العزل السياسي وتحدياته/ عبدالرحمن مطر

2026.04.20
أظهرت الحالة السورية الراهنة الحاجة المّاسة إلى مراجعة السلطة لسياساتها المتصلة بالاستحقاقات الدستورية، لوضع حدّ للغموض الذي يعدّ -حتى الآن- جزءاً من أدائها في الشأن العام، وذلك بغية العمل على سدّ الفجوة بين الضرورات الملّحة والتشريعات، التي تقود الى حلّ جزء كبير من الإشكاليات القانونية المتعلقة بالفترة الانتقالية، وبالعدالة، وغير ذلك من القضايا المعلّقة، والتي تعيق الخروج من عنق الزجاجة الحرج، للدولة والمجتمع على حدٍّ سواء.
المقصود بذلك هو الذهاب نحو إطلاق الدور التشريعي لمجلس الشعب المنتخب، منذ عدة أشهر، بعد ان يتم تسمية الثلث (الرئاسي)، مع استمرار عقدة السويداء، دون حلّ واضح حتى الآن.
دلالات المشهد السوري
مناسبةُ هذا التصدير، حدثانِ أشغلا الحياةَ العامة، هما اجتماعُ هيئة العدالة الانتقالية في حلب، والتصريحاتُ التي أشارت إلى انتظارِ الهيئة انعقادَ مجلس الشعب لطرح مشروعي قانون “العدالة الانتقالية” و”العزل السياسي والإداري”.
من شأن هذا الأمر أن يفتح البابَ على مصراعيه لبدء أعمال الهيئة، دون أي إشكاليات تشريعية تحول دون الجهود القانونية المتعطلة منذ تأسيسها. ويدور نقاشٌ وطنيٌّ واسع حول أسباب التأخير، وحول ضرورة تحريك عجلة العدالة المنتظرة، باعتبارها استحقاقًا مؤثرًا في سياق إعادة بناء الدولة الجديدة، وفي إنصاف ضحايا النظام الأسدي.
خاصة وأن المجال العام يشهد احتقاناً متنامياً، يتيح لفئات شعبية واسعة، النظر الى طريقة تعاطي السلطة مع هذا الملف، ليس فقط بغموض يثير التحفظ، وإنما التساؤلات المشفعة بالشكوك العامة في جدية تفعيل مبدأ العدالة الانتقالية، في الوقت الذي تتواصل فيه عمليات التسوية لشخصيات كانت تمثل جزءاً حيوياً من المنظومة الإستبدادية البائدة، والاستعانة بهم في العمل العام والخدمة المدنية، والتي تتطلب اتصالاً بالجمهور.
ثمة الكثير من الحالات التي تظهر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتي أضحت المنبر المفتوح، أمام المجتمع، لكشف تلك المسائل، وتكوين رأي عام حيالها، في ظل تغاضي السلطة عنها، أو غياب آليات التواصل الفعّالة مع المجتمع.
الحدث الثاني، هو اعتصام ” قانون وكرامة” الجمعة الماضية، بكل ما يحمله من دلالات المكان، وتاريخه، في الإحالة إلى عيد الاستقلال، اليوم الذي غابت فيه مراسم الاحتفال به، وما نشير إليه هنا، هو تلك الحملة، التي بدت “منظمة” واستهدفت التشويش على الاعتصام، سعياً لمنعه، عبر وصم منظميه ومن يشارك فيه بأنه “فلول، وخائن”.
هذا يعيد فتح النقاش عن المسائل المتصلة بإجراءات السلطة، بشأن العزل السياسي والإداري، عن المواطنة، وعن الحقوق الأساسية غير القابلة للتصرف، مثل حق التظاهر والاحتجاج، لجميع افراد المجتمع دون تمييز.
الضرورات والمبررات
من هنا تبرز مسؤولية الدولة التي تأخرت في الحقيقة عن إنجاز الخطوات التشريعية التي تحصن البلاد، في مرحلتها الانتقالية الغضّة، في مقدمة ذلك العزل السياسي، حيث كان عليها القيام بذلك “إدارياً” في الحد الأدنى، ليس استجابة لضغوط الجمهور/الضحايا فحسب، وإنما كواجب منوط بها، والابتعاد عن التعامل مع المتورطين المحتملين في جرائم النظام السابق، المادية والمعنوية، قبل أن تنظر في شأنها هيئات العدالة المعنية، وفي تعويمهم عبر برامج مختلفة.
ندرك جيداً أن السلطة لا تريد استعداء أشخاص، أو جماعة، أو جمهور محدد، لجهة حماية الاستقرار والسلم الأهلي، والتحول الذي تشهده البلاد، لكن ذلك يجري على حساب فئة دون أخرى، في اختلال بيّن لأبسط قواعد العدالة، والتي تشكل الضامن القانوني لكل ذلك، وليس تأجيل النظر فيها.
يتيح “العزل السياسي والإداري” تحصين عملية التحول التي تجري في سوريا، خلال المرحلة الانتقالية، بوصفها عملية تتطلبها الضرورة الوطنية، وحماية المجتمع من أية تدخلات تسمح بتسلل فلول النظام الاستبدادي، وأعوانه، في مسعى لإعاقة عملية التحرر من إرث الديكتاتورية والعنف المنظم الذي كان مسلطاً في وجه السوريين. وهو أيضاً منعٌ لاستهداف بنية الدولة الجديدة، وتقويض مشروعاتها في النهوض والتنمية.
من هنا، يبرز سؤال آخر، في السياق ذاته عن ماهية التحول، وعن بنية الدولة الجديدة ومشروعاتها، في ظل غياب الشفافية، ومؤسسة التشريع الأساسية، وفي ظل انتهاك متعدد للإعلان الدستوري ذاته.
وكذلك السؤال عن حماية المجتمع ليس من أعوان وأدوات النظام السابق فقط، بل وأيضاً ممن يستغلون غياب التشريعات، التي تحول دون “التنمر، والتحريض ضد من يمارس حق التعبير والاحتجاج”، بما يشكل رادعاً قانونياً وأخلاقياً من دون تنامي الكراهية، والاستعداء، والعنف، والنيل من كرامة الناس وحقوقهم. فهل ثمة حماية للمجتمع حقاً، في غياب “العزل، والمحاسبة، والإنصاف”؟
إذا كان الإقصاء، واحد من أشكال العزل وأدواته، فإن ما يجري اليوم في المشهد السوري، هو العكس تماماً: فتح ابواب الدولة أمام من يتوجب فرض العزل عليهم، وفي المقابل، إقصاء أبناء الثورة، والسعي لتجريدهم من حق التعبير والاحتجاج، وعزل كل من يوجه نقداً يطول أجهزة السلطة التنفيذية وسياساتها، بعد أن أُنجزت عملية الإقصاء، خلال عام ونصف.
إنّ العزل السياسي، يجب أن يطول كل من كان في موقع القرار، وفي دوائر صنعه، من قيادات النظام السابق السياسية (الحزبية، والتشريعية) والأمنية والعسكرية، وكل من تولى إدارة مؤسسات مدنية استُغلّت في غير وظيفتها الوطنية، لدعم النظام الاستبدادي أو الترويج له، أو في تبرير جرائمه، وتتحدد بموجب القانون.
يسمح التأخير في إطلاق هيئة العدالة الانتقالية (وقانون العزل ضمناً)، في نشوء وتنامي الانتهاكات، والنيل من القواعد القانونية، والتعدي على الحقوق والحريات، ويمنح الفرصة لتسلل المشتبه بضلوعهم في جرائم حرب، وفي أعمال تصنف بأنها مخالفة للقانون الدولي الإنساني، والقيام بأعمال تعتبر جزءاً من ممارسات النظام الأسدي البائد، التسلل في بنية الدولة الجديدة، أو التخفي والهرب من العدالة، لذلك تعدّ العدالة الانتقالية المظلة الوطنية التي تحمي المجتمع، وتحقق الإنصاف للضحايا. وتمهد لعملية التعافي الوطني المترافق مع التنمية وإعادة التأهيل المجتمعي.
تحديات العزل السياسي
من المهم جداً، استحضار التجارب الدولية في تطبيق مبدأ العزل السياسي، في بلدان كثيرة، خرجت لتوها من الحروب ومن الديكتاتوريات، والاستفادة منها، وفهم سياقات النجاح والإخفاق فيها.
في العالم العربي، لدينا عدة أمثلة: في ليبيا والعراق، والسودان. وقد منيت تلك التجارب بالإخفاق، نظرا للتدخلات السياسية، والقبلية، أو العشائرية. ووصلت إلى حدّ وقف العمل فيها، ومن ثم إلغاء قانون العزل السياسي، إضافة الى الإخفاقات والتحولات التي طرأت على تلك القوانين في مصر وتونس.
في اعتقادنا، يجب أن تكون الضوابط حازمة محددة وبيّنة، بما لا يشكل خروجاً على القوانين الناظمة لعملية العزل السياسي والإداري، وأنه لا يجب عزل الأفراد بناء على انتماءاتهم السياسية، أو آرائهم، وإنما وفقاً لأدائهم السياسي وارتباط ذلك بالمنظومة الأمنية والاستبدادية، وأن تكون ممارسة الحقوق المدنية وفي مقدمتها حرية التعبير، مكفولة، وأن يُعمَل بالقانون لفترة محددة: خلال المرحلة الانتقالية كمثال، وأن يكون القانون ملحقا بنظام المراجعات المستمرة، ضماناً للإنصاف، وفي الحق بإنهاء العزل في حال حدوث تغير جذري.
في هذا السياق يبرز الدور المهم لمنظمات المجتمع المدني، وأعني بها المنظمات ذات الطابع الحقوقي، والمنظمات المعنية بالضحايا والمغيبين، والمتضررين من جرائم النظام السابق، وكذلك النقابات، والتي يمكن لها أن تلعب دوراً كبيراً في تطبيق قانون العزل، من حيث تقديم الاستشارات، والمعلومات، وتشكيل الرأي العام، والمراقبة، والتصويب.
غير أنه من المهم، ألاّ تتحول عملية العزل السياسي، إلى ما يشبه “محاكم تفتيش سوريّة” وهذا يشكل خطراً على المجتمع، من حيث استغلال القانون، للقيام بإجراءات وممارسات غير قانونية، وفي الواقع، أجدني مضطراً للإشارة إلى قرار اتحاد الكتاب العرب بشأن تشكيل لجنة قانونية للعدالة الانتقالية، تتولى “التحقيق في ملفات الكتاب المتهمين بارتكاب جرائم”، وقد أحالت بالفعل “ملفات عدد من المتهمين والمسيئين إلى لجنة العدالة الانتقالية”، وفي اعتقادي، يجب أن يكون هذا جزءاً من عمل هيئة العدالة الانتقالية، خاصة وأنه لم يصدر قانونها بعد.
يمكن للاتحادات أن تطبق القواعد القانونية وفقاً لأنظمتها الداخلية والأساسية، أما التحقيق والمحاسبة على الجرائم فهو من اختصاص الهيئات العدلية وحدها، إن مبادرة النقابات تلك لا يمكن فهمها سوى أنها محاسبة خارج السياق القانوني واستباق له، في حين أن وظيفة النقابات والروابط المهنية هي حماية أعضائها، من أي تعدٍّ على الحقوق والحريات، وضمان محاكمات عادلة للمشتبه بهم، في سوريا الجديدة.
تلفزيون سوريا



