ماذا يفعلون بسورية/ رشا عمران

17 أبريل 2026
حسب الإحصاءات الدولية، فإنّ نسبة عدد السوريين الذين يعيشون تحت خطّ الفقر في سورية حاليًا تصل إلى حدود 90% من عدد السكان، ما يعني تقريبًا تسعةً من كلّ عشرة أشخاص يُصنَّفون كفقراء، منهم حوالي 66% يعيشون في فقر مدقع، بمعنى أنّهم غير قادرين على تأمين أبسط حاجاتهم اليومية اللازمة للعيش. وهذه نسبة مخيفة، ليس فقط لما فيها من ظلم غير معقول يطاول هذه النسبة الكبيرة من عدد السكان، ولكن أيضًا لما تخلّفه من آثار مجتمعية تقضي على كلّ القيم الإنسانية التي ترفع من شأن المجتمعات وتساهم في المشاركة في بناء الحضارات البشرية. فمع هذه النسبة من الفقر يمكن القول إنّ الفقر صار هو الحالة العامة للمجتمع، ما يعني أنّ الطبقة الوسطى قد تمّ إعدامها تمامًا، وهذا بدوره يعني أنّ الحامل الرئيس للنهوض والتغيير قد اختفى من المجتمع السوري، أيضًا اختفت الطبقة التي يمكنها قيادة عملية الاحتجاج والاعتراض والمطالبة بطرق سلمية وبآليات مقاومة مدنية تحدّ من آثار الصدام الشعبي العنفي الذي يبرّره الفقر والجوع؛ إذ لطالما كانت ثورات الجياع عبر التاريخ البشري هي ثورات عنفية ودموية تحتاج عقودًا طويلة للتخلّص من آثارها التدميرية، وسورية، أساسًا، خارجة من حرب مدمّرة خلّفت مجتمعًا مفكَّكًا، وخلّفت استقواءات مسلحة وهشاشة أمنية مريعة ومركّبة يزيدها الفقر والانهيار الاقتصادي تركيبًا وتعقيدًا وامتدادًا، وتنذر بغضب شعبي عام بسبب الفقر والجوع وانعدام مقوّمات الحياة، قد يتحوّل إلى تسونامي يقضي على أيّ بصيص أمل في نجاة سورية والسوريين.
هذه المعطيات أعلاه تعني أنّ سورية تحتاج حلولًا اقتصادية إسعافية، سوف يكون أوّلها هو المأسسة المستندة إلى قوانين واضحة لخلق فرص عمل للملايين من فاقديها، ممّن لا يملكون دخلًا ثابتًا، أو لا يملكون دخلًا نهائيًا، وما أكثرهم اليوم في سورية؛ ذلك أنّ خلق هذه الفرص هو المدخل الأوّل للاستقرار والأمان الذي بات هو الحلم الأوّل للسوريين حاليًا. لكنّ خلق فرص العمل يلزمه إعادة بناء بنية الدولة التي تمّ تفكيكها بالكامل بعد سقوط نظام الأسد. ومن الواضح أنّ من استلم الحكم لم يطّلع على تجربة جارتنا القريبة العراق بعد سقوط نظام صدام حسين والبعث، حيث تمّ وقتها تفكيك بنيان الدولة العراقية بالكامل، وما زالت منذ ذلك الوقت ذات بنية مفكّكة مهيّأة للفساد والحروب الأهلية والخراب، حتى ليُقال إنّ نسبة الفساد في العراق حاليًا تكاد تكون غير مسبوقة عالميًا. فهل أرادت الحكومة السورية المؤقتة تقليد التجربة العراقية وتكرارها في سورية، خصوصًا وأنّ سورية خارجة من حرب طويلة منهكة امتدّت لعقد ونصف العقد، ولم تكن مستقرّة كما كان العراق قبل دخول القوات الأميركية وسقوط نظامها؟ ما يعني أنّ تفكيك الدولة السورية زاد في اكتمال الكارثة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية وتمدّدها وتوسّعها لتشمل شرائح كانت ما زالت قادرة على العيش، ولو في الحدود الدنيا للكرامة الإنسانية.
أخطر ما في الحالة السورية اليوم هو تصوير مرحلة نظام الأسد بوصفها الشرّ النهائي، وهو ما يتمّ اعتماده لتبرير التفكيك الكامل لبنية الدولة، ولتبرير التفريط بحقوق المواطنين السوريين وما تبقّى من مكتسبات دفعوا أثمانها من حيواتهم وأرواحهم وأرزاقهم. إذ يُفاجأ السوريون يوميًا بإعلانات رسمية عن بيع كلّ ما له علاقة بالقطاع الحكومي، وكلّ ما اعتاد السوريون على الدعم الحكومي له، إلى جهات استثمارية مجهولة، وهنا نتحدّث عن قطاعات أساسية للعيش وليس عن رفاهيات وكماليات كالفنادق والمنشآت السياحية. نحن نتحدّث هنا عن الكهرباء التي تمّ تلزيمها لشركة خاصّة رفعت أسعار شرائح الكهرباء على المواطنين، ليس فقط بما لا يتناسب مع الدخول، بل بما يتجاوز متوسّط الدخل للمواطن السوري بكثير، حتى أنّ أكثر من ثمانين بالمائة من السوريين اليوم غير قادرين على تسديد الفواتير وامتنعوا عن تسديدها، وحكومة (الثورة) اليوم تطالبهم بالدفع تحت طائلة منعهم من الكهرباء نهائيًا. نتحدّث أيضًا عن السعي لإلغاء مجانية التعليم في وقت يُصنَّف فيه ملايين الأطفال السوريين كمتسرّبين من التعليم بسبب الحرب الماضية؛ هذا يعني أنّ أجيالًا بأكملها سوف تُحرم من حقّ التعليم الجيد وستكتفي بالتعليم الشعبي (الشرعي)، خصوصًا مع توجّه الحكومة إلى فرض نمطها الإسلامي المتطرّف على كلّ مناحي الحياة حتى في العاصمة دمشق، فما بالكم في المدن والقرى والبلدات التي تسيطر عليها بالكامل فصائل متطرّفة متخرّجة من مدارس داعش والقاعدة؟ هذا يعني أنّ أجيالًا قادمة من السوريين سوف تعيش في جهل وظلام وتطرّف، وسوف تبقى خارج الحضارة البشرية، وسوف تحصل فجوة كبيرة بينها وبين سوريين من نفس الأجيال وُلدوا وعاشوا في مجتمعات جديدة منحتهم كلّ الحقوق التي يحصل عليها مواطنو تلك الدول: حقّ التعليم الجيد، وحقّ الغذاء، وحقّ الأمان، وحقّ العمل بدون تفريق بين جنس وآخر وبين عرق وآخر. هذه حقوق كان ينبغي أن تكون أوّل ما يطالب السوريون بتحسينه والارتقاء به بعد سقوط نظام الأسد، وإذ بنا نُفاجأ بأنّ حكومة (الثورة) لا مانع لديها من منع التعليم للبنات، وتريد إلغاء إلزامية التعليم ومجانيته، ما يقضي، في الظروف الاقتصادية الراهنة في سورية، على فرص ملايين الأطفال في الحصول على تعليم جيد مجاني على الأقلّ كما كان وقت نظام الأسد، أمّا الطامّة الكبرى فهي بيع القطاع الطبي للقطاع الخاص، بدءًا من شركات الأدوية وصولًا إلى المستشفيات الحكومية، والتي (للمفارقة) بدأت خلال هذه الفترة تنتشر فيها أمراض سارية تصيب حتى الكادر الطبي، طبعًا، لا داعي لنشرح لماذا يحدث هذا اليوم مع حديث مدير هيئة الاستثمار عن عرض المشافي الحكومية للخصخصة، وردود الفعل الشعبية على هذا الإعلان.
لكنّ من أكثر التسريبات التي تنتشر وتثير القلق والشكّ هو ما يحدث في وزارة الثقافة؛ فحين استلم الوزير الحالي مهامه في وزارة الثقافة، كتب أحد المؤيّدين للحكومة وقتها (صار صاحب منصب ثقافي مهمّ اليوم) إنّ أوّل ما بدأ به الوزير مهامه هو حرق كتب وزارة الثقافة. وحين سألته عن دقّة هذا الخبر أكّده لي، ولم أسمع شيئًا لاحقًا عن موضوع كتب وزارة الثقافة حتى معرض الكتاب الأخير، إذ كان جناح وزارة الثقافة المنظِّمة للمعرض خاليًا من الكتب تمامًا، ما يعني أنّ نظرية حرق الكتب قد تكون حقيقية، هل تتخيّلون هذا!!! آلاف العناوين والترجمات لكتّاب سوريين وعرب وعالميين من عيون الكتب في المكتبة العالمية تمّ حرقها ببساطة، أو على الأقلّ تمّ إخفاؤها وتجاهلها، ومن يعرف كتب وزارة الثقافة السورية يعرف كم قدّمت للمكتبة العربية من روائع ونوادر يصعب تكرارها؛ والمدهش أكثر هو صمت المثقفين السوريين الذين شاركوا بالمعرض عن خلوّ الجناح من كتب وزارة الثقافة القيّمة، كما لو أنّ هذا أمر طبيعي ولا يستحقّ الحديث عنه، أو ربّما هو أمر (ثوري)، فالوزارة كانت في زمن الأسد ويجب اجتثاثها لصالح (ثورة السلف الصالح) التي تحكم اليوم سورية بدلًا من الثورة الديمقراطية المدنية الوطنية. أو ربّما كتب الوزارة كلّها لكتّاب (فلول)، وهي التهمة الجاهزة اليوم لكلّ من يشير لأيّ خطأ يُرتكب في سورية، فما بالكم بمن يعارض سياسة هذه السلطة المؤقتة التي تتصرّف كما لو أنّها سلطة ملكية فرضت نفسها خلال عام واحد فقط بقوّة الهمجية التي تمنحها للمنتسبين لها، وهو ما احتاج عقودًا من نظام الأسد كي يؤسّس حالة كهذه.
لا بأس، فلنفترض أنّ كلّ ما كان في عهد الأسد يمكن وضعه في خانة الشرّ المطلق، فهل ما تقوم به هذه الحكومة اليوم هو لخير السوريين؟ هل بيع البلد وتلزيمها للقطاع الخاص ولمستثمرين عرب لا علاقة لهم بسورية هو لخير السوريين؟ هل اعتبار ملكيات قديمة وقفًا تركيًا وإجبار أصحابها على التخلّي عنها هو لخير السوريين؟ هل فتح باب استيراد كلّ المواد الرئيسية التي يمكن إنتاجها وتصنيعها في سورية، وتسهيل عملية الاستيراد، والتضييق على الصناعي السوري والمزارع السوري، هو لخير السوريين؟ هل صفقات البيع السرّية والمشبوهة، وانعدام الشفافية، وتجاوز القوانين، هو لخير السوريين؟ هل تطييف البلد، واستبعاد أبناء الطوائف والأقليات كلّها من الوظائف والإدارات والجيش وكلّ مفاصل الدولة، هو لخير السوريين؟ هل حصر السيطرة على البلد بيد فئة قليلة جدًا، واستبعاد من دفعوا أثمانًا باهظة خلال العقد ونصف العقد الماضيين، هو لخير السوريين؟ هل الخطاب الطائفي الرسمي والمتطرّف والتقسيمي هو لخير السوريين؟ هل المجازر والانتهاكات والقتل الطائفي اليومي في حمص وحماة واللاذقية هو لخير السوريين؟ إن كان كلّ هذا لخير السوريين، فهل فعل نظام بشار الأسد خلال عقد ونصف العقد أكثر ممّا فعل هذا النظام خلال عام واحد فقط؟ ماذا يفعلون بسورية حقًا، وماذا يريدون منها؟.
ضفة ثالثة



