سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعصفحات الثقافة

السلطة والثقافة في سوريا.. عدم اكتراث أم “نموذج جديد” قيد التحضير؟/ سلمان عز الدين

20 أبريل 2026

إثر سقوط النظام، برزت أسئلة عديدة حول رؤية “الحكم الجديد” المستقبلية لدور الثقافة والفن. ورأى كثيرون أن هذه الرؤية تحظى برمزية خاصة ودلالات حاسمة، تتجاوز حقل الثقافة، إلى إعطاء صورة عن شكل العلاقة القادمة مع المجتمع برمته.

وتوقع البعض أن تشتعل معركة سريعة تكون الثقافة ميدانها الأساس، ويقف فيها المثقفون والحكام الجدد وجهًا لوجه. ربما هو سيناريو منسوج على منوال ما حدث في مصر، أيام حكم الإخوان المسلمين، حيث كان الصدام الأول مع المثقفين، عندما رأى هؤلاء أن نظام مرسي شرع في إعداد نموذج مختلف للثقافة، يقيد الأنشطة والنتاجات الإبداعية ضمن حدود الأيديولوجيا الدينية التي يتبناها.

لكن المعركة لم تحدث هنا، والمثقفين السوريين لم يقفوا في خندق “القتال”، ربما لأن الأحداث تسارعت في ميادين أخرى، مطلقة أسئلة كبيرة عن الهوية والانتماء الوطني ووجود الدولة ككل، وربما لأن السلطة الجديدة لم تضع خطة واضحة ومحددة، بشأن الثقافة، على طاولة البحث.

ومع ذلك فقد كان هناك مناوشات متفرقة، ومحطات قرع فيها البعض جرس الإنذار (تعيين وزير للثقافة رأت الأغلبية عدم أهليته لهذا الدور، احتجاجات في معهد الفنون المسرحية على تعيين مدير جديد، إجراءات في نقابة الفنانين..).

عندما عقدت اللجنة التحضيرية لـ “مؤتمر الحوار الوطني” جلسة نقاش مع مجموعة من المثقفين والفنانين، تمثل الحضور بخمسين شخصية، واللافت أن أربعين منهم كانوا ممثلين وممثلات، ويومها قيل إن المسؤولين الجدد يملكون مفهومًا غريبًا عن الثقافة، إذ يختزلونها بالفن، ويختزلون الفن بالدراما، ويختزلون الدراما بالممثلين. ثم تبين أن الحكومة الجديدة تولي اهتمامًا خاصًا لمن تسميهم “مؤثرين”، وهم ببساطة نجوم الفيسبوك وتويتر واليوتيوب، وبدا أن الأمر لا يقتصر على الإعلام فقط، بل وعلى الثقافة أيضًا، والمؤثرون في الثقافة والفن هم الممثلون طبعًا وفقط.

إداريون بلا رؤية فلسفية أو جمالية

ولكن إذا غابت الخطة الشاملة، ولم يُعلن عن توجه محدد، أفلا يوجد إشارات إلى رؤية ما، تتبناها السلطة الحالية نحو الثقافة، الأدب، المسرح، السينما الموسيقا..؟ وإذا كان الجواب نعم، فما هي هذه الإشارات وما هو النموذج الذي تشير إليه؟

يستذكر الناقد والصحفي راشد عيسى واحدة من مقابلات الرئيس أحمد الشرع الأولى، عندما “بوغت بسؤال عن المسرح؛ سؤال حول إن كان بالإمكان أن نراه (أي الرئيس) في صالات المسرح مشاهدًا لعرض مسرحي. كان واضحًا أن الشرع لم يحسب حسابًا لهذا السؤال، فلم يعط جوابًا حاسمًا، ولعله وعد بالنظر في الأمر”.

ويقول عيسى: “بالنسبة لنا، جمهور المحتفلين بسقوط نظام العصابة، كان جوابًا مُرضيًا، فقط لأنه لا يتضمن فتوى نهائية تحرّم المسرح، أو تقلّل من شأن المسرح، وبالتالي من شأن فنون وإبداعات مجاورة تحت جناحه، الموسيقى والباليه والفن التشكيلي والنحت والسينما وسواها. لكن في الواقع كان رد فعل الرئيس بذاته هو الجواب. فإذا غاب أحد حتى العقد الخامس من عمره عن تلك الساحات، فمن المرجح أنه لن يجد الوقت لذلك بعد”. مضيفًا: “الوقائع في الشهور اللاحقة لم تكذّب خبرًا”.

من جانبه يقول الشاعر محمد أ. الجبوري: “لم ألمس وجود نموذج مكتمل أو أيديولوجيا رسمية حتى الآن، ما يمكن رؤيته بوضوح هو سلوكيات إدارية، وهذه واحدة من سمات المراحل الانتقالية التي يسيطر فيها الإداريون (ولا أدري إن كان تعبير الإداريين/التكنوقراط جائزاً في الحالة السورية، في ظل تقديم الولاءات والتزكيات على الكفاءات في التعيين)، على العموم فهؤلاء الإداريون يفتقرون عادة إلى رؤية فلسفية أو جمالية ويتعاملون مع مؤسسات الثقافة عادة على أنها أجهزة خدمية وليست أجهزة لصناعة الوعي”.

ويلاحظ الجبوري أن “السلطة الحالية بحكم ثقتها بهؤلاء الإداريين تكتفي بحالة تسيير الأعمال، ولا تبدو مهتمة بامتلاك أو تأسيس رؤية ثقافية، فهي تعتبر ملفات الأمن والاقتصاد وإعادة الإعمار ملفات سيادية عاجلة، بينما يُنظر للثقافة في هذا السياق كترف فكري أو ملف قوة ناعمة يمكن الالتفات إليه بعد استقرار المؤسسات التنفيذية”.

ويضيف: “كذلك ثمة توجس واضح لدى السلطة من الأدلجة، فهي تدرك أن محاولة فرض نموذج ثقافي جديد ستواجه برفض من المثقفين والشارع، وتظهرها بمظهر السلطة القمعية ثقافياً، ويمكن رصد ذلك من خلال الفعاليات التراثية أو تلك التي تفكك سرديات الحرب، وهي محاولة لبناء هوية وطنية جامعة تتجاوز الاستقطابات السياسية، والتركيز من جهة أخرى على السياحة الثقافية واستقطاب الاستثمارات في هذا القطاع كرافد لملف إعادة الإعمار”.

وزير محسوب على الشعر

قال الناقد راشد عيسى إن “الوقائع في الشهور اللاحقة لم تكذّب خبرًا”، فما هي هذه الوقائع؟

يعدد: “عُيّن مذيع لبرنامج ثقافي منوّع، بلا سجّل ثقافي يذكر، وزيرًا للثقافة، في سوريا التي يعتبر إنجازها الأكبر خلال سنوات الثورة ولادة كوادر في كافة مجالات الثقافة والفنون والإعلام، كوادر بَنَتْ مؤسسات ومشاريع على مستوى عالمي. يعين وزير محسوب على الشعر، وسرعان ما تحول إلى ظاهرة استعراضية هزلية، يشجع كل شيء إلا الثقافة، بما فيها الشعر (الحق)”.

كذلك “جاءت اللقاءات مع أصوات أدبية منتقاة لتؤكد أن اختيار وزير الثقافة الحالي ليس مجرد زلة إدارية، وهم يؤكدون كل يوم أن هذا بالضبط (هذا النوع من الثقافة التي ليست سوى ضجيج ودبكات انتصارية) ما يطمحون إليه”.

ويتوقف عيسى في هذا السياق عند إشارة ـ حكاية ذات دلالة، وكانت قد أثارت لغطًا كبيرًا، تلك هي “حكاية مسابقة اختيار نشيد وطني للبلاد، وستكون قصيدة لوزير الثقافة من بين النصوص المشاركة في المسابقة. ستُسابق النصوص المتقدمة قصائد وزير الثقافة في سطحيتها وضجيجها، ما يؤكد، مرة أخرى التوغل في ثقافة هي أبعد ما تكون عن تقدير أنواع إبداعية أخرى، فحتى في مجال نوع الشعر نفسه لم يكن نص وزير الثقافة هو الأرقى. ولا يتسع المجال هنا، بل سيكون نوعًا من الفنتازيا الحديث عن علاقة أشكال الشعر والتجريب بالحرية والحداثة والديمقراطية وما إلى ذلك”.

ويتفق تعيين هذا الوزير مع تعيينات أخرى قد لا تكون، وفق عيسى، محسوبة تمامًا في سياق تكريس توجهات ثقافية محددة، بقدر ما تندرج في إطار المحسوبيات ومقدار الولاء، أو كنوع من المكافأة لمثقفين معارضين. وطريقة الاختيار هنا تؤكد مجددًا على أن الثقافة ليست في الحسبان، إلا كشكل من أشكال التطبيل والعراضات الاحتفالية والسياحية.

الثقافة وهواجس الحريات الشخصية

ثمة مخاوف اليوم من اتجاه لتقييد الحريات الشخصية والتدخل في خيارات الناس على صعيد السلوك واللباس وبعض العادات.. فهل ينعكس ذلك تلقائيا على وضع الثقافة أم أن هناك فصلًا بين الأمرين؟

بالطبع سينعكس ذلك على الثقافة، يجيب الشاعر محمد أ. الجبوري، فهي “أسلوب حياة، وهي ابنة الحرية وتعتمد أساساً على الاختلاف والفرادة، وعدوة لدودة للتنميط، وإذا سقطت الحريات الشخصية فإن النتاج الفني سيصبح مبتوراً ومزيفاً لا يعكس حقيقة المجتمع، وسيتحول الأدب إلى وعظي وتعليمي. وحين يشعر المثقف بوجود تدخل في خياراته الشخصية وأنه مراقب فإنه يبدأ بتشذيب أفكاره لتتلاءم مع المعايير المفروضة مما يؤدي إلى نتاج ثقافي مقلم الأظافر إن صح التعبير”.

ويردف: “أما الإبداع الحر فسينكفئ إما بالصمت أو الهجرة أو سوف يعود إلى الغرف السرية ويترك الساحة لأشباه المثقفين الذين يجيدون محاباة السائد”.

ولأن السلطة ذات توجه إسلامي معين، فثمة من يقول إنها ستفرض شكلًا آخر للثقافة والفنون. هل هذا حتمي؟ هل يمكن أن تتعايش سلطة ذات أيديولوجيا دينية مع ثقافة منفتحة ومتنوعة؟ وإذا كان فرض شكل معين أمرًا حتميًا، فكيف سيكون وما هي محدداته؟

يعتقد الجبوري أنه لا يمكن القول بحتمية فرض شكل معين للثقافة، على الرغم من وجود تجارب تاريخية قريبة، بسبب تعقيدات المجتمع السوري التي تفرض نوعًا من البراغماتية السياسية تشمل القطاع الثقافي، غير أنه يستدرك: “ولكن قد تذهب السلطة، إذا ما أرادت التدخل في المنتج الثقافي لينسجم مع توجهها، إلى إعادة صياغة الهوية الثقافية، من خلال تحوير وظائف الفن والأدب وتعزيز الرقابة (الأخلاقية) عليها، ودعم المثقفين الذين يتبنون السرديات التي تتوافق مع الهوية الجديدة التي تريدها السلطة، وقد لا حظت إشارات لمثل هذا التوجه -الذي يمثل جماعة ليست قليلة من بنية السلطة- في المرحلة الانتقالية، لكنني لا أجزم أنه يعبر عن التوجه النهائي للسلطة”.

ويتابع: “ربما تلجأ في القادم إلى تكرار تجارب في المنطقة، بعض دول الخليج مثالاً، في المزاوجة بين النموذج الاجتماعي/الديني الصارم والدعم الثقافي، وهذا يؤدي إلى تقدّم في التقنيات و”السيستم” (تقنيات التصوير، والتنظيم المتقن.. إلخ) مع فقر في المضامين (لا نقد، لا جسد، ولا أسئلة وجودية كبرى)”.

ولا يقول الجبوري بحتمية التعايش ولا حتمية الصدام “فهذا يعتمد على عوامل أهمها قوة المجتمع المدني وقدرة المثقفين على الدفاع عن الفضاء العام، وهذا أمر غير مضمون بعد ما ظهر خلال هذه المرحلة من انقسام بين المثقفين السوريين، وكذلك تلعب البراغماتية السلطوية دوراً كبيراً ومدى استعدادها للاصطدام مع الشارع في حال قررت أن تكون شرطياً أخلاقياً ذا رؤية أحادية، بدلاً من أن تكون راعية لثقافة متنوعة في أساس تكوينها، تشكل الثقافة الإسلامية جزءًا منهاً”.

وبالتالي “لا أستطيع الجزم بفرض شكل معين بل أنظر الآن إلى الفراغ في الرؤية كفرصة للمثقفين السوريين للتأسيس لنموذجهم المستقل، أو بالأحرى نماذجهم، وكسر الهيمنة المركزية على الثقافة، وفي الوقت نفسه أجد هذا الفراغ تهديداً للمجالات التي تحتاج دعماً حكومياً مثل الأوبرا والسينما والمسرح والمتاحف ومعارض الكتب”.

مستقبل ثقافي كئيب

أما راشد عيسى فيشير إلى غياب الخطط التي “تضع أساسات للانطلاق بمشاريع ثقافية طموحة، أو على قدر المقدمات التي انبنت في 14 عامًا مضت، هي عمر الثورة، إنما ما يرشح كل يوم من ممارسات ثقافية هنا وهناك يشي بمستقبل غير مبشر لحال الثقافة، من تحطيم تماثيل (كان لدى البعض حجج فائقة الإبداع بالدفاع عن التحطيم!)، إلى التدخل في النظام التعليمي للجامعات (انظر كلية الفنون الجميلة، كلية الإعلام، المعهد العالي للفنون المسرحية.. )، إلى الطريقة التي حولت فيها أماكن الثقافة إلى أماكن هامشية، أو ملحقة بوزارة الأوقاف، كما حدث مع سينما الكندي، أو دار الأوبرا السورية التي باتت مخصصة إما للاحتفالات الرسمية، أو الدينية، أو للمناسف الاحتفالية”.

ويختم عيسى بالقول: “ليس المطلوب في النهاية أن يكون رجال السلطة لصيقين بهذا القدر أو ذاك بعالم الثقافة والفن والإبداع، ففي الإمكان الاعتماد، لو كان هناك رغبة وإرادة جادة في بناء سياسات ثقافية بناءة، على اختصاصيين مشهود لهم، وهناك قائمة طويلة بأسماء المشتغلين السوريين المبدعين في كافة الحقول، وستجد أن غيابهم أو تغييبهم عن المشهد الثقافي المؤشر الأكبر على مستقبل ثقافي كئيب”.

الترا سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى