خلف خطوط العدو/ يعرب العيسى

16 ابريل 2026
في التفكير أيضاً، تحتاج أن تقوم بإنزال خلف خطوط العدو. والعدو هنا هو أزمات الحاضر. ولأنها محصّنة بقوى أكبر منّا ومن إمكاناتنا الحقيقية، وأمامها سدّ منيع من الاحتمالات الأسوأ. فالتفكير بحلول إسعافية لها قد ينكسر مراراً أمام حائط الصد. ولذلك قد يكون مفيداً أن نعود قليلاً إلى الوراء، لا لاستعادته، بل لتصويب النقطة التي انحرف فيها عن السكة الصحيحة. والتفكير بحلول تبدأ عندها.
إقليمنا قطار انحرف عن سكّته في لحظا ما من بدايات القرن الماضي، وقد انحرف بفعل فاعل، نذكرُه يومياً، ونصنع عنه الأفلام والمسلسلات، وتؤلف عنه الكتب والمقالات، ونستعيد تفاصيله بما يشبه الحسرة دوماً.
ما من عربي (بالطبع وكردي وتركماني وسرياني و…) لم يقل عشر مرات في حياته: لقد خدَعنا الإنكليز، وعدونا بدولة عربية إذا ما قمنا على الدولة العثمانية، ثم تقاسمونا مع الفرنسيين أو: لورنس هو الشيطان الذي خرّب هذه المنطقة، وعبث بها، “سايكس بيكو” مؤامرة استعمارية لتفتيت المنطقة وإضعافها، بلفور لا يقل سوءاً عن غيرترود بيل، هو أسّس لاختراع إسرائيل، وتلك اخترعت العراق وفصلته عن محيطه. وأشياء كثيرة من هذا القبيل بعضها يتعلق بدور بريطانيا وفرنسا في صنع خرائطنا ومصائرنا، والعبث بمجتمعاتنا وشعوبنا. وبعضها عن الحركة الصهيونية ومخطّطها الذي بدأ قبل عشرين عاماً من انهيار الدولة العثمانية. وغيرها من أحداث ومعلومات تدلّ على أننا بتنا نفهم أنفسنا واوطاننا وإقليمنا، ونعرف أن فيه عيباً في التصنيع، وأن عيوب الاستخدام، وأبرزها فساد الحكّام وطغيانهم، هي نتيجة وليست سبباً لما نحن فيه، فهي رداءة إعدادات المصنع.
لماذا إذاً لا نعود بالتفكير، في حال أردنا البحث عن مخارج، إلى تلك اللحظة/ الحقبة؟ … نمشي مع السكّة في الاتجاه المعاكس، ونحدّد نقاط الانحراف بدقة، ونحاول العثور على الحلول هناك، حيث انحرف القطار.
بالطبع، لن يفيدنا هنا خطاب “البعث” عن الوحدة والأمة الخالدة والرسالة الخالدة، والطليعة الانقلابية الثورية. ولن يفيدنا خطاب القذافي عن مواجهة مؤامرات الاستعمار، ولا خطاب الناصرية العاطفي، ولا خطاب الإسلام السياسي عن العودة إلى نهج السلف الصالح، والذي قد يجمح إلى اقتراح العودة إلى زمن الفتح، ويذهب بعضٌ، ينسب إليه، إلى سبي الجواري، وبيعهن لرفد خزينة الدولة.
ولن يفيدنا جموح مخيلة السينما، التي تذهب إلى حلولٍ من قبيل تصوير شخص يعود بآلة الزمن إلى بلدة براوناو في النمسا، أواخر العام 1888 ليضرب امرأة ألمانية اسمها كلارا على بطنها، ليجعلها تُجهض، فلا تنجب الولد الذي كان له أن يحمل اسم أدولف هتلر، ويصبح العالم سعيداً.
سيفيدنا أن نفكر بمشكلات زمننا وفق منطق زمننا، ووفق ميزان القوى الواقعي في الإقليم والعالم. ولكن نعود إلى الماضي، القريب في كل الأحوال، لنرى أين حدث الانحراف. طالما أننا نعرف من لعب بعتلة السكّة، وغيّر مسار المنطقة، وقسّم شعوبها، من ضمن ما قسّمهم، إلى طوائف وعشائر وقبائل.
سايكس، بيكو، بيل، لورنس، هرتزل، بلفور… هؤلاء أشخاص ماتوا منذ زمن طويل، خطرت لهم أفكار تخصّنا، نفذوها. عرفنا أن فيها خرابنا، لكننا حافظنا عليها برموش العين، صُنّا أفكارهم وخرائطهم وهندستهم الاجتماعية، وها نحن منذ قرن ندفع ثمن ذلك، ومع هذا نتصرّف معها تصرُّف سجينٍ لا يريد الخروج إلى العالم الحقيقي.
لنتخيّل لو أن دول الجزيرة العربية والخليج لم تكن مناطق غنية نفطياً، ولم تكتشف فيها هذه الثروة. ما الذي كان سيجري في هذا الإقليم؟ وما كان سيحدُث لهذه الخرائط؟ ألم نكن قد انتبهنا في وقت مبكر للغاية أن علينا تغيير هذا المصير؟ فالتغيير يحدث حين لا يعود بمصلحة أحد المحافظة على الواقع، لكن النفط صنع قوى كثيرة، في بلداننا وفي العالم، تتمسّك بما تقول إنه مؤامرة عليها.
في الحرب الحالية، والتي ستعود إلى الاشتعال مهما تعدّدت الهدن وطالت، لدينا فرصة لنجري مراجعة، فنحن جميعاً في خطر. ودول الإقليم كلها رخوة وحدودها رجراجة. ولا أظننا سنصل إلى شيء ما لم نرجع بتفكيرنا إلى خلف خطوط العدو.
العربي الجديد



