كيف عرفوا كل ذلك؟/ سلمان عز الدين

8 أبريل 2026
ينتقد كثيرون توجهات الحكومة ومخططاتها. يقولون إنها ذاهبة إلى تغيير ملامح أمور ورسم وجه جديد لأمور أخرى، وزرع مفاهيم جديدة في أشياء ونزع مفاهيم راسخة من أشياء. تمضي في طريق خطير نحو هذا الشكل من الاقتصاد وتتراجع عن ذلك الشكل. وهي في النهاية تريد الوصول إلى مجتمع على هذه الصورة ونظام سياسي على ذلك المنوال ودولة بتلك المحددات.
وتبدو هذه الانتقادات باهرة، ليس لشجاعة المنتقدين وحسهم بالمسؤولية وضرورة المجابهة، بل لسبب آخر تمامًا، وهو قدرة هؤلاء على معرفة ماذا تريد الحكومة حقًا وإلى أين تنوي الذهاب. كيف استطاعوا وضع يدهم على تلك “المحددات”، وهذه “الملامح” وذلك “الشكل” وتلك “الصورة”؟!
سيكون غريبًا ذلك الجواب الذي يقول: “من خلال مراقبة أداء الحكومة”، ذلك أن مراقبة أداء الحكومة لا يتيح أي استنتاج محدد نستطيع البناء عليه، فعلى الأرض تحدث أشياء قليلة لا تصلح لتكون قاعدة للدراسة واستخلاص النتائج، وبالمقابل فثمة أقوال كثيرة كثيرة، تطلق إشارات في كل اتجاه، وتحضر فيها كل نماذج المعمورة تقريبًا، من سنغافورة وكوريا الجنوبية حتى أفعانستان.
ويمتلك مسؤولو الحكومة براعة متناهية في الإيحاء بالعمل، بأن الأمور تجري بسرعة تبعث على الدوار، فيما يبين فحص الواقع أن الأمور تزحف ببطء شديد، بل إن بعض الأمور لا تجري أصلًا.
وعلى أحد خطوط المواصلات في ريف دمشق، منذ سنوات بعيدة، اشتهر باص أبو عماد. كان الباص عتيقًا مترهلًا، وكان أبو عماد يساير باصه فيمشي ببطء شديد، فضلًا عن أنه يملك، هو نفسه، مزاجًا متأملًا يفضل التريث. فكانت المسافة التي تقطعها الباصات الأخرى بساعة تحتاج من هذا الباص الرائق ثلاث ساعات. وعندما تعلو أصوات الركاب بالاحتجاج والمطالبة بالسرعة، كان أبو عماد يستجيب فورًا، دون أن يمسك مقبض السرعة أو يدوس على دواسة الوقود. فقط يأخذ في الاهتزاز يمينًا ويسارًا، إلى اعلى وأسفل، متشبثًا بالمقود على هيئة شوماخر. وفيما كان الباص يستمر بزحف السلحفاة كان أبو عماد يبدو نسرًا محلقًا.
واستنتج بعض المسؤولين الاقتصاديين أن ميدان الإنجاز الأساس يجب أن يكون في الاقتصاد، منطلقين من مقدمات لا بد أن تحوز على إجماع أو شبه إجماع. فعندما تدور عجلة الاقتصاد تدور معها عجلة الحياة برمتها، وتُكنس الكثير من الاستعصاءات والمشكلات الجانبية، وتجد الاحتقانات والتوترات متنفسًا صحيًا لها، ثم إن هذه البلاد أطالت المكوث في أحضان الأيديولوجيا والشعارات الفارغة، وآن لها أن تشمر عن سواعدها وتنتقل إلى العمل.
غير أن هؤلاء المسؤولين وقبل أن يقوموا بوضع الخطط وإعداد البرامج وتحديد الأهداف، وصلوا بسرعة إلى النتائج العظيمة، وذلك عبر أسلوب بسيط: إنجاز أرقام باهرة على الورق، معدلات نمو هائلة يحسدنا عليها أكثر الاقتصادات نموًا في العالم.
ولكن ما جدوى ذلك في ضوء تلك المقولة الشائعة: “الشعب للأسف لا يزال بحاجة إلى أكل الخبز، ولم يتوصل بعد إلى طريقة لأكل معدلات النمو”؟!
الترا سوريا



