محطات

متطلبات تقنية لحماية الغابات السورية/ هشام حاج محمد

ما الذي نحتاجه عملياً لإنقاذ خُضرة الجبال من الحرائق؟

09-07-2025

        الغابات الخضراء هي رئة كوكبنا فعلاً، وهي مصدرٌ للحياة والتنوع البيولوجي وملاذٌ للجمال الطبيعي. في سوريا، تتركز هذه الثروة الطبيعية بشكل رئيسي في محافظتي طرطوس واللاذقية، حيث تشكل الغابات مساحات خضراء حيوية ذات أهمية بيئية واقتصادية واجتماعية كبرى. ومع ذلك، تُواجه هذه الغابات تحديات جسيمة، أبرزها الحرائق المتكررة التي تلتهم مساحات شاسعة منها، مخلفة وراءها دماراً بيئياً واقتصادياً واجتماعياً. إن ارتفاع درجات الحرارة، والجفاف، والعوامل البشرية، كلها تُساهم في تفاقم هذه الظاهرة، ما يجعل الغطاء النباتي في سوريا ضعيفاً للغاية وبحاجة ماسة إلى حماية شاملة ومُستدامة.

        التحديات الراهنة: لماذا تُعَدُّ الغابات السورية في خطر؟

        تتعدد الأسباب التي تجعل الغابات السورية عُرضة للحرائق، فبالإضافة إلى الظروف المناخية القاسية التي تشهدها المنطقة، تلعب العوامل البشرية دوراً محورياً في اندلاع هذه الكوارث. فالإسكانُ العشوائي على أطراف الغابات، ورمي النفايات، والإهمال في التعامل مع مصادر النيران، كلها عوامل تزيد من احتمالية وقوع الحرائق. إن ضعف الغطاء النباتي يجعل هذه الغابات أكثر عرضة للاشتعال والانتشار السريع للنيران، مما يستدعي تبني استراتيجيات حماية متعددة الأوجه.

        استراتيجيات الحماية: نهج متكامل

        تتطلّبُ حماية الغابات السورية نهجاً متكاملاً يجمع بين الإجراءات الوقائية، وتطوير آليات الاستجابة السريعة، وترميم المساحات المتضررة. يجب أن تتضمن هذه الاستراتيجيات ما يلي:

        1- حماية الغابات من الإسكان العشوائي: يُعَدُّ التوسع العمراني غير المُنظَّم على حساب الغابات أحد أبرز التحديات. يجب وضع قوانين صارمة تمنع التعدي على الأراضي الحراجية، وتطبيقها بفعالية، بالإضافة إلى توعية المجتمعات المحلية بأهمية الحفاظ على الغابات وفوائدها البيئية والاقتصادية.

        2- حماية الغابات من الحرائق بالتعامل معها كمحميات طبيعية: يجب التعامل مع الغابات السورية، وخاصة تلك التي تتركز فيها الكثافة النباتية، كمَحميات طبيعية تتطلب حماية خاصة. هذا لا يعني عدم التدخل بها إلا عند الكوارث، بل على العكس، يتطلب ذلك إدارة استباقية ووقائية تضمن جاهزية عالية لمواجهة أي طارئ. ومن الإجراءات التي يمكن اتخاذها في هذا الصدد:

             – فتح طُرق مخصصة لفرق الإطفاء: إنشاء شبكة من الطرق المخصصة داخل الغابات لتسهيل وصول فرق الإطفاء والمعدات الثقيلة إلى مناطق الحرائق بسرعة وفعالية.

             – توزيع شبكة من نقاط الدفاع المدني والإطفاء: إقامة نقاط مراقبة ومراكز إطفاء صغيرة موزعة بشكل مدروس داخل الغابات وعلى أطرافها، مزودة بالمعدات اللازمة وبأفراد مُدرَّبين على التعامل الأولي مع الحرائق.

             – إنشاء شبكة أنابيب من مياه البحر: في المناطق الساحلية مثل طرطوس واللاذقية، يمكن استغلال القرب من البحر لإنشاء شبكة أنابيب تتيح ضخ مياه البحر مباشرة إلى المناطق المستهدفة بسهولة، وذلك لاستخدامها في حالات الضرورة بما يوفر وقتاً ثميناً ريثما تصل فرق الإطفاء.

        3- ترميم المساحات المتضررة بإعادة التشجير: بعد كل حريق، من الضروري البدء بعمليات ترميم سريعة للمساحات المتضررة. يجب أن تعتمد هذه العمليات على أحدث تكنولوجيا التشجير العالمية، مع اختيار أنواع الأشجار المحلية المقاومة للجفاف والحرائق، واستخدام تقنيات الري الحديثة لضمان نجاح عملية إعادة التشجير.

        تعزيز القدرات: الطائرات والدرونز لمكافحة الحرائق

        أصبح من الضروري تحديث وتطوير قدرات فرق الإطفاء، ليس فقط من حيث المعدات الأرضية، بل أيضاً من خلال إدخال التقنيات الجوية الحديثة. إن ترميم معدات الإطفاء الحالية وتحديثها أمر حيوي، ولكن الأهم هو إدخال الطائرات والدرونز (الطائرات بدون طيار) في عمليات الإطفاء، لما لها من قدرة على إحداث تغيير نوعي في مكافحة الحرائق.

        تُعَدُّ الطائرات، سواء كانت طائرات ثابتة الجناح أو مروحيات، أداة فعالة للغاية في مكافحة حرائق الغابات، خاصة في المناطق الوعرة التي يصعب الوصول إليها برّاً. يمكن لهذه الطائرات إلقاء كميات كبيرة من المياه أو المواد الكيميائية المثبطة للنيران على بؤر الحريق، مما يساعد على إخمادها أو إبطاء انتشارها. على سبيل المثال، تُستخدم طائرات مثل «سوبر سكوبرز» (Super Scoopers) في العديد من الدول لمكافحة الحرائق الكبيرة. كما أن الطيران المروحي يلعب دوراً حيوياً في نقل فرق الإطفاء إلى المناطق المستهدفة وإعادتهم، وإخماد الحرائق الصغيرة الناشئة.

        ويُمثِّلُ الدرونز ثورة في مجال مكافحة حرائق الغابات، حيث توفر إمكانيات غير مسبوقة في المراقبة، والاستطلاع، وحتى الإطفاء الأولي:

            – المراقبة والاستطلاع: تتيح هذه الطائرات لفرق الإطفاء بيانات دقيقة في الوقت الفعلي، مما يساعدهم على تحديد المكان الذي سيتحرك فيه الحريق بعد ذلك، وتوفير إنذارات مبكرة قبل اندلاع وتوسُّع الحرائق، تستطيع الدرونز مراقبة مناطق الغابات لتقييم مخاطر الحرائق، مما يساعد المسؤولين في تطوير استراتيجيات أكثر علمية للوقاية. وخلال الحريق، توفر الدرونز رؤية شاملة للموقف، حتى من خلال الدخان الكثيف، باستخدام الكاميرات عالية الدقة وأجهزة التصوير الحراري. هذا يساعد في تحديد بؤر الحريق، واتجاه انتشاره، والمناطق الأكثر خطورة، مما يوجه فرق الإطفاء بفعالية أكبر.

             – المشاركة في الإطفاء الأولي: بعض أنواع الدرونز مُصمَّمة لحمل عوامل إطفاء سائلة عالية الضغط أو قنابل إطفاء حريق، ويمكن استخدامها لإخماد الحرائق الصغيرة أو السيطرة عليها في الأماكن التي يصعب الوصول إليها . كما يمكن استخدامها لإشعال حرائق استباقية متحكم بها لإنشاء حواجز نيران.

             – توصيل المعدات: يمكن للدرونز توصيل المعدات الصغيرة أو الإمدادات لفرق الإطفاء في المناطق النائية أو الخطرة.

         تجارب عالمية في حماية الغابات

        تُقدِّمُ العديدُ من الدول نماذجَ ناجحة في حماية الغابات ومكافحة الحرائق، يمكن لسوريا أن تستلهم منها. فمثلاً، تعتمد بعض الدول على حرق الغطاء النباتي بشكل مُتحكَّم فيه خلال الأشهر الباردة لتقليل مخاطر الحرائق الكبيرة، وهو ما يسمى بالحرق المُوجَّه. إذ يتمُّ إشعال حرائق تحت ضبط وانتشار محدود بهدف إزالة الحطب الجاف والأغصان المتراكمة قبل مواسم الحرائق الكبرى. كما أن هناك أنظمة كيميائية لمكافحة حرائق الغابات لتقليل احتمالية الاشتعال تُسمَّى «مثبطات الحريق طويلة الأمد» (Long-term fire retardants)، وهي مواد كيميائية تُرَشُّ على النباتات أو التربة أو المباني، وتظل فعالة لأسابيع أو أشهر، لتقليل احتمالية اندلاع حرائق أو انتشارها. بعكس المثبطات قصيرة الأمد التي تُستخدَم فقط أثناء الحريق وتُغسل بالمطر، فإن طويلة الأمد تقاوم العوامل الجوية وتبقى نشطة لوقت طويل.

        التكلفة: استثمار في المستقبل

        إن الإجراءات المقترحة، خاصة تلك المتعلقة بتحديث المعدات وإدخال التقنيات الحديثة كالطائرات والدرونز، مكلفة وقد لا تتناسب مع الأولويات الاقتصادية السورية الراهنة. ولكن، يجب النظر إلى هذه التكاليف على أنها استثمار حيوي وضروري، وليست رفاهية. فالتكلفة الاقتصادية والبيئية والاجتماعية للحرائق المدمرة تفوق بكثير تكلفة الوقاية والمكافحة. خسارة الغابات تعني خسارة التنوع البيولوجي، وتدهور جودة التربة والهواء، وتأثيرات سلبية على المناخ المحلي، بالإضافة إلى الخسائر المادية المباشرة في الممتلكات والبنية التحتية، وتشريد السكان. إن الاستثمار في حماية الغابات هو استثمار في الأمن البيئي والاقتصادي والاجتماعي على المدى الطويل، ويُقلل من الحاجة إلى إنفاق مبالغ أكبر بكثير في عمليات الإغاثة والترميم بعد الكوارث.

        ليست حماية الغابات السورية مجرد واجب بيئي، بل هي ضرورة وطنية لضمان مستقبل مُستدَام. يتطلب ذلك تضافر الجهود من جميع الأطراف، من خلال تبني استراتيجيات وقائية شاملة، وتحديث قدرات فرق الإطفاء بإدخال التقنيات الحديثة مثل الطائرات والدرونز، وتطبيق قوانين صارمة لحماية الغابات من التعديات. إن الاستثمار في حماية هذه الثروة الطبيعية هو استثمار في مستقبل سوريا، وفي صحة بيئتها، وفي رخاء أجيالها القادمة.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى