الرعاية الصحية في سوريا بين منطق الخصخصة وحق العدالة الاجتماعية -مقالات مختارة-

تحديث 22 نيسان 2026
————————–
ما الذي يعنيه إخضاع الصحة لمنطق السوق؟/ سلم عبد طالاس
مقاربة تحليلية لطروحات «خصخصة» المشافي العامة في سوريا
21-04-2026
أُثيرت موجة واسعة من الجدل العام عقب تصريح رئيس هيئة الاستثمار السورية بشأن خصخصة المشافي الحكومية أو إشراك القطاع الخاص في إدارتها، وما تبعه من توضيح رسمي يؤكد أن «الصحة ليست للبيع». غير أن أهمية هذا الجدل لا تكمن في التصريح بحد ذاته، بل في أنه فتحَ باباً لنقاشٍ طال تأجيله حول طبيعة قطاع الصحة، وحدود دور الدولة، وشروط اتخاذ قرارات اقتصادية كبرى في سياق سياسي انتقالي.
ينطلق المقال من هذا الجدل ليطرحَ مقاربة تحليلية تتجاوز ثنائية القبول أو الرفض، عبر تفكيك المسألة إلى ثلاثة مستويات مترابطة: خصوصية قطاع الصحة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، وحدود المشروعية المؤسسية في المرحلة الانتقالية، ثم المخاطر المرتبطة بالاقتصاد السياسي لعمليات الخصخصة في بيئات مؤسسية هشّة، مع وضع ذلك ضمن السياق السوري الراهن.
أولاً، لا يُمكن التعامل مع قطاع الصحة كأي قطاع خدمي آخر، لأن الرعاية الصحية تُمثّل حالة استثنائية في النظرية الاقتصادية. فمنذ تحليل كينيث آرو الكلاسيكي، يُنظَر إلى هذا القطاع بوصفه مجالاً تعجز فيه آليات السوق عن تحقيق تخصيص كُفء وعادل للموارد، بسبب مجموعة من الاختلالات البنيوية: عدم تكافؤ المعلومات بين المريض والطبيب، وعدم اليقين المرتبط بالمرض، والطابع القسري للطلب الذي لا يتيح للمستهلك حرية الاختيار أو التأجيل.
في هذا السياق، يفقد مفهوم «المستهلك العقلاني» معناه، وتتحول آليات التسعير إلى أدوات إقصاء مُحتمَلة، حيث يُحرَم الأفراد الأقل قدرة على الدفع من الوصول إلى خدمات قد تكون حاسمة لبقائهم. ويزداد الأمر تعقيداً مع ما تتمتع به الصحة من آثار خارجية مرتفعة، إذ لا تقتصر نتائجها على الفرد، بل تمتد إلى الإنتاجية العامة والاستقرار الاجتماعي، ما يجعل من الاستثمار فيها مسألة تتعلق بالمجتمع ككل لا بالفرد وحده.
غير أن خصوصية الصحة لا تقتصر على بُعدها الاقتصادي، بل تمتد إلى كونها إحدى الركائز الأساسية للبنية الاجتماعية. فالنظام الصحي لا يقدم خدمات فحسب، بل يُعيد توزيع الفرص الحياتية داخل المجتمع. القدرة على الوصول إلى العلاج تؤثر مباشرة في فرص العمل والاستقرار الأسري والعمر المتوقع، وبالتالي فإن أي تفاوت في هذا الوصول يتحول إلى آلية لإعادة إنتاج اللامساواة عبر الزمن. لهذا السبب، تُعامَل الصحة بوصفها جزءاً من «البنية التحتية الاجتماعية»، أي من المجال الذي يتجاوز المنطق السلعي ليُشكّل شرطاً لتماسكِ المجتمع واستقراره، لا مجرد قطاع خدمي يُمكن إخضاعه بالكامل لحسابات الربح والخسارة.
أما سياسياً، فإن قطاع الصحة يرتبط بشكل مباشر بمسألة الشرعية. فالدولة الحديثة لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض النظام، بل أيضاً بقدرتها على ضمان حد أدنى من الحماية لمواطنيها، وفي مقدمتها الحماية الصحية. ومن هذا المنظور، يُشكّل الحق في العلاج أحد أعمدة العقد الاجتماعي، حيث يتم قبول السلطة السياسية مقابل توفير الأمن، بما في ذلك الأمن الصحي. وهكذا فإنه عندما يُعاد تعريف الصحة ضمن منطق السوق، فإن ذلك لا يُمثّل مجرد تغيير في آليات الإدارة، بل تحولاً في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، من علاقة قائمة على الضمان إلى علاقة أقرب إلى التنظيم.
من منظور الاقتصاد السياسي، تتعمق هذه الإشكالية لأن الصحة ليست مجرد خدمة، بل نظام لتوزيع المخاطر. فالسؤال المركزي يُصبح: من يتحمل كلفة المرض؟ هل هي مسؤولية فردية تُترَك لقدرة الشخص المالية، أم مسؤولية جماعية تُوزَّع عبر الدولة؟ تميلُ النماذج القائمة على السوق إلى «فردنة المخاطر»، بينما تقوم النماذج الاجتماعية على «اجتماعها»، أي توزيعها على المجتمع ككل. وبالتالي، فإن إدخال القطاع الخاص – حتى بصيغة الشراكة – قد لا يكون مجرد تحسين إداري، بل خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة توزيع هذه المخاطر.
في هذا الإطار، تظهر أيضاً إشكالية «المفاضلة بين الكفاءة والعدالة». فبينما قد تُسهم بعض نماذج الإدارة الخاصة في تحسين الكفاءة التشغيلية، فإنها تميل إلى توجيه الموارد نحو الأنشطة الأكثر ربحية، ما يؤدي إلى إهمال الخدمات الوقائية أو تلك الموجهة للفئات الأقل قدرة على الدفع. ومع مرور الوقت، ينشأ ما يُعرَف بازدواجية النظام الصحي، حيث يتشكّل مساران متوازيان: نظام عالي الجودة لمن يستطيع الدفع، وآخر محدود الإمكانات لبقية السكان.
غير أن هذه الاعتبارات النظرية تكتسب بعداً أكثر حدَّة في الحالة السورية. فبعد سنوات من الحرب والتدهور الاقتصادي، يواجه المجتمع مستويات مرتفعة من الفقر، وتَراجُعاً في القدرة الشرائية، وتَآكُلاً في أنظمة الحماية الاجتماعية. في مثل هذا السياق، فإن أي انتقال نحو تحميل الأفراد كلفة أعلى للخدمات الصحية لا يُمثل مجرد تعديل مالي، بل إعادة توزيعٍ حادّةٍ للمخاطر الصحية باتجاه الفئات الأضعف. وهنا يُصبح السؤال الاقتصادي المركزي مُحَدَّداً بشكل أوضح: هل الهدف من إدخال القطاع الخاص هو تحسين الكفاءة ضمن إطار يُحافظ على «اجتماع المخاطر»، أم هو انتقال تدريجي نحو «فردنة المخاطر»، حيث يتحمل الفرد العبء الأكبر من كلفة المرض؟
تتضاعف هذه الإشكالية عند النظر إلى طبيعة المرحلة السياسية. فالحكومة القائمة تُعرَّف بوصفها انتقالية، ما يضعها – وفق أدبيات الدستورية الانتقالية – ضمن نطاق وظيفي يُركز على إدارة المرحلة وضمان الاستقرار، لا على اتخاذ قرارات بنيوية طويلة الأمد تعيد توزيع الأصول العامة أو تعيد تشكيل قطاعات استراتيجية. من هذا المنظور، فإن طرح نماذج خصخصة أو شراكات واسعة في قطاع حيوي كالصحة لا يُمكن اعتباره مجرد خيار إداري، بل يُثير سؤالاً حول حدود التفويض السياسي، وما إذا كانت مثل هذه القرارات تندرج ضمن الإدارة الجارية أم ضمن إعادة التأسيس الاقتصادي.
إلى جانب ذلك، تبرز مسألة الحوكمة بوصفها العامل الحاسم. فوفق الاقتصاد المؤسسي، لا يمكن للأسواق أن تعمل بكفاءة دون مؤسسات قوية تنظّمها وتضبطها. وفي غياب هذه المؤسسات، يؤدي توسيع دور القطاع الخاص إلى إنتاج «أسواق مشوَّهة مؤسسياً»، حيث تُعاد صياغة القواعد بما يخدم الفاعلين الأكثر نفوذاً. في مثل هذه الحالات، تبرز ظواهر مثل «الاستيلاء التنظيمي» و«التعاقد غير المتكافئ»، حيث يمتلك الطرف الخاص قدرة تفاوضية وخبرة تقنية أعلى، ما يسمح له بفرض شروط تعاقدية تعظّم أرباحه وتحدُّ من قدرة الدولة على الضبط لاحقاً.
وهنا يتقاطع التحليل مع أدبيات الاقتصاد السياسي للخصخصة، التي تُشير إلى أن النتائج لا تتحدد فقط بخصائص السوق، بل أيضاً ببنية السلطة. ففي البيئات ذات الشفافية المحدودة، تتحول الخصخصة في كثير من الأحيان إلى عملية «إعادة توزيع مغلقة للأصول»، تنتقل فيها الموارد العامة إلى شبكات محددة دون تحقيق الكفاءة المعلنة. وهذا ما يُعرف في الأدبيات بـ«رأسمالية المحاسيب»، حيث تتداخل السلطة السياسية مع الامتياز الاقتصادي، وتستخدم السياسات العامة كوسيلة لتوليد الريع. وهو ما يدعم فكرة تَحوُّلَ الدول السورية إلى دولة متعاقدة من الباطن على النمط الإيراني.
في السياقات الانتقالية، تزداد هذه المخاطر لأن القواعد غير مستقرة، والرقابة ضعيفة، والقرارات الاقتصادية الكبرى تكتسب طابعاً تأسيسياً يصعب التراجع عنه لاحقاً. وبالتالي، فإن إدخال رأس المال الخاص في قطاع حسّاس كالصحة لا يمكن اعتباره مجرد أداة تقنية، بل خطوة قد تُعيد تشكيل بنية النظام الصحي ومسار تطوره على المدى الطويل.
بناءً على ذلك، فإن الجدل الذي أثارته التصريحات الأخيرة لا ينبغي اختزاله في مسألة الخصخصة مقابل عدم الخصخصة، ولا في التمييز اللفظي بين بيع وشراكة. بل يتعلق الأمر بسؤال أعمق: ما هو الإطار المؤسسي والسياسي الذي سيحكم أي تَحوُّلٍ في هذا القطاع؟ لأنه من دون مؤسسات قوية وشفافية، وآليات مُساءلة فعّالة، فإن أي إدخال للقطاع الخاص يحمل في طياته مخاطر إعادة توزيع غير عادلة للموارد، وتآكلٍ تدريجي لمبدأ الحق في الصحة.
وعليه، فإن المقاربة الأكثر اتساقاً لا تبدأ بالأداة، بل بالغاية: تثبيت الصحة كحق اجتماعي، وتحديد آليات تمويلها وضمانها، ثم تقييم ما إذا كانت الشراكة مع القطاع الخاص يُمكن أن تخدم هذا الهدف ضمن شروط مؤسسية صارمة، أم أنها ستقود إلى مسار مختلف يُعيد تعريف الصحة كخدمة تخضع لمنطق السوق.
موقع الجمهورية
—————————–
من مستشفيات مُنهَكة إلى «مولات صحية»!/ خلود السابا
هل تُعاد صياغة الحق في العلاج في سوريا، وكيف؟
21-04-2026
في بلدٍ لم تَخرُج مُستشفياته بعد من تحت الركام، يُطرَح اليوم مستقبل القطاع الصحي في سوريا بلغة الاستثمار والخصخصة. بين تصريحات متضاربة، واتفاقيات غير مُعلنة، وخطط تفتقر إلى الشفافية، يجد السوريون أنفسهم أمام تحول خطير: من نظام صحي مُتهالك شبه عام، إلى نموذج قد لا يُتيح العلاج إلا لمن يستطيع الدفع. في لحظة يُفترَض أن تكون لإعادة بناء ما دمرته الحرب، يبدو أن السؤال لم يَعد كيف نُصلح القطاع الصحي، بل لمن سيبقى هذا القطاع أصلاً.
أثار تضارب تصريحات وزير الصحة ورئيس هيئة الاستثمار السورية جدلاً واسعاً بين السوريين حول مستقبل المستشفيات العامة، بين خصخصتها وما يُسمّى «التشاركية» مع القطاع الخاص لإدارتها. جاء ذلك عقب تقرير صحفي نشرته صحيفة «الثورة السورية» الرسمية حول ما وُصف بـ«التغيير الإداري» في مستشفى دمر لأمراض القلب، بعد اتفاق غير مُعلَن مع جهات تركية مجهولة.
يأتي هذا التطور في سياق بيئة ضبابية تعمل فيها الحكومة الانتقالية، حيث تُعلَن شراكاتٌ مع جهات خاصة مرتبطة بتركيا أو بدول خليجية، عبر خطاب دعائي أقرب إلى إعلانات المراكز التجارية، دون تقديم أي معلومات جوهرية: كيف ستُبنى هذه الشراكات؟ ما كلفتها على الدولة والمواطنين؟ ما شروط التنافسية والرقابة؟ ببساطة؛ لا شفافية، ولا معلومات، ولا مُساءلة. والأسوأ أن أي نقد للسلطة الحالية يُخاطِر صاحبه بأن يُصنَّف ضمن «الفلول»، ما يدفع إلى تهميش المطالبة بالمساءلة وكأنها ترفٌ سياسي، بينما تتجاهل السلطة أن الشفافية والمحاسبة أساس الانتقال السياسي من الحرب إلى الاستقرار، في ظلِّ غياب أي انتخابات حقيقية مما يعني شرعية منقوصة.
في هذا السياق، يقبع أكثر من ثلث المستشفيات في سوريا اليوم ركاماً خلّفته الحرب، بينما يعمل ثلث آخر بشكل «جزئي». يتفق الجميع على حقيقة واحدة: القطاع الصحي العام متهالك، نتيجة سنوات الحرب ونقص الموارد، والعقوبات التي رُفعت مؤخراً دون أن تُترجَم إلى تحسنٍ فعلي في الخدمات.
ورغم أن السلطة الانتقالية لا تُقدِّم نفسها أصلاً كمشروع لتحقيق وضمان العدالة الاجتماعية للسوريين، ورغم أن برنامجها الحكومي غامض ومطاط ويصلح أن يكون برنامج شركة ناشئة، إلا أن أي سلطة، خصوصاً في سياق ما بعد الحرب، لا يمكنها تجاهل الإرث الثقيل الذي خلفته السنوات الماضية: ملايين المرضى والجرحى، فقر واسع، عائلات فقدت منازلها، ونسيج اجتماعي تمزّقَ في السجون والمقابر والمشافي. حتى «الأوفر حظاً» من هذه العائلات يعيش على تشتت أفراده في الخارج، مع اعتماد شبه كامل على المساعدات لتأمين الغذاء والدواء.
ومع ذلك، يُطرَح تأمين الخدمات الصحية للمواطنين اليوم كأنه مسألة تكلفة فقط، وكأن الصحة سلعة تُقاس بسعرها. بيد أن الدولة الحديثة تقوم في جوهرها على عقد اجتماعي واضح: تلتزم فيه السلطة بتأمين الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الصحة والتعليم، مقابل شرعيتها واستمرارها. في الحالة السورية، لا يبدو هذا الالتزام مجرد واجب أخلاقي تجاه شعب أنهكته الحرب، بل ضرورة سياسية لضمان بقاء أي سلطة.
لكن هل كانت الخدمات الصحية «مجانية» في سوريا أصلاً؟
لطالما استندَ نظام حافظ الأسد إلى فكرة بناء دولة «اشتراكية» وسّعت من دور القطاع العام، ورغم صحة ذلك جزئياً في مراحل محددة، إلا أن هذه السياسات كانت أداة لضبط المجتمع والسيطرة عليه أكثر من كونها مشروعاً تنموياً حقيقياً. وقد كانت خدمات الصحة مجانية عبر المشافي الحكومية، لكن «المجانية» كانت شكلية نسبياً، إذ كان المواطنون يتحملون جزءاً كبيراً من التكاليف، سواء بشكل مباشر أو عبر ممارسات فساد يومية. كما استغلَّ كثير من الأطباء عملهم المزدوج بين القطاعين العام والخاص لتحويل المرضى إلى عياداتهم الخاصة، مستفيدين من موارد القطاع العام لخدمة مصالحهم الخاصة، وكانت وما زالت مجموعات المصالح من أطباء وتقنيين في قطاع الصحة سبباً رئيسياً في استنزاف الموارد العامة والمساهمة في فساد القطاع وانتشار المحسوبيات فيه بحماية من شبكات السلطة.
مع وصول بشار الأسد، انتقل الخطاب إلى «التحديث» عبر الخصخصة، بدعم من مؤسسات دولية كالاتحاد الأوروبي. لكن نتائج الدراسات، بما فيها مسوح مدعومة أوروبياً (مسحُ الإنفاق الأسري على الخدمات الصحية 2010)، أظهرت أن أكثر من نصف الإنفاق الصحي كان يأتي بالفعل من جيوب السوريين. ورغم ذلك، استمرت السياسات التي تدفع نحو تحويل المستشفيات العامة إلى «هيئات عامة مستقلة» مالياً، تعتمد على تقديم خدمات مدفوعة مع هامش مجاني للفقراء.
هذا المنطق، الذي تدافع عنه وتروّج له مؤسسات كالبنك الدولي، يَفترِضُ أن الفساد ونقص الموارد أمران لا يمكن إصلاحهما، وبالتالي يجب «تنظيم» عمليات الدفع غير الرسمي بدل القضاء عليها لصالح مجانية حقيقية. لكن هذا الطرح يتجاهل سؤالاً أساسياً: كيف يُمكن لإدارات تعاني من الفساد أن تدير موارد مالية أكبر بشفافية؟ وكيف يمكن لقطاع خاص قائم على الربح أن يضمن تقديم خدمات صحية وفق الحاجة الفعلية للمرضى لا وفق قدرتهم على الدفع؟ ثم من هو هذا «القطاع الخاص» الذي سيُعهَد إليه بإدارة البنية التحتية الصحية؟ هل هو قطاع مستقل وشفّاف، أم امتدادٌ لشبكات المصالح القديمة والجديدة، التي أعادت تشكيل نفسها في ظلّ الحرب؟
اليوم، وبينما تُعَدُّ سوريا من أقل دول المنطقة إنفاقاً على الصحة، توحي التصريحات الرسمية بأن الدولة تتجه للانسحاب من تمويل هذا القطاع. وبالمقابل، تعكس السياسات والخطط الرسمية، إن وُجدت، تناقضاً واضحاً، سواء في الأرقام أو الأهداف. وتعتمد الخطط الحالية على بيانات قديمة تعود إلى ما قبل 2011، متجاهلة التحولات الجذرية التي فرضتها الحرب، في وقت تغيب فيه الإحصاءات الموثوقة، ويحل محلها خطاب إعلامي متناقض حول النمو الاقتصادي والإنفاق العام.
في هذا الإطار، يُعاد طرح الخصخصة كحل جاهز، رغم الأدلة المتزايدة عالمياً على آثارها السلبية، خصوصاً في المجتمعات الهشّة: تَراجُعٌ في العدالة الصحية، وارتفاعٌ في التمييز ضد الفئات الأكثر ضعفاً كالأطفال والنساء وكبار السن. تجارب قريبة، مثل العراق بعد 2003، أظهرت محدودية نجاح نماذج «حزم الخدمات الأساسية» رغم الدعم الدولي الكبير.
يرزح السوريون اليوم تحت خطر الجوع، إذ تُشير نتائج مسح الأمن الغذائي في 2025 إلى أن ما يُقارب 82 بالمئة من الأُسر السورية تعيش دون أمان غذائي: قد يجدون حاجتهم التي يجب أن تكون في أدنى مستوى إنساني (حسب معايير الأمم المتحدة)، لكنهم قد لا يستطيعون ضمانها في اليوم التالي. هذه الأجساد، التي تعيش على «خبزنا كفاف اليوم»، كيف لها أن تقاوم أمراضاً مزمنة باتت تنتشر بسرعة تضاهي انتشار الأمراض السارية: كيف لأجساد السوريين أن تحتمي من السكري وأمراض القلب وضعف المناعة والسرطانات في بلاد تعتاش على «القلة» غذائياً وزراعياً وصناعياً؟ يتفق خبراء الصحة أن أول من يدفع ثمن تراجع القطاع الصحي والصحة العامة في أي مجتمع هم الأطفال تحت سن الخامسة وأمهاتهم: لا أرقام ولا إحصاءات حقيقية عن الأوضاع الصحية لأطفال سوريا والأمهات فيها.
تعتمدُ تقديرات منظمة الصحة العالمية الأرقام القديمة التي جُمعت ما قبل الحرب، وهي بالتأكيد أقلّ فعلياً من الأرقام على أرض الواقع اليوم: كثير من السوريين والسوريات يموتون مبكراً بسبب الأمراض المزمنة خاصة أمراض القلب والشرايين، وهي تحتاج خدمات صحية متكاملة ودائمة.
كل الدراسات والتقديرات التي أُجريت في مناطق النزاع والحرب تُقدم صورة كارثية عن انتشار مُعقّد للأمراض السارية والمزمنة، وعن الزيادة في نسب الإصابة بأمراض القلب والسكري والسرطانات، وذلك نتيجة الأضرار الهيكلية في البنية التحتية من خدمات صحية وشبكات مياه وصرف الصحي وكهرباء، وهجرة الأطباء والممرضين، ولكن أيضاً بسبب الجوع وانعدام الأمن الغذائي والتلوث الناتج عن استخدام الأسلحة والنزوح المتواصل وخسارة الناس لأعمالهم، بالإضافة إلى الضغط النفسي والألم الناتج عن هذه الخسارات، وانهيار الشبكات والروابط الاجتماعية وفقدان الثقة وانعدام الأمن.
هل يُمكن استعادة هيكلية صحية واجتماعية مستقرة عبر تفتيت القطاع العام – أكثر مما هو مُفتَّت وممزق – لمصلحة شركات وجهات متنفعة من أزمات الناس ولا تعبأ بأولويات وحاجات السوريين والسوريات أمام حسابات الربح والخسارة المادية؟ حسب الأرقام والتحليلات المتوفرة، تتجه الحكومة الانتقالية نحو إنفاق عام أقل ورفع أسعار الخدمات مثل الكهرباء، دون أي برنامج سياسي تنموي واضح يُعالج الأزمات الهيكلية في اقتصاد الحرب السوري.
الصدمة الأكبر التي يجب أن يستعد لها مسؤولو البلاد هي الظاهرة التي تحدث بعد انتهاء الحروب عبر التاريخ، إذ ستزداد نسبة الوفيات المُبكرة في المجتمع، سواء بين الأطفال أو الكبار نتيجة آثار الحرب بعيدة الأمد، وهي آثار لا تختفي بمجرد توقف الحرب بل تُشير كل التجارب التاريخية أنها تتعقد وتتعمق أكثر.
وسط كل هذا، يحق للسوريين أن يطرحوا أسئلة بسيطة: كيف تُتخذ هذه القرارات السياسية العامة؟ ولماذا تُمنَح أولويات مالية وسياسية لمشاريع شكلية، بينما يعاني مرضى السرطان وغسيل الكلى من نقص حاد في الخدمات؟ ولماذا لا يُطرَح إصلاح القطاع العام كخيار جدّي بدل بيعه أو تأجيره؟
لقد تحولت المستشفيات خلال الحرب إلى أدوات قمع وساحات صراع، ثم إلى هياكل مدمرة أو مشلولة، وكانت إحدى الساحات التي فرض فيها النظام السوري السابق فلسفته عن المواطنة في سوريا: لا مواطنين خارج دائرة الطاعة، ولا حقَّ في العلاج لمن يُصنَّف خارج الدولة. واليوم، يبدو أننا أمام تَحوُّل جديد: من مستشفى مُنهَك إلى «مول صحي» لا يدخله إلا القادرون على الدفع. في هذا الواقع، سيضطر كثيرون لبيع ما يملكون أو الاستدانة لتأمين العلاج، بينما يُترَك آخرون بلا أي خيار.
هذا هو واقع القطاع الصحي اليوم، قبل الخصخصة الكاملة. أما المضي في هذا المسار، دون ضمانات حقيقية للعدالة والشفافية، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وتحويلها من كارثة على الطريق إلى انهيار شامل.
موقع الجمهورية
———————————–
الصحة… “حق وكرامة” لا مساومة عليها/ سوسن جميل حسن
21 ابريل 2026
منذ صدر قبل أيّام تصريح رئيس هيئة الاستثمار السورية عن المشافي الحكومية وإمكانية إدراجها في منظومة “الخصخصة”، تشتعل مواقع التواصل الاجتماعي بين رافض للطرح ومؤيّد له.
تضطرم المعارك حول القرار، إلى مستوى من العنف اللفظي، كما هو مألوف بين السوريين، ليس اليوم فحسب، بل منذ عقد ونصف العقد. زادت من إضرام المشاعر بين العموم فيديوهات تدفّقت أيضاً في مواقع التواصل، تُظهر الحال المتردّي لأكثر المستشفيات العامة أهميةً، وكانت حتى وقت قريب تقدّم خدمات صحّية فائقة الأهمية والتخصّصية لعامة الناس، إلى أن تغلغل فيها الفساد ونخر أركانها الحيوية، ثم من بعده الحرب والعقوبات التي أدّت إلى حالة تشبه الانهيار التام، والمؤلم أيضاً تفشّي أمراض معدية لم توفّر الكادر الصحّي ومنها الجرب، في غياب أدوات النظافة من كوادر ومواد وبنية تحتية تسمح بالعمل.
هذا الواقع المزري، المحزن، والمهين للكرامة الإنسانية، أصابني في الصميم، أنا ابنة القطاع الصحّي في سورية، ولقد عملت نحو 30 عاماً فيه، عايشته في فترات الذروة، وعايشت تغلغل الفساد فيه بالتدريج، ثم استقلتُ من عملي في 2013. كانت المشافي العامة والتخصّصية التابعة لوزارات الدولة، إضافة إلى المراكز الصحّية ومراكز الرعاية، تقدّم خدمات صحّية كبيرة لعموم الشعب، فهناك المشافي التابعة لوزارة الصحّة، ولوزارة التعليم العالي، وهناك المشافي التابعة لوزارتي الدفاع والداخلية، وكانت المراكز المتخصّصة بطب الأورام تقدّم العلاج المجّاني للمواطنين. وأكبرها مشفى البيروني التابع لوزارة التعليم العالي. كذلك، كانت هناك أقسام خاصّة بالأمراض المزمنة تقدّم الرعاية الطبّية والعلاج لأصحاب أمراض مزمنة أو مرضى بحاجة إلى تدابير طبّية باستمرار للحفاظ على حياتهم، فتُقدَّم جلسات التنقية الدموية لمرضى قصور الكلية، والعلاج لمرضى السكّري بنوعَيه، والأدوية الخاصّة لمرضى الجهاز المناعي، وأمراض الكبد، وغيرها من الأمراض التي تهدّد الحياة أو تعطب الجسم فتحيل المصاب إلى شخص خامل يمضي حياته في المعاناة. هذا إضافة لتقديم العلاجات الجراحية وعلاجات الأمراض بأنواعها من طريق العيادات التابعة للمشافي أو في المراكز الصحّية.
في فترة الحرب، هناك منشآت صحّية كثيرة دُمّرت، وأخرى راحت تعاني قلّة الموارد بأشكالها كلّها، خصوصاً الموارد البشرية المتخصّصة بمغادرة قسم كبير منها البلاد. فبحسب إحصاءات عام 2010 كان عدد الأطباء العاملين في سورية يناهز 30 ألف طبيب، فانخفض خلال عقدٍ واحد إلى أقلّ من النصف، إذ غادر البلاد ما يُقدَّر بما بين 15 و20 ألف طبيب، أي ما يقارب ثلثي الكادر الطبي. وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أنّ نحو 70% من العاملين في القطاع الصحّي إمّا هاجروا إلى خارج البلاد أو نزحوا داخلياً، ما جعل بعض المناطق تعاني نتيجة وجود طبيبٍ واحد لكل عشرة آلاف شخص. وكانت ألمانيا الوجهة الأولى للأطباء السوريين، حيث يعمل اليوم ما يزيد على سبعة آلاف طبيب سوري يحملون الجنسية السورية في النظام الصحي الألماني. كما توجّه أطباء سوريون بكثافة إلى دول الخليج، ولا سيّما السعودية والإمارات وقطر، إضافة إلى بريطانيا والسويد وفرنسا. والمفارقة المؤلمة أنّ هؤلاء الأطباء حقّقوا نجاحاتٍ لافتة في بلدان اللجوء؛ فباتوا رؤساء أقسام، وأساتذة جامعات، وجراحين في اختصاصات دقيقة، وأسهموا في سدّ النقص الحاد في الأنظمة الصحية للدول المستقبِلة، في وقتٍ تُرك فيه النظام الصحي في بلدهم الأصلي مكشوفاً وعاجزاً.
في النتيجة، بعد صمت المَدافع وسقوط النظام، أظهر الواقع حجم الخراب في القطاع الصحّي. لكن هل الحلّ في خصخصتها من أجل النهوض بقطاع الصحّة؟ إنّ خصخصة أيّ قطاع تعني إدارته وفق آليات تهدف إلى الربح، وهذا أمر بديهي، ومقابل الخدمات التي تُقدَّم تُدفع رسوم تُحدَّد قيمتها بناء على جودتها، فهل سيكون بإمكان المواطن السوري، الذي يعاني أصلاً من حياة يحاصرها الفقر، دفع تكاليف الخدمات الصحّية التي يحتاجها؟
الغالبية العظمى من الشعب السوري اليوم تعيش عند خطّ الفقر، وربما تحته، فالدخل لا يتناسب مع كلفة الحياة، ولا يؤمّن الحدّ الأدنى من الغذاء، بل إنّ مواد كثيرة ضرورية من أجل بناء أجسام معافاة باتت حلماً بالنسبة إلى تلك الغالبية. وبالتالي، فإنّ نقص الغذاء بهذه الحدّة سوف يؤثّر في مناعة الأجسام ضدّ الأمراض، وسيؤثّر في عملية التعلّم لدى الأطفال، فقطاع التعليم يعاني أيضاً، ولا تتوافر فيه بيئات تعليمية آمنة وشاملة، وبالتالي، فإنّ أجساداً غير معافاة لن تستطيع المساهمة في النهوض الاقتصادي ولا العلمي. تقدّر الأمم المتحدة عدد الأشخاص الذين يحتاجون إلى المساعدة بـ16.5 مليون شخص، وهناك تسعة من كلّ عشرة سوريين يعيشون تحت خطّ الفقر. فكيف يمكن لهذا العدد، المُرشَّح للزيادة وفق الواقع الحالي، أن يتحمّل أعباء أو كلفة الرعاية الصحّية؟
ماذا عن الأمهات الحوامل عندما تحضر لحظة الولادة التي لا يمكن تأجيلها؟ ماذا عن الطوارئ والحالات الإسعافية؟ ماذا عن مرضى السرطان والقصور الكلوي والسكري والأمراض المناعية؟ ماذا وماذا أيضاً، والمرض يرافق الحياة على الدوام، فكيف بشعب ينهض من تحت الركام؟ وماذا، على سبيل المثال، لو تفشّت جائحةٌ تهدّد المجتمع بكامله، كما حصل مع جائحة كوفيد – 19؟ لا يمكن تصوّر احتمال من هذا النوع من دون الإصابة بالهلع إذا ما حصل.
الوصول إلى رعاية صحّية ذات جودة وحماية اجتماعية للجميع، والحدّ من وفيات الأمهات والأطفال، والقدرة على الصمود أمام الجائحات الطارئة واضطرابات المناخ، كلّها تحدّيات رئيسة، وهي من واجبات الدولة. وهذا الواقع يفرض عليها بناء أنظمة صحّية وحماية اجتماعية أكثر عدلاً واستدامةً وقدرةً على مواجهة تحدّيات الواقع والمستقبل، بالتوازي مع تعزيز الحماية الاجتماعية لمكافحة الفقر وعدم المساواة.
يحلم كل فرد ويسعى إلى العيش بأمان داخل مجتمعات متضامنة، حيث يعزّز المحيط الاجتماعي والبيئي الصحّة والرفاهية الجسدية والنفسية والاجتماعية، لكن الواقع في سورية لا تتوافر فيه هذه المحدّدات، فالمرافق العامة والخدمات في مجملها في حالة عجز، بينما من البديهي أن يتوقّع الناس من السلطات الصحّية أن تحميهم هم وعائلاتهم من كلّ ما يهدّد صحّتهم، ولا نتحدّث هنا عن الرفاهية التي تعدّ شاغل الحكومات في الدول الحديثة والمتقدّمة، فالرفاهية ترفٌ يمكن الاستغناء عنه في حالة التعافي والبناء.
في العام 2019، صرّحت اليابان، التي كانت تترأس مجموعة العشرين، بأنّ اعتماد البلاد نظاماً قائماً على تعميم التغطية الصحّية في عام 1961، ساهم في عقود من التقدّم الاجتماعي والاقتصادي. هذه من التجارب المهمّة التي يمكن الاستفادة منها، فإذا لم تقدّم الدولة ما يعزّز الصحّة للجميع، فلن يكون هناك أفراد أصحّاء قادرين على النهوض بالاقتصاد، حتى لو توفّر الدعم الاقتصادي. إنّ قوة عاملة أكثر صحّة ستكون قوةً عاملةً أكثر تنافسية وإنتاجية. هذه حقيقة تبرهنها تجارب من هذا النوع.
خصخصة المشافي في هذا الظرف العصيب الذي يعاني فيه الشعب بغالبيته لن يكون حلاً مجدياً في تطوير النظام الصحّي وجعله في خدمة المجتمع، ربّما تركيز الاهتمام على صيانة البنى الصحّية المتوافرة وجعل هذا الأمر من الأولويات يجدي أكثر، ومن الممكن على سبيل المثال فرض رسوم رمزية لا تؤثّر في معيشة الفرد التي هي في الأساس دون المستوى، قد يساهم في تأمين حدّ مقبول من الخدمات الصحّية، وقد يكون من المجدي أيضاً تسخير تلك التبرّعات التي قدّمها المجتمع الأهلي في عدّة محافظات في هذا الإطار، إضافةً إلى المبالغ المقدّمة وفق اتفاقات تجريها الحكومة مع بعض الجهات الدولية، منها اتفاقية مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في الترميم والإصلاح وصيانة البنى التحتية للمشافي كي لا يصدمنا الواقع بحالات مشابهة لتفشّي الأمراض السارية أو تفشّي القذارة في المرافق الصحّية وفي بيئات المشافي.
أعيدُ ما قاله الطبيب اللبناني إسماعيل سكّرية، وجعله عنواناً لكتابه عن الواقع الصحّي في لبنان، فذهب إلى أنّ: “الصحّة حقّ وكرامة”. أكثر ما يحتاج إليه الشعب السوري اليوم هو حقّ الصحّة وحقّ التعليم كي تنتعش كرامته ويستطيع المساهمة في صناعة المستقبل.
العربي الجديد
————————————
خصخصة الصحّة… عثرات اقتصاد السوق السوري/ مالك ونوس
18 ابريل 2026
يوحي كلام رئيس هيئة الاستثمار السوري عن توجّه حكومته نحو إلزام شركات القطاع الخاص بإدارة 71 مشفى حكومياً و”الاستفادة من عوائدها”، أنّ ثمّة خفّة لدى الفريق الحكومي في التعامل مع القضايا المصيرية، والمواضيع الخطيرة التي تمسّ أكثر جانب من حياة المواطنين أهمية، وتمسّ مستقبل البلاد. ويأتي هذا بعد توقيف عدة مصانع تابعة للقطاع العام كانت تعمل بوتيرة جيّدة، إضافة إلى تسريح كثيرين من موظّفي مصانع أخرى. وبينما يندرج هذا ضمن نهج اقتصاد السوق الحرّ الذي قالت الحكومة إنّها ستتبنّاه، فإنّ هذه الخطوات تُعدّ انعكاساً لرؤيةٍ غير ناضجة حول هذا النهج، تراه عبر تخلّي الدولة عن دورها في رعاية المجتمع، وكذلك تخلّيها عن القطاعات السيادية التي هي، في الحالة السورية، ملك للشعب الذي تحمّل تدنّي مستوى مداخيله ومعيشته، عقوداً، من أجل تأسيسها واستمرارها في العمل.
وكان رئيس هيئة الاستثمار السورية، طلال الهلالي، قد تحدّث عن هذا الموضوع في لقاء تلفزيوني، قبل أيّام، ما رأى فيه كثيرون توجّهاً إلى التربّح من معاناة أبناء الشعب، واستغلال حاجتهم للتطبيب من أجل زيادة المداخيل التي لا يعرفون الجهة التي ستصبّ فيها في النهاية، لأنّه لم يحدّد مَن سيستفيد من عوائدها. واستغرب كثيرون هذا الطرح لتعارضه مع صلاحيات هيئة الاستثمار السورية، لأنّ عائدية هذه المشافي لوزارة الصحّة، وهي وحدها المخوّلة بأن تقرّر ما إذا كان هنالك ضرورة لطرح هذا النوع من الإدارة. لذلك، كان من الأجدى لرئيس الهيئة أن يدعو القطاع الخاص، في الداخل والخارج، إلى المساهمة في تأسيس مشافٍ جديدة وحديثة تتماشى مع المعايير الدولية، يقصدها من يستطيع من السوريين وغيرهم، لا المقامرة بمشافي الفقراء.
لكن، وبغضّ النظر عن موضوع الصلاحية، رأى محلّلون اقتصاديون أنّ لا يحقّ لأيّ طَرف حكومي أن يُجري تغييراً في ملكية هذه المشافي، ولو على شكل إدارة من خارج الملاك، خصوصاً أنّ الحكومة انتقالية، لا تسمح لها القوانين بتقرير مصير مؤسّسات سيادية. والسبب الآخر أنّ ملكية المشافي تعود إلى الشعب السوري الذي دفع ثمنها من عرقه ومعاناته وكفاحه سنواتٍ طويلة، نتيجة انخفاض مستوى الدخل والرواتب، واعتادت حكومات الأسد على تبرير هذا بأنّ الدولة تتحمّل تكاليف الصحّة والتعليم المجّانيين، وتدعم المحروقات والخبز وغيرها، مقابل الرواتب الضعيفة.
ويأتي هذا الكلام في وقت أورد فيه تقرير خطّة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية لسورية 2026 أنّ 16 مليوناً و500 ألف شخص يحتاجون مساعدات، بينها المساعدات الطبّية. كما يأتي في غياب خطّة ضمان صحّي متكاملة تغطّي كلّ الخدمات العلاجية. كذلك، يأتي في وقت وصلت فيه نسبة الفقر المدقع في البلاد إلى 80%، مع انعدام الأمن الغذائي لهؤلاء. لذلك، تلزيم هذه المشافي للقطاع الخاص سيولّد كوارث صحّية غير متوقّعة، نتيجة انعدام قدرة المواطنين على دخول تلك المشافي لتلقّي العلاج. وسيؤدّي أيضاً إلى زيادة الأمراض المزمنة، وكذلك المُعدِية، وموت المرضى نتيجة انعدام الرعاية الصحّية. ما سيؤثّر في اقتصاد البلاد نتيجة الجائحات المرضية التي ستظهر، خصوصاً مع إيقاف الحكومة معمل تاميكو لإنتاج الدواء عن العمل الذي كان يُعدّ المعمل الأكبر في البلاد، وكان يوفّر الأدوية بأسعار رمزية.
ونتيجة الخوف والاستهجان منقطع النظير الذي قوبل به كلامه، سارع رئيس هيئة الاستثمار إلى إصدار بيان توضيحي، في 9 إبريل/ نيسان الجاري، عزاه إلى التفاعل الواسع مع ما طرحه، وأوضح فيه أنّ “الصحّة ليست للبيع، ولن تكون، وأنّ الواقع الطبّي لن يشهد تغييراً يمسّ جوهر دوره الوطني”. ويأتي كلامه هذا، على الرغم من أنّه تحدّث في اللقاء التلفزيوني صراحةً عن “الاستفادة من عوائدها”، أي المشافي، أي بيع الخدمة الصحّية، وهو ما يعني في النهاية الخصخصة، كما فسّره محلّلون اقتصاديون. ومن هنا، فإنّ هذا الطرح، وغيره من القرارات التي اتخذتها الحكومة بإغلاق مؤسّسات إنتاجية وزيادة تعرفة الكهرباء والاتصالات، ورفع الدعم عن المحروقات الذي انعكس زيادةً هائلةً في أسعار الخبز والنقل، والكلام عن التوجّه إلى خصخصة التعليم، وبقاء الدخل أدنى من متطلّبات المعيشة… ذلك كلّه يعطي فكرةً عمّا سيكون عليه النهج الذي قرّرت السلطة اتباعه: اقتصاد السوق الحرّ بنسخته السورية.
فنهج اقتصاد السوق الحرّ هذا تحدّث عنه الرئيس أحمد الشرع مبكّراً، وفي الشهر الأول بعد سقوط نظام الأسد. كذلك تحدّث عنه وزير الخارجية أحمد الشيباني ورئيس الحكومة السابقة محمّد البشير، من دون صدور أيّ أسس نظرية تبيّن شكل هذا النهج. أمّا دافعهم إلى تبنّيه، فهو لكي يكون بديلاً ممّا سمّوه “الاقتصاد الاشتراكي” الذي قالوا إنّ الأسد كان يتبنّاه، بينما كان النهج المتّبع خلال حكم الأسد خليطاً اقتصادياً غير واضح المعالم، أدخل البلاد في فوضى اقتصادية، ومنع، مع موانع أخرى، من دخول الاستثمارات الكبيرة. وهنا ليس معلوماً ما إذا كان القطاع العام يُعدّ بالنسبة إليهم رمزاً للاقتصاد الاشتراكي، وهي عقلية تُشيطن كلّ ما له علاقة برعاية الدولة للمجتمع، حتى لو كان في حدّه الأدنى، كما كان متّبعاً أيّام الأسد.
يبدو أنّ الدولة التي تقامر بإغلاق المصانع وتستهدف القطاع العام بمحاولة بيعه، تريد نموذج اقتصاد سوق سوري بحت، يختلف عمّا هو متّبع في أيّ دولة أخرى. وهو وفق الرؤية الحالية للحكومة يُعدّ نموذجاً متطرّفاً، لا يرى في المواطن سوى زبون تبيعه التعليم وتبيعه الخدمات الصحّية، من دون أن تقدَّم له أيّ نوع من الضمان أو التعويضات، بينما الدول الرأسمالية التي تتبنّاه تُصنِّف هذا القطاع سيادياً، وتدعم النقل والتعليم بمراحله كافّة. أمّا الحكومة السورية فتنظر إلى السلع الخدمية والتنموية سلعاً هدفها الربح، مثل الكهرباء الذي زادت تعرفتها عشرات الأضعاف، بينما هي عامل ضروري للنهوض، والمفترض بالحكومة دعم هذا القطاع من أجل أن يسهم في نهوض قطاعات أخرى مثل الصناعة والخدمات. ونتيجةً لذلك، انعكست تلك السياسة إقفالاً للمصانع والمعامل والورشات الصغيرة، بسبب عدم قدرتها على تحمّل التكلفة العالية للكهرباء التي تبتلع مداخيل هذه القطاعات.
كان مفترضاً بالحكومة السورية الجديدة أن تبني على ما هو متوفر لديها من بنية تحتية، عبر تطويرها، وجلب الخبرات السورية لإدارتها، من أجل التغلّب على الفساد والهدر الذي كان ينهشها خلال حكم الأسد، فتحقّق للدولة أرباحاً تنعكس على حياة المواطنين وتؤسّس للتنمية. غير أنّ غياب الخطط، وانعدام الرؤية المستقبلية، وإقصاء الكوادر، وكذلك الموقف المسبق من قطاع الدولة الإنتاجي، جعل هذا القطاع في مهبّ الريح. وليس مفاجئاً، والحال هذه، أن يخرج رئيس هيئة الاستثمار بالطرح الذي أخاف السوريين وأقلقهم، إذ إنّ البيئة المناسبة لقدوم استثمارات جديدة لم تتوافر بعد سنة ونصف السنة على خلع الأسد. غير أنّ هذا كلّه لا يبرّر المقامرة بمؤسّسات تمسّ حياة الناس الذين بات الاستمرار في قيد الحياة أكثر ما يبحثون عنه، وعن خطط لضمانه.
العربي الجديد
———————————-
ملف الخصخصة عندما يُفتح مجددًا/ سلمان عز الدين
12 أبريل 2026
لم يكن السوريون ينتظرون تصريحًا من مسؤول حكومي حول المشافي العامة، حتى يصحو لديهم هاجس الخصخصة. فقلد سبق ذلك الكثير من الإشارات والتلميحات، وبعض التصريحات أيضًا، بخصوص العديد من أنشطة القطاع العام المختلفة.
وكان رئيس هيئة الاستثمار السورية، طلال الهلالي، قال منذ أيام، في حديث تلفزيوني، إن القطاع العام الصحي يملك نحو 71 مشفى، مقترحًا تسليمها “لشركات متخصصة في القطاع الخاص لإدارتها والاستفادة من عوائدها، ويكون العمل بها على شكل شراكة مع الدولة”، مشيرًا إلى تجربة الخصخصة في قطاع التعليم الذي شهد إنشاء مدارس خاصة.
ورغم أن الهيئة استدركت الأمر عبر تقديم توضيح لكلام رئيسها، بدت فيه وكأنها تسجل تراجعًا عن التوجه الذي أعلنه، مؤكدة أن “صحة المواطن لا تقبل المساومة”، إلا أن تكرار هذا الأسلوب في مناسبات عديدة سابقة، حال دون أن يكون التوضيح رسالة طمأنة فعالة.
وكان مستقبل القطاع العام قد أخذ حيزًا واسعًا من النقاش السوري العام، زمن النظام السابق، في السنوات التي سبقت الثورة السورية عام 2011. حتى أن منتدى الثلاثاء الاقتصادي كاد أن يتخصص في عنوان وحيد هو الخصخصة.
وتوزعت الآراء يومها على ثلاث وجهات نظر رئيسية، كانت الأولى متحمسة لبيع القطاع العام برمته وطي صفحة حضور الدولة في الاقتصاد وكل ما يمت إلى “الإرث الاشتراكي” بصلة. بالمقابل، وعلى النقيض، وقف أنصار الدفاع عن “مكتسبات الشعب السوري وطبقته العاملة”، وكان بينهم شيوعيون، من “الجبهة الوطنية” وخارجها، وبعثيون قدامى إلى جانب أصوات نقابية، سُمح لها بالتعبير ضمن هوامش وحدود معينة، وهو أمر نادر في الحياة السياسية زمن الأسدين، لا سيما في ظل توجهات حكومية معلنة ذات طرح مختلف. ولقد تلخصت رؤية هؤلاء في أن القطاع العام يعاني من بعض الخلل الذي يمكن إصلاحه بـ “تزييت مفاصله” والقضاء على الفساد وتولية “المخلصين”، وبالتالي فالتجربة مرشحة للبقاء والتحسن دون أي تعديل.
أما أصحاب وجهة النظر الثالثة فقد رأوا أن تجربة القطاع العام شهدت أكثر بكثير مما يوصف بـ “بعض الخلل” وأن مآله السيء يعكس مشكلات بنيوية لا يمكن تجاهلها، ولكن ذلك يجب أن لا يقود إلى التسرع في السير بالطريق المعاكس، بلا تحفظ أو قيود، مستذكرين تجارب الخصخصة والانفتاح الفاشلة في دول ذات ظروف مشابهة. ودعا هؤلاء إلى الانتقال المضبوط نحو خصخصة مدروسة في قطاعات، مع الاحتفاظ بدور هام للقطاع العام في قطاعات أخرى، وكذلك ضرورة أن تلعب الدولة دورًا أساسيًا في الإشراف والرقابة وحماية الطبقات الضعيفة والهشة، والحفاظ على قدر معقول من العدالة الاجتماعية.
وقيل، في تلك الأيام، إن النظام الذي لم يعتد على السماح بالنقاش الواسع في أي قضية عامة، قد أراد أن يرمي بالونات اختبار، وأن ينفس عن الاحتقان الشعبي، ويهيء الرأي العام لنقلة قاسية سوف تشكل ضغطًا كبيرًا على شرائح واسعة من السوريين.
على أي حال، فقد صار كل هذا النقاش وراءنا بعد انطلاق الثورة السورية وحرب النظام الشعواء على شعبه. والاقتصاد السوري بعد ذلك المفصل التاريخي صار بلا شكل أو ملامح، بحيث لا يمكن لأي نظرية اقتصادية أن تحدده أو توصفه، حيث انتقل النظام إلى أسلوب النهب السافر والمباشر “التشليح”، وصارت تشكيلات عسكرية وميليشيات متعددة فواعل محورية في هذا الاقتصاد، كما انطلق اقتصاد من نوع خاص مرتبط بتصنيع الكبتاغون والتجارة به!
وبعد أشهر الاستراحة والانشراح التي أعقبت سقوط النظام، كان لا بد لهذا الملف، “الخصخصة”، من أن يُفتح مجددًا، فالاقتصاد السوري منهار تمامًا، الصناعة متوقفة والزراعة تعيش ظروفًا صعبة للغاية، والبلاد بوضعها الراهن لا يمكن تكون محل جذب للاستثمار. وبناء على ذلك يقول البعض إنه لا بد من خطة إصلاح شاملة وإنه لا يمكن العودة إلى تجربة القطاع العام الفاشلة، حيث الشركات والمؤسسات العامة مترهلة ومثقلة بالعمالة الزائدة ومنخورة بالفساد والمحسوبيات وعدم الكفاءة.
وإذ يقر آخرون بهذه العيوب التي أفضت إلى هذا المآل، فإنهم يحذرون من أن يدفعنا ذلك إلى طريق آخر لا يقل خطورة، فالطبقات الهشة والضعيفة في سوريا صارت أكثر اتساعًا وهشاشة بكثير. ملايين السوريين يعيشون تحت الفقر، ملايين يفتقدون الأمن الغذائي ويعيشون على المساعدات الإنسانية. وهؤلاء إذا كانوا بحاجة ماسة إلى انطلاق اقتصاد أكثر كفاءة ومردودية، وحضور استثمارات خاصة تحرك العجلة، فإنهم كذلك يحتاجون إلى حماية وضمانات تكفل عدالة الفرص وتوزيع العوائد وأن تكون الخدمات الأساسية في متناولهم.
وسوف يتابع خبراء الاقتصاد نقاشهم وطرح نظرياتهم، أما هواجس كثير من السوريين وأمانيهم فتتوجه، كما يبدو، إلى صيغة عامة مبدئية: فتح الأبواب أمام الاستثمارات والأموال الخاصة، مع الإبقاء على قطاعات الصحة والطاقة والتعليم في مأمن من منطق الربح السريع واقتناص الفرص والصفقات قصيرة النظر، وهو للأسف ما اعتادوه من قطاعهم الخاص في السنوات الماضية.
الترا سوريا
————————-
المشافي العامة في سوريا: نفي رسمي للخصخصة وسط مخاوف شعبية/ أحمد العكلة
15 أبريل 2026
تتصاعد في العديد من المحافظات السورية النقاشات حول خصخصة المشافي كأحد الخيارات المطروحة لإصلاح الأنظمة الصحية وتحسين كفاءتها، إلا أن هذا التوجه غالبًا ما يثير مخاوف شعبية واسعة، خاصةً في المجتمعات التي تعتمد على القطاع العام في تأمين الرعاية الصحية المجانية.
وترتبط هذه المخاوف بإمكانية ارتفاع تكاليف العلاج وتراجع قدرة الفئات محدودة الدخل على الوصول إلى الخدمات الطبية الأساسية، ما يجعل من هذا الملف قضية حساسة تتجاوز البعد الاقتصادي إلى أبعاد اجتماعية وإنسانية.
في الداخل السوري، يكتسب هذا الموضوع أهمية مضاعفة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة والتحديات التي يواجهها القطاع الصحي نتيجة سنوات من الحرب، وما خلفته من أضرار في البنية التحتية ونقص في الكوادر والموارد.
ومع تداول أنباء حول توجه محتمل لخصخصة المشافي العامة، برزت حالة من القلق في الأوساط الشعبية، ما دفع الجهات الرسمية إلى توضيح موقفها بشكل مباشر.
أكد مصدر في وزارة الصحة السورية لموقع “الترا سوريا”، فضل عدم الكشف عن اسمه، عدم وجود أي توجه حكومي نحو خصخصة المشافي العامة أو طرحها للاستثمار، مشددًا على استمرار تقديم الخدمات الصحية مجانًا للمواطنين، مع التزام الدولة بتعويض أي نقص في الإيرادات وضمان استمرار عمل هذه المشافي بالشكل المعتاد.
وفي إطار تطوير القطاع الصحي، أوضح المصدر أن الوزارة تعمل على رفع مستوى الخدمات الطبية بالتوازي مع إصدار حزمة من التشريعات الصحية الجديدة، بعضها دخل حيّز التنفيذ، بينما لا يزال البعض الآخر قيد الإقرار. وبيّن أن تحسين النظام الصحي يتطلب توفير مصادر تمويل مستقرة وواضحة، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بنقص الموارد.
وفيما يتعلق بالتأمين الصحي، أشار إلى أنه يمثل خيارًا أساسيًا لدعم تمويل القطاع بديلًا من الخصخصة، لافتًا إلى أن العمل على هذا الملف بدأ منذ تموز/يوليو الماضي من خلال لجنة مشتركة مع هيئة التأمين. وأكد أن نجاح هذه الخطوة مرتبط بتحسين جودة الخدمات، إضافة إلى ضرورة تطوير البنية التحتية للمشافي وتأمين الأدوية والتجهيزات اللازمة.
وبيّن أن نظام التأمين سيغطي الخدمات الأساسية والطوارئ والأدوية، إلى جانب رعاية الحوامل وخدمات طب الأسنان والأطفال للعاملين المشمولين، مع دراسة إمكانية توسيع نطاقه ليشمل موظفي القطاع الخاص. كما شدد على أن الدولة ستتكفل بدعم الفئات غير القادرة، وأن زيادة عدد المشتركين ستسهم في تعزيز موارده.
وفي سياق التحديات، لفت إلى أن تقادم الأجهزة الطبية وغياب بعضها يشكلان عائقًا أمام تحسين جودة الخدمات، إلى جانب نقص بعض الأدوية النوعية. وأشار إلى تحقيق تقدم جزئي في هذا المجال، مع استمرار العمل للوصول إلى حلول شاملة، رغم تأثير العقوبات وتراكم ديون سابقة لشركات دوائية عالمية، ما انعكس سابقًا على عمليات الاستيراد قبل أن تتحسن الأوضاع تدريجيًا بعد تسوية جزء من هذه الالتزامات.
كما أعلن المصدر عن إطلاق مناقصة جديدة لتأمين أدوية المشافي بقيمة تتجاوز 60 مليون دولار، بمشاركة شركات محلية ودولية، مع التأكيد على عدم تحميل المواطنين أي أعباء إضافية، وضبط أسعار الأدوية، وتحسين هامش أرباح الصيادلة عبر المعامل الدوائية.
وعلى صعيد الموارد البشرية، أشار إلى أن هجرة الكفاءات الطبية تمثل تحديًا كبيرًا، خاصة مع النقص الحاد في بعض المناطق المتضررة. وأكد العمل على استقطاب كوادر جديدة وتأهيل بدائل محلية، إضافةً إلى تحسين الحوافز المالية للأطباء الاختصاصيين، مع وقف الاستثناءات المتعلقة بنقل العاملين بين المحافظات حتى نهاية عام 2026 بهدف معالجة سوء التوزيع.
كما أوضح وجود أكثر من 20 مشفى خارج الخدمة بسبب الدمار، مع استمرار الجهود لإعادة تأهيلها ضمن خطة وطنية تهدف إلى إعادة بناء القطاع الصحي وتشجيع عودة السكان، إلى جانب تعزيز دور مراكز الرعاية الصحية الأولية لتخفيف الضغط عن المشافي.
وتناول أيضًا ضعف التنسيق السابق بين الجهات المعنية، والذي أدى إلى اختلال في توزيع الأدوية، مشيرًا إلى أن المشافي التعليمية تتبع لوزارة التعليم العالي، وأن التنسيق لا يزال محدودًا، مع توجه نحو التحول الرقمي وربط قواعد البيانات لتحسين إدارة القطاع.
وفي الجانب الخدمي، أعلن عن تخصيص يوم أسبوعي لاستقبال شكاوى المواطنين في مديريات الصحة، مع التعهد بالتعامل الجاد مع أي تجاوزات، واتخاذ إجراءات صارمة بحق المخالفين، مع التأكيد على أن صحة المواطن تأتي في مقدمة الأولويات.
كما أشار إلى طلب دعم لإنشاء مركز متكامل لعلاج السرطان في المنطقة الشرقية، حيث تمت الاستجابة بسرعة وتشكيل لجنة فنية، إلا أن زيارتها تأجلت بسبب الظروف الإقليمية.
واختتم بالتأكيد على العمل لتطوير خدمات الإسعاف من خلال نظام رقمي لتتبع المركبات وربطها بمراكز الطوارئ، وتنظيم عمليات نقل المرضى، مع دراسة فرض رسوم رمزية مستقبلًا على الحالات غير الطارئة التي تتوجه مباشرة إلى المشافي دون المرور بالمراكز الصحية.
في استطلاع لآراء عدد من المواطنين، عبّر محمد علبي عن ارتياحه لنفي الحكومة وجود نية لخصخصة المشافي، معتبرًا أن هذا القرار يحمي حقهم في العلاج المجاني في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
وأشار في حديث لموقع “الترا سوريا” إلى أن أي توجه نحو الخصخصة كان سيؤدي إلى حرمان شريحة واسعة من المرضى من الحصول على الرعاية الصحية.
في المقابل، أبدى محمد سالم نوعًا من الحذر، معتبرًا أن التحديات الاقتصادية قد تدفع مستقبلًا إلى اتخاذ خطوات غير مباشرة باتجاه تقليص الدعم الحكومي، وهو ما يتطلب، بحسب رأيه، شفافية مستمرة من الجهات الرسمية.
وركز في حديث لموقع “الترا سوريا” على ضرورة تحسين جودة الخدمات داخل المشافي الحكومية، مشددًا على أن المشكلة الأساسية لا تتعلق فقط بمسألة الخصخصة، بل بمدى توفر الأدوية والتجهيزات وكفاءة الكوادر الطبية.
كما لاقت فكرة توسيع نظام التأمين الصحي قبولًا لدى بعض المواطنين، الذين رأوا فيها حلًا عمليًا يمكن أن يسهم في دعم القطاع دون تحميل المرضى أعباء كبيرة، شرط أن يتم تطبيقه بشكل عادل ويشمل مختلف فئات المجتمع.
يعكس التصريح الرسمي توجهًا واضحًا نحو الحفاظ على الطابع العام والمجاني للقطاع الصحي في سوريا، مع العمل على تطويره من خلال إصلاحات تدريجية وآليات تمويل بديلة. وبينما يرحب المواطنون بهذا التوجه، تبقى التحديات القائمة عاملًا حاسمًا في تحديد مستقبل الخدمات الصحية، ما يجعل من تحسين الجودة وضمان الاستدامة أولوية لا تقل أهمية عن مسألة الخصخصة نفسها.
الترا سوريا
———————————-
المشافي الحكومية بين الشراكة والخصخصة.. تطوير الخدمات أم عبء جديد على المواطن؟/ ميساء العلي
إشراك القطاع الخاص في إدارة مستشفيات حكومية.. بين الحاجة إلى تحسين الخدمات والمخاوف من ارتفاع تكاليف العلاج
أبريل 9, 2026
أثار حديث هيئة الاستثمار السورية حول إمكانيات الشراكة مع القطاع الخاص في إدارة بعض المستشفيات الحكومية جدلاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية والاجتماعية، في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي يواجهها المواطنون لا سيما الفئات الأكثر هشاشة.
ووسط مخاوف من الآثار المحتملة لهذه الخطوة على قدرة المواطنين على الوصول إلى العلاج، أكدت الدولة استمرار دورها كضامن أساسي للرعاية الصحية، لكن رغم ذلك، يبقى السؤال مطروحاً حول كيفية الموازنة بين جذب الاستثمار وتحسين الخدمات دون المساس بحقوق الفئات الأكثر ضعفاً.
وارتفع عدد المستشفيات التابعة لوزارة الصحة من 70 مستشفى قبل التحرير إلى 90 مستشفى باستثناء مستشفيات الجزيرة، حيث وصل العدد الكلي بعد تحريرها إلى أكثر من 130 مستشفى بمختلف المحافظات، كما يجري العمل على إعادة تفعيل 38 مستشفى خارج الخدمة، تعرضت لأضرار جزئية أو كلية، بسبب الإهمال وجرائم النظام المخلوع.
وكان رئيس هيئة الاستثمار طلال الهلالي، تحدث في تصريحات عن توجه الحكومة لمنح القطاع الخاص دوراً مباشراً في إدارة 71 مستشفى حكومياً، بهدف الاستفادة من عوائد هذه المنشآت.
لكن هيئة الاستثمار أكدت في بيان لاحقاً، أن الواقع الطبي لن يشهد تغييراً يمس جوهر دوره الوطني، وأن الدولة ستبقى الضامن الأساسي للعلاج، ولن يُحرم أي سوري من حقه في الطبابة بسبب وضعه المادي.
تطمينات رسمية
وذكرت الهيئة في بيان، الخميس، أن ما صُرّح عنه في مقابلة إعلامية مؤخراً حول خصخصة المستشفيات الحكومية، هو بحث في نماذج إدارة حديثة بالشراكة مع القطاع الخاص، هدفه تحسين آليات العمل والخدمات المقدمة، بما يرفع الكفاءة ويخدم المواطن أولاً لضمان وصول العلاج لكل مواطن بكرامة.
وأشارت إلى أنه استناداً إلى التفاعل الواسع الذي شهدته منصات التواصل الاجتماعي أمس، وإلى الآراء المشروعة التي عبّر عنها الرأي العام حول ما ورد في المقابلة بشأن مستقبل المستشفيات الوطنية، فإنها تؤكد أن قلق المواطنين مفهوم ومحل تقدير.
وشددت الهيئة في بيانها أن الصحة ليست للبيع، وأن أي نموذج سيتم اعتماده سيكون تحت إشراف الدولة ورقابتها الكاملة وبما يصون حقوق المواطنين ويرتقي بمستوى الخدمات الصحية.
من جهته، أكد مدير مديرية المنشآت الصحية في وزارة الصحة واصل الجرك، أن الوزارة مستمرة في تحسين الخدمات في مستشفياتها الحكومية عبر تحديث الأجهزة الطبية، وتأهيل البنية التحتية، كما يجري العمل على إعادة تفعيل 38 مسشتفى خارج الخدمة وإطلاق مشاريع جديدة لجذب الاستثمار في هذا القطاع.
وأوضح الجرك أن الهدف من التشجيع على الاستثمار في المجال الطبي تنفيذ مشاريع نوعية غير متوفرة حالياً في سوريا، تسهم في تخفيف أعباء سفر المرضى إلى الخارج لتلقي مثل هذه الخدمات أو الحصول عليها عبر مستشفيات القطاع الخاص، كزرع الأعضاء منها الكبد، ونقي العظم، وغيرها.
وشدد على أن الوزارة تتولى تنظيم المشاريع الاستثمارية ومراقبتها وضبطها، بما يضمن بيئة استثمارية صحية، مع إلزام المستثمرين بتخصيص نسبة مجانية أو أجور منخفضة لقاء الخدمات المقدمة للمرضى السوريين في حالات خاصة، إضافة إلى خدمات مدفوعة التكاليف للمرضى من داخل وخارج البلاد.
وقال الجرك: “وزارة الصحة تعتمد نموذجاً مشابهاً في شراكتها مع الجانب التركي في مستشفيي دمر بدمشق والأورام في حلب، حيث طرحت إدارة المستشفيين سابقاً فرض رسوم على المرضى، إلا أن الوزارة أصرت على أن تكون الخدمات مجانية بالكامل في الوقت الحالي”.
وأضاف: “الوزارة بحثت إمكانية شراء الخدمة من القطاع الخاص في مجال التشخيص المخبري والشعاعي داخل المستشفيات الحكومية، بهدف تحديث الأجهزة وضمان جودة الخدمة ومنع انقطاعها”، مؤكداً أن الوزارة هي التي تدفع تكاليف هذه الخدمة من المستشفيات الخاصة، وليس المرضى، وسيتم الإعلان عن التفاصيل مسبقاً في حال اعتماد هذا النظام.
إشراك القطاع الخاص
استبعد الخبير الاقتصادي الدكتور فراس شعبو، بيع المستشفيات الحكومية إلى القطاع الخاص، حالياً أو مستقبلاً، مؤكداً أن هذه المسألة حساسة وتمس الكفاءات الصحية والعدالة الاجتماعية في الوقت ذاته.
وأوضح شعبو لصحيفة “الثورة السورية” أن ما قد يحدث هو إشراك القطاع الخاص في إدارة وتشغيل المستشفيات، بهدف تحسين الأداء، وتقليل الهدر، وإدخال تقنيات طبية حديثة تحفز الأطباء، ما يجعل المستشفيات العامة أكثر قدرة على تقديم الرعاية الصحية للمواطنين، خصوصاً في ظل الوضع الحالي الصعب.
وأشار إلى أن مشاركة القطاع الخاص قد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار، لكن الدولة قادرة على التدخل بتحديد سقف للأسعار ودعم الفئات الأكثر هشاشة عبر نظام التأمين الصحي.
تحسين الكفاءة
من جهته، رأى المحلل الاقتصادي شادي سليمان، أن خصخصة الميتشفيات تهدف عادة إلى تحسين الكفاءة وتقليل الأعباء المالية على الدولة، عبر نقل إدارة المؤسسات إلى القطاع الخاص، الذي يُفترض أن يكون أكثر قدرة على الاستثمار والتطوير. ومن الممكن أن يؤدي ذلك إلى رفع جودة الخدمات الطبية، وتحديث المعدات، وتحسين مستوى الكوادر الصحية.
مع ذلك، غالباً ما تكون هذه الفوائد مشروطة بقدرة المواطنين على تحمّل تكاليف الخدمات الصحية. وبالنسبة للفئات الفقيرة، قد تشكل خصخصة المستشفيات عبئاً كبيراً، إذ كانت المستشفيات العامة الملاذ الأساسي لهم. ومع انتقال الإدارة للقطاع الخاص، من المرجح أن ترتفع تكاليف العلاج، ما قد يمنع شريحة واسعة من المواطنين من الوصول إلى الرعاية الصحية أو يدفعهم لتأجيل العلاج، بما يزيد من الحالات الصحية والتكاليف على المدى الطويل.
وأضاف سليمان لصحيفة “الثورة السورية” أن ضعف نظام التأمين الصحي يزيد من مخاطر هذا التحول، إذ لا توجد حماية كافية للفئات الهشة من ارتفاع الأسعار، ما قد يوسع الفجوة الاجتماعية بين الأغنياء والفقراء، ويؤدي إلى آثار غير مباشرة مثل زيادة معدلات الفقر، ولجوء بعض الأسر للاستدانة، أو بيع ممتلكاتها لتغطية تكاليف العلاج، إضافة إلى التأثير السلبي على الإنتاجية الاقتصادية.
ولتخفيف هذه الآثار، اقترح سليمان تبني سياسات مرافقة، تشمل دعم الفئات الفقيرة بشكل مباشر، وتوسيع نظام التأمين الصحي، وفرض رقابة صارمة على أسعار الخدمات الطبية في القطاع الخاص، لضمان عدم استغلال المواطنين.
وأشار إلى أن خصخصة المستشفيات الحكومية تمثل سيفاً ذا حدين، إذ يمكن أن تحسن القطاع الصحي من حيث الجودة والكفاءة، لكنها في الوقت نفسه تحمل مخاطر كبيرة على العدالة الاجتماعية، ما يستلزم تخطيطاً دقيقاً وإجراءات حماية فعالة لضمان أن تبقى الصحة متاحة للجميع.
مخاطر صحية
أوضحت الباحثة الاقتصادية رشا سيروب، لصحيفة “الثورة السورية”، أن للخصخصة مفهومين: ضيق وواسع.
وأشارت إلى أن الخصخصة بالمعنى الضيق تعني نقل ملكية القطاع العام إلى القطاع الخاص، وهو أمر مرفوض وغير منصوص عليه قانونياً. أما الخصخصة بالمعنى الواسع، فتتمثل في تخلي الدولة جزئياً أو كلياً عن جزء من مهامها لصالح القطاع الخاص.
ولفتت سيروب إلى أن ما تقوم به الحكومة حالياً من منح امتيازات أو استثمارات للقطاع الخاص وفق نظام POT وشراكات بين القطاع العام والخاص يُعد شكلاً من أشكال الخصخصة، مضيفة أن الاعتراض على “مبررات طرح القطاع العام للقطاع الخاص”.
وأضافت أن أجرة ليلة في غرفة بمستشفى خاص تعادل مثيلتها بفندق، محذرة من زيادة أعداد الوفيات وانتشار الأمراض، لأن ارتفاع أسعار الخدمات الصحية سيؤدي إلى حرمان المواطن من الاستفادة منها.
وأضافت أن بيانات الأمم المتحدة تشير إلى أن 12.8 مليون سوري بحاجة إلى مساعدات صحية، وأن 83 بالمئة من الأسر أنفقت أموالاً على الصحة خلال الأشهر الستة الماضية، مما يسلط الضوء على الإنفاق المباشر الواسع النطاق وعوائق القدرة على تحمل التكاليف.
كما ذكرت أن الأمراض المعدية لا تزال مصدر قلق بالغ للصحة العامة، وأن الأمراض غير المعدية تسهم بنحو 70 بالمئة من الوفيات، فيما تبلغ نسبة المجتمعات المحلية التي تبلّغ عن عدم توفر الأدوية لعلاج الأمراض غير المعدية 58 بالمئة.
وأكدت أنه “لا يجب التعامل مع الصحة والخدمات الحياتية على أنها تجارة”.
منطق التنمية الاقتصادية
رأى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، أن الاقتصاد السوري يواجه ضعفاً بنيوياً عميقاً يعوق قدرته على استعادة مسار التعافي، ويُعد نقص التمويل في القطاعات الاقتصادية العامة أحد أبرز التحديات التي تكبح أي محاولة للنهوض، إذ تعاني معظم القطاعات الإنتاجية والخدمية من نقص حاد في الموارد المالية اللازمة لإعادة التشغيل أو التحديث.
وقال قوشجي لصحيفة “الثورة السورية”، إن فتح باب الاستثمار الخاص في القطاعات العامة يمثل محاولة لتعويض غياب التمويل الحكومي، ورغم أن هذا التوجه يبدو من حيث المبدأ خطوة منطقية، فإن تطبيقه في قطاعات حساسة مثل الصحة والتعليم يحمل آثاراً اجتماعية واقتصادية خطيرة، خصوصاً في بلد تتراوح فيه نسبة الفقر بين 80 بالمئة و90 بالمئة من السكان، إذ سيؤدي استثمار القطاع الخاص في الخدمات الأساسية إلى ارتفاع تكاليفها، ما يزيد العبء على الفئات الأكثر هشاشة ويعمّق فجوة عدم المساواة.
وأشار قوشجي إلى أن الأجدى، وفق منطق التنمية الاقتصادية، أن يتجه الاستثمار نحو القطاع الصناعي العام بوصفه القاطرة القادرة على تحريك عجلة الاقتصاد. وأوضح أن القطاع الصناعي يمتلك القدرة على:
خلق فرص عمل واسعة تستوعب شرائح كبيرة من القوى العاملة.
تنشيط سلاسل الإنتاج وتحفيز الاستثمارات المساندة في النقل والخدمات والطاقة والمواد الأولية.
رفع مستويات الدخل وبالتالي تعزيز القدرة الشرائية للمواطنين.
توسيع القاعدة الضريبية وزيادة الإيرادات العامة دون تحميل المجتمع أعباء إضافية.
واختتم قائلاً: “تطوير القطاع الصناعي العام وتحويله إلى محرك للنمو كان سيؤدي إلى تحسين مستويات المعيشة، ما يجعل المواطنين أكثر قدرة على تحمل تكاليف الخدمات الصحية والتعليمية حتى إذا تم استثمارها لاحقاً من قبل القطاع الخاص، بعد تحقيق حد أدنى من التعافي الاقتصادي”.
الثورة السورية
———————-
الرعاية الصحية في سوريا بين منطق الخصخصة وحق العدالة الاجتماعية/ بتول الحكيم
12 أبريل 2026
أثار تصريح رئيس هيئة الاستثمار طلال الهلالي حول خصخصة المستشفيات استياءً بين المواطنين في الشارع السوري وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، على الرغم من إصدار الهيئة توضيحًا يقضي بالتوجه نحو الشراكة بين القطاع الحكومي والخاص، بهدف تحسين جودة الخدمات في المستشفيات، والتأكيد على أن صحة المواطن لن تخضع للمزاودات، إلا أن التوجس من هذا التوجه لا يزال قائمًا.
ومن منظور اقتصادي، يعني تخصيص القطاع الطبي انتقاله من إشراف الدولة إلى القطاع الخاص، نظرًا لعدم قدرة الحكومة على تحسين واقع المستشفيات وضعف إمكانياتها المادية، ولذلك يمكن أن تفرض الحكومة على المستثمرين بعض الشروط، مثل تقديم بعض الخدمات بأجور رمزية أو بشكل مجاني.
الخصخصة تزيد أعباء المواطن
يوضح المحلل الاقتصادي رضوان الدبس لموقع “الترا سوريا” أن الخصخصة تُعد توجهًا نحو الرأسمالية التي لا تتناسب بشكل من الأشكال مع الواقع المعيشي في سوريا، تبعًا لأن القطاع الخاص يقدم خدمات بجودة تتراوح بين المتوسطة والجيدة مقابل مادي. وأضاف أنه لا يمكن للمواطن السوري تحمل تكلفة هذه الخدمات، سواء كان موظفًا في القطاع الحكومي أو الخاص، بالإضافة إلى الفئات الأكثر هشاشةً وعوزًا في المجتمع، إلى جانب ما يترتب عليه من توسيع الهوة بين طبقات المجتمع التي يوسعها هذا التوجه.
ويشير الدبس إلى أن سبب هذا التوجه يعود إلى تراجع القطاع الصحي وتهالكه، وعجز الدولة عن تحسينه، نظرًا لعدم وجود الإمكانيات، وارتفاع الكلفة التشغيلية لهذا القطاع، وما يحتاجه من خدمات لوجستية وعمالة. ويرى أن هذا التوجه ينعكس سلبًا على واقع المواطن البسيط، ويجعل القطاع يخضع لجشع المستثمرين، كما تفعل غالبية المستشفيات الخاصة، التي تعامل المرضى على أنهم زبائن ومتلقي خدمات، بالإضافة إلى استغلال حالات الولادات القيصرية وحواضن الأطفال خاصةً وتحويلها إلى مصادر ربح.
الخصخصة: مقامرة اجتماعية
من جانبه، وصف السياسي والكاتب السوري محمد ياسين نجار، في حديثه لـ”الترا سوريا”، ما يحدث بالمنعطف الاقتصادي بأنه الأخطر منذ عقود، حيث يُلاحظ خلال الآونة الأخيرة حراك تقوده شخصيات تنفيذية، بدأ عبر رفع أسعار الكهرباء، وتبعه قرار إشكالي من رئيس هيئة الاستثمار بتشكيل لجنة كتابة النظام الداخلي الخاص بالتحكيم، بمنأى عن الجهات ذات الصلة، مؤكدًا تبني هذه الشخصيات بوضوح استراتيجية “إدارة الصدمة” لتجاوز مخلفات الحرب.
وبحسب نجار، يشير مصطلح الإدارة بالصدمة إلى الإطلاق المفاجئ للتحكم في الأسعار، ورفع الدعم الحكومي، والخصخصة الفورية للأصول، بهدف تحويل الاقتصاد من نظام موجه إلى سوق حر، لكنها تمثل “مقامرة اجتماعية” عالية المخاطر، في غياب شبكات الأمان الاجتماعي والشفافية، إذ بينما نجحت في بولندا، أدت إلى نتائج كارثية في روسيا.
ومع بروز ملف “خصخصة إدارة المستشفيات”، وما تلاه من استياء شعبي دفع رئيس هيئة الاستثمار إلى التوضيح بأن “الصحة ليست للبيع”، تظهر تساؤلات سياسية ومؤسساتية كبرى تتجاوز لغة الأرقام إلى لغة البقاء.
ويشير نجار إلى خلل في القيادة المؤسساتية، إذ تغيب وزارة الصحة عن الصدارة في ملف صحي بامتياز، ومن المستغرب مهنيًا وتنفيذيًا أن يتولى رئيس هيئة الاستثمار شرح مستقبل المستشفيات الوطنية من منظور “عقود التشغيل”، بينما يغيب “الوزير المختص” المسؤول قانونًا وأخلاقيًا عن السياسة الصحية للدولة، ما يعني تحويل الصحة إلى ملف استثماري بحت، فالصحة “حق سيادي” وواجب اجتماعي، قبل أن تكون “فرصة ربحية”.
ووفقًا لنجار، لا يمكن فصل طموحات هيئة الاستثمار الرامية إلى ضخ أموال مليارية عبر الاستثمارات عن واقع مرير، حيث يرزح أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر وفق تقارير دولية، موضحًا أن “علاج الصدمة” عبر رفع أسعار الكهرباء وتكاليف الطاقة، ثم التلويح بالخصخصة الصحية، يهدد بـ”شلل القوة الشرائية”، متسائلًا عن نفع مستشفى بمواصفات عالمية، فيما يعجز المواطن عن دفع ثمن صورة الأشعة والتحاليل المخبرية.
ويرى نجار أن مجلس الشعب هو حجر الزاوية والضمانة التشريعية، فلا يجوز أن تمر هذه التحولات الكبرى عبر قرارات إدارية أو أنظمة داخلية تضعها لجان قد تفتقر للتخصص الصحي والاجتماعي، ومأسسة هذا التحول تتطلب نقاشًا علنيًا تحت القبة البرلمانية لإقرار تشريعات توازن بين “حق المستثمر في الربح” و”حق المواطن في العلاج بكرامة”.
ويلاحظ، بحسب نجار، تسارعًا في التوجه نحو الاستثمار الخدمي، مقابل غياب رؤية واضحة لاستثمارات صناعية إنتاجية قادرة على تشغيل الكوادر السورية، وزيادة الصادرات، وتأمين تدفقات مستدامة من العملة الصعبة، لافتًا إلى غياب الحوار الوطني الشامل حول ملفات مفصلية تمس حياة المواطن ومستقبل الدولة بشكل مباشر، وعلى رأسها السياسات الاقتصادية والخدمية الكبرى، ملمحًا إلى أن اتخاذ قرارات بهذا الحجم دون إشراك الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين، من نقابات وخبراء وممثلين عن المجتمع، قد يضعف من شرعيتها ويحدّ من فرص نجاحها.
أنسنة الاستثمار
وحول الحلول، يقترح نجار خريطة طريق تعتمد على “أنسنة الاستثمار”، تُبنى على استقطاب “رأس المال الوطني المهاجر”، إذ يجب منح السوريين المغتربين، وخاصة الكوادر الطبية والمستثمرين المقيمين في الخارج، حوافز ضريبية وتسهيلات استثنائية لتملك وإدارة مستشفياتهم في وطنهم؛ فهم الأكثر حرصًا على البعد الإنساني والوطني من الشركات الأجنبية.
ومن ضمن المقترحات مأسسة “العشر الصحي” والدعم الوقفي، عبر تطوير تشريعات تشجع “الأوقاف الصحية” والاستفادة من الزكاة والصدقات ضمن صناديق “الدعم الإنساني والوقفي” لتمويل علاج الفقراء، بما يخلق توازنًا بين الربحية والتكافل، بالإضافة إلى منح المستثمرين إعفاءات ضريبية تتناسب مع عدد “الحالات المجانية” التي يتم علاجها، ما يسهم في تحويل المستشفى من مجرد مشروع تجاري إلى شريك فاعل في تحقيق الأمن الاجتماعي.
الفقر يفاقم المرض، والمرض يفاقم الفقر، في دائرة تنغلق على الطبقات الهشة في المجتمعات، وضمان وصول الدعم الصحي للطبقات المحتاجة ومن هم تحت خط الفقر أولوية، بما يحفظ كرامة المواطنين، ويحمي صحتهم من الأنظمة الربحية وأطماع المستثمرين.
الترا سوريا
——————————–
عالم سوري يشرح: قرار خصخصة المستشفيات صحيح وهناك أمثلة ناجحة
المالك أوضح أن الفكرة الأساسية تقوم على بقاء الدولة مالكة للمستشفيات مع احتفاظها بدورها التنظيمي والرقابي
الرياض – العربية.نت
11 أبريل ,2026
بعد البيان التوضيحي الذي نشرته هيئة الاستثمار السورية حول جدل “خصخصة المستشفيات”، هدأت الضجة في البلاد إلى حد ما لكنها لم تنته، ما دفع أحد الأصوات العلمية للتعليق وشرح الفكرة.
صحيح 100% وهذه أمثلة
فقد أكد الباحث السوري مهند مالك، الحاصل على الدكتوراه في علم الأحياء من جامعة كلود برنارد ليون الأولى في فرنسا، وعلى أبحاث ما بعد الدكتوراه من كامبريدج وبرلين PostDoc in Cambridge & Berlin، أن قرار الهيئة صحيح 100%.
ونشر عبر حسابه في فيسبوك شرحاً تفصيلياً للفكرة، أوضح فيه أن طرح الشراكة بين القطاعين العام والخاص في إدارة المستشفيات يثير جدلاً واسعاً، لكن التدقيق فيه يؤكد أنه لا يعني بيع مؤسسات الدولة كما يُروَّج، بل يمثل محاولة لإصلاح نظام صحي يعاني من إنهاك عميق.
وأضاف أن الفكرة الأساسية تقوم على بقاء الدولة مالكة للمستشفيات، مع احتفاظها بدورها التنظيمي والرقابي، مقابل إسناد عمليات التشغيل وتحسين الخدمات إلى القطاع الخاص، ضمن إطار واضح يضمن جودة الخدمة واستمراريتها.
كما أشار إلى أن تجارب عدة حول العالم قدّمت نماذج مشابهة ناجحة، خاصة في دول ذات موارد محدودة، مستشهداً بدولة رواندا، إذ ساهمت الشراكات مع القطاع الخاص في توسيع التغطية الصحية لتشمل أكثر من 90% من السكان.
أيضاً في الهند، حيث لعبت مؤسسات خاصة دوراً في تحسين خدمات الرعاية الأولية وخفض معدلات وفيات الأطفال.
أما في كينيا، فساعدت (وفق مالك)، هذه الشراكات في توسيع خدمات علاج الإيدز وتنظيم الأسرة، ما خفف الضغط عن القطاع الحكومي.
في المقابل، شدد المالك على أنه لا يمكن تجاهل المخاوف المشروعة، موضحاً أن أبرزها احتمال تأثر الفئات الأقل دخلاً بإدخال القطاع الخاص، إضافة إلى التخوف من تغليب الربحية على جودة الخدمة.
رغم هذا لفت إلى أن هذه التحديات يمكن معالجتها من خلال سياسات واضحة، مثل تقديم دعم حكومي مباشر للفئات الأكثر هشاشة، ووضع معايير صارمة للجودة، إلى جانب رقابة فعالة من الجهات المختصة.
وأكد أن الواقع الحالي للمستشفيات الحكومية في سوريا يعكس أزمة حقيقية، تتمثل في نقص التمويل، وتهالك البنية التحتية، وضغط كبير على الكوادر الطبية، ما يجعل الاستمرار بالوضع القائم خياراً مكلفاً إنسانياً واقتصادياً، لافتا إلى أنه من هنا تبدو الشراكة خياراً عملياً، لكنها ليست حلاً سحرياً.
وأضاف أن نجاح الشراكة يتطلب تنفيذها بشكل تدريجي، بدءاً بمشاريع تجريبية، مع تقييم النتائج قبل التوسع، بما يضمن تقليل المخاطر وتصحيح المسار.
إلى ذلك، ختم أن النقاش يجب ألا يكون بين “عام أو خاص”، بل حول كيفية بناء نظام صحي أكثر كفاءة وعدالة.
وشدد على أنه لتحقيق ذلك، تبقى 4 شروط أساسية: الشفافية، حماية الفئات الضعيفة، رقابة حكومية فعالة، وتسريع آليات الدعم الاجتماعي للفئات المحتاجة، لافتا إلى أنه في ظل الظروف الحالية، قد لا يكون التأخير خياراً، بل تحدياً إضافياً يزيد كلفة الإصلاح في المستقبل.
جدل واسع وتوضيح
يذكر أن جدلاً واسعاً كان عم الأوساط السورية بعد أن أعلن رئيس هيئة الاستثمار طلال الهلالي، أن البلاد ذاهبة إلى “خصخصة المستشفيات”، ما أثار انتقاداً واسعاً، خصوصاً على المنصات.
ورأى معارضو القرار أن الخطوة لا تصلح بواقع المعيشة السوري، حيث ما زال أغلب السوريين تحت خط الفقر، مشددين على أن خصخصة القطاع الصحي ستخلق خللاً كبيراً في قدرة معظم السوريين على الوصول إلى الخدمات الطبية الأساسية.
كما أشاروا إلى أن الخطوة ستضعف الدور الاجتماعي للدولة، خصوصاً وسط قدرة مالية ضئيلة جداً.
أمام هذا الغضب، اضطر رئيس هيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي لإصدار بيان توضيحي أكد فيه أن ما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي غير صحيح، لافتاً إلى أن القطاع الصحي سيبقى ضمن مسؤولية الدولة ولن يعرض للبيع تحت أي ظرف.
وأوضح أن المخاوف التي يعبر عنها السوريون محل تقدير واحترام، معتبراً تفاعل السوريين الواسع دليل حرص على صون حقهم في الرعاية الصحية.
وأعلن أن الدولة ستبقى الضامن الأساسي لتقديم الرعاية الصحية، مؤكداً أن أي نموذج يتم اعتماده سيخضع لإشراف حكومي كامل ورقابة صارمة بما يكفل حماية حقوق المرضى وعدم حرمان أي مواطن من العلاج بسبب وضعه المادي.
وختم مؤكداً أن الهدف من أي إصلاحات مطروحة هو الارتقاء بمستوى الخدمات الصحية، وتحقيق معايير طبية أفضل، وتقديم خدمة أكثر كفاءة وتكلفة أقل لجميع السوريين.
وبعد 14 عاماً من الحرب الدامية، تواجه سوريا التي كانت في عزلة دولية خلال عهد الأسد العديد من التحديات، من إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإطلاق عجلة الإعمار، فضلاً عن إعادة تأسيس البنى التحتية، والقوات المسلحة، وإعادة اللاجئين، والنهوض بالاقتصاد المتهالك، وغيرها الكثير.
كما لم يكن القطاع الطبي بعيداً عن هذه المشاكل، إذ تواجه سوريا أزمة حادة تعاني بسببها المستشفيات الحكومية من نقص شديد في المعدات الطبية الأساسية، بما فيها أجهزة التنفس الاصطناعي والمراقبة الحيوية وغيرها.
—————–
الخصخصة في زمن الانهيار: “عقيدة الصدمة” ليست قدراً في سوريا؟/ علي سفر
أبريل 14, 2026
أدى التصريح الذي صدر قبل أيام عن رئيس هيئة الاستثمار السورية حول المشافي الحكومية وإمكانية توكيل إدارتها إلى القطاع الخاص، إلى تصاعد النقاش حول خصخصة بعض مؤسسات القطاع العام في البلاد.
وكان من اللافت توجه بعض الآراء إلى مقاربة الخلفيات التي قد تحكم التوجه الرسمي نحو التخلي عن الملكية العامة، والنظر إلى هذا السلوك على أنه محاكاة لما يسمى بـ “عقيدة الصدمة” إن لم يكن تطبيقاً فعلياً لها، والمقصود هنا استغلال لحظة الانهيار الذي ينتج عن الحروب أو الاضطرابات الكبرى، لإعادة تشكيل الاقتصاد بسرعة، عبر نقل الملكية إلى القطاع الخاص وتحرير الأسعار وتقليص دور الدولة.
يظن البعض أن معارضة هذا التوجه ينطلق من رفض مبدئي وجذري لفكرة الخصخصة، غير أن هذا غير دقيق، لا سيما وأن التجارب العالمية تظهر أن بعض القطاعات وليس كلها، يمكن أن تستفيد من الإدارة الخاصة أو من الشراكات بين القطاعين العام والخاص.
وكتمهيد لتصويب الفكرة، يمكن القول إن المشكلة في الحالة السورية تتعلق بالسياق الاجتماعي والاقتصادي الذي تجري فيه هذه التحولات، وهو سياق شديد الهشاشة إلى درجة تجعل أي انتقال سريع نحو الخصخصة مخاطرة كبرى على مستوى المجتمع نفسه.
فهناك تراجع حاد في الدخل، وارتفاع كبير في معدلات الفقر، وتآكل في القدرة الشرائية، وتراجع في فرص العمل. أي إن الاقتصاد السوري اليوم لا يشبه الاقتصادات التي طُبقت فيها سياسات التحول الليبرالي السريع. وحين تصل الأوضاع في البلدان المنكوبة إلى هذا الوضع الذي نراه ماثلاً في سوريا، يفترضُ المعنيون بتحسن أوضاع الناس أن تلعب الدولة دور شبكة أمان اجتماعي، حتى عندما تكون مؤسساتها ضعيفة أو خاسرة مالياً.
هذه المؤسسات لا تؤدي وظيفة اقتصادية فقط، وإنما تحمل وظيفة اجتماعية مباشرة: هي منع الانهيار الكامل لقطاعات معيشية حساسة. وحين تقرر الدولة ألا تتدخل في هذه الأوضاع والتوجه بدلاً من ذلك إلى الخصخصة -يرى البعض أنها حل سحري مثالي- وبناء شراكات إدارية مع القطاع الخاص، فإن نتائج هذه السياسة ستعطي مردوداً عكسياً. وذلك لأن الإدارة الخاصة تسعى عادة إلى تقليل التكاليف، ما يعني خفض العمالة وتعديل شروط العمل. كما أن القطاع الخاص يحتاج إلى تحقيق أرباح، ما يدفع إلى رفع الأسعار وتقليص الدعم.
وفي حالة المجتمع السوري الذي يعاني أصلًا من مستويات فقر مرتفعة، وزيادة في أسعار الخدمات الأساسية وفقدان واسع للوظائف ستكون ترجمة هذا التوجه توسعاً إضافياً في دائرة الفقر!
الخطورة العالية في تطبيق وصفة “عقيدة الصدمة” التي حللتها الباحثة الكندية نعومي كلاين في كتابها الشهير، الذي يحمل العنوان نفسه، تأتي من أن مبتكريها في مدرسة شيكاغو الاقتصادية وعلى رأسهم المنظر ميلتون فريدمان، تجاهلوا بقصدية الأثمان التي ستدفعها الشرائح الأشد ضعفاً في المجتمع نتيجة تطبيق هذه السياسات!
المسألة لا تتعلق بملكية مؤسسة ما، بقدر ما تتعلق بالأثر الاجتماعي الناتج عن تغيير طريقة إدارتها. والحديث هنا يتصل بقطاعات مرتبطة بحياة الناس اليومية كالنقل والكهرباء والصحة والاتصالات وغيرها، فأي تعديل مفاجئ في هذه القطاعات ينعكس على تكاليف المعيشة وعلى النشاط الاقتصادي الصغير وعلى قدرة الأسر على الاستمرار.
تجربة السنوات السابقة في سوريا تقدم مثالاً مهماً. حيث نتذكر أنه قبل اندلاع الثورة، شهدت البلاد خطوات تدريجية نحو تحرير الاقتصاد، شملت تقليص الدعم الذي كانت تستفيد منه الشرائح الفقيرة، وتركت آثاراً واضحة ًعلى مستويات المعيشة وعلى الفوارق الاجتماعية. ويمكن اعتبار هذه النتائج جزءاً رئيساً من أسباب الثورة التي تفجرت في العام 2011!
أما اليوم، فإن الظروف أكثر صعوبة بكثير، ما يعني أن أي انتقال أسرع سيحمل نتائج مدمرة بشكل أوضح. كما أن ثمة جانباً آخر يزيد من تعقيد الظروف يتعلق بضعف القطاع الخاص المحلي، فهو يعاني من نقص التمويل، ومن صعوبات تشغيلية، ومن محدودية السوق المحلية. وهذا الواقع يطرح سؤالاً حول هوية وطبيعة من سيستلم هذه القطاعات؟ وهل ستنتقل إلى شركات قادرة على التطوير، أم إلى مجموعات محدودة النفوذ تبحث عن مصادر ربح سريعة؟ في الحالة الثانية تتحول الخصخصة إلى إعادة توزيع للموارد دون تحقيق تحسين حقيقي في الأداء.
وبالنظر إلى وجود هذه العوائق وغيرها يمكن التفكير ببدائل تبدأ بالاعتماد على الكوادر المحلية في هذه المؤسسات، لإدارة عملية التطوير المطلوبة من أجل نقل خدماتها إلى مستوى عصري يليق بالسوريين، وبدلاً من تخلي الدولة عن دورها، وتركها لآلاف العاملين عرضة لتقلبات السياسات المقترحة، يمكن البحث عن حلول مبتكرة تضمن ألا ينهار مستوى معيشة الناس في المرحلة الانتقالية.
أي أن التوجه يجب ألا ينصب على تحرير الاقتصاد، بل على ضمان حقوق الناس بالعيش الكريم اللائق. وضمن هذا الإطار تصبح مسألة الشراكة المقترحة مع القطاع الخاص ممكنة، ولكن ضمن محددات واضحة لا تقود إلى إحداث صدمة اجتماعية واسعة.
وفي الخلاصة، يمكن القول إن خضوع سوريا لجوهر “عقيدة الصدمة” بناء على الأحلام الوردية لدى البعض بحدوث تحولات اقتصادية سريعة، ليس قدراً يجب علينا الرضوخ له، بل إن النقاش حول هذا التوجه يقتضي أيضاً عدم التعاطي مع الشأن الاقتصادي كحقل منفصل عن السياسة وعن الحريات المجتمعية ومكافحة الفساد والحوكمة، وهذه جوانب يتوقف عندها المستثمرون قبل أن يقرروا بناء مشاريعهم في البلد، فهل صنعت السلطة الجديدة ظروفاً تطمئن هؤلاء وغيرهم؟
في ظل غياب مثل هذه التطمينات التي يمكن الاستدلال على وجودها من قوى المجتمع نفسه ولا سيما منظمات المجتمع المدني كالنقابات وغيرها، يصبح البحث عن حلول غير مدروسة أشبه بمحاولة التفاف على استحقاقات الواقع الملحة، وهذه في النتيجة إضاعة وقت جديد، تضاف إلى ما أهدره النظام البائد، في ومن حيوات السوريين.
الثورة السورية
———————————-
حين تتكلم الأجساد.. المرض كأثر سياسي مؤجل للحرب السورية/ وفاء علوش
2026.04.11
هل انتهت الحرب في سوريا حين سكتت أصوات القذائف، أم تغيّر شكلها فقط؟ ربما لم تعد الحرب اليوم تُرى بالعين، ولم تعد تُقاس بعدد القتلى وحدهم، لكنها صارت تُقرأ في أجساد من بقوا.
لقد انتقلت من الشارع إلى الداخل، من الجغرافيا إلى الإنسان نفسه، حيث لا كاميرات ولا تقارير، لتتراكم آثارها بهدوء، وتظهر على هيئة أمراض تبدو للوهلة الأولى فردية أو عشوائية، لكنها في حقيقتها ليست كذلك.
في السنوات الأخيرة، صار من المألوف سماع قصص عن أمراض مزمنة، واضطرابات مناعية، وإجهاد جسدي ونفسي مستمر بين أشخاص لم يكن لديهم تاريخ مرضي واضح. ولم يربط أحد ذلك مباشرة بما عاشوه، وكأن التجربة الكبرى التي مرّت على بلد كامل يمكن فصلها بسهولة عن أجساد أفراده.
من الناحية العلمية، ليس الجسد كيانًا منفصلًا عن التجربة الإنسانية؛ فهو يتأثر بشكل قد لا ندركه. وحين يمرّ الإنسان بصدمة ولا يجد مساحة لفهمها أو التعبير عنها، فإنها لا تختفي، بل تغيّر شكلها. ربما لا تتصدر المشهد، لكنها تجد لنفسها طريقًا آخر للظهور.
تُنظَّم التجارب الإنسانية عادة ضمن سياق واضح: زمان ومكان وتسلسل منطقي، ما يسمح باستعادتها لاحقًا في الذاكرة من دون أن تعيد إغراق الشخص بالمشاعر نفسها. أما في الصدمات الشديدة أو المتكررة، فقد يختلّ هذا التنظيم، وتنشط مراكز الخطر في الدماغ بشكل مفرط، بينما تتراجع قدرة المناطق المسؤولة عن التحليل والربط، فتُخزَّن التجربة كإحساس حي أكثر منها كذكرى مكتملة.
لهذا السبب، قد تعود الصدمة على شكل مشاعر مفاجئة وتوتر جسدي، أو ردود فعل مبالغ فيها تجاه محفزات بسيطة، من دون أن يكون هناك وعي مباشر بالسبب. ومع الوقت، يتحول هذا النمط إلى حالة شبه دائمة من التأهّب، حيث يتعامل الجسم مع الواقع وكأن الخطر ما زال قائمًا، حتى في غيابه الفعلي.
إن هذا الخلل في معالجة الذاكرة لا يبقى محصورًا في الجانب النفسي، بل ينعكس على الجهاز العصبي والهرموني، ما يفسّر كيف يمكن لتجربة نفسية غير مُعالجة أن تستمر في التأثير على الجسد لسنوات.
لقد اختبر كثير منا الخوف لفترات طويلة: خوف من القصف، والاعتقال، والفقد، والتهجير. هذا الخوف لا يمكن أن يمرّ بشكل عابر، بل يستوطن أجسادنا التي تبدأ بعيش حالة تأهّب مستمر، ومع الوقت يبدأ أثر الخوف بالظهور، ليس على الحالة النفسية فحسب، بل على وظائف الجسم نفسه.
يقول علم النفس إن الصدمة التي يتعرض لها الإنسان لا تنتهي بانتهاء الحدث، بل تبقى في الخلفية وتؤثر على الإيقاع اليومي للحياة. قد تظهر على شكل تعب مستمر، أو آلام متفرقة، أو اضطرابات في المناعة، أو حتى أمراض يصعب تفسيرها بشكل مباشر. وهنا لا يكون المرض مجرد خلل عضوي، بل امتدادًا لتجربة لم تُعالج.
في الحالة السورية، لا يمكن الحديث عن الصدمة بمعناها الفردي فقط؛ فما عاشه السوريون كان واسعًا وممتدًا، وشمل أعدادًا كبيرة من الناس بطرق مختلفة، ما جعل أثره مختلفًا أيضًا. ولم يقتصر على حادثة شخصية، بل شكّل بيئة كاملة من القلق وعدم الأمان. وفي مثل هذه الظروف، يصبح الجسد هو المكان الوحيد الذي يستطيع أن يعبّر حين تغيب بقية المساحات.
لا تتوقف المشكلة هنا عند ما حدث، بل تمتد إلى ما لم يحدث بعد. ففي مجتمعات تعرّضت لصدمات كبيرة، يصعب على المرء أن يصغي إلى جسده، وقد ينقطع التواصل بين الإنسان وبدنه وقتًا طويلًا. لكن ذلك لا يعني أن الجسد سيصمت؛ وحتى يتمكن من إيصال صوته، سيختار من الطرق أكثرها ألمًا كي يعبّر عن نفسه.
إن العيش في حالة لا استقرار مستمرة يجعل الإنسان محاصرًا بين ماضٍ لم يُغلق، وحاضر غير مستقر. ويظهر ذلك جليًا حولنا في أشخاص يعانون من إرهاق دائم دون سبب واضح، وآخرين يتعايشون مع مشاكل في الهضم، أو صداع مزمن، أو اضطرابات في النوم، وآخرين نفقدهم بشكل مفاجئ في كثير من الأحيان، أو يعيشون سنواتهم في حرب ضروس مع مرض عضال.
لقد أصبحت هذه الحالات شائعة، وفي أغلب الأحيان لا يُردّ حدوث المرض إلى العامل النفسي، على الرغم من حضوره الواضح في أسباب كثير من الأمراض الجسدية، مع أن إدراك هذه النقطة قد يفتح أمامنا بابًا أوسع للتماثل للشفاء أو للوقاية في حالات كثيرة.
ليس الهدف هنا نفي الأسباب الطبية، بل توسيع زاوية النظر؛ فالجسد لا يعمل بمعزل عن التجربة، والعلاج في كثير من الحالات لا يكون كاملًا إذا تجاهل هذه العلاقة بين النفسي والفيزيائي. فحين يُختزل المرض في بعده البيولوجي فقط، يُغفل جزء أساسي من قصته.
في السياق السوري، أصبحنا نعاني من متلازمة لا تقل أهمية عن سوء الأوضاع النفسية؛ إنها، إذا صح التعبير، متلازمة «التطبيع مع الألم». فمع مرور الوقت، يصبح التعب حالة عادية، ويُنظر إلى الإرهاق كجزء طبيعي من الحياة. وحين يصبح المرض جزءًا من الروتين، لا نستمع لتحذيره، بل نعتقد أنه علينا فقط التعايش معه. ولا يعني هذا أن الناس لا يشعرون بالألم، بل أنهم لم يعودوا يملكون المساحة أو الأدوات للتعامل معه بشكل مختلف.
يُضاف إلى ذلك العامل الاقتصادي والمعيشي؛ فبالطبع، في ظل الضغوط اليومية، يصبح الاهتمام بالصحة ترفًا في كثير من الأحيان. فالأولوية تكون للبقاء على قيد الحياة بتأمين الأساسيات، لا لدرء الاحتمالات التي لم تحدث بعد.
مع طول فترة الحرب وسوء الأوضاع الإنسانية، أدرك كثير من السوريين عدم قدرتهم على احتمال الألم لوقت طويل، في حين لم يستطع جزء يسير منهم حماية نفسه من ذلك. وبالنسبة لكثير من المهاجرين السوريين، كان الخروج من البلد محاولة واضحة للهروب من الخطر المباشر، لكن ما لم يكن واضحًا بالدرجة نفسها هو أن الخروج الجغرافي لا يعني بالضرورة خروجًا من التجربة نفسها.
إن ما عاشه الإنسان لا يبقى خلفه، بل يرافقه بطريقة أعمق مما يبدو. والذاكرة، بطريقتها في العمل، لا تنفصل عن صاحبها، بل تعيد تشكيل نفسها داخله، وتنعجن مع نظرته للعالم ولذاته. لهذا، قد يجد كثيرون أنفسهم في أماكن آمنة نسبيًا، لكنهم ما زالوا يعيشون شعورًا غير مفسّر بالقلق أو الانفصال وعدم التأقلم.
ليست المشكلة في الأماكن الجديدة والغريبة بقدر ما هي في أن التجربة القديمة لم تُهضم بعد. فما حدث لم يكن عابرًا ليزول بسهولة، بل صار جزءًا من البنية النفسية، من طريقة الإحساس والتفاعل. والهجرة، بهذا المعنى، قد تنقذ الجسد من الخطر، لكنها لا تملك وحدها القدرة على إعادة ترتيب ما تراكم في الداخل.
لا يبقى ما حُمِل من التجربة محصورًا في الذاكرة أو الشعور فقط، بل يبدأ بالظهور على مستوى الجسد نفسه. فالخوف الذي لم يجد طريقه للتفريغ، والشعور الذي لم يُفهم أو يُسمَّ، يتحولان تدريجيًا إلى حالات ملموسة بأعراض جسدية، وأحيانًا أعراض يصعب تفسيرها ضمن سبب واحد واضح. وهنا لا يكون الجسد مجرد متلقٍ سلبي، بل مساحة نشطة تُعبّر عمّا لم يُعالج، وكأنه يواصل سرد القصة بطريقته الخاصة.
لا يعني هذا أن كل مرض له سبب نفسي أو سياسي، ولا يجب التعميم. لكن في حالة مثل سوريا، تداخلت العوامل بشكل كبير، بحيث يصعب فصل هذه الأبعاد عن بعضها. وعلى ما يبدو، فإن التعامل مع الأمراض الجسدية بات يتطلب تغييرًا في النظرة: من التركيز على العرض فقط إلى محاولة فهم السياق، ومن البحث عن حل سريع إلى الانتباه لما يقوله الجسد على المدى الطويل. وهذا ليس أمرًا سهلًا، خاصة في ظروف غير مستقرة.
قد لا يملك السوريون اليوم رفاهية الاستطباب نفسيًا أو محاولة الشفاء الكامل، فالظروف لا تسمح بذلك دائمًا. لكن هذا لا يعني أن ما يحدث في داخلنا يمكن تجاهله إلى ما لا نهاية. وفي كل ألم غير مفسّر، أو في كل تعب لا يزول، هناك احتمال أن يكون الأمر أكثر من مجرد خلل عابر. وهنا علينا أن نتعلم كيف نصغي إلى جسدنا بشكل أفضل.
نحن اليوم شهود، عبر أجسادنا وأرواحنا، على قصة بلد لم يُغلق جرحه بعد، ولم يُعطَ أهله فرصة حقيقية للفهم أو التعافي. وفي هذا الفراغ، تتحول الأجساد إلى أرشيف حي يحتفظ بما لم يُكتب، ويعبّر عمّا لم يُقل.
ربما لا يمكن تغيير كل ذلك الآن، لكن يمكن، على الأقل، الاعتراف به: الاعتراف بأن ما يحدث ليس معزولًا، وأن الجسد ليس ضعيفًا حين يمرض، بل صادق، يقول بطريقته ما لم يُسمح له أن يُقال بطرق أخرى.
تلفزيون سوريا
————————–
===================



