انتخابات النقابات والغرف الاقتصادية كمعيار للحرية/ بسام القوتلي

أبريل 21, 2026
قال الاقتصادي والفيلسوف الاسكتلندي آدم سميث عبارته الشهيرة: “لا نعتمد للحصول على عشائنا على إحسان الجزار أو صانع الجعة أو الخباز، بل على حرصهم على مصالحهم الخاصة”. هذه العبارة لا تمجد الأنانية، بل تشرح منطقاً واقعياً اجتماعياً عميقاً: البشر يعملون وينتجون ويبدعون بدافع تحقيق مصلحتهم المشروعة، ومن مجموع هذه المصالح الفردية تنشأ المنفعة العامة.
ويمكن توسيع هذه الفكرة بالقول إن الموظف والعامل والمدرس والطبيب والمهندس لا يذهبون إلى العمل بدافع خدمة المجتمع فقط، بل أيضاً من أجل تأمين حياة كريمة لهم ولعائلاتهم، وضمان الاستقرار والكرامة. من هنا، يصبح من الطبيعي أن يسعى أصحاب المهن والحرف والعمال إلى التنظيم، لا بدافع الصراع مع المجتمع، بل من أجل حماية مصالحهم ضمنه وتحسين شروط عملهم وتمثيل صوتهم الجماعي.
في هذا السياق، يشكل التنظيم النقابي، إلى جانب غرف التجارة والصناعة والزراعة وغيرها من الأطر المهنية، إحدى أهم ركائز المجتمع الحديث. فهذه الأجسام ليست ترفاً تنظيمياً، بل أدوات أساسية لتحويل المصالح الفردية المتفرقة إلى قوة اجتماعية منظمة، قادرة على التفاوض، والضغط السلمي، والمشاركة في صياغة السياسات العامة.
تاريخ سوريا الحديث يقدم مثالاً واضحاً على ذلك. فقد تأسست غرفة تجارة دمشق عام 1830، أي قبل قيام الدولة السورية الحديثة بزمن طويل، تلتها غرف تجارة حلب وحمص وحماة واللاذقية وغيرها في العقود اللاحقة. أما على المستوى المهني، فقد تشكلت نقابة المحامين في دمشق عام 1920 برئاسة فارس الخوري، أحد أبرز رموز الحركة الوطنية السورية، وتبعتها نقابات متعددة شملت مختلف المهن وفي مختلف المناطق.
لم تكن هذه الغرف والنقابات مؤسسات مهنية صرفة، بل لعبت دوراً سياسياً واجتماعياً محورياً. فقد شكلت أحد أعمدة النضال السلمي ضد الاستعمار، ورافعة أساسية لبناء المجتمع المدني، ومساحة لإنتاج النخب القانونية والسياسية والاقتصادية. كما ساهمت في ترسيخ مفاهيم المواطنة، وسيادة القانون، والمصلحة العامة.
لهذا السبب تحديداً، أدرك حزب البعث، ولاحقاً حافظ الأسد، خطورة التنظيم المهني المستقل على سلطته. فهذه المؤسسات كانت منتخبة، وتتمتع بشرعية اجتماعية حقيقية، وقادرة على التأثير في الرأي العام وتنظيم الإضرابات والتحركات السلمية. لذلك، بدأ العمل على إخضاعها تدريجياً، لا لكونها معارضة أيديولوجياً، بل لأنها كانت تمثل مجتمعاً منظماً خارج سيطرة السلطة المباشرة.
بدأت هذه العملية على المستوى النقابي بفرض قانون التنظيم النقابي رقم 84 لعام 1968، الذي ألزم جميع النقابات العمالية بالانتظام ضمن الاتحاد العام لنقابات العمال، ومنح الدولة والاتحاد سلطة تحديد المهن، وتوحيد النقابات، والإشراف على الانتخابات. أدى ذلك عملياً إلى إلغاء التعدد النقابي، وتحويل النقابات من أدوات تمثيل إلى هياكل إدارية شبه تابعة.
وفي أواخر السبعينيات، عندما خرجت النقابات المهنية في إضرابات واعتصامات تطالب برفع حالة الطوارئ، وإطلاق الحريات العامة، وإنهاء الاعتقال السياسي، جاء رد السلطة بالقمع المباشر: اعتقل قادة النقابات، وحلت مجالسها المنتخبة، وفرضت قيادات موالية أو مقبولة أمنياً، فتحول العمل النقابي من فضاء عام إلى ملحق أمني.
أما غرف التجارة والصناعة، فقد خضعت لمسار مختلف، أقل عنفاً لكنه لا يقل خطورة. إذ جرى احتواؤها بشكل ناعم عبر التدخل في انتخاباتها، والتحكم بقياداتها، وربط النفوذ الاقتصادي بالولاء السياسي. وهكذا جرى تفريغ هذه الغرف من قدرتها على تمثيل أصحابها فعلياً، مع الإبقاء على شكلها المؤسسي ودورها الشكلي.
ساهمت هذه السياسات مجتمعة في تمكين نظام الأسد من السيطرة على كل مفاصل الحياة العامة، ومنع بروز أي قوى منظمة قادرة على تحدي السلطة المطلقة، سواء في السياسة أو الاقتصاد أو المجتمع.
اليوم، وبعد سقوط نظام الأسد، يبرز سؤال جوهري: هل ستستمر الدولة السورية الجديدة في إعادة إنتاج هذا النموذج؟ إذ نلاحظ استمرار سياسة تعيين مجالس النقابات وغرف التجارة والصناعة، بدلاً من فتح المجال أمام أعضائها لانتخاب من يمثلهم بحرية. كما لا تزال عملية تأسيس نقابات وغرف جديدة مقيدة أو شبه مستحيلة.
إن استمرار هذا الوضع لا يعني فقط خللاً ديمقراطياً، بل يشكل عائقاً مباشراً أمام تعافي الاقتصاد السوري، ويمنع المجتمع من إنتاج نخب مهنية واقتصادية مستقلة قادرة على المساهمة في إعادة بناء البلاد والخروج من المستنقع العميق الذي وصلت إليه.
ما تحتاجه سوريا اليوم ليس وصاية جديدة، بل ثقة بالمجتمع. المطلوب هو فتح المجال فوراً أمام انتخابات حرة للنقابات والغرف، وهو أمر لا يحتاج بالضرورة إلى تشريعات جديدة، بل إلى قرار سياسي واضح. وبعد تشكيل مجلس شعب منتخب، يمكن العمل على إصدار قوانين عصرية تتيح تعدد النقابات والغرف، وتكفل استقلالها ومرونتها، وتمنحها القدرة على الدفاع عن مصالح أعضائها والمشاركة في رسم السياسات العامة.
من دون ذلك، ستبقى سوريا أسيرة إرث حقبة الأسد، عاجزة عن بناء مجتمع حر ومنتج، ومحرومة من مؤسسات وسيطة تعبر عن مصالح الناس فعلياً. أما كسر هذا الإرث، فيبدأ من إقرار بسيط وعميق في آن واحد: لا حرية بلا تنظيم مستقل، ولا دولة حديثة بلا نقابات وغرف منتخبة بحرية.
الثورة السورية



