سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعصفحات الحوار

جمال باروت في “شهادة للتاريخ”.. خفايا الصدام الدموي بين الطليعة المقاتلة والسلطة

2026.04.10

في حوار اتسم بالعمق التاريخي والجرأة في النقد الذاتي، استضاف برنامج “شهادة للتاريخ” الذي يقدّمه الإعلامي والروائي إبراهيم الجبين عبر شاشة تلفزيون سوريا، الباحث والمؤرخ السوري محمد جمال باروت.

ولم تكن الحلقة مجرد سرد لذكريات شخصية، بل كانت تشريحاً سوسيولوجياً وفكرياً لمرحلة من أعقد مراحل التاريخ السوري الحديث، وتحديداً تلك التي شهدت الصدام الدامي بين السلطة و”الطليعة المقاتلة”.

وبدأ باروت حديثه بالعودة إلى جذوره في مدينة حلب، وتحديداً حي “الكلاسة” الشعبي، واصفاً إياه بـ “قلب الحركة السياسية”.

وأكد باروت أن جيله لم يكن يقرأ للتسلية، بل كان يمتلك “عطشاً معرفياً” قاده إلى المراكز الثقافية حيث قرأ “أصل الأنواع” لداروين وكتباً في التربية الجنسية المعاصرة مثل “أطفال تحت الطلب”.

وأشار إلى أن جيل المواليد ما بين 1958 و1963 كبر “بشكل مفاجئ” نتيجة زخم الأحداث السياسية (الانفصال، صعود الناصرية، ثم انقلاب البعث)، مما جعل الوعي بالقضايا العامة يسبق النضوج العمري.

“الطليعة المقاتلة” والصدام الدامي.. تشريح الانشقاق

توسع باروت في شرح ظاهرة “الطليعة المقاتلة” كأحد أخطر مظاهر الراديكالية السورية، موضحاً أن الطليعة كانت “تنظيماً مقلوباً” عن تنظيمات اليسار الجديد؛ حيث تبنت الكفاح المسلح والعنف الثوري والعمل السري بعيداً عن العمل الدعوي التقليدي للإخوان المسلمين.

وكشف باروت أن الطليعة تعمدت منذ بدايتها استخدام “تكتيك طائفي” عبر استهداف ضباط من لون طائفي معين لتسعير الفتنة، وهو ما اعتبره أخطر ما هدد (ولا يزال يهدد) المجتمع السوري القائم على التنوع.

وأشار إلى أن خطاب الطليعة في نشراتها كان يحرض بشكل علني على الصدام الطائفي، مما أخرج الصراع من إطاره السياسي إلى إطار وجودي مدمر.

المثقف في سوريا بين “الكلمنجية” وحمل المسدس

روى باروت تفاصيل صادمة عن حياة المثقف السوري في مطلع الثمانينيات، حيث أكد أنه اضطر في بدايات الثمانينيات لحمل المسدس لحماية نفسه، واصفاً تلك الفترة بأنها شهدت “عنفاً لفظياً وهيمنة شعبوية” مهدت للعنف الجسدي.

وسخر باروت من جيله الذي كان يتحدث بيقين عن “كتاب رأس المال” لكارل ماركس، بينما الحقيقة أن الغالبية العظمى منهم لم يقرؤوا الكتاب فعلياً، بل استخدموا مفاهيمه كأدوات للجدل أو ما أسماه “الكلامولوجيا” (أي الكلام الانفعالي السطحي المغلف بلبوس العلم).

مدرسة ياسين الحافظ.. “الفوات الحضاري”

أفرد باروت مساحة واسعة للحديث عن المفكر الراحل ياسين الحافظ، الذي اعتبره ملهم جيله، إذ تميز الحافظ بكونه مفكراً “نقدياً” يتجاوز منتجاته باستمرار، وهو من أدخل مفهوم “التلازم بين النضال القومي والاشتراكي”.

كما طرح الحافظ سؤالاً جوهرياً لماذا تأخر العرب وتقدم غيرهم؟ ووجد أن المشكلة في “الفوات الحضاري”؛ أي أن المجتمعات السورية والعربية قفزت فوق مراحل ضرورية (مثل المرحلة الليبرالية والديمقراطية البرجوازية) مباشرة إلى “الديمقراطية الشعبية” المشوهة.

واعتبر الباحث والمؤرخ السوري محمد جمال باروت أن ياسين الحافظ كان يرى أن النخبة (أو الطليعة بوعيها التاريخي) هي المنوط بها ردم فجوة الفوات، لكن هذه النخبة اصطدمت لاحقاً بجدار الاستبداد.

السبعينيات.. الازدهار تحت سقف التسلط

قدم باروت قراءة اقتصادية واجتماعية مغايرة لفترة السبعينيات، ووصف الفترة بين 1971 و1981 بأنها مرحلة “النمو الاقتصادي العظيم” (بمعدل 10.5%)، حيث تم بناء شبكات الطرق والجامعات وتحقيق “ديمقراطية التعليم”.

وميز باروت بين “حافظ الأسد الأول” الذي بنى الجبهة الوطنية التقدمية والمؤسسات، وبين “حافظ الأسد الثاني” الذي تحول بعد عام 1973 وصراعات الثمانينيات إلى “التوتاليتارية الكاملة” والرمزية المطلقة (الأبدية).

وأشار الباحث والمؤرخ السوري إلى مفارقة هامة؛ وهي أن مؤسسات الدولة الثقافية (رغم تسلط السلطة) كانت تنتج ثقافة “مضادة” للاستبداد، لأن السلطة أممت الإعلام لكنها فشلت في تأميم العقل الثقافي (الرواية، الفن التشكيلي، الترجمة).

جيل التجربة المرة

ختم باروت شهادته باستعادة عنوان كتاب منيف الرزاز “تجربة مرة”، ليصف حال المثقفين السوريين الذين انتهوا إلى “مذكرات الهزيمة” (كما فعل رياض المالكي وهاني الفكيكي وأحمد عبد الكريم).

وأكد أن هذا الجيل عاش فجوة هائلة بين “المثال” (الثورة والوحدة والاشتراكية) وبين “الواقع” (الاستبداد والصراع الدموي)، مما ولد شعوراً جماعياً بالإحباط أدى ببعضهم إلى مغادرة العمل السياسي نحو الحقول البحثية والأدبية الصرفة.

شهادة للتاريخ

وأطلق تلفزيون سوريا في كانون الأول 2025، برنامج “شهادة للتاريخ”، الذي يقدّمه الإعلامي والروائي السوري إبراهيم الجبين، في تجربة حوارية – توثيقية تسعى إلى مقاربة التجربة السورية من زواياها السياسية والاجتماعية والفكرية، عبر شهادات مباشرة لشخصيات لعبت أدوارًا محورية في تاريخ سوريا الحديث، أو كانت شاهدة على تحولات مفصلية أسهمت في رسم مسار البلاد.

وينطلق البرنامج من قناعة أساسية مفادها أن فهم الحاضر واستشراف المستقبل لا يمكن أن يتحققا من دون قراءة معمّقة للتجربة الماضية، بعيدًا عن السرديات الجاهزة أو التوظيف السياسي الآني، وبالاعتماد على الشهادة الحية بوصفها وثيقة تاريخية لا تقل أهمية عن الأرشيف المكتوب.

سردية بصرية للتجربة السورية

يعتمد برنامج “شهادة للتاريخ” على أسلوب حواري سردي عميق، يضع الضيف في قلب التجربة، لا باعتباره محلًا للواقع فحسب، بل شاهدًا وفاعلًا في لحظات تاريخية مفصلية. وقد جرى تصوير حلقات البرنامج في مواقع ذات دلالة تاريخية وثقافية، من بينها قلعة دمشق، وبيت نزار قباني، وبيت خالد العظم، والمكتبة الظاهرية، بما يضفي على الحوار بعدًا بصريًا يعزز من قيمة الشهادة ويمنحها سياقها المكاني والتاريخي.

ويُدعَّم الحوار، عند الحاجة، بالوثائق والصور الأرشيفية، بما يعزز الطابع التوثيقي للبرنامج، ويساعد المشاهد على فهم المرحلة التاريخية وظروفها السياسية والاجتماعية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى