جولة في شارع الاستقلال… شاهد على تحوّلات إسطنبول/ عدنان عبد الرزاق

17 ابريل 2026
يمثّل شارع الاستقلال واحداً من أكثر الشوارع حيويةً في إسطنبول، ليس فقط بسبب موقعه الذي يربط بين ميدان تقسيم وميناء كاراكوي، مروراً ببرج غلطة، بل لأنه تحوّل إلى ظاهرة حضرية قائمة بذاتها، تجمع بين التناقضات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في مشهد واحد متشابك.
هذا الشارع، الذي يمتد في قلب القسم الأوروبي من المدينة ضمن منطقة بيوغلو، لم يعد مجرد ممرّ للمشاة، بل بات وجهة رئيسية لا تخطئها خطوات الزوار. فمن الصعب زيارة إسطنبول من دون المرور به، كما يصعب اختزاله باسم واحد يعبّر عن طبيعته؛ فهو بالنسبة إلى بعضهم شارع التمرد لكثافة حركته وتنوعه، ولآخرين مساحة مفتوحة تعكس روح المدينة بكل تناقضاتها.
ورغم التحديات التي شهدها قطاع السياحة في تركيا خلال الفترة الماضية، خالف شارع الاستقلال التوقعات، مسجلاً أرقاماً قياسية جديدة. فقد استقبل نحو 107 ملايين زائر خلال عام واحد، متجاوزاً الرقم المسجل عام 2022 البالغ 91.8 مليون زائر، وبزيادة لافتة بلغت 18.7% مقارنة بعام 2024، وفق تقرير صادر عن شركة كوشمان آند ويكفيلد | تي آر إنترناشونال. كما بلغ متوسط عدد الزوار اليومي نحو 240 ألفاً خلال أيام الأسبوع، وارتفع إلى 427 ألفاً في عطلات نهاية الأسبوع، ما يعكس مكانته بوصفه منطقة من أكثر مناطق إسطنبول ازدحاماً.
يضم الشارع نحو 275 متجراً، تتوزع بين قطاعات متعددة، تستحوذ الألبسة والأحذية على الحصة الأكبر منها بنسبة 35%، تليها الأطعمة والمشروبات بنسبة 31%، ثم مستحضرات التجميل بنسبة 15%. وتشكّل العلامات التجارية المحلية الغالبية العظمى بنسبة 85%، مقابل 15% فقط للعلامات الأجنبية، ما يعكس حضوراً قوياً للهوية الاقتصادية المحلية ضمن هذا الفضاء العالمي.
لا تقتصر جاذبية الشارع على التسوق فحسب، بل تتعداه إلى تنوعه الثقافي والديني والفني. إذ تنتشر على امتداده دور العبادة، مثل الكنائس التاريخية والجوامع، إلى جانب المسارح ودور السينما والمراكز الثقافية، فضلاً عن المقاهي والمطاعم التي تحتل الأرصفة وتمنح المكان طابعاً أوروبياً شرقياً فريداً. كما تتفرع منه أزقة ضيقة تشكّل امتداداً حيوياً له، وتقدّم خيارات متنوعة بأسعار متفاوتة تناسب مختلف الزوار.
تكمن أهمية موقع الشارع في قربه من ميدان تقسيم، الذي يُعدّ محطة أساسية للسياح، حيث يتوسطه تمثال الجمهورية الذي صمّمه النحات الإيطالي بييترو كانونيكا عام 1923، ويخلّد شخصيات بارزة مثل مصطفى كمال أتاتورك وعصمت إينونو وفوزي جاكماق. ومن هذا الميدان يبدأ الشارع رحلته وصولاً إلى منطقة النفق، مروراً بمؤسسات تعليمية وثقافية بارزة مثل مدرسة غلطة سراي.
أما سبب تسمية الشارع بالاستقلال، فيعود إلى عام 1923، تزامناً مع إعلان الجمهورية التركية وانتصار حرب الاستقلال، حيث كان يُعرف سابقاً باسم الشارع الكبير منذ العهد العثماني. ويعكس الاسم الحالي التحول السياسي والتاريخي الذي شهدته البلاد في تلك المرحلة.
ومن أبرز معالم الشارع أيضاً الترامواي التاريخي الذي يعبره، ويمثل عنصر جذب أساسياً للسياح، إذ ينقل الركاب بين ميدان تقسيم ومنطقة النفق مروراً بكامل الشارع، في تجربة تجمع بين الحنين إلى الماضي وسهولة التنقل. ويُضاف إلى ذلك قربه من حديقة غيزي، التي شكّلت مركزاً لأحداث سياسية بارزة عام 2013، ما يضفي على المكان بعداً تاريخياً معاصراً.
ولا يمكن إغفال الدور الذي يلعبه القرب من ميناء غلطة بورت وميناء إمينونو، حيث تصل الرحلات البحرية وتتحرك نحو جزر الأميرات، ما يجعل الشارع نقطة عبور واستكشاف في آنٍ.
ويشير مختصون في قطاع السياحة إلى أن سرّ جاذبية شارع الاستقلال لا يكمن فقط في تنوعه أو موقعه، بل في ما يُعرف بـ”سياحة التجارب”. فهنا، لا يكتفي الزائر بالمشاهدة أو التسوق، بل يعيش تجربة متكاملة تشمل الطعام والموسيقى والحياة الليلية وحتى التفاعل مع العروض الفنية في الشارع، من فرق موسيقية ومغنين يضفون طابعاً حياً ومتجدداً على المكان.
وبين من يطلق عليه اسم شارع العرب لكثرة الزوار العرب، ومن يراه امتداداً أوروبياً بنكهة شرقية، يبقى شارع الاستقلال نموذجاً فريداً للتعايش؛ حيث تتجاور فيه مظاهر الحداثة مع التاريخ، والدين مع الترفيه، والسياسة مع الاقتصاد، في صورة تختصر تحولات تركيا من ماضيها العثماني إلى حاضرها المعاصر.
العربي الجديد



