال السوري غسان عبود يُعدّ من رجال الأعمال السوريين المعروفين، ويشير إلى أن له يداً بيضاء في دعم الثورة السورية.
ويضيف أنه لا يمكن إنكار ما قدمه عبود للثورة، وخاصة في مراحل سابقة. ثم يلفت إلى ما أثير مؤخراً حول تصريحات عبود، موضحاً أنه اطّلع على أجزاء من حديثه.
ويتابع عبد الحميد موضحاً أن غسان عبود قدم عدة مشاريع استثمارية، بحسب روايته، إلى الرئاسة السورية، وأن الرئيس أحمد الشرع استلم هذه المشاريع منه، ثم أحالها إلى حازم، المسؤول في هيئة الاستثمار، للنظر فيها. ويردف قائلاً إن عبود ذكر أنه لم يتم تنفيذ أي مشروع من تلك المشاريع، أو لم يُطلب منه تنفيذها، وهي المشاريع التي قدمها.
ويعلل عبد الحميد ذلك بالقول إن من الضروري إدراك أن التعامل في مثل هذه القضايا يكون مع دولة لها أولوياتها ومصالحها. ويرى أن هناك مشاريع قد تكون أكثر إلحاحاً أو تقدماً في سلم الأولويات لدى الحكومة في الوقت الحالي، ولذلك ربما لم تكن المشاريع التي قدمها غسان عبود على رأس هذه الأولويات.
ويعتقد أن هذا الأمر قد يكون السبب في عدم صدور رد رسمي من الحكومة على التصريحات التي أدلى بها عبود، موضحاً أن الحكومة ربما لديها أولويات أو مشاريع أخرى تسبق المشاريع التي قدمها.
وفي سياق آخر، يرد عبد الحميد على ما يُقال حول طرد المستثمرين، مؤكداً أن هذا الأمر لم يحدث بحسب معلوماته ومتابعته لوسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي. بل يشير إلى أن الاستثمارات في سوريا تبدو مشجعة، وأن كثيراً من رجال الأعمال بدأوا بالفعل بالقدوم وتقديم استثمارات. كما يلفت إلى أن الاستثمارات السعودية والقطرية والتركية بدأت فعلياً بالعمل.
ويضيف أنه تابع لقاءً مع رئيس هيئة الاستثمار، الذي تحدث عن قانون الاستثمار الجديد، موضحاً أن هذا القانون يتضمن تسهيلات كبيرة للمستثمرين.
وينوه إلى أن هذا القانون تم إعداده بعد الاطلاع على قوانين الاستثمار في عدد من الدول المتقدمة، مثل السعودية، والإمارات، إضافة إلى عدد من الدول الأوروبية وتركيا.
ويعتبر عبد الحميد أن القانون عصري ومشجع للاستثمار، لافتاً إلى أن أحد بنوده يسمح للمستثمر بامتلاك المشروع بالكامل باسمه، وهو ما يراه أمراً مشجعاً.
كما يشير إلى أن القانون يتضمن مواد عديدة أخرى لا يتسع الوقت لذكرها، إلا أنه يؤكد أن القانون متاح للجميع ويمكن لأي شخص الاطلاع عليه عبر موقع هيئة الاستثمار السورية.
ويرى أن الاستثمارات قادمة إلى سوريا بقوة، وأن أنظار الدول ورجال الأعمال، سواء كانوا عرباً أو أتراكاً أو أوروبيين، تتجه نحو الاستثمار في سوريا.
أما فيما يتعلق برأس المال السوري في الخارج، فيوضح عبد الحميد أنه يعتقد أن السوريين الذين أسسوا مشاريع استثمارية في دول مثل تركيا أو مصر أو في دول عربية وأوروبية أخرى، لا يمكنهم نقل هذه المشاريع إلى سوريا بين يوم وليلة.
لكنه يشير إلى أن هناك مؤشرات إيجابية داخل البلاد، لافتاً إلى أن نسبة المعامل التي عادت للعمل في المدينة الصناعية في الشيخ نجار ارتفعت بنحو ثلاثمئة بالمئة. كما يضيف أن المدينة الصناعية في حماة تشهد أيضاً نشاطاً صناعياً كبيراً، وأن الحركة في المرافئ أصبحت نشطة بشكل واضح.
ويرى عبد الحميد أن رجال الأعمال السوريين سيتجهون في نهاية المطاف إلى فتح مشاريع استثمارية داخل سوريا، لكنه يعلل تأخر بعضهم بالوضع الأمني الذي لم يستقر بالكامل بعد.
ويشير إلى أن شرق سوريا ما يزال غير مستقر بالشكل المطلوب، كما يلفت إلى أن بعض مناطق الجنوب السوري، مثل محافظة السويداء وأجزاء من ريفها، ما تزال تعاني من عدم الاستقرار. ويضيف إلى ذلك التهديدات الإسرائيلية المتكررة، معتبراً أن هذه العوامل تجعل بعض المستثمرين يفضلون الترقب في الوقت الحالي.
ومع ذلك، يعتقد عبد الحميد أن الوضع الأمني سيتجه نحو الاستقرار في الفترة المقبلة، موضحاً أن رأس المال يحتاج إلى الأمان والاستقرار، وهو ما تسعى سوريا إلى تحقيقه.
ويعرب عن تفاؤله بأن الأشهر القليلة القادمة قد تشهد تحسناً كبيراً في الوضع، الأمر الذي سيشجع المستثمرين السوريين والأجانب على الاستثمار في البلاد.
كما يتساءل عبد الحميد عمّن يصور المناخ الاستثماري في سوريا بصورة قاتمة، مؤكداً أن الواقع، بحسب ما يراه السوريون في الداخل، مختلف تماماً، إذ يعتقد أن الوضع يتحسن تدريجياً.
ويشير إلى أن ملف الاستثمار يحظى باهتمام مباشر من الرئيس أحمد الشرع، الذي يتابع المشاريع الاستثمارية بشكل مباشر. كما يوضح أن الحكومة تركز في جولاتها وزياراتها ولقاءاتها على هدف أساسي يتمثل في جذب الاستثمارات إلى سوريا.
ويعتقد عبد الحميد أن الوضع الاقتصادي في العام القادم سيكون أفضل، وأن الأعوام اللاحقة ستشهد تحسناً أكبر، لافتاً إلى أن فرص إعادة الإعمار كبيرة جداً. كما يشير إلى أن هناك بالفعل بعض مشاريع إعادة الإعمار التي تمولها الحكومة.
ويرى أن النظرة “السوداوية” للاقتصاد السوري لا تعكس الواقع، مؤكداً أن السوريين في الداخل يرون مؤشرات إيجابية، ويتوقعون أن تحمل الأشهر القادمة مزيداً من المشاريع الاستثمارية التي ستسهم في نهضة البلاد وإعادة إعمارها.
ويستشهد عبد الحميد بالزيارة الأخيرة التي شهدت لقاء الرئيس أحمد الشرع مع مسؤولين في ألمانيا، حيث تم عقد اجتماعات مع رجال أعمال ألمان وسوريين، إضافة إلى توقيع عقود تتعلق بتوليد الكهرباء وتطوير قطاع الاتصالات.
ويضيف أن الحكومة السورية الجديدة أو الحكومة الانتقالية استلمت دولة مدمرة ومنهارة من مختلف النواحي، لكنه يشير إلى أنه خلال فترة قصيرة نسبياً، نحو عام وثلاثة أو أربعة أشهر، تحقق تقدم ملموس ومشجع، خاصة في قطاع الطاقة.
كما يوضح أن قطاع الصناعة بدأ يشهد عودة بعض المصانع إلى العمل، وأن عجلة الاقتصاد بدأت بالدوران من جديد. ويعرب عن تفاؤله بأن الأشهر والسنوات القادمة ستشهد تطوراً وازدهاراً اقتصادياً كبيراً.
عتب على الحكومة وتأخر في تهيئة بيئة الاستثمار
من جانبه، يقول القانوني محمد حاج حسين، في حديثه لـ”963+” إنه لا يرى في تصريحات غسان عبود اتهاماً مباشراً للحكومة، بل يعتقد أنها نوع من العتب واللوم لها.
ويوضح أن هذا العتب يتعلق بالسماح لبعض المستثمرين الذين كانوا ناشطين خلال فترة حكم بشار الأسد بالاستثمار، رغم أن أموالهم، بحسب تعبيره، جُمعت على حساب معاناة السوريين ونمت على جراحهم وآهاتهم.
ويشير حاج حسين إلى أن عبود طالب الحكومة بإعادة الأمور إلى نصابها، وذلك عبر استعادة الأموال المنهوبة من الشعب من خلال هؤلاء المستثمرين، إضافة إلى محاكمتهم ومحاسبتهم. كما يلفت إلى ضرورة إعادة النظر في سياسة الحكومة المتعلقة بتسهيل الاستثمارات، بحيث تُعطى الأولوية للسوريين الذين وقفوا إلى جانب الثورة، ومنحهم الفرصة لمتابعة مشاريعهم وخدمة أبناء الشعب السوري والمساهمة في النهوض بسوريا إلى مراكز متقدمة.
ويرى حاج حسين أن رؤية الحكومة للسياسة الاقتصادية خلال هذه الفترة ما تزال غير واضحة تماماً، ويعزو ذلك إلى الظروف السياسية والأمنية التي تمر بها البلاد. كما يوضح أن بعض القوانين القديمة ما تزال تعرقل تطور الاقتصاد، لأنها تعود إلى فترة كان فيها النظام السابق يعتمد على مجموعة من الأشخاص الذين جرى تقديمهم كمستثمرين، بينما كانوا في الحقيقة واجهات لعمليات فساد مالي واقتصادي كان يديرها النظام.
ويعتقد أيضاً أن هناك نوعاً من التقصير من قبل الحكومة الحالية في اتخاذ قرارات حاسمة وسريعة لاجتثاث الفساد ومحاسبة المفسدين. كما يشير إلى أن الأرضية المناسبة للاستثمار لم تتهيأ بالكامل حتى الآن، إذ ما يزال المستثمرون بحاجة إلى بيئة آمنة تمنحهم الثقة لبدء مشاريعهم.
ويضيف أن الأحداث التي شهدتها بعض المناطق كان لها دور سلبي في تأخير الاستثمار، كما يلفت إلى أن وسائل الإعلام ساهمت أحياناً في تضخيم حجم تلك الأحداث، وأظهرتها وكأنها مؤشر خطير يمنع العودة إلى سوريا، في حين أن الواقع، بحسب قوله، كان أبسط من ذلك ولم يكن له تأثير حقيقي كبير.
ويردف قائلاً إن على الحكومة في هذا السياق اتخاذ مجموعة من القوانين والتدابير التي تسهل دخول المستثمرين، إضافة إلى إجراءات أمنية توفر الحماية للمستثمرين ولمشاريعهم الاستثمارية.
ويختتم حاج حسين بالقول إن هذه المرحلة مؤقتة، معرباً عن اعتقاده بأن الأمور ستتجه نحو الأفضل بالنسبة لعودة المستثمرين. أما فيما يتعلق بإعادة الإعمار، فيرى أن الشعب السوري الذي صمد وصبر خمسة عشر عاماً في ظروف الحرب قادر على القيام بهذه المهمة.
ويشير إلى أن عملية إعادة البناء بدأت بالفعل، حيث تعمل المدن والبلدات، على حد تعبيره، كخلايا نحل لترميم ما دمره نظام بشار الأسد.
+963
——————————-
افتتاح معبر اليعربية.. بين التحديات الأمنية والعوائق اللوجستية/ أحمد الكناني
9 أبريل 2026
شهد المناخ السياسي بين العراق وسوريا تطورًا لافتًا في إطار التعاون الاقتصادي المشترك بين البلدين، إذ تواصل الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية تجهيزاتها اللوجستية وأعمال الصيانة اللازمة لافتتاح معبر “اليعربية” مع العراق مطلع شهر أيار المقبل، والذي كان متوقفًا منذ عام 2014 عقب سيطرة تنظيم داعش على المنطقة.
يمثل المنفذ شريانًا رئيسيًا لحركة التبادل التجاري، لاسيما مشاريع الربط السككي، وقدرته على استيعاب زخم الشاحنات ونقل البضائع، ما يخفف الضغط عن منفذ “القائم” الحدودي، الذي كان الممر الوحيد المتاح خلال السنوات الماضية.
تحمل قضية إعادة افتتاح المعابر دلالات سياسية واقتصادية، تتجاوز بذلك عمليات التبادل التجاري التقليدي، خاصة مع افتتاح منفذ “اليعربية” حيث تشوب العملية سلسلة من المخاطر الأمنية واللوجستية، يجري التحضير على تجاوزها من البلدين، ما يجعل افتتاح المعبر خطوة اقتصادية بدلالات سياسية.
أهداف جيوسياسية
يرى الخبير الاقتصادي يونس الكريم أن إعادة افتتاح معبر اليعربية – الوليد بين سوريا والعراق يحمل أبعادًا مركّبة تتقاطع فيها الاعتبارات الاقتصادية والسياسية والأمنية، حيث يشكل خطوة مهمة لتخفيف الضغط عن بقية المعابر الحدودية المشتركة، وإعادة تنشيط الحركة التجارية، خاصة في قطاع النفط، إضافة إلى دعم التنمية في المناطق المحيطة بالمعابر، لافتًا إلى إمكانية أن يتحول معبر الوليد إلى بديل عملي عن معبر سيمالكا، والمعابر غير الرسمية، الأمر الذي يوفّر موردًا مهمًا من العائدات الجمركية لسوريا.
ويضيف الخبير الاقتصادي الكريم أنه من الناحية السياسية، يمكن أن تندرج هذه الخطوة ضمن مسار إعادة مركزية المعابر إلى الدولة السورية، بعد أن كانت تحت سيطرة قسد، مع توجه محتمل لإلغاء أو تحجيم دور معبر سيمالكا، كما تترافق مع مساعٍ لتنشيط معبر T4 الدولي، في إطار رؤية أوسع تسعى من خلالها دمشق إلى تقديم نفسها كممر محتمل للطاقة في ظل التوترات الإقليمية.
من جانبه يرى الخبير الاقتصادي والمصرفي عامر شهدا أن إعادة افتتاح المعبر مع العراق أغراضه اقتصادية بحتة، كمنفذ جديد للتبادل والنشاط التجاري بين البلدين، ويفتح الطريق لوصول سوريا إلى شط العرب، ويصل العراق إلى مينائي طرطوس واللاذقية، إضافة إلى تسهيل انسياب البضائع وتحقيق قدر أعلى من الواردات.
مخاطر أمنية ولوجستية
تشير الهيئة العامة للمنافذ والجمارك إلى أن التحضيرات جارية في تأهيل المرافق الخدمية، وجاهزية الساحات والطرق الداخلية وصالات المسافرين والجمارك، ورفع كفاءة التجهيزات الفنية، إلا أنه ثمة عدة مخاطر أكثر من كونها إجرائية.
يعتقد الباحث الاقتصادي محمد العلبي وجود مخاطر نابعة من طبيعة الجغرافيا السياسية للحدود السورية العراقية نفسها، إذ لا تزال المنطقة عرضة لنشاط خلايا تنظيم داعش وشبكات التهريب، ما يجعل أي توسّع في الحركة التجارية فرصة مزدوجة: للتبادل المشروع، ولتسلل الأنشطة غير القانونية، من مخدرات وسلاح وحتى شبكات الاتجار بالبشر، كذلك تداخل القوى المحلية والإقليمية في بعض المناطق الحدودية يضيف طبقة إضافية من الهشاشة، ويجعل استقرار المعابر مرتبطًا بتوازنات سياسية وأمنية غير مستقرة بالكامل.
فيما يحذر الخبير الاقتصادي الكريم من تحديات جدية قد تعيق نجاح هذه الخطوة، في مقدمتها المخاطر الأمنية واللوجستية، إذ لا تزال بعض مناطق الشرق السوري تشهد نشاطًا للتنظيمات المتشددة، مستفيدة من الامتدادات العشائرية عبر الحدود، إلى جانب ضعف البنية التحتية لمعبر اليعربية، واستمرار الازدحام والتعقيدات الجمركية التي قد تحد من كفاءة الحركة التجارية.
يعلق الخبير الاقتصادي والمصرفي شهدا بالقول إن الحكومة السورية يمكنها أن تتجاوز العديد من التحديات خاصة تلك الأمنية عبر “الترفيق” للقوافل النفطية والتي من شأنها أن تحد من المخاطر المحتملة.
ممرات طاقة بديلة!
جرى في الآونة الأخيرة الحديث عن اعتماد سوريا خارطة جديدة لممرات للطاقة بعد الأحداث الإقليمية الأخيرة، وبحسب الباحث الاقتصادي العلبي أنه يمكن ذلك جزئيًا وبشكل ذكي، لكن ليس بشكل مطلق، كون المعابر توفّر بديلًا بريًا مهمًا في لحظات اضطراب النقل البحري، كما هو الحال مع تعطل تصدير النفط العراقي عبر مضيق هرمز، حيث باتت الشحنات تُنقل برًا إلى موانئ المتوسط عبر سوريا، ما يمنح العراق قناة تصدير بديلة، ويمنح سوريا دورًا اقتصاديًا جديدًا كممر إقليمي، ويعيد تشغيل قطاعات النقل والطاقة والخدمات المرتبطة بها، وهو ما يساهم فعليًا في تخفيف آثار الحرب والعزلة الاقتصادية.
أما الخبير الكريم فيؤكد أنه لا يمكن اعتبار هذه المعابر بديلًا استراتيجيًا لممرات الطاقة العالمية، مثل مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، لوجود عقبات كبيرة تحول دون تحويل سوريا إلى ممر طاقة بديل، أبرزها ضعف شبكة الطرق والبنية التحتية اللازمة لنقل النفط برًا، فضلًا عن استمرار المخاطر الأمنية، كما أن الموانئ السورية، بما فيها طرطوس، لا تزال غير مؤهلة لتكون منصات تصدير فعالة.
من جانبه، أشار الخبير الاقتصادي والمصرفي شهدا إلى أن سويا لن تكون بديلًا عن مضيق هرمز، في ظل وجود مشروع سعودي لإنشاء قناة تصل إلى البحر المتوسط وهي توفر مسافة أقصر مما هو عبر الموانئ السورية ويكون لديها قناة عبور مائية للبحر الأحمر، إضافة إلى أن ذلك يخضع للقرارات الدولية بالدرجة الأولى، والرؤية الخاصة بشركة شيفرون الأميركية والتي وقعت عقدها مع الحكومة السورية بإدارة نقل النفط في سوريا.
——————————–
=======================
تحديث 09 نيسان 2026
——————————–
الجوار الإقليمي من مجرد جغرافيا إلى فاعل في الديناميكيات الجيواستراتيجية/ هبا أحمد
أبريل 9, 2026
اتسعت الحرب الأميركية “الإسرائيلية” على إيران وامتدت، ومعها اتسعت الخيارات الإقليمية وتبدلت من حيث القوى والنفوذ والاصطفافات، مع الاتجاه التدريجي المتسارع إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر تحالفات، وإيجاد مشاريع ومسارات بديلة تفرضها الجغرافيا الجيو-اقتصادية. وفي ظل ذلك، يبقى الجوار الإقليمي المحرك الأساس الفاعل والنشط، الذي من الممكن أن يقي اقتصادات دول متجاورة جغرافيا، إلى حد ما، شرر الحرب، أو يؤجل وصولها قدر الإمكان، سياسيا وعسكريا واقتصاديا.
ويبدو أن سوريا وجوارها الإقليمي يلتقطان اللحظة الدولية ويبنيان عليها بتفعيل العلاقات الاقتصادية التي تنطلق اليوم من أساس سياسي ترسخ على مدار العام الماضي وصولا إلى العام الحالي، إذ لا يمكن قراءة أي حدث اقتصادي اليوم بمعزل عن خلفياته السياسية والمعطيات التي دفعت إليه وأنتجته. ومن هذه النقطة بالتحديد، ومن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، تتفعل العلاقات السورية والتركية والأردنية والعراقية واللبنانية، بطبيعة الحال، في توجه لإيجاد حال من التكامل الجغرافي ينتج اقتصاديا، ويحصن، قدر الإمكان، من تداعيات المخاطر الجيوسياسية التي تعيش المنطقة على وقعها.
وقبل الحرب الحالية وخلالها، تشهد الدول المذكورة آنفا، أي سوريا وجوارها الإقليمي، حركة اقتصادية نشطة ومتسارعة أفرزت معطيات على الأرض لتليها أخرى منتظرة، من بينها الاتفاق الاستراتيجي لتصدير النفط العراقي بريا إلى سوريا، تمهيدا لتصديره بحريا إلى الأسواق الدولية، خصوصا في أوروبا. كما وصلت إلى مرفأ اللاذقية أول حاوية ترانزيت تم تحويلها عبر الأراضي السورية، قادمة من ميناء العقبة في المملكة الأردنية الهاشمية، في خطوة تعكس بدء تفعيل مسارات العبور الإقليمي، وتعزيز دور سوريا ممرا لوجستيا يربط بين الموانئ والأسواق في المنطقة، إلى جانب اتفاقية الترانزيت التي تسمح بمرور الشاحنات من تركيا مرورا بالأراضي السورية وصولا إلى دول الخليج العربي.
وما سبق ذكره يعد جزءا من حراك يتكرس تباعا لإيجاد صيغ اقتصادية وسياسية إقليمية جديدة تتماشى مع مستجدات المنطقة والعالم برمته.
محطة جديدة في التعاون السوري التركي
في السياق ذاته، يأتي تفعيل وتعزيز العلاقات الاقتصادية مع تركيا، وإحدى محطاته الجديدة، توقيع اتفاقية تعاون اقتصادي وتجاري سوري – تركي، في ختام أعمال الاجتماع الأول للجنة الاقتصادية والتجارية المشتركة بين البلدين في مدينة إسطنبول.
وتهدف الاتفاقية إلى تعزيز التعاون الثنائي في مجالات التجارة والاستثمار، وتسهيل التبادل التجاري وحركة السلع والخدمات، وتوسيع آفاق الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتشجيع إقامة مشاريع استثمارية مشتركة، إضافة إلى تطوير التعاون في عدد من القطاعات الحيوية ذات الاهتمام المشترك.
كما تم توقيع اتفاقية تعاون بين الجانبين شملت مجالات سلامة المنتجات والرقابة واللوائح الفنية والتقييس وتقييم المطابقة والاعتماد والقياس.
وأكد وزير التجارة التركي عمر بولاط عزم تركيا على تطوير قنوات الدبلوماسية التجارية، ودراسة فرص التعاون الصناعي بين تركيا وسوريا.
وقال بولاط في تدوينة على منصة “إكس”: “استضفنا في إسطنبول وزير الاقتصاد والصناعة السوري، نضال الشعار، وناقشنا معه بشكل شامل الوضع الراهن للعلاقات التجارية والاقتصادية بين بلدينا، وفرص التعاون المتاحة”. وأضاف: “أكدنا مجددا التزامنا بتطوير قنوات الدبلوماسية التجارية على أساس الثقة المتبادلة، وتقييم فرص التعاون بين قطاعاتنا الصناعية، وكذلك تحديث إجراءاتنا الجمركية”.
ولفت بولاط إلى أنه، تماشيا مع رؤية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تحت شعار “تركيا القرن”، وضمن هدف “قرن التجارة”، تواصل تركيا تعزيز روابطها الاقتصادية مع المناطق المجاورة وتنفيذ خطوات استراتيجية تسهم في التنمية والاستقرار الإقليمي.
ويأتي ذلك خلال مشاركة وفد سوري في منتدى الأعمال والاستثمار السوري – التركي في مدينة إسطنبول، الذي انطلقت أعماله أمس الثلاثاء، وشهد انعقاد الاجتماع الأول للجنة الاقتصادية والتجارية المشتركة بين البلدين (JETCO)، في خطوة تعد تحولا مهما في مسار العلاقات الاقتصادية الثنائية.
ويترأس الوفد السوري الوزير الشعار، ويضم في عضويته حاكم مصرف سوريا المركزي الدكتور عبد القادر حصرية، إلى جانب مدير صندوق التنمية السوري صفوت رسلان، وممثلين عن عدد من الجهات الاقتصادية العامة والخاصة.
ويهدف المنتدى إلى تعزيز التعاون الاقتصادي وفتح آفاق جديدة للاستثمار، إلى جانب مناقشة إعادة تفعيل الشبكات اللوجستية وتطوير البنية التحتية ودعم مشاركة الشركات التركية في مشاريع إعادة إعمار سوريا، كما يشكل انعقاد المنتدى منصة مباشرة لرجال الأعمال من الجانبين لبحث فرص الشراكة ودفع حجم التبادل التجاري نحو مستويات أعلى خلال المرحلة المقبلة.
وعقد الوفد السوري سلسلة مباحثات مع وزير التجارة التركي عمر بولاط وعدد من المسؤولين الاقتصاديين وممثلي قطاع الأعمال في مدينة إسطنبول، لبحث سبل تطوير العلاقات التجارية، ورفع حجم التبادل الاقتصادي، وتذليل العقبات أمام الاستثمارات المشتركة. وتناولت الاجتماعات مناقشة آليات تعزيز التكامل الاقتصادي، وفتح قنوات جديدة للتعاون في مجالات الصناعة والتجارة والاستثمار، بما يسهم في تحقيق مصالح البلدين، ودعم مسارات النمو الاقتصادي.
وتأتي زيارة الوفد السوري إلى تركيا في إطار توجه حكومي نحو بناء شراكات استراتيجية فاعلة، وتفعيل الأطر المؤسسية التي من شأنها إحداث نقلة نوعية في العلاقات الاقتصادية السورية – التركية خلال المرحلة المقبلة.
الاستفادة من التجربة التركية
وعلى هامش مشاركة الوفد السوري، وفي إطار جهود اتحاد غرف التجارة السورية لتوسيع آفاق التعاون الاقتصادي مع الدول الصديقة، وتعزيز دور القطاع الخاص في دعم الاقتصاد الوطني وفتح آفاق جديدة للاستثمار المشترك، بحث مدير عام اتحاد غرف التجارة السورية عامر الحمصي، مع وفد من جمعية الصناعيين ورجال الأعمال الأتراك “توسياد” برئاسة باريش أورهان، ممثل الجمعية في أنقرة، سبل تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين.
وناقش الجانبان أبرز القطاعات الواعدة للاستثمار في سوريا، والاستفادة من التجربة التركية في مجالات التطوير العقاري، وتنظيم المناطق الصناعية، وتحفيز الاستثمار، وتبسيط الإجراءات أمام المستثمرين.
وخلال الاجتماع، أكد الحمصي أن الاتحاد يعمل بالتوازي مع الحكومة على تهيئة بيئة استثمارية جاذبة، عبر مسارات متعددة تهدف إلى الارتقاء بالمناخ الاستثماري ليكون بمستوى الدول المجاورة، مشيرا إلى أهمية الاستفادة من التجربة التركية في عدد من المجالات.
ومن جهته، أوضح أورهان أن عددا كبيرا من كبار رجال الأعمال الأتراك أبدوا اهتماما بالاستثمار في سوريا، وأن هدف الجمعية هو تسهيل الحركة التجارية لأعضائها، معربا عن إعجابه بالنهضة التي تشهدها مدينة عدرا الصناعية، وأكد وجود شركات تركية كبرى ترغب في الدخول إلى السوق السورية.
وتعد جمعية “توسياد”، التي تأسست عام 1971، أكبر وأبرز منظمة أعمال تطوعية مستقلة في تركيا، حيث تضم كبرى الشركات الصناعية والخدمية في البلاد، وتؤدي الجمعية دورا محوريا في الاقتصاد التركي من خلال تعزيز ديمقراطية السوق والاستدامة، ويسهم أعضاؤها بنسبة كبيرة من إجمالي التجارة الخارجية والضرائب في تركيا.
العلاقات التجارية
يشير تقرير وكالة “الأناضول” التركية إلى تسجيل ارتفاع ملحوظ في صادرات تركيا إلى سوريا خلال الفترة الأخيرة، حيث ارتفعت الصادرات في عام 2025 بنسبة تقارب 60 بالمئة مقارنة بعام 2024، من 2.2 مليار دولار إلى 3.5 مليارات دولار.
ووفق التقرير، احتلت فئة “منتجات المطاحن والشعير والنشا والإينولين وغلوتين القمح” المرتبة الأولى في صادرات العام الماضي بقيمة 232.7 مليون دولار.
وخلال أول شهرين من عام 2025، ارتفعت صادرات تركيا إلى سوريا بنسبة 47.5 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، من 356.6 مليون دولار إلى 526.2 مليون دولار.
أما خلال أول شهرين من العام الجاري 2026، فقد تجاوزت صادرات تركيا إلى سوريا 666.7 مليون دولار، بزيادة سنوية بلغت 26.7 بالمئة، وجاءت فئة “المركبات البرية ذات المحركات، والجرارات، والدراجات، والدراجات النارية، وغيرها من المركبات البرية، وأجزاؤها وملحقاتها” في المرتبة الأولى في الصادرات بقيمة 72.7 مليون دولار.
ويشير تقرير “الأناضول” إلى أن هذه المؤشرات تعكس زخما متصاعدا في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، مع توقعات بمواصلة النمو خلال المرحلة المقبلة، كما يتوقع أن تلعب تركيا دورا محوريا خلال مرحلة إعادة الإعمار في سوريا، مستفيدة من موقعها الجغرافي وقدراتها الصناعية، خاصة في مناطق جنوب شرقي الأناضول، التي تعد مركزا رئيسيا للتصدير نحو السوق السورية.
وفي كانون الثاني الماضي، أعلن سفير تركيا في سوريا نوح يلماز أن العلاقات بين البلدين تشهد تقدما ملحوظا في جميع المجالات.
وفي منشور عبر حسابه على منصة “إكس”، قال يلماز إن بيانات مجلس المصدرين الأتراك توضح أن الصادرات التركية إلى سوريا بلغت 1.4 مليار دولار في عام 2023 و1.5 مليار دولار في عام 2024، بينما بلغت الصادرات في عام 2025 نحو 2.3 مليار دولار، أي بزيادة 52.4 بالمئة مقارنة بالعام السابق.
ولفت السفير التركي إلى أن قطاع الحبوب والبقوليات جاء في مقدمة الصادرات إلى سوريا بنسبة 30 بالمئة، بينما جاء قطاع الكيماويات في المرتبة الثانية، متأثرا على الأرجح بصادرات مواد البناء والأدوية، مبينا أن هذه القطاعات كلها مرتبطة بتوفير الاحتياجات الأساسية.
وفي أواخر العام الماضي، وعقب تسلم وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني نسخة من أوراق اعتماد يلماز سفيرا لتركيا في سوريا، أكد يلماز عزمه على بذل كل ما بوسعه من أجل تعزيز الروابط بين بلاده وسوريا.
مسار اقتصادي بلغة الأرقام والوقائع
يرى المستشار بالإدارة والاقتصاد الصناعي، الدكتور المهندس سامر رحال، أن انطلاق منتدى الأعمال والاستثمار السوري – التركي في إسطنبول، بالتزامن مع انعقاد الاجتماع الأول للجنة الاقتصادية والتجارية المشتركة (JETCO)، لا يمكن التعامل معه كخبر عابر. فما يجري فعليا هو محاولة إعادة فتح مسار اقتصادي ثقيل ظل مجمدا لسنوات، لكن هذه المرة بلغة الأرقام والوقائع لا بلغة التمنيات.
ويقول الدكتور رحال في تصريح لـ”الثورة السورية”: “الاقتصاد التركي اليوم يتجاوز 1.1 تريليون دولار، وهو واحد من أكبر اقتصادات المنطقة، في حين أن الاقتصاد السوري يقدر حاليا بين 9 و15 مليار دولار فقط، بعد أن كان يتجاوز 60 مليار دولار قبل عام 2011. بمعنى وبشكل مباشر، سوريا فقدت أكثر من 70 بالمئة من حجم اقتصادها خلال السنوات الماضية”.
وبالتالي، يوضح رحال أن هذا الفرق ليس مجرد رقم، بل يفسر لماذا ينظر إلى تركيا اليوم بوصفها شريكا اقتصاديا مهما. نحن نتحدث عن سوق أكبر من السوق السورية بأكثر من 70 مرة، وعن دولة تملك قدرة تصديرية تتجاوز 250 مليار دولار سنويا، وتتمتع ببنية صناعية متقدمة في مجالات النسيج والغذائيات والآلات والصناعات الهندسية.
وقبل عام 2011، لم تكن العلاقات الاقتصادية بين البلدين ضعيفة. ففي عام 2010، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 2.3 إلى 2.5 مليار دولار، وكانت هناك خطط واضحة لرفعه إلى 5 مليارات دولار خلال فترة قصيرة.
التكامل السوري – التركي
والسؤال المطروح اليوم ليس حول إمكانية العودة إلى تلك الأرقام، بل كم يمكن أن نحقق في المرحلة الأولى؟ يجيب رحال: “لو نجحت مخرجات JETCO فقط في إعادة التبادل التجاري إلى حدود مليار دولار سنويا، فهذا بحد ذاته تطور مهم. وهذا الرقم قد يبدو متواضعا مقارنة بالماضي، لكنه عمليا يعني عودة حركة السلع عبر الحدود، وتأمين مواد أولية للصناعة المحلية، وتخفيف الاعتماد على الاستيراد البعيد مرتفع التكلفة”. لكن الحقيقة أن الملف الأهم لا يتعلق بالتجارة فقط، بل بإعادة الإعمار.
وتشير التقديرات الحالية إلى أن سوريا تحتاج إلى ما بين 250 و400 مليار دولار لإعادة بناء ما دمرته الحرب. وهذا الرقم ضخم جدا، ولا يمكن لأي دولة التعامل معه بمفردها، ومن هنا تظهر أهمية تركيا بشكل أوضح.
ويوضح مستشار الإدارة والاقتصاد الصناعي أن شركات المقاولات التركية تنفذ مشاريع خارجية تتجاوز قيمتها 20 مليار دولار سنويا، وهي من بين الأكثر نشاطا عالميا، وتتميز بسرعة التنفيذ وكلفة أقل من الشركات الأوروبية بنسبة تصل إلى 20 إلى 30 بالمئة. وإذا افترضنا أن هذه الشركات حصلت على 5 بالمئة فقط من سوق إعادة الإعمار في سوريا، فنحن نتحدث عن مشاريع بقيمة تتراوح بين 12 و20 مليار دولار.
وهذا الرقم وحده كفيل بإعادة تحريك قطاعات كاملة: الإسكان، والطرق، والبنية التحتية، والخدمات. ومن زاوية أخرى، هناك نقطة مهمة جدا، لكنها لا تطرح دائما، وهي أن سوريا ما زالت تملك ميزة في كلفة الإنتاج. فمتوسط الأجور فيها لا يتجاوز 10 إلى 20 بالمئة من الأجور في تركيا، رغم كل الظروف الاقتصادية. وفي المقابل، هناك أكثر من 60 بالمئة من المنشآت الصناعية متوقفة أو متضررة وتحتاج إلى إعادة تشغيل. وهذه المعادلة تفتح الباب أمام نموذج اقتصادي واضح وبسيط: رأس مال وتقنية من تركيا، مقابل عمالة وسوق إنتاج داخل سوريا. وهذا النوع من التكامل ليس نظريا، بل هو ما تعتمد عليه كثير من الدول في مراحل التعافي.
العلاقات الثنائية والظروف الإقليمية
وفي سياق أوسع، لا يمكن فصل هذا التحرك عن الظروف الإقليمية، وفقا للدكتور رحال، فالمنطقة تعيش حالة توتر، والحرب الدائرة في الشرق الأوسط أثرت بشكل مباشر على التجارة وسلاسل التوريد. وقد ارتفعت تكاليف الشحن عالميا في بعض الفترات بأكثر من 200 بالمئة منذ عام 2020، ما جعل الاعتماد على الأسواق البعيدة أكثر كلفة وتعقيدا.
وبالتالي تعود أهمية الجوار الإقليمي، فالتعامل مع دولة قريبة مثل تركيا يعني تقليص زمن الشحن من أسابيع إلى أيام، مع خفض التكاليف بنسبة قد تصل إلى 30 إلى 40 بالمئة، ومرونة أعلى في التعامل مع الأزمات. وهذا ليس تفصيلا صغيرا، بل عامل حاسم لأي اقتصاد يحاول النهوض من جديد.
ولفت رحال، في هذا السياق، إلى أنه إذا انتقلنا إلى الداخل السوري، يمكن ترجمة كل ما سبق إلى نتائج ملموسة في حال تم التنفيذ بشكل فعلي: إمكانية خلق عشرات آلاف فرص العمل، خاصة في البناء والصناعة، وتحسن تدريجي في الصادرات التي ما تزال أقل من مليار دولار سنويا، وعودة جزء من الاستثمارات التي تراجعت بأكثر من 80 بالمئة خلال سنوات الحرب، وزيادة تدفق العملات الأجنبية، وهو عامل أساسي في تخفيف الضغوط الاقتصادية.
ويخلص رحال إلى القول: “منتدى إسطنبول واجتماعات JETCO يمثلان فرصة واضحة مدعومة بأرقام كبيرة، لكنها في الوقت نفسه اختبار صعب. الفجوة الاقتصادية ما تزال واسعة، والتحديات كبيرة، لكن المسار بات أوضح من السابق”.
الثورة السورية
——————————–
السوق السوري بلا ضوابط.. تفاوت الأسعار يكشف عمق الانقسام الاقتصادي/ عبد الغني العريان
2026.04.09
نفذت مديريات التجارة الداخلية وحماية المستهلك في ريف دمشق واللاذقية وحماة وإدلب، يوم الثلاثاء السابع من نيسان الجاري، جولات رقابية متزامنة، أسفرت عن إغلاق محل لبيع اللحوم وتنظيم عدد من الضبوط التموينية، بعد رصد مخالفات تتعلق بعدم الإعلان عن الأسعار والامتناع عن إصدار الفواتير، إلى جانب التحقق من الشروط الصحية وسلامة المواد الغذائية في الأسواق.
الحدث، رغم اعتياديته في سياق الإجراءات التموينية، يعكس جانباً من أزمة أعمق تعيشها الأسواق السورية، حيث لا يقتصر الخلل على المخالفات الفردية، بل يمتد إلى تفاوتات صارخة في الأسعار بين محافظة وأخرى، ما يطرح تساؤلات جدية حول عدالة السوق، وقدرة الجهات المعنية على ضبطه، في ظل واقع اقتصادي متآكل وضغوط معيشية متصاعدة.
فوضى الأسعار
تبدو الأسواق السورية اليوم وكأنها تعمل وفق قواعد غير مكتوبة، حيث تتحكم الجغرافيا، وتكاليف النقل، وتفاوت العرض والطلب، بل وحتى اختلاف العملات المتداولة، في تحديد الأسعار بشكل لافت.
ففي إدلب، حيث التعامل بالليرة التركية إلى الآن، يبلغ سعر كيلو لحم الغنم نحو 700 ليرة تركية (15.5 دولاراً)، بينما يصل في دمشق إلى 2750 ليرة سورية (22 دولاراً)، وفي حلب إلى 2200 ليرة سورية (17.6 دولاراً)، ولا تقف الفروقات عند اللحوم، بل تمتد إلى الدواجن والخضراوات والفواكه، ما يعكس اختلالاً واضحاً في منظومة التسعير.
يقول راسم العيسى (33 عاما) والمقيم في دمشق لـ موقع تلفزيون سوريا: “لم يعد بمقدورنا تفسير الأسعار أو التنبؤ بها، كيلو البندورة في دمشق يصل إلى 170 ليرة، بينما هو أقل في إدلب، والمشكلة ليست في الغلاء فقط، بل في غياب منطق واضح يحكم السوق؛ نحن أمام فوضى حقيقية، يدفع ثمنها المستهلك وحده”.
في المقابل، تبدو محافظة إدلب أقل سعراً في بعض المواد، مثل الدجاج الذي يبلغ 160 ليرة تركية (3.5 دولارات)، مقارنة بـ800 ليرة سورية (6.4 دولارات) في دمشق، لكن هذا لا يعني أن الوضع أفضل، إذ إن القوة الشرائية هناك متدنية أيضاً، ما يجعل الأسعار مرتفعة نسبياً قياساً بالدخل.
وتعكس هذه الفوضى غياب مرجعية سعرية موحدة، حيث تتحول كل محافظة إلى سوق مستقل بذاته، له شروطه الخاصة، ما يفتح الباب أمام استغلال واسع، ويضعف ثقة المستهلك بأي تسعيرة معلنة.
وجع المعيشة
لا تترجم الأرقام وحدها حجم الأزمة، بل تكشفها تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، الذين باتوا يقيسون مشترياتهم بالغرام لا بالكيلو، في حلب، حيث يبلغ سعر كيلو لحم البقر نحو 1900 ليرة سورية (15 دولاراً).
يقول أحمد بيطار (48 عاماً) لموقع تلفزيون سوريا: “دخلي الأسبوعي لا يكفي لشراء كيلو لحم، لذلك أصبحت أشتري 100 غرام، وأحياناً أستغني عنها تماماً، وحتى الدجاج لم يعد خياراً رخيصاً كما كان، نحن نعيش حالة تقشف قاسية”.
وفي دمشق يقول مصطفى العساف (39 عاماً) وهو موظف حكومي، لموقع تلفزيون سوريا: “أصبحنا نحسب كل شيء، حتى الفاكهة التي كانت جزءاً أساسياً من غذائنا، باتت تُشترى بالغرام مرة في الأسبوع، التفاح بـ300 ليرة سورية (2.4 دولار) لم يعد في متناول الجميع”.
ويفسر الناس في المحافظات السورية المختلفة الغلاء بأنه لم يعد مجرد ظاهرة اقتصادية، بل تحول إلى أزمة معيشية خانقة، تمس تفاصيل الحياة اليومية، وتفرض عليهم أنماطاً جديدة من الاستهلاك، تقوم على التقليل والتخلي، أكثر مما تقوم على الاختيار.
اختلال السوق
ورغم الجهود الرقابية التي تقوم بها مديريات التموين، كما في حادثة إغلاق محل اللحوم في ريف دمشق وعدة مخالفات في باقي المحافظات، إلا أن هذه الإجراءات تبدو محدودة التأثير أمام حجم التحديات.
فالسوق يعاني من اختلالات بنيوية، تتعلق بتعدد مصادر التسعير، وغياب الرقابة الفعالة في بعض المناطق، إضافة إلى تأثير سعر الصرف، وتكاليف النقل، والاحتكار.
ويفسر الخبير الاقتصادي الدكتور نادر الخطيب هذا التفاوت لموقع تلفزيون سوريا: “الاختلاف في الأسعار بين المحافظات لا يرتبط فقط بمصدر السلعة، فالغنم الذي يُباع في دمشق لا يأتي بالضرورة من إدلب، لكن المشكلة الأعمق تكمن في تعدد المرجعيات الاقتصادية”.
ويضيف: “هناك أكثر من سعر صرف، وأكثر من نظام تسعير، كما أن ضعف الترابط بين الأسواق المحلية يجعل كل منطقة شبه معزولة اقتصادياً، ما يسمح بتشكل أسعار مختلفة حتى للسلع نفسها”.
في المقابل، يرى بعض المستهلكين أن جزءاً من المشكلة يعود إلى استغلال التجار، خاصة في ظل ضعف الرقابة.
وتكشف المقارنة بين المحافظات حجم هذا الاختلال، فبينما يبلغ سعر الباذنجان 50 ليرة تركية (1.1 دولار) في إدلب، يصل إلى 275 ليرة سورية (2.2 دولار) في دمشق، أي ضعف السعر تقريباً.
ويعتبر “الخطيب” أن هذه الفروقات لا يمكن تفسيرها فقط بعوامل النقل أو العملة، بل تشير إلى غياب سياسة سعرية متماسكة، تضمن الحد الأدنى من العدالة بين المناطق.
ويضيف: “تبدو الإجراءات الرقابية، رغم أهميتها، كمسكنات مؤقتة لأزمة أعمق تتطلب حلولاً شاملة، فالسوق السورية اليوم ليست مجرد فضاء للتبادل التجاري، بل مرآة لاختلالات اقتصادية واجتماعية متراكمة، تتجلى في تفاوت الأسعار، وتآكل القدرة الشرائية”.
تكشف حركة الأسعار في الأسواق السورية عن واقع يومي يعيشه المواطن بين رفوف المتاجر أكثر مما يظهر في الأرقام الرسمية أو الجولات الرقابية.
فالتباين الكبير بين المحافظات لا ينعكس فقط على قوائم الأسعار، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة البسيطة للأسر التي باتت تضطر لإعادة ترتيب أولوياتها الغذائية والاستهلاكية باستمرار.
وبين محاولات الضبط والواقع المتغير للأسواق، يبقى المستهلك أمام معادلة صعبة يحاول التكيف معها يوماً بعد يوم، في انتظار استقرارٍ يخفف من وطأة التقلبات التي أصبحت جزءاً ثابتاً من المشهد المعيشي.
تلفزيون سوريا
—————————
الليرة تواجه ضغوطاً مستمرة وسط تقلبات السوق وأزمات الاقتصاد/ حمزة العبد الله
أبريل 9, 2026
تدخل الليرة السورية مجدداً مرحلة من التراجع أمام العملات الأجنبية، بعد فترة من الاستقرار النسبي، في ظلّ تداخل عوامل داخلية وخارجية تضغط على سعر الصرف.
وبين تصاعد التوترات الإقليمية واستمرار الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد، يعود الجدل حول الأسباب الحقيقية وراء هذا التراجع، وما إذا كان ظرفياً أم يعكس تحديات أعمق في بنية الاقتصاد السوري.
وسجل الدولار خلال الأيام الماضية قفزة في السوق الموازية، ليصل إلى نحو 129 ليرة جديدة (12,900 ليرة قديمة)، قبل أن يتحسن لاحقاً إلى 127 ليرة (12,700 ليرة قديمة) عقب اتفاق الولايات المتحدة وإيران على وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين.
عوامل ضغط
رغم تحسن سعر الصرف بأكثر من 30 بالمئة مقارنة بما قبل التحرير، فإن الليرة تواصل منذ أشهر التأرجح بين 110 و120 ليرة جديدة (11,000-12,000 ليرة قديمة) للدولار، قبل أن تتراجع خلال الأيام الأخيرة إلى مستويات أدنى من هذا النطاق.
وأرجع الباحث الاقتصادي محمد حمو، تراجع الليرة إلى مجموعة من عوامل الضغط، أبرزها زيادة الطلب على العملات الأجنبية، لا سيما الدولار، نتيجة استمرار الحرب الأميركية -الإسرائيلية ضد إيران، إلى جانب عدم الاستقرار في بعض المناطق السورية، والهشاشة الاقتصادية، ونقص السيولة.
كما يشير إلى استمرار المضاربات في السوق المحلية منذ سقوط النظام المخلوع، ما أسهم في تعميق التحديات الاقتصادية.
وقال حمو لصحيفة “الثورة السورية”: إن الأسباب الحقيقية لتراجع الليرة تعود إلى تداخل مجموعة من العوامل الجوهرية، أبرزها عجز الميزان التجاري نتيجة الاعتماد الكبير على الاستيراد لتأمين السلع الأساسية مقابل تراجع الصادرات، ما يزيد الطلب على العملات الأجنبية، إلى جانب استنزاف احتياطات المصرف المركزي من النقد الأجنبي، وتوقف التدفقات النقدية الخارجية الرسمية منذ فترة طويلة.
وأضاف أن ضخ كميات كبيرة من العملة المحلية في السوق، في ظلّ محدودية الإنتاج المحلي الداعم لقيمة العملة الوطنية، ولجوء التجار إلى “دولرة” السوق كملاذ آمن لحفظ قيمة مدخراتهم، كلها عوامل تخلق ضغطاً مستمراً على سعر الصرف.
من جانبه، رأى الباحث الاقتصادي إيهاب اسمندر، أن تراجع الليرة يعود إلى الفجوة الاقتصادية الحقيقية الناتجة عن تراجع الإنتاج المحلي.
وأوضح اسمندر لصحيفة “الثورة السورية” أن حجم النقد الأجنبي منخفض نتيجة تراجع الصادرات مقابل ارتفاع كبير في الاستيراد، وضعف السياحة، ونقص الثروات الباطنية، إضافة إلى انخفاض احتياطات النقد الأجنبي لدى مصرف سوريا المركزي، التي “تُقدّر بنحو 700 مليون دولار”.
وأشار إلى أن استمرار عمليات البيع والشراء والتسعير بالدولار يزيد من الضغوط على العملة الوطنية، التي تعاني أساساً من تركة ثقيلة من الأزمات والمشكلات في مختلف القطاعات الحيوية.
“دولرة” الاقتصاد
في ظلّ التقلبات المستمرة لسعر صرف الليرة، يثار تساؤل واسع حول الأسباب الحقيقية وراء تراجع قيمتها أمام العملات الأجنبية، وما إذا كانت مرتبطة بعوامل مؤقتة مثل تداول العملة الجديدة، أم تعكس تحديات أعمق في البنية الاقتصادية.
وقال حمو: إن محدودية تداول العملة الجديدة لا تُعد سبباً مباشراً في تراجع قيمة الليرة أمام العملات الأجنبية، إلا أن طول فترة التعايش بين العملتين قد يؤدي إلى زيادة المضاربة على الدولار، ما يخلق تذبذباً “مؤقتاً” في سعر الصرف.
من جهته، رأى اسمندر أن مشكلة تراجع الليرة لا ترتبط بمحدودية تداول العملة، لكنّه حذر من أن غياب الحلول الاقتصادية الحقيقية، وغياب الحوكمة والإصلاحات الفعّالة، قد يدفع السوق نحو موجة أوسع من “دولرة” الاقتصاد، ما سيؤدي إلى تراجعات إضافية وكبيرة في قيمة العملة المحلية.
——————————–
=======================



