مقالات تناولت العلاقة السورية الروسية

القواعد الروسية في سوريا: تحوّل الوظيفة وتبدّل النفوذ/ أحمد زكريّا
18 أبريل 2026
فتحت تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع من العاصمة البريطانية لندن، مؤخرًا، حول تحويل القواعد الروسية في سوريا إلى مراكز تدريب للجيش، بابًا واسعًا أمام تساؤلات تتجاوز البعد العسكري المباشر، لتطال طبيعة التحولات في السياسة الخارجية السورية، وشكل العلاقات المستقبلية مع كل من موسكو وواشنطن، في مرحلة إعادة تشكيل الدولة ومؤسساتها بعد سنوات من الحرب.
الشرع لم يكتفِ بالإشارة إلى البعد التقني المتعلق بتطوير الجيش السوري، بل وضع تصريحاته في سياق أوسع، حين تحدث عن “العلاقات التاريخية” مع روسيا، وربط ذلك بحركية الدبلوماسية السورية، قائلًا إن الانتقال بين البيت الأبيض والكرملين يعكس نشاطًا سياسيًا يهدف إلى تنويع الشراكات وعدم الارتهان لطرف واحد.
وقال الشرع: “هناك علاقات تاريخية بين سوريا وروسيا، وتوجد ترتيبات لتحويل القواعد الروسية في سوريا إلى مراكز لتدريب الجيش السوري”. وأضاف أن “التنقل بين البيت الأبيض والكرملين خلال فترة قصيرة يعد دليلاً على نشاط الدبلوماسية السورية، إذ إن سوريا تمتلك علاقات دبلوماسية قوية مع أغلب دول العالم”.
إعادة تدوير الوجود الروسي
في قراءة أعمق لهذه التصريحات، يرى المختص بالشأن الروسي ديمتري بريدجة، في حديثه لـ”ألترا سوريا”، أن “دمشق لا تعود ببساطة إلى موسكو، بل تعمل على إعادة تدوير” الوجود الروسي ضمن معادلة سيادية جديدة”، مؤكدًا أن الفارق جوهري بين مرحلتين: ففي عهد النظام السابق، كانت القواعد الروسية جزءًا من منظومة حماية السلطة، بينما يجري اليوم تقديمها كأصول عسكرية قابلة لإعادة التوظيف لخدمة مشروع إعادة بناء الجيش السوري”.
وأشار بريدجة إلى أن “هذا التوجه يتقاطع مع رغبة روسية واضحة في الحفاظ على حضور عسكري في سوريا، وإن بصيغة أقل انتشارًا وأكثر تركيزًا على النقاط الاستراتيجية، مثل قاعدة حميميم ومرفأ طرطوس، بعد سحب جزئي للقوات من بعض المناطق، خاصة في الشمال الشرقي”.
وبذلك، فإن العلاقة الحالية بين دمشق وموسكو، حسب بريدجة، تبدو أقرب إلى “شراكة وظيفية” محدودة السقف، لا ترقى إلى تحالف استراتيجي كامل، لكنها في الوقت ذاته لا تصل إلى مستوى القطيعة، بل تقوم على تبادل المصالح ضمن شروط جديدة تحاول سوريا فرضها.
بين الضرورة والاختيار
من جهته، يقدم أنس البو، المستشار السياسي والباحث في العلاقات الدولية، قراءة مختلفة نسبيًا، إذ يرى أن “تصريحات الشرع تعكس أيضًا واقعًا عمليًا تفرضه البيئة الدولية، يتمثل في محدودية خيارات التسليح المتاحة أمام دمشق من الدول الغربية، سواء لأسباب سياسية أو بسبب التحفظات الإقليمية”.
وأشار البو في حديثه لـ”الترا سوريا”، إلى أن “موسكو تمثل في هذه الحالة شريكًا جاهزًا وقادرًا على تلبية احتياجات الجيش السوري، سواء من حيث التدريب أو التسليح، ما يجعلها البديل الأكثر واقعية في المرحلة الحالية، خصوصًا في ظل حساسية بعض الأطراف، وعلى رأسها إسرائيل، تجاه أي انخراط عسكري تركي واسع في سوريا”.
ورغم ذلك، لا يرى البو أن التوجه نحو روسيا يعني بالضرورة انغلاقًا على محور واحد، بل يعكس محاولة للاستفادة من الفرص المتاحة في ظل بيئة دولية معقدة، تفرض على دمشق التحرك بمرونة عالية، حسب تعبيره.
تواجد روسي على أساس المصلحة السورية
وفي سياق متصل، قال الباحث في الشأن السياسي والعسكري رشيد حوراني، في حديثه لـ”الترا سوريا”: “لا تزال حتى الآن مسألة تسليح الجيش السوري تحكمها عدة اتجاهات، ولا شك أن روسيا حاضرة في أحدها، نظراً لقدم التعاون بين سوريا وروسيا في مجال التسليح، وتعود إلى بداية ستينيات القرن الماضي، وتتضمن ثلاثة مسارات: التسليح، حيث إن القسم الأكبر من العتاد السوري روسي المنشأ، والتدريب، حيث دربت سوريا الكثير من كوادرها الفنية العسكرية في روسيا وأكاديمياتها العسكرية، كما أوفدت روسيا خبراءها إلى سوريا لهذا الهدف، وثالثًا: الصيانة من خلال تعمير وإصلاح العتاد المعطل أو القديم”.
وتابع: “واليوم، سيكون الوجود الروسي في سوريا مبنيًا على أساس تحقيق المصلحة السورية، وليس على أساس حماية النظام كما كان سابقًا، ولهذا الأمر قدّم نظام الأسد تنازلات كبيرة لروسيا في سوريا، وتوجد اليوم نسبة من السلاح لدى الجيش السوري روسي المنشأ، وتقوم روسيا بإجراء التواصل مع أطراف إقليمية ودولية بهدف التسليح، ولذلك لا يوجد مانع أن يكون السلاح السوري من مصدرين غربي وشرقي، وتوجد حالات مشابهة سابقة مثل حالة مصر مثلًا”.
هل هناك اتفاقيات تسليح غير معلنة؟
في ملف التسليح، لا توجد حتى الآن مؤشرات رسمية على إبرام صفقات كبرى بين دمشق وموسكو، غير أن المعطيات تشير إلى احتمال وجود تفاهمات غير معلنة، خاصة في مجالات حساسة مثل أنظمة الدفاع الجوي والطائرات الحربية، بحسب مراقبين.
ويرى البو أن طبيعة هذه العلاقات غالبًا ما تتسم بالسرية، نظرًا لحساسيتها السياسية والعسكرية، ما يجعل من الصعب رصدها بشكل دقيق، رغم وجود مؤشرات على استمرار أشكال من الدعم التقليدي، مثل تزويد سوريا بالوقود والقمح، وربما بعض المعدات العسكرية.
في المقابل، يؤكد بريدجة أن باب التسليح الروسي لم يُغلق، لكنه لم يتحول بعد إلى مسار واضح ومعلن، ما يعكس حالة من الترقب والحذر لدى الطرفين، في انتظار اتضاح معالم المشهد الإقليمي والدولي.
شبكة دعم متعددة المستويات
بعيدًا عن الثنائية التقليدية بين موسكو ودمشق، تشير المعطيات إلى أن سوريا تتجه نحو بناء جيشها الجديد عبر شبكة معقدة من الشركاء الدوليين، يتوزع فيها الدور العسكري بين عدة أطراف.
تركيا، على سبيل المثال، برزت كأحد أبرز اللاعبين في مجال التدريب العسكري، من خلال برامج منظمة تشمل التدريب والاستشارات الفنية، إلى جانب استقبال طلاب سوريين في الأكاديميات العسكرية، وتقديم دعم لوجستي وتقني.
كما دخلت أوكرانيا على خط التعاون، مقدمة خبراتها في مواجهة الطائرات المسيّرة، وهو مجال اكتسب أهمية كبيرة في النزاعات الحديثة، خاصة بعد التجربة الأوكرانية في مواجهة روسيا.
أما الولايات المتحدة، فيُتوقع أن تركز على مجالات محددة، أبرزها مكافحة تنظيم “داعش”، والتنسيق الأمني والاستخباراتي، دون الانخراط في دعم عسكري مباشر واسع النطاق.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن روسيا ستحتفظ بدور مهم، لكنه غير احتكاري، يتركز في مجالات القوة العسكرية الثقيلة، مثل الصيانة والتأهيل وأنظمة الدفاع الجوي، مستفيدة من خبرتها الطويلة في الساحة السورية.
تحديات التوازن بين القوى الكبرى
التحدي الأكبر أمام دمشق لا يكمن في بناء الجيش فحسب، بل في كيفية إدارة علاقاتها مع القوى الدولية المتنافسة، فالتقارب مع موسكو في المجال العسكري قد يثير تحفظات واشنطن، والعكس صحيح، ما يضع سوريا أمام معادلة دقيقة تتطلب توازنًا مستمرًا.
بريدجة يرى أن جوهر السياسة السورية الجديدة يتمثل في كسر فكرة “الراعي الواحد”، والتحول إلى نموذج يقوم على تعدد الشركاء، بما يمنح دمشق هامشًا أكبر للمناورة السياسية.
من جهته، يؤكد البو أن الحفاظ على هذا التوازن سيكون ضرورة وليس خيارًا، في ظل حاجة سوريا إلى الدعم الأمريكي في بعض الملفات، مقابل اعتمادها على روسيا في مجالات أخرى، خاصة العسكرية.
موقف أمريكي بين القبول والرفض
فيما يتعلق بالموقف الأمريكي، تبدو واشنطن حذرة في تعاملها مع أي تقارب عسكري بين دمشق وموسكو. فمن جهة، تدرك صعوبة إخراج روسيا بالكامل من المشهد السوري، ومن جهة أخرى، تسعى إلى الحد من نفوذها، خاصة إذا تعلق الأمر بأنظمة تسليح متطورة أو توسيع القواعد العسكرية.
وتشير التقديرات إلى أن الولايات المتحدة قد تتبنى سياسة “الاحتواء الناعم”، عبر ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية، دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، مع ترك هامش محدود للتعاون الذي لا يتعارض مع مصالحها.
بين إعادة البناء وصراع النفوذ
في المحصلة، تعكس تصريحات الشرع لحظة مفصلية في مسار إعادة بناء الدولة السورية، حيث لم تعد العلاقة مع روسيا تُطرح بوصفها تحالفًا ثابتًا، بل كجزء من شبكة أوسع من العلاقات التي تسعى دمشق من خلالها إلى تحقيق توازن دقيق بين القوى الدولية.
وبينما يرى بعض المراقبين أن هذا التوجه قد يمنح سوريا فرصة لاستعادة قرارها السيادي وبناء جيش حديث، يحذر آخرون من مخاطر التنافس بين القوى الخارجية على الأرض السورية، وما قد يحمله ذلك من احتمالات لزعزعة الاستقرار.
في كل الأحوال، يبدو أن دمشق دخلت مرحلة جديدة، عنوانها البراغماتية السياسية، وإعادة تعريف التحالفات، في محاولة للخروج من موقع “ساحة نفوذ” إلى موقع “دولة تفاوض”، وهو تحول إن تحقق، قد يعيد رسم ملامح الدور السوري في المنطقة لسنوات قادمة.
الترا سوريا
———————————
فراغ أميركي… حضور روسي: هل تتغيّر قواعد اللعبة في سوريا؟/ أحمد الجابر
سوريا بعد الانسحاب الأميركي: توازنات جديدة بين موسكو وواشنطن ومعادلات إقليمية مفتوحة
2026-04-22
تمر الساحة السورية بتحوّل استراتيجي غير مسبوق، في ظل استكمال الولايات المتحدة انسحابها العسكري الكامل من البلاد في نيسان/أبريل 2026، بعد أكثر من عقدٍ من الوجود المباشر الذي بدأ ضمن الحرب على تنظيم “داعش”.
فقد سلّمت واشنطن آخر قواعدها العسكرية للحكومة السورية، في خطوة وُصفت بأنها “تحوّل مشروط” يعكس تغيّر أولوياتها نحو تقليص الانخراط العسكري المباشر، مقابل الاعتماد على الشركاء المحليين في مكافحة الإرهاب.
ويأتي هذا الانسحاب في سياق تحولات أوسع شهدتها سوريا منذ عام 2024، مع إعادة تشكيل السلطة السياسية، وبدء مسار اندماج القوى المحلية، ما أتاح للحكومة السورية استعادة السيطرة على معظم أراضيها.
وفي المقابل، يشير مراقبون إلى أن هذا الفراغ النسبي يفتح الباب أمام إعادة رسم موازين القوى الإقليمية، حيث تتجه قوى دولية وإقليمية، وعلى رأسها روسيا، إلى إعادة تثبيت حضورها بما يتناسب مع المعادلات الجديدة.
كما تلفت تقارير حديثة إلى أن الانسحاب الأميركي لا يعني نهاية الدور الأميركي بالكامل، إذ لا تزال واشنطن تحتفظ بأدوات تأثير غير مباشرة، سواء عبر الدعم الاستخباراتي أو الشراكات الأمنية، في وقتٍ تتصاعد فيه التوترات الإقليمية، خاصةً بين إسرائيل وإيران، ما يجعل المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة لإعادة تشكيل النظام الأمني في المنطقة.
وفي ضوء هذه التطورات، تبدو سوريا اليوم ساحةً مركزيةً لتقاطع المصالح الدولية، حيث تتداخل حسابات الانسحاب الأميركي مع طموحات روسيا، ومخاوف القوى الإقليمية، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول شكل المرحلة المقبلة: هل نحن أمام إعادة توزيع نفوذ، أم بداية نظام إقليمي جديد قيد التشكل؟
قراءة في التوازنات الدولية ومستقبل الوجود الأميركي في سوريا
يقول محمد العروقي، كاتب ومحلل سياسي لـ”963+”، إنّ سوريا تُعدّ جزءاً من إقليمها الحيوي، ولذلك يرى أن الحسابات لم تعد محصورة داخل الحدود السورية، بل امتدّت لتشمل مجمل الإقليم ومحيط سوريا.
ويعتبر أنه من الصعب التكهن بأن يكون انسحاب الولايات المتحدة انسحاباً نهائياً، إذ يشير إلى وجود ملفات عديدة مترابطة بين واشنطن وموسكو، سواء في المنطقة، أو في إيران، أو في الحرب مع أوكرانيا، إضافةً إلى العلاقات مع إسرائيل وتركيا.
وفي هذا السياق، يلفت العروقي إلى أن هذه التوازنات تدفع روسيا إلى الاعتقاد بضرورة الحفاظ على وجودها، ولو بشكل جزئي، في الشرق الأوسط، حتى وإن كان ذلك على حساب سوريا. كما يعتقد أن هذا الأمر سيتم بناءً على تفاهمات بين الطرفين الروسي والأميركي.
ومن جهة أخرى، يرى أن الانسحاب الأميركي، إن حدث، لن يكون خطوةً نهائيةً، بل قد تتبعه خطوات أخرى، وربما عودة لاحقة، وهو ما يعزوه إلى تعقيدات ملف الاستقرار في سوريا، والعلاقات مع تركيا، فضلاً عن الموقف الإسرائيلي الذي لا يروق له بعض أشكال التوازن الحالية، خاصةً على الحدود السورية.
ويستطرد العروقي قائلاً إن هذه العوامل مجتمعةً تفسر إمكانية بقاء القوات الروسية في سوريا للحفاظ على توازناتها الإقليمية، مع وجود قدرٍ من القبول الأميركي بهذا التواجد ضمن حسابات خاصة.
لكنه في المقابل ينوه إلى أن روسيا تعاني من ضغوط كبيرة، خاصةً بسبب الحرب مع أوكرانيا، وهو ما انعكس اقتصادياً وعسكرياً عليها. لذلك، يعتقد أن موسكو لن تتمكن من الحفاظ على مستوى وجودها السابق في سوريا، بل ستتجه إلى تقليص قواتها مع الإبقاء على حضور محدود يضمن مصالحها.
أما بشأن ما إذا كانت المنطقة مقبلةً على مرحلة ما بعد أميركا في سوريا بقيادة روسية، أم أن انسحاب واشنطن قد يكون مقدمةً لإعادة ترتيب دولي، فيرى العروقي أن ذلك يعتمد على الإقليم ككل، مضيفاً أن الوجود الأميركي لا يقتصر على سوريا، بل يمتد إلى العراق والخليج، في ظل توترات مع إيران. وبالتالي، يعلل أن ما يحدث لا يخص سوريا وحدها، بل المنطقة بأكملها.
وفي هذا الإطار، يعتقد أننا أمام مرحلة إعادة تشكيلٍ للقوى الأمنية وهيكل المنطقة، بما يضمن مصالح القوى الكبرى. لكنه يؤكد أن مآلات الصراع لا تزال غير واضحة، ومن الصعب التنبؤ بمن سيصمد أكثر.
ومع ذلك، يرى أن الهيمنة النهائية ستبقى للولايات المتحدة الأميركية، وهو ما يدفع مختلف الأطراف، بما فيها روسيا، إلى السعي لعقد تفاهمات معها بشأن مستقبل المنطقة، بما في ذلك سوريا.
الدور الروسي في سوريا بين الطموح الاستراتيجي والضغوط الاقتصادية
من جانبها، تقول علا شحود، الأستاذة في المعهد العالي للاستشراق في موسكو لـ”963+”، إن انسحاب الولايات المتحدة، إذا تحقق، سيعزز الوجود الروسي في سوريا، بل ويرسخ نفوذ موسكو بشكلٍ أكبر. إذ تشير إلى أن هذا الانسحاب سيخلق فراغاً يتطلب ملأه، ما يمنح روسيا فرصةً أوسع للتحرك.
وتضيف شحود أن زوال العوائق التي كانت تواجه الدولة السورية، خاصةً في مناطق شرق الفرات الغنية بالموارد مثل النفط والقمح، يفتح المجال أمام تعزيز السيطرة والنفوذ، وهو ما ترى أنه سيصب في مصلحة التمدد الروسي.
كما تلفت إلى أن غياب واشنطن قد يجعل الساحة شبه خالية أمام موسكو، ما يتيح لها لعب دورٍ إقليميٍ أكبر، وربما التحول إلى وسيط بين القوى المتصارعة داخل سوريا، مثل إسرائيل وإيران وتركيا.
وفي سياقٍ آخر، تؤكد شحود أن الوجود الروسي في سوريا ليس مجرد رد فعل على الوجود الأميركي، بل هو مشروعٌ استراتيجيٌ طويل الأمد.
وتشير إلى أن موسكو وقّعت اتفاقياتٍ طويلة الأمد لاستئجار قواعد عسكرية مثل قاعدة حميميم الجوية وقاعدة طرطوس البحرية لمدة 49 عاماً قابلة للتجديد، وهو ما يعكس نيةً واضحةً للبقاء.
كما تفسر أهمية سوريا بالنسبة لروسيا بكونها تمثل منفذاً استراتيجياً إلى البحر المتوسط، أي إلى المياه الدافئة، وهو ما لا يمكن لموسكو التفريط به. لذلك، تعتقد أن روسيا تسعى إلى ترسيخ وجودها وتوسيعه بدلاً من الانسحاب.
وعن تأثير الانسحاب الأميركي، ترى شحود أنه قد يقلل من احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة، لكنه في الوقت ذاته يرفع من أهمية التوازنات السياسية والاستراتيجية، خاصةً في ظل الطموحات التركية في الشمال، والمصالح الإيرانية في مناطق أخرى.
وتعتبر أن بقاء القواعد الروسية ضروريٌ لضبط هذه التوازنات ومنع التصعيد، بما في ذلك الحد من الاحتكاك مع إسرائيل.
اقتصادياً، تشير إلى أن غياب الولايات المتحدة قد يفتح المجال أمام روسيا للاستثمار في الموارد الطبيعية السورية، مثل النفط والزراعة، دون مواجهة مباشرة مع العقوبات أو الصدامات الميدانية. لكنها في المقابل تنوه إلى أن روسيا تعاني من ضغوطٍ اقتصاديةٍ وعسكريةٍ كبيرة بسبب الحرب في أوكرانيا، ما أدى إلى استنزاف مواردها.
وفي هذا الإطار، توضح أن العبء الاقتصادي والعقوبات الكثيفة حدّت من قدرة موسكو على تمويل مشاريع كإعادة الإعمار، وهو ما يجعل سوريا عبئاً إضافياً على ميزانيتها. ومع ذلك، ترى أنه في حال التوصل إلى تفاهمات دولية، قد نشهد إعادة ترتيبٍ للوجود العسكري، بحيث تنسحب بعض القوات الأجنبية مقابل تثبيت الوجود الروسي في مواقع استراتيجية.
وفي ختام حديثها، تؤكد شحود أن روسيا تنظر إلى وجودها في سوريا كوجودٍ طويل الأمد مرتبط بأمنها القومي، وليس مجرد وجود مؤقت.
وتُضيف أن أي انسحابٍ روسيٍ محتمل سيكون مرتبطاً بتحولات كبرى في النظام الدولي أو بصفقاتٍ دوليةٍ واسعة، ما يجعل هذا السيناريو مستبعداً في المدى القريب.
+963
——————————-
خطة لتحويل قاعدة حميميم إلى قاعدة للجيش السوري/ محمد كساح
الأربعاء 2026/04/22
كشفت مصادر عسكرية لـ”المدن”، عن توجه جديد لدى وزارة الدفاع السورية بتحويل قاعدة حميميم على الساحل السوري إلى قاعدة تدريب للجيش، في ظل محدودية خيارات التسليح والتدريب التي تخصّ المؤسسة العسكرية الوليدة، والتي خضعت لإعادة هيكلة شاملة خلال الفترة الماضية.
وتأتي هذه الخطة بالتوازي مع انسحاب القوات الأميركية من القواعد التي كانت تتمركز فيها شرقي نهر الفرات، في ظل عملية أوسع لتقليص النفوذ الأجنبي في البلاد، ما يؤشر على إمكانية التوصل لصيغة جديدة قد يُعلن عنها لاحقاً، تخص مصير القوات الروسية في قاعدتي طرطوس البحرية وحميميم الجوية.
مركز مناسب للتدريب
في تفاصيل هذه الخطة، ألمحت المصادر إلى أن قاعدة حميميم تحوي تجهيزات عسكرية بحالة ممتازة، فضلاً عن أن السلاح والعتاد الذي بحوزة الجيش السوري هو صناعة روسية، لافتة إلى أن هذين المعطيين يحفزان رغبة وزارة الدفاع في استثمار القاعدة الجوية التي لا تزال تخضع لإشراف القوات الروسية، بغض النظر عن مصير القوات الروسية فيها، والذي سيُبتّ في وقت لاحق.
وكانت روسيا تتمركز عشية سقوط النظام الأسد، في قواعد عديدة في معظم المناطق السورية، وتقلص النفوذ الروسي بعد التحرير إلى التمركز فقط نحو قاعدتي حميميم وطرطوس غربي البلاد.
وأشارت المصادر إلى أن التدريبات ستتم غالباً تحت إشراف خبراء روس، لأن نوعية السلاح الروسي والمركبات العسكرية المصنعة في حقبة الاتحاد السوفياتي، تستلزم إشراف هؤلاء الخبراء، خصوصاً في ظل اقتصار الجيش السوري على السلاح الروسي وبعض المعدات العسكرية واللوجستية التركية، في الفترة الراهنة.
ماذا عن تدريب الطيارين؟
لكن المصادر لم تؤكد إذا ما كانت التدريبات ستشمل استعمال المقاتلات الحربية الروسية المتمركزة في قاعدة حميميم، بل رجحت عدم لجوء الطيارين الروس إلى تدريب نظرائهم السوريين، ما يعني اقتصار التدريبات على العمليات البرية فقط.
ولفتت المصادر إلى أن خضوع الضباط في سلاح الجو السوري لتدريبات على يد نظرائهم الروس في قاعدة حميميم، لا يزال فكرة مبكرة، وذلك لارتباطها بمسألة إلى أين ستتجه الدولة السورية لإرسال طياريها للتدريب؟ هل ستلجأ إلى الأتراك أم العرب أم إلى الخبراء في القاعدة؟
ورجحت المصادر أنه في حال تم اللجوء إلى خبراء القاعدة، فإن الجيش السوري سيحصل على معدات حربية ولوجستية من روسيا تشمل مقاتلات حربية ومروحية وعتاد ودورات تدريب احترافية.
مصير قاعدة حميميم
وتقف أمام خطة وزارة الدفاع لتحويل قاعدة حميميم مركزاً لتدريب الجيش السوري، بعض العقبات والتحديات، أبرزها أن سوريا انخرطت مؤخراً ضمن التحالف الدولي لمحاربة “داعش” والذي لا يضم روسيا، ما يعيق من فكرة التعاون العسكري مع موسكو.
وفي السياق، تتعدد الاحتمالات حول مصير القاعدة، فالمصادر العسكرية لا تستبعد عودتها إلى قاعدة للطيران المدني كما في السابق، في المقابل ألمح ضابط في سلاح الجو السوري لـ”المدن”، إلى احتمالية تثبيتها كقاعدة عسكرية كبيرة تضم مختلف صنوف القوات في الجيش، وذلك لما تحتويه من تجهيزات أرضية مهمة.
وأكد المصدر أنه يعتقد أن القوات الروسية لن تبقى متمركزة في قاعدتي طرطوس وحميميم، مرجحاً انسحاب الروس من المشهد الميداني السوري بشكل نهائي.
—————————–
=========================



