اتفاقية الشراكة السورية الأوروبية 1978.. كيف بدأ التعاون المشترك بين الجانبين؟/ باسل المحمد

2026.04.22
يعود ملف التعاون السوري–الأوروبي إلى الواجهة من جديد، بعد إعلان مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، عن قرار التكتل الأوروبي استئناف برنامج التعاون مع سوريا، الذي كان معلّقاً منذ عام 2011، إلى جانب مقترح إعادة تفعيل اتفاقية الشراكة السورية–الأوروبية الموقعة عام 1978، والتي شكّلت على مدى عقود الإطار الناظم للعلاقات بين الجانبين.
وتعدّ هذه الاتفاقية واحدة من أقدم الأطر المؤسسية التي أرست قواعد التعاون الاقتصادي والتجاري بين سوريا والاتحاد الأوروبي، وأسهمت في دعم مسارات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز التبادل التجاري في مراحل مختلفة من العلاقة بين الطرفين، قبل أن تتوقف عملياً مع اندلاع الأزمة السورية.
يستعرض هذا التقرير جذور اتفاقية الشراكة وتطورها التاريخي، والظروف التي أحاطت بتجميدها، إضافة إلى دلالات الحديث الأوروبي الجديد عن إعادة تفعيلها في السياق السياسي والاقتصادي الراهن.
ويعتمد هذا التقرير على بيانات ومعلومات مستمدة من الموقع الرسمي للاتحاد الأوروبي، إلى جانب عدد من المواقع والتقارير الاقتصادية المتخصصة، بهدف تقديم قراءة دقيقة لمسار التعاون بين الجانبين منذ انطلاقه حتى المرحلة الحالية.
تاريخ الاتفاقية
سعت سوريا والاتحاد الأوروبي إلى بناء شراكة اقتصادية منذ سبعينيات القرن الماضي. فتزامناً مع سياسة أوروبا المتوسطية (عملية برشلونة)، وُقّعت اتفاقية التعاون الاقتصادية بين سوريا والمجموعة الاقتصادية الأوروبية في 18 كانون الثاني 1977 (دخلت حيز التنفيذ في 1 تشرين الثاني 1978).
وقد مثّلت هذه الاتفاقية إطاراً قانونياً لتنظيم العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الطرفين، وهدفها العام تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري.
وعلى الرغم من عدم التزام سوريا آنذاك بمستوى الحريات السياسية في البلاد، فإن الاتحاد الأوروبي حافظ على علاقات تجارية معها، من دون أن يربطها بالتزام بتحسين الحريات العامة. من أمثلة التعاون قبل 2011، انضمام سوريا عام 2008 إلى “الاتحاد من أجل المتوسط” وإطلاق حوار سياسي واقتصادي، وإعداد اتفاقية شراكة جديدة (اتفاقية تبادل حر ابتدعت عام 2009، لكن لم تُصدق عليها سوريا).
أبرز بنود الاتفاقية توسيع التجارة الحرة: إذ منحت المادة الثانية مزايا تفضيلية للمنتجات السورية (لا سيما الزراعية) عند دخول السوق الأوروبية، بما في ذلك إلغاء الرسوم الجمركية على معظم الصناعات السورية ومنع فرض القيود الكمية (حصص) على التجارة بين الجانبين.
كما هدفت إلى تخفيض تدريجي للمعوقات التجارية الأخرى. وفضلاً عن التجارة، تضمن الاتفاقية التعاون التقني والتنمية: فوضعت مواد مخصصة للتعاون في الزراعة والصناعة والبنية التحتية، ونصت على تقديم مساعدات مالية (قروض ومنح) لتطوير الاقتصاد السوري عبر مؤسسات أوروبية ومع البنك الأوروبي للاستثمار. كما أنشأت الاتفاقية آلية مؤسسية مشتركة (مجلس تعاون مشترك) لمتابعة التنفيذ وحل النزاعات.
على مدى ثلاثة عقود (حتى 2011)، نفذت سوريا مع الاتحاد الأوروبي العديد من البرامج التنموية والاستثمارية. وعزز فتح الأسواق الأوروبية (بإلغاء التعريفات الجمركية) صادرات سورية مهمة مثل النسيج والغذاء والمنتجات الزراعية.
كانت نتائج ذلك إيجابية، فبحلول عام 2010 بلغ إجمالي التجارة بين سوريا والاتحاد الأوروبي نحو 7.18 مليارات يورو (26.4% من تجارة سوريا العالمية)، مما جعل الاتحاد أكبر شريك تجاري لسوريا، وقد شملت مشاريع مشتركة دعماً تقنياً واستثمارياً (مثل تحديث البنى التحتية، وتنمية الصناعة الغذائية والزراعية)، وذلك بحسب الموقع الرسمي للاتحاد الأوروبي – قسم العلاقات التجارية مع سوريا.
أهمية الاتفاقية لسوريا
ترى مواقع اقتصادية سوريا أن اتفاقية التعاون 1978 كانت حجر الزاوية في العلاقات السورية–الأوروبية لعقود، لما تضمنته سياسياً واقتصادياً واجتماعياً:
سياسياً: وفّرت قناة رسمية للتواصل مع سوريا، رغم الخلافات السياسية. استُخدمّت كقناة لتشجيع الحوار، وأُرفق معها في سنوات لاحقة برامج سياسية مدعومة من الاتحاد الأوروبي (كوثيقة الشراكة الوطنية 2007–2013) لإصلاحات سياسية واجتماعية. وبإبقاء الاتفاقية قاعدة قانونية للتعاون، أتاح الاتحاد الأوروبي للحكومة السورية ملاذاً دبلوماسياً في أيام العزلة الدولية.
اقتصادياً وتجارياً: فتحت الاتفاقية الأسواق الأوروبية أمام الصادرات السورية، فحظيت مُصنّعات سورية (غذائية ونسيجية وصناعات خفيفة) بإعفاءات جمركية كبيرة. بالمقابل، شجّعت الاتفاقية الاستثمارات الأوروبية في سوريا عبر ميزات قانونية وضمانات تشجيعية، ومعاهدات حماية الاستثمار التي أبرمت لاحقاً. كما عزّزت اتفاقية 1978 الدفع بإصلاحات بيروقراطية وإدارية ضرورية لجذب الاستثمار الأجنبي.
اجتماعياً: دعمها التنمية الاجتماعية من خلال مشاريع التعاون التقني والمالي، مثل برامج نقل التقانة وتدريب الكوادر في الزراعة والصناعة. فقد ساعدت الاتفاقية على تمويل مشروعات بنية تحتية (مثل مشروعات ري زراعي، وإنشاء وحدات صناعية صغيرة) عبر قروض ميسّرة ومنح، مما أسهم في خلق فرص عمل وتحسين سبل العيش في الريف السوري خاصة.
تنموي: قدّمت الاتفاقية إطاراً لتنسيق جهود التنمية، واستحدثت لجنة فنية مشتركة لتقييم التقدم وحل المشكلات العملية. هذا الإطار أسهم في انتقال مبادئ حديثة في الزراعة والصناعة إلى سوريا (مثلاً تحديث أساليب الري، أو تحسين معايير الجودة الإنتاجية)، وعزّز الحوار الفني مع خبراء أوروبيين.
فوائد سوريا عملياً قبل 2011
استفادت سوريا عملياً من الاتفاقية عبر زيادة الصادرات إلى الاتحاد الأوروبي، وتنمية قطاعات اقتصادية محددة، فقبل اندلاع الثورة، كانت نسبة صادراتها إلى الاتحاد كبيرة، ولا سيما منتجات النسيج والغذاء والزراعة.
وقد وصل حجم التجارة الثنائية إلى ذروته في 2010 حيث تجاوز 7 مليارات يورو (بحسب إحصائيات رسمية)، وكان للاتحاد الأوروبي نحو 22.5% من تجارة سوريا الخارجية. وألغت الاتفاقية تعرفة جمركية على معظم الصادرات الصناعية السورية إلى الاتحاد، بينما سُمح لأسعار المنتجات المحلية بأن تنافس المنتجات الأجنبية بسهولة. وقد استفاد المنتجون السوريون (زراعيون وصناعيون) من هذه المزايا، ما عزز صادرات قطاعاتهم.
فيما يخص مشاريع التنمية، عمل الاتحاد الأوروبي عبر الاتفاقية ومؤسساته (مفوضية التنمية، البنك الأوروبي للاستثمار وغيرها) على تمويل مشروعات بنية تحتية وتنموية. على سبيل المثال، قدّمت دول وشركات أوروبية قروضاً تقنية لسوريا لتعزيز الطاقة والصرف الصحي والطرق الزراعية، وصنّعت شركات أوروبية تجهيزات حديثة دعمت الصناعات المحلية.
كما دعمت الاتفاقية إنشاء وحدات للتعاون الزراعي وتعليم المشروعات الصغيرة. كل هذه المبادرات الرسمية شجعت الاستثمارات الأوروبية الخاصة في سوريا، واستقطبت أموالاً إضافية من القطاعين العام والخاص في أوروبا للقطاعات السورية الواعدة، مثل البتروكيماويات والأغذية. وأُجري تنسيق منتظم حول إطلاق برامج تنموية في الإطار الأوروبي–السوري (السوسة، والخليج الصناعية، والزراعة المحسنة).
تفاصيل مقترح المفوضية الأوربية لاستئناف الاتفاقية
في سياق ما يسمى الإطار الجديد للتعاون، شرعت المفوضية الأوروبية في 2025 بإعادة رسم العلاقات مع سوريا، مشجعة دمشق على تحقيق انتقال سياسي شامل.
أعلن رئيس المفوضية مارس 2026 خطة جديدة تشمل دعم المصالحة والانتعاش الاقتصادي. وفي 20 نيسان 2026، اقترحت المفوضية رسمياً استئناف العمل الكامل باتفاقية التعاون لعام 1978.
نص وثيقة المفوضية يشير إلى أن الاتفاقية “تلغي الرسوم الجمركية على معظم المنتجات الصناعية السورية الواردة إلى الاتحاد، وتمنع فرض قيود كمية على التبادل”. كما ركزت على استئناف لجنة التعاون المشتركة وشبكات التنسيق الفنية.
وأوضح البيان أن استئناف الاتفاقية يأتي ضمن استعداد الاتحاد لبدء “حوار سياسي رفيع المستوى” مع الحكومة السورية (موعد أول اجتماع في 11 أيار 2026). في المقابل، ذكر مسؤولون أوروبيون أن النظام السوري المعاصر (ما بعد 2024) مطالب باحترام حقوق الإنسان، ودعم دمج مختلف المكونات السياسية (كالأكراد) ضمن الدولة، قبل تفعيل التسهيلات.
بالإضافة إلى مقترح الاتفاقية، تنطوي خطة الاتحاد على إجراءات اقتصادية موازية: وضع “إطار جديد للتجارة والاستثمار” يُشجّع القطاع الخاص الأوروبي على الاستثمار في سوريا، وتقديم حزمة مساعدات مالية مبدئية (أُعلن عنها تبرع بنحو 620 مليون يورو حتى 2027) دعماً لإعادة الإعمار والاقتصاد السوري.
وتشمل الخطة أيضاً دعم إصلاحات لتحسين بيئة الأعمال، وإنشاء مركز دعم فني للتعافي الاقتصادي. وعسكرياً وأمنياً، أبدى الاتحاد الأوروبي استعداداً للتعاون في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، بل تقديم تدريبات لقوى الأمن السورية، بشرط الاتفاق على عملية سياسية انتقالية شاملة.
تلفزيون سوريا

——————————–
الرئيس الشرع وحضور بارز في قمة قبرص.. 27 زعيماُ أوروبياً عينهم على سوريا/ مها سلطان
أبريل 22, 2026
لم يكن مستغربا أن يعمد الاتحاد الأوروبي إلى تغيير كامل الترتيب المتعلق بالقمة التي يعقدها في قبرص يومي 23 و24 نيسان الجاري، سواء على مستوى الحضور أو على مستوى القضايا المطروحة على طاولة البحث.
مسألتان أساسيتان فرضتا تعديل الترتيب: الأولى متعلقة بالحرب على إيران، ومخاوف الأوروبيين من اتفاق أميركي – إيراني “دون ضمانات” يضاعف هشاشة الموقف الأوروبي في المنطقة. والمسألة الثانية متعلقة بسوريا تحديدا، التي تتجه نحو موقع إقليمي نافذ ضمن أهم مشاريع الطاقة اللوجستية على خريطة الممرات الاستراتيجية. وبما أن أوروبا معنية بإلحاح بهذه الخريطة التي تربطها بالخليج عبر تركيا وسوريا والأردن، فإن سوريا في المرحلة المقبلة هي الأهم بالنسبة إلى أوروبا، إلى جانب لبنان والأردن ومصر، المدعوة أيضا إلى هذه القمة مع سوريا.
ماذا في التفاصيل؟
في مؤتمر صحفي يوم الجمعة الماضي، أعلنت نائبة وزيرة الشؤون الأوروبية، ماريلينا راوونا، أنه تمت دعوة الرئيس أحمد الشرع لحضور القمة التي سيعقدها المجلس الأوروبي في قبرص، حيث وفق مصادر مطلعة لصحيفة “الثورة السورية”، أكدت حضور الرئيس الشرع للقمة، والمقررة يومي الخميس والجمعة المقبلين، إلى جانب دعوة الملك الأردني عبد الله الثاني، والرئيس اللبناني جوزيف عون، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.
وأهم ما تحدثت عنه المسؤولة الأوروبية هو التعديل الذي طرأ على مستوى الحضور، حيث كان من المفترض دعوة الدول العشر المشاركة في “مبادرة ميثاق المتوسط” لحضور قمة قبرص، وهي الجزائر ومصر و”إسرائيل” والأردن ولبنان وليبيا والمغرب وفلسطين وسوريا وتونس، إلا أن التطورات في المنطقة فرضت التوجه نحو “هذا الشكل المحدد من الضيوف”، وفق راوونا.
وردا على سؤال حول أسباب تعديل قائمة الحضور، قالت راوونا إن التطورات الجيوسياسية أخذت بالاعتبار، مشيرة في الوقت ذاته إلى أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي سيشارك في القمة عبر تقنية الاتصال المرئي، من دون الحضور شخصيا.
وكان زيلينسكي قد زار سوريا في 5 نيسان الجاري، والتقى الرئيس الشرع، وتباحثا في تعزيز التعاون والتنسيق على عدة مستويات.
وشددت المسؤولة الأوروبية على أهمية الشرق الأوسط بوصفه “جوارا للاتحاد الأوروبي”، مشيرة إلى أن أمن المنطقة مرتبط ارتباطا وثيقا بأمن الاتحاد الأوروبي نفسه.
وأكدت أن اختيار المدعوين تم بالتنسيق الوثيق مع مكتب رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، وقالت: “من المهم للاتحاد الأوروبي دعم خفض التصعيد في المنطقة، وإرسال رسالة تؤكد احترام السلامة الإقليمية والاستقلال والسيادة.”
ولم تكشف راوونا عن تفاصيل إضافية حول جدول أعمال القمة، الذي من المتوقع أن يركز على التعاون الإقليمي والعلاقات الخارجية في ظل التصعيد الذي تشهده المنطقة، والذي ينعكس بصورة مباشرة على دول الاتحاد الأوروبي.
ما لم تقله المسؤولة الأوروبية؟
هنا لا بد من التذكير بأن الاتحاد الأوروبي مهد لهذه القمة على المستوى السوري عبر العديد من الخطوات والمبادرات على المستوى السياسي، آخرها الوثيقة التي تم نشرها، والتي تتحدث عن تحول نوعي في مقاربة التكتل الأوروبي تجاه سوريا، على قاعدة إعادة الانخراط السياسي الكامل، وفتح مسارات تعاون اقتصادي وأمني، في خطوة تعكس حجم إعادة التموضع الأوروبي في ملف معقد تشابكت فيه الحرب والسياسة والهجرة والطاقة. وإلى جانب ذلك، جرى إطلاق حوار سياسي رفيع المستوى مع دمشق، مقرر في 11 أيار المقبل، بالتوازي مع إعادة صياغة منظومة العقوبات، بما يحافظ على التأثير الأوروبي في الساحة السورية.
وغني عن القول إن هذا التحول يأتي في سياق إقليمي متغير، تسعى فيه سوريا إلى إعادة بناء موقعها الإقليمي عبر شبكة من التفاهمات السياسية والأمنية والاقتصادية، في مشهد لا يزال مفتوحا على احتمالات إعادة تشكيل واسعة لموازين القوى في المنطقة.
وما لم تقله المسؤولة الأوروبية هو أن التعويل الكبير يتركز على حضور الرئيس الشرع قمة قبرص، التي ستجمعه مع 27 زعيما أوروبيا. وبالنسبة إلى أوروبا، فإن سوريا هي الأهم في هذه المرحلة، رغم أن مصر ولبنان والأردن هي أيضا في دائرة الاهتمام، كونها في قلب التصعيد العسكري في المنطقة، وإن بدرجات متفاوتة، وتتقاطع معها في مصير متشابه فيما يتعلق بمآلات الحرب على إيران. لكن لسوريا وضع مختلف، كيف ولماذا؟
وأوروبا، حتى قبل اندلاع الحرب على إيران، بدت محكومة أكثر مما هي حاكمة في علاقتها مع دمشق، والحديث هنا عن الحاجة الملحة إلى أن تكون هذه العلاقة جيدة ومفيدة لأوروبا. وبالتالي، فإن أوروبا تظل محكومة بأنها هي من يجب أن يبادر ويطلب، هذا من جهة.
ومن جهة ثانية، فإن القيادة السورية تعرف تماما كيف “تلعب السياسة”، إن جاز التعبير، وهي لا تفاوض من موقع ضعف، رغم كل ما يقال، اعتباطا، عن حساسية الملفات العالقة بينها وبين الدول الأوروبية. فقمة قبرص ليست الطاولة الأولى التي جمعت سوريا وأوروبا، فمنذ الشهر الأول بعد التحرير في 8 كانون الأول 2024 لم تتوقف الزيارات الأوروبية إلى سوريا، والتي لم تترك قضية خارج النقاش، وفق كل مرحلة وكل تطور. ولو لم تكن القيادة السورية تفاوض من موقع قوة، لما كان لسوريا ولرئيسها أحمد الشرع هذا الحضور الاستثنائي والمطلوب أوروبيا، وإقليميا، في قمة قبرص.
ففي قراءة المحللين الأوسع لحضور الشرع، يتم التركيز على الملفات الحساسة نفسها، آنفة الذكر، ويتم إجمالها عادة في ثلاثة ملفات “تحسم مسار الشد والجذب”، وتكاد تكون على المستوى نفسه من الأهمية والإلحاح، إذ الأول ملف اللاجئين، حيث إن القيادة السورية لا توارب في هذا الملف المطروح تقريبا في كل زيارة ولقاء.
والثاني ملف الطاقة، الذي تقدم بفعل تداعيات الحرب على إيران. فأوروبا تراقب وترصد وتقرأ بدقة خريطة التحولات في المنطقة، خصوصا سوريا المرشحة لأن تصبح شريان أوروبا الجديد للنفط الخليجي العراقي عبر ميناء طرطوس، وبما يخلصها من قبضة روسيا وتحكمها في إمدادات الغاز.
والثالث هو الحرب نفسها، ما بين إيران من جهة، والولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة ثانية. فأوروبا التي تعاني من التداعيات، ومن التخلي الأميركي المتوقع، تبحث عن تحالفات جديدة حيث تغيرت قواعد اللعبة بشكل كامل.
وضمن هذه الفرصة الكبيرة المتاحة، تعمل القيادة السورية على تحقيق أعلى المكاسب، بالتوازي مع المكاسب التي حققتها حتى الآن، سواء على مستوى العلاقات مع أميركا، أو مع دول عدة في الإقليم. ومن هنا تنطلق أهمية قمة قبرص بالنسبة إلى سوريا.
المربع الساخن
يتحدث الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية، باسل كويفي، عما سماه “المربع الساخن – الجوار الجنوبي لأوروبا” (سوريا ولبنان والأردن ومصر)، حيث تسعى أوروبا، ما أمكنها، إلى احتواء تداعيات التصعيد العسكري على هذه الدول، وتاليا على أوروبا نفسها، على قاعدة البعد الأمني الرابط بين الجانبين.
ويؤكد كويفي، في حديث لـ”الثورة السورية”، أن دعوة الرئيس الشرع للمشاركة في قمة قبرص، وهي الأولى لرئيس سوري، هي تأكيد رسمي جديد على عودة سوريا إلى الحاضنة الدولية من الباب الأوروبي الواسع. وهذه القمة تكمن أهميتها في الاعتراف بنجاح دمشق في مسار التغيير السياسي وكسر العزلة بعد عقود من العقوبات والقطيعة الدبلوماسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي على سوريا أيام النظام المخلوع. ويمكن أن نضيف هنا تعزيز دور قبرص، من خلال رئاستها للاتحاد الأوروبي، لتلعب دور الجسر بين دمشق وبروكسل، مستفيدة من موقعها الجغرافي وعلاقاتها الإقليمية، مع مراعاة ألا ينعكس ذلك على العلاقات مع تركيا، الحليف المهم في السياسة السورية.
والقمة التي تجمع الرئيس الشرع مع 27 زعيما أوروبيا، من المتوقع أن تفتح الأبواب لمسارات عملية بدأت تتبلور بالفعل منذ منتصف عام 2025. فالقمة، كما يرى كويفي، قد تكون منصة لإعلان “خريطة طريق” نهائية لرفع ما تبقى من العقوبات الاقتصادية، مما يسهل عمليات إعادة الإعمار، وتفعيل حزم المساعدات الضخمة، مثل 620 مليون يورو التي أعلنت عنها فون دير لاين سابقا، لدعم استقرار الدولة السورية، وتعزيز التبادل الدبلوماسي، مع إعادة فتح السفارات الأوروبية في دمشق بكامل تمثيلها، وتحويل التواصل من أمني وإنساني إلى سياسي واستراتيجي.
ويتابع كويفي: قد يكون من بين أهداف قمة قبرص التوافق على توجه جديد يعيد صياغة مفهوم “الجوار الجنوبي”، والانتقال من مجرد مراقبة الحدود إلى شراكة أمنية لمكافحة الإرهاب وضبط تدفقات الهجرة غير الشرعية من المنبع. كما أن العامل الجيوطاقوي يطرح نفسه خلال القمة في سياق منتدى غاز شرق المتوسط، فالحضور السوري قد يمهد لانضمام سوريا إلى هذا التجمع الطاقي أو تنسيقها معه، ما يجعلها شريكا في أمن الطاقة الأوروبي.
وبالمحصلة، يضيف كويفي، يمكن لقمة قبرص أن تكون بوابة إضافية لعلاقة سورية أوروبية جديدة تقوم على المصالح المتبادلة والواقعية السياسية، بدلا من القطيعة والارتهان للماضي، باعتبارها ثمرة تحول جذري في العقلية السياسية والدبلوماسية السورية، من دبلوماسية الأزمات إلى دبلوماسية المبادرة والتوازن. ويشير إلى أن نجاح هذه الاستراتيجية سيجعل من دمشق رقما صعبا في معادلة شرق المتوسط، على قاعدة الواقعية السياسية القائمة على المصالح المشتركة والاستثمار في الموقع الجيوسياسي الرابط بين الشرق والغرب.
إعادة تعريف المصالح
يتفق الكاتب والباحث السياسي المعتصم الكيلاني مع كويفي في أغلب النقاط، وإن كان يفترق عنه في مسألة ترجمة الاتفاقات إلى أفعال، بمعنى القدرة على الانتقال بالطموحات والخطط إلى المستوى العملي، وتحول دون ذلك تحديات هائلة إذا ما أخذناها بالقياس إلى تطورات المنطقة، والحرب التي لم تضع أوزارها بعد.
ويتحدث الكيلاني عن مشاركة سوريا في قمة قبرص إلى جانب دول إقليمية محورية، مؤكدا أنها تتجاوز طابعها البروتوكولي، كونها أول دعوة لرئيس سوري إلى هذا المستوى من الاجتماعات الأوروبية، وكون أهميتها تنبع من لحظة إقليمية شديدة التعقيد لم تستقر منحنياتها بعد، وهو ما يمنح الحضور السوري بعدا رمزيا وعمليا في آن واحد.
ويضيف الكيلاني: إن حضور سوريا في هذه القمة لا يمكن فصله عن إعادة تموضع أوروبي حذر تجاه المنطقة، فالاتحاد الأوروبي، الذي تقوده مؤسساته وعلى رأسها المجلس الأوروبي، يدرك أن تجاهل الفاعلين الأساسيين في الشرق الأوسط لم يعد خيارا واقعيا، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالهجرة غير النظامية ومكافحة الإرهاب واستقرار الجوار الجنوبي. ومن هذا المنطلق، فإن دعوة الرئيس الشرع تحمل دلالة واضحة على انتقال أوروبي تدريجي من سياسة العزلة إلى سياسة الانخراط الحذر.
وعلى مستوى العلاقات السورية الأوروبية، يمكن النظر إلى هذه الخطوة بوصفها بداية اختبار لإمكانية إعادة بناء قنوات التواصل السياسي، بعد سنوات من القطيعة أو الجمود. لكنها، في الوقت ذاته، لا تعني تحولا جذريا وفوريا، وفق الكيلاني، إذ لا تزال هذه العلاقات محكومة باعتبارات معقدة، من بينها ملفات حقوق الإنسان، وإعادة الإعمار، والعقوبات. ومع ذلك، فإن مجرد الجلوس على طاولة واحدة يفتح المجال أمام حوار يتطور لاحقا إلى تفاهمات، خاصة في الملفات ذات الاهتمام المشترك، مثل ضبط الهجرة والتعاون الاقتصادي.
أما في ما يتعلق بإمكانية أن تفرز القمة توجها أوروبيا جديدا على مستوى العلاقات عبر المتوسط، فإن المؤشرات الأولية توحي بأن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى بلورة مقاربة أكثر براغماتية تجاه دول الجنوب. فبدلا من الاقتصار على سياسات الاحتواء أو الدعم الإنساني، قد تتجه أوروبا نحو شراكات أكثر توازنا، تقوم على تبادل المصالح في مجالات الأمن والطاقة والتنمية. وفي هذا السياق، يمكن أن تكون قمة قبرص خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف العلاقة بين ضفتي المتوسط، بما يعكس التحولات الجيوسياسية الجارية.
ويرى الكيلاني أن أهمية هذه القمة تتضاعف في ضوء التصعيد الإقليمي الراهن، خاصة أن الدول العربية المدعوة، مصر والأردن ولبنان وسوريا، تشكل محورا جغرافيا وسياسيا يتأثر مباشرة بتداعيات هذا التصعيد، سواء من حيث الأمن الحدودي أو تدفقات اللاجئين أو الضغوط الاقتصادية. ومن هنا، فإن جمع هذه الدول مع الاتحاد الأوروبي في إطار واحد يتيح مناقشة مقاربات جماعية للأزمات، بدلا من الاكتفاء بمعالجات منفردة أثبتت محدوديتها. كما يعكس ذلك إدراكا أوروبيا بأن استقرار المنطقة لا يمكن تحقيقه دون إشراك الفاعلين الإقليميين الأساسيين في صياغة الحلول.
وفي المحصلة، يوضح الكيلاني أن هذه القمة لا تمثل تحولا حاسما بقدر ما تعكس بداية مسار جديد قيد التشكل، يقوم على إعادة فتح قنوات الحوار بين أوروبا ودول المنطقة، بما فيها سوريا. ونجاح هذا المسار سيعتمد إلى حد كبير على قدرة الأطراف على ترجمة اللقاءات السياسية إلى خطوات عملية، وعلى مدى استعدادها لتجاوز إرث السنوات الماضية نحو مقاربة أكثر واقعية وتوازنا.
ما هو المجلس الأوروبي؟
هو قمة تجمع رؤساء الدول ورؤساء حكومات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. ويعقد المجلس اجتماعين على الأقل كل عام. وتهدف قمم المجلس، التي تعقد بين المسؤولين التنفيذيين للدول الأعضاء، إلى تحديد المجالات الرئيسية لسياسات الاتحاد الأوروبي، ولا سيما الخارجية. كما أنها تسمح، كل خمس سنوات، بتعيين رئيس جديد للمفوضية الأوروبية بأغلبية مؤهلة، ويجري التصديق على هذا التعيين من خلال تصويت في البرلمان الأوروبي.
وعلى الرغم من أن المجلس الأوروبي لا يمتلك سلطة تشريعية، فإنه هيئة استراتيجية لحل الأزمات، تزود الاتحاد بالتوجهات والأولويات السياسية العامة، ويؤدي دوره باعتباره رئاسة جماعية. ورغم أن المفوضية الأوروبية تعد الجهة الوحيدة التي تملك زمام سن التشريعات، فإن المجلس الأوروبي يعمل على توفير قوة دافعة لتوجيه السياسة التشريعية.
ويترأس هذه الاجتماعات رئيس المجلس، وتسمى غالبا مؤتمرات القمة التي يعقدها الاتحاد الأوروبي، وعادة ما تكون في مقر الاتحاد في بروكسل، بلجيكا. وتتخذ قرارات المجلس الأوروبي بموافقة الأغلبية المطلقة، باستثناء الحالات التي تنص فيها المعاهدات على خلاف ذلك.
وتاريخيا، اكتسب المجلس الأوروبي رسميا صفة مؤسسة تابعة للاتحاد الأوروبي بعد معاهدة لشبونة عام 2007، مستقلا بذلك عن مجلس وزراء الاتحاد الأوروبي.
ولم يغلب الطابع الرسمي على مؤتمرات المجلس إلا في الفترة ما بين 1974 و1988. ففي مؤتمر القمة الذي عقد في باريس في كانون الأول 1974، بعد اقتراح قدمه الرئيس الفرنسي آنذاك فاليري ماري جورج جيسكار ديستان، جرى الاتفاق على ضرورة تقديم مساهمات سياسية على مستوى أرفع في أعقاب ما عرف حينها بـ”أزمة الكرسي الفارغ” والمصاعب الاقتصادية.
وفي عام 1987، أدرج المجلس في المعاهدات للمرة الأولى، في القانون الأوروبي الموحد، وحاز دورا محددا للمرة الأولى في معاهدة ماستريخت.
وتعقد المجالس الأوروبية ثلاثة أنواع من الاجتماعات: غير الرسمية، والمقررة، والاستثنائية. وتقرر الاجتماعات غير الرسمية قبل عام ونصف العام من عقدها، لكنها تختلف عن الجلسات العادية.
وأطلق الاتحاد الأوروبي أول خطة عمل لـ”ميثاق المتوسط” سيتم تنفيذها خلال عام 2026، وتتضمن 12 مبادرة وأكثر من 100 مشروع لتعزيز الاستثمار والأمن والاقتصاد بين دول الاتحاد ودول جنوب المتوسط.
ووفقا للممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، ونائبة رئيس المفوضية، كايا كالاس، فإن الميثاق “سيعبئ مليارات اليورو من الاستثمارات الأوروبية من خلال أكثر من 100 مشروع، بما في ذلك مشاريع مرتبطة بالأمن”.
وأكدت أن الاتحاد الأوروبي سيكثف جهوده لمواجهة التحديات المشتركة، من تهريب المخدرات والاتجار بالبشر إلى الحد من آثار الكوارث الطبيعية، بما يسهم في جعل المنطقة أكثر قوة واستقرارا وازدهارا.
وكان “ميثاق المتوسط” قد طور بالشراكة بين المفوضية الأوروبية وخدمة العمل الخارجي الأوروبي، واعتمد رسميا في تشرين الأول عام 2025، قبل إطلاقه في 28 تشرين الثاني من العام ذاته.
ويهدف الميثاق إلى بناء فضاء متوسطي مشترك أكثر ترابطا وازدهارا وأمنا، من خلال شراكة قائمة على “التصميم المشترك وتقاسم الملكية والمسؤولية”، بما يعكس احتياجات وتطلعات شعوب المنطقة على ضفتي المتوسط.
الثورة السورية
——————————-
الاتحاد الأوروبي يقرر استئناف برنامج التعاون مع سوريا
الأربعاء 2026/04/22
أعلنت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس العودة إلى العمل ببرنامج التعاون مع سوريا، والذي كان معلقاً منذ العام 2011.
وجاء الاتفاق على إعادة العمل ببرنامج التعاون بعد اجتماع عقده وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي، في بروكسل، أمس الثلاثاء.
دعم المرحلة الانتقالية
وقالت كالاس إن اجتماع وزراء خارجية دول الاتحاد جدّد دعمه للمرحلة الانتقالية في سوريا، خلال اجتماعهم، وقرّر العودة إلى برنامج التعاون مع سوريا، ومواصلة تقديم الدعم لسوريا.
وأشارت إلى أن المفوضية الأوروبية اقترحت استئناف العمل باتفاقية الشراكة مع سوريا العائدة إلى عام 1978، مضيفةً أن مزيداً من الدعم سيُبحث في الشهر المقبل، وأن سوريا ما تزال بمنأى عن الحرب الإقليمية، رغم استمرار المخاطر التي تهدّد استقرارها.
توطيد العلاقات الدبلوماسية
ويوم الجمعة الماضي، قالت وثيقة اطلعت عليها “رويترز” إن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى توطيد الروابط مع سوريا، من خلال إعادة الاتصالات السياسية الرسمية لتمهيد الطريق نحو علاقات اقتصادية وأمنية أقوى، وذلك في أحدث خطوة ضمن تحول أوسع نطاقاً في السياسة حيال دمشق بعد جمود في العلاقات على مدى سنوات.
ونصّت الوثيقة المرجعية، التي أعدتها الإدارة الدبلوماسية للتكتل وأرسلت للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي قبل أيام، على أن التكتل سيستأنف العمل بالكامل باتفاقية تعاون موقعة في 1978 مع سوريا، وسيبدأ في حوار سياسي رفيع المستوى، وهو تعبير يستخدمه الاتحاد للإشارة إلى محادثات رسمية ومنظمة، مع السلطات الجديدة في سوريا في 11 مايو أيار/مايو.
وذكرت الوثيقة أن الاتحاد الأوروبي قال إنه “سيعيد تشكيل ويعدل” نظام العقوبات للحفاظ على وسائل ضغط، في وقت يتواصل فيه مع القيادة السورية، ويستهدف من يؤثرون سلباً على العملية الانتقالية.
وأكدت الوثيقة أن الاتحاد الأوروبي سيعمل مع السلطات على تسهيل “العودة الآمنة والطوعية والكريمة” للاجئين والنازحين السوريين.
——————————
عون وأوراق الحماية السعودية وقطر ولقاء السيسي والشرع في قبرص/ منير الربيع
الأربعاء 2026/04/22
الرئيس السوري أحمد الشرع في السعودية. رئيس الجمهورية جوزاف عون قد يزور السعودية قريباً. رئيس الحكومة نواف سلام، يزور الاتحاد الأوروبي وفرنسا. أما قبرص كرئيسة للاتحاد الأوروبي، فاختارت توجيه دعوات للبنان، سوريا، مصر، الأردن ومجلس التعاون الخليجي للمشاركة في اجتماع الاتحاد الأوروبي يوم الجمعة المقبل. تحمل الدعوات القبرصية دلالات كثيرة في توقيتها ومضمونها خصوصاً في ظل الحرب الإيرانية الأميركية غير المعروفة المصير والانعكاسات انطلاقاً من إغلاق مضيق هرمز وتداعياتها، بينما تبحث دول كثيرة عن بدائل. لبنان يحاول أن يتسلل لتوفير مظلة إقليمية ودولية، أوروبية بالتحديد، توفر له الدعم السياسي والمعنوي في مواجهة التصعيد الإسرائيلي الكبير والضغوط الأميركية.
سلام والجهود الأوروبية
قبل زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى الاتحاد الأوروبي وباريس، كانت مساع عربية وأوروبية دفعت بـِ 16 دولة لإصدار بيانات تدين الجرائم الإسرائيلية في لبنان وتدعو إلى وقف إطلاق النار، كان ذلك نتاج تحرك ديبلوماسي فعال قادته عواصم عديدة، وهو ما استكمله سلام في زيارته الفرنسية ولقائه مع الرئيس إيمانويل ماكرون، إضافة إلى الحصول على مساعدات انسانية من دول الاتحاد الأوروبي مع مساع لتوفير دعم سياسي لمنع تجدد الحرب الإسرائيلية، وهذا ما سيستكمله عون في زيارته القبرصية واللقاءات التي سيعقدها هناك. كل ذلك يأتي في ظل المساعي المرتبطة بإطلاق مسار المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، انطلاقاً من الاجتماع الثاني الذي سيعقد بين السفيرين يوم الخميس، إضافة إلى انتظار ترتيبات زيارة عون إلى الولايات المتحدة الأميركية ولقاء الرئيس دونالد ترامب، مع الإشارة إلى أنه تم إرجاء الحديث أو البحث بأي لقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
الرياض والدوحة
يحاول لبنان الاستفادة من مناخ أوروبي عربي معارض للحرب على إيران، ويمكن أن يشكل قوة دفع لمواجهة الضغوط الأميركية الكبيرة والحدّ منها، وهذا ما يتبدى أيضاً من خلال مساع عربية، برزت في الاتصالين اللذين أجراهما عون بكل من أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، حيث شددا على دعم استقرار لبنان ووقف الحرب فيه، مع الإشارة إلى الاتفاق على إبقاء التواصل قائماً. في الموازاة تشير مصادر متابعة إلى العمل على ترتيب زيارة لعون إلى السعودية للقاء ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، في إطار الدعم السعودي للبنان، وبالتمسك بمبادرة السلام العربية، إلى جانب البحث في كيفية الحصول على المزيد من الدعم لحماية الاستقرار الداخلي ودعم الاقتصاد من خلال مشاريع مشتركة، خصوصاً أن لبنان يريد الاستفادة من التطورات التي تشهدها المنطقة خصوصاً أنه يقع على تقاطع استراتيجي شرق البحر الأبيض المتوسط، وعلى تماس مع مشروع جرى الإعلان عنه قبل أيام لاعتماد مسار خطوط جديد من الخليج إلى الأردن فسوريا باتجاه تركيا أو باتجاه السواحل السورية نحو أوروبا.
على تقاطع الخطوط
سياسياً، اقتصادياً، ونفطياً، هناك الكثير من المشاريع التي يمكن بحثها بين أوروبا ودول الخليج والمشرق العربي، في أوروبا هناك تركيز لدى دول عديدة بتعزيز العلاقات مع دول شرق المتوسط، لأسباب وأهداف عديدة، لكن ذلك يأتي في ظل تركيز إسرائيلي على بناء تحالفات مع دول عربية ودول على البحر المتوسط خصوصاً قبرص، اليونان، ومصر في إطار سعيها لبناء تحالف دول شرق المتوسط وتحويل نفسها لمنصة تصدير للغاز إلى أوروبا، كما أنها تطمح من خلال طريق الهند لان تكون نقطة مركزية على خطوط التجارة العالمية. تحالف شرق المتوسط يستهدف تركيا، لكن مصر شريكة استراتيجية فيه. أما مشروع طريق الهند فيستهدف تركيا ومصر معاً، بينما تسعى إسرائيل من خلاله إلى تعميق وتعزيز علاقاتها بدول الخليج وهو ما يبدو غير ممكن في هذه المرحلة، ما دامت إسرائيل ترفض بدولة فلسطينية.
مواجهة الاستفراد
في زيارته إلى السعودية، التي جاءت بعد لقائه بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أنطاليا، بحث الرئيس السوري أحمد الشرع في تعزيز العلاقات الاقتصادية والاستثمارية، وتفعيل الاتفاقات بين البلدين. أما لبنان فيريد أن يضع نفسه على تقاطع أوروبي عربي اقتصادياً واستثمارياً وتجارياً، وسياسياً أيضاً، لمواجهة محاولات الاستفراد الإسرائيلية. وهذا ما يريد تحقيقه في اللقاءات التي ستعقد في قبرص، بما فيها لقاءات عون مع الشرع والسيسي وانطلاقاً من الاتصالات التي أجراها بأمير قطر وولي العهد السعودي.
———————–



