سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

نبض في ألمانيا ونزيف في سوريا.. لماذا لا يعود الأطباء السوريون؟/ سامر القطريب و مختار الإبراهيم

 

2026.04.11

في المناوبة الليلية داخل مستشفى مدينة فرايبيرغ بولاية ساكسونيا شرق ألمانيا، كان الهدوء الذي يسبق الطوارئ مخادعاً، دقائق قليلة فقط فصلت الطبيب السوري محمد شربجي عن وصول سيارة إسعاف تحمل رجلاً مسناً يعاني أزمة قلبية حادة، في المدينة الصغيرة المحاطة بالغابات، لا توجد خيارات كثيرة أمام المرضى، هذا المستشفى هو الوحيد تقريباً ضمن دائرة نصف قطرها خمسة وعشرين كيلومتراً، والطبيب الذي يقف الآن أمام سرير المريض لم يولد في ألمانيا، بل وصل إليها قبل عقد تقريباً هارباً من بطش نظام الأسد المخلوع في سوريا.

في تلك اللحظة، لم يكن السؤال من أين جاء الطبيب، بل هل يوجد طبيب أصلاً. قصة شربجي، الذي وصل إلى ألمانيا عام 2015 وخاض سنوات طويلة من دراسة اللغة ومعادلة الشهادة والاختبارات المهنية قبل الحصول على ترخيص مزاولة الطب، ليست استثناءً، وبحسب تقرير بثّته قناة Arte تحت عنوان “أطباء أجانب ينقذون مستشفيات الأقاليم الألمانية” أظهر واقعاً بات مألوفاً داخل النظام الصحي الألماني: عشرات آلاف الأطباء القادمين من الخارج أصبحوا شرطاً لاستمرار الخدمة الطبية، خصوصاً في المناطق الريفية والشرقية.

في تلك اللحظة الحرجة، تبرز المفارقة القاسية؛ فبينما يمنح الطبيب (الشاب) الأمل لمرضاه في ألمانيا، يترك خلفه في مدن كحلب قطاعاً صحياً يشيخ بصمت مخيف. هناك في وطنه الأم، لم يعد “الطبيب الشاب” مشهداً مألوفاً، بل باتت غرف العمليات تعتمد على جيلٍ شقّت التجاعيد يديه، حيث تتجاوز أعمار نسبة عالية من أطباء التخدير الستين والـخامسة والستين عاماً، في مؤشر حزين على غياب الأجيال الشابة التي اختارت، أو أُجبرت، على حمل مبضعها والرحيل.

ووفقا لتقرير المنصة الألمانية فإن المفارقة تكمن بأن الطبيب الذي ينقذ الأرواح في فرايبيرغ يفكر اليوم جدياً في مغادرة ألمانيا، قرار شخصي يبدو عادياً في ظاهره، لكنه يفتح باباً لسؤال أكبر: ماذا يحدث لاقتصاد يعتمد بصمت على أشخاص يناقش وجودهم سياسياً كل يوم؟

بلد يشيخ

يقول الخبير الاجتماعي كلاوس دورنبرغر أنه ومنذ سنوات، تتحدث المؤسسات الاقتصادية الألمانية عن أزمة ديموغرافية قادمة، فعدد الداخلين الجدد إلى سوق العمل يتراجع، بينما يغادر مئات آلاف الموظفين سنوياً نحو التقاعد، كما تجاوز عدد من هم فوق سن السابعة والستين عشرة ملايين شخص، وتشير التوقعات إلى أن ربع السكان تقريباً سيصلون إلى سن التقاعد خلال العقدين المقبلين.

ويضيف دورنبرغر في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن ألمانيا تحتاج سنوياً ما بين 350 و400 ألف عامل إضافي للحفاظ فقط على مستوى الإنتاج الحالي، ويوضح “الحديث السياسي يركّز على اللجوء، لكن سوق العمل يتحدث عن نقص هيكلي حاد”.

من جهته يقول الخبير الاقتصادي حسن حيدر العيلي إن المشكلة لم تعد مسألة مستقبلية، ففي القطاع الصحي، تبدو الأزمة أكثر وضوحاً، تدريب طبيب جديد داخل ألمانيا قد يستغرق أكثر من عشر سنوات، بين الدراسة والتخصص، في المقابل، يصل كثير من الأطباء المهاجرين بخبرة جاهزة، ما يجعلهم بالنسبة للاقتصاد استثماراً مختصراً للوقت والتكاليف.

أرقام لا تظهر في الخطابات

تكشف بيانات صادرة عن المكتب الفدرالي للإحصاء الألماني، Destatis، حجم التحول الذي حدث خلال عقد واحد فقط، فقد ارتفعت نسبة الأطباء الأجانب العاملين في ألمانيا من نحو 7 في المئة عام 2014 إلى أكثر من 13 في المئة عام 2024، أي ما يقارب 64 ألف طبيب.

ولم تعد المسألة مرتبطة بالتنوع المهني أو الانفتاح الثقافي، بل باستمرار النظام نفسه، فقرابة نصف هؤلاء الأطباء كانوا دون الخامسة والثلاثين من العمر، ما منح المستشفيات دفعة شبابية في وقت ارتفعت فيه نسبة الأطباء الذين تزيد أعمارهم على خمسة وخمسين عاماً إلى 31 في المئة.

وعند النظر إلى الطب البشري وطب الأسنان معاً، يصل عدد الأطباء الوافدين إلى نحو 121 ألفاً، أي ما يقارب ربع مجموع الأطباء العاملين في البلاد، في بعض المستشفيات الريفية، يعني ذلك ببساطة أن غياب الأطباء الأجانب قد يؤدي إلى إغلاق أقسام كاملة.

وخلال عام واحد فقط حصل قرابة سبعة آلاف طبيب على الاعتراف الكامل بمؤهلاتهم الأجنبية، بعد إجراءات طويلة تشمل اختبارات لغوية ومهنية معقدة، وبينما شكّل الألمان العائدون من الخارج نحو 21 في المئة من هؤلاء، فقد مثّل السوريون وحدهم نحو 11 في المئة، ليصبحوا إحدى أكبر المجموعات الطبية الجديدة داخل النظام الصحي.

في الوقت نفسه، ارتفعت نسبة العمل الجزئي بين الأطباء من 15 إلى 28 في المئة خلال عشر سنوات، وهو تحول يعكس إرهاقاً مهنياً متزايداً ورغبة الأجيال الجديدة في تقليل ساعات العمل، أما في تخصصات مثل الجراحة، فقد ازدادت ساعات المناوبات الأسبوعية مقارنة بمجالات أخرى، ما جعل الاعتماد على الأطباء الوافدين أكبر لسد النقص في المناوبات الطويلة.

وبالنسبة لمديري المستشفيات في الأقاليم، لم يعد السؤال كيف يمكن جذب أطباء أجانب، بل كيف يمكن منعهم من المغادرة.

السياسة تتحدث بلغة مختلفة

في برلين، يبدو النقاش مختلفاً، فقد تصاعدت خلال السنوات الأخيرة مطالب سياسية بتشديد سياسات الهجرة، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف السكن والطاقة وتزايد الضغط على البلديات.

يرى الصحفي المختص بالشؤون الألمانية محمد الشيخ علي أن ألمانيا تعيش ازدواجية واضحة “الخطاب الانتخابي يخاطب مخاوف الناخبين، بينما البلديات تبحث عن موظفين بأي طريقة تقريباً”، ويقول لموقع تلفزيون سوريا “مدير المستشفى أو صاحب المصنع لا يسأل عن الجنسية، بل عن الشخص الذي يستطيع العمل غداً، في مدن صناعية صغيرة، تموّل شركات برامج تعليم اللغة للاجئين لأنها تحتاجهم في خطوط الإنتاج، بعض البلديات تدعم التدريب المهني مباشرة خوفاً من فقدان الخدمات الأساسية”.

ويشدد الشيخ علي على أن هذا التناقض بين السياسة والاقتصاد لا يظهر كثيراً في العناوين، لكنه حاضر في تفاصيل الحياة اليومية.

اقتصاد الاندماج

من جهته يلفت الخبير حسن حيد العيلي إلى أنه ومنذ عام 2015، أنفقت ألمانيا مليارات اليوروهات على برامج اللغة والتأهيل المهني، في البداية بدا الأمر تكلفة اجتماعية كبيرة، لكن بعد سنوات بدأت النتائج الاقتصادية تظهر، حيث انتقل آلاف السوريين تدريجياً من تلقي الدعم الاجتماعي إلى سوق العمل الكامل، في قطاعات تعاني نقصاً حاداً مثل الرعاية الصحية والخدمات اللوجستية والبناء.

ويقول العيلي: “إن الدولة بدأت تستعيد جزءاً كبيراً مما أنفقته عبر الضرائب والمساهمات الاجتماعية، التحول الحقيقي حدث بعد خمس سنوات تقريباً، كثيرون أصبحوا منتجين اقتصادياً وليسوا مستفيدين فقط، وفي مدن عديدة، أسس سوريون مطاعم وشركات صغيرة ومتاجر، ما خلق وظائف إضافية وساهم في تنشيط أحياء كانت تعاني ركوداً اقتصادياً”.

لماذا يفكر البعض بالمغادرة؟

رغم هذا الاندماج، بدأت تظهر ظاهرة جديدة داخل بعض المهن: التفكير بالمغادرة، ليست العودة إلى سوريا بالضرورة، بل الانتقال إلى دول أخرى مثل كندا أو دول الخليج، حيث الرواتب أعلى والإجراءات أسرع، يضاف لها عوامل اجتماعية لا تخفى على كل مقيم في الدول الأوروبية وخصوصا ألمانيا.

في مدن ألمانية عديدة، لم يعد حضور السوريين يقتصر على المستشفيات أو ورش العمل الصناعية. خلال أقل من عقد، افتتح آلاف منهم مطاعم ومتاجر صغيرة وشركات خدمات لوجستية وحرفية، أعادت الحياة إلى أحياء كانت تعاني ركوداً اقتصادياً بعد إغلاق مصانع أو هجرة السكان الشباب. في بعض المناطق الشرقية تحديداً، أصبحت واجهات المحال العربية جزءاً من مشهد اقتصادي جديد، يعكس انتقال شريحة واسعة من اللاجئين من مرحلة الاعتماد على الدعم الاجتماعي إلى دور المنتج وصاحب العمل.

لكن خلف هذا الاندماج الاقتصادي المتدرج، بدأت تظهر ظاهرة أقل وضوحاً وأكثر إثارة للقلق بالنسبة لأرباب العمل ومديري المستشفيات: التفكير بالمغادرة.

لا يتعلق الأمر بالعودة إلى سوريا بالضرورة، بل بالانتقال إلى دول أخرى تبحث بدورها عن الكفاءات الطبية والهندسية، مثل كندا أو بعض دول الخليج، حيث تبدو الرواتب أعلى والإجراءات المهنية أسرع، في حين يشعر بعض المهنيين بأن الاستقرار الاجتماعي والسياسي أكثر وضوحاً.

بالنسبة للطبيب السوري محمد شربجي، الذي وصل إلى ألمانيا عام 2015 هرباً من الحرب في سوريا، لم يكن طريق الاندماج سهلاً أو سريعاً، بعد عامين فقط من وصوله تمكن من الحصول على معادلة شهادته الطبية، وهي عملية معروفة بتعقيدها وطولها بالنسبة للأطباء القادمين من خارج الاتحاد الأوروبي، ورغم الحاجة الملحّة إلى أطباء مثله، يخطط شربجي لمغادرة ألمانيا، يقول شربجي: “الوطن هو المكان الذي لا يُسأل فيه الإنسان لماذا أنت هنا ومن أين أتيت”.

تجربة العائلة تلعب دوراً أساسياً في هذا القرار، زوجة شربجي، المنحدرة من مدينة دريسدن والتي اعتنقت الإسلام وترتدي الحجاب، تحدثت في مقابلات إعلامية عن تعرضها وأطفالها لإهانات عنصرية في شرق ألمانيا، مؤكدة أن مثل هذه الحوادث “أمر شائع” في بعض المناطق، وهو ما يعكس جانباً اجتماعياً أقل حضوراً في النقاشات الاقتصادية الرسمية.

أشار تقرير قناة Arte إلى أن قصة شربجي ليست حالة فردية، فالنظام الصحي الألماني يواجه حالياً نحو ستة آلاف شاغر لطبيب، في وقت تظهر فيه استطلاعات مهنية أن 74 في المئة من الأطباء السوريين يفكرون على المدى الطويل بالعودة إلى وطنهم أو الانتقال إلى دول أخرى، وهو احتمال يثير قلق إدارات المستشفيات التي تعتمد عليهم لسد النقص المتزايد في الكوادر.

تقول ممرضة رومانية تعمل في المستشفى نفسه، إلى جانب شربجي إن وجود الكوادر الأجنبية أصبح جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية “لم نعد نقول أطباء أجانب بل نقول زملاء”.

هذا التحول اللغوي البسيط يعكس واقعاً أعمق، فالنظام الصحي الألماني، خصوصاً في المناطق الريفية، يعتمد بشكل متزايد على الكفاءات القادمة من الخارج، ويحذر خبراء من أن غيابهم قد لا يعني فقط إطالة قوائم الانتظار، بل ارتفاع معدلات الوفيات وتهديد استمرارية الخدمات الطبية الأساسية في بعض المناطق التي لا تملك بديلاً قريباً.

يقول الشيخ علي: “إن المنافسة العالمية على الكفاءات أصبحت أكثر شراسة، لم تعد أوروبا الوجهة الوحيدة، الطبيب أو المهندس يستطيع الانتقال خلال أشهر إذا وجد عرضاً أفضل”.

لماذا لا يعود الأطباء إلى سوريا؟

في نهاية المناوبة الليلية داخل مستشفى فرايبيرغ، يغادر المرضى واحداً تلو الآخر، المدينة تستيقظ ببطء، والطرق الريفية تعود إلى هدوئها المعتاد، إذا قرر الطبيب محمد شربجي المغادرة، لن يكون الخبر مهماً في نشرات السياسة الوطنية، لكن بالنسبة لمريض ينتظر موعد عملية أو لبلدية تخشى إغلاق مستشفاها الوحيد، قد يعني الأمر أكثر من مجرد انتقال موظف.

بين خطاب سياسي يتحدث عن ضبط الهجرة واقتصاد يبحث بصمت عن العمالة، تبدو ألمانيا أمام معادلة لم تُحسم بعد، ففي بلد يحتاج إلى مئات آلاف العاملين كل عام للحفاظ على توازنه الاقتصادي، قد لا يكون السؤال لماذا جاء السوريون، بل ماذا سيحدث إذا قرروا الرحيل خاصة الأطباء منهم. ولكن لماذا لا يعود الأطباء إلى سوريا؟ حال القطاع الصحي السوري اليوم يجيب عن هذا السؤال، وفق تقرير مشترك لمركز عمران للدراسات ومنظمة لوغاريت النرويجية، تحدث بشكل مفصل عن مشكلات كل محافظة سورية، وكان اللافت للانتباه الحديث عن تدخلات سياسية وأمنية في تعيين الكوادر الطبية.

بحسب الأمم المتحدة فإنه بعد 11 شهرا من انتهاء الحرب المدمرة في البلاد والإطاحة بنظام الأسد، ومع ‏‏عودة السوريين إلى منازلهم بأعداد متزايدة‏‏، تواجه البلاد نقصا مزمنا في الاستثمار الداخلي والأدوية والطاقة والمعدات.‏ و‏وفقا ‏‏لمنظمة الصحة العالمية‏‏، فإن 58 في المئة فقط من المستشفيات و23 في المئة من مراكز الرعاية الصحية الأولية تعمل بكامل طاقتها اليوم.‏

وحذرت ممثلة الوكالة في سوريا، الدكتورة كريستينا بيثكي من أن “الخدمات على الأرض لا تزال هشة جدا.. الاحتياجات الصحية لا تزال في ارتفاع”،‏‏ ‏وأضافت أنه منذ منتصف العام، تأثرت أكثر من 400 منشأة صحية بتخفيضات التمويل، و366 منشأة أوقفت أو قللت خدماتها.‏

‏تقول منظمة الصحة العالمية إن وصول الناس إلى الأدوية والعلاج قد انخفض، ففي غضون شهرين فقط، منع هذا إجراء 122,000 استشارة للصدمات النفسية، ويعني أن 13,700 ولادة حدثت دون وجود مرافقة ماهرة.‏

و‏قال الدكتور بيثكه للصحفيين في جنيف عبر فيديو من دمشق: “ما زلنا نشهد نقصا في العاملين في الرعاية الصحية والظروف التي تمكن من عودة هؤلاء المهنيين الصحيين المهرة لا تزال غير متوفرة”.

و‏يعد نقص الرعاية الصحية المتاحة عاملا رئيسيا في ردع المزيد من الناس عن العودة إلى منازلهم، بالإضافة إلى الدمار الواسع للمنازل والبنية التحتية، ونقص الوظائف، والوضع الأمني المتقلب المستمر.‏

أما تقرير مركز عمران ومنظمة لوغاريت الذي نشر في حزيران من العام الماضي، فيقول إن القطاع الصحي السوري يعاني من أزمة عميقة في الموارد البشرية، تتجلى في النقاط التالية بحسب كل محافظة:

دمشق: المركزية وضعف نظم التدريب

تعاني دمشق من مركزية شديدة في إدارة القوى العاملة الصحية، وفق التقرير، إذ تحتفظ وزارة الصحة بالسيطرة الكاملة على صنع القرار، ما يحد من استقلالية المديريات في تطوير الموارد البشرية وتوزيعها بفاعلية. ورغم وجود مؤسسات أكاديمية طبية في دمشق، فإن عدة عوامل تحد من أثرها:

• مناهج قديمة وضعف مواءمتها مع احتياجات سوق العمل.

• بنية تحتية متدهورة، تشمل نقص المعدات العلمية وأدوات التدريب القديمة.

• ضعف التنسيق بين الوزارات الأساسية، مثل الصحة والتعليم العالي والدفاع، ما يؤدي إلى فوضى في برامج الإقامة

• محدودية التعاون بين الجامعات والمشافي التعليمية، ما يمنع انتقالاً سلساً من التدريب الأكاديمي إلى الخبرة العملية.

غياب للجيل الشاب في مشافي حلب

    عجز في التمريض: سجلت مدينة حلب خللاً حاداً في النسبة بين الأطباء والممرضين، حيث يوجد 800 طبيب مقيم مقابل 200 ممرض فقط.

    أعمار الأطباء: في حلب أيضاً، تتجاوز أعمار نسبة عالية من أطباء التخدير 60 أو 65 عاماً، مما يشير إلى غياب الأجيال الشابة

اللاذقية وطرطوس: توزيع غير متوازن للقوى العاملة

• اختلالات في توزيع الكوادر والتخصصات، ما يؤدي إلى عدم التوافق بين الطلب والتوزيع.

• فائض في بعض الاختصاصات ونقص في أخرى، إذ تمتلك بعض المراكز فائضاً من أطباء الأسنان بينما تبقى تخصصات أساسية مثل طب الأطفال والنسائية تعاني نقصاً حاداً.

• شيخوخة القوى العاملة، مع اقتراب كثير من العاملين من سن التقاعد أو تجاوزه.

• تدني الأجور وارتفاع تكاليف النقل يثني الخريجين الجدد عن البقاء، ما يسرع هجرة الكفاءات.

• نقص في الخدمات الصحية الريفية، ففي صافيتا مثلاً يوجد 23 مركزاً صحياً وثلاث نقاط طبية متقدمة، ومع ذلك يستمر النقص الحاد في الأطباء، خاصة في خدمات الرعاية الأساسية.

• يبقى التعليم الطبي المستمر ضعيفاً بسبب نقص المدربين المؤهلين. ورغم أن المنظمات الدولية توفر برامج تدريب واسعة، فإن فعاليتها تتراجع بسبب ضعف جودة المدربين وانتقائية التوظيف، ما يقلل الوصول والأثر.

حمص وحماة: فجوات بين المدينة والريف وضعف التدريب

• أدى تمركز العاملين الصحيين في المدن إلى ترك المناطق الريفية محرومة بشدة، ما تسبب في تراجع جودة الرعاية خارج المراكز الحضرية.

• يستمر نقص التخصصات الأساسية مثل التخدير وجراحة الأعصاب، إذ يختار كثير من الخريجين تخصصات ذات دخل أعلى أو يسعون لفرص في الخارج.

• يبقى التدريب الطبي ضعيف التنسيق، ما يحد من قدرة القطاع على تحسين الأداء العام.

• يمنع غياب التقييم الدوري لبرامج التدريب حدوث تحسن منهجي في كفاءة العاملين وجودة الخدمات.

المناطق ذات السيطرة المختلطة

تواجه المناطق الخاضعة لسلطات مختلطة صعوبات شديدة في استقطاب الكوادر الطبية وتوزيعها والاحتفاظ بها. ومن أبرز التحديات:

• فجوات بين المدينة والريف، إذ تتركز الكوادر الماهرة في المدن الكبرى، بينما تعاني المناطق الريفية نقصاً حاداً في الأطباء والممرضين.

• ضعف التخطيط الاستراتيجي للقوى العاملة، ما يؤدي إلى توزيع غير متوازن.

• تدخلات سياسية وأمنية، إذ يجري تعيين العاملين الإداريين والطبيين على أساس الولاء السياسي لا الكفاءة، ما يقوض فاعلية المؤسسات الصحية.

محافظات جنوبي سوريا

• أدت مستويات الهجرة المرتفعة والاعتقالات وعمليات الاغتيال، خاصة في درعا، إلى نقص شديد في الكوادر الطبية.

• تدني الأجور وغياب الحوافز المالية يثنيان العاملين الصحيين عن البقاء في المنطقة.

• التدخل السياسي والأمني في تعيين العاملين الإداريين والطبيين يؤدي إلى غياب الشفافية ومزيد من إضعاف كفاءة المؤسسات.

• تؤدي المركزية الشديدة إلى بطء في القرارات الحيوية المتعلقة بصيانة المعدات وشراء المستلزمات وتشغيل المنشآت، ما يجبر كثيراً من المراكز على الإغلاق.

• تؤدي المبادرات المجتمعية ودعم المغتربين دوراً مهماً في سد بعض الفجوات، لكن هذه الجهود تبقى مؤقتة وغير مستدامة.

تسرب لا يتوقف للأطباء

وتبعا لأرقام وزارة الصحة السورية التي نشرت عام 2020، فإن أعلى نسبة تسرب للأطباء سجلت في مشفى الأطفال وبلغت نحو 18%، ثم مشفى القلب الجامعي بحلب بنسبة 11%، وثالثًا جاء كل من حلب الجامعي، والبيروني الجامعي، بنسبة 10%.

كما تقاسم المرتبة الرابعة كل من مشفى الأسد الجامعي، ومشفى جراحة القلب في دمشق بنسبة 7%. واحتل مشفى المواساة المرتبة الخامسة بنسبة 4% تلاه مشفى التوليد بدمشق بنسبة 3.5%.

وبحسب قاعدة بيانات “مؤشرات التنمية” التابعة للبنك الدولي، فإن عدد الأطباء في سوريا، العام 2010، كان قرابة 30 ألف طبيب، أما في، العام 2020، فأصبح 15868 طبيبًا، نتيجة الهجرة بسبب الحرب.

وبحلول العام 2021، أحصت منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان “اعتقال و/ أو تغييب” 3364 عاملاً في مجال الرعاية الصحية، ومقتل 948 شخصاً في هجمات على منشآت طبية.

ويفيد تقرير أصدرته مجموعة “فونكه” الألمانية، بأن عدد الأطباء الأجانب العاملين في ألمانيا تضاعف خلال العقد الماضي ليصل إلى 63 ألف و763 طبيبًا، يشكل السوريون أكبر فئة منهم ويقدر عددهم بـ 6120 طبيبًا، لجؤوا إلى ألمانيا بعد الحرب، وويعمل أكثر من 2000 ممرض وممرضة سوريين في المستشفيات الألمانية.

متى يتوقف نزيف الأطباء في سوريا؟

في نهاية المناوبة، وبينما تشرق الشمس على طرقات فرايبيرغ، يظل السؤال معلقاً كغيمة شتاء فوق سماء ألمانيا وسوريا معاً. فإذا كانت ألمانيا اليوم تخشى “رحيل الأطباء”، وتتحسس رقبتها الاقتصادية خوفاً من فقدان كفاءات سورية باتت تشكل عصب مشافيها، فإن سوريا “المحررة” من النظام تقف اليوم أمام نزيف لا يتوقف؛ نزيف لا تمسحه الضمادات، بل يحتاج إلى “قلب” مؤسساتي دمرته سنوات الاستبداد.

فهل سيأتي اليوم الذي يجد فيه الطبيب محمد شربجي وطناً لا يضطر فيه لتبرير وجوده، ولا يُسأل فيه “من أين أتيت؟” وإذا كان الأطباء السوريون يرممون اليوم انكسار الديموغرافيا الألمانية، فمن سيرمم غداً أشلاء القطاع الصحي في المدن السورية، التي باتت تفتقر حتى لطبيب تخدير واحد يمنح مرضاها نومأً بلا ألم؟ وهل ستظل الكفاءات السورية مجرد “رقم صعب” في معادلات النمو العالمية، بينما تبقى بلادهم “رقماً منسياً” في حسابات الاستقرار والعودة؟

لكن الطريق نحو هذا “القلب” المؤسساتي يبدو محفوفاً بالانقسامات؛ فبينما يبحث الطبيب السوري في المغترب عن استقرار مهني ومادي يعوضه سنوات الشتات، تبرز في الداخل السوري ملامح توجهات اقتصادية جديدة قد تغير وجه القطاع الصحي برمته. فقد أثار حديث هيئة الاستثمار السورية مؤخراً عن “خصخصة المشافي” جدلاً واسعاً، وبينما يراه البعض محاولة لضخ استثمارات تعيد الحياة للمرافق المتهالكة وتوفر بيئة عمل جاذبة للأطباء، يخشى آخرون أن تتحول الطبابة إلى سلعة تفقد المشافي الوطنية ميزتها المجانية في ظل تدهور معيشي غير مسبوق.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى