العدالة الانتقالية تحديث 22 نيسان 2026

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي
ما الذي تُخبرنا به التجربة الإسبانية في البحث عن المفقودين؟/ أحمد الطالب
المسارات الصعبة والتكتيكات المُتَّبعة وأهمية الاطلاع عليها في السياق السوري
20-04-2026
منذ إنشاء المؤسسة المستقلة للمفقودين في سوريا، حزيران (يونيو) 2023، تطلعت عائلات المفقودين والمختفين قسراً إلى بدء عمليات البحث عن أحبتها وأبنائها، غير أنه كان مُتوقَّعاً لهذه الآمال والتطلُّعات أن تصطدم بوجود النظام السابق، المسؤول عن الغالبية الساحقة من حالات الإخفاء والفقدان في البلاد. ومع سقوط الأسد في كانون الثاني (يناير) 2024، بدا أن هذا الحلم بات أقربَ إلى التحقُّق، وتجددت آمال العائلات في البحث عن مفقوديها وأحبائها المُختفين. وعلى الرغم من صدور المرسوم الرئاسي بإنشاء الهيئة الوطنية للمفقودين، في شهر أيار (مايو) 2025، أي بعد فترة «قصيرة نسبياً» من سقوط الأسد، إلا أن هذه المدة بدت زمناً طويلاً للعائلات، التي كانت قد بدأت بالفعل بحثها عن مفقوديها في المعتقلات دون انتظار، حتى إن هناك من بدأوا في نبش المقابر التي سمعوا عن وجودها وعن وجود أحبتهم فيها. وإثرَ عودة كثير من السكان إلى منازلهم المهجورة منذ سنوات طويلة، واكتشاف بعضهم وجودَ قتلى دُفِنوا في أراضيهم وبيوتهم، تصاعد الضغط من طرف الأهالي للبدء بالعمل على الكشف عن مصير أحبتهم المفقودين والمختفين، وتجددت آلام البحث لتستدعي معها عناء تلك اللحظات القاسية، عندما كانت العائلات تقفُ في الكراجات مُنتظِرة عودة أحبتها الذين كانوا معتقلين في دمشق ولم يعودوا، مثلما عاد بعض المعتقلين المحررين إلى منازلهم.
كانت المصيبة تتضاعف في قلوب الأهالي الذين ظلّوا، وما يزالون، متشبثين بأمل عودة أحبتهم. ولم يعد للصبر متّسع في منازلهم أو أحاديثهم، فتصاعدت مطالبهم للحكومة بفتح المقابر، والتعرّف على هوية المفقودين وإطلاعِ ذويهم على المعلومات. كما طالبوا الحكومةَ وهيئةَ المفقودين بالشفافية، مؤكدين أن الأولوية هي للعمل ثم العمل ثم العمل، إلى أن يُكشَفَ عن مصير جميع المفقودين ويُصبح لدى العائلات معلومات كافية ووافية عنهم، فهم لا يطلبون سوى حقائق تبرّد قلوبهم وتُغلق حلقة الحزن بطريقة مناسبة وفق شعائر العائلات وعاداتها، وأن يكون لكل مفقود متوفى قبر يُزار، وأن يجري التحقيق في مسببات الموت.
وهنا يتبادر للذهن سؤال: هل يُعبّرُ ما يجري في سوريا على صعيد معالجة هذا الملف عن حالة فوضى، أم عن تأخّر مقصود، أم عن تجاهل لملف المفقودين؟ أم أن الأمر، على تعقيده، قد يكون منطقياً وقابلاً للتفسير وله مبرراته، إذ أنه قد يحصل وحصلَ في بلاد أخرى. لا أدّعي هنا تقديم إجابات للأهالي حول أسباب التأخير، ولكنني أرغبُ في طرح مثال واقعي من دولة أوروبية عانت جرّاء الحرب والاختفاء القسري على نطاق واسع. فعلى الرغم من توفر موارد مالية كبيرة لدى هذه الدولة، لم تكن معالجة ملف المفقودين مقبولة، بل كانت مُحبِطة لكثير من عائلات المفقودين الذين توفوا وهم يبحثون عن أحبتهم المفقودين الذين اختفوا منذ أكثر من 80 سنة، وما يزال أحفادهم وأبناء أحفادهم يتقصّون رفاتهم في ظلّ واقعٍ معقدٍ سياسياً وعملياً وعلمياً ودون نتائج عملية وحقيقية.
تُعَدُّ إسبانيا نموذجاً مُتأخِّراً في التعامل الحكومي مع إرث الفقدان والاختفاء والقتل خارج نطاق القانون بإجراءات موجزة، وهو الإرث المرتبط بالحرب الأهلية الإسبانية (1936- 1939) (La Guerra Civil)، والمرحلة التي تلتها في فترة القمع والدكتاتورية (1939- 1950) خلال حكم فرانكو الدكتاتوري (1939- 1975). لسنوات طويلة، ورغم الانتقال الديمقراطي في عام 1975، بقي ملف المفقودين والمختفين والمقابر الجماعية يتحرك أساساً بمبادرات العائلات والجمعيات والمنظمات غير الحكومية، ثم تدخّلت بعض الجامعات والشركات الخاصة في عمليات البحث والتعرّف على المفقودين، مع تدخلات متفاوتة بين الأقاليم والحكومات المحلية والمركزية.
وعلى الرغم من أنه لا يوجد رقم وطني واحد رسمي عن عدد المفقودين والمختفين في إسبانيا، وذلك لأن إسبانيا لم تمرّ بتجربة العدالة الانتقالية وكشف الحقيقة، ولكن وفق كتاب العنف الأحمر والأزرق في إسبانيا 1936-1950، فإن عدد المختفين هو 133,199 شخصاً نتيجة العنف من طرف قوات فرانكو، بينما فُقد ما يُقارب 49,272 شخصاً نتيجة العنف المرتبط بقوات الجمهورية والمجموعات التابعة لها، ونتيجة لعمليات الإخفاء القسري والقتل خارج إطار القانون، أو بإجراءات موجزة أو تعسفية على امتداد الأراضي الإسبانية الواسعة، والتي أسفرت عن أعداد كبيرة من المقابر الجماعية الرسمية منها وغير الرسمية.
من المهم الحديث عن أن إحصائيات المقابر في إسبانيا تختلف من مصدر لآخر لأن قواعد البيانات ليست واحدة، إذ يجري تحديثها بشكل دوري ولكن ببطء. فمثلاً، يمكن البحث في مشروع خريطة المقابر (Mapa Estatal de fosas)، وهو مشروع حكومي جرى العمل عليه بناء على قانون وطني، عن المقابر وتصنيفاتها بشكل شفّاف يسمح للباحثين والمواطنين بالوصول إلى المعلومات، وهو يتضمن تصنيفات للمقابر وفق ما إذا كانت ضمن مرحلة التدخل أو عدم التدخل. ووفقاً لهذا المشروع فإن مجموع المقابر المُسجَّلة في إسبانيا هو 3328 مقبرة فردية أو جماعية، بما يشملُ أيضاً المقابر التي نُقلت الرفات منها إلى وادي كويلغاموروس (Cuelgamuros) خلال حكم فرانكو، وهو مركز تخليد لذكرى قتلى وضحايا الحرب الأهلية الإسبانية كما قدمتها للعالم قوات فرانكو المنتصرة، ويحمل المركز اسم وادي الشهداء (Valle de los Caídos).
من جهة أخرى أُطلِقَ مؤخراً مشروع مهم جداً على مستوى إسبانيا من طرف قناة RTVE، وهو يتضمن معلومات مُوسَّعة رقمية ومرئية عن المقابر، ونتجَ عنه تقرير تلفزيوني تحت عنوان «بلد الـ 6,000 مقبرة»، وهو مصدر مُعتبَر لدى الحكومة، ونجد فيه حوالي 6,000 موقع لمقابر أو مدافن غير نظامية، ومنها نحو 1,500 تُظهرها البيانات كمواقع جرى استخراج الرفات منها، بينما أكثر من 2,300 موقع لم يجرِ النبش فيها بعد أو استخراج الرفات منها.
وقبل الدخول في أسباب اعتبار التجربة الإسبانية تجربة مُخيّبة للآمال، فمن الضروري شرح بعض النقاط التاريخية المهمة في التعامل مع موضوع المفقودين والاختفاء القسري والمقابر الجماعية، فبعد انتهاء الحرب الأهلية في 1939 بدأت فترة حكم فرانكو المنتصر التي دامت حتى 1975، ومرّت هذه الفترة بنقطة مهمة في سنة 1940، حيث أطلق المنتصر قراراً بالتحقيق فيما حصل تحت ما يسمى القضية العامة (La causa general)، وذلك بهدف تثبيت سردية المُنتصِر ونشرها أمام المجتمع، وتجميع وثائق وشهادات حول جرائم نُسِبت لقوات الجمهورية، واستُخدِمَ هذا التحقيق كأداة بروباغاندا نتج عنها ملاحقات أمنية أدت إلى مقتل عدد كبير من الأبرياء والناشطين السياسيين، ومن الممكن العثور على مواد القضية العامة منشورة حالياً في الأرشيفات الإسبانية، وهي متاحة عبر بوابة الأرشيف (PARES).
تلا تلك المرحلة إنشاء وادي الشهداء (في وادي كويلغاموروس) (Valle de los Caídos Cuelgamuros)، الذي افتُتحَ رسمياً عام 1959 كرمز للنظام، وهو المكان نفسه الذي دُفِن فيه فرانكو بعد موته، وجديرٌ بالذكر أنه جرى نقل رفات أعداد كبيرة من القتلى والضحايا إليه من أماكن مختلفة في إسبانيا، سواء برضى العائلات أو دون رضاها، وغالباً دُفن فيه الأشخاص الذين اعتُبِروا شهداء في تلك الحقبة، ولكن طريقة الدفن لم تسمح لعدد كبير من العائلات بزيارة أحبابها، كما أن هناك ادعاءات بأنه قد دُفِن فيه عدد كبير من الأشخاص الذين قاتلوا تحت رايات مُعارِضة لسلطة فرانكو، ولكن جرى نقلهم إلى وادي كويلغاموروس، بالخطأ أو لأسباب أخرى ربما يكون بينها محاولة محو الماضي. وفي كل الأحوال، هو إنكار للجريمة وعدم تحليل لأسباب الوفاة الحقيقية، وقد وصل عدد المدفونين فيه إلى ما يقارب 33000 شخص.
وبعد وفاة فرانكو في 1975، وتَحوُّلِ إسبانيا إلى ملكية دستورية، بدأت عمليات نبش للقبور الجماعية بطريقة غير علمية، كان على رأسها أهالي المفقودين والمختفين، فاستُخرِجت الرفات في مناطق عدة وأُعيدَ دفنها بهدف تكريم أصحابها وفق شعائر أهاليهم، وجرى تمويل هذه الجهود من خلال أهالي المفقودين وخاصة من كانوا مقيمين في دول خارج إسبانيا وعادوا مباشرة بعد وفاة فرانكو بهدف التعرُّف على أحبابهم ودفنهم، إلا أن هذه الفترة شهدت أخطاء جسيمة في عمليات التعرُّف وتحديد الهوية لأنها لم تجرِ بناء على طرق علمية أو صحيحة.
وتوقفت هذه المرحلة بعد وقت قصير نسبياً، وذلك في عام 1981، إثر الانقلاب العسكري المشهور في إسبانيا باسم (23-F)، وهو محطة سياسية أثّرت في المرحلة الانتقالية سلباً، وأسهمت في توقّف عمليات البحث، وتوافق السياسيين على «نسيان الماضي».
وعلى الرغم من هذا التوافق السياسي الخطير على «نسيان الماضي»، استمرت عائلات المفقودين والمختفين والمهتمين في هذا المجال، سواء أكانوا أفراداً أم ضمن جمعيات العائلات، بالدفع باتجاه تفعيل عمليات البحث عن الضحايا والمفقودين والمختفين قسراً، بما في ذلك المفقودين العسكريين منهم الذين قاتلوا ضمن قوات الجمهورية خلال الحرب، أو ضمن الجماعات المسلحة في المرحلة اللاحقة (الذين يُطلق عليهم Maquis). وقد عملت هذه العائلات على حثّ المختصين العاملين في مجالات علم الآثار، وعلم الأنثروبولوجيا الشرعية (علم الإناسة الشرعي)، والعلوم الأخرى المرتبطة بمجال التعرُّف على المفقودين، وعلى دفعِ السياسيين للتحرك، ما نتج عنه في سنة 2000 إطلاق الموجة الحديثة للنبش العلمي.
ونتيجة لهذا الدفع الحثيث من العائلات، وبدعم من المختصين العلميين والقانونيين، ومن السياسيين المهتمين، صدر في عام 2007 قانون الذاكرة التاريخية، وهو قانون يعترف بالضحايا ويتطرق لبعض الإجراءات، إلا أنه لم يكن كافياً لضمان تَدخُّل الدولة في عمليات البحث والتعرُّف على المفقودين وكشف الحقيقة. ثم تلاه في 2011 اعتمادُ مجلس الوزراء البروتوكول الرسمي للتدخلات في استخراج جثث ضحايا الحرب الأهلية والديكتاتورية، والذي ألزمَ الجهات المعنية باتّباع منهجية علمية بمشاركة اختصاصات مُتعددة، تشمل المؤرخين، وعلماء الآثار، ومتخصصي العلوم الشرعية المختلفة مثل: علم الأنثروبولوجيا الشرعية، والعلوم الطبيعية، وعلم الأمراض، وطب الأسنان. وحدّدَ البروتوكول خطوات العمل في الأجزاء الرئيسة من عمليات البحث والتعرُّف على الهوية، ليتبع ذلك في 2022 إصدارُ قانون الذاكرة الديمقراطية، وهو قانون أكثر شمولاً يُعلن مسؤولية الدولة ويدفع باتجاه إنشاء أدوات مثل مخططات البحث، وقواعد بيانات، وبنك الحمض النووي (DNA)، إلا أن التنفيذ ما زال في طور البناء.
أخطاء كبيرة ونتائج مُخيّبة للآمال
يذكر تقرير عمليات استخراج الجثث من الحرب الأهلية وديكتاتورية فرانكو (2000-2019) وجود قصور في عمليات نبش المقابر والمراحل اللاحقة، ويَذكرُ أن هناك أكثر من 700 مقبرة جرى نبشها قبل تاريخ إصدار التقرير في 2020، وأن أكثر من 8,000 فرد استُخرِجت رفاتهم خلال تلك الفترة، ولكن عدد مَن حُدِّدت هوياتهم هو 0,2 بالمئة من الإجمالي الذي تم استخراجه. وبالرجوع إلى مصادر أكثر حداثة، نجد تصريحاً لوزير السياسة الإقليمية والذاكرة الديمقراطية بأنه ومنذ عام 2019 استُخرِج ما يقارب 9000 جثة من مقابر جماعية في إسبانيا، ولكن لم يجرِ التعرّف إلا على 70 جثة منها فقط، أي بنسبة 0,7 بالمئة من مجمل الرفات المُستخرَجة في تلك الفترة.
وعلى الرغم من أن الأرقام قد لا تعكس الواقع بدقة، في ظل وجود قصور في الإبلاغ عن نتائج عمليات تحديد الهوية من قبل الجهات المحلية، فإن النسبة المئوية لمَن جرى التعرّف عليهم تبقى ضئيلة جداً مقارنة بعدد الرفات التي جرى استخراجها في عموم إسبانيا.
ويعود ذلك إلى عدة أسباب، من أبرزها أن الإجراءات الأخرى المرتبطة بتحديد الهوية تُعاني قصوراً كبيراً، فضلاً عن وجود ثغرة واضحة ناجمة عن غياب منظومة وطنية مركزية للمعلومات وللـ(DNA)، بمعنى أن بعض الرفات التي تُستَخرَج في إقليم معيّن قد تعود في الأصل لأشخاص من إقليم آخر، ولا يجري مطابقة المعلومات بين الأقاليم إلا إذا كان لدى الجهة التي تعمل على تحديد الهوية معلومات وبيانات حصلت عليها من جهات معنية في أقاليم أخرى لديها معلومات عن مكان الدفن. كما يبرز تَحدٍّ كبير في جمع عينات الـ(DNA) من العائلات، وخاصة تلك التي فقدت الثقة في العملية السياسية، وهم في الغالب من أحفاد وأبناء أحفاد المفقودين.
وهناك أسباب أخرى، مثل تَحكُّم السياسة في تمويل عمليات التعرُّف أو حجب التمويل عنها، فضلاً عن النقص في عدد المختصين في مجالات علم الأنثروبولوجيا الشرعية (على الرغم من وجود عدة جامعات تُقدّم هذا النوع من الاختصاصات العلمية)، وعلم الوراثة، وطب الأسنان الشرعي، والكيمياء، والمختصين في علوم التوثيق والتحقُّق. وتُعَدُّ هذه التخصصات جميعها أساسية ولا غنى عنها في عمليات تحديد هوية الرفات المُستخرَجة، التي قد تبقى في المستودعات لسنوات دون أن تُحدَّد هويتها، أو قد يُعاد دفنها بشكل إلزامي، وفق القانون المحلي في الأقاليم المختلفة تحت اسم مجهول الهوية، مع الاحتفاظ بنتائج الفحوص والاختبارات في المخبر. ويبقى أحد أهم الأسباب كما ذكرنا سابقاً أن حالات الفقدان تعود إلى فترة زمنية بعيدة تتراوح بين 75 و89 عاماً، ما قد يعني أن عدداً كبيراً من ذوي المفقودين قد توفوا خلال سنوات البحث، ويترتبُ على ذلك صعوبة كبيرة في الحصول على عينات الحمض النووي (DNA) اللازمة للمطابقة، فضلاً عن فقدان معلومات حاسمة حول أماكن الدفن المحتملة بعد رحيل الشهود ومقدمي تلك المعلومات مع مرور السنوات.
تكتيكات مُبدِعة لمواجهة تحديات كبيرة
هناك عدة تكتيكات تتبعها عائلات المفقودين والجهات المختصة لمواجهة التحديات المذكورة سابقاً، إلا أنها تبقى قاصرة أمام حجم التحديات الكبير. ومن بين هذه التكتيكات أنه في حال عدم وجود فرد حيّ من أبناء المفقود لتقديم عينة (DNA) مرجعية، يتم اللجوء إلى القضاء لاستصدار قرار يسمح بجمع العينة من الأبناء المتوفين للمفقودين ممن عُرِف مكان دفنهم، وتُستَخدَم هذه العينات لمطابقة نتائج تحليل الـ(DNA)، وذلك ضمن شروط قانونية ومحلية معينة.
ونظراً لضعف التمويل، تقوم المنظمات المختصة بعمليات النبش واستخراج الرفات بالتعاون مع الجامعات من أجل تحليلها مخبرياً، بدءاً من اختصاص علم الأنثروبولوجيا الشرعية، مروراً بعلم الحشرات، وعلم النظائر(Isotopes)، وطب الأسنان، وعلم الوراثة، وهي تخصُّصات تتدخل جميعها في مراحل معينة من عمليات التعرُّف وتحديد الهوية. ولزيادة أعداد المختصين تقوم هذه المنظمات بتقديم تدريبات عملية للمهتمين، سواء بالتنسيق مع البلديات أو مع الجامعات المتخصصة، كجامعة غرناطة أو جامعة مدريد (UAM) أو جامعة الباسك (UPV). وتعتمد هذه المنظمات، مثل (ARMH، وARQUEOANTRO، وAranzadi) وغيرها، على عدد كبير من المتطوعين الراغبين في دفع عجلة البحث عن المفقودين والمساهمة في عمليات تحديد الهوية.
في النهاية، من المهم معرفة أن عملية التعرُّف على المفقودين مسار مُعقّد ومُتعدِّد الاختصاصات، ويتطلب تمويلاً كبيراً وإرادة سياسية حقيقية، والأهم من ذلك كله أنها بحاجة إلى وقت وصبر، على أن يقترنَ الصبر بدفع مستمر نحو تفعيل عمليات البحث عن المفقودين وإدراجها ضمن أولويات العدالة الانتقالية؛ وإلا فإن هذا الملف سيعود عاجلاً أم آجلاً ليفتح جروحاً لم تندمل عبر السنوات، ولم تُعالَج على نحو سليم من قبل المجتمع أو الجهات الحاكمة، كما حدث ويحدث في إسبانيا.
وأخيراً، فإن الأخطاء التي قد تنجم عن التسرُّع في عمليات النبش والتعرُّف على المفقودين اليوم، سيكون لها أثر سلبي في تحديد الهوية، كما ستنعكس سلباً على عائلات الضحايا وعلى المجتمع السوري ككل.
*****
كتب أحمد الطالب هذه المقالة، وقُدِّمَ الدعم في مراجعة المادة العلمية من جانب كل من خافيير إغليسياس(Javier Iglesias Bexiga) عالم الأنثروبولوجيا الشرعية في جامعة مدريد (UAM) وأحد مؤسسي منظمة (Arqueoantro)، وميغيل ميزكيدا (Miguel Mezquida) عالم الآثار الشرعية وأحد مؤسسي منظمة (Arqueoantro).
موقع الجمهورية
—————————
ذكرى مجزرة التضامن تستحضر سؤال العدالة الانتقالية المعلّق/ ماهر حسن شاويش
2026.04.20
في مشهد يختلط فيه الألم بالإصرار أحيا أهالي حيّ التضامن الدمشقي ومخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين جنوبي العاصمة السورية دمشق الذكرى الثالثة عشرة للمجزرة التي ارتكبها النظام المخلوع في الموقع ذاته الذي شهد واحدة من أبشع الجرائم في تاريخ سوريا الحديث.
وفي الواقع لم تكن المناسبة مجرد وقفة رمزية بل بدت كفعلٍ رقابيّ شعبي يعيد طرح الأسئلة المؤجلة حول الحقيقة والمساءلة وفي مقدمتها سؤال العدالة الانتقالية المعلّق ويؤكد أن الذاكرة ما زالت حيّة رغم كل محاولات الطمس أو النسيان.
في موقع “حفرة التضامن” الاسم الآخر وربما الأكثر شيوعاً وانتشاراً للمجزرة بحكم التوصيف الدقيق لبعض ما وثّقته الكاميرات لحظات ومشاهد القتل الجماعي التي لم يُنشر منها سوى قليل من كثير، تجمّع الأهالي رافعين شعارات تختصر مساراً كاملاً من الألم والمطالبة بالعدالة منها: “النسيان خيانة”، “دمنا في أعناقكم”، “حاسبوا القاتل لتعيش الحقيقة”، و”أخبروا أطفالي أني حملت صورتهم معي” بالطبع هذه العبارات لم تكن مجرد لافتات بل إعلاناً واضحاً وصريحاً بأن معركة السوريين وأشقائهم من لاجئي فلسطين في سوريا اليوم لم تعد فقط مع الماضي بل مع خطر محوه وربما تشويهه بقصد أو بغير قصد.
ما جرى في هذه الذكرى يؤكد أن المجتمع المحلي السوري والفلسطيني رغم التهجير والمعاناة والانغماس حد الغرق في تفاصيل وأعباء الحياة اليومية بين تأمين لقمة العيش والمساهمة في إعادة بناء ما دمرته الحرب ما زال قادراً على إنتاج أدواته الخاصة في التوثيق والمساءلة في ظل تباطؤ المسار الرسمي للعدالة الانتقالية.
في قلب هذه الذكرى الأليمة والوجع الناجم عنها، عادت وجوه الضحايا لتفرض حضورها ليس كأرقام في سجل الجرائم بل كحيوات كاملة تم اقتلاعها من بين أحضان ذويها.
وسيم صيام اللاجئ الفلسطيني السوري واحد من هؤلاء الذين لم يُختصروا بالموت ولم تغيبهم المجزرة بل ظلوا حاضرين في الذاكرة بكل تفاصيلهم الإنسانية فقد كان إنساناً له يومياته وملامحه وأحلامه، قبل أن يتحول إلى شاهدٍ على جريمة لم يُحاسب مرتكبيها بعد.
وكذلك لؤي الكبرة الذي لم يكن يوماً خبراً عابراً فقط على مدار الأعوام السابقة بل كان واحداً من أبناء المخيم يمشي في شوارعه كأي إنسان عادي يحمل بين جنباته هموم أيامه ومعاناة لجوئه وينتظر تحقيق أحلامه سواء في العودة إلى فلسطين أو بتحقيق ما يساعده على الصمود إلى ذلك الحين.
في مجزرة التضامن لم تُسلب حياته فقط، بل سُرقت معه كل التفاصيل الصغيرة من صباح يرتشف به فنجان قهوة قبل الانطلاق إلى عمله إلى حديث لم يكتمل مع جاره حتى طريق طويل لم يُستكمل بكل خطواته إذ تم رميه في حفرة وسط هذا الطريق.
هذه السرديات الفردية نحتاجها بشدة ومطلوب استحضارها كي تعيد الاعتبار للضحايا وتفكك الرواية التي تحاول اختزالهم في أعداد وأرقام.
بعد ثلاثة عشر عاماً على المجزرة وعام ونصف تقريباً على التحرير وسقوط النظام المخلوع ما تزال الأسئلة الأساسية من دون إجابة واضحة: أين الحقيقة الكاملة؟ أين المتورطون؟ وأين العدالة التي وُعد بها الضحايا؟
اسم المجرم أمجد يوسف المتهم الأول في المجزرة ما زال حاضراً في النقاش العام لكن مصيره ما يزال غامضاً في ظل غياب أي محاسبة فعلية وهذا الغموض يعكس واقعاً أوسع من التساؤلات حيث تتراكم الملفات دون حسم، وتبقى الجرائم بلا مسار قضائي واضح وسقف أو جدول زمني محدد.
في مقابل هذا الغياب للعدالة يبرز مسار موازٍ أكثر خطورة وأشد إيلاماً وقسوة يتمثل في التسويات التي شملت شخصيات متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة وعلى رأسهم فادي صقر المرتبط اسمه بمجزرة التضامن عبر هندستها والوقوف خلفها.
هذه التسويات لا تُقرأ فقط كإجراءات سياسية بل كرسائل سلبية للضحايا وذويهم مفادها أن الجرائم يمكن أن تُطوى من دون حساب وأن العدالة يمكن استبدالها بترتيبات أمنية مؤقتة لغايات اقتصادية غير متفهمة من ذوي الضحايا وأولياء الدم وهو ما يقوّض أي إمكانية حقيقية لبناء مسار عدالة انتقالية قائم على المساءلة والإنصاف ويضع إشارات استفهام كثيرة وكبيرة لذلك تبرز التسويات كعنوان لملف يشغل بال السوريين والفلسطينيين على حد سواء.
وفي ظل هذا التخبط والارتباك بعضهم يقول إنها مقبولة بشرط ألا تتحول إلى إفلات من العقاب، فيما لا يتقبل البعض الآخر هذه العبارة ويفنّد كل هذه الضوابط لمثل هذه التسويات المطروحة ضمن مسار العدالة الانتقالية، واضعاً خطاً فاصلاً بين العدالة الحقيقية والصفقات السياسية، مؤكدين أن العدالة الانتقالية ليست ورقة مساومة، وليست بوابةً لتبييض الصفحات السوداء، ولا طريقاً مختصراً لتجاوز الألم من دون مساءلة.
وحين تُطرح أسماء مثل محمد حمشو وفادي صقر وغيرهم ضمن سياق “التسويات” فالسؤال الجوهري المطروح من الغالبية ليس: هل نقبل أم نرفض؟
بل: ما هذه الضوابط؟ وأين حقوق الضحايا؟ ومن يضمن عدم الإفلات من العقاب؟
مع الإصرار على أي تسوية لا يجب أن تقوم إلا على كشف الحقيقة كاملة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة، وإنصاف الضحايا وجبر الضرر وضمان عدم التكرار وكل ماعدا ذلك هي تسوية منقوصة بل وخطرة على كل مسار العدالة الانتقالية ويهدد بخطر ظهور العدالة الانتقالية وما تعكسه من تداعيات سلبية على السلم الأهلي في مجتمع هو في أشد الحاجة لكل خطوة داعمة لتثبيت الاستقرار والأمن.
في النتيجة وما يجب أن يتم ترسيخه هو أن العدالة الانتقالية وُجدت لحماية المجتمع من إعادة إنتاج الظلم، وليس لإعادة تدوير المتورطين في هذا الظلم بمشهد جديد تتم هندسته على مقاس أي سلطة.
باختصار الضحايا هنا ليسوا تفصيلاً يمكن تجاوزه وحقوقهم ليست بنداً قابلاً للتفاوض والمساومة.
ثمة طرف ثالث يقول نعم للتسويات إذا كانت بوابةً للعدالة ولا للتسويات إذا كانت جسراً للإفلات من العقاب نطرحه هنا كوجهة نظر لا يتبناها كثر خوفاً وخشية من التطبيق الخاطئ.
في ظل هذا الواقع تتقدم مبادرات المجتمع المدني التي تواصل عملها في التوثيق والمتابعة وطرح الأسئلة الصعبة حول مصير الضحايا ومحاسبة المسؤولين وهذا النمط من الرقابة الشعبية لم يعد خياراً بل ضرورة في بيئة تغيب فيها المؤسسات المستقلة ويُترك فيها الضحايا من دون حماية قانونية أو تمثيل عادل.
ويبقى أن الرسالة التي حملتها ذكرى مجزرة التضامن هذا العام كانت واضحة ومفادها أن العدالة ليست مطلباً مؤجلاً إلى ما لا نهاية بل حقٌ مستمر لا يسقط بالتقادم. وبينما تبدو بعض المؤشرات غير مشجعة فإن الإصرار على التوثيق واستعادة الأسماء، ورفع الصوت، يشكّل بحد ذاته مساراً موازياً للعدالة.
في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بمجزرة حدثت قبل ثلاثة عشر عاماً، بل بسؤال مفتوح حول مستقبل سوريا بأكمله: هل يمكن البناء وتهيئة الأجواء لسلم أهلي حقيقي من دون محاسبة؟ وهل يمكن للذاكرة أن تصمد في وجه النسيان لا سيما المنظّم منه؟
في حيّ التضامن ومن أمام الحفرة التي وقعت بها المجزرة كان الجواب واضحاً لا لبس فيه: النسيان خيانة.
———————————–
المواطنة المتساوية بوصفها قلبَ العدالة الانتقالية/ رؤى الطويل
وهمُ المُفاضَلة بين الأولويات على ضوء نقاش حق السوريات في منح الجنسية لأطفالهنّ
15-04-2026
في سياق النقاشات الدائرة حول مسارات العدالة الانتقالية في سوريا، وإثرَ انعقادِ لقاء في جامعة دمشق بعنوان «الثغرات في قانون الجنسية السوري: تحقيق المساواة بين الجنسين» في 30 آذار (مارس) الماضي، 1 تكرّرَ ويتكرّرُ اعتراضٌ مفاده أن التركيز على قضايا مثل المساواة في قانون الجنسية يأتي على حساب ملفات أكثر إلحاحاً. يقوم هذا الاعتراض على افتراض ضمني إشكالي بأن العدالة يمكن ترتيبها زمنياً وفق سلّم أولويات، وهو افتراضٌ ينطوي على خلل بنيوي، إذ يتعامل مع العدالة كحزمة خيارات ويختزلها إلى مجموعة ملفات منفصلة، لا كمنظومة مترابطة يَشترطُ بعضها بعضاً. كما أن السؤال يظلُّ قائماً حول الجهة أو المعايير التي تُحدّد هذه المفاضلة، ومن يملك سلطة ترتيبها.
تنطلق هذه المقالة من مقاربة مغايرة ترى أن المواطنة المتساوية ليست مجرد خطوة لاحقة في مسار العدالة الانتقالية كما هو الاعتقاد الشائع، بل هي شرطٌ تأسيسيٌّ لقيامها. فمن دون اعتراف قانوني متكافئ بالأفراد بوصفهم أعضاء في الجماعة السياسية، تفقدُ آليات العدالة، من كشف الحقيقة إلى جبر الضرر، مُرتكَزها الذي تستند إليه، وتغدو مُمارساتُها منقوصة من حيث الأساس.
تتضح خطورة هذا الإشكال عند النظر إلى اتساع نطاق الفئات المتأثرة بقانون الجنسية التمييزي في سوريا. فالقضية لا تنحصر في حالات فردية، بل تمتد لتشمل شرائح متعددة من المجتمع، من التمييز الإثني الذي طال الكُرد في الحسكة، إلى أوضاع اللاجئين الفلسطينيين، وصولاً إلى من تضرروا بفعل مواقفهم السياسية أو سياقات النزاع. ومع ذلك، يبرز الأثر الأوسع في وضع النساء السوريات، وما ينعكس عنه مباشرة على أطفالهنّ. ولا يمكن اختزالُ الإشكالية في نموذج واحد هو زواج السورية من أجنبي الجنسية، بل إنها تتخذ صوراً متعددة أخرى أيضاً تكشف عن خلل بنيوي أعمق. فهناك نساء سوريات متزوجات من رجال عديمي الجنسية، وأخريات فقدنَ أزواجهن – وهم سوريون- بسبب الاختفاء القسري أو الوفاة دون توثيق رسمي، وفي حالات أخرى، يؤدي غياب أو عدم توثيق هوية الأب، كما في حالات المقاتلين الأجانب أو الناجيات من العنف الجنسي، إلى تعقيدات قانونية واجتماعية مضاعفة، تجعل تسجيل الأطفال أو إثبات نسبهم أمراً بالغ الصعوبة. ويُضاف إلى ذلك حالات رفض بعض الآباء الاعترافَ بالأطفال، وانتشار الزيجات غير المُسجَّلة، وهي ظواهر تفاقمت بشكل ملحوظ في ظل ظروف الحرب والنزوح، لا سيما في دول الجوار، ذلك أن التهجير القسري يزيدُ من تعقيد المشهد، إذ يعيق الوصول إلى الوثائق الرسمية ويُضعِفُ القدرة على إثبات الروابط القانونية.
ما تكشفه هذه الحالات ليس تعدد الاستثناءات، بل إنها تشير إلى قاعدة عامة تحكمها بنية قانونية تجعل نقل الجنسية عبر الأم حقاً مُقيَّداً لا أصيلاً. وتؤدي هذه البنية إلى إنتاج متكرر لحالة هشاشة مستمرة تفتح المجال أمام أشكال متعددة من الحرمان، وتُفضي بدورها إلى مزيد من الإقصاء، بغض النظر عن اختلاف الظروف الفردية. من هنا، لا يعود إصلاح قانون الجنسية مسألة هامشية، بل يغدو جزءاً لا يتجزأ من مسار العدالة الانتقالية، بوصفه يعالج وجهاً بنيوياً من أوجه الظلم، ويحدّ من توليد انتهاكات أخرى.
إن ربطَ إصلاح قانون الجنسية بالعدالة الانتقالية يتجاوز كونه طرحاً نظرياً، ذلك أنه يُعيد تعريف من هو «المعني» بالعدالة أصلاً. فالدولة التي لا تعترف ببعض ضحاياها كمواطنين على قدم المساواة، تعجز عملياً عن إشراكهم في مسارات المُساءلة أو جبر الضرر. وفي هذه الحالة، تتحول العدالة إلى امتياز انتقائي، ويبرز ما يمكن تسميته بـ«تراتبية المظلومية»، حيث يُستبعَدُ الأشدُّ هشاشة من فُرَص الوصول إلى الإنصاف. وفي هذا الإطار، تكتسب الجنسية معناها الأعمق كما صاغته حنّة آرنت بوصفها «الحق في امتلاك الحقوق»، إذ تُمثّل الأداة التي تُتيح للأفراد المطالبة بسائر حقوقهم. وبدونها، لا يفقد الإنسان انتماءه القانوني فحسب، بل يفقد أيضاً قدرته على مواجهة الانتهاكات أو حتى تسميتها.
ويتجاوز أثرُ هذا الخلل حدودَ اللحظة الراهنة أو الحاضر، ليأخذ طابعاً عابراً للأجيال. فالقوانين التمييزية في مجال الجنسية لا تُنتِجُ ظلماً آنياً فحسب، بل تُعيد إنتاجه بشكل تراكمي، بحيث ترثه الأجيال اللاحقة التي تجد نفسها بدورها محرومة من طيف واسع من الحقوق المدنية والسياسية، فضلاً عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بما في ذلك التعليم والرعاية الصحية والمُلكية والتنقل. وبهذا المعنى، يغدو التمييز القانوني أحد أكثر أشكال الانتهاك رسوخاً واستدامة.
وكلّ ذلك دون التطرّق إلى بُعدٍ لا يقل خطورة، يتمثّل في كيفية إتاحة استمرار توظيف الجنسية كأداة سياسية، سواء عبر سحبها، أو حجبها، أو استخدامها وسيلة للضغط والابتزاز، مما يقوّض أي ضمانات حقيقية لعدم التكرار، ويجعل من أي انتقال سياسي عرضة لإعادة إنتاج أنماط الإقصاء ذاتها.
وعليه، لا يُمكن النظر إلى تأجيل إصلاح قوانين الجنسية بوصفه خياراً تقنياً محايداً، بل هو في جوهره قرارٌ بالإبقاء على شروط الظلم. فلا يمكن تصوّر عدالة انتقالية فعّالة في غياب إطار قانوني يضمن المساواة، كما يستحيل بناء عقد اجتماعي جديد بين أطراف لا تعترف الدولة لها بالتكافؤ، ولا تعترف لبعضها بعضاً به.
خلاصة القول؛ إن المواطنة المتساوية ليست محطة عرضية أو اعتباطية أو نهاية لمسار العدالة، بل هي بدايته. وأي محاولة لتجاوز هذا الأساس تحت حجج «الأولويات» لن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الإقصاء بصيغ جديدة. وقد تضمّنَ اللقاء المشار إليه في أول النص تحليلاً للسياقات القانونية والسياسية والاجتماعية التي تبرر استمرار التمييز، وخلصَ إلى نتائج تتعلق بضرورة إنصاف الضحايا، عبر الجمع بين المطلب الاستراتيجي بتعديل القانون واتخاذ تدابير إجرائية عاجلة تهدف إلى رد الاعتبار وتخفيف الأعباء عن المتضررين. لكن هذه المقالة ركّزت على زاوية محددة تتماشى مع هدف اللقاء، وهي توضيح كيف أن التمييز في قانون الجنسية وحرمان النساء السوريات من منح الجنسية لأطفالهن يُشكِّلُ عائقاً جوهرياً أمام إمكانية تطبيق عدالة انتقالية فعلية، بوصف هذا التمييز عاملاً مُحدِّداً لمن يمكنه أصلاً أن يكون مشمولاً بالعدالة.
1. جرى عقد اللقاء بتنظيم من الشبكة الإقليمية حول انعدام الجنسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (هويتي)، والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة.
موقع الجمهورية
———————————
“سوريا تحكي” في وسط البلد.. حوار بنَّاء حول شكل العدالة الانتقالية في سوريا
2026.04.16
في حلقة خاصة من برنامج “وسط البلد” ضمن سلسلة “سوريا تحكي” التي عُرضت عبر شاشة ومنصات تلفزيون سوريا، نُظمت جلسة نقاشية مفتوحة جمعت طيفاً واسعاً من السوريين، بينهم إعلاميون وحقوقيون وصحفيون وأشخاص من ذوي الضحايا ومصابي الحرب، إلى جانب رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، عبد الباسط عبد اللطيف.
لم تكن الحلقة مناظرة تقليدية، بل مساحة تفاعلية تهدف إلى بناء جسور بين الناس والحكومة للنهوض بمسار العدالة الانتقالية بما يلبي طموحات السوريين.
محاكمة المجرمين ستبدأ قريباً
افتُتحت الحلقة بتعريف مفهوم العدالة الانتقالية، وما الآليات التي يرتكز عليها هذا المفهوم، وطرح المقدم الدكتور زيدون الزعبي التساؤل الجوهري: ما شكل العدالة الانتقالية التي يطمح لها السوريون؟
رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، عبد الباسط عبد اللطيف، تحدث أنه خلال الأيام القادمة، ستشهد أربع محافظات محاسبة مجرمين ارتكبوا انتهاكات خلال السنوات 15 الماضية.
وأضاف عبد اللطيف أنه تم الانتهاء من البناء المؤسساتي الخاص بالهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وأنه سيتم العمل بشكل فعلي خلال الأيام القادمة على فتح ملفات محاسبة المجرمين، ولاسيما من ارتكبوا انتهاكات في الغوطة الشرقية وجديدة الفضل بريف دمشق، وخان شيخون بريف إدلب، وفي محافظتي دير الزور وحمص.
ما العدالة الانتقالية التي يريدها السوريون؟
فتح البرنامج السقف للحضور، فجاءت المداخلات نقدية وعملية وبنّاءة.
وفي هذا السياق عبّر محمد صالح (مواطن سوري) عن عدم تفاؤله بما ستُفضي له العدالة الانتقالية، مؤكداً أن ملف العدالة يجب ألا يكتفي بمحاسبة مجرمي النظام البائد، بل أن تطول المحاسبة من ارتكب انتهاكات في الساحل والسويداء.
عبد الكريم عمرين (كاتب ومسرحي): أكد أن أداء الحكومة السورية يعتبر فاتراً ولم يخل من الأخطاء، وبأن المواطن السوري هو من يدفع الثمن، مطالباً ألا تكون العدالة انتقالية فقط، بل عدالة دائمة.
ليلاس دامشلي (ناشطة حقوقية): طالبت بضرورة عدم تسييس الضحية، بحيث يتم تحقيق العدالة للضحايا مهما كان انتماؤها، إضافة إلى أن هناك ذوي ضحايا يريدون كشف الحقيقة والمحاسبة بأسرع وقت، مشيرة إلى أهمية الاعتراف بالانتهاكات التي حصلت في سوريا.
بيرتا خزام (مواطنة سورية): قالت إن العدالة الانتقالية هي بناء وطن استفاد من تجاربه السابقة، ليكون عادلاً لكل المواطنين، وهذا يتحقق بوجود دستور وقانون وبناء مؤسسات من وإلى كل أبناء الشعب بكل مكوناتهم، دون أي إقصاء أو اتهام أو تخوين.
ذوو الاحتياجات الخاصة يطالبون بإنصافهم
شارك خلال الحلقة كذلك أشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة، بعضهم تعرض لإصابات خلال الحرب، بفعل إجرام النظام البائد، متحدثين عن شكل العدالة الانتقالية التي يطمحون لها، ومطالبين بتعويضهم عن حجم الضرر الذي تعرضوا له.
مهند العمّوري (ضابط منشق): يعاني من شلل رباعي منذ 14 عاماً، حيث قال إن مصابي الحرب ينتظرون العدالة الانتقالية ليتم إنصافهم، عبر جبر الضرر وتقديم التعويضات لهم، مشيراً إلى أن الجرحى يتم إهمالهم وعدم الاهتمام بهم وتقديم الدعم لهم.
عمار الخطيب (مواطن سوري): قال إن ذوي الاحتياجات الخاصة يطالبون بحقوقهم، نتيجة الضرر الذي تعرضوا له بفعل إجرام النظام البائد خلال السنوات الماضية، متسائلاً فيما إذا سيتم محاسبة القضاة الذين كان لهم دور في اعتقال آلاف السوريين في سجون النظام البائد.
أحمد حزرومي (عضو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية): تحدث كيف سيتم العمل على جبر الضرر لمصابي الحرب في سوريا، مشيراً إلى أنه سيتم افتتاح أول مركز للتعافي من الضرر في حمص قريباً.
هل 5 سنوات كافية للمحاسبة؟
تحدث رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، عبد الباسط عبد اللطيف، أن فترة ولاية الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، ستستمر لخمس سنوات لمحاسبة مجرمي الحرب في سوريا، مشيراً إلى إمكانية تمديد فترة عمل الهيئة لاستكمال ملف المحاسبة.
في المقابل تساءل المقدم الدكتور زيدون الزعبي، فيما إذا كانت فترة الخمس سنوات، كافية لتستطيع الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، محاسبة كل من ارتكب انتهاكات ومجازر خلال السنوات الماضية.
كما تحدث عبد الباسط عبد اللطيف، أن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية ستتولى محاسبة من ارتكب انتهاكات في السويداء والساحل في حال طلبت منها الحكومة السورية ذلك، لافتاً إلى أن الدولة بدأت في الأشهر الماضية محاسبة من ارتكب انتهاكات في الساحل السوري، على أن تشهد الفترة القريبة بدء محاسبة مرتكبي الانتهاكات في السويداء.
تلفزيون سوريا
———————————
الناجون من سجون الأسد في مواجهة الفراغ المؤسسي وغياب الرعاية الصحية/ بتول الحكيم
18 أبريل 2026
دقّ انتحار الشاب المعتقل سابقًا محمد علي شلة ناقوس الخطر، حيث أنهى حياته في منزله بحرستا في ريف دمشق، احتجاجًا على تجاهل معاناة الناجين من سجون النظام المخلوع، وتأكيدًا على غياب أي رعاية لهذه الفئة التي تُعدّ من الفئات الأكثر هشاشة، نظرًا للتبعات الصحية والنفسية والمجتمعية، إذ دفعوا الثمن الأغلى من التضحيات التي قوبلت بالتجاهل والخذلان.
وإثر ذلك، بدأت الانتقادات تتصاعد تجاه الجهات المعنية، ممثلة بوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل وهيئة العدالة الانتقالية، لتبدأ رحلة البحث عن المسؤول عن تفاقم هذه المأساة، بالتزامن مع الإعلانات الصادرة عن هذه الجهات حول تشكيل اللجان المختصة، والجهود والاجتماعات التي تمتلئ بها المعرفات الرسمية لها.
من المسؤول عن ملف الناجين والناجيات؟
قرر موقع “الترا سوريا” خوض هذه الرحلة وطرح التساؤل المشروع حول المسؤولية عن هذه الفئة ودعمها وتوفير احتياجاتها، لنُفاجأ بواقع صادم من تبادل المسؤوليات بين الأطراف، والمماطلة في الردود والإجابات، وإلقاء كل طرف المسؤولية على أطراف أخرى.
فبعد سؤال مدير المكتب الإعلامي لوزارة الشؤون الاجتماعية، عمر محمد، ظنًا منا أن هذا الملف من اختصاص الوزارة، لم نتلقّ ردًا واضحًا، وتم تحويلنا إلى مسؤول فريق الحماية الاستشاري، واثق حلاق، الذي أفاد بدوره بأنه لا يملك معلومات محددة حول اضطلاع الوزارة بهذا الملف.
وفيما بعد، صرّح مدير المكتب الإعلامي لـ”الترا سوريا” بأن هذا الملف ليس من اختصاص الوزارة، فيما أشارت إحدى المتطوعات، التي تعمل مستشارة في الوزارة وفضّلت عدم ذكر اسمها نظرًا لإلغاء الرئيس أحمد الشرع لهذا المنصب، إلى أن هذا الملف من مسؤولية “هيئة العدالة الانتقالية”.
من جانبنا، توجهنا إلى هيئة العدالة الانتقالية، حيث كان التواصل مع أعضائها أمرًا معقدًا نظرًا لانشغالهم، لنتلقى ردًا صادمًا من عضو الهيئة الدكتور أحمد سيفو، الذي أوضح لـ”الترا سوريا” أن هذا الملف ليس من اختصاص الهيئة، بل من اختصاص الشؤون الاجتماعية والعمل ومنظمات المجتمع المدني، ليعيد الكرة مجددًا إلى ملعب الوزارة.
ومع توسيع دائرة التواصل، وفي نهاية المطاف، أقرّ عضو هيئة العدالة المسؤول عن جبر الضرر بأن ملف جبر ضرر المعتقلين هو بالفعل من مسؤولية الهيئة، إلا أن المهام تعطلت ولم تبدأ بعد، تبعًا لانشغال الهيئة خلال الفترة الماضية بتحضير قانون العدالة الانتقالية، بما يتضمنه من آليات جبر ضرر الناجين. لنبقى في هذه الدائرة المغلقة من تجاهل أحد أهم الملفات الإنسانية التي أفرزها سقوط النظام، والتي قد يتسبب تأجيلها وتجاهلها بمآسٍ لا تُعدّ ولا تُحصى.
ويبقى السؤال مطروحًا حول المسؤولية الفعلية عن هذه الفئة.
كيف يعيش الناجون والناجيات؟
في السياق ذاته، قابل “الترا سوريا” إحدى الناجيات من اللاذقية، خديجة. أ، التي تحدثت عن تجربتها بعد خروجها من المعتقل، حيث تخلى زوجها عنها وعن طفلها المصاب بالتوحد وابنتها، ثم تزوجت لاحقًا، وتعرضت لملاحقات أمنية، قبل أن تنتقل للعيش في تركيا، حيث توفي زوجها بعد نحو عام، وتفاقم الوضع الصحي لابنها وتعقّد بشكل أكبر. وبعد سقوط النظام، عادت إلى سوريا، لتتعرض للاستغلال ووعود المساعدة الكاذبة من بعض الأشخاص، وتنقلت بين المحافظات أملًا في الحصول على الدعم.
كما تعرضت لضغط عائلي لقبول إقامتها في منزل والدها وزوجته مقابل التخلي عن ابنها المصاب بالتوحد. وعندما عجزت عن إعالته، أخذه والده، وحكمت المحكمة لها بأربع ساعات رؤية أسبوعيًا في اللاذقية، إلا أنها لا تملك مسكنًا هناك. فتوجهت إلى وزيرة الشؤون الاجتماعية لتأمين مأوى يتيح لها استعادة ابنها، لكنها قوبلت بعدم توفر شاغر. كما حاولت إيجاد فرصة عمل نظرًا لخبرتها في العلاج الفيزيائي ومرافقة كبار السن والمرضى، إلا أنها رُفضت بسبب سنها، فهي من مواليد 1975، وهي تناشد اليوم لتأمين مأوى واستعادة ابنها.
من جهتها، أوضحت السيدة أم يحيى، المسؤولة عن الناجيات في رابطة معتقلي الثورة السورية، لـ”الترا سوريا” أن الحاجات تفوق كل الإمكانيات، وأن أوضاع الناجين والناجيات أسوأ بكثير مما يتم تداوله، مشيرة إلى أن أعداد الأرامل من ذوي الشهداء كبيرة جدًا، وأن أغلب الناجين خرجوا بعاهات وأمراض جسدية، وفقدوا منازلهم، ولم يعودوا قادرين على العمل.
وأكدت أن المنظمات لا يمكنها تغطية هذه الاحتياجات، وأن المسؤولية يجب أن تضطلع بها جهة حكومية، نظرًا لتفاقم الأوضاع المعيشية لهذه الفئات المتروكة التي تعاني من واقع مزرٍ.
الرعاية النفسية اللازمة للناجين والناجيات
تحدثت المختصة النفسية ليا السيد طه لـ”الترا سوريا” عن الدعم الذي يحتاجه الناجون والناجيات، مشيرة إلى “هرم ماسلو” للاحتياجات الأساسية، والتي تنعكس بوضوح على واقعهم، بدءًا من الرعاية الصحية المناسبة والتغذية والدواء، وصولًا إلى الاحتياجات النفسية المرتبطة بالأمان والمشاعر والانتماء.
ولفتت طه إلى أن العبء يقع على عاتق أهل الناجي، نظرًا لأن أغلبهم يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة، ما يتطلب قدرًا كبيرًا من الاحتواء والتدرج في التعامل، وتجنب تعريضهم لمواقف تثير حساسيتهم، مثل الأسئلة المحرجة أو طلب التفاصيل أو الأصوات العالية، مع ضرورة مراعاة ردود أفعالهم.
وأضافت المختصة النفسية أن الناجين والناجيات فقدوا السيطرة على حياتهم لفترة طويلة، ما يجعل التدرج في قراراتهم أمر ضروري، والاستماع إليهم باهتمام، ومساعدتهم في التعبير عن مشاعرهم بارتياح، ومن المفيد تلقي الدعم النفسي، والانضمام لمجموعات لمشاركة التجارب والتخفيف من آثارها.
وشددت طه على ضرورة التعامل بخصوصية مع وضع الناجيات، باعتباره أكثر حساسية على المستوى المجتمعي، لافتة إلى أهمية توفير رعاية نفسية خاصة للنساء اللواتي تعرضن للاعتداء الجنسي، إذ تعاني بعضهن من وصمة اجتماعية ويتعرضن للنبذ والإقصاء، ما يستدعي وعيًا مجتمعيًا واضطلاع الجهات المعنية بمسؤولياتها في هذا الجانب.
الناجون والناجيات من عتمة السجون هم الذين دفعوا الأثمان الأغلى لسقوط نظام الأسد، وجبر ضررهم يُعدّ من أولى الملفات اليوم التي لا تحتمل التأجيل. فانتحار شلة ليس سوى إنذار للمجتمع كي يضطلع كل طرف بمسؤوليته، بدءًا من الجهات الحكومية المعنية، مرورًا بالعائلات وذوي الناجين، وصولًا إلى المجتمع ككل، على ألا يكون هذا الانتحار النداء الأخير قبل وقوع كارثة أكبر.
الترا سوريا
—————————————–
الداخلية السورية تبشّر بمستجدات مهمة في ملف العدالة الانتقالية
الرياض – العربية.نت
20 أبريل ,2026
أعلن المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، اليوم الاثنين، أن دمشق ماضية “بعزم” في ملاحقة الفارين من النظام السابق والمتورطين في جرائم وتقديمهم إلى القضاء المختص، مشيرا إلى مستجدات مهمة في ملف العدالة الانتقالية.
فقد كتب نور الدين البابا في منشور على منصة “أكس”، “يُخطئ المخلوع ومجرموه الفارّون من وجه العدالة إن ظنّوا أنّهم بمنأى عن المساءلة، أو أنّ جرائمهم قد طواها النسيان، فالدولة السورية ماضية بعزم لا يلين في مواصلة العمل ليلًا ونهارا لتقديمهم إلى القضاء المختص”.
وأضاف أن الهدف هو إجراء محاكمات عادلة تُنصف الضحايا وتعيد الحقوق إلى أصحابها.
كما أوضح البابا أنه “قريبًا سيتم الإعلان عن مستجدات مهمة في ملف العدالة الانتقالية”، لافتا إلى أن هذه الخطوات تأتي ثمرة تنسيق مشترك بين وزارتي الداخلية والعدل، والهيئة العامة للعدالة الانتقالية.
وكانت الآلية الدولية المحايدة المعنية بالمساعدة في التحقيق في أخطر الجرائم في سوريا، التابعة للأمم المتحدة، اعتبرت في 15 أبريل الجاري أن الانتقال السياسي في البلاد أتاح فرصا جديدة وفريدة للمساءلة بما في ذلك عبر الحوار المباشر مع المؤسسات السورية والهيئات الوطنية المكرسة لتحقيق العدالة الانتقالية.
كما أكدت في تقريرها خلال اجتماع في الجمعية العامة للأمم المتحدة أنها حققت تقدما ملموسا في النهوض بالعدالة الشاملة في سوريا، رغم القيود الكبيرة والمستمرة المتعلقة بالموارد. وقد تمكنت الآلية – لأول مرة منذ إنشائها قبل عشر سنوات – من زيارة سوريا. وقامت خلال العام الماضي بمهمات شهرية إلى البلاد، تواصلت خلالها بشكل مستمر مع وزارات الخارجية والعدل والداخلية.
يشار إلى أن السلطات السورية كانت أعلنت في مايو الماضي (2025) تشكيل هيئة العدالة الانتقالية، برئاسة الحقوقي عبد الباسط عبد اللطيف، من أجل محاسبة المتورطين في الانتهاكات والجرائم التي وقعت على مدى 14 عاماً من الحرب في ظل حكم الرئيس السابق بشار الأسد.
فيما وعد الرئيس السوري أحمد الشرع في الذكرى الأولى لسقوط بشار الأسد في ديسمبر من العام الماضي (2025) بحقبة جديدة قوامها العدل والعيش المشترك، مؤكدا، الالتزام بمحاسبة كل من ارتكب الجرائم بحق السوريين على مدى السنوات الماضية.
———————————
تشديد على “البيوع الصورية”.. القضاء يلاحق ممتلكات رموز النظام المخلوع | فيديو
2026.04.21
اتخذت وزارة العدل السورية إجراءات قانونية مشدّدة لمواجهة محاولات تهريب ممتلكات وعقارات تعود لرموز النظام المخلوع، عبر ما يُعرف بـ”البيوع الصورية”، في خطوة تهدف إلى حماية المال العام وضمان حقوق المتضررين.
وكشف المحامي العام في دمشق، القاضي حسام خطاب، أن الوزارة رصدت لجوء عدد من الشخصيات المرتبطة بالنظام المخلوع إلى القضاء، لنقل ملكيات عقاراتهم بأسماء أقارب أو “واجهات”، مستندين إلى وثائق أو أحكام صورية للالتفاف على مسار المحاسبة.
وأوضح خطاب، في مداخلة تلفزيونية عبر برنامج “سوريا اليوم” على شاشة تلفزيون سوريا، أنّ الوزارة وجّهت المحاكم إلى التشدد في تدقيق هذه القضايا، من خلال إجراء “التحقيق المحلي” و”الكشف الحسي” للتثبت من الشاغلين الفعليين للعقارات قبل تثبيت أي عملية بيع، مشدداً على أن هذه الخطوات تهدف إلى منع تمرير صفقات مشبوهة.
“النيابة العامة تدخل على خط القضايا العقارية”
وأشار خطاب إلى صدور تعاميم رسمية (منها التعميم رقم 5 والتعميم الأخير رقم 18) تتيح إدخال النيابة العامة كطرف في دعاوى البيوع العقارية المشتبه بها، بصفتها ممثلة للمصلحة العامة، ما يعزز الرقابة القضائية على هذه العمليات ويحدّ من محاولات تهريب الأموال.
وبيّن أن الدولة وضعت اليد مؤقتاً على عدد من هذه الأملاك عبر “الحجز الاحتياطي”، بانتظار صدور تشريعات تنظم عمليات المصادرة واسترداد الحقوق بشكل قانوني نهائي، نافياً ما يُتداول حول توزيع هذه الممتلكات على جهات أو أفراد.
“تحديات معقدة واستعادة طويلة الأمد”
من جانبه، اعتبر مدير وحدة “سراج” للصحافة الاستقصائية محمد بسيكي، أنّ هذه الإجراءات تمثل بداية لفتح ملف استرداد الحقوق، لافتاً إلى أن النظام المخلوع اعتمد لسنوات على شبكات “واجهات” لتسجيل الأصول بأسماء وهمية، غالباً نتيجة عمليات استحواذ غير مشروعة.
وأكّد بسيكي أن التحدي الأكبر يكمن في التفريق بين الحجز المؤقت والمصادرة القانونية، إضافة إلى تعقيد قضايا التزوير، التي قد تستغرق سنوات أمام المحاكم، ما يستدعي خطة شاملة لتعزيز كفاءة الجهاز القضائي.
يأتي هذا التحرك ضمن تنسيق بين وزارة العدل وهيئة العدالة الانتقالية ووزارة الداخلية، في إطار مساعٍ أوسع لضمان المحاسبة واستعادة الحقوق، وسط تأكيدات رسمية بأن القضاء يمتلك الأدوات اللازمة لتعقب العمليات المشبوهة وإعادة الملكيات لأصحابها.
وفي ختام مداخلته، شدد المحامي العام في دمشق القاضي حسام خطاب، على أنّ القضاء السوري اليوم، يمتلك القدرة التقنية والقانونية على تتبع العمليات المشبوهة، معتبراً أن استعادة حقوق السوريين هي الركيزة الأساسية لإعادة بناء المنظومة القضائية في سوريا.
———————————
==================
==================
تحديث 21 نيسان 2026
———————————
———————————
———————————
———————————
==================
تحديث 18 نيسان 2026
———————————
———————————
———————————
———————————
==================
==================
تحديث 16 نيسان 2026
———————————
ما الذي تُخبرنا به التجربة الإسبانية في البحث عن المفقودين؟/ أحمد الطالب
المسارات الصعبة والتكتيكات المُتَّبعة وأهمية الاطلاع عليها في السياق السوري
20-04-2026
منذ إنشاء المؤسسة المستقلة للمفقودين في سوريا، حزيران (يونيو) 2023، تطلعت عائلات المفقودين والمختفين قسراً إلى بدء عمليات البحث عن أحبتها وأبنائها، غير أنه كان مُتوقَّعاً لهذه الآمال والتطلُّعات أن تصطدم بوجود النظام السابق، المسؤول عن الغالبية الساحقة من حالات الإخفاء والفقدان في البلاد. ومع سقوط الأسد في كانون الثاني (يناير) 2024، بدا أن هذا الحلم بات أقربَ إلى التحقُّق، وتجددت آمال العائلات في البحث عن مفقوديها وأحبائها المُختفين. وعلى الرغم من صدور المرسوم الرئاسي بإنشاء الهيئة الوطنية للمفقودين، في شهر أيار (مايو) 2025، أي بعد فترة «قصيرة نسبياً» من سقوط الأسد، إلا أن هذه المدة بدت زمناً طويلاً للعائلات، التي كانت قد بدأت بالفعل بحثها عن مفقوديها في المعتقلات دون انتظار، حتى إن هناك من بدأوا في نبش المقابر التي سمعوا عن وجودها وعن وجود أحبتهم فيها. وإثرَ عودة كثير من السكان إلى منازلهم المهجورة منذ سنوات طويلة، واكتشاف بعضهم وجودَ قتلى دُفِنوا في أراضيهم وبيوتهم، تصاعد الضغط من طرف الأهالي للبدء بالعمل على الكشف عن مصير أحبتهم المفقودين والمختفين، وتجددت آلام البحث لتستدعي معها عناء تلك اللحظات القاسية، عندما كانت العائلات تقفُ في الكراجات مُنتظِرة عودة أحبتها الذين كانوا معتقلين في دمشق ولم يعودوا، مثلما عاد بعض المعتقلين المحررين إلى منازلهم.
كانت المصيبة تتضاعف في قلوب الأهالي الذين ظلّوا، وما يزالون، متشبثين بأمل عودة أحبتهم. ولم يعد للصبر متّسع في منازلهم أو أحاديثهم، فتصاعدت مطالبهم للحكومة بفتح المقابر، والتعرّف على هوية المفقودين وإطلاعِ ذويهم على المعلومات. كما طالبوا الحكومةَ وهيئةَ المفقودين بالشفافية، مؤكدين أن الأولوية هي للعمل ثم العمل ثم العمل، إلى أن يُكشَفَ عن مصير جميع المفقودين ويُصبح لدى العائلات معلومات كافية ووافية عنهم، فهم لا يطلبون سوى حقائق تبرّد قلوبهم وتُغلق حلقة الحزن بطريقة مناسبة وفق شعائر العائلات وعاداتها، وأن يكون لكل مفقود متوفى قبر يُزار، وأن يجري التحقيق في مسببات الموت.
وهنا يتبادر للذهن سؤال: هل يُعبّرُ ما يجري في سوريا على صعيد معالجة هذا الملف عن حالة فوضى، أم عن تأخّر مقصود، أم عن تجاهل لملف المفقودين؟ أم أن الأمر، على تعقيده، قد يكون منطقياً وقابلاً للتفسير وله مبرراته، إذ أنه قد يحصل وحصلَ في بلاد أخرى. لا أدّعي هنا تقديم إجابات للأهالي حول أسباب التأخير، ولكنني أرغبُ في طرح مثال واقعي من دولة أوروبية عانت جرّاء الحرب والاختفاء القسري على نطاق واسع. فعلى الرغم من توفر موارد مالية كبيرة لدى هذه الدولة، لم تكن معالجة ملف المفقودين مقبولة، بل كانت مُحبِطة لكثير من عائلات المفقودين الذين توفوا وهم يبحثون عن أحبتهم المفقودين الذين اختفوا منذ أكثر من 80 سنة، وما يزال أحفادهم وأبناء أحفادهم يتقصّون رفاتهم في ظلّ واقعٍ معقدٍ سياسياً وعملياً وعلمياً ودون نتائج عملية وحقيقية.
تُعَدُّ إسبانيا نموذجاً مُتأخِّراً في التعامل الحكومي مع إرث الفقدان والاختفاء والقتل خارج نطاق القانون بإجراءات موجزة، وهو الإرث المرتبط بالحرب الأهلية الإسبانية (1936- 1939) (La Guerra Civil)، والمرحلة التي تلتها في فترة القمع والدكتاتورية (1939- 1950) خلال حكم فرانكو الدكتاتوري (1939- 1975). لسنوات طويلة، ورغم الانتقال الديمقراطي في عام 1975، بقي ملف المفقودين والمختفين والمقابر الجماعية يتحرك أساساً بمبادرات العائلات والجمعيات والمنظمات غير الحكومية، ثم تدخّلت بعض الجامعات والشركات الخاصة في عمليات البحث والتعرّف على المفقودين، مع تدخلات متفاوتة بين الأقاليم والحكومات المحلية والمركزية.
وعلى الرغم من أنه لا يوجد رقم وطني واحد رسمي عن عدد المفقودين والمختفين في إسبانيا، وذلك لأن إسبانيا لم تمرّ بتجربة العدالة الانتقالية وكشف الحقيقة، ولكن وفق كتاب العنف الأحمر والأزرق في إسبانيا 1936-1950، فإن عدد المختفين هو 133,199 شخصاً نتيجة العنف من طرف قوات فرانكو، بينما فُقد ما يُقارب 49,272 شخصاً نتيجة العنف المرتبط بقوات الجمهورية والمجموعات التابعة لها، ونتيجة لعمليات الإخفاء القسري والقتل خارج إطار القانون، أو بإجراءات موجزة أو تعسفية على امتداد الأراضي الإسبانية الواسعة، والتي أسفرت عن أعداد كبيرة من المقابر الجماعية الرسمية منها وغير الرسمية.
من المهم الحديث عن أن إحصائيات المقابر في إسبانيا تختلف من مصدر لآخر لأن قواعد البيانات ليست واحدة، إذ يجري تحديثها بشكل دوري ولكن ببطء. فمثلاً، يمكن البحث في مشروع خريطة المقابر (Mapa Estatal de fosas)، وهو مشروع حكومي جرى العمل عليه بناء على قانون وطني، عن المقابر وتصنيفاتها بشكل شفّاف يسمح للباحثين والمواطنين بالوصول إلى المعلومات، وهو يتضمن تصنيفات للمقابر وفق ما إذا كانت ضمن مرحلة التدخل أو عدم التدخل. ووفقاً لهذا المشروع فإن مجموع المقابر المُسجَّلة في إسبانيا هو 3328 مقبرة فردية أو جماعية، بما يشملُ أيضاً المقابر التي نُقلت الرفات منها إلى وادي كويلغاموروس (Cuelgamuros) خلال حكم فرانكو، وهو مركز تخليد لذكرى قتلى وضحايا الحرب الأهلية الإسبانية كما قدمتها للعالم قوات فرانكو المنتصرة، ويحمل المركز اسم وادي الشهداء (Valle de los Caídos).
من جهة أخرى أُطلِقَ مؤخراً مشروع مهم جداً على مستوى إسبانيا من طرف قناة RTVE، وهو يتضمن معلومات مُوسَّعة رقمية ومرئية عن المقابر، ونتجَ عنه تقرير تلفزيوني تحت عنوان «بلد الـ 6,000 مقبرة»، وهو مصدر مُعتبَر لدى الحكومة، ونجد فيه حوالي 6,000 موقع لمقابر أو مدافن غير نظامية، ومنها نحو 1,500 تُظهرها البيانات كمواقع جرى استخراج الرفات منها، بينما أكثر من 2,300 موقع لم يجرِ النبش فيها بعد أو استخراج الرفات منها.
وقبل الدخول في أسباب اعتبار التجربة الإسبانية تجربة مُخيّبة للآمال، فمن الضروري شرح بعض النقاط التاريخية المهمة في التعامل مع موضوع المفقودين والاختفاء القسري والمقابر الجماعية، فبعد انتهاء الحرب الأهلية في 1939 بدأت فترة حكم فرانكو المنتصر التي دامت حتى 1975، ومرّت هذه الفترة بنقطة مهمة في سنة 1940، حيث أطلق المنتصر قراراً بالتحقيق فيما حصل تحت ما يسمى القضية العامة (La causa general)، وذلك بهدف تثبيت سردية المُنتصِر ونشرها أمام المجتمع، وتجميع وثائق وشهادات حول جرائم نُسِبت لقوات الجمهورية، واستُخدِمَ هذا التحقيق كأداة بروباغاندا نتج عنها ملاحقات أمنية أدت إلى مقتل عدد كبير من الأبرياء والناشطين السياسيين، ومن الممكن العثور على مواد القضية العامة منشورة حالياً في الأرشيفات الإسبانية، وهي متاحة عبر بوابة الأرشيف (PARES).
تلا تلك المرحلة إنشاء وادي الشهداء (في وادي كويلغاموروس) (Valle de los Caídos Cuelgamuros)، الذي افتُتحَ رسمياً عام 1959 كرمز للنظام، وهو المكان نفسه الذي دُفِن فيه فرانكو بعد موته، وجديرٌ بالذكر أنه جرى نقل رفات أعداد كبيرة من القتلى والضحايا إليه من أماكن مختلفة في إسبانيا، سواء برضى العائلات أو دون رضاها، وغالباً دُفن فيه الأشخاص الذين اعتُبِروا شهداء في تلك الحقبة، ولكن طريقة الدفن لم تسمح لعدد كبير من العائلات بزيارة أحبابها، كما أن هناك ادعاءات بأنه قد دُفِن فيه عدد كبير من الأشخاص الذين قاتلوا تحت رايات مُعارِضة لسلطة فرانكو، ولكن جرى نقلهم إلى وادي كويلغاموروس، بالخطأ أو لأسباب أخرى ربما يكون بينها محاولة محو الماضي. وفي كل الأحوال، هو إنكار للجريمة وعدم تحليل لأسباب الوفاة الحقيقية، وقد وصل عدد المدفونين فيه إلى ما يقارب 33000 شخص.
وبعد وفاة فرانكو في 1975، وتَحوُّلِ إسبانيا إلى ملكية دستورية، بدأت عمليات نبش للقبور الجماعية بطريقة غير علمية، كان على رأسها أهالي المفقودين والمختفين، فاستُخرِجت الرفات في مناطق عدة وأُعيدَ دفنها بهدف تكريم أصحابها وفق شعائر أهاليهم، وجرى تمويل هذه الجهود من خلال أهالي المفقودين وخاصة من كانوا مقيمين في دول خارج إسبانيا وعادوا مباشرة بعد وفاة فرانكو بهدف التعرُّف على أحبابهم ودفنهم، إلا أن هذه الفترة شهدت أخطاء جسيمة في عمليات التعرُّف وتحديد الهوية لأنها لم تجرِ بناء على طرق علمية أو صحيحة.
وتوقفت هذه المرحلة بعد وقت قصير نسبياً، وذلك في عام 1981، إثر الانقلاب العسكري المشهور في إسبانيا باسم (23-F)، وهو محطة سياسية أثّرت في المرحلة الانتقالية سلباً، وأسهمت في توقّف عمليات البحث، وتوافق السياسيين على «نسيان الماضي».
وعلى الرغم من هذا التوافق السياسي الخطير على «نسيان الماضي»، استمرت عائلات المفقودين والمختفين والمهتمين في هذا المجال، سواء أكانوا أفراداً أم ضمن جمعيات العائلات، بالدفع باتجاه تفعيل عمليات البحث عن الضحايا والمفقودين والمختفين قسراً، بما في ذلك المفقودين العسكريين منهم الذين قاتلوا ضمن قوات الجمهورية خلال الحرب، أو ضمن الجماعات المسلحة في المرحلة اللاحقة (الذين يُطلق عليهم Maquis). وقد عملت هذه العائلات على حثّ المختصين العاملين في مجالات علم الآثار، وعلم الأنثروبولوجيا الشرعية (علم الإناسة الشرعي)، والعلوم الأخرى المرتبطة بمجال التعرُّف على المفقودين، وعلى دفعِ السياسيين للتحرك، ما نتج عنه في سنة 2000 إطلاق الموجة الحديثة للنبش العلمي.
ونتيجة لهذا الدفع الحثيث من العائلات، وبدعم من المختصين العلميين والقانونيين، ومن السياسيين المهتمين، صدر في عام 2007 قانون الذاكرة التاريخية، وهو قانون يعترف بالضحايا ويتطرق لبعض الإجراءات، إلا أنه لم يكن كافياً لضمان تَدخُّل الدولة في عمليات البحث والتعرُّف على المفقودين وكشف الحقيقة. ثم تلاه في 2011 اعتمادُ مجلس الوزراء البروتوكول الرسمي للتدخلات في استخراج جثث ضحايا الحرب الأهلية والديكتاتورية، والذي ألزمَ الجهات المعنية باتّباع منهجية علمية بمشاركة اختصاصات مُتعددة، تشمل المؤرخين، وعلماء الآثار، ومتخصصي العلوم الشرعية المختلفة مثل: علم الأنثروبولوجيا الشرعية، والعلوم الطبيعية، وعلم الأمراض، وطب الأسنان. وحدّدَ البروتوكول خطوات العمل في الأجزاء الرئيسة من عمليات البحث والتعرُّف على الهوية، ليتبع ذلك في 2022 إصدارُ قانون الذاكرة الديمقراطية، وهو قانون أكثر شمولاً يُعلن مسؤولية الدولة ويدفع باتجاه إنشاء أدوات مثل مخططات البحث، وقواعد بيانات، وبنك الحمض النووي (DNA)، إلا أن التنفيذ ما زال في طور البناء.
أخطاء كبيرة ونتائج مُخيّبة للآمال
يذكر تقرير عمليات استخراج الجثث من الحرب الأهلية وديكتاتورية فرانكو (2000-2019) وجود قصور في عمليات نبش المقابر والمراحل اللاحقة، ويَذكرُ أن هناك أكثر من 700 مقبرة جرى نبشها قبل تاريخ إصدار التقرير في 2020، وأن أكثر من 8,000 فرد استُخرِجت رفاتهم خلال تلك الفترة، ولكن عدد مَن حُدِّدت هوياتهم هو 0,2 بالمئة من الإجمالي الذي تم استخراجه. وبالرجوع إلى مصادر أكثر حداثة، نجد تصريحاً لوزير السياسة الإقليمية والذاكرة الديمقراطية بأنه ومنذ عام 2019 استُخرِج ما يقارب 9000 جثة من مقابر جماعية في إسبانيا، ولكن لم يجرِ التعرّف إلا على 70 جثة منها فقط، أي بنسبة 0,7 بالمئة من مجمل الرفات المُستخرَجة في تلك الفترة.
وعلى الرغم من أن الأرقام قد لا تعكس الواقع بدقة، في ظل وجود قصور في الإبلاغ عن نتائج عمليات تحديد الهوية من قبل الجهات المحلية، فإن النسبة المئوية لمَن جرى التعرّف عليهم تبقى ضئيلة جداً مقارنة بعدد الرفات التي جرى استخراجها في عموم إسبانيا.
ويعود ذلك إلى عدة أسباب، من أبرزها أن الإجراءات الأخرى المرتبطة بتحديد الهوية تُعاني قصوراً كبيراً، فضلاً عن وجود ثغرة واضحة ناجمة عن غياب منظومة وطنية مركزية للمعلومات وللـ(DNA)، بمعنى أن بعض الرفات التي تُستَخرَج في إقليم معيّن قد تعود في الأصل لأشخاص من إقليم آخر، ولا يجري مطابقة المعلومات بين الأقاليم إلا إذا كان لدى الجهة التي تعمل على تحديد الهوية معلومات وبيانات حصلت عليها من جهات معنية في أقاليم أخرى لديها معلومات عن مكان الدفن. كما يبرز تَحدٍّ كبير في جمع عينات الـ(DNA) من العائلات، وخاصة تلك التي فقدت الثقة في العملية السياسية، وهم في الغالب من أحفاد وأبناء أحفاد المفقودين.
وهناك أسباب أخرى، مثل تَحكُّم السياسة في تمويل عمليات التعرُّف أو حجب التمويل عنها، فضلاً عن النقص في عدد المختصين في مجالات علم الأنثروبولوجيا الشرعية (على الرغم من وجود عدة جامعات تُقدّم هذا النوع من الاختصاصات العلمية)، وعلم الوراثة، وطب الأسنان الشرعي، والكيمياء، والمختصين في علوم التوثيق والتحقُّق. وتُعَدُّ هذه التخصصات جميعها أساسية ولا غنى عنها في عمليات تحديد هوية الرفات المُستخرَجة، التي قد تبقى في المستودعات لسنوات دون أن تُحدَّد هويتها، أو قد يُعاد دفنها بشكل إلزامي، وفق القانون المحلي في الأقاليم المختلفة تحت اسم مجهول الهوية، مع الاحتفاظ بنتائج الفحوص والاختبارات في المخبر. ويبقى أحد أهم الأسباب كما ذكرنا سابقاً أن حالات الفقدان تعود إلى فترة زمنية بعيدة تتراوح بين 75 و89 عاماً، ما قد يعني أن عدداً كبيراً من ذوي المفقودين قد توفوا خلال سنوات البحث، ويترتبُ على ذلك صعوبة كبيرة في الحصول على عينات الحمض النووي (DNA) اللازمة للمطابقة، فضلاً عن فقدان معلومات حاسمة حول أماكن الدفن المحتملة بعد رحيل الشهود ومقدمي تلك المعلومات مع مرور السنوات.
تكتيكات مُبدِعة لمواجهة تحديات كبيرة
هناك عدة تكتيكات تتبعها عائلات المفقودين والجهات المختصة لمواجهة التحديات المذكورة سابقاً، إلا أنها تبقى قاصرة أمام حجم التحديات الكبير. ومن بين هذه التكتيكات أنه في حال عدم وجود فرد حيّ من أبناء المفقود لتقديم عينة (DNA) مرجعية، يتم اللجوء إلى القضاء لاستصدار قرار يسمح بجمع العينة من الأبناء المتوفين للمفقودين ممن عُرِف مكان دفنهم، وتُستَخدَم هذه العينات لمطابقة نتائج تحليل الـ(DNA)، وذلك ضمن شروط قانونية ومحلية معينة.
ونظراً لضعف التمويل، تقوم المنظمات المختصة بعمليات النبش واستخراج الرفات بالتعاون مع الجامعات من أجل تحليلها مخبرياً، بدءاً من اختصاص علم الأنثروبولوجيا الشرعية، مروراً بعلم الحشرات، وعلم النظائر(Isotopes)، وطب الأسنان، وعلم الوراثة، وهي تخصُّصات تتدخل جميعها في مراحل معينة من عمليات التعرُّف وتحديد الهوية. ولزيادة أعداد المختصين تقوم هذه المنظمات بتقديم تدريبات عملية للمهتمين، سواء بالتنسيق مع البلديات أو مع الجامعات المتخصصة، كجامعة غرناطة أو جامعة مدريد (UAM) أو جامعة الباسك (UPV). وتعتمد هذه المنظمات، مثل (ARMH، وARQUEOANTRO، وAranzadi) وغيرها، على عدد كبير من المتطوعين الراغبين في دفع عجلة البحث عن المفقودين والمساهمة في عمليات تحديد الهوية.
في النهاية، من المهم معرفة أن عملية التعرُّف على المفقودين مسار مُعقّد ومُتعدِّد الاختصاصات، ويتطلب تمويلاً كبيراً وإرادة سياسية حقيقية، والأهم من ذلك كله أنها بحاجة إلى وقت وصبر، على أن يقترنَ الصبر بدفع مستمر نحو تفعيل عمليات البحث عن المفقودين وإدراجها ضمن أولويات العدالة الانتقالية؛ وإلا فإن هذا الملف سيعود عاجلاً أم آجلاً ليفتح جروحاً لم تندمل عبر السنوات، ولم تُعالَج على نحو سليم من قبل المجتمع أو الجهات الحاكمة، كما حدث ويحدث في إسبانيا.
وأخيراً، فإن الأخطاء التي قد تنجم عن التسرُّع في عمليات النبش والتعرُّف على المفقودين اليوم، سيكون لها أثر سلبي في تحديد الهوية، كما ستنعكس سلباً على عائلات الضحايا وعلى المجتمع السوري ككل.
*****
كتب أحمد الطالب هذه المقالة، وقُدِّمَ الدعم في مراجعة المادة العلمية من جانب كل من خافيير إغليسياس(Javier Iglesias Bexiga) عالم الأنثروبولوجيا الشرعية في جامعة مدريد (UAM) وأحد مؤسسي منظمة (Arqueoantro)، وميغيل ميزكيدا (Miguel Mezquida) عالم الآثار الشرعية وأحد مؤسسي منظمة (Arqueoantro).
موقع الجمهورية
—————————
ذكرى مجزرة التضامن تستحضر سؤال العدالة الانتقالية المعلّق/ ماهر حسن شاويش
2026.04.20
في مشهد يختلط فيه الألم بالإصرار أحيا أهالي حيّ التضامن الدمشقي ومخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين جنوبي العاصمة السورية دمشق الذكرى الثالثة عشرة للمجزرة التي ارتكبها النظام المخلوع في الموقع ذاته الذي شهد واحدة من أبشع الجرائم في تاريخ سوريا الحديث.
وفي الواقع لم تكن المناسبة مجرد وقفة رمزية بل بدت كفعلٍ رقابيّ شعبي يعيد طرح الأسئلة المؤجلة حول الحقيقة والمساءلة وفي مقدمتها سؤال العدالة الانتقالية المعلّق ويؤكد أن الذاكرة ما زالت حيّة رغم كل محاولات الطمس أو النسيان.
في موقع “حفرة التضامن” الاسم الآخر وربما الأكثر شيوعاً وانتشاراً للمجزرة بحكم التوصيف الدقيق لبعض ما وثّقته الكاميرات لحظات ومشاهد القتل الجماعي التي لم يُنشر منها سوى قليل من كثير، تجمّع الأهالي رافعين شعارات تختصر مساراً كاملاً من الألم والمطالبة بالعدالة منها: “النسيان خيانة”، “دمنا في أعناقكم”، “حاسبوا القاتل لتعيش الحقيقة”، و”أخبروا أطفالي أني حملت صورتهم معي” بالطبع هذه العبارات لم تكن مجرد لافتات بل إعلاناً واضحاً وصريحاً بأن معركة السوريين وأشقائهم من لاجئي فلسطين في سوريا اليوم لم تعد فقط مع الماضي بل مع خطر محوه وربما تشويهه بقصد أو بغير قصد.
