“مطارح الحالمين” شهادة حسن النيفي في مدونة السجون السورية/ علي سفر

الثلاثاء 2026/04/21
يشعر المرء حين ينتهي من كتاب يتحدث عن تجربة أحد في السجون السورية بأن الصخور الثقيلة التي تربض على كتفيه ستمنعه من قراءة أي تجربة أخرى، لكنه سرعان ما يخالف قراره ويعود إلى مطالعة صفحات الكتب الأخرى التي تصدر ويحكي فيها أصحابها عما قاسوه في المعتقلات التي أكلت جزءاً عزيزاً من أعمارهم!
الفضول هنا ليس ممتعاً، بل هو مدخل للاستماع إلى الأصوات المخفية التي لم نستطع سماعها حين كان السجناء يروون تجاربهم في العلن، فالكلمات الصامتة على الورق تقول الكثير، بعد أن تدخل في عالمها وأنت تعرف ما جرى، وإلى أي حال انتهى مصير أصحابها.

“مطارح الحالمين محطات ومفاصل في السجون السورية” كتاب الشاعر والسياسي السوري الراحل حسن النيفي الذي رحل عن عالمنا في منفاه الفرنسي نهاية العام الماضي، يعيد الحكاية من أولها، فهو ورغم محدودية عدد صفحاته بالقياس إلى كتب السير الذاتية وتجارب السجون، تسجيل لجزء مهم من الوقائع التي يجب ألا تغيب، عن المدونة السورية.
يروي النيفي هنا حكاية اعتقاله في العام 1986، ورحلته بين أربعة معتقلات هي سجن حلب المركزي، وسجن عدرا، وسجن تدمر، وفي النهاية سجن صيدنايا الذي قضى فيه شهوراً قبل أن يطلق سراحه إثر انتهاء محكوميته التي بلغت 15 عاماً، حكمت بها عليها محكمة أمن الدولة سيئة الصيت. غير أن الجزء الرئيس مما كتبه يتركز على السنوات التي قضاها وسط الصحراء السورية في تدمر.
الكتابات التي سبق للنيفي أن نشرها في غير مكان قبل أن يجمعها في كتاب دُفع للنشر قبل رحيله، لا تبتغي جعل القارئ يستغرق في مكابدة الألم الذي عاشه، فهو لا يريد استجرار التعاطف، ويكتفي بدلاً من ذلك بجعل القصص تضيء على ما سمعناه شفوياً، لكننا لم نجده مدوناً في مكان آخر، ولعل هذا الأسلوب مقصود بذاته، لا سيما حين يستند إلى مفارقات تكشف حجم الكارثة التي أصابت السوريين طيلة العهد الأسدي.
في زمن يندر أن تجد ما يماثل حيثياته في أي مكان في المعمورة، يخبرنا النيفي عن أبي عواد الفلاح المنبجي الذي رأى في المنام أن حافظ الأسد قد مات، لكنه استفاق من النوم منزعجاً حد البكاء، و”الحمد لله طلع منام ما هو حقيقة” لكنه لم ينج من الاعتقال، سيسجن لعام كامل، عقاباً له على حلمه وعلى إخباره الآخرين بما حلم به!
وفي نص آخر سيخبرنا الراحل عن قطعة من الثياب السميكة سيصنعها سجناء مهاجع تدمر، من أجل ارتدائها تحت ما يرتدونه وهم يتلقون الجلدات والضربات من عناصر الشرطة العسكرية والسجانين صباح مساء، وتسمى “البردوعة”، وحين يكتشف قيام السجين بارتدائها ستكون سبباً لخضوعه جلسة تعذيب خاصة. كما سنعرف أن مجرد قول “صباح الخير” للسجان سيؤدي بالسجين إلى العقوبة المعتادة، والتي ستكون من نصيب المؤلف هذه المرة، حين لم يسمع كلام السجان من وراء الباب فظنه يصبّح عليه، لكنه في الحقيقة كان يسأل عن شخص كنيته “خير”! وفي جوانب أخرى تخص حياة السجناء العامة، سيكون شهر رمضان أشبه بعقوبة جماعية تقع على رؤوسهم، فتمنعهم إدارة السجن من الصيام، وتلاحقهم كي تكشف عمن يخالف الأوامر، وصولاً إلى إجبارهم على شرب الماء!
في ذلك الزمن المغلق على رهائن الأسد في السجون سيكون الحلم مصدراً أساسياً للمعلومات، فيجتهد المفسرون في توقع ما سيحدث بعد أن يبوح المعتقل بما رآه! وتبعاً لتقلبات المزاج الأمني، سيسمح لهؤلاء أن يطلعوا على الأخبار من جرائد النظام، لكن بأسلوب عجيب غريب، إذ يعطى هؤلاء نسخة واحد من جريدة “البعث” يمكنهم تداولها في ما بينهم من دون أن “تتجعلك” أو تُشقّ صفحاتها، وإلا وقعت العقوبة على الجميع، غذ يجب أن تُعاد إلى السجان الذي يقدمها إلى سجناء مهجع آخر، وهكذا تصبح القراءة قرينة التعذيب! وحين يسمح السجان بالحصول على خضار سيكون القصد هو الحصول على ما يتركه المعتقلون من أمانات (أموال) في السجن، لتصبح المكرمة استغلالاً مكشوفاً لمن لا يملكون حولاً ولا قوة.
كل التفاصيل التي تضاف هنا ستكون حيثيات إضافية للعنوان الأساسي لتجربة السجن، أي التعذيب. فكل شيء يسير وفق إيقاع تعريض السجناء للتدمير. حتى حين يموت حليف للأسد، فإن هذا سيكون مدعاة لإخضاع السجناء إلى حفلة تعذيب جماعي، كما حصل يوم 3 حزيران 1989 حين أُعلن موت الخميني قائد الثورة الإيرانية!
يتحدث النيفي في مقدمته لكتابه عن جعله قضية السجناء هماً رئيساً حمله طوال السنوات التي تلت خروجه من المعتقل، وصولاً إلى مرحلة الثورة السورية، فيقول: “لقد لقت قضية المعتقلين في سوريا تعتيماً شديداً، بل ربما بات العديد من السجون السورية، كسجن تدمر وسجن المزة وبعض الأفرع الأمنية، صندوقاً أسود لا أحد يعلم ما بداخله، نظراً لفترات السجن الطويلة من دون أن تتيح السلطة لذوي المعتقلين زيارتهم أو حتى معرفة أي خبر عنهم، وفي هذا السياق يمكن التأكيد على أن ثمة تماهياً – في الحالة السورية – بين مفهوم الاعتقال والتغييب القسري، على الرغم من اختلافهما في الحالة الطبيعية”. ويخلص إلى إن “ظاهرة الاعتقال – كسلوك ممنهج من جانب السلطة –لم تبدأ في العام 2011 حين انتفض السوريون في وجه نظام الإبادة الأسدي، بل هي سلوك سلطوي أضحى سمة متأصلة في بنية نظام الأسد”.
كتاب الشاعر الراحل حسن النيفي الصادر عن دار موزاييك، إضافة مهمة وضعها صاحبها، كي لا ينسى أحدٌ حقوق من دفعوا الثمن، وينتظرون العدالة أن تمضي في مسار محاسبة الجلادين.
المدن



