أبحاثسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

عبد الرزاق المهدي وابن البوطي: في طبقات السجال الديني السوري الآن/ حسام جزماتي

14-04-2026

        يصلُح الخلاف الذي حصل في البيئة المشيخية الدمشقية، خلال الأسبوعين الفائتين، لأن يكون نموذجاً عن طبيعة الصراع الديني الراهن في سوريا بعد التحرير.

        بدأ الجدل عندما انتشر مقطع مصور من أحد دروس الشيخ عبد الرزاق المهدي وهو يقول كلاماً قاسياً، معتاداً في الأوساط الثورية، عن الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي. مما أثار حفيظة ابن الأخير، عبد الرحمن، فكتب رسالة علنية للرئاسة والمفتي ووزير الأوقاف، يحذّر فيها من استخدام المساجد للفتنة والتحريض على حد تعبيره. وأيّده في هذا كثير من أبناء البيئة المشيخية في دمشق وخارجها، فيما انبرى كثيرون آخرون للدفاع عن موقف المهدي ولاستعادة خطب البوطي المعروفة في تأييد الأسدين.

        لا يمكن فهم مدى أهمية هذا المثال إلا بالتعريف بالمهدي، الذي ربما يُشكّل ظاهرة في المستقبل القريب، وعرض وجوهه الثلاثة.

        ولد عبد الرزاق المهدي في حيّ الصالحية على كتف دمشق في العام 1961. وفي السادسة عشرة من عمره التحق بمعهد الفتح الإسلامي حيث تلقى العلوم الإسلامية وفق المناهج التقليدية؛ الأشعرية في العقيدة والحنفية في الفقه والمتصلة بفضاء الصوفية. غير أنه وجد طريقه الخاص إلى الاشتغال بعلوم الحديث التي قادته إلى تبني المنهج السلفي. ونتيجة لذلك لم يمنحه مزيج الأمن والأوقاف حياة مشيخية طبيعية، فتراوحت مسيرته بين سنوات طويلة من المنع من الخطابة والتدريس وبين ثغرات قصيرة استطاع فيها ممارستهما. فلجأ إلى تحقيق الكتب طريقاً لخدمة العلم الديني ومصدراً للرزق، مما كان يراكم له اسماً صعد ببطء حتى صار البعض يُطلق عليه أخيراً لقب «محدّث الديار الشامية». وهي رتبة، كما يقول خصومه ويوافق هو، أكبر من واقع الحال.

        اعتنق المهدي السلفية العلمية المعتدلة، على مذهب شيخه عبد القادر الأرناؤوط، غير أن حماسه كثيراً ما قاده إلى تجاوزها نحو شيء من الحركية من دون التزام بمنهج سياسي إسلامي مُحدّد سوى «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» قدر الاستطاعة التي كثيراً ما توسع فيها. ولذلك صار نموذجاً قليل التكرار في دمشق، عندما سُمح له بالخطابة بين عامي 2003 و2004، فأصبح مقصد الشباب المنفعل بأحداث ذلك الزمن؛ هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 والغزو الأميركي للعراق 2003. ومن هؤلاء كان، كما سيذكر لاحقاً، أسعد الشيباني (وزير الخارجية في الحكومة الحالية) ومظهر الويس (وزير العدل فيها) ومرهف أبو قصرة (وزير الدفاع) والقيادي في الظل يوسف الهجر.

        عندما اندلعت الثورة في العام 2011 لم يُطق الشيخ السكوت، ولم يكن يملك منبراً للكلام، فآثر الهجرة إلى أرض الله الواسعة التي صدف أن كانت تونس، حيث أقام حتى نشأت ظاهرة المناطق المحررة في الشمال، فالتحق بها منذ مطلع 2014 وحتى مشاركته، الشرعية والتحريضية ببندقية رمزية، في معركة «ردع العدوان» التي أعادته إلى الشام.

        خلال ذلك العقد تجلى الوجه الثاني؛ «المجاهد» من دون أن يكون جهادياً، والشيخ الثائر الذي لم ينتمِ إلى فصيل سوى لأشهر قليلة إلى «هيئة تحرير الشام» عندما كانت قيد التأسيس وتَعِد بأن تكون وعاءً موحداً الجميع. لكنه اشتغل، في تلك السنوات الطويلة، بالتدريس الذي تبلور في «معهد الإمام البخاري» للعلوم الشرعية وتحفيظ القرآن الكريم، الذي أنشأه في مدينة سلقين، حيث كان يقيم، وامتدت فروعه، للذكور والإناث، إلى مدن متعددة من المناطق المحررة ومخيماتها.

        في العام 2024 سيبرز الوجه الثالث، المعارض، للشيخ. فوقتها ثارت المظاهرات ضد قيادة «هيئة تحرير الشام» بسبب ما انكشف من ممارسة التعذيب المُفرط في سجونها الأمنية، ولهيمنتها على السلطة في إدلب بلا شورى، وفرضها ما أرهق حياة الناس من رسوم وضرائب مرتفعة.

        أيّد المهدي أهداف «الحراك» وتصدّر بعض مظاهراته ونادى بمطالبه. مما دفع قائد «الهيئة»، أبا محمد الجولاني وقتئذ، إلى لقائه مرتين. في الأولى، كما يروي الشيخ، كان الحديث مريحاً جداً، يُظهر الاحترام والتقدير ويُلمّح إلى الامتناع عن المشاركة في المظاهرات. وهو ما لم يستجب له فعلياً فتوتر اللقاء الثاني الذي قال فيه الجولاني إنهم قد حسموا أمرهم بعدم السماح بالتحركات الشعبية بعد ذلك. وبما أنهم يحبّون الشيخ ويحترمونه، لسنّه وعلمه، فإنهم يخشون أن يناله أذى من «الشباب» الأمنيين حين سيَقمعون المحتجين!

        من لقاء جمع الشرع بالشيخ عبد الرزاق المهدي في أيار (مايو) 2024

        كفَّ الكهل النحيل، الذي لم يكن يريد أن يتعرض لأذى الشباب طبعاً، عن الخروج في المظاهرات. وإن لم يتوقف عن تأييدها من منبره الذائع على تلغرام، مما جعله مادة متكررة لحملات حادة من تشويه السمعة، شارك فيها إعلاميون معروفون في المناطق المحررة، وحسابات رديفة. حتى دفعه ذلك إلى الكتابة لتلميذه السابق أسعد الشيباني، الذي كان باسم زيد العطار: «… يا أبا عائشة.. معلوم أنك المسؤول الأول عن إعلاميي الهيئة الرسمي والرديف ومبدعون… سؤال أوجهه لك: لماذا الإعلام الرديف وبعض الأمنيين عبر صفحاتهم وقنواتهم يطلقون أقلامهم وألسنتهم بالسب والشتم والسخرية والتخوين ولا تنهاهم عن ذلك.. قيادة الهيئة تعلم يقيناً أني ما شتمت ولا سببت أحداً منكم… نعم أنتقد الخطأ وأتكلم عن المخالفات الشرعية وأدعو إلى إصلاحات حقيقية فهذا نهجي وطريقي».

        على كل حال كان ذلك قبل قرابة ثلاثة أشهر من قرار المهدي منفرداً، وهو يواكب متطوعاً القوات المتجهة إلى دمشق، بأن طي صفحة الماضي صار لازماً بعد الانتصارات الجارية وقتئذ، ويوجّه الشكر إلى قوة «الهيئة» الضاربة في المعركة وإلى مطلقها الجولاني، ثم يُبارك اختيار أحمد الشرع رئيساً إثر «مؤتمر النصر» ويعدّه «ولي أمر».

        غير أن هذا لم يكن رأي الطرف الآخر، كما يبدو، الذي لم يفارقه الانزعاج من مطالبة المهدي بالإفراج عن المعتقلين في سجون إدلب، وبعض الانتقادات الأخرى. فقرر عدم منح الشيخ، الذي يُلحق باسمه لقب «الدمشقي» عادة، منبراً ثابتاً في مدينته.

        ترسم الأشهر التالية بعد التحرير، «الفتح» بتعبير المهدي، صورة علاقة مضطربة استُخدمت فيها مديريّتا أوقاف دمشق وريفها وسيلةً لإفهامهِ الحدودَ التي عليه ألا يتجاوزها. وحملت الرسائل الشفوية، وتقطّع التكليفات له بالخطابة لمرة واحدة هنا وهناك، مضموناً واحداً هو عدم التدخل في ما لا يعنيه وترك الأمور لقيصر. وعلى الرغم من أنه أبرز مشايخ السلفية في البلاد إلا أن هذا لم يكن عائقاً ذا بال عندما قرر الاستجابة، على مضض وبالحدِّ الذي يستطيعه، فتم تعيينه خطيباً ومدرساً في جامع يليق مكانه ومكانته بموقع المهدي، هو جامع «تنكز» أمام سوق الحميدية. ولسبب ما كان هذا الجامع يُعرف باسم «دنكز» عندما حاز شهرته الحديثة من الدرس الذي كان يلقيه فيه محمد سعيد رمضان البوطي.

        وبالعودة إلى هذا الأخير، وابنه وأنصاره، لم يحتل الخلاف السلفي الأشعري، الشهير في الهواجس، موقعاً مهماً من السجال الحاصل. بل تركّز الفالق بين المعسكرين على مسألة الموقف من النظام، تأييداً له أو سكوتاً عنه من قبل الشيوخ الذين ظلّوا في مناطق سيطرته، وبالمقابل الخروج عليه ومن العاصمة التي حكمها، والعودة إليها من إدلب، حتى ولو كانوا من أي مدينة.

        في الإدارة الدينية لسوريا اليوم يلعب الموقف من النظام والثورة دوراً أول، وأهم من الخلاف في مسائل العقيدة، الذي يأتي ثالثاً بعد الموقف من السلطة الحالية والقابلية للاندراج في مشروعها.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى