مقالان تناولا “العشائر السورية اليوم”

تغييرات داخل مشيخات قبلية تقليدية في سورية/ محمد أمين
17 ابريل 2026
تجري عملية تغيير للمشيخات التقليدية للقبائل والعشائر العربية في سورية ولا سيما تلك التي اصطفت إلى جانب نظام بشار الأسد أو “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، ويبدو أن الإدارة السورية الجديدة ليست بعيدة عنها، أو على الأقل لا تعارض هذه العملية التي يشكك محللون في نجاحها، كونها تتعارض مع تقاليد وأعراف متوارثة.
تغييرات في مشيخات سورية
ونصّب عدد من وجهاء قبيلة شمّر ذات الثقل التاريخي في شمال شرق سورية، في اجتماع عقد الثلاثاء الماضي في قرية الفسطاط بريف الحسكة، سيف الجربا شيخاً على القبيلة بدل الشيخ الحالي مانع حميدي الجربا الذي آلت اليه المشيخة بعد وفاة أبيه أواخر عام 2021، والذي كان على وفاق مع “قسد” والتي كانت نصبته رئيساً مشتركاً لإقليم الجزيرة ضمن الإدارة الذاتية لشمال وشرق سورية. كما أسس في عام 2014 فصيلاً عُرف بـ”الصناديد”، معظمه من أبناء قبيلة شمّر لقتال تنظيم داعش في محافظة الحسكة بجانب “قسد”. ويبدو أن عدداً من وجهاء القبيلة الأهم في شمال شرق سورية، وجدوا في تعاون حميدي الجربا ومن بعده ابنه مانع مع قوات “قسد” سبباً كافياً لتحويل المشيخة إلى فرع آخر من فروع عائلة الجربا. وفور القيام بهذه الخطوة، ظهر الانقسام واضحاً في القبيلة، إذ أعلن أحد مشايخها وهو أحمد الموح الشمري أن الاجتماع الذي عقد الثلاثاء “لا يمثلنا جملة وتفصيلاً”، مشيراً إلى أنه لا يؤيد “فكرة التلاعب بقوانين قبيلة شمّر وعشائرها ورموزها”. والمشيخة التاريخية في قبيلة شمّر لعائلة الجربا وكان لها تأثير كبير في التاريخ السياسي الحديث لسورية.
ولا يعد ما جرى في قبيلة شمّر سابقة، فمطلع العام الحالي جرى تنصيب أحمد حماد الأسعد شيخاً لقبيلة الجبور العربية في محافظة الحسكة أيضاً بدل نواف عبد العزيز المسلط، كما جرت محاولة لتنصيب شيخ آخر لقبيلة الولْدة، في محافظة الرقة. والشيوخ المنصبون حديثاً كلهم اشتركوا أو كانوا مؤيدين للثورة ضد النظام المخلوع الذي لطالما حاول استقطاب المشيخات التقليدية للقبائل والعشائر العربية إلى جانبه، بمنحهم امتيازات مادية وسياسية. وطرأ تبدل عميق على بنية القبائل والعشائر العربية خلال سنوات الثورة في ظل انقسام حاد لمواقف أبنائها ما بين موالٍ لسلطة النظام البائد، أو معارض لها ومنخرط في التشكيلات العسكرية التي أسقطت النظام في ديسمبر/كانون الأول 2024.
موقف الإدارة السورية
ولا يبدو أن الإدارة السورية الجديدة تعارض محاولات استبعاد المشايخ الذين كانوا على صلة بالنظام المخلوع وقوات “قسد”، وإنتاج وجهاء وشيوخ جدد على وفاق مع التوجه الحالي للدولة، في حين تنفي مصادر أي صلة لها بالتغييرات. وكانت هذه الإدارة عيّنت في العام الماضي، جهاد عيسى الشيخ، مسؤولاً عن ملف العشائر في رئاسة الجمهورية، وأكدت مصادر مطلعة في محافظة الحسكة لـ”العربي الجديد” أنه “لم يتدخّل في عملية تغيير المشيخات”، مشيرة إلى أن “ما يجري شأن داخلي يخص كل قبيلة أو عشيرة”.
وشكك الباحث السياسي المختص بهذا الجانب سامر الأحمد، في حديث مع “العربي الجديد”، بنجاح عملية تنصيب مشايخ جدد للقبائل والعشائر في سورية، مشيراً إلى أن “هناك علاقات قبائلية وعائلية معقّدة ربما تحول دون ذلك”، مضيفاً: “الأمر التنظيمي في قبيلة شمّر تحديداً يصعّب أي محاولة لتغيير المشيخة بهذه الطريقة”. وبرأيه “معظم القبائل والعشائر العربية في سورية مفككة، وليس هناك شيخ واحد معروف لكل قبيلة”، مضيفاً: “الموضوع معقّد جداً ولا يمكن الحكم عليه حالياً. الأمر يحتاج إلى صبر طويل لمعرفة نتائج ما يجري اليوم في القبائل”.
وتنتشر القبائل العربية في أغلب المناطق السورية، لا سيما في محافظات الجزيرة والفرات (الرقة، دير الزور، والحسكة، وريف حلب)، ولا تزال العادات القبلية العربية تحكم الجزء الأكبر من العلاقات الاجتماعية. وفي شمال شرق سورية العديد من القبائل العريقة، لعل أبرزها: الجبور، طي، شمّر، العقيدات، البقّارة، والبوشعبان، إضافة إلى عشرات العشائر الكبيرة والصغيرة تنتشر على مساحة جغرافية كبيرة تمتد من أطراف مدينة حلب الشرقية غرباً، وصولاً إلى محافظة دير الزور شرقاً.
وقال رئيس المجلس الأعلى للقبائل والعشائر السورية، مضر حماد الأسعد، في حديث مع “العربي الجديد”، إن ما حدث في قبيلة شمّر هو “تغيير مسار القبيلة السياسي والاجتماعي”، مضيفاً: “الثوار والأحرار في القبيلة ينظرون إلى المشيخة السابقة على أنها كانت ضد إرادة الشعب السوري وساعدت نظام الأسد البائد وقوات قسد، في منطقة الجزيرة والفرات”. وتابع: “التغيير لم يقتصر على قبيلة شمّر بل شمل قبائل وعشائر أخرى في كل المحافظات السورية. الكثير من القبائل أبعدت القيادات العشائرية التي أيّدت نظام الأسد أو إيران وحزب الله اللبناني وقوات قسد ومنظومة حزب العمال الكردستاني”. وأشار إلى أن “مكانة المشايخ الذين وقفوا إلى جانب الشعب السوري لم تُمس من أحد، بل تعززت أكثر بعد تحرير البلاد من نظام الأسد”، مضيفاً: “ما يحدث في سورية اليوم عملية تغيير في كل المجالات بما فيها الاجتماعي والعشائري. بعد مقتل أكثر من مليون سوري لا يمكن الإبقاء على الذين ساعدوا وأيدوا القتلة والمجرمين”.
وحول دور الإدارة السورية الجديدة في عملية تغيير المشيخات التقليدية، أكد الأسعد أن “الدولة لم تتدخّل في هذا الأمر، ولكنها تنظر إلى هذا الأمر بشكل إيجابي”. وأكد أن مجلس القبائل “لم يتدخّل”، مضيفاً: “هذا المجلس يعيّن أعضاء في مكاتبه في المحافظات، ولكن لا يمكنه أبداً تغيير مشايخ القبائل. ليس للمجلس أي دور، ولم يحضر في الاجتماع الذي عقد في الحسكة”. ولفت إلى أن المشيخة “لم تخرج عن العائلات التقليدية التي توارثتها، بل انتقلت من شخص كان يقف إلى جانب النظام البائد، إلى شخص آخر داخل العائلة وقف مع الثورة وضحّى من أجل الشعب ودافع عن سورية ووحدتها”، مضيفاً: “الدولة تركت الموضوع العشائري إلى أبناء كل عشيرة وهم يقومون اليوم بتغيير المشيخات”. وأشار إلى أن عملية التغيير “تجري بشكل هادئ وسلس”، مضيفاً: “لم تحدث انقسامات في القبائل نتيجة هذا التغيير الذي يجري في أغلب القبائل والعشائر العربية في سورية، من الحسكة إلى منطقة اللجاة في درعا”.
العربي الجديد
——————————-
العشيرة السورية.. من بنية اجتماعية إلى أداة في الاستثمار السياسي/ سلطان الكنج
أبريل 21, 2026
تعد العشيرة في سوريا واحدة من أكثر البنى الاجتماعية قدرة على التكيّف مع التحولات السياسية، إذ تقوم في جوهرها على براغماتية تقدم مصلحة زعامة العشيرة على أي انتماء فكري او أيديولوجي. هذا الطابع جعل موقفها من السلطة متغيراً بحسب الظروف، فهي قد تُظهر الولاء أو تنقلب عليه إذا اقتضت مصلحة النفوذ والبقاء. ومن هنا، ظل قرب وجهاء العشائر من مراكز القرار عاملاً أساسياً في الحفاظ على مكانتهم داخل مجتمعاتهم.
بعد استقلال سوريا عام 1946، استمر شيوخ العشائر في لعب دور سياسي مؤثر، حيث سعت الحكومات المتعاقبة إلى استمالتهم عبر المناصب البرلمانية والتسهيلات الاقتصادية. في المقابل، حافظت هذه الزعامات على شبكة علاقات مرنة تمكنها من التكيف مع تغير الأنظمة. ومع صعود حزب البعث والانقلابات العسكرية في الخمسينيات، بدأت عملية دمج تدريجي للعشائر في مؤسسات الدولة، ليصبح ولاؤها جزءاً من بنية النظام السياسي.
لكن التحول الأبرز جاء مع وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1971، حيث انتقل النظام من محاولة تقليص نفوذ العشائر إلى سياسة الاحتواء. اعتمد الأسد على زعماء العشائر كأدوات للضبط الاجتماعي، مانحا إياهم امتيازات مقابل الولاء، وفي الوقت ذاته غذى المنافسات الداخلية بينهم، ما عزز الانقسامات والعصبيات. وبهذه السياسة، تحولت العشيرة إلى أحد أعمدة السيطرة غير المباشرة للدولة، خاصة في المناطق الحساسة.
لطالما شكلت العشائر في سوريا بنية اجتماعية متماسكة، غير أن نظام الأسد عمل على تفكيك استقلاليتها تدريجياً عبر ربط شيوخها بالمؤسسات الأمنية والحزبية وتحويل دورهم من قيادة مجتمعية إلى وسطاء بين الدولة وأبناء عشائرهم. ومع سقوط النظام، وجدت العشائر نفسها أمام حقيقة سياسية، ما دفعها إلى إعادة تنظيم صفوفها واستعادة دورها التقليدي كمرجعية اجتماعية وأمنية.
سياسياً، تطرح عودة العشائر تساؤلات معقدة حول شكل الدولة السورية المستقبلية. فهل ستكون هذه التكتلات دافعة للاستقرار، أم أنها قد تعمّق الانقسامات الاجتماعية؟ الواقع يشير إلى أن الأمر يعتمد إلى حد كبير على كيفية دمج العشائر في العملية السياسية. فإذا تم الاعتراف بدورها ضمن إطار قانوني ومؤسساتي واضح، يمكن أن تسهم في تعزيز الاستقرار المحلي، أما إذا تُركت لتعمل بشكل منفصل عن الدولة، فقد تتحول إلى مراكز نفوذ متنافسة.
من ناحية أخرى، لا يمكن إغفال التغيرات التي طرأت على بنية العشيرة نفسها. فالحرب والهجرة واللجوء أدت إلى تفكك بعض الروابط التقليدية، وظهور جيل جديد أقل ارتباط بالهياكل العشائرية الكلاسيكية. هذا الجيل قد يدفع باتجاه إعادة تعريف دور العشيرة، بحيث تصبح أكثر انفتاحا وأقل تقليدية، وأقرب إلى الأطر المدنية الحديثة.
في المحصلة، تمثل عودة التكتلات العشائرية في سوريا ما بعد الأسد ظاهرة مركبة، تحمل في طياتها فرصاً وتحديات في آن واحد. فهي من جهة تعكس قدرة المجتمع على إعادة تنظيم نفسه في ظل الأزمات، ومن جهة أخرى تطرح إشكاليات تتعلق ببناء الدولة وسيادة القانون. وبين هذين البعدين، ستبقى العشائر لاعباً مؤثراً في رسم ملامح المرحلة القادمة، سواء كعامل استقرار أو كجزء من معادلة الصراع على النفوذ.
مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، أعاد نظام الأسد تفعيل شبكاته العشائرية، فاستند إلى العائلات المتزعمة وقدم لها الدعم والسلاح. غير أن المشهد كان أكثر تعقيداً إذ انخرط عدد كبير من أبناء العشائر في الثورة، مدفوعين بنقمة على البنى التقليدية التي كرست الزعامة الوراثية. وهكذا، وجد كثير من أبناء العشائر أنفسهم في مواجهة مزدوجة مع النظام من جهة، ومع القيادات العشائرية التقليدية من جهة أخرى.
في المقابل، وقفت معظم المشيخات التقليدية إلى جانب النظام أو التزمت الحياد، مدفوعة بالخوف من فقدان الامتيازات أو من غموض مستقبل الثورة. هذا الموقف لم يكن مختلفاً كثيراً عن سلوك العائلات التقليدية في المدن وفي البلدات السورية، التي رأت في التغيير تهديداً مباشراً المكانتها الاجتماعية.
فبعد سقوط النظام، اعتبرت العشائر نفسها شريكاً في النصر، ما دفعها إلى تشكيل كتلة داعمة للدولة السورية الجديدة. وقد تجلى ذلك في قدرتها على الحشد والتعبئة.
ما يميز المرحلة الحالية هو أن العشائر لم تعد مجرد وسيط بين المجتمع والدولة، بل أصبحت جزءاً من بنية الحكم نفسها، مع وجود واسع لأبنائها في المؤسسات الأمنية والعسكرية. وهذا تطور غير مسبوق في تاريخ العلاقة بين الدولة والعشائر في سوريا، حيث باتت الأخيرة ترى نفسها شريكاً في السلطة لا تابعاً لها.
في المقابل، تدرك الدولة السورية الجديدة أهمية هذا الدور، فتسعى إلى توظيفه سياسياً، حيث تتداخل العوامل العشائرية مع الصراعات الجيوسياسية. وقد نجحت دمشق في استمالة بعض شيوخ العشائر شرق الفرات، في محاولة لإضعاف خصومها وتعزيز نفوذها دون الدخول في مواجهة مباشرة.
في المحصلة، يمكن القول إن العشيرة السورية انتقلت من كونها بنية اجتماعية تقليدية إلى فاعل سياسي أساسي، يستثمر في الداخل والخارج. فهي تمتلك قدرة كبيرة على الحشد والتأثير، لكنها في الوقت ذاته تعكس هشاشة التوازنات داخل المجتمع السوري. وبينما تراها السلطة ركيزة للاستقرار، تبقى أيضاً مصدراً محتملاً للتوتر، في ظل ما تحمله من تنافسات وانقسامات كامنة.
الثورة السورية
———————————



