سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

من سيحمي السوريين في مصر؟/ فضل عبد الغني

 

2026.04.21

لقد تحوَّل وضع السوريين في مصر من تسامح هشّ إلى اضطهاد فعلي؛ فمنذ أواخر عام 2024، انتهجت السلطات المصرية سياسة ثلاثية المحاور: تضييقًا إداريًّا يجبر المقيمين على اتخاذ وضع غير قانوني، وحملات اعتقال أمنية واسعة النطاق غير مسبوقة، وخطابًا عامًا موازيًا يصوّر الوجود السوري بوصفه عبئًا اقتصاديًّا وأمنيًّا.

وتشكل هذه المحاور مجتمعة برنامجًا ممنهجًا ينتهك التزامات مصر الملزمة بموجب القانون الدولي للاجئين، وقانون حقوق الإنسان، والمعاهدات ذات الصلة.

وعلى مدى سنوات، اعتمد معظم السوريين على تأشيرات سياحية قابلة للتجديد كحل عملي، وهو ترتيب لم يكن ليستمر إلا في ظل تسامح السلطات. لكن هذا التسامح سُحب ابتداءً من عام 2024، وانحصرت مسارات الإقامة في عدد محدود من الخيارات، منها التسجيل لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أو الدراسة، أو الاستثمار، من دون وجود آلية انتقالية مناسبة للمقيمين أصلًا بتصاريح سياحية.

وتتجاوز قوائم الانتظار في مكاتب الهجرة الآن عامين أو ثلاثة أعوام، وقد وثَّقت منظمة العفو الدولية حالاتٍ حُددت فيها مواعيد تجديد الإقامة لعامي 2027 و2028، ووصفت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية شرط دفع رسوم قدرها 1000 دولار أميركي ووجود كفيل مصري بأنَّه استغلال عقابي.

والنتيجة العملية لذلك أنَّ عشرات الآلاف من السوريين أصبحوا في وضع غير قانوني، لا بسبب أي مخالفة متعمدة، بل بسبب بيروقراطية معقدة تعمل وفق آلية تبدو مصممة خصيصًا لإنتاج هذا المآل.

سنّت مصر مؤخرًا قانونًا للجوء، لكنَّ منظمات حقوق الإنسان ترى فيه قانونًا قاصرًا، فاستثناءاته المتعلقة بـ”الأمن القومي والنظام العام” صيغت بعبارات مبهمة من دون ضمانات كافية للإجراءات القانونية الواجبة، كما تفيد تقارير موثوقة بأنَّ الجهات المتورطة في الانتهاكات الحالية ستشرف على تنفيذ القانون.

وفي هذا السياق، شنت قوات الأمن المصرية حملة اعتقالات غير مسبوقة بدأت في الأسبوع الثالث من كانون الثاني/ يناير 2026، وتشير تقديرات منسوبة إلى مصادر في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى احتجاز ما لا يقل عن 3000 لاجئ وطالب لجوء خلال الشهرين الأولين من عام 2026.

ويقدر محامون ميدانيون العدد بين 5000 و10000، في حين وثَّقت منظمة مصرية محلية نحو 5000 حالة اعتقال خلال أسبوعين فقط، ونفذ ضباط شرطة بملابس مدنية حملات تفتيش في الشوارع وأماكن العمل والمنازل في عدة مدن، من بينها القاهرة والجيزة والإسكندرية والقليوبية.

ولم يُستثنَ من ذلك حاملو البطاقات الصفراء الصادرة عن المفوضية. كما أُقيمت نقاط تفتيش قرب مدارس اللاجئين ومقدمي الخدمات، مما يشير إلى استهداف مؤسسي. وكشف تقرير صادر عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أنَّ السلطات أصدرت وثائق شرطية رسمية تتضمن تعليمات بالاستهداف المنهجي لمجتمعات اللاجئين والمهاجرين، وهو ما يرقي بالوصف من مجرد استنتاج إلى دليل عن نية سياسة واضحة.

إنَّ نمط الترحيل الموثق لا يقل منهجية؛ فقد سجلت منظمة العفو الدولية 22 حالة احتجاز مفصلة في القاهرة والجيزة والقليوبية والإسكندرية بين أواخر كانون الأول/ ديسمبر 2025 و5 شباط/ فبراير 2026، كانت خمس عشرة منها لأفراد مسجلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وفي 19 حالة أخرى وثّقتها منظمة العفو الدولية، لم تُنفّذ أوامر الإفراج الصادرة عن النيابة العامة، وبقي المحتجزون رهن الاحتجاز من دون مراجعة قضائية، ولم تُتح لأي منهم فرصة الطعن في قانونية احتجازهم.

كما وثّقت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية وجهًا آخر من هذه الممارسات، تمثّل في إجبار المحتجزين على توقيع “إقرارات العودة الطوعية” تحت وطأة الإكراه والاحتجاز المطوّل. وتحول هذه الممارسة الإعادة القسرية إلى ما يشبه ترحيلًا قسريًا مقنّعًا بغطاء من الرضا الشكلي.

وقد أعلنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين صراحة معارضتها لأي إعادة قسرية للسوريين، كما يحظر قانون اللجوء المصري الصادر مؤخرًا ترحيل اللاجئين المعترف بهم. ومع ذلك، تستمر عمليات الترحيل. فالإطار القانوني الحاكم واضح: إذ تحظر المادة 33 من اتفاقية عام 1951، والمادة 3 من اتفاقية مناهضة التعذيب الإعادة القسرية، بغض النظر عن الوضع الإداري للفرد.

كما تحظر المادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي صادقت عليه مصر، الاحتجاز التعسفي، وتوجب مراجعة قضائية فورية. ويخضع احتجاز الأطفال وتعطيل تعليمهم لأحكام اتفاقية حقوق الطفل، التي صادقت عليها مصر من دون تحفظ. وتمنح المادة 93 من دستور مصر لعام 2014 المعاهدات الدولية التي صدّقت عليها الدولة قوة القانون المحلي.

وتقييمي أنَّ الرد الدولي على كل ذلك لم يكن كافيًا. فقد وجّه المقررون الخاصون للأمم المتحدة رسالة رسمية إلى الحكومة المصرية في كانون الأول/ديسمبر 2025، فنفت الحكومة الادعاءات، ثم صعّدت الحملة في أوائل عام 2026.

وأعربت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين عن قلقها، إلا أنَّ تفاعلها العلني لم يرقَ إلى مستوى حجم الانتهاكات الموثقة. ودعت منظمة العفو الدولية الاتحاد الأوروبي، بوصفه شريكًا وثيقًا لمصر في ملف الهجرة ومموّلًا رئيسًا للمفوضية، إلى الضغط على مصر لمنح المفوضية حق الوصول إلى مراكز الاحتجاز وضمان حماية اللاجئين.

وتكمن المشكلة الأكبر في أنَّ منع الوصول إلى مراكز الاحتجاز والمناطق الحدودية يضيّق نطاق الرصد الدولي والمحلي على السواء، بما يعني أنَّ الأرقام الموثقة تمثل الحد الأدنى.

كذلك، دعت الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان إلى توقيع مذكرة تفاهم ثنائية بين القاهرة ودمشق تنشئ آليات للإخطار القنصلي، وضمانات ضد الترحيل من دون إشعار مسبق، وإطارًا لتسوية أوضاع المقيمين السوريين، وفي غياب مثل هذا الإطار، يظل السوريون في مصر عالقين بين لاشرعية إدارية مفروضة عليهم عمدًا، وجهاز أمني يتعامل مع هذه اللاشرعية بوصفها أساسًا للاحتجاز والطرد إلى أجل غير مسمى.

تلفزيون سوريا

——————————-

 رحلة العودة البرية للسوريين من مصر.. طريق طويل من الانتظار والفوضى

2026.04.21

تعد الرحلة البرية من مصر إلى سوريا عبر الأردن واحدة من أكثر طرق العودة استخداما بالنسبة للسوريين المقيمين في مصر، خصوصا في ظل ارتفاع تكاليف السفر الجوي وصعوبة الحصول على حجوزات مباشرة بسبب توقف الطيران بين البلدين.

وتبدأ الرحلة غالبا من القاهرة أو المحافظات المصرية الأخرى باتجاه ميناء نويبع في جنوبي سيناء، ثم الانتقال بحرا إلى العقبة الأردنية، ومنها برا عبر الأردن وصولا إلى الحدود السورية.

ورغم أن المسافة الجغرافية قد تبدو محدودة مقارنة برحلات أخرى، فإن الزمن الفعلي للرحلة غالبا ما يتجاوز الـ 40 ساعة، وقد يصل إلى يومين في بعض الحالات، نتيجة طول الطريق وكثرة نقاط التفتيش والإجراءات الحدودية، إضافة إلى فترات انتظار طويلة داخل الموانئ والمعابر.

يقول سامر محمد، وهو سوري عاد مؤخراً من القاهرة إلى دمشق، إن الرحلة قد بدأت مساءً من القاهرة، واستمرت حتى صباح اليوم التالي للوصول إلى نويبع، لكن الجزء الأطول كان داخل الميناء نفسه.

ويضيف: “وصلنا في الصباح، لكن العبارة لم تتحرك إلى الساعة الثامنة مساءً، ومعظم الوقت كان انتظار من دون معلومات واضحة عن موعد المغادرة”.

الانتظار الطويل داخل ميناء نويبع

يعد ميناء نويبع إحدى أكبر المحطات التي يشتكي منها السوريون العائدون إلى بلادهم، بسبب طول ساعات الانتظار وعدم وضوح الإجراءات، فبعد وصول الحافلات، يضطر الركاب إلى البقاء لساعات طويلة داخل الميناء بانتظار إنهاء المعاملات الأمنية والجمركيةـ ثم انتظار موعد صعود العبارة.

ويقول بعض المسافرين إن الانتظار قد يمتد أحيانا إلى عشر ساعات أو أكثر، خصوصا في الفترة الأخيرة بسبب ارتفاع  أعداد العائدين، أو خلال الفترات التي تتأخر فيها الرحلات البحرية.

كما يشير بعضهم إلى أن أماكن الجلوس داخل الميناء محدودة مقارنة بعدد المسافرين، ما يدفع كثيرين إلى الجلوس على الأرض أو فوق الحقائب لساعات متواصلة.

وتقول مرام عبد الله، وهي سيدة سورية عادت مؤخراً إلى ريف دمشق مع أطفالها: “أكثر ما أرهقنا خلال الرحلة لم يكن الطريق نفسه، بل الوقت الطويل الذي قضيته داخل الميناء”.

وتضيف مرام: “الأطفال تعبوا جدا من الانتظار، لم تكن هناك أماكن كافية للجلوس أو ليناموا، بقينا ننتقل من مكان إلى آخر بانتظار أي معلومة عن موعد الصعود”.

شكاوى من آداء بعض شركات النقل

تشير شهادات عدد من السوريين إلى أن بعض شركات النقل التي تعمل على هذا الخط تواجه انتقادات متكررة تتعلق بالتنظيم والتعامل مع الركاب، ويقول مسافرون إن بعض الحافلات لا تلتزم بالمواعيد المعلنة، في حين يتم في حالات أخرى جمع الركاب لساعات قبل الانطلاق من دون تقديم تفسير واضح للتأخير.

كما يشتكي بعض الركاب من أن الحافلات تتوقف لفترات قصيرة جدا خلال الطريق، بالرغم من أن الرحلة من القاهرة إلى نويبع قد تستمر أكثر من عشر ساعات.

ويقول علاء الحربي، وهو شاب سوري سافر من القاهرة إلى دمشق عبر هذا الخط: “السائق توقف مرتين مدتهم نصف ساعة فقط، وكان هناك أطفال وكبار في السن داخل الحافلة، لم يكن هناك اهتمام كاف بحالتهم أو حاجتهم للراحة، لا أنصح أحد بأن يقوم بهذه الرحلة”.

وتتعلق بعض الشكاوى أيضا بطريقة التعامل داخل الحافلات، إذ يقول ركاب إن بعض العاملين في شركات النقل يعاملون المسافرين بأسلوب حاد أو غير منظم، خصوصا عند تحميل الأمتعة أو توزيع المقاعد أو الرد على الاستفسارات المتعلقة بالرحلة.

ضياع الحقائب وتلف المتعلقات الشخصية

من أكثر المشكلات التي تتكرر خلال الرحلة فقدان الحقائب أو تلف بعض المتعلقات الشخصية، نتيجة لكثرة التنقل بين الحافلات والعبارات والمعابر، ويضطر كثير من المسافرين إلى نقل حقائبهم عدة مرات خلال الرحلة، سواء عند الوصول إلى ميناء نويبع أو في أثناء الصعود إلى العبارة أو عند الوصول إلى العقبة ثم الانتقال إلى حافلات أخرى داخل الأردن.

ويقول جمال العلبي، وهو سوري عاد إلى سوريا بعد سنوات من الإقامة في مصر، ومعه زوجته وثلاثة أطفال: “عندما وصلنا إلى العقبة، قال لنا العاملين في الشركة، إن الحقائب في باصات أخرى وسنستلمها في دمشق، ولكن بعد وصولنا تأخرت الحقائب لنستلمها بعد يومين، وكانت إحداها مفقودة. سألنا عليها أكثر من مرة لكن لم يكن هناك جهة واضحة مسؤولة عن متابعة الأمتعة”.

كما يشير مسافرون آخرون إلى أن بعض الحقائب تصل متضررة بسبب طريقة تحميلها داخل الباصات أو بسبب تكديسها فوق بعضها البعض، خاصة عندما تكون الحافلات ممتلئة بعدد كبير من الركاب والأمتعة.

عبور الأردن لا يقل صعوبة عن الوصول إليه

بعد الوصول إلى العقبة، تبدأ مرحلة جديدة من الرحلة داخل الأردن، حيث يقطع المسافرون مئات الكيلومترات باتجاه الحدود السورية، ورغم أن هذه المرحلة أقل ازدحاما مقارنة بميناء نويبع، فإنها تتضمن أيضا ساعات طويلة من القيادة والتوقف عند نقاط التفتيش.

وعند الوصول إلى معبر جابر-نصيب، يواجه السوريون جولة جديدة من الانتظار لإنهاء الإجراءات الحدودية، والتي قد تستغرق عدة ساعات إضافية، خصوصا عندما تكون أعداد المسافرين كبيرة.

ويقول رامي، وهو شاب عاد من مصر: “الوقت الذي قضيته على الحدود السورية كان طويلا أيضا، خصوصا أن بعد كل هذا الطريق كان الجميع مرهقين ويحتاجون إلى الدخول بأسرع وقت، لكن الإجراءات استغرقت وقتا طويلا، وبعض الناس بقوا لساعات في الخارج بانتظار دورهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى