وادي السيليكون؛ فوضى التكنولوجيا الخلّاقة؟/ حازم السيد

جولة في عوالم نجومه وخلفياتهم الاجتماعية والتاريخية ومنابع مخيالهم ورؤيتهم
10-04-2026
1. إنفيديا، آبل، ألفابيت، ميتا، أمازون، مايكروسوفت، تيسلا.
2.يراهن مذهب العبور الإنساني على تقانات المعلوماتية والتقانات الصحية والتقانات النانونية، وعلى قدرة مجمل أشكال التقدم العلمي على تحسين قدرات الإنسان بشكل جذري، بما يسمح له بتجاوز شرطه البيولوجي، وصولاً إلى قهر الموت والأزلية والاندماج بالآلة.
كان يُمكن لعام 2022 أن يكون واحداً من أسوأ لحظات الاقتصاد العالمي، فقد كان إفلاس بنك وادي السيليكون الأميركي مَجازاً للصعوبات التي تُواجهها الصناعات الرقمية الأميركية، بعد انخفاض الطلب على الحوسبة السحابية وفشل العديد من المشاريع الرقمية الكبرى، كمشروع الجيل الثالث من الويب أو مشروع الواقع الافتراضي (ميتافيرس) الذي أطلقته فيسبوك، وكذلك بعد تخابي حماسة الجمهور والصُنّاع لوعود الذكاء الصنعي في سيارة ذاتية القيادة أو في إنترنت الأشياء. باختصار، لم يكن يبدو أن وادي السيليكون سيتمكن من تجاوز النبرة الروبوتية التي يُطلِق بها وعوده، ولكن تشات جي بي تي الذي اختتم السنة أعاد للوادي صوته وحماسه وكثيراً من الزخم.
اجتذبَ هذا التطبيقُ أكثر من مليون مستخدم في أقل من خمسة أيام، وواصل صعوده ليُصبح التطبيق الأكثر نمواً، ويتحوَّلَ الذكاءُ الصنعي التوليدي إلى الخبر الأول في جميع شاشات العالم. وقد شجَّعَ ذلك رأسَ المال المُخاطِر وقاده إلى استعادة حماسه للذكاء الصنعي، فارتفع الاستثمار في شركات الذكاء الصنعي، لتستولي الشركات السبع العظام 1 على ثلث حجم مؤشر البورصة الخاص بأكبر 500 شركة أميركية في عام 2025، بعد أن كانت حصتها لا تتجاوز 12.5 بالمئة قبل عشر سنوات. كان ذلك بفضل مُقامَرة أطلقها سام آلتمان.
سام ألتمان، بطل من سيليكون؟
لا يوجد ما هو جديد في سيرة سام آلتمان، فقد كان وفقاً للصحافة الأميركية، كأغلب «عباقرة» وادي السيليكون، يستمتع بصيانة الألعاب منذ الثالثة، وتلقى في عيد ميلاده الثامن حاسوباً، وهو ما كان حدثاً غيّرَ حياته. نشأ في شيكاغو في ظلال عائلة مُحِبَّة وميسورة، وإن سلبه الموت والده في عمرٍ مبكّر. بدأ دراسة علوم الحاسوب في كاليفورنيا في كلية ستانفورد المرموقة ولكنه أدرك، شأنه شأن مؤسس فيسبوك مارك زوكربيرج، أن الدراسة ليست ما يجب أن يهدر فيه سنوات عمره. ترك الجامعة وقام بتأسيس تطبيق متواضع النجاح وبيعه، ليستلم بعدها إدارة واحدة من أكثر حاضنات وادي السيليكون بريستيجاً، ما جعله يدخل عالم وادي السيليكون من أوسع أبوابه، رغم تواضع نجاحاته العملية.
تحوَّلَ المديرُ النافذُ إلى أحد أكثر وجوه وادي السيليكون نفوذاً، وازدادت أهمية الشخصيات التي يلتقيها والشركات التي يُساهم في تأسيسها، بل وبدأ كسائر كبار وادي السيليكون بالتفكير في مستقبل الإنسانية برمته، فالتقى في عام 2015 إيلون ماسك، صاحب أكبر ثروات العالم، أحد مؤسسي باي بال والمدير التنفيذي لشركة تيسلا للسيارات الكهربائية وشركة سبيس إكس للأقمار الصناعية وشركة نيورالينك للرقائق المدمجة وغيرها، ليقوما، مع آخرين، بتأسيس شركة غير ربحية للمساهمة في تعزيز الابتكار في مجال الذكاء الصنعي ضمن رؤية «مفتوحة»، بهدف تقليم أظافر كل الانحرافات التي قد يقود إليها هذا النوع من الذكاء ووضعه «في خدمة الإنسانية» على حد تعبير المؤسسين، وهو ما أعطى الشركة اسمها: أوبين أي آي.
ولكن اختلاف وجهات النظر دفعت ماسك لمغادرة الشركة، التي سرعان ما تحولت إلى شركة ربحية بحدود، واستكملت نشاطها في تطوير نماذج الذكاء الصنعي التوليدي. وقد حقَّقَ نَموذجُها اللغوي جي بي تي (GPT) اختراقاً تجريبياً مهمّاً، ما دفع سام آلتمان بعد فترة طويلة نسبياً، على حد تعبير تقرير نيويورك تايمز، إلى إرسال رسالة لموظفي شركته كي يقوموا بتحضير تطبيق للدردشة بالاعتماد على نموذج (GPT 3) الواعد، وهو وإن أثار استغراب موظفي الشركة، نظراً لتقادُم النموذج، فقد تحوّلَ إلى ضربة الشركة القاضية بعد أن أثارت النسخة الأولى من تطبيق تشات جي بي تي ذهول المستخدمين وتحولت إلى خبر مركزي في جميع نشرات الأخبار العالمية.
رغم امتلاكِ عمالقة وادي السيليكون لنماذج ذكاء صنعي توليدي تقارب في كفاءتها نموذج (GPT)، ورغم أن مخابر شركة غوغل هي من قامت بتقديم بنية المحوّلات (Transformers) التي سمحت لنماذج الذكاء الصنعي بتحقيق نقلة نوعية كبرى، بل ورغم إدماج غوغل بعضَ النماذج الصغيرة لهذه التقنية في محرك بحثها منذ سنوات عديدة، ورغم أن مهندساً من غوغل قام بنشر مخاوفه من «الوعي» الذي يمتلكه النموذج الذي يعمل على تجريبه قبل أسابيع من إطلاق تشات جي بي تي، إلا إن غوغل لم تجرؤ على أن تُقدِمَ على الخطوة الأولى في تسويق هذه النماذج، فهذه النماذج ما تزال بحاجة للكثير من التطوير والاختبارات كي تتلافى توليد المعلومات الخاطئة، أو ما يُعرف اليوم بالهلوسة، بالإضافة إلى الحسابات والعواقب والمخاوف والهواجس التي قد يطلقها هكذا مُنتَج على شركة بحجم غوغل.
السهم هو المُنتَج؟
ولكن سام آلتمان بالمقابل لم يَكُن يخاطر بشركة كبرى، ولن يخسر في مُقامرته أي شيء. أطلقَ تطبيقه مقتدياً بشعار فيسبوك «تَحرَّك بسرعة، كسّر بعض الأشياء»، لتتحول تلك المقامرة إلى فرصة سمحت لشركته أن تتحوَّلَ إلى أكبر وعود وادي السيليكون، وأن تبدأ مسارها نحو الانضمام إلى نادي عمالقة التكنولوجيا GAFAM (غوغل، آبل، فيسبوك، أمازون، مايكروسوفت)، إذ تتجاوز القيمة السوقية لهذه الشركة الناشئة اليوم 500 مليار. وما يؤكد «عبقرية» آلتمان أنه بخطوته هذه أجبرَ باقي كبار وادي السيليكون على الاقتداء به، وتجاوزَ مخاوفهم وحساباتهم لِلّحاق بالركب، فمن يقطن في الوادي يعرف بأن المستقبل ينتمي لمن يمتلك سبق الريادة، كما يعرف بأن لا شيء يُحفز الاقتصاد والنمو إلا «الفوضى الخلّاقة» التي تعقب الابتكارات التكنولوجية الكبرى، والتي لا تُدمِّرُ بعض عوالم الاقتصاد إلا لتخلقَ عوالم بديلة، وفقاً لمُنظِّرها الاقتصادي الأميركي النمساوي جوزيف شومبيتر.
بعد قرابة الأربع سنوات على إطلاقه، لا يمتلك التطبيق أكثر من 50 مليون مُشترِك في باقاته المدفوعة، ويبدو أن محاولته لإدماج الإعلانات في أجوبته، ومحاولة الحصول على عوائد من العقود التي يوقعها مع مؤسسات، كالبنتاغون، لن تأتي بالنتائج المالية المرجوة، بل إنها ترتد عليه بنتائج عكسية، ويَتوقَّعُ مُؤسِّسهُ بأنه لن يصل إلى حالة ربحية قبل 2029، ولكن ربحية الشركات ليست ما يصنع قيمتها السوقية، وإنما نموها، فالشركة السيليكونية الناجحة هي الشركة التي تتمكَّنُ من استقطاب رؤوس الأموال للاستثمار في مشاريعها الواعدة، والتي تتمكَّنُ في وقت لاحق من الدخول في البورصة وتحويل سهمها إلى مُنتَجها الأساسي. بكلمات أخرى، القيمة الاقتصادية التي تعني هذه الشركات هي القيمة التي يفرضها سوق المال والبورصة لا حجم حضورها وطبيعته في الاقتصاد الحقيقي، وهو ما قد يُفسر السبب الذي يجعل شركة إنفيديا الشركة الكبرى الوحيدة التي تحقق أرباحاً هائلة من ثورة الذكاء الصنعي الحالي، فهي من ينتهي في صندوقه استثمارات (أوبين أي آي) ونُظرائها على شكل ثمن لرقائق التدريب التي تَحتكر إنتاجها. هذه الآلية تجعلنا نفهمُ أيضاً لماذا تتجاوز القيمة السوقية لشركة تيسلا للسيارات الكهربائية شركة تويوتا مرات عديدة، رغم أن الأولى تكاد لا تبيع مليوني سيارة في الوقت الذي تبيع فيه الثانية أكثر من 100 مليون سيارة.
علاوةً على ذلك، لا تصل كثير من هذه الشركات إلى حالة الربحية إلا بعد سنوات طويلة، وهو ما كان حال شركات كبرى كشركة أوبر (Uber) الشهيرة، والتي لم تحقق ربحيتها إلا بعد 14 سنة من تأسيسها، وهو ما كان حال قسم البيع بالتجزئة لمتجر أمازون، الشركة التي كانت تُموِّلُ متجرها من خدماتها السحابية طيلة سنوات، أملاً بتربية الزبائن وتحطيم الخصوم والوصول إلى حالة شبه احتكارية تسمح لها بفرض قواعد جديدة للعبة وتدشين ربحية غير مسبوقة. وفقاً للمستثمر الشهير وأحد أبرز وجوه وادي السيليكون ومنظريه بيتر تيل، الاحتكارُ أفضلُ من التنافس الذي يقضي على هوامش الربح ويضع الشركات في حالة استنفار تجاري تجعلها عاجزة عن الاستثمار في الابتكار والمستقبل.
رغم هذه النجاحات المذهلة، لا يحظى آلتمان بالشعبية التي يُمكن أن نتوقعها. قد يعود ذلك إلى عدم وجود «الكراج» في قصته. بدأ كثيرون من أساطير وادي السيليكون مشوارهم في كراجات منازل أهاليهم، لينطلقوا من العدم إلى القمة، كحال أسطورة الوادي الأولى، ستيف جوبز، أحد مؤسسي شركة آبل، أو بيل جيتس، أحد مؤسسي شركة مايكروسوفت، أو مؤسس أمازون، عملاق التجارة الإلكترونية والحوسبة السحابية، جيف بيزوس. صحيح أن أهل بيزوس، على سبيل المثال، قد استثمروا في شركته الأولى بأكثر من ربع مليون دولار، وأن أغلب «عباقرة» وادي السيليكون، كحال ألتمان، ينحدرون من طبقة وسطى بيضاء وثرية، وأن «رائد الأعمال الناجح دائماً ما يستفيد من إرثٍ ما» وفقاً للباحث أنتوني جالوزو، صاحب كتاب «أسطورة رائد الأعمال، الوجه الخفي لوادي السيليكون»، إلا أن أسطورة الكراج لا تنطوي على الرغبة في التوكيد على عصامية نجوم وادي السيليكون فقط، وإنما على تلك الأحلام الخيالية والأفكار الغريبة التي بدأت في عتمة الفراغ، وتَقلَّبت بين خُرداواته قبل أن تتحوَّلَ إلى «قصص نجاح» تدخل منازل كل سكان الأرض وتتغلغل في حياتهم اليومية.
أسطورة الكراج شديدة الأهمية لأسباب تاريخية أيضاً، فالكراج الأول الذي أصبح متحفاً اليوم، والذي روَّجَ لهذه الأسطورة، يعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، حيث تأسست أولى نجاحات وادي السيليكون، شركة (Hewlett-Packard)، أو ما يُعرَف اليوم بشركة (HP)، والتي نشأت كشركة حالمة وعنيدة في أرض كاليفورنيا القاحلة، والتي لم يكن فيها وادي السيليكون إلا أطيافَ حلم راودت بعض أساتذة جامعة ستانفورد.
ستانفورد؛ كراج وادي السيليكون الحقيقي
ولكن آلتمان عاشَ تجربة الكراج بشكلٍ ما، فقد أمضى عدة سنوات في جامعة ستانفورد. ممرات هذه الجامعة وقاعاتها هي «الكراجات» الحقيقية، والأرض الصلبة التي نمت فيها الكثير من نجاحات وادي السيليكون. حائط «الأبطال» في حرم الجامعة يشهد على ذلك، فهناك يمكن للطالب أن يستظلَّ بقصص نجاحات طلاب ستانفورد ووجوه مؤسسيها، كمؤسسي HP أو غوغل، ياهو أو سنابشات، نيتفليكس وإنستغرام.
يُمكن للطالب أيضاً أن يدرسَ على يد واحد من 84 جائزة نوبل مرَّت على الجامعة، أو أن يحلم بأن يكون الملياردير رقم 75، ولكن بشروط. أن يكون المرء طالباً في ستانفورد أمرٌ يقتضي أن يكون غنياً، ليتمكن من سداد رسومها التي تقارب 60 ألف دولار، ولديه من الرصيد الاجتماعي ما يسمح بتجاوز بحر متوسطي الغنى الحالمين بتخطي عتبات الجامعة، فلا يكفي أن تكون قادراً على دفع رسوم التسجيل، وإنما لا بد أن تثبت عراقة انتمائك إلى الشرائح الاجتماعية التي تدرس في هذه الجامعة، كأنْ تكون ابناً لطالب قديم. مِنَحُ ستانفورد موجودة أيضاً، وقد تسمح لبعض الفقراء بأن يدرسوا فيها مجاناً. الشرط الوحيد أن يكون في الطالب ما يَشي بالعبقرية.
جاذبية هذه الجامعة، والتي أطلقت عليها مجلة سلات الأميركية لقب «هارفارد القرن الحادي والعشرين»، تجاوزت جاذبية مُنافِسَتها على الساحل الشرقي، لتُصبح أكثر نخبوية منها، فلا تقبل إلا 5 بالمئة من طلبات الانتساب. هذه الجامعة ليست مجرد مركز للتعليم العالي، بل مُلتقىً يسمح لأبنائه ببناء شبكة اجتماعية قادرة على تحقيق أحلامهم المهنية. حاضنة الجامعة، والتي تستضيف كثيراً من الشركات الناشئة التي يؤسسها طلابها، وتقدم لهم الدعم المادي والمعنوي عبر التشبيك والتأهيل، هي واحدةٌ من أرقى الحاضنات في وادي السيليكون وحلمٌ لكثيرٍ من الشباب الذين يبدأون مشاريعهم المهنية. استثمارات الجامعة المُخاطِرة، وعلاقاتها بعمالقة وادي السيليكون، سمحت لها بلعب أدوار مصيرية في أقدار كثير من الأربعين ألف شركة التي أُسِّسَت من قبل طلاب سابقين في ستانفورد.
في أروقة الجامعة مثلاً التقى الشاب بيتر تيل بأحد زملائه ليؤسِّسا شركةً لتبادُل الأموال عبر الإنترنت، وهي الشركة التي ستندمج بشركات أخرى، منها ما أسسه شاب آخر اسمه إيلون ماسك، لتجتمع في شركة باي بال الشهيرة والتي ستشتريها آي باي بما يتجاوز المليار والنصف دولار، وهو المبلغ الذي سيتوزع على ما أطلقت عليه مجلة فوربس «لقب مافيا الباي بال»، المكونة من 19 شاباً، 6 منهم مليارديرات. منهم تيل وماسك، ولكن أيضاً مؤسسي شركات كبرى مثل يلب (Yelp) ويوتيوب ولينكد إن. 16 عضواً من هذه المافيا درسوا إما في ستانفورد أو في جامعة إلينوي.
لعبت إلينوي، وجامعاتٌ نخبوية أخرى كبيركلي، أدواراً مهمة في تطور وادي السيليكون أيضاً، ولكن دور ستانفورد الريادي والتاريخي يمنحها لقبَ العرّاب. فقد قام أحد أساتذتها الأوفياء، فريدريك تيرمان، بتشجيع طلابه في الهندسة الإلكترونية، في ثلاثينيات القرن الماضي، على تأسيس الشركات في كاليفورنيا بدلاً من المغادرة نحو الساحل الشرقي. نجاحات طلابه في شركة (HP) أطلقت ديناميةً شجعت أعداداً أكبر على البقاء وتأسيس شركاتهم، لتتحوَّلَ المنطقة إلى واحدة من مجامع الصناعة الإلكترونية، وهو ما منحها اسمها في خمسينيات وستينيات القرن نظراً لاستخدام السيليكون في صناعة الترانزستور، الصناعة التي انطلقت على يد فريدريك تيرمان، البروفيسور في ستانفورد والحائز على جائزة نوبل للفيزياء. فيما بعد، قامت شركات كبرى كإنتل بالاستثمار في المنطقة وتعزيز صورتها وجاذبيتها. عوامل أخرى ساهمت في زيادة جاذبية المنطقة، أهمها استثمارات وزارة الدفاع الأميركية في القطاع التقني الناشئ، وإنشاءُ كثير من المشاريع العسكرية الكبرى في المنطقة، كمشروع شبكة الإنترنت مثلاً، والدعم السياسي والتشريعي من الطبقة السياسية الحاكمة في كاليفورنيا، والتسهيلات التي قدمتها المقاطعة للكفاءات المهاجرة التي طالما لعبت دوراً مهماً، والتي تُقارِبُ اليوم نصف عمال التقانة في الولايات المتحدة.
ولكن وادي السيليكون يَدينُ أيضاً لنوع آخر من خريجي ستانفورد، أبرزهم ستيورات براند، والذي درسَ البيولوجيا والتصميم والتصوير الفوتوغرافي، والذي عمل مظلياً في الجيش، والذي قضى جُلَّ حياته وهو يُحاول نسج شبكة اجتماعية تُصالِحُ عوالم الهيبيز والثقافات المضادة التي نشأت في كاليفورنيا الستينيات، عقب حركة الحقوق المدنية التي احتضنتها جامعة بيركلي القريبة، مع عوالم التكنولوجيا، مُؤكِّداً أن هذين العالمين يشتركان في عشقهما للفردانية والجماعات الصغيرة أو الكوميونيتيز والابتكار، كما يشتركان في كراهية البيروقراطية والدولة، بل ودافعَ علمياً عن الأطروحة التي تعتبر بأن مخدرات الهلوسة التي تَشيعُ في تجمعات الهيبيز هي تكنولوجيا قد تساعد مطوري التكنولوجيا على تغذية مخيالهم وتعزيز جموحه، وبأن الفضاءات الأكثر تَحرُّراً ليست ما يبنيه الهيبيز وإنما ما تَعِدُ التكنولوجيا ببنائه. كان لبراند ارتباطاته أيضاً بعوالم الأعمال والدولة ووزارة الدفاع، وكان مهووساً بتشبيك هذه العوالم وتعزيز أواصرها سواء عبر منتدى The WELL الذي أسَّسه عام 1985، والذي يمكن اعتباره أحد أوائل المنتديات الإلكترونية، أو عبر اللقاءات التي جمع فيها كل أجيال الهاكارز في كاليفورنيا، ليكون الأب الحقيقي ليوتيوبيا تقانوية، تعتقد بأن الفضاءات المحكومة بالتكنولوجيا يمكن أن تساعدنا على تجاوز السياسة والصراعات الاجتماعية، ويكون أحد العقول وراء الصورة الجذابة والتحررية التي رافقت التكنولوجيا الرقمية طوال عقود.
صحيحٌ أن قصص أبناء وادي السيليكون وستانفورد تمنح هذه المنطقة بُعداً أسطورياً، إلا أن حياة قاطني الوادي أكثر تعقيداً من الصورة التي تريد هذه الشخصيات والمؤسسات ترويجها. فنجوم وادي السيليكون، الذين يُقارب عددهم ثلاثة آلاف، يعيشون في منطقة يعمل فيها قرابة ثلاثة ملايين شخص. ومن يحلم بتأسيس موضع قدم في المنطقة الأغلى في العالم، والانضمام إلى نادي النجوم، «لا بد له من العمل ليل نهار، بصحبة أشخاص مناسبين، للاستحواذ على خبرة عالية في مجالات التقانة والتنظيم. ولكن لا بد له أيضاً من الحظ الكثير للبقاء!»، وهو ما تؤكده الأرقام، فمتوسط عمر مُؤسِّسي الشركات في وادي السيليكون هو 45 عاماً، أي ضعف العمر الذي حقَّقَ فيه أشخاص مثل زوكربيرغ وجوبز أول نجاحاتهم. كما أن معدلات نمو الشركات وانكماشها عالية جداً، و90 بالمئة من الشركات المنشأة لا تعيش لترى شمعة عيد ميلادها الخامس. بالإضافة إلى أن ما قد يعتبره أغلبنا نجاحاً قد لا يكفي في هذا الوادي للحصول على السعادة، فالكثير من أصحاب الملايين في هذا الوادي يشعرون بحالة من عدم الاستقرار وقد يعانون من الاحتراق الوظيفي، وفقاً لأحد تقارير نيويورك تايمز.
عالمٌ من (جيك) وحكايا الخيال العلمي
وإن كان من المُعتاد التفكير بالمجتمعات وفقاً للطبقات الاجتماعية أو الانتماءات الدينية أو غيرها من الانتماءات التقليدية، فإن وادي السيليكون يسمح بإضافة نوع جديد من الانتماءات، بين (جيك) و(نيرد) و(دورك) و(دويب) وغيرها. يمتلك الجيك الكثير من الشغف والذكاء والتأهيل العلمي، ولكنه يمتلك أيضاً الذكاء الاجتماعي الذي يسمح له بتسويق ابتكاراته. وقد لا يُشكل الجيك أغلبيةً في وداي السيليكون إلا أنهم الوجوه الأكثر لمعاناً فيه، وهم من يُثيرون غيرة النيرد، الذين يشتركون معهم في نعمة الذكاء الرياضي والشغف والتأهيل العلمي الممتاز، ولكنهم يفتقدون للذكاء الاجتماعي الذي يسمح لهم بابتكارات قادرة على تحقيق صدىً اجتماعي، فينتهون إلى تأسيس شركات رائدة بأفكار غريبة، غالباً ما تنتهي بالإفلاس في سنواتها الأولى. منهم من يحاول دراسة قمامة المستخدمين لتوعيتهم بعواقب أنماطهم الاستهلاكية. ومنهم من يبتكر فراشي أسنان متصلة لتسجيل عادات المستخدم في نظافة أسنانه.
ستيف جوبز، الكارزماتي، يُمثّل التجسيد الأكثر نقاءً للجيك والطموح الذي يحلم به الجميع. زوكربيرغ يبدو بدوره أقرب لنيرد محظوظ، بل وقام بعض الصحفيين بإخضاعه لاختبار للتأكد من أنه ليس روبوتاً. بيل جيتس يبدو في مقامٍ وسيط بين الاثنين. سام آلتمان يبدو كذلك أقرب إلى نسخة باهتة من ستيف جوبز. بدوره، يبدو إيلون ماسك أقرب إلى حالة خاصة، فهو يمتلك الشغف والذكاء الاجتماعي، ولكن الشروط القاسية التي تربّى فيها جعلته يبدو وكأنه يكره الآخرين ويرغب في إذلالهم، ليكون ذلك الجيك الذي يحملُ في قلبه أوجاع أبناء عمومته من النيردات ويريدُ الانتقام لهم.
فيلم «الشبكة الاجتماعية»، والذي يستعرضُ تجربة تأسيس زوكربيرج لفيسبوك وتَحوُّله إلى ملياردير قبل بلوغ الخامسة والعشرين، يأتي ليُضيء على هذه العوالم النفيسة الفريدة التي ينحدر منها هؤلاء. يتشابه أغلبهم في غرابة أطواره، بل وفي اعتدادهم بغرابة أطوارهم وهو ما تشهد عليه طقوس ستيف جوبز في المَلبس والمَأكل، والتي تحولت إلى موضات عالمية، أو شخصية بانكمان فرايد، ملك العملات المُشفَّرة النصَّاب، الذي وصلت ثروته إلى 26 مليار دولار قبل أن تنهار وينتهي في السجن، والذي «احتال وأخذ المال» دون أن يكون السبب جشعه، «لأنني كنت أراه كل يوم يرتدي قمصاناً قديمة من دون حذاء، ويقود سيارة مهترئة».
في جميع الأحوال، يتفق كل من الجيك والنيرد والدورك والدويب على عشق الخيال العلمي، ولا يمكن فهم أبطال السيليكون دون التجوال في المناخات التي تخلقها ملاحم هذا الخيال. قرأ وحضر أغلبهم، ولمرات عديدة جداً، أفلام الأبطال الخارقين وستار تريك وثلاثية ملك الخواتم وحرب النجوم والماتريكس، وغيرها من الروايات المليئة بالأفكار المبتكرة والأفلام الحاشدة بالمؤثرات البصرية الثورية. قرأ بيتر تيل ثلاثية ملك الخواتم أكثر من عشر مرات، وكان لصوت الذكاء الصنعي في فيلم (Her) الشهير دوراً كبيراً في حياكة مخيال سام آلتمان عن الذكاء الصنعي الذي يُريد تطويره. مارك زوكربيرج بدوره، خسر أكثر من عشرة مليارات دولار في مشروع ميتافيرس، الفاشل حتى اللحظة، والذي أراد من خلاله تحويل رواية سنو كراش إلى حقيقة. لاحقَ كل من إيلون ماسك وجيف بيزوس أحلامهما في غزو الفضاء، فأسَّسا أكبرَ الشركات الخاصة العاملة في هذا مجال، ولاحق بيتر تير حلمه في بناء مدن عائمة فوق المحيط إلى أن اصطدمت بصعوبات تقنية. والأهم من كل ذلك، شركة آبل التي بنت مقرَّ شركتها على شكل خاتم كأنما تقول بأنها ملكُ الخواتم الحقيقي، على اعتبار أن الذي يمتلك الخاتم الأكبر يُسيطر على باقي الخواتم، وفقاً للملحمة الشهيرة.
تنطوي هذه الملحمة، وأغلب ملاحم الفانتازيا والخيال العلمي الكبرى، على مجموعة من الثيمات التي تجد الكثير من الصدى في عقول أبطال السيليكون. تتمحور أغلب هذه الأعمال حول مجموعة من الشباب، الذكور غالباً، والذين يعيشون في عوالم شديدة الاسترخاء والسكينة، كعوالم الهوبيت في ثلاثية ملك الخواتم. يتشابه في هذه العوالم الجميع، ويَبدون رغم مرحهم نُسَخاً قليلة الطموح وفاقدة للخيال ومُوحية بالملل، بما يُذكِّرُ بعوالم الطبقات الوسطى البيضاء الأميركية. بالمقابل، تنفرد هذه العصبة بأحلامها وخيالها، وتقوم بمغامرات كبرى تُغادر من خلالها عالمها المُقولَب المُمل نحو عوالم جديدة ومثيرة، لتنتهي في الفضاء أو البحور كما تنتهي بتحولهم في نهاية المطاف إلى أبطالٍ خارقين.
يجدر بالذكر بأن هذه الرغبة بالمجد والبطولة الخارقة لا تتوقف عند أحلام إنقاذ العالم ولا تصدر عن بنى نفسية ساذجة، وإنما تنطوي أحياناً على دوافع انتقامية لذوات نرجسية جريحة، عاشت في بعض الحالات بعض فصول التهميش والإذلال في طفولتها، وباتت تشعر بأن الآخرين يحسدونها على ذكائها ونجاحاتها، وهو ما يقودها أحياناً إلى تطوير بعض المظلوميات – وهو ما يظهر جلياً في العديد من تصريحات زوكربيرج – أو الاستثمار في مشاريع انتقامية، كقيام بيتر تيل، مؤسس دورية ستانفورد المُحافِظة، بإنفاق أموال طائلة لمعاقبة الموقع الصحفي الذي كشف مثليته الجنسية، الأمر الذي انتهى بإفلاس الموقع.
التكنولوجيا هي الحل؟
على صعيد الخطاب، لا تهدف مغامرات أبطال السيليكون إلا إلى «تحويل العالم إلى مكان أفضل»، اللازمة التي يرددها أبطال مسلسل «وادي السيليكون» بشكل فكاهي، وهو ما تطوّرَ تدريجياً ليتحوَّلَ إلى إيديولوجيا مُرتكِزة على مقولة «التكنولوجيا هي الحل». وفقاً لهذه الرؤية، كل مشاكل الكوكب تقريباً يمكن أن تجد لها حلاً في التكنولوجيا. تكنولوجيا الاندماج النووي يمكن أن تقوم بحل مشاكل الاحتباس الحراري، وأن تتحول إلى مصدر لا ينتهي لطاقة وفيرة ونظيفة. المدن الذكية، التي تقوم حواسبها بتحليل البيانات التي تصدر عن كل شيء فيها، هي مستقبل العمران والاجتماع وهي ما سيسمح بتوفير أفضل الحلول في مجالات الصحة والتعليم والعمل، وما سيسمحُ بالعيش في البحبوحة وفي استغلال موارد الكوكب بالطرق المثلى. التحليل الخوارزمي للجينوم الإنساني قد يسمح بقهر الموت، أو على الأقل بالانتقال في تكنولوجيا إطالة العمر نقلات نوعية يصبح الموت بفضلها خياراً لا قدراً. وإن كان هناك من يدّعي بأن هذه الحلول تقتضي الكثير من النفايات النووية والحوسبة ومراكز البيانات والطاقة وبأنها ليست إلا رغبةً بالهروب إلى الأمام فالجواب جاهز: الحوسبةُ الكوانتية ستُحقِّقُ وعدها ذات يوم لتحل محل الحوسبة التقليدية وتخفض كلفتها، والنفاياتُ النووية يمكن ترحيلها إلى الفضاء و …إلخ.
وإن كانت بعض هذه الحلول تنتمي إلى الخيال العلمي أكثر ممّا تنتمي إلى العلم، وإن كان أكثرها جدّية غير قابل للتحقق هذه الأيام ويُلاقي الكثير من التحدّيات، حتى أن بعض الشركات المستثمرة فيه تستسلمُ لفشلها، كتخلّي شركة آبل عن الاستثمار في سيارتها الكهربائية ذاتية القيادة بعد أن أنفقت سنوياً ما يقارب المليار دولار على المشروع، فإن الاختراق الذي حققته النماذج اللغوية الهائلة، LLMs، والتي بات نموذج جي بي تي أبرز أمثلتها، جاءت لتنفض الرماد عن جمر هذه الأحلام وتُعيد إشعال جذوتها، وتبرهنَ على مشروعية حلم الوصول إلى ذكاء صنعي الشامل «General artificial intelligence»، قادر على المضي بنا إلى مرحلة الذكاء الفائق «Superintelligence»، وعلى تدشين البداية الحقيقية لمرحلة العبور الإنساني (Transhumanisme)،2 بما لا يسمح لنا بالاندماج مع الآلة فقط، وإنما قد يحررنا من أجسادنا لنعيش في عوالم الأبدية.
يبدو الكلام العابر أقرب إلى كلام إنشائي حالم، ولكن مجرد التدقيق في صفحات الويكيبيديا لشركات وادي السيليكون المعروفة سيجعلنا نُدرك بأنها مشاريعُ يجري استثمار المليارات فيها، ومنذ سنوات طويلة. يظهر ذلك جلياً في شركة (SpaceX) التي أسسها إيلون ماسك، والتي يُشكل استكشافُ المريخ أحد مسارات عملها، أملاً باستيطانه، فالاستيطان ديدنُ الأميركي كما يعتقد ماسك. يشهد على ذلك أيضاً بروتوكول برايان جوهانسون الذي يُطبِّقه على جسده، والذي يُباطِئ هرمه بمعدل 70 بالمئة، واستثماراته في تكنولوجيا إطالة عمر الإنسان أملاً بقهر الموت، كذلك هوس واستثمارات شركة غوغل ومؤسسيها في مشاريع العبور الإنساني، وتوظيفهم لعرّاب العبور الإنساني كمسؤول لقسم الهندسة في شركتهم، كتكريم لهذا العقل الذي تنبأ، قبل الجميع، بقيام الذكاء الصنعي بتجاوز اختبار تورنغ في عام 2029، وهو ما تَحقَّقَ قبل ذلك بسنوات، والذي تنبأ أيضاً بوصول الإنسانية إلى الذكاء الصنعي الشامل في عام 2045. أو حتى العدوى التي ينقلها هؤلاء إلى ملوك الخليج الشباب، والتي كان مشروع إنشاء مدينة نيوم السعودية أحدها.
لا تجد هذه الرؤية الإيديولوجية تجسيدها في عشرات المليارات التي ينفقها ملياريديرية وادي السيليكون على مشاريعهم وأحلامهم فحسب، بل إنها تحولت ومنذ سنوات إلى إيديولوجيا واعية بذاتها، وهو ما يعبر عنه مارك أنديرسين. يُقدِّمُ هذا الملياردير، والذي اكتسب شهرته وثروته الأولى عبر برمجته لمتصفح الإنترنت المبكر نيتسكيب، رؤيته في «مانيفستو التفاؤل التكنولوجي»، ويلخص فيها قناعاته المتفائلة بقدرة التكنولوجيا على تقديم الحلول اللازمة لمشاكل الاجتماع الإنساني، وضرورة ارتكاز هذا الاجتماع على مبدأ السوق الحرة، فهذه السوق الحرة هي ما يسمح بالابتكار وذلك هو ما يحفّز النمو الاقتصادي اللازم لأي مجتمع قوي.
خلال أول عقدين من القرن الواحد والعشرين، كان لهذه القناعات حضورٌ ليبراليٌ ناعم، بل وكان أغلب أثرياء وادي السيليكون من داعمي الحزب الديمقراطي، وكانت شركاتهم من أشد الداعمين لقضايا الأقليات الجنسية والثقافية الغالية على قلوب الديمقراطيين، وكان هدفهم دفع الدولة نحو التَحوُّل إلى Start up nation، وهي الصيغة التي تُفاخِر إسرائيل بتبنيها والتي تُثير شهية إيمانويل ماكرون، عاشق التكنولوجيا ووادي السيليكون وأحد الوجوه السياسية الأكثر نموذجية لما يسمى إجماع وادي السيليكون.
ولكن اليوم، وبعد نجاحات النماذج اللغوية واحتدام التنافس الأميركي الصيني، لم يعد الكثير من مليارديرية وادي السيليكون من بين أشد الداعمين لترامب فحسب، بل وانضمُّ كثيرون منهم إلى فريقه. أنديرسين، الذي لطالما تبرَّعَ لمُرشَّحي الحزب الديمقراطي من بيل كلينتون إلى هيلاري مروراً بباراك أوباما، أصبح مستشار ترامب الرسمي، ليكون مع صديقه بيتر تيل، المستشار غير الرسمي وعرّاب نائب الرئيس جي دي فانس، القاطرةَ التي تدفع ترامب نحو ما يحبون تسميته بالرأسمالية التقنية، وما يُسميه بعض معارضيها بالفاشية التقنية.
موقع الجمهورية