ما جرى في هذه الذكرى يؤكد أن المجتمع المحلي السوري والفلسطيني رغم التهجير والمعاناة والانغماس حد الغرق في تفاصيل وأعباء الحياة اليومية بين تأمين لقمة العيش والمساهمة في إعادة بناء ما دمرته الحرب ما زال قادراً على إنتاج أدواته الخاصة في التوثيق والمساءلة في ظل تباطؤ المسار الرسمي للعدالة الانتقالية.
في قلب هذه الذكرى الأليمة والوجع الناجم عنها، عادت وجوه الضحايا لتفرض حضورها ليس كأرقام في سجل الجرائم بل كحيوات كاملة تم اقتلاعها من بين أحضان ذويها.
وسيم صيام اللاجئ الفلسطيني السوري واحد من هؤلاء الذين لم يُختصروا بالموت ولم تغيبهم المجزرة بل ظلوا حاضرين في الذاكرة بكل تفاصيلهم الإنسانية فقد كان إنساناً له يومياته وملامحه وأحلامه، قبل أن يتحول إلى شاهدٍ على جريمة لم يُحاسب مرتكبيها بعد.
وكذلك لؤي الكبرة الذي لم يكن يوماً خبراً عابراً فقط على مدار الأعوام السابقة بل كان واحداً من أبناء المخيم يمشي في شوارعه كأي إنسان عادي يحمل بين جنباته هموم أيامه ومعاناة لجوئه وينتظر تحقيق أحلامه سواء في العودة إلى فلسطين أو بتحقيق ما يساعده على الصمود إلى ذلك الحين.
في مجزرة التضامن لم تُسلب حياته فقط، بل سُرقت معه كل التفاصيل الصغيرة من صباح يرتشف به فنجان قهوة قبل الانطلاق إلى عمله إلى حديث لم يكتمل مع جاره حتى طريق طويل لم يُستكمل بكل خطواته إذ تم رميه في حفرة وسط هذا الطريق.
هذه السرديات الفردية نحتاجها بشدة ومطلوب استحضارها كي تعيد الاعتبار للضحايا وتفكك الرواية التي تحاول اختزالهم في أعداد وأرقام.
بعد ثلاثة عشر عاماً على المجزرة وعام ونصف تقريباً على التحرير وسقوط النظام المخلوع ما تزال الأسئلة الأساسية من دون إجابة واضحة: أين الحقيقة الكاملة؟ أين المتورطون؟ وأين العدالة التي وُعد بها الضحايا؟
اسم المجرم أمجد يوسف المتهم الأول في المجزرة ما زال حاضراً في النقاش العام لكن مصيره ما يزال غامضاً في ظل غياب أي محاسبة فعلية وهذا الغموض يعكس واقعاً أوسع من التساؤلات حيث تتراكم الملفات دون حسم، وتبقى الجرائم بلا مسار قضائي واضح وسقف أو جدول زمني محدد.
في مقابل هذا الغياب للعدالة يبرز مسار موازٍ أكثر خطورة وأشد إيلاماً وقسوة يتمثل في التسويات التي شملت شخصيات متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة وعلى رأسهم فادي صقر المرتبط اسمه بمجزرة التضامن عبر هندستها والوقوف خلفها.
هذه التسويات لا تُقرأ فقط كإجراءات سياسية بل كرسائل سلبية للضحايا وذويهم مفادها أن الجرائم يمكن أن تُطوى من دون حساب وأن العدالة يمكن استبدالها بترتيبات أمنية مؤقتة لغايات اقتصادية غير متفهمة من ذوي الضحايا وأولياء الدم وهو ما يقوّض أي إمكانية حقيقية لبناء مسار عدالة انتقالية قائم على المساءلة والإنصاف ويضع إشارات استفهام كثيرة وكبيرة لذلك تبرز التسويات كعنوان لملف يشغل بال السوريين والفلسطينيين على حد سواء.
وفي ظل هذا التخبط والارتباك بعضهم يقول إنها مقبولة بشرط ألا تتحول إلى إفلات من العقاب، فيما لا يتقبل البعض الآخر هذه العبارة ويفنّد كل هذه الضوابط لمثل هذه التسويات المطروحة ضمن مسار العدالة الانتقالية، واضعاً خطاً فاصلاً بين العدالة الحقيقية والصفقات السياسية، مؤكدين أن العدالة الانتقالية ليست ورقة مساومة، وليست بوابةً لتبييض الصفحات السوداء، ولا طريقاً مختصراً لتجاوز الألم من دون مساءلة.
وحين تُطرح أسماء مثل محمد حمشو وفادي صقر وغيرهم ضمن سياق “التسويات” فالسؤال الجوهري المطروح من الغالبية ليس: هل نقبل أم نرفض؟
بل: ما هذه الضوابط؟ وأين حقوق الضحايا؟ ومن يضمن عدم الإفلات من العقاب؟
مع الإصرار على أي تسوية لا يجب أن تقوم إلا على كشف الحقيقة كاملة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة، وإنصاف الضحايا وجبر الضرر وضمان عدم التكرار وكل ماعدا ذلك هي تسوية منقوصة بل وخطرة على كل مسار العدالة الانتقالية ويهدد بخطر ظهور العدالة الانتقالية وما تعكسه من تداعيات سلبية على السلم الأهلي في مجتمع هو في أشد الحاجة لكل خطوة داعمة لتثبيت الاستقرار والأمن.
في النتيجة وما يجب أن يتم ترسيخه هو أن العدالة الانتقالية وُجدت لحماية المجتمع من إعادة إنتاج الظلم، وليس لإعادة تدوير المتورطين في هذا الظلم بمشهد جديد تتم هندسته على مقاس أي سلطة.
باختصار الضحايا هنا ليسوا تفصيلاً يمكن تجاوزه وحقوقهم ليست بنداً قابلاً للتفاوض والمساومة.
ثمة طرف ثالث يقول نعم للتسويات إذا كانت بوابةً للعدالة ولا للتسويات إذا كانت جسراً للإفلات من العقاب نطرحه هنا كوجهة نظر لا يتبناها كثر خوفاً وخشية من التطبيق الخاطئ.
في ظل هذا الواقع تتقدم مبادرات المجتمع المدني التي تواصل عملها في التوثيق والمتابعة وطرح الأسئلة الصعبة حول مصير الضحايا ومحاسبة المسؤولين وهذا النمط من الرقابة الشعبية لم يعد خياراً بل ضرورة في بيئة تغيب فيها المؤسسات المستقلة ويُترك فيها الضحايا من دون حماية قانونية أو تمثيل عادل.
ويبقى أن الرسالة التي حملتها ذكرى مجزرة التضامن هذا العام كانت واضحة ومفادها أن العدالة ليست مطلباً مؤجلاً إلى ما لا نهاية بل حقٌ مستمر لا يسقط بالتقادم. وبينما تبدو بعض المؤشرات غير مشجعة فإن الإصرار على التوثيق واستعادة الأسماء، ورفع الصوت، يشكّل بحد ذاته مساراً موازياً للعدالة.
في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بمجزرة حدثت قبل ثلاثة عشر عاماً، بل بسؤال مفتوح حول مستقبل سوريا بأكمله: هل يمكن البناء وتهيئة الأجواء لسلم أهلي حقيقي من دون محاسبة؟ وهل يمكن للذاكرة أن تصمد في وجه النسيان لا سيما المنظّم منه؟
في حيّ التضامن ومن أمام الحفرة التي وقعت بها المجزرة كان الجواب واضحاً لا لبس فيه: النسيان خيانة.
———————————–
المواطنة المتساوية بوصفها قلبَ العدالة الانتقالية/ رؤى الطويل
وهمُ المُفاضَلة بين الأولويات على ضوء نقاش حق السوريات في منح الجنسية لأطفالهنّ
15-04-2026
في سياق النقاشات الدائرة حول مسارات العدالة الانتقالية في سوريا، وإثرَ انعقادِ لقاء في جامعة دمشق بعنوان «الثغرات في قانون الجنسية السوري: تحقيق المساواة بين الجنسين» في 30 آذار (مارس) الماضي، 1 تكرّرَ ويتكرّرُ اعتراضٌ مفاده أن التركيز على قضايا مثل المساواة في قانون الجنسية يأتي على حساب ملفات أكثر إلحاحاً. يقوم هذا الاعتراض على افتراض ضمني إشكالي بأن العدالة يمكن ترتيبها زمنياً وفق سلّم أولويات، وهو افتراضٌ ينطوي على خلل بنيوي، إذ يتعامل مع العدالة كحزمة خيارات ويختزلها إلى مجموعة ملفات منفصلة، لا كمنظومة مترابطة يَشترطُ بعضها بعضاً. كما أن السؤال يظلُّ قائماً حول الجهة أو المعايير التي تُحدّد هذه المفاضلة، ومن يملك سلطة ترتيبها.
تنطلق هذه المقالة من مقاربة مغايرة ترى أن المواطنة المتساوية ليست مجرد خطوة لاحقة في مسار العدالة الانتقالية كما هو الاعتقاد الشائع، بل هي شرطٌ تأسيسيٌّ لقيامها. فمن دون اعتراف قانوني متكافئ بالأفراد بوصفهم أعضاء في الجماعة السياسية، تفقدُ آليات العدالة، من كشف الحقيقة إلى جبر الضرر، مُرتكَزها الذي تستند إليه، وتغدو مُمارساتُها منقوصة من حيث الأساس.
تتضح خطورة هذا الإشكال عند النظر إلى اتساع نطاق الفئات المتأثرة بقانون الجنسية التمييزي في سوريا. فالقضية لا تنحصر في حالات فردية، بل تمتد لتشمل شرائح متعددة من المجتمع، من التمييز الإثني الذي طال الكُرد في الحسكة، إلى أوضاع اللاجئين الفلسطينيين، وصولاً إلى من تضرروا بفعل مواقفهم السياسية أو سياقات النزاع. ومع ذلك، يبرز الأثر الأوسع في وضع النساء السوريات، وما ينعكس عنه مباشرة على أطفالهنّ. ولا يمكن اختزالُ الإشكالية في نموذج واحد هو زواج السورية من أجنبي الجنسية، بل إنها تتخذ صوراً متعددة أخرى أيضاً تكشف عن خلل بنيوي أعمق. فهناك نساء سوريات متزوجات من رجال عديمي الجنسية، وأخريات فقدنَ أزواجهن – وهم سوريون- بسبب الاختفاء القسري أو الوفاة دون توثيق رسمي، وفي حالات أخرى، يؤدي غياب أو عدم توثيق هوية الأب، كما في حالات المقاتلين الأجانب أو الناجيات من العنف الجنسي، إلى تعقيدات قانونية واجتماعية مضاعفة، تجعل تسجيل الأطفال أو إثبات نسبهم أمراً بالغ الصعوبة. ويُضاف إلى ذلك حالات رفض بعض الآباء الاعترافَ بالأطفال، وانتشار الزيجات غير المُسجَّلة، وهي ظواهر تفاقمت بشكل ملحوظ في ظل ظروف الحرب والنزوح، لا سيما في دول الجوار، ذلك أن التهجير القسري يزيدُ من تعقيد المشهد، إذ يعيق الوصول إلى الوثائق الرسمية ويُضعِفُ القدرة على إثبات الروابط القانونية.
ما تكشفه هذه الحالات ليس تعدد الاستثناءات، بل إنها تشير إلى قاعدة عامة تحكمها بنية قانونية تجعل نقل الجنسية عبر الأم حقاً مُقيَّداً لا أصيلاً. وتؤدي هذه البنية إلى إنتاج متكرر لحالة هشاشة مستمرة تفتح المجال أمام أشكال متعددة من الحرمان، وتُفضي بدورها إلى مزيد من الإقصاء، بغض النظر عن اختلاف الظروف الفردية. من هنا، لا يعود إصلاح قانون الجنسية مسألة هامشية، بل يغدو جزءاً لا يتجزأ من مسار العدالة الانتقالية، بوصفه يعالج وجهاً بنيوياً من أوجه الظلم، ويحدّ من توليد انتهاكات أخرى.
إن ربطَ إصلاح قانون الجنسية بالعدالة الانتقالية يتجاوز كونه طرحاً نظرياً، ذلك أنه يُعيد تعريف من هو «المعني» بالعدالة أصلاً. فالدولة التي لا تعترف ببعض ضحاياها كمواطنين على قدم المساواة، تعجز عملياً عن إشراكهم في مسارات المُساءلة أو جبر الضرر. وفي هذه الحالة، تتحول العدالة إلى امتياز انتقائي، ويبرز ما يمكن تسميته بـ«تراتبية المظلومية»، حيث يُستبعَدُ الأشدُّ هشاشة من فُرَص الوصول إلى الإنصاف. وفي هذا الإطار، تكتسب الجنسية معناها الأعمق كما صاغته حنّة آرنت بوصفها «الحق في امتلاك الحقوق»، إذ تُمثّل الأداة التي تُتيح للأفراد المطالبة بسائر حقوقهم. وبدونها، لا يفقد الإنسان انتماءه القانوني فحسب، بل يفقد أيضاً قدرته على مواجهة الانتهاكات أو حتى تسميتها.
ويتجاوز أثرُ هذا الخلل حدودَ اللحظة الراهنة أو الحاضر، ليأخذ طابعاً عابراً للأجيال. فالقوانين التمييزية في مجال الجنسية لا تُنتِجُ ظلماً آنياً فحسب، بل تُعيد إنتاجه بشكل تراكمي، بحيث ترثه الأجيال اللاحقة التي تجد نفسها بدورها محرومة من طيف واسع من الحقوق المدنية والسياسية، فضلاً عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بما في ذلك التعليم والرعاية الصحية والمُلكية والتنقل. وبهذا المعنى، يغدو التمييز القانوني أحد أكثر أشكال الانتهاك رسوخاً واستدامة.
وكلّ ذلك دون التطرّق إلى بُعدٍ لا يقل خطورة، يتمثّل في كيفية إتاحة استمرار توظيف الجنسية كأداة سياسية، سواء عبر سحبها، أو حجبها، أو استخدامها وسيلة للضغط والابتزاز، مما يقوّض أي ضمانات حقيقية لعدم التكرار، ويجعل من أي انتقال سياسي عرضة لإعادة إنتاج أنماط الإقصاء ذاتها.
وعليه، لا يُمكن النظر إلى تأجيل إصلاح قوانين الجنسية بوصفه خياراً تقنياً محايداً، بل هو في جوهره قرارٌ بالإبقاء على شروط الظلم. فلا يمكن تصوّر عدالة انتقالية فعّالة في غياب إطار قانوني يضمن المساواة، كما يستحيل بناء عقد اجتماعي جديد بين أطراف لا تعترف الدولة لها بالتكافؤ، ولا تعترف لبعضها بعضاً به.
خلاصة القول؛ إن المواطنة المتساوية ليست محطة عرضية أو اعتباطية أو نهاية لمسار العدالة، بل هي بدايته. وأي محاولة لتجاوز هذا الأساس تحت حجج «الأولويات» لن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الإقصاء بصيغ جديدة. وقد تضمّنَ اللقاء المشار إليه في أول النص تحليلاً للسياقات القانونية والسياسية والاجتماعية التي تبرر استمرار التمييز، وخلصَ إلى نتائج تتعلق بضرورة إنصاف الضحايا، عبر الجمع بين المطلب الاستراتيجي بتعديل القانون واتخاذ تدابير إجرائية عاجلة تهدف إلى رد الاعتبار وتخفيف الأعباء عن المتضررين. لكن هذه المقالة ركّزت على زاوية محددة تتماشى مع هدف اللقاء، وهي توضيح كيف أن التمييز في قانون الجنسية وحرمان النساء السوريات من منح الجنسية لأطفالهن يُشكِّلُ عائقاً جوهرياً أمام إمكانية تطبيق عدالة انتقالية فعلية، بوصف هذا التمييز عاملاً مُحدِّداً لمن يمكنه أصلاً أن يكون مشمولاً بالعدالة.
1. جرى عقد اللقاء بتنظيم من الشبكة الإقليمية حول انعدام الجنسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (هويتي)، والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة.
موقع الجمهورية
———————————
“سوريا تحكي” في وسط البلد.. حوار بنَّاء حول شكل العدالة الانتقالية في سوريا
2026.04.16
في حلقة خاصة من برنامج “وسط البلد” ضمن سلسلة “سوريا تحكي” التي عُرضت عبر شاشة ومنصات تلفزيون سوريا، نُظمت جلسة نقاشية مفتوحة جمعت طيفاً واسعاً من السوريين، بينهم إعلاميون وحقوقيون وصحفيون وأشخاص من ذوي الضحايا ومصابي الحرب، إلى جانب رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، عبد الباسط عبد اللطيف.
لم تكن الحلقة مناظرة تقليدية، بل مساحة تفاعلية تهدف إلى بناء جسور بين الناس والحكومة للنهوض بمسار العدالة الانتقالية بما يلبي طموحات السوريين.
محاكمة المجرمين ستبدأ قريباً
افتُتحت الحلقة بتعريف مفهوم العدالة الانتقالية، وما الآليات التي يرتكز عليها هذا المفهوم، وطرح المقدم الدكتور زيدون الزعبي التساؤل الجوهري: ما شكل العدالة الانتقالية التي يطمح لها السوريون؟
رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، عبد الباسط عبد اللطيف، تحدث أنه خلال الأيام القادمة، ستشهد أربع محافظات محاسبة مجرمين ارتكبوا انتهاكات خلال السنوات 15 الماضية.
وأضاف عبد اللطيف أنه تم الانتهاء من البناء المؤسساتي الخاص بالهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وأنه سيتم العمل بشكل فعلي خلال الأيام القادمة على فتح ملفات محاسبة المجرمين، ولاسيما من ارتكبوا انتهاكات في الغوطة الشرقية وجديدة الفضل بريف دمشق، وخان شيخون بريف إدلب، وفي محافظتي دير الزور وحمص.
ما العدالة الانتقالية التي يريدها السوريون؟
فتح البرنامج السقف للحضور، فجاءت المداخلات نقدية وعملية وبنّاءة.
وفي هذا السياق عبّر محمد صالح (مواطن سوري) عن عدم تفاؤله بما ستُفضي له العدالة الانتقالية، مؤكداً أن ملف العدالة يجب ألا يكتفي بمحاسبة مجرمي النظام البائد، بل أن تطول المحاسبة من ارتكب انتهاكات في الساحل والسويداء.
عبد الكريم عمرين (كاتب ومسرحي): أكد أن أداء الحكومة السورية يعتبر فاتراً ولم يخل من الأخطاء، وبأن المواطن السوري هو من يدفع الثمن، مطالباً ألا تكون العدالة انتقالية فقط، بل عدالة دائمة.
ليلاس دامشلي (ناشطة حقوقية): طالبت بضرورة عدم تسييس الضحية، بحيث يتم تحقيق العدالة للضحايا مهما كان انتماؤها، إضافة إلى أن هناك ذوي ضحايا يريدون كشف الحقيقة والمحاسبة بأسرع وقت، مشيرة إلى أهمية الاعتراف بالانتهاكات التي حصلت في سوريا.
بيرتا خزام (مواطنة سورية): قالت إن العدالة الانتقالية هي بناء وطن استفاد من تجاربه السابقة، ليكون عادلاً لكل المواطنين، وهذا يتحقق بوجود دستور وقانون وبناء مؤسسات من وإلى كل أبناء الشعب بكل مكوناتهم، دون أي إقصاء أو اتهام أو تخوين.
ذوو الاحتياجات الخاصة يطالبون بإنصافهم
شارك خلال الحلقة كذلك أشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة، بعضهم تعرض لإصابات خلال الحرب، بفعل إجرام النظام البائد، متحدثين عن شكل العدالة الانتقالية التي يطمحون لها، ومطالبين بتعويضهم عن حجم الضرر الذي تعرضوا له.
مهند العمّوري (ضابط منشق): يعاني من شلل رباعي منذ 14 عاماً، حيث قال إن مصابي الحرب ينتظرون العدالة الانتقالية ليتم إنصافهم، عبر جبر الضرر وتقديم التعويضات لهم، مشيراً إلى أن الجرحى يتم إهمالهم وعدم الاهتمام بهم وتقديم الدعم لهم.
عمار الخطيب (مواطن سوري): قال إن ذوي الاحتياجات الخاصة يطالبون بحقوقهم، نتيجة الضرر الذي تعرضوا له بفعل إجرام النظام البائد خلال السنوات الماضية، متسائلاً فيما إذا سيتم محاسبة القضاة الذين كان لهم دور في اعتقال آلاف السوريين في سجون النظام البائد.
أحمد حزرومي (عضو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية): تحدث كيف سيتم العمل على جبر الضرر لمصابي الحرب في سوريا، مشيراً إلى أنه سيتم افتتاح أول مركز للتعافي من الضرر في حمص قريباً.
هل 5 سنوات كافية للمحاسبة؟
تحدث رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، عبد الباسط عبد اللطيف، أن فترة ولاية الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، ستستمر لخمس سنوات لمحاسبة مجرمي الحرب في سوريا، مشيراً إلى إمكانية تمديد فترة عمل الهيئة لاستكمال ملف المحاسبة.
في المقابل تساءل المقدم الدكتور زيدون الزعبي، فيما إذا كانت فترة الخمس سنوات، كافية لتستطيع الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، محاسبة كل من ارتكب انتهاكات ومجازر خلال السنوات الماضية.
كما تحدث عبد الباسط عبد اللطيف، أن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية ستتولى محاسبة من ارتكب انتهاكات في السويداء والساحل في حال طلبت منها الحكومة السورية ذلك، لافتاً إلى أن الدولة بدأت في الأشهر الماضية محاسبة من ارتكب انتهاكات في الساحل السوري، على أن تشهد الفترة القريبة بدء محاسبة مرتكبي الانتهاكات في السويداء.
تلفزيون سوريا
———————————
الناجون من سجون الأسد في مواجهة الفراغ المؤسسي وغياب الرعاية الصحية/ بتول الحكيم
18 أبريل 2026
دقّ انتحار الشاب المعتقل سابقًا محمد علي شلة ناقوس الخطر، حيث أنهى حياته في منزله بحرستا في ريف دمشق، احتجاجًا على تجاهل معاناة الناجين من سجون النظام المخلوع، وتأكيدًا على غياب أي رعاية لهذه الفئة التي تُعدّ من الفئات الأكثر هشاشة، نظرًا للتبعات الصحية والنفسية والمجتمعية، إذ دفعوا الثمن الأغلى من التضحيات التي قوبلت بالتجاهل والخذلان.
وإثر ذلك، بدأت الانتقادات تتصاعد تجاه الجهات المعنية، ممثلة بوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل وهيئة العدالة الانتقالية، لتبدأ رحلة البحث عن المسؤول عن تفاقم هذه المأساة، بالتزامن مع الإعلانات الصادرة عن هذه الجهات حول تشكيل اللجان المختصة، والجهود والاجتماعات التي تمتلئ بها المعرفات الرسمية لها.
من المسؤول عن ملف الناجين والناجيات؟
قرر موقع “الترا سوريا” خوض هذه الرحلة وطرح التساؤل المشروع حول المسؤولية عن هذه الفئة ودعمها وتوفير احتياجاتها، لنُفاجأ بواقع صادم من تبادل المسؤوليات بين الأطراف، والمماطلة في الردود والإجابات، وإلقاء كل طرف المسؤولية على أطراف أخرى.
فبعد سؤال مدير المكتب الإعلامي لوزارة الشؤون الاجتماعية، عمر محمد، ظنًا منا أن هذا الملف من اختصاص الوزارة، لم نتلقّ ردًا واضحًا، وتم تحويلنا إلى مسؤول فريق الحماية الاستشاري، واثق حلاق، الذي أفاد بدوره بأنه لا يملك معلومات محددة حول اضطلاع الوزارة بهذا الملف.
وفيما بعد، صرّح مدير المكتب الإعلامي لـ”الترا سوريا” بأن هذا الملف ليس من اختصاص الوزارة، فيما أشارت إحدى المتطوعات، التي تعمل مستشارة في الوزارة وفضّلت عدم ذكر اسمها نظرًا لإلغاء الرئيس أحمد الشرع لهذا المنصب، إلى أن هذا الملف من مسؤولية “هيئة العدالة الانتقالية”.
من جانبنا، توجهنا إلى هيئة العدالة الانتقالية، حيث كان التواصل مع أعضائها أمرًا معقدًا نظرًا لانشغالهم، لنتلقى ردًا صادمًا من عضو الهيئة الدكتور أحمد سيفو، الذي أوضح لـ”الترا سوريا” أن هذا الملف ليس من اختصاص الهيئة، بل من اختصاص الشؤون الاجتماعية والعمل ومنظمات المجتمع المدني، ليعيد الكرة مجددًا إلى ملعب الوزارة.
ومع توسيع دائرة التواصل، وفي نهاية المطاف، أقرّ عضو هيئة العدالة المسؤول عن جبر الضرر بأن ملف جبر ضرر المعتقلين هو بالفعل من مسؤولية الهيئة، إلا أن المهام تعطلت ولم تبدأ بعد، تبعًا لانشغال الهيئة خلال الفترة الماضية بتحضير قانون العدالة الانتقالية، بما يتضمنه من آليات جبر ضرر الناجين. لنبقى في هذه الدائرة المغلقة من تجاهل أحد أهم الملفات الإنسانية التي أفرزها سقوط النظام، والتي قد يتسبب تأجيلها وتجاهلها بمآسٍ لا تُعدّ ولا تُحصى.
ويبقى السؤال مطروحًا حول المسؤولية الفعلية عن هذه الفئة.
كيف يعيش الناجون والناجيات؟
في السياق ذاته، قابل “الترا سوريا” إحدى الناجيات من اللاذقية، خديجة. أ، التي تحدثت عن تجربتها بعد خروجها من المعتقل، حيث تخلى زوجها عنها وعن طفلها المصاب بالتوحد وابنتها، ثم تزوجت لاحقًا، وتعرضت لملاحقات أمنية، قبل أن تنتقل للعيش في تركيا، حيث توفي زوجها بعد نحو عام، وتفاقم الوضع الصحي لابنها وتعقّد بشكل أكبر. وبعد سقوط النظام، عادت إلى سوريا، لتتعرض للاستغلال ووعود المساعدة الكاذبة من بعض الأشخاص، وتنقلت بين المحافظات أملًا في الحصول على الدعم.
كما تعرضت لضغط عائلي لقبول إقامتها في منزل والدها وزوجته مقابل التخلي عن ابنها المصاب بالتوحد. وعندما عجزت عن إعالته، أخذه والده، وحكمت المحكمة لها بأربع ساعات رؤية أسبوعيًا في اللاذقية، إلا أنها لا تملك مسكنًا هناك. فتوجهت إلى وزيرة الشؤون الاجتماعية لتأمين مأوى يتيح لها استعادة ابنها، لكنها قوبلت بعدم توفر شاغر. كما حاولت إيجاد فرصة عمل نظرًا لخبرتها في العلاج الفيزيائي ومرافقة كبار السن والمرضى، إلا أنها رُفضت بسبب سنها، فهي من مواليد 1975، وهي تناشد اليوم لتأمين مأوى واستعادة ابنها.
من جهتها، أوضحت السيدة أم يحيى، المسؤولة عن الناجيات في رابطة معتقلي الثورة السورية، لـ”الترا سوريا” أن الحاجات تفوق كل الإمكانيات، وأن أوضاع الناجين والناجيات أسوأ بكثير مما يتم تداوله، مشيرة إلى أن أعداد الأرامل من ذوي الشهداء كبيرة جدًا، وأن أغلب الناجين خرجوا بعاهات وأمراض جسدية، وفقدوا منازلهم، ولم يعودوا قادرين على العمل.
وأكدت أن المنظمات لا يمكنها تغطية هذه الاحتياجات، وأن المسؤولية يجب أن تضطلع بها جهة حكومية، نظرًا لتفاقم الأوضاع المعيشية لهذه الفئات المتروكة التي تعاني من واقع مزرٍ.
الرعاية النفسية اللازمة للناجين والناجيات
تحدثت المختصة النفسية ليا السيد طه لـ”الترا سوريا” عن الدعم الذي يحتاجه الناجون والناجيات، مشيرة إلى “هرم ماسلو” للاحتياجات الأساسية، والتي تنعكس بوضوح على واقعهم، بدءًا من الرعاية الصحية المناسبة والتغذية والدواء، وصولًا إلى الاحتياجات النفسية المرتبطة بالأمان والمشاعر والانتماء.
ولفتت طه إلى أن العبء يقع على عاتق أهل الناجي، نظرًا لأن أغلبهم يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة، ما يتطلب قدرًا كبيرًا من الاحتواء والتدرج في التعامل، وتجنب تعريضهم لمواقف تثير حساسيتهم، مثل الأسئلة المحرجة أو طلب التفاصيل أو الأصوات العالية، مع ضرورة مراعاة ردود أفعالهم.
وأضافت المختصة النفسية أن الناجين والناجيات فقدوا السيطرة على حياتهم لفترة طويلة، ما يجعل التدرج في قراراتهم أمر ضروري، والاستماع إليهم باهتمام، ومساعدتهم في التعبير عن مشاعرهم بارتياح، ومن المفيد تلقي الدعم النفسي، والانضمام لمجموعات لمشاركة التجارب والتخفيف من آثارها.
وشددت طه على ضرورة التعامل بخصوصية مع وضع الناجيات، باعتباره أكثر حساسية على المستوى المجتمعي، لافتة إلى أهمية توفير رعاية نفسية خاصة للنساء اللواتي تعرضن للاعتداء الجنسي، إذ تعاني بعضهن من وصمة اجتماعية ويتعرضن للنبذ والإقصاء، ما يستدعي وعيًا مجتمعيًا واضطلاع الجهات المعنية بمسؤولياتها في هذا الجانب.
الناجون والناجيات من عتمة السجون هم الذين دفعوا الأثمان الأغلى لسقوط نظام الأسد، وجبر ضررهم يُعدّ من أولى الملفات اليوم التي لا تحتمل التأجيل. فانتحار شلة ليس سوى إنذار للمجتمع كي يضطلع كل طرف بمسؤوليته، بدءًا من الجهات الحكومية المعنية، مرورًا بالعائلات وذوي الناجين، وصولًا إلى المجتمع ككل، على ألا يكون هذا الانتحار النداء الأخير قبل وقوع كارثة أكبر.
الترا سوريا
—————————————–
الداخلية السورية تبشّر بمستجدات مهمة في ملف العدالة الانتقالية
الرياض – العربية.نت
20 أبريل ,2026
أعلن المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، اليوم الاثنين، أن دمشق ماضية “بعزم” في ملاحقة الفارين من النظام السابق والمتورطين في جرائم وتقديمهم إلى القضاء المختص، مشيرا إلى مستجدات مهمة في ملف العدالة الانتقالية.
فقد كتب نور الدين البابا في منشور على منصة “أكس”، “يُخطئ المخلوع ومجرموه الفارّون من وجه العدالة إن ظنّوا أنّهم بمنأى عن المساءلة، أو أنّ جرائمهم قد طواها النسيان، فالدولة السورية ماضية بعزم لا يلين في مواصلة العمل ليلًا ونهارا لتقديمهم إلى القضاء المختص”.
وأضاف أن الهدف هو إجراء محاكمات عادلة تُنصف الضحايا وتعيد الحقوق إلى أصحابها.
كما أوضح البابا أنه “قريبًا سيتم الإعلان عن مستجدات مهمة في ملف العدالة الانتقالية”، لافتا إلى أن هذه الخطوات تأتي ثمرة تنسيق مشترك بين وزارتي الداخلية والعدل، والهيئة العامة للعدالة الانتقالية.
وكانت الآلية الدولية المحايدة المعنية بالمساعدة في التحقيق في أخطر الجرائم في سوريا، التابعة للأمم المتحدة، اعتبرت في 15 أبريل الجاري أن الانتقال السياسي في البلاد أتاح فرصا جديدة وفريدة للمساءلة بما في ذلك عبر الحوار المباشر مع المؤسسات السورية والهيئات الوطنية المكرسة لتحقيق العدالة الانتقالية.
كما أكدت في تقريرها خلال اجتماع في الجمعية العامة للأمم المتحدة أنها حققت تقدما ملموسا في النهوض بالعدالة الشاملة في سوريا، رغم القيود الكبيرة والمستمرة المتعلقة بالموارد. وقد تمكنت الآلية – لأول مرة منذ إنشائها قبل عشر سنوات – من زيارة سوريا. وقامت خلال العام الماضي بمهمات شهرية إلى البلاد، تواصلت خلالها بشكل مستمر مع وزارات الخارجية والعدل والداخلية.
يشار إلى أن السلطات السورية كانت أعلنت في مايو الماضي (2025) تشكيل هيئة العدالة الانتقالية، برئاسة الحقوقي عبد الباسط عبد اللطيف، من أجل محاسبة المتورطين في الانتهاكات والجرائم التي وقعت على مدى 14 عاماً من الحرب في ظل حكم الرئيس السابق بشار الأسد.
فيما وعد الرئيس السوري أحمد الشرع في الذكرى الأولى لسقوط بشار الأسد في ديسمبر من العام الماضي (2025) بحقبة جديدة قوامها العدل والعيش المشترك، مؤكدا، الالتزام بمحاسبة كل من ارتكب الجرائم بحق السوريين على مدى السنوات الماضية.
———————————
تشديد على “البيوع الصورية”.. القضاء يلاحق ممتلكات رموز النظام المخلوع | فيديو
2026.04.21
اتخذت وزارة العدل السورية إجراءات قانونية مشدّدة لمواجهة محاولات تهريب ممتلكات وعقارات تعود لرموز النظام المخلوع، عبر ما يُعرف بـ”البيوع الصورية”، في خطوة تهدف إلى حماية المال العام وضمان حقوق المتضررين.
وكشف المحامي العام في دمشق، القاضي حسام خطاب، أن الوزارة رصدت لجوء عدد من الشخصيات المرتبطة بالنظام المخلوع إلى القضاء، لنقل ملكيات عقاراتهم بأسماء أقارب أو “واجهات”، مستندين إلى وثائق أو أحكام صورية للالتفاف على مسار المحاسبة.
وأوضح خطاب، في مداخلة تلفزيونية عبر برنامج “سوريا اليوم” على شاشة تلفزيون سوريا، أنّ الوزارة وجّهت المحاكم إلى التشدد في تدقيق هذه القضايا، من خلال إجراء “التحقيق المحلي” و”الكشف الحسي” للتثبت من الشاغلين الفعليين للعقارات قبل تثبيت أي عملية بيع، مشدداً على أن هذه الخطوات تهدف إلى منع تمرير صفقات مشبوهة.
“النيابة العامة تدخل على خط القضايا العقارية”
وأشار خطاب إلى صدور تعاميم رسمية (منها التعميم رقم 5 والتعميم الأخير رقم 18) تتيح إدخال النيابة العامة كطرف في دعاوى البيوع العقارية المشتبه بها، بصفتها ممثلة للمصلحة العامة، ما يعزز الرقابة القضائية على هذه العمليات ويحدّ من محاولات تهريب الأموال.
وبيّن أن الدولة وضعت اليد مؤقتاً على عدد من هذه الأملاك عبر “الحجز الاحتياطي”، بانتظار صدور تشريعات تنظم عمليات المصادرة واسترداد الحقوق بشكل قانوني نهائي، نافياً ما يُتداول حول توزيع هذه الممتلكات على جهات أو أفراد.
“تحديات معقدة واستعادة طويلة الأمد”
من جانبه، اعتبر مدير وحدة “سراج” للصحافة الاستقصائية محمد بسيكي، أنّ هذه الإجراءات تمثل بداية لفتح ملف استرداد الحقوق، لافتاً إلى أن النظام المخلوع اعتمد لسنوات على شبكات “واجهات” لتسجيل الأصول بأسماء وهمية، غالباً نتيجة عمليات استحواذ غير مشروعة.
وأكّد بسيكي أن التحدي الأكبر يكمن في التفريق بين الحجز المؤقت والمصادرة القانونية، إضافة إلى تعقيد قضايا التزوير، التي قد تستغرق سنوات أمام المحاكم، ما يستدعي خطة شاملة لتعزيز كفاءة الجهاز القضائي.
يأتي هذا التحرك ضمن تنسيق بين وزارة العدل وهيئة العدالة الانتقالية ووزارة الداخلية، في إطار مساعٍ أوسع لضمان المحاسبة واستعادة الحقوق، وسط تأكيدات رسمية بأن القضاء يمتلك الأدوات اللازمة لتعقب العمليات المشبوهة وإعادة الملكيات لأصحابها.
وفي ختام مداخلته، شدد المحامي العام في دمشق القاضي حسام خطاب، على أنّ القضاء السوري اليوم، يمتلك القدرة التقنية والقانونية على تتبع العمليات المشبوهة، معتبراً أن استعادة حقوق السوريين هي الركيزة الأساسية لإعادة بناء المنظومة القضائية في سوريا.
———————————
لماذا لا يشفي خطاب الوحدة؟ الشروط البنيوية للتعافي بعد النزاع/ فضل عبد الغني
أبريل 22, 2026
لا يقتصر أثر العنف الجماعي على تفتيت بُعد واحد من أبعاد الحياة الجماعية، بل يمتد إلى إلحاق الضرر بالعلاقات بين الأفراد، وبالمؤسسات التي تجعل التعاون أمرًا متوقعًا، وبالقدرات النفسية لمن عانوا منه، وبالأطر الرمزية التي تُعرِّف الجماعات نفسها من خلالها.
لذلك لا يمكن أن يسير التعافي في مسار واحد. ومع ذلك، فإنَّ عمليات الانتقال في أعقاب الفظائع كثيرًا ما تنجذب إلى محور واحد، هو استحضار التماسك السابق للنزاع أو المصير المشترك بوصفه الأداة الترميمية الأولى. وهذا التوجه، الذي يمكن وصفه بخطاب الوحدة، ويُعرَّف هنا بأنَّه دعوات من أعلى إلى أسفل للانتماء الجماعي تسبق الاعتراف بالضرر وتحل محله، وهو توجه لا يكافئ حجم الضرر.
فعندما يحل محل العمل الهيكلي، تفشل المصالحة المبنية عليه عند أول اختبار جدي. فالتعافي الدائم يعتمد على عملية منظمة من الاعتراف، وإعادة البناء عبر الممارسات الروتينية، ومعالجة الصدمة، لا على مجرد تأكيد وجود جماعة دمّر العنف شروط قيامها المسبقة.
أول أوجه الفشل هو فشل الاعتراف. فالشخص الذي حُرم من مكانته لا يستعيدها لمجرد أنَّ المجتمع السياسي يؤكد انتماء جميع أفراده إليه. فالاعتراف عملية ثنائية، تتطلب إقرارًا من طرف آخر محدد، يكون في العادة هو الطرف الذي أنكر هذه المكانة، وذلك في ثلاث مجالات منفصلة: السلامة الجسدية، والمكانة القانونية، والتقدير العام. ويحمل تحليل أكسل هونيث لهذه المجالات دلالة بالغة الأهمية بالنسبة إلى سياسات ما بعد الفظائع.
فما تقدمه خطابات الوحدة ليس اعترافًا، بل إدماجًا في وصف ذاتي جماعي، وفي أسوأ الأحوال، اعتراف رمزي، حيث يُطمس موقع الجاني داخل “نحن” التي يُعاد تأكيدها بوصفها كيانًا واحدًا متكاملًا. ولا يمكن للشفاء البنيوي أن يتجاوز هذا الفعل الثنائي. فلا بد من تسمية ما حدث، ولمن حدث، وباسم من حدث. وحتى يتحقق ذلك، تكون الدولة قد خاطبت الطرف المتضرر من دون أن تعترف به.
أما الفشل الثاني فهو فشل الثقة. فالاعتراف لا يتحقق إلا إذا كانت البيئة الاجتماعية التي يحدث فيها قابلة للتنبؤ بدرجة كافية تجعله ذا مصداقية. والثقة بين الخصوم السابقين ليست شعورًا يُستثار بخطاب، بل هي توقع راسخ يتكون من التكرار، ومن ثبات السلوك المؤسسي، ومن تراكم لقاءات عادية لا تنقلب إلى عنف.
غير أنَّ الصراع العنيف يُدمّر هذه القدرة على التنبؤ على وجه التحديد. ولا يمكن لتأكيد لفظي على هوية مشتركة أن يعيد بناءها، لأنَّ الثقة تعمل في مستوى أعمق من ذلك الذي تعمل فيه البلاغة. فهي تُبنى في طوابير المكاتب الحكومية، وفي الفصول الدراسية المختلطة، وفي المحاكم التي تُصدر الحكم نفسه في كل قضية مماثلة. وهذا عمل غير جذاب، لكنَّه يشكل البنية التحتية التي يعتمد عليها الاعتراف. وحيثما تغيب هذه البنية، لا تردم إعلانات الوحدة الفجوة، بل تكشف عنها فحسب.
أما الإخفاق الثالث فهو إخفاق التوقيت. فالصدمات واسعة النطاق تُخلّ بالترابط السردي، والتسلسل الزمني، وإضفاء المعنى، ولا تنسجم معها اللغة السياسية التصريحية. وكما أوضحت جوديث هيرمان في عملها البحثي، فإنَّ التعافي يمر بتسلسل محدد: الأمان، ثم التذكر والحداد، ثم إعادة التواصل مع الحياة الطبيعية. وكل مرحلة تعتمد على سابقتها، ولا يمكن تجاوز أي منها.
وعلى المستوى الجماعي، يشير هذا التسلسل إلى أنَّ المجتمع الخارج من عنف الدولة الممنهج لا يمكنه بلوغ المصالحة قبل ضمان الأمان واستيعاب الخسارة مؤسسيًّا. ومع ذلك، تحاول خطابات الوحدة في الغالب تسريع مراحل لم يُنجزها المجتمع بعد. فهي تُعلن إعادة التواصل قبل الحداد، والحداد قبل الأمان، وتخلط بين الإعلان والإنجاز.
وأما الفشل الرابع هو فشل السرد. فكثيرًا ما يُوصف التعافي بعد الفظائع بأنَّه استعادة لقصة مشتركة، وهذا صحيح إلى حد بعيد، لكن نوع هذه القصة هو ما يصنع الفارق. فالسرد الذي يُصر على الاستمرارية مع ما قبل الصراع، وعلى التماثل الجوهري للمجتمع فيما فعله وما عاناه، يُغلق الباب أمام الرواية الصادقة الوحيدة: تلك التي يُدمج فيها التمزق والفقدان في هوية جماعية متغيرة.
فالشفاء ليس عودة إلى الذات السابقة، بل هو تحول يتماسك بالسرد. وهذا السرد لا يكون مجديًا إلا إذا كان صوت المتضررين عنصرًا أساسيًّا فيه. وإنَّ سرد القصص الجماعي من هذا النوع، بما هو متعدد الأصوات، يُعد في حد ذاته عملًا رمزيًّا ومشروعًا. لذلك، فإنَّ الخلاف مع خطاب الوحدة لا يدور حول أهمية السرد الجماعي، بل حول من يكتبه ومتى يُكتب.
والاعتراض الطبيعي هنا هو أنَّ الممارسات الرمزية، مثل إحياء الذكرى، وإعادة تسمية الأماكن العامة، والاحتفالات المدنية المشتركة، كلها جزء من عملية التعافي، وأنََّ تجاهلها سيترك سياسات ما بعد النزاع من دون أدوات هي في أمسّ الحاجة إليها. وهذا الاعتراض صحيح، ولا يوجد في الحجج المناهضة لخطاب الوحدة ما ينفيه.
لكن الفرق يكمن في الترتيب والترابط. فالممارسات الرمزية التي تأتي بعد الإنصاف القانوني، والاعتراف بالتعويض، وإعادة الحياة إلى طبيعتها، تعزز العمل الذي بدأته مؤسسات أخرى بالفعل. أما خطاب الوحدة الذي يسبق هذه الخطوات ويحل محلها، فلا يعززها، بل يستبدل نفسه بها. والفرق هنا بنيوي أيضًا.
فالتعافي الحقيقي يتطلب جهات فاعلة محددة ذات التزامات واضحة: محاكم تُدين الجناة، ولجان تقصّي حقائق تُعد سجلًّا رسميًّا، وهيئات تعويضات توزّع التعويضات، وبرامج دعم نفسي اجتماعي ترافق الناجين في مسار التعافي. أما خطاب الوحدة فلا يتطلب شيئًا من ذلك. وتكمن جاذبيته السياسية، تحديدًا، في كونه مجانيًّا.
الثورة السورية
——————————
منصة واحدة وملف معقد.. كيف تعالج سوريا قضية المفقودين في الخارج؟
أطلقت وزارة الخارجية والمغتربين السورية نافذة إلكترونية باسم “بلاغ مفقود/معتقل”، وذلك لتوثيق بلاغات المفقودين والمعتقلين خارج سوريا.
مدير الإدارة القنصلية في وزارة الخارجية السورية، محمد يعقوب العمر، قال لعنب بلدي إن النافذة تعد منصة رقمية متكاملة متاحة عبر التطبيق الرسمي للوزارة (MOFA SY)، وتتيح لذوي المفقودين والموقوفين خارج سوريا، أو من ينوب عنهم تقديم بلاغاتهم بشكل مباشر.
يتم التقديم من خلال إدخال بيانات تفصيلية ودقيقة حول الحالة، وقد صُممت هذه الأداة لتكون قناة رسمية وآمنة تضمن سرية المعلومات ودقتها، وتشكل في الوقت ذاته قاعدة بيانات وطنية شاملة يمكن البناء عليها في معالجة هذا الملف، حسبما شرح العمر.
وفيما يتعلق بآلية العمل، يتم استقبال الطلبات بشكل مباشر عبر التطبيق، حيث تُجمع البيانات ضمن منظومة مركزية لدى فرق متخصصة في الوزارة، تتولى تدقيقها وتحليلها وفق معايير مهنية دقيقة، وبناءً على ذلك، يتم إعداد مسارات متابعة واضحة.
وتشمل المسارات التواصل الرسمي مع الدول المضيفة للاستفسار عن أوضاع الموقوفين، والعمل على تيسير إجراءات الإفراج عنهم وفق الأطر القانونية، إضافة إلى متابعة ملف المفقودين بالتنسيق مع الجهات المختصة، وعلى رأسها “الهيئة الوطنية للمفقودين”، وذلك في إطار جهود الوزارة لمعالجة القضايا الإنسانية للسوريين في الخارج.
الانتقال من طابع فردي لإطار مؤسساتي
وتكمن أهمية إطلاق هذه النافذة، وفقًا للعمر، في كونها تنقل التعامل مع هذه القضايا من الطابع الفردي والمتفرق إلى إطار مؤسساتي منظم، قائم على التوثيق الدقيق والتحليل المنهجي.
وتهدف المنصة إلى حصر الحالات وتصنيفها، وفهم أبعادها القانونية والإنسانية، بما يمكّن وزارة الخارجية والمغتربين من التحرك بفعالية عبر قنواتها الدبلوماسية الرسمية لمعالجة كل حالة وفق خصوصيتها.
تؤكد وزارة الخارجية والمغتربين أن هذه المبادرة تمثل خطوة أساسية نحو بناء مقاربة وطنية شاملة لمعالجة هذا الملف الإنساني، بما يسهم في كشف مصير المفقودين، ومعالجة أوضاع الموقوفين، وتخفيف معاناة ذويهم، وصولًا إلى تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع، حسبما ختم العمر.
التطبيق ضمن مسار التحول الرقمي
وكانت الوزارة قد أعلنت إطلاق تطبيق “MOFA SY” رسميًا، ليصبح متاحًا لجميع المستخدمين حول العالم، بعد إطلاق نسخة تجريبية بدأت من السفارة السورية في بيروت، في 13 من تشرين الثاني 2025.
ويتيح التطبيق، وفق الاستفادة من مختلف خدمات الوزارة للمواطنين والمغتربين السوريين، بسهولة وسرعة عبر هواتفهم الذكية.
وتأتي هذه الخطوة ضمن خطة التحول الرقمي والتطوير الإداري التي أطلقتها الوزارة، والرامية إلى:
تمكين المواطنين من الحصول على خدماتهم القنصلية بسهولة ويسر.
تقديم خدمة تليق بالمواطن السوري وتحفظ كرامته أينما وجد.
إغلاق ملف السمسرة نهائيًا من خلال اعتماد أنظمة إلكترونية حديثة وآمنة وشفافة.
تحقيق العدالة والمساواة في توزيع المواعيد عبر المنصة الرسمية دون أي وسطاء.
تحديثات تقنية
وقد أعلنت وزارة الخارجية والمغتربين عن إطلاق تحديثات تقنية على تطبيق “MOFA SY”، في 11 من شباط الماضي، تهدف إلى تحسين سرعة وشفافية إصدار جوازات السفر للسوريين المقيمين خارج سوريا.
وقال مدير الإدارة القنصلية في الوزارة، محمد يعقوب العمر لوكالة “سانا”، إن التحديث الجديد يتيح للمواطنين تعبئة استمارة جواز السفر إلكترونيًا عبر التطبيق قبل مراجعة السفارات والقنصليات، ما يسهم في تقليص زمن إنجاز المعاملة داخل البعثات القنصلية من نحو ساعة ونصف الساعة إلى أقل من عشر دقائق.
وأوضح العمر أن التحديثات شملت إطلاق نظام تعقّب إلكتروني متكامل يتيح للمواطن متابعة جميع مراحل معاملة إصدار الجواز عبر التطبيق، بدءًا من قيد الإنجاز، مرورًا بالتحقق من البصمات وموافقة الهجرة، وصولًا إلى إشعار الجاهزية للاستلام، مع إرسال تنبيهات فورية عند كل مرحلة أو في حال وجود أي ملاحظات تستوجب المراجعة.
—————————————
==================



