العلاقة بين الدولة والمجتمع: تطور مفهوم المواطنة والمشاركة السياسية/ هولير حكيم

المواطنة لا تُبنى على الدم بل على أساس الحقوق المتساوية
2025-07-30
لم يكن “القائد الخالد” مجرد لقب يُطلق على حافظ وبشار الأسد، بل اختصاراً لطبيعة العلاقة التي سادت بين الدولة والمجتمع خلال حكمهما، والتي تميزت بالاستبداد، وتأليه الحاكم، واحتكار السلطة، وقمع المعارضة، وتأجيج الانقسامات الطائفية لضمان البقاء في الحكم.
ومع سقوط النظام السابق وتولّي أحمد الشرع رئاسة البلاد، لا يمكن القول إن سوريا دخلت مرحلة ديمقراطية مكتملة، إذ لا يكفي نقل السلطة أو إجراء إصلاحات شكلية لتحقيق تحوّل سياسي حقيقي. فالعلاقة الجديدة بين الدولة والمجتمع يجب أن تُبنى على أسس مختلفة، تشمل المشاركة السياسية الفاعلة، وتكريس مفهوم المواطنة، وتجاوز الانقسامات الطائفية والعرقية، لبناء دولة قوية ومستقرة وهوية وطنية جامعة.
إشكالية التأسيس السوري: تعقيدات البنية المجتمعية والسياسية
تواجه سوريا اليوم إشكالية تأسيسية عميقة تتعلق بإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع. هذه الإشكالية ليست جديدة، بل تعود إلى نشأة الدولة نفسها، وما رافقها من نزاعات داخلية وتدخلات خارجية، وصراعات طائفية وعرقية تفاقمت بمرور الوقت. ويؤكد مراقبون أن غياب مشروع وطني جامع يحترم تعددية المجتمع السوري القومية والدينية والسياسية، هو من أبرز أسباب تعثّر هذا التأسيس.
وفي ظل تنوع المجتمع السوري (عرب، أكراد، أرمن، شركس، تركمان…) وتعدد طوائفه ومذاهبه واتجاهاته السياسية، فإن أي مشروع لبناء الدولة لا بد أن ينطلق من احترام هذا التعدد، ورفض ممارسات الإقصاء والتهميش التي سادت خلال 53 عاماً من حكم عائلة الأسد.
المواطنة: من الغياب إلى فرصة التأسيس الجديد
المواطنة في سوريا لم تكن مفهوماً فعّالاً طوال العقود الماضية، بل ظلت علاقة شكلية بين الفرد والدولة، خالية من مضمون المساواة والحقوق. ويؤكد سامر كعكرلي، سكرتير المكتب السياسي في حزب اليسار الديمقراطي السوري، في حديثه لصحيفة “+963″، أن الحديث عن المواطنة لا يمكن فصله عن السياق التاريخي الذي مرت به البلاد منذ دستور 1920، وما تلاه من أنظمة استبدادية.
ويضيف كعكرلي أن حكم آل الأسد الممتد لأكثر من نصف قرن جعل من المواطنة ترفاً سياسياً، تم تهميشه ثم تدميره بشكل ممنهج. وعند انطلاق الثورة في عام 2011، برزت فرصة لتأسيس مفهوم جديد للمواطنة، لكنها ضاعت مع صعود تيارات الإسلام السياسي.
ويشير كعكرلي إلى أن إسقاط النظام السابق بعد 14 عاماً من الصمود أعاد طرح المواطنة كأولوية، إلا أن الواقع الحالي لا يبشّر بخير، في ظل ما تشهده بعض المناطق مثل السويداء والساحل من اضطرابات وتدخلات عشائرية، ما يعكس هشاشة العلاقة بين الدولة والمجتمع.
ويؤكد كعكرلي أن المواطنة لا تُبنى على أسس طائفية أو قومية، بل على المساواة في الحقوق والواجبات، في ظل دولة القانون والعدالة، وهو ما لم يتحقق بعد برأيه.
المشاركة السياسية: بين احتكار السلطة وتعددية مأمولة
أحد أوجه الخلل في العلاقة بين الدولة والمجتمع يتمثل في المشاركة السياسية، التي ظلت طوال عقود حكراً على الحزب الحاكم ومن يدور في فلكه. واليوم، ومع التحولات الجارية، يطرح السؤال حول طبيعة التعددية السياسية الممكنة في سوريا.
يُحذر كعكرلي من الوقوع في فخ “التعددية الديكورية”، التي تفتح المجال لقوى طائفية أو رجعية للتسلل باسم التمثيل، مشدداً على ضرورة بناء تعددية تقوم على برامج فكرية واقتصادية واجتماعية، تنطلق من المواطنة لا من الانتماءات الضيقة.
ويرى كعكرلي أن الحكومة الجديدة، رغم تغير الوجوه، لا تمثل تعددية حقيقية، بل تسعى للاحتكار مجدداً، ما يُفقد العملية السياسية معناها. ومع ذلك، يدعو إلى التعاون مع “سلطة الأمر الواقع” لتفادي الانزلاق إلى حرب أهلية، مع ضرورة توجيه النقد البناء لأي أخطاء ترتكبها.
ويشدد على أن الدستور هو الأداة الأهم لضمان المساواة، ويجب أن يُصاغ بطريقة لا تميّز بين المواطنين، وألا يعتمد الشريعة الإسلامية كمصدر وحيد للتشريع، بل يراعي التعدد الثقافي والديني في المجتمع.
معوّقات بنيوية في بناء العلاقة الجديدة
من جانبه، يرى الدكتور آصف ملحم، مدير مركز “جي إس إم” للأبحاث والدراسات، أن الاستبداد السياسي واحتكار السلطة من أبرز العوائق أمام تحقيق مواطنة حقيقية في سوريا، معتبراً أن السلطات الجديدة تعيد إنتاج هذا النمط، ما يعمّق الانقسامات المجتمعية، خصوصاً في ظل أطماع إقليمية متزايدة من تركيا وإسرائيل.
ويشير ملحم إلى أن مجازر ارتُكبت بحق أبناء الطائفتين العلوية والدروز أدت إلى استياء شعبي من الحكومة الجديدة، ما يعكس هشاشة الثقة بين المجتمع والدولة. ويرى أن تحقيق العدالة الانتقالية والمساءلة ضرورة لإعادة هذه الثقة وبناء مواطنة قائمة على المساواة والاحترام المتبادل.
ويؤكد أن غياب التوافق الوطني حول الإعلان الدستوري الصادر في 13 آذار/مارس، وغموض المادة (24) الخاصة بانتخابات مجلس الشعب، وغياب مكوّنات رئيسية عن مؤتمر الحوار الوطني في شباط/فبراير، جميعها عوامل ساهمت في تعميق الفجوة بين الحكومة والمجتمع، وأضعفت ثقة المواطنين بأي إجراءات لاحقة.
نحو إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع
يرى ملحم أن الأزمة الأساسية تكمن في غياب مؤسسات شرعية تمثّل الشعب السوري بكل أطيافه. ومن دون تمثيل شرعي معترف به دولياً، لا يمكن منح العملية السياسية مصداقية، ولا بناء علاقة صحية بين الدولة والمجتمع.
ويعتبر أن تجاوز هذه المعضلة هو الخطوة الأولى في بناء دولة جديدة، ويشدد على أن المصالحة الوطنية، وفصل الدين عن الدولة، وإعادة بناء مؤسسات سياسية وقضائية وتشريعية تمثل الجميع، تُعدّ ضرورات لا بد منها لبناء سوريا ديمقراطية وذات سيادة.
إن العلاقة بين الدولة والمجتمع في سوريا تمر بمنعطف حاسم، ومفهوما المواطنة والمشاركة السياسية يشكلان حجر الأساس في أي عملية إعادة تأسيس حقيقية. من دون إصلاح هذه العلاقة، لا يمكن بناء دولة مدنية قادرة على ضمان الاستقرار، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وحماية حقوق جميع مواطنيها في ظل نظام ديموقراطي شامل.
+963



