ياسين الحاج صالح: “التمرّد واجب في كل وقت…” الجزء الأول والثاني

علي جازو
12.09.2025
زار ياسين الحاج صالح سوريا بعد سقوط نظام الأسد، وسنوات من المنفى، هو المعتقل السابق والكاتب في الشأن السوري، وزوج سميرة الخليل، الناشطة السياسية، التي اختفت قسراً في غوطة دمشق عام 2013. الحاج صالح الذي يكتب عن سوريا منذ سنوات، في هذا اللقاء مع الشاعر والصحافي على جازو، يحدثنا عن سوريا بعد سقوط النظام، والثورة، والمأساة السورية، والصراعات الجديدة التي نشهدها في ظل الحكومة المؤقتة.
وصف فرانسوا ميتران الأسد الأب بأنه مزيج من الصبر والعنف. فإذا أضفنا إليهما “الأبديّ”، صرنا أمام عنف بلا نهاية، وبالتالي بلا معنى. في الطور الثاني من الأبدية البائدة مع الأسد الابن، وجدنا سوريا كما خلصت أنت في كتاباتك أكثر من مرة رازحة تحت نوع من الحكم السلطاني، ماذا عنى لك على الصعيد الشخصي كل هذا الإرث الباهظ ليلة الثامن من كانون الأول 2024؟
كنت سعيداً جداً بسقوط النظام. كانت تلك نهاية كبيرة، زلزالية، وكان يمكن أن تعقبها بداية كبيرة، لكن ما وقع في الشهور اللاحقة كان صغيراً وضيقاً وأنانياً، وغير لائق بصراع كبير ومعاناة مهولة، مثل صراعنا ومعاناة ما لا يُحصى منا بعد الثورة، وقبلها خلال نحو جيلين.
بعد سكرة الابتهاج بنهاية الأسدية، جاءت الفكرة بالتدريج، فكرة أني على الصعيد الشخصي خسرت شيئاً مهماً جداً: العدو. حين تكون في اشتباك طوال ثلاثة أرباع عمرك مع خصم، يصير جزءاً منك، تتشكل انفعالاتك واستعدادك السياسي الرئيس ومواضيع كتابتك ومساجلاتك الضمنية متشكلة كلها بهذا الصراع الطويل. لقد كان صراعاً مُعرّفاً لي، مشكلاً لهويتي، إلى حد أنه يمكنك القول إن سقوط الحكم الأسدي أدخلني في أزمة هوية، أحاول أن أعطيها حقها وأخرج منها بتروٍّ، وأقدّر أن ذلك سيأخذ وقتاً لا أستطيع تقديره.
يقتضي الأمر ما يقارب حداداً على العدو، وداعاً لائقاً له، هما في الواقع حداد على جانب من النفس ووداع لحقبة طويلة من العمر. أحاول القيام بذلك عن طريق استحضار الحقبة الأسدية وإدراجها في الكتابة في سياق أطول، تاريخ سوريا المعاصرة منذ البدء، أي بصورة ما إدراك معقوليتها. ما أرفضه هو التعامل معها كعقود ضائعة وبلا معنى، والبدء اليوم من الصفر أو العودة إلى ما قبلها. هذا مسلك طائش، يشبه تعامل بعضنا مع تجربة السجن كخسارة محض أو سنوات ضائعة من العمر. يبدو لي أن من فعلوا ذلك منا بتروا شيئاً من أنفسهم، وحرموها من تطوّر نشط ومنتج بعدها.
فرص سوريا في الديمقراطية والتنمية السياسية وثيقة الصلة بالاعتراف بالحقبة الأسدية كطور عضوي من تاريخ البلد، يغطي نصف كامل تاريخ سوريا المعاصر. عكس ذلك عدمية، وتأسيس لطغيان طائفي لا يمكن أن يشبه شيئاً أكثر من شبهه بالحكم الأسدي. ننفصل جدياً عن الأسدية بتذكّرها والانكباب عليها، وليس بلعنها وتناسيها.
هناك جهد مواز للحداد المزدوج والانفصال عن الأسدية لا أريد الكلام عنه هنا.
اليوم، هناك حقل جديد للصراع واستقطابات جديدة، والمشهد عنيف جداً فيزيائياً ورمزياً. الحاجة الى تفكير نقدي متروّ ربما تكون أشد من أي وقت مضى.
انتهت المأساة السورية العامة بسقوط “نظام الأبد “ليلة الثامن من كانون الأول 2024. على الأرجح هي لم تنته. نحن أمام مآسي جماعات سورية الآن. مجازر الساحل ثم السويداء. والخشية مما يمكن أن يتعرض له سكان مناطق الإدارة الذاتية الكردية. هل يمكن القول إن المأساة نفسها تتفرق وتتمزق وتتباعد عن أصلها ومنشأها. أم أن الأمر كان بالأساس على نحو يشبه الآن لكننا لم ننتبه إليه أو انتبهنا غير أننا لم نقرّ به ونتخذه مدخلاً لفهم أوضاعنا ثم تجاوزها ومعالجتها إن أمكن، أي الإقرار لا بوحدة سوريا، بل بكون سوريا بلداً قابلاً للوحدة، أم العكس ربما لم تعد هناك وسائل وشروط تدعم هذه الوحدة؟
لم تنته المأساة، دخلنا في طور جديد من الصراع، وليس في سلم سوري واسع القاعدة.
أعتقد أن سوريا مثل غيرها من البلدان، قابلة للوحدة مثلما هي قابلة للتفرّق والانقسام. الأمر رهن بكيفية إدارة التمايزات الاجتماعية الموروثة، وتعظيم القواسم المشتركة وتوسيع الأرضيات الجامعة. لا تتوافق مصالح الناس من تلقاء نفسها حتى لو لم يكونوا متعددي المنابت والجذور، التوافق مسألة حسن سياسة وحسن تدبير للمنازعات المحتملة. ما حصل خلال معظم تاريخ البلد، وهو ليس بالتاريخ الطويل، بالكاد 107 سنوات، هو بالعكس، رعاية الانقسامات والنشر المتعمد لعدم الثقة والارتياب. هذا صحيح خلال معظم الحقبة الأسدية التي تغطي وحدها أكثر من نصف تاريخ البلد، وصحيح خلال سنوات الانتداب الفرنسي التي تغطي ربع تاريخ سوريا، ويبقى لدينا نحو ربع قرن بين الاستقلال وعام 1970 بسجل مختلط.
في سنوات هذا السجل المضطربة حدث شيء استثنائي: زوال سوريا انتحاراً في الوحدة مع مصر. هرب السوريون العاجزون عن حلّ مشكلاتهم إلى حلّ بلدهم في كيان آخر. هذا المنزع الانتحاري يجب إبقاؤه في البال كي نفهم البلد أفضل.
سوريا ربما تختلف بعض الشيء عن غيرها في أنها بلد بلا تقاليد فوق كونها فتية الكيان، وما عرفه تاريخها من نزعات متطرفة، قومية عربية وإسلامية وطائفية، يحيل في رأيي إلى فقدان التقاليد لا إلى قوتها. وهذا مدخل محتمل إلى الإبداع، لكنه مدخل مرجح إلى العنف الفائق. وقد خبرنا عنفاً فائقاً، جعل من سوريا مسلخاً بشرياً. والصفحة لم تطوَ، ووراءنا سلفاً موجتان من المجازر.
هذا بلد تراجيدي فعلاً، تاريخه خلال ثمانية عقود بعد الاستقلال يتراوح بين غير مستقر وعنيف جداً. لكن وعي النخب السورية، السياسية والثقافية والدينية، هو وعي ميلودرامي بالأحرى، يفكر في الصراعات السورية بأنها صراعات بين حق وباطل، وليس بين حق وحق بحسب تعريف أرسطو للمأساة. هذا منشأ محتمل للتطرف والمنازع الإلغائية والعدمية من جهة، ولفقر تفكيرنا السياسي والأخلاقي والديني من جهة ثانية. نحتاج إلى روح الاعتدال والديمقراطية، الروح التي تقبل بتوزع الحق بين الناس وتعمل على تنمية فرص التفاهم عبر النقاش المعقول والبحث عن الحلول السياسية للمشكلات الاجتماعية.
فإذا كنت تسألني: هل أصوّت للوحدة السورية أم للتقسيم، إجابتي هنا هي الوحدة. لدينا بلد عمره فوق قرن، يعاني من مشكلات كثيرة، لكنها غير عصيّة عن المعالجة والإصلاح. بالمقابل، أرى أن الكيانات البديلة التي يتم التفكير فيها ستحمل كل مشكلات سوريا اليوم، وقد لا يتماسك أي منها من دون تطهير عرقي ومذابح إبادية، فضلاً عن أنها ستكون أطراً أضيق للتفاعل البشري والترقي السياسي والأخلاقي. لكن الوحدة يمكن أن تأخذ أشكالاً مختلفة: لا مركزية بسلطات محلية حقيقية (ويجب أن تكون منتخبة حتى تكون حقيقية)، أو اتحادية (فدرالية)، أو صور من الحكم الذاتي الأهلي. وعلى ضوء تجاربنا الأحدث وطوال زمن ما بعد الاستقلال، فإنه لا بد من ابتكار جديد للوحدة السورية. أصوّتُ ضد الوحدة السورية القديمة، مثلما ضدّ الانفصال.
هل يمكن الحديث اليوم عن سوريا عشائرية مثلما يقال سوريا الطائفية أو الإسلامية أو البعثية. أقصد النزعة التبعية التي تستولي على الحيز العام، وهي ضمناً نزعة طاردة للقيم المدنية المشتركة؟
أليس ذلك نتاج ضعف الوطنية السورية وصعود قوة الهويات الفرعية والروابط الأهلية؟ هذا ما أراه. أكثر مما أننا نعاني من أزمة وطنية حادة، نحن نعاني من أزمة مواطنة مزمنة، تمت التغطية عليها بتحويل الوطنية إلى أيديولوجية وقاعدة للولاء لمن في السلطة. البعثية والإسلامية تحجبان أزمة المواطنة باقتراح أمتين غير مطابقتين لواقع الكيان السوري المعاصر وتاريخه، واشتقاق الوطنية منهما حصراً. هذا غرّبَ غيرَ العرب عن سورية البعثية قومياً، وغرّبَ الجميع حقوقياً ومواطنياً. واليوم تجنح الإسلامية إلى تغريب غير المسلمين وغير المسلمين السنيين دينياً ومذهبياً، وتغريب الجميع مواطنياً وحقوقياً كذلك. والمعالجة الصحيحة لهذا الوضع المناقض لمنطق الدولة- الأمة (الدولة هي سوريا والأمة هي السوريين) وللعدالة هي المواطنة المتساوية. العشائرية والطائفية هما نتاج التمييز، وبخاصة حين تمارسه السلطات العمومية. لا ينبغي أن تكون هناك مشكلة في تصوري في الولاء التفضيلي لأفراد أو مجموعات لجماعتهم الأهلية، يلتمسون فيها الثقة والدفء والأمان. المهم منع المنطق الأهلي من التسرّب إلى الدولة.
والمواطنة ليست الحل السحري لجميع المشكلات، إنها الشرط اللازم وغير الكافي لقيام الدولة الأمة. هناك حقوق ثقافية ودينية للجماعات، لا ينبغي أن يحول دونها حائل. ثم هناك جبهات الصراع الاجتماعي والسياسي لمحاربة الفقر والبطالة ومشكلات التعليم والصحة، وهي جبهات النضال المتجددة في بلد استطاع الوقوف على قدميه.
الحديث عن فدرلة سوريا أو حتى تقسيمها أصبح متداولاً على نحو يومي وكثيف. يترافق ذلك مع عنف منفلت إذا ما استمر واتسع صرنا في الطور الثاني من تدمير سوريا كدولة ذات حدود متعارف عليها إلى اليوم على الأقل من الناحية النظرية. في ضوء التطورات الأخيرة، ما السيناريو الأقرب لمستقبل سوريا: من دولة موحّدة شديدة التمركز، إلى لا مركزية واسعة، أم تقسيم فعلي يخضع لشروط الأمر الواقع التابع لسيطرة الميليشيات؟
كما قد تتوقع، فإن إجابتي هي ضد المركزية المناقضة للديمقراطية وللتعدّد السوري متعدد المستويات، وضد التقسيم كذلك.
مع اللامركزية، إذاً؟ أعرف أن هناك من يتكلمون عن الفدرالية كثيراً، لكن يبدو لي أنهم إما لا يعرفون الخرائط الجغرافية الديمغرافية السورية، أو يعرفون ولا يبالون، إن بدافع الطمع أو المزايدة أو الطيش. ما هي الأقاليم الفدرالية السورية؟ وعلى أي أساس نميز بينها؟ جغرافي أو إثني و/أو ديني؟ إذا كان التمييز جغرافياً، فالكلمة الأنسب لذلك هي اللامركزية وتعزيز السلطات المحلية في المحافظات، أو توزيع مغاير للأقاليم السورية، يستند إلى اعتبارات تنموية وإدارية وغيرها، مثلاً إقليم الجزيرة (الرقة ودير الزور والحسكة) وإقليم حلب وتتبعه إدلب، وإقليم الوسط (حمص وحماه)، وإقليم الساحل (اللاذقية وطرطوس) وإقليم دمشق وإقليم الجنوب (درعا والسويداء والقنيطرة). أو ربما نخص كلاً من الحسكة والسويداء بإقليم بالنظر إلى ثقل الكرد في الأولى والدروز في الثانية، وضرورة أن ينعكس هذا الثقل في إدارة إقليميهما. أما إذا كان المعيار إثنياً/ دينياً، فأين نضع حدود الأقاليم الفدرالية؟
لا الكرد ولا العلويون، ولا حتى الدروز، يتمركزون في مناطق جغرافية تشكل أقاليم متصلة. المناطق التي تسيطر عليها قسد اليوم ربما تكون أكثريتها من العرب. وإذا فكرنا في الحدود الشمالية لسورية، فإن مناطق الكثافة الكردية متقطعة، من دون أن يكون ذلك ذنبَ أحدٍ. هناك مُذنب بعثي بخصوص الحزام العربي، لكن الحزام يغطي أقل من ثلث الحدود السورية التركية الطويلة، نحو 275 كم من أكثر من 900. تل أبيض ومنبج وجرابلس بأكثرياتها العربية ليست ذنبَ أحدٍ. والعلويون منتشرون اليوم، ومنذ ستين عاماً على الأقل، في مناطق من حمص ودمشق، وبالطبع مدن اللاذقية وطرطوس وجبلة وبانياس، التي يسكنها كذلك سنيون وبعض المسيحيين. والمسيحيون منتشرون في معظم أرجاء البلد من ديريك إلى اللاذقية، ومن إدلب إلى درعا والسويداء. السويداء فيها أكثرية درزية كبيرة جداً، لكن ربما يقيم أكثر الدروز في جرمانا وأشرفية صحنايا.
هذا للقول إن الذهنية التي تحكم الكلام عن الفدرالية والتقسيم اليوم على قرابة مع الذهنية التي عولجت بها مشكلات البلد طوال عقود: مزيج من جهل الوقائع ومن الانتهازية واللامبالاة بالعواقب. هذا هو التفكير الذي يجب أن نطلقه لا الذي نتمسك به. وهو ما ينطبق أكثر على دعوات التقسيم. فلماذا لن تقوم حروب على الأرض والموارد والسكان بين السوريات الصغيرة الجديدة؟ وإذا كان تكوُّن هذه السوريات الأصغر نتيجة إرادة انفصال بعض المناطق، وهو ما يتماهى به البعض أكثر من غيرهم في هذه المناطق ذاتها، فكيف لا تحدث صراعات عنيفة بين من يريدون الانفصال ومن لا يريدون؟ أخشى أن هذه الدعوات استمرار مختلف للنزعة الانتحارية التي رأيناها في الوحدة السورية المصرية. سوريا مريضة بالفعل، والصحيح معالجة المرض وليس قتل المريض. والمرض اليوم هو حكم فئوي متطرف، أرى أن الصحيح توحيد القوى لمواجهته، وليس تقسيم البلد إلى كيانات سترث مشكلات سوريا الكبيرة، من دون أن تملك ذاكرتها وتاريخها.
إن أفضل موقف متحفظ، ومحافظ إذا شئت، هو الذي يعمل على إصلاح ما باليد، بدل التعجّل في دفن شيء ليس عصياً عن الإصلاح، ويشكل كياناً أغنى إن أصلح.
يجب أن أضيف أني لا أعبدُ وحدة سورية ولا يثير جزعي تقسيمها. الأولوية للحرية وكرامة الناس وليس لوحدة البلدان، وسوريا الموحدة التي أدافع عنها هي فقط التي تؤسس وحدتها على حرية وكرامة مواطنيها كلهم، أفراداً وجماعات.
ثمة مقولة لهنري برغسون: “إذا أردت أن تلغيني صنفني”. يقصد برغسون أن للإنسان هويات متعددة، وحصره ضمن نطاق هوية وحيدة هو إلغاء لهوياته الأخرى، وبالتالي إلغاء له بكليته. هل هذه هي حال سوريا اليوم، أي في دوامة الإلغاء المتبادل. وما عواقب هذه الحال؟
التصنيف منطق هويات، إلحاق الأفراد بالجماعات، جماعات الأصول، والحكم المجمل على هذه الجماعات بأنها كذا. وهذا المنطق في صعود في سوريا منذ عقود، بارتباط مع الاستخدام السلطوي للوطنية وأزمة المواطنة من جهة، ومع تراجع أيديولوجيات العمل على الصعيد العالمي، أعني الدعوات إلى تغيير العالم والثورة. فور تداعي الشيوعية السوفياتية ومعسكرها، وكانت في تخثّر وجمود طوال عقدين قبل السقوط على الأقل، صعدت أيديولوجيات الهوية والنزعات الحضاروية التي تعرّفُ الحضارات بالعقائد والأديان، أي بالماضي. في أزمنة التغيير، تتصدر ثنائية الذات والموضوع، وفي أزمنة الهوية تتصدر ثنائية الأنا والآخر. الذات مبدأ فعل تغييري، والأنا مبدأ فعل تصنيفي.
عزز من صعود فكر الهوية في سوريا الأبد الأسدي الذي يعني عملياً إعدام المستقبل والفعل التغييري والذات الفاعلة، وترك باب الماضي وحده مفتوحاً، أي باب الهوية الموروثة. ثم إن المجتمع السوري مر بتجارب نازعة للأمان والثقة منذ النصف الثاني من السبعينات، وهو ما يدفع مطالب الأمان والثقة إلى الصدارة. أنت تعرف رياضتنا الوطنية المتمثلة في سؤال من لا نستدلّ من اسمه على أصله وفصله، من أين هو أو هي، وقد نسعى وراء تفاصيل أكثر كي نستطيع موضعته، أو تصنيفه. وهو ما يدعو إلى القول إن ما يحفز على التصنيف، ليس إرادة الإلغاء حصراً، بل طلب الأمان والثقة.
نحتاج إلى نظام أمان وثقة وطني، إلى سلم سوري جديد، كي نتحرر من هذا “الهابيتوس” المترسخ في تكويننا. ما دام الأمان فئوياً، فالأرجح أن تستمر النزعة إلى وضع بعضنا في فئات أو خانات، تنفي شخصيتهم وفرادتهم وتمردهم كي تشعر بالأمان حيالهم.
لكن التمرد واجب في كل وقت، وفي كل وقت نحن مدعوون إلى الامتناع عن التصنيف، ولو مجازفين بأمان أقل. وفي الأصل من أين يأتي التغيير إن لم يبادر بعضنا إلى الخروج على الأصناف والتصنيفات، والانفلات من الحتميات الاجتماعية التي تشدهم إلى المنبت والجذر والأصل؟ بقدر ما يلزم أن نفهم جذور المنازع التصنيفية، بقدر ما يتعين التمرد عليها في سلوكنا الفردي. نحن منتهكو حدودٍ وعابرون للفئات، لا نغوي إن غوت غزياتنا ولا نرهن رشادنا برشادها حصراً. هذا ما أرجو أني أفعله في حياتي الشخصية، وإن كنت أبذل كل جهد للفهم في عملي الكتابي.
كانت السياسة العالمية، مع ما تحمله من أثر مباشر على بلداننا في الشرق الأوسط، محل تنافس مضبوط ونوعاً من التوازن الفكري، قناعات ومبادئ وطرق عيش، قبل سقوط المعسكر الاشتراكي بكامله. بعدها مضت الأمور في مسالك ضبابية، صعبة الرؤية والتصنيف. غالب الظن أننا منذ ذلك الحين نشهد نماذج فكرية سياسية ذات اتجاه واحد، أننا كأفراد نملك هوامش الحركة والتأثير والتفاعل. لكننا لسنا جزءاً من سياق، وفقدنا ما يمكن أن يسمى تياراً فكرياً وسياسياً. هل ترى هذا التوصيف دالاً على أحوالنا في الحقيقة، وما السبيل إلى خلق تيار مجتمعي جديد خارج حركية الاتجاه الواحد؟
أكثر من تيار فكري وسياسي. كانت الاشتراكية والدعوة الشيوعية مشروعاً لتغيير العالم، وقوة منازعة للمعسكر الرأسمالي الغربي الذي كانت تتم مطابقته بالاستعمار والاستغلال والرجعية حتى ثمانينات القرن العشرين، في العقود الأخيرة صار تعريفاً للسواء الاجتماعي والسياسي والحقوقي والاقتصادي والثقافي، فلم يعد له خارجٌ ولم نعد نستطيع موضعته ونسبنته.
انهار “المعسكر الاشتراكي” وأنا في السجن، فانضافت هزيمة فكرية إلى هزيمتنا السياسية، وأخذنا نعاني من أزمة هوية كذلك.
كنا قبل السجن متمردين اجتماعياً، منخرطين في منظمات سياسية تناضل من أجل التغيير، وتعمل على إنتاج معرفة بواقع مجتمعنا. تفاعلنا مع مركب الهزيمة/ الأزمة أخذ أشكالاً مختلفة. بعضنا حافظ على التمرد الشخصي من دون عناية بالمعرفة. وبعضنا الآخر تخلى عنهما معاً، وركن إلى العائلة والروابط الأهلية. وآخرون اعتنوا بمعرفة من نوع ما، من دون تمرد شخصي. وبعض رابع ثابر على القديم، معرفة وسلوكاً، لكن المعرفة كانت تتقادم والسلوك لم يعد ثورياً.
يمكن أن نُلام، نحن الذين اخترنا التمرد الشخصي ومحاولة تطوير معرفة تتجدد، على أننا لم نحاول تجديد أدوات النضال السياسي، من منظمات أو أحزاب، أي على أننا كنا لا سياسيين بقدر طيب. وهو ما أعترف به بطيبة خاطر وأقر بأنه قصور كبير. ولي في ذلك عذر أو عذران. الأول والأهم هو أني بعد السجن لم أجد في نفسي الكفاءة والميل إلى النشاط السياسي. والثاني أن الشروط السورية لم تكن مواتية لعمل تحرري ثوري. تسمح بعمل سري أخذ يبدو لي منذ ذلك الوقت غير ثوري، أو بعمل علني داجن، غير ثوري بالتعريف.
لكن ما إن بدأت الثورة حتى انخرطت فيها بأدواتي، وفقدت فيها أهلاً وأحباباً وأصدقاء.
تحدث تيودور أدورنو عن “الأدب الصغير: تأملات في حياة معطوبة”، بمقالات قصيرة تتناول جوانب مختلفة من الحياة العامة بعد الحرب العالمية الثانية، أي أدب الحياة الدنيا إذا صح التعبير مقابل الأدب الكبير وفق ابن المقفع الذي وجهه للملوك والخاصة. قد تكون الخاصة في حالتنا هي النخبة السورية. قدرة الأعمال والسير الأقل شهرة على كشف التناقضات الاجتماعية. كيف يمكن للسوريين أن يتحدثوا عن أحزانهم الصغيرة. عن عائلة تبحث عن سكن لكنها لا تجده. عن حلم شراء منزل. عن شاب يبيع كل ما يملك محاولاً الهرب من سوريا، لكن رحلة الهرب تفشل. أقصد أننا من خلال سير الأفراد البسيطة إذا ما قورنت بالمتن المطحون يمكننا فهم أوضاعنا. قد يكون الهامش والنائي أفضل طريقة لفهم المتن والقريب. وسوريا بلد مليء بالهوامش، إن لم تكن هي نفسها اليوم بلداً هامشياً.
الحياة المعطوبة هي شرطُنا نحن أيضاً. وهي بقدر كبير شرطي الشخصي منذ عقود، وإن كنت أفضل الكلام عن حياة معلقة، أو حياة مرجأة، في انتظار “حياة كالحياة”.
الحياة المعلقة تعني أن عليك أن تعمل وتفكر، وتحيا، في الما بين. ما بين زماني بانتظار الحرية أو عودة الغائبين أو الخلاص، وما بين مكاني بعد سقوط النظام وقدرتي على الحركة بين “المنفى” و”الوطن”.
ويبدو لي أدب الحياة الدنيا وأفضلية الهامش والنائي مسألة نوعٍ كتابي في جانب منها، وفي جانب آخر مسألة جيلية. أعتقد أن الأدب، وبخاصة الرواية، ثم الأبحاث الميدانية، أقدر على التعاطي مع الهامشي والصغير والبسيط، من نوع الكتابة الفكرية السياسية التي أكتبها وبعض أمثالي. أحاول بقدر المستطاع إدماج العياني والخبرة الحية في الكتابة، وأفعل ذلك كثيراً في واقع الأمر. وأدافع عن الكتابة المسكونة أو الآهلة بالبشر، التي تذكر أسماء وسيراً وحوادث بعينها وتذكرات وتجارب وتفاصيل. أفعل ذلك بين وقت وآخر، وأراه مخصباً.
الجانب الجيلي في الأمر يحيل إلى ما ورث جيلي من تجارب كتابية. كتابة أساتذتنا مجردة، خالية من البشر، مقاطعة للتفاصيل، ولا تحضر فيها حتى خبراتهم هم الحية إلا في نطاقات ضيقة. جيلي متتلمذ على هذا النهج الكتابي من جهة، لكنه اكتوى بنار الدولة وقمعها وسجونها، فحضر جانب التجربة الشخصية بقدر أكبر. “أدب السجون” في العقد الأول من هذا القرن بخاصة، كان نتاج سجناء سابقين، وكان آنذاك كتابة ممنوعة وهامشيّة.
لكن قد يكون الجيل الأصغر، الأربعينات ودونها، أفضل تأهيلاً لكتابة تفاصيل وهوامش وحيوات مطحونة. هل هذا يحدث؟ أنت أقدر على الإجابة عن السؤال مني.
أليس من الأفضل، اجتماعياً ونفسياً، تناول سوريا من مبدأ المرض. أعني أننا أمام بلد ومجتمع مريضين، إن لم نقل موبوءين بأصناف شتى من العلل والآفات. على هذا يمكن على الأقل وضع يدنا على الجرح، على السبب الرئيس من مبدأ حياد الطبيب إزاء المريض وجسده، والتزامه المفترض في تقديم العلاج وفق أسس طبية بينة.
بلى، أفضل. وهذا ينطبق على بلدان أقل مرضاً من سوريا، ومن باب أولى هذا البلد المأساوي الذي سالت فيه دماء كثيرة، والذي لم يحدث قط أن تداول أبناؤه في شأنهم المشترك في شروط من الأمان المتساوي والحرية. والأصل في الحاجة إلى السياسة أن الكتل البشرية المكونة من مئات الألوف والملايين وعشرات الملايين، في حاجة إلى قواعد عاقلة وعادلة تسير عليها لأننا لم نوجد في العالم مزودين بغرائز توافقية تضمن ألا نتنازع ونتناحر. والمعرفة المغتنية بالمعطيات الموثوقة وبروح التواصل تسعف في رفد السياسات بما يضمن لها قدراً من السداد. نحن محتاجون إلى أن نتكلم مع بعضنا بمعرفة ووضوح وإقناع. السياسة بحسب حنة آرنت هي الكلام والفعل، وهذا الأخير يجنح نحو العنف المجرد أو الإرهاب بقدر ما يُستغنى عن الكلام المعقول المقنع. حين نكون محرومين من الكلام نعبر بالدموع (النساء يبكين أكثر لأنهن محرومات من التعبير عن أنفسهن أكثر من الرجال)، أو نلجأ إلى العنف القاتل، أو “نطق” ونموت مقهورين.
وبرأيي، أننا لا نجيد الكلام خلافاً لما يتصور عنا من أننا أهل كلام لا أهل فعل. نحن أهل كلام سيئ. وما نقوله هو إما تعبير عن الانفعالات المباشرة، أو هو كليشيهات وتعبيرات معلوكة، أو جمجمة مشوشة لا تبين. والمهن الكلامية الأساسية، المحاماة والمهن القانونية بعامة، ثم الفلسفة والكلام المعقول أو المهن الثقافية بعامة، ثم التحليل النفسي كمجال للمعرفة كما للتعلّم، تبدو إما غائبة تماماً أو هي في وضع مزر. إذا كنا نتطلع إلى الديمقراطية، فعلينا أن نطور كفاءاتنا الكلامية.
وأتصور أن فقرنا الكلامي محدد بثلاثة أشياء: لغوي، فاجتماعي، فسياسي. عربيتنا غير مطواعة للكلام الشخصي الطليق والمعبر، والفصاحة لدينا خاصية للكلمات وليس لمضمون ما تنقل. المطلوب هو العكس، تفكير فصيح، وتعبير حر مرن، وهو ما يقتضي فتح أقنية مع المحكيات. ويحيل المحدد الاجتماعي إلى التربية الباكرة وبنية الأسرة، مستوى الفردية في المجتمع. الفرد يحتاج إلى كلام واضح يعبر به عن نفسه كي يصير فرداً. والنساء محرومات من الفردية أكثر من الرجال، أي من السفور الكلامي. ويتصل المحدد السياسي بحرية التعبير، وبالتجارب التي تقبل التعبير عنها ولا تتجاوز قدرتنا على التسمية والوصف مثل المجازر والإبادات. هذه تقتل الكلام فيما تقتل.
ولكن قبل كل شيء، علينا أن نعمل على محو الأميّة الأبجدية. مئات ألوف الأولاد السوريين فاتتهم فرص التعلم في سنوات صراعنا الطويلة القاسية.
ويبقي أني أخشى، يا عزيزي علي، أنه ليس هناك أطباء مجتمع محايدون، وأن استعارة المرض والطبيب حين تنقل من مجال الأفراد وصحتهم إلى مجال المجتمع والسياسة يمكنها أن تكون خطيرة، وقد تبرر أشنع صور الطغيان. تنافر المصالح في المجتمعات، وحتى النزاع، ليس شرطاً مرَضياً، إنه “حالة الطبيعة”، إذا استعرنا تعبير توماس هوبس. لكن حالة الطبيعة يجب أن تتحول إلى حالة المدنية أو السياسة كي نحد من العنف إلى أقصى حد. العقد الاجتماعي الذي تكلم عنه هوبس بين آخرين ليس واقعة تاريخية، لكنه تعريف للواجب السياسي. ونحن اليوم هنا، في حالة هوبسية من حرب الجميع ضد الجميع، وفي حاجة إلى عقد اجتماعي جديد.
درج
—————————————-
الجزء الثاني
ياسين الحاج صالح: “نحن أمام تحدّي اختراع سوريا مجدداً”
علي جازو
30.09.2025
زار ياسين الحاج صالح سوريا بعد سقوط نظام الأسد، وسنوات من المنفى، هو المعتقل السابق والكاتب في الشأن السوري، وزوج سميرة الخليل، الناشطة السياسية، التي اختفت قسراً في غوطة دمشق عام 2013. الحاج صالح الذي يكتب عن سوريا منذ سنوات، في هذا اللقاء مع الشاعر والصحافي علي جازو، يحدثنا عن سوريا بعد سقوط النظام، والثورة، والمأساة السورية، والصراعات الجديدة التي نشهدها في ظل الحكومة المؤقتة، هنا الجزء الثاني من حوار ياسين وجازو، الذي نُشر الجزء الأول منه في “درج” بعنوان”التمرد واجب في كل وقت”.
نعيش في عالم سريع التحوّل. نحن جزء منه، غير أننا قليلون أو ضئيلون إزاءه. السرعة التي تشتّتنا والتي نغالبها بالصبر بنوع من التكيف العسير تشعرنا بالغربة. نتائج التحولات، بخاصة بالنسبة لنا كسوريين، بعيدة جداً عن المثال الذي نتمناه لحياتنا ومجتمعنا.
كيف يمكن لهذه الحالة التي هي مزيج من الرفض والمغالبة، من الغربة والضآلة، أن تثمر فكراً وكتابة لصيقة بنا، وفي الوقت ذاته متخطية حواجز الضعف؟
يتكرر لدي شعور ممض حين أفكر بشأننا ووزننا في العالم بأننا دراويش على باب الله، ولا نبدو سائرين باتجاه أوضاع عامة، فكرية وسياسية وأخلاقية، أفضل. موجودون في العالم، لكن وجودنا ضعيف، لا يكاد يساهم في صنع شيء من معاني العالم ومبانيه. وما أبنيه على هذا الشعور المتكرر هو نصح النفس بالتواضع والمثابرة على التعلم.
على أن سؤالك، يا عزيزي علي، يبدو تنويعة على سؤال النهضة: كيف ننهض ونسير إلى الأمام؟ كيف نقترب من متن العالم ولا نبقى عالقين على هوامشه؟ كيف التحرّر من الشعور بالضآلة، وكيف ننتج معانيَ لوجودنا تعني غيرنا كذلك، فترسخنا في العالم؟ كيف نتحرر من التبعية السياسية والدينية، ونتحرر؟ فإذا كان هذا صحيحاً، فإنه يتجاوز السوريين والسياسات السورية إلى مساحة تقاطع عربية- إسلامية- شرق أوسطية.
أفهم النهضة بوصفها فاعلية تحرر الروح، الانعتاق من القيود الداخلية والخارجية. وفي البال ثلاثة قيود كبيرة: قيد دولي يتمثل في تبعية المنطقة لقوى السيطرة الدولية وتدخلات خارجية عنيفة تعطل أو تضيق من فعل الديناميكيات الداخلية في بلدان الإقليم الشرق أوسطي. ويتكثف هذا القيد الدولي في إسرائيل، التي تجمع بين كونها استمراراً للشرط الاستعماري وبين كونها القوة الأشد رسوخاً في الشرق الأوسط، وتكاد تكون قدراً مقدوراً لهذه المنطقة ككل، بخاصة للفلسطينيين واليوم للسوريين.
وفي المقام الثاني قيد الطغيان الدولتي الذي يرد سكان أكثر هذه البلدان إلى رعايا تابعين، منتهكي الأجساد والأنفس. وفي المقام الثالث قيد ديني، يتمثل في حضور أشكال سياسية واجتماعية من السلطة الدينية التي تضيق بدورها على الأجساد والأنفس. ليست لدينا قصة كبيرة للحرية لأننا في هذه المنطقة من العالم، والعرب أكثر من غيرهم، أسرى تقييد ثلاثي لا يكاد يترك مجالاً للإبداع والروح، وبالتالي للحرية. أعتقد أن تحرّرنا يكمن في العملية الصراعية ضد هذه القيود الثلاثة، على مستوى الوعي بداية وتحرر المخيلة، مع الأمل بالتقدم في ضبط قوى ذلك الثالوث المنفلتة.
أقول العرب أكثر من غيرهم لأن القيد الديني قيّدهم أكثر من المسلمين الآخرين، بحكم أن الإسلام ملحمتهم التاريخية ولغته هي لغتهم، وإن كان لهم من رسالة اليوم فهي إعادة تشكيله على نحو يصلح من أحوالهم ويصلحهم مع العالم. ثم لأن التكثف الإسرائيلي للقيد الدولي يتوطن في قلب مجالهم الجغرافي ويضرب في طول هذا المجال وعرضه، ثم كذلك لأنه ليس هناك مثال سياسي عربي إيجابي، وما هناك من أمثلة هي بين سيئة وسيئة جداً. ولهذا يمكن اعتبار العرب البروليتاريا السياسية والأخلاقية في عالم اليوم، وتحررهم أكبر خدمة لقضية التحرر في عالم اليوم بالتالي.
هناك مضمّر في فكرة النهضة، هو أن ثقافتنا/ ثقافاتنا قابلة لأن تكون ثقافات إبداع وفكر وعلم، ثقافات ناهضة. السؤال: هل هذا صحيح؟ أنا أسلم بأنه صحيح. فإن كان كذلك، أيحدث النهوض بلغة واحدة أم بلغات متعددة؟ النهضة الأوربية هي أيضاً نهوض اللغات القومية. أترك المسألة معّلقة.
رأى الكاتب والمفكر الفرنسي موريس بلانشو أننا لا نكتب حسبما نكون، بل نكون حسبما نكتب. هل ترى أنت كذلك أن الكتابة تكوّننا أكثر من أنها تنقل ما نحن عليه، أن الكتابة خالقة عوالم جديدة على قدر أكثر من كونها متأثرة وخاضعة لعوالم قائمة!
أوافق على أن الكتابة خالقة عوالم جديدة وليست انعكاساً لعوالم قائمة. والعوالم المخلوقة الجديدة تُكثِّر العالم من حولنا وتغير علاقتنا به عبر توسيع مساحاتنا الداخلية، أي كذلك أرواحنا وحريتنا. لكني أتردد بخصوص القول إننا نكون حسبما نكتب. ربما يحيل هذا القول إلى عوالم مثقّفين من الطبقة الوسطى في مجتمعات مرتاحة، تتشكل فيها الكتابة عالماً مستقلاً بقدر لا بأس به عن الحتميات الاجتماعية والسياسية، أو يستقر شكل تأثير هذه الحتميات على نسق ثابت غير محسوس. حين أفكر من مدخل سوري وشرق أوسطي، قد أقول إننا نكون ككتاب حسبما نتعذب، حسبما نُذل، حسبما ننتهك، وحسبما نقاوم التعذيب والإذلال والانتهاكات. الكتابة في مثل عالمنا منهج مقاومة، وفي ما يخصني هي كذلك منهج علاج، تتيح لي تفريغ التوتر وتوفر لي مساحة من حرية. لكنها في كل حال متلونة تكوينياً بتجارب قاسية.
قول بلانشو يذكّر بما يقوله مواطنه جاك دريدا من ألا شيء خارج النص، والجذر الأبعد ربما عند نيتشه الذي كان يرى أنه ليست هناك حقائق، بل فقط تأويلات. بلى، خارج النص ثمة القتل والمذبحة والعذاب، والتجويع، والإبادة والغياب، والأجساد المنتهكة بعامة. نيتشه نفسه قبل بحقيقة سابقة للتأويل: القوة، فلا تكون إرادة الحقيقة غير إرادة للقوة. لكن ألا يكون انعدام القوة، الانكشاف والضروب المختلفة من نزع الإنسانية، حقائق مثل القوة ذاتها، لا تذوب في أي تأويل؟
على أني أقبل أن ما ننتج من كتابة ليس بلا أثر علينا، ليس عاطلاً عن تشكيلنا بصورة ما، أو تكويننا حسبما تكون كتابتنا بحسب بلانشو. أفكارنا تفكر بنا، تشكلنا في صورة منتجي أنواع محددة من الأفكار. تُقيِّدنا. حين نقيد أفكارنا على الورق أو على الشاشات، فإن ما نقيده يقيدنا، يحددنا ويعرفنا، يصير هوية لنا. نبدأ بالإبداع وننتهي بالهوية، وهي تطابقنا مع أنفسنا وتحكم بتبعيتنا لها.
فإن كان لي أن أوضح الفكرة بمثال شخصي، فقد كانت فكرتي عن الكاتب في سنوات السجن هي أنه من يؤلف كتباً، وهو ما أردت أن أفعله يوماً. لكن مقتضيات المعيشة دفعتني إلى كتابة المقالات، بضع مقالات كل شهر. عبر سنوات من كتابة المقالات وبالتدريج، صارت أشياء العالم تنتظم أمام ذهني من حيث صلاحيتها لأن تُكتب في مقالات، صار تقطيع العالم يستجيب لتوجهي إلى كتابة مقالات، وتشكلتُ أنا عبر ذلك ككاتب مقالات. ما أنتجتُه شكلني في صورة محددة، وصار هوية لي ككاتب. يحدث أن أتمرد على هذه الهوية، أحاول الانفلات منها وتأليف أبحاث وكتب، لكن الأمر ليس سهلاً كما قد يبدو. وترى هكذا أن أفعالك الأثيرة والأكثر حرية، الكتابة، تصير أشبه بشرنقة حولك، ليس مضموناً أن تستطيع الخروج منها.
فإذا وضعت في البال أنك خلال السنوات تطور أسلوباً ولغة وطابعاً كتابياً مميزاً، ليستطيع الخبراء تمييز ما تكتب وإن لم يكن اسمك عليه، فإننا هنا أيضاً حيال شيء يقيدك، وقد تمضي عمرك من دون أن تستطيع التنويع عليه أو تعديله، دع عنك التحرر منه بالكامل. وتعرف أن بعض الكتاب يكتبون الكتاب نفسه مرة تلو الأخرى، أعني أنهم لا يستطيعون تأليف شيء مختلف من حيث اللغة والأسلوب والإحساس الكتابي. وبصراحة، أرجو ألا يكون هذا هو حالي.
القدر السوري هو الجغرافيا والتاريخ السوريّان. لم يُؤخذ برأي أحد حينما تكونت سوريا بحدودها الراهنة. سواء الحدود الخارجية أو الداخلية للمناطق والمحافظات. أقصد أن الهياكل صُممت من دون النظر إلى من يحيا داخلها. لقد تفجّر الداخل ولا يزال قيد التفجّر باحثاً عن هيكل يشبهه ويرضيه ويحسّسه بالأمان والانتماء. ما هي الخيارات الممكنة و المتوخاة، وهل يعاد صنع الحدود السورية خارجاً وداخلاً من دون إرادة من يحيا داخلها.
سوريا بلد مجزأ، لا يتماسك من تلقاء نفسه. هناك تحدٍّ قاس مطروح على السوريين اليوم، تحدي اختراع سوريا من جديد، بعد أكثر من ستين عاماً بعثية، وأكثر من نصف قرن أسدي. ولا أرى إلا أننا نتصرف بطيش مؤلم حيال هذا التحدّي. ويأخذ إخفاقنا واحداً من شكلين: أما الإصرار على ما كان كأنما لم تحدث ثورة في البلد، أو كأن الغاية الوحيدة استبدال مسيطرين بمسيطرين، التحول من أسدية بأسد إلى أسدية بلا أسد؛ أو التعجل في فرط سوريا وتقسيمها من دون تفكير في البدائل، ومن دون احترام لتاريخ يتجاوز قرناً. أخشى أننا بهذا الخيار الأخير نفرّط بالرأسمال طمعاً بربح غير مضمون.
وشكلا الإخفاق هذان مترابطان، فالمزيد من الأول يعني المزيد من الثاني. المزيد من الإصرار على تصور مركزي فوقي لسوريا، متمركز اليوم سنياً، يسير يداً بيد مع المزيد من التبعثر والانفراط والميول النابذة. سوريا التي يتعين اختراعها هي بلد متمركز حول السوريين المتعددين الأحرار، أي هي سوريا تعددية حرة، لا يقتل الناس فيها بعضهم. تفضيلي كما قلت سابقاً هو سوريا موحدة، لكن الوحدة السورية ليست فيتشاً أو صنماً يُعبد، المهم هو حرية الأفراد والجماعات وكرامتهم. المهم أيضاً إرادة الأحياء، وليس الحدود المفروضة عليهم مثلما تقول أنت بحق. فإذا كان ثمن الوحدة هو أن نقتل بعضنا، أو حتى أن نعيش معاً متكارهين ومحتقرين بعضنا، فالطلاق أفضل. يلزم فقط ألا يُنقل القتل والكراهية إلى النطاقات الجديدة، أو أن يختزل الفرق إلى أن نقتلهم ونذلهم نحن، وليس أن يقتلونا ويذلونا هم.
ويتصل بتفضيل وحدة سوريا قائمة على التعددية والحرية، الاستمرار في النضال من أجل بلد يعيش ويعاش فيه. أعتقد أن المسارعة إلى الدفع نحو التقسيم تضعف فرص ظهور ائتلاف واسع من القوى التي لها مصلحة في سوريا جديدة، تعددية وحرة. القوى موجودة، لكنها تترك نفسها تستتبع لجهات خارجية بما فيها إسرائيل، أو لدعوات طائفية عاتية لا يبدو لي أنه يمكن أن يقوم عليها شيء طيب.
كُتب الكثير عن سوريا والسوريين. بعد مارس/ آذار 2011، بدأ السوريون أنفسهم بالكتابة عن بلدهم. لدينا روايات وأفلام، أبحاث وأغان، قصص وشهادات، وثائق ومنصات إعلامية. هناك الكثير. إلى أي مدى يملك هذا الكثير زمام نفسه، ما النوعية التي تضمنها هذا الكم الهائل. وهل جديدنا الكتابي الإبداعي والفكري يوازي هول ما عشناه ونعيشه. هل من سمات تجعله لا يمثل الحالة الحقيقية فحسب، بل يرفعها إلى مدى أبعد ويخرجها من طور التقليد الى لغة جديدة بالفعل.
بدأت الكتابة عن سوريا في أيام “ربيع دمشق”، واتسعت مجالاتها بعد الثورة. هناك منطق في ذلك: ربيع دمشق والثورة السورية جُهدان اعتراضيّان من أجل التمثيل، ومنه التمثيل المعرفي والجمالي لحياتنا وتجاربنا وصراعاتنا. وأظن أن تمثيلاتنا هذه “مالكة لزمام نفسها” بقدر معقول، من حيث أنها مساع لبناء معانٍ للتجارب المعاشة من دون استئذان سلطة مرجعية ناجزة مسبقة. فهي مستقلة بهذا المعنى، تقرر مصيرها بنفسها. لكن هل توازي هول ما عشنا ونعيش؟ لا أرى ذلك.
تحدّتنا تجارب سنوات ما بعد الثورة تحدياً قاسياً جداًً، تحدّت عتادنا الكتابي وعاداتنا الكتابية. لقد كانت تجارب قصوى لا تقبل التمثيل، فلا نتقدم خطوة في تمثيلها من دون ثورة في التمثيل. ولا فرصة للنجاح في رأيي من دون تكوين فكر نظري وفلسفي أكثر جدية من كل ما هو متاح. المتاح هو كتابة غير قلقة غالباً، غير مفهومية إلا نادراً، قليلة التفاعل مع المتاح العالمي إلا على نحو مشتت، وفي الغالب الأعم من دون عمق روحي وبعد خيالي.
قبل أعوام، اشتغلت على مفهوم التمثيل (الكلوم والكلمات: في تمثيل الأزمات وأزمة التمثيل)، وبدا لي أنه نتاج فاعليتين مختلفتين: تحويل التجارب إلى أفكار، أو التعبير؛ ثم فاعلية إعطاء شكل لتعبيرنا، وهو ما يحيل إلى التراث (المشاع الفكري والأدبي والفني العالمي) مفهوماً كمصدر للأشكال، وهذا هو التشكيل. التعبير من دون تشكيل هو شكل من المباشرة والمعاني الخام، والتشكيل من دون تعبير يسقط في الشكلية التي قد تأخذ شكل الامتثال لسلطات مرجعية جاهزة، لا تحتاج الى تجاربنا في شيء، ولا أحد ينتفع منها بشيء. ما الذي نضيفه إلى العالم وآدابه وفكره وفنونه إذا ثابرنا على إحالات لا تنتهي لسلطات مرجعية جاهزة؟ ليس هذا ما ينتظره غيرنا منا، ولا ينبغي أن يكون ما ننتظره من أنفسنا. التمثيل هو التعبير والتشكيل، هو محصلة تجارب أغنى وتفاعل أوسع مع التراث.
اللغة الجديدة هي اللغة المفكرة، التي تجمع بين المعنى والشكل، وفي الوقت نفسها تفكر في نفسها بينما تفكر في الموضوع، وهو ما لا يحدث كثيراً. هناك كلام عن اللغة الجديدة يبدو لي أحياناً شكلياً جداً، منه في ثمانينات القرن الماضي، كتابة الرواية والقصة بلغة شعرية، وهذا خائب في رأيي.
لنعد معاً الى ثمانينات القرن الماضي، إذ أشرت إلى لغة جديدة في سوريا، على مستوى الإبداع الشعري والروائي، مثالاً لا حصراً، لكنها بقيت جديدة على مستوى الشكل فقط. هل مرد ذلك أن الكتابة حينها اختلطت بمباشرة دعوية وخطابية، وإن كان محتواها تقدمياً، ظلت لابدة وباهتة. وعلى هذا ألم تكن تلك اللغة بمكان ما انعكاساً لفكر سياسي واجتماعي ضيق الأفق ورومانسي انفعالي؟ أليس المرد إلى نوع من ناطقية باسم العموم في حين أن صوتها الفردي يتحول الى نوع من وظيفة أدبية أكثر من كونه إبداعاً أدبياً ينهض على فكر صلب وفلسفة فيها من التأمل ما فيها من الرصانة والتفرد.
كان تعليقي على دلالة عبارة اللغة الجديدة أنني لا أجد فيها جدة، أو هي مجرد جدة شكلية، مثل كتابة الروايات والقصص بلغة شعرية، وقد راجت قبل عقود. ويخيل لي أنها كانت شكلاً من الخروج على المباشرة التي أفهمها كفقر في الشكل، أو ما يقارب انعدام الشكل واختزال الأدب إلى وظيفته الاجتماعية والسياسية التغييرية. المباشرة ازدهرت في ستينات القرن العشرين وسبعيناته، أي قبل “موضة” اللغة الشعرية التي تبدو لي اهتماماً بالشكل، لكنه اهتمام زخرفي وغير موفّق في تقديري. الزخرفة هي الشكل المحض، المنفصل عن الحياة وعن مادة الفن أو الأدب الحية. واللغة الشعرية في الرواية هي ضرب من الزخرفة اللغوية المقحمة من الخارج على حياة الرواية أو القصة.
وأرى أنك محق في إحالة ذلك على “ناطقية باسم العموم”، ميزت الأدب السوري، اليساري والقومي العربي بخاصة، في النصف الأخير من القرن الماضي. ومردها في تصوري هو تبعية الأدب للسياسة، أو زجه في معارك التقدم والتحرير المفترضة. تذكر أن ذلك كان زمن الجدال حول الأدب الملتزم، وأفكار الفن للفن أو الفن في خدمة الثورة والتقدم. وقد نكون في حاجة إلى استعادة هذا النقاش في الزمن السياسي السوري الجديد، الذي يبدو زمن شعر عمودي وفصاحة كلمات (لا فصاحة تفكير) وشكل جديد من الرقابة على الأدب والفن. هل نحن في وضع أنسب لذلك؟
عليّ أن أعترف بأن إحاطتي بالأدب السوري الأحدث متواضعة، وكانت كذلك لكتابة الجيل الأكبر. لذلك، قد أكون متجرئاً وقحاً إن قلت إني أجد أدبنا غير مفكر ومفتقراً إلى الروح، ضعيف الشخصية بالتالي. ليس لدينا ما يقارب ولو من بعيد دستويفسكي أو تولستوي، أو توماس مان، أو نجيب محفوظ. وهذا مع ضمور في الحس السوسيولوجي في الأدب السوري والثقافة السورية عموماً، خلافاً لما هو الحال في الأدب المصري والثقافة المصرية، حيث يبدو القوم سوسيولوجيين بالولادة. نحن السوريين، ولا أضع نفسي خارج هذه النحن، أيديولوجيون نفكر من فوق لا من تحت، وعلى رغم تجاربنا المفرطة القسوة خلال جيلين، لا يبدو أننا عرفنا أن نفكر تفكيراً قاسياً، جذرياً. ليس أن ثقافتنا قليلة العقلانية فقط، أراها أشد افتقاراً إلى الجنون، إلى الخيال الأقصى والأقسى، إلى الحرية الجذرية. أرجو أن يكون الحال في سبيله إلى التغير اليوم، لكن أنت أعرف. قل لي يا علي: هل يبدو الحال في سبيله إلى التغيّر؟
من اللافت والغريب أن مفكراً بمقام ڤالتر بنيامين رُفضت رسالته حول المسرح الألماني لأسباب أكاديمية، كما أنه عانى من التضييق وصعوبة النشر أثناء هروبه ومنفاه في فرنسا. ومع احتلال النازيين ووصولهم الى باريس، فر بنيامين إلى الحدود الإسبانية، وهناك كانت نهاية رحلة المنفى بالموت منتحراً.
أوردت هذا المثال فقط للقول إن رحابة كتابات بنيامين وكثافتها العميقة، التي لا تزال تلقى الأصداء إلى اليوم، عانت من التضييق حد انعدام الفرص واليأس.
اليوم زالت فكرة التضييق أو المنع بالمعنى القديم، لكننا أمام حالة أخرى تتلخص بكون المكتوب أوسع من المقروء. إن قابلية القراءة والنشر أصبحت تضيق بسبب طغيان من نوع آخر، ربما هو النمط الاستهلاكي أو الاستسلامي للوقائع والأحداث. تبدو القيمة الحدثية والإعلامية أسبق وأهم من القيمة الكتابية.
أخمن أن هناك انحداراً في نوعية القراءة لا حتماً في مقدارها. قراءة الكتب تقل، تحل محلها المقالات؛ وقراءة المقالات تقل، تحل محلها بوستات الفيسبوك أو التغريدات على منصة إكس أو تعليقات قصيرة على مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى. ومثلما في مجال المال والعملات، حيث تطرد العملة الرديئة العملة الجيدة من التداول، “تفوش” الكتابات والتعليقات الأكثر إثارة أو “سكسية”، وليس الأكثر تروياً.
وما يشغل البال في الأمر أن عالم الكتاب هو عالم الديمقراطية. هذا بينما تعمم تلك المواقع ما أسميه الشفاهة المكتوبة، أي كتابة منفعلة، ابنة لحظتها، مفتقرة إلى التروي و”العقل”. والعقل مثل الديمقراطية أوثق صلة بالكتاب وبضروب النقاش العقلانية المتروية، المتحكمة بالانفعالات. نحن أشخاص منفعلون، على نحو يعكس وضعنا التاريخي المنفعل وغير الفاعل، كتابتنا منفعلة مثلنا، ومواقع التواصل الاجتماعي تفاقم هذا الاستعداد. لكن ليس الأمر قدرياً، ويمكننا مقاومته، وهذا ما أحاوله. العمل من أجل الديمقراطية ينبغي أن يكون دفاعاً عن الكتب، وعن التفكير المتروي. وخير دفاع عن الكتب هو تأليف بعضها، وأفضل دفاع عن التفكير المتروي هو ممارسته.
ويبدو لي أنه في كل مكان تضعف المداولات العقلانية بين الناس، هذا يحدث في أميركا وفي تركيا وفي الهند وفي كل مكان، وله مفعول مدمر على الديمقراطية والحياة السياسية. وهو في عوالم لم تتصف أوضاعها العامة بكثير من العقلانية مثلما لدينا أكثر تدميراً. يجب إيجاد حلول لهذه المشكلة التي تفاقم استعداداً مضاداً للمثقفين، والفكر anti-intellectualism يبدو اليوم قوياً جداً في المجتمع السوري. وأقدر أنه يتشكل من مساحة تقاطع بين عبادة الفعل والقوة، وبين نزعات اجتماعية ودينية محافظة، وبين معاداة طبقية لنمط حياة الطبقة الوسطى المتعلمة العلمانية. هنا أيضاً، تعمم وسائل التواصل الاجتماعي هذا الاستعداد الظلامي وترسّخه.
لكن إذا كان السؤال عن فرص النشر، فربما لا يكون العائق في مجال النشر بالعربية سوء الحكم على ما يكتب (وإن كان هذا محتملاً في كل حال)، بل تراجع عدد دور النشر المستقلة ومقدراتها لمصلحة كارتلات نشر وإعلام ومعلومات بميزانيات كبيرة، وتعتمد معايير سياسية وإيديولوجية وشخصية في تقرير من ينشر لهم وماذا ينشر.
قبل أشهر، وجدت نفسي ممنوعاً من النشر عند أي من المنابر الكثيرة التابعة لأحد هذه الكارتلات الغنية، وهو ما ينبغي أن يكون مدهشاً. إذ لماذا تمنع مؤسسة كبيرة كاتباً مستقلاً من النشر؟ أو تضع قائمة سوداء بكتاب ممنوعين، بصرف النظر عما يكتبون؟ هذا يظهر كم أن المؤسسات لا مؤسسات في مجالنا، إقطاعات أو ما يقاربها.
أما الناشرون المستقلون فيجدون صعوبات أكبر في التوزيع والوصول، ويجد كتاب شباب أنفسهم مطالبين بدفع مبالغ للناشرين كي تنشر أعمالهم.
ولا بد من قول شيء عن سياسات النشر في الصحف ودور النشر في المجال العربي. ميلنا المبتئس يجازف بألا يرى شيئاً إيجابياً في تعدد هذا المجال وتنافره: يوفران هوامش مناورة معقولة للكتاب من حيث المضمون ومن حيث فرص النشر، إذ يمكنك قول شيء عن بلدك في بلد آخر لا يمكن لمواطني ذلك البلد قوله في بلدهم. الحمدلله على نعمة “التجزئة العربية”! ومع ذلك، يحدث أن يجد الواحد منا نفسه مراقباً، ملاحقاً أحياناً على كلمة هنا وتعبير هناك واسم علم هنالك. خبرت ذلك مراراً خلال نحو ربع قرن من الكتابة في صحف عربية.
هنا واحدٌ من جذور وجودنا الصغير في عالم اليوم.
درج



