هذه البلاد التي تحب الإنشاء/ سلمان عز الدين

15 أبريل 2026
وصل الإنشاء السوري إلى ذروته في الثمانينات من القرن العشرين، فبعد نحو عقدين من إمساك البعث بخناق البلاد والعباد، كانت الشعارات الطنانة والكليشات المزوقة والعبارات المسكونة بالهتاف، قد تغلغلت إلى كل مفاصل الحياة تقريبًا، وصارت ترصّع لا خطابات السوريين المعلنة وحسب، بل وكلام مجالسهم الهامس أيضًا.
في واحد من تلك الأيام، زار فريق البرنامج التلفزيوني “أرضنا الخضراء” قرية في ريف دمشق، لتسجيل حلقة عن مشكلة تفشي “حفار الساق” في الأشجار المثمرة، وكان أبرز الضيوف فلاح من القرية، عرف عنه درايته بالمشكلة وابتكاره لطرق لا تخلو من نجاعة في معالجتها، بل إن اهتمامه الشديد بالموضوع هو الذي أوصل الشكوى إلى معدي البرنامج التلفزيوني. ولكن الفلاح المثابر ما إن وقف أمام الكاميرا حتى تلبسه شخص آخر، فمد عنقه على الآخر ورفع رأسه إلى أعلى ما يستطيع وتجمدت عيناه، وراح يلوح بيديه على الطريقة الطلائعية، متحدثًا بلغة مقدم برنامج “التقرير الجوال” عن أن “القرية الصامدة تواجه هجمة شرسة من هذه الحشرة الخطيرة”، مؤكدًا أن “الفلاحين المناضلين يقفون صفًا واحدًا في ميادين الكفاح حتى القضاء التام على كل آفة زراعية في هذا الوطن المعطاء”. ولأن حافظ الأسد كان معتادًا في تلك الآونة على أن يختم خطاباته بتوجيه التحية لـ “دول المعسكر الاشتراكي وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي الصديق”، فقد رأى الفلاح أنه من المناسب فعل الشيء نفسه، مع تكييف الكليشيه ليلائم المناسبة، فوجه بدوره التحية لـ “دول المعسكر الاشتراكي وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي الصديق التي لا تبخل علينا بالأدوية الزراعية”.
وكانت مباريات كرة القدم التي يشارك فيها منتخبنا الوطني ميدانًا مثاليًا للإنشاء، حيث المذيع الرياضي أشبه بأحمد سعيد في إذاعة “صوت العرب”، وتعليقه عبارة عن بيانات حربية، فـ “رجال منتخبنا كانوا يسطرون أروع ملاحم البطولة في ملاعب المجد والفخار”، وإحراز هدف (اذا كان من هدف أصلًا) هو “إنجاز جديد لهذا الوطن العظيم”، فيما حارس المرمى هو “الصخرة التي تتحطم عليها هجمات الخصوم”.
وبالطبع، كانت المدارس هي مصانع الإنشاء الأساسية، ومنها تخرجت أجيال من الخطباء الهتافين ومغني الأهازيج الذين ملأوا حياتنا بالصراخ.
ولقد ظن كثيرون أن الإنشاء سوف يسقط بسقوط النظام، غير أن الواقع يشير إلى أنه انحسر وتقلص فقط، أما ما بقي منه، وهو ليس بالقليل، فقد غير جلده، مجددًا في بعض المصطلحات وناهلًا من قاموس مختلف قليلًا.
ولا شك أن وزارة الثقافة هي المعقل الأول للإنشاء الجديد، فإذا ما كنتَ بصدد قراءة بيان عن إقامة معرض ما، وأردتَ أن تعرف المكان والزمان والمشاركين، فيتوجب عليك أن تعبر فوق عبق التاريخ وأريج الحضارة وشام العزة والخيول التي ترمح في الفيافي والرماح التي لا ندري ماذا تفعل.. وإذا ما وصلت إلى آخر البيان لتدرك مرادك، تكون قد نسيت الموضوع وأصل الحكاية.
وفي كل حديث عن شأن من شؤون ثقافتنا الراهنة، نقف أمام نقل حي ومباشر من سوق عكاظ، حيث الألفاظ الجزلة والصور البيانية العتيقة والمفردات المهجورة، التي يصعب إيجاد رابط بينها وبين حياتنا البائسة المعاصرة.
وليس القائمون على الثقافة وحدهم في ذلك، فمسؤولون كثر يتحدثون عن تفاصيل أمورنا اليومية، وفي خلفية كلامهم تحضر ميادين الخيل ورايات الفتوح وصفحات المجد، حتى لو كان الكلام يدور حول إنشاء خزان ماء في حارة.
لماذا تبدو هذه البلاد متعلقة بالإنشاء إلى هذا الحد؟
يقال إن الإنشاء هو بديل عن الإنجاز المفقود، ولكن أليس مبكرًا اليوم اللجوء إلى هذا النوع من التعويض، بالأدق: أليس مبكرًا هذا الشعور بالحاجة إلى تعويض؟
الترا سوريا



