سوريا.. حين يهدّد السلاح المنفلت السلم الأهلي/ ميشال شماس

2026.04.03
الخطر الكامن في سوريا اليوم لا يكمن في ضعف الدولة فحسب، بل في فائض القوة الذي تمتلكه فئات مسلّحة تشعر أنها فوق القانون، وفي تغاضي السلطة عن السلاح المنفلت والخطاب الطائفي والارتجال في إدارة الشأن العام.
هذا الواقع لا يهدد السلم الأهلي فقط، بل يقوّض فكرة الدولة من أساسها، حيث تتحول الحقوق إلى امتيازات مرتبطة بمن يحمل السلاح، لا بمن يحميه القانون.
ما جرى في السقيلبية ليس سوى تجلٍّ واضح لهذا الخلل العميق: حادثة صغيرة تتحول إلى “فزعة مسلّحة”، ورغم تعدد الروايات حول الشرارة الأولى، بين مَن يقول إنّها اعتداء على شابين كانا في زيارة طبيب، ومن يؤكد أنها محاولة تحرش من شابين طائشين، فإن جوهر ما حدث لا يكمن في تفاصيل البداية، بل في الطريقة التي انفجرت بها الأمور لاحقاً.
فبدلاً من أن يلجأ الشابان إلى الأمن العام أو القضاء، كما يفترض، اختارا العودة إلى قريتهما وجلب “فزعة” مسلّحة، وهذا السلوك يطرح سؤالاً جوهرياً: ما الذي يدفع مواطنين يُعدّون من المؤيدين للسلطة للتصرف وكأنهم فوق الدولة نفسها؟ إن هذا الشعور بالفوقية، المدعوم بالسلاح والانتماء، شكل إساءة مباشرة للسلطة التي يعلنون تأييدها، لأنه يكشف أن مؤسساتها لم تعد مرجعاً لهم.
لكن الأخطر من كل ذلك كان موقف الأمن العام، الذي بدا غائباً في اللحظة التي كان يجب أن يكون فيها حاضراً، فقد اكتفى بالمشاهدة قبل أن يتدخل بمساعدة الجيش بعد تفاقم الوضع، الأمر الذي منح المهاجمين شعوراً إضافياً بالحصانة، هذا الصمت لم يُقرأ كعجز فقط، بل كإشارة انحياز أو تواطؤ، وهو ما عمّق شعور الأهالي بأن الأمن العام يتصرف وفق مزاج المسؤول عنه لا وفق القانون.
وزاد من هذا الشعور أن حلّ المشكلة جرى في النهاية عبر مصالحة شكلية و”تبويس شوارب” وتعهدات بدفع التعويضات، وكأن ما حدث خلاف بين أفراد لا اعتداء مسلّح على مدينة، مثل هذه التسويات، التي تتجاوز القانون وتستبدله بالأعراف، لا تعيد الحقوق ولا ترسّخ هيبة الدولة، بل تعطي رسالة معاكسة تماماً: أن من يملك السلاح يستطيع أن يعتدي ثم يخرج بتسوية لا محاسبة قانونية.
وقد ظهر أثر هذا الاعتداء بوضوح في قرار الكنائس إلغاء الاحتفالات بأعياد الشعانين والفصح والاكتفاء بالصلوات داخل الكنائس، وجاء هذا القرار كتعبير عن خوف حقيقي وشعور بعدم الأمان، وهكذا تحوّل حدث واحد إلى جرح جماعي، وأصبح الخوف جزءاً من الحياة اليومية.
ما حدث لا يمكن فصله عن محاولة بناء مسجد، وافتتاح مركز لتحفيظ القرآن في مدينة ذات غاليية مسيحية من دون تشاور، هذه المحاولات لم تُقرأ كإجراءات تنظيمية أو خدماتية، بل كرسائل سياسية تُرسل إلى مجتمع يعرف تماماً هشاشة توازنه، ومع غياب الشفافية وغياب الحوار، تحوّل كل قرار إلى مصدر شكّ، وكل خطوة إلى مادة للتأويل، وكل إجراء إلى سبب إضافي لتآكل الثقة بين الناس والسلطة المحلية.
ولا يمكن فهم ما جرى في السقيلبية بمعزل عن البنية السياسية التي تحكم البلاد، والتي أنتجت سلسلة من القرارات الارتجالية طالت تفاصيل الحياة اليومية للناس وعمّقت شعورهم بأن السلطة تتحرك بلا رؤية واضحة.
ففي اللاذقية فُرضت قيود على لباس النساء ومكياجهن، وفي دمشق مُنع تقديم المشروبات الكحولية في المطاعم خلافاً للقانون ودون أي نقاش مجتمعي، ثم جاء اعتصام باب توما وما تلاه من اعتصامات مضادة رفعت شعارات متطرفة، في مشهد يكشف حجم التوتر الذي يمكن أن تولده قرارات غير مدروسة.
هذه الإجراءات، التي تُتخذ بمعزل عن أي حوار أو فهم لحساسية المجتمع، لا تنتج استقراراً، بل تخلق مناخاً محتقناً يشعر فيه الناس بأن الدولة تتدخل في تفاصيلهم الصغيرة بينما تعجز عن تلبية مطالب الناس بضبط السلاح المنفلت وحل مشكلاتهم المعيشية، وهكذا يزداد الشرخ بين المجتمع والسلطة، وتتسع الهوة التي تسمح لأي حادثة محلية بأن تتحول إلى أزمة وطنية.
ولعل أحد الجذور العميقة لما جرى هو غياب أي مسار للعدالة الانتقالية، فحين لا تُحاسَب الانتهاكات، ولا تُكشف الحقائق، ولا تُعالج الجروح الاجتماعية، يبقى العنف كامناً تحت السطح، جاهزاً للعودة عند أوّل احتكاك. إن غياب المحاسبة جعل السلاح المنفلت جزءاً من الحياة اليومية، ومنح بعض الفئات شعوراً بأنهم فوق القانون، وأن الماضي يمكن تجاوزه بالقوة لا بالعدالة.
وفي ظل غياب إطار وطني يعالج المظالم ويعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، تصبح كل مدينة معرضة لإعادة إنتاج صراعات قديمة بأشكال جديدة، لأن الأسباب التي أشعلت الحرب لم تُعالج، بل جرى تجاهلها أو ترحيلها.
إن استمرار هذا المسار، يهدد فكرة الدولة في سوريا كلها، فحين يصبح السلاح بديلاً عن القانون، والانتماء الضيق بديلاً عن المواطنة، والقرارات الارتجالية بديلاً عن الإدارة الرشيدة، تتحول البلاد إلى فسيفساء من النفوذ المتضارب، لا يجمعها إطار سياسي واحد ولا رؤية مشتركة للمستقبل.
إن استعادة الاستقرار في سوريا تبدأ من الاعتراف بأن أجهزة الأمن تحتاج إلى تطوير مهاراتها وتعزيز مهنيتها، بحيث تصبح قادرة على التدخل السريع، وضبط النزاعات قبل أن تتفاقم، والتعامل مع المواطنين بوصفهم شركاء لا خصوماً.
فالأمن الحقيقي لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بالثقة التي تولدها مؤسسات محترفة تعمل وفق القانون وتطبّقه على الجميع بلا استثناء، والاعتراف أيضاً بأن البلاد بحاجة إلى إدارة رشيدة، ومؤسسات فاعلة، وقانون يعلو على الجميع، حتى لا تتحول الحوادث الفردية إلى أزمات وطنية، وحتى يشعر الناس أن دولتهم حاضرة لحمايتهم لا لتركهم يواجهون مصيرهم وحدهم.
تلفزيون سوريا



