أزمات الداخل السوريالناستشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

القوانين النائمة… رؤى قضائية أم إيقاظ سياسي؟/ يارا حيدر

14 ابريل 2026

طُرح هذا السؤال في سورية أخيراً، على خلفية توقيف كل من ميرفت حيدر والصحافي وسام محمد، بتهمة المجاهرة بالإفطار في رمضان عام 2026، وهي قضية لها سوابق نادرة في المحاكم القضائية عقوداً.

رأى حقوقيون أن الاتهام يتعارض مع الإعلان الدستوري الذي يكفل حرية الاعتقاد، خصوصاً في غياب نص صريح يجرّم الإفطار العلني في قانون العقوبات. واستند الادعاء إلى اجتهاد قضائي من ستينيات القرن الماضي، يفسر المادة 517 المتعلقة بمخالفة الآداب العامة بطريقة فضفاضة.

ولا تعتبر هذه الحالة استثناء سورياً، فالأرشيفات القانونية في تجارب دول مختلفة، تمتلئ بنصوص تبقى ملزمة على الورق، بينما ينحو السلوك الاجتماعي باتجاه معاكس. انطلاقاً من هذه الإشكالية، تحاول المقالة معالجة مجموعة تساؤلات: هل الاجتهاد القضائي ملزم في سورية؟ هل يمكن إسقاط القوانين في بلد ما بذريعة الإهمال التشريعي؟ ما الذي يجعل قانوناً يختفي مع الوقت ثم يعود فجأة إلى التطبيق؟ وما الذي يعنيه ذلك في سياق سوري، ما زالت مؤسساته الدستورية والتشريعية قيد التشكل؟

وجود قانون لا يعني تطبيقه دائماً

تستخدم الأدبيات القانونية عدة مصطلحات، مثل القوانين المتقادمة Obsolete laws أو القوانين الخاملة (النائمة) Dormant laws، لوصف القوانين السارية ظاهرياً، لكنها فقدت فعاليّتها بمرور الزمن لأسباب مختلفة، مثل تغير الأعراف، أو عدم مجاراة الظروف التاريخية، أو استبدالها بقوانين جديدة.

كثيراً ما تُذكر القوانين النائمة في سياق التندّر على تشريعات غريبة تبدو وكأنها تنتمي إلى عصر آخر، مثل المادة 23 من قانون الأطفال في ولاية كارولينا الجنوبية في أميركا، والتي تحظر على القاصرين لعب البينبول، أو القسم 60 من قانون شرطة العاصمة لعام 1839، الذي يقيّد ضرب السجّاد في شوارع المملكة المتحدة. لكنّ هذا النوع من التشريعات قد يرتبط بقضايا أكثر حساسية، ففي ناميبيا مثلاً، بقيت بعض النصوص التمييزية الموروثة من نظام الفصل العنصري الجنوب أفريقي سارية شكلياً ثلاثة عقود تقريباً بعد الاستقلال، بحسب الأرشيفات الحكومية في الدول المذكورة.

في هذا السياق، يُجرّم الإفطار علناً بقوانين صريحة في عدة دول عربية، لكنّ تأثير هذه القوانين في بعض النماذج يكاد يكون غير ملحوظ.

ماذا لو كان القانون غير دستوري؟

إلى جانب أسباب الأفول الطبيعية للقوانين، تحظى أحكام المحاكم العليا في أنظمة القانون العام Common Law (في 80 دولة)، بقوة ملزمة على المحاكم الأدنى. من هذا المنطلق، تستطيع المحاكم العليا في بعض هذه الدول تضييق نطاق تفسير القوانين (ما يحدّ من تطبيقها)، أو تجميدها/ تعطيلها لأسباب مختلفة، مثل التعارض مع الدستور، كما في قضية Roe v. Wade عام 1973، التي جمّدت فيها المحكمة العليا الأميركية قوانين تجريم الإجهاض الولائية.

تعرف هذه القوانين المجمّدة باسم قوانين الزومبي، إذ يعتقد بعضهم أنها أميتت تشريعياً، بينما يبقى خطر إعادة إحيائها قائماً عندما تتغير الظروف السياسية أو العلاقات القضائية. على النقيض، لا تعتبر السوابق القضائية ملزمة في أنظمة القانون المدني (في 150 دولة بينها سورية)، لكنّ القضاة يميلون إلى اتباع اجتهادات المحاكم العليا في تفسير النصوص، لتجنب التناقضات والتأويل الشخصي، وهذا ما يعرف في الفقه المقارن بالاجتهاد القضائي المستقر.

قد يؤدي استقرار الاجتهاد إلى تعطيل تطبيق بعض النصوص من دون إلغائها، وعلى الرغم من أهميته في إيجاد حالة من اليقين القانوني، إلا أن قابليته للمراجعة والتعديل من جهة، وخطر استخدامه لتمرير تشريع مقنّع من جهة أخرى، قد يقودان إلى حالة معاكسة تماماً.

بناء على ما سبق، ينظّر حقوقيون إلى أنّ القوانين النائمة حتى في حال عدم تطبيقها، قد تمارس تأثيراً خفياً مدمراً على الفقه القانوني الحديث، يتمثّل في تشويه تفسيرها، أو إنفاذها الانتقائي أو التعسفي، بالإضافة إلى تقويض الثقة بتماسك القانون. وعلى الرغم من أنّ إلغاءها من تخصص السلطة التشريعية وحدها في أنظمة القانون العام والمدني، إلا أنها نادراً ما تجذب الانتباه الكافي، لارتفاع الكلفة المالية والسياسية.

في مجمل هذه المعضلة، ظهرت نظريات فقهية تتعلق بما يعرف بـ”السقوط بالإهمال التشريعي desuetude”، أي أن إهمال القانون لوقت طويل يفقده صلاحيته العملية، لكنّ هذه الفكرة لم تطبّق إلا نادراً في محاكم بعض الأنظمة القانونية الهجينة.

أقوى محكمة: إنعاش القوانين بقرار سياسي

منذ بداية القرن الماضي، شهد العالم حالات متعددة من دورة القوانين ما بين الركود والإنعاش. ففي الهند عام 2022، علقت المحكمة العليا الهندية العمل بالمادة 124A من قانون العقوبات، لتعارضها مع الدستور والحريات المدنية، وبعد عامين ألغيت المادة نهائياً من قبل السلطة التشريعية. تجرّم المادة التحريض على الفتنة، ويبلغ عمرها أكثر من 150 سنة، ظلت فيها محدودة التطبيق لعقود، قبل أن تستخدم في مطلع القرن الـ21 لقمع الناشطين السياسيين.

في قانون العقوبات التركي، تجرّم المادة 299 إهانة الرئيس، لكنّ عدد الاتهامات بموجبها لم يتجاوز 1816 خلال فترة حكم خمسة رؤساء بين عامي 1994 و2014، في حين ارتفع العدد إلى 38581 بين عامَي 2014 و2020، وفقاً لمنظمة هيومان رايتس ووتش. وتظهر أنماط مشابهة في باكستان، حيث ارتبطت التعديلات التي أدخلت على قوانين التجديف (تشديد العقوبة إلى الإعدام في بعض الحالات)، بازدياد عدد الاتهامات من 14 بين عامَي 1927 و1986 إلى 2753 بين عامي 1986 و2024، وفقاً لمركز العدالة الاجتماعية الباكستاني.

يتساءل باحثون عديدون: كيف يمكن تفسير ظاهرة الازدياد المفاجئ في عدد الحالات المرتبطة بقانون ما، خصوصاً مع تطبيق إجراءات أكثر صرامة؟ ويذهب بعضهم إلى أن ازدياد “المخالفات” المفترض لا ينبع بالضرورة من تغير في السلوك البشري، بقدر ما يعكس أثر التشديد القانوني نفسه؛ فالعقوبات القاسية والاهتمام السياسي بالقانون (من خلال إصدار التعاميم مثلاً)، قد يجعلانه أداة في نزاعات شخصية أو اقتصادية، ما يسلط الضوء على مخاطر استخدام القوانين النائمة في تعزيز الوشاية أو الابتزاز داخل المجتمعات، وفقاً لـ”المؤسسة الأوروبية لدراسات جنوب آسيا”.

بين تطبيق القانون ومخاطر السياق الانتقالي

يُعدّ النظام القانوني السوري أحد أنظمة القانون المدني، وفي الحكم 37 لعام 2020، أكّدت الهيئة العامة لمحكمة النقض (أعلى هيئة قضائية)، أنّ المصدر الأصليّ للقانون هو التشريع الصادر عن السلطة التشريعية، وأنّ للقضاة الحق في العدول عن اجتهاد صادر عنها إذا تبيّن أنه غير سليم. مع ذلك، يتعرّض القضاة منذ عقود إلى الاتهام بالإهمال المهني الجسيم والطعن بأحكامهم إذا تجاهلوا اجتهاداً قضائياً مستقراً صادراً عن الهيئة نفسها، وفقاً لموقع “Syria.law”.

في ضوء المعطيات السابقة، لا يمكن القول إن القاضي الذي يحكم لصالح الادعاء في قضايا المجاهرة بالإفطار، يتصرف خارج الإطار القانوني القائم، لكنّ صدور تعاميم إدارية داخل العدليات تشدد على تطبيق الاجتهاد، يطرح احتمال وجود توجه سياسي ذي طبيعية إيديولوجية.

ويزداد هذا الجدل على خلفية الانتقائية في بعض التطورات القضائية، فالهيئة العامة لمحكمة النقض في القرار 12 لعام 2025، عطلت العمل بالنصوص التي تقضي بالفائدة بين الأفراد، بدعوى تعارضها مع المادة الثالثة من الإعلان الدستوري، التي تنص على أنّ الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيس للتشريع. ورأى بعض الحقوقيين في قرار المحكمة خروجاً عن صلاحياتها، وأن التصدي لدستورية القوانين اختصاص المحكمة الدستورية.

في الختام، تكتسب مسألة الانتقائية في إنعاش القوانين أو إخمادها حساسية إضافية في السياق السوري، فالسلطة التشريعية والمحكمة الدستورية لا تزالان قيد التشكل، إلا أن آلية تشكلهما ترتبط حالياً بدرجة كبيرة بقرارات السلطة التنفيذية، ما يطرح تساؤلات يصعب حسمها في لحظة كهذه: ما مدى تنوع الاتجاهات القانونية والفكرية التي قد تشارك في مراجعة القوانين؟ وهل ستوظف هذه الجهات لخدمة أيديولوجيات محددة؟ أم لحماية حقوق جميع السوريي

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى