التدخل الاسرائيلي السافر في سورياسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

الصراع على المياه في سوريا والشرق الأوسط/ سامر سيف الدين

7 أغسطس 2025

تُعدّ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من أكثر مناطق العالم ندرةً في المياه، إذ تضم حوالي 6% من سكان العالم، ولكنها لا تحتوي إلا على 1-2% من موارد المياه العذبة المتجددة. ويتفاوت توافر المياه تفاوتًا كبيرًا في جميع أنحاء المنطقة بسبب المناخات الجافة، وندرة الأمطار، وارتفاع معدلات التبخر.

تعتمد سوريا بشكل كبير على نهري دجلة والفرات، اللذين ينبعان من تركيا. وهناك أيضًا نهر العاصي الذي ينبع من لبنان ويصب في بحيرة العمق في لواء الاسكندرونة، ونهر بردى الذى يشهد فترات طويلة من الجفاف خلال السنة، وهناك أيضًا عدد من الأنهار الساحلية والداخلية ولكنها جميعًا لا تكفي احتياجات السكان وخاصة بعد موجات الجفاف، التي ضربت سوريا بين عامي 2006 و2011، وأدت إلى تدمير الزراعة، ونزوح المزارعين، والمساهمة في الاضطرابات الاجتماعية. كما تُستغل المياه الجوفية بشكل مفرط، وقد أدى تلوث الفلورايد إلى جعل بعض طبقات المياه الجوفية غير آمنة.

أما لبنان فيستفيد من نهري الليطاني والعاصي، لكن شحّ المياه يتزايد بسبب النمو السكاني، بما في ذلك وجود أكثر من 1.5 مليون لاجئ سوري، وسوء الإدارة. كما تُفاقم النزاعات مع إسرائيل حول نهر الوزاني التوتر بين البلدين. وكذلك يعاني الأردن ندرة شديدة في المياه، حيث من المتوقع أن يقل نصيب الفرد من المياه عن 100 متر مكعب سنويًا مع دخول عام 2025 (انخفاضًا من 260 مترًا مكعبًا في عام 1990). وأصبح نهر الأردن مُستنزفًا بشدة، وتستخدم البلاد مياه الصرف الصحي المُعالجة وتحلية المياه لتكملة الإمدادات.

كذلك يعتمد العراق كسوريا على نهري دجلة والفرات، ولكن بناء تركيا للسدود الكثيرة والكبيرة على النهرين قلل من تدفق المياه. وتستخدم أكثر من 80% من المياه للزراعة، مما يُرهق الموارد في ظل تغير المناخ وأضرار النزاعات التي لحقت بالبنية التحتية.

وفي إسرائيل أدت ندرة المياه إلى اللجوء إلى تحلية المياه وإعادة تدويرها بشكل متطور، مُلبيةً بذلك أكثر من 50% من احتياجاتها. يُعد نهر الأردن وخزان المياه الجوفية الساحلي بالغَي الأهمية، لكنهما يُعانيان من ضغوط الإفراط في الاستخدام والتلوث.

وفي تركيا التي  تُسيطر على منابع نهري دجلة والفرات، أقيمت سدود، مثل تلك الموجودة في مشروع GAP، لتوليد الطاقة الكهرومائية والري، وغالبًا يكون ذلك على حساب حصة جيرانها أي سوريا والعراق.

ويشير جيم يونغ كيم (رئيس البنك الدولي)، إلى أن “ندرة المياه تمثل تهديدًا خطيرًا للنمو الاقتصادي والاستقرار في جميع بقاع العالم، وإذا وقفت البلدان مكتوفة الأيدي في اتخاذ إجراءات لتحسين إدارة الموارد المائية، فإن بعض المناطق قد تعاني فترات طويلة من نمو اقتصادي سلبي”.

الصراع على مياه سوريا ولبنان

يؤكد العديد من الخبراء الدوليين أن “الصراعات حول المياه قد تتفاقم بسبب التغير المناخي والزيادة السكانية، مما يجعل المياه أحد المصادر الرئيسية للنزاع في القرن الحادي والعشرين”.

وفي هذا السياق يُفسر مفهوم “الصراع على المياه” جزئيًا الصراعات في سوريا ولبنان، على الرغم من أنه أحد العوامل المتشابكة العديدة. في سوريا، أدى شح المياه واستخدامها كسلاح إلى تفاقم الحرب الأهلية التي اندلعت عام ٢٠١١. وقد أدى الجفاف، الذي بدأ حوالي عام ٢٠٠٦، إلى نزوح أكثر من ١.٥ مليون مزارع إلى المراكز الحضرية، مما أدى إلى تأجيج الاضطرابات الاجتماعية وساهم في اندلاع الانتفاضة ضد نظام الأسد. وخلال الصراع، استهدفت جميع الأطراف دون استثناء البنية التحتية للمياه، مثل السدود ومحطات الضخ، لتحقيق مكاسب استراتيجية. على سبيل المثال، كانت السيطرة على نهر الفرات وسدوده ساحة معركة رئيسية وما زالت. واستخدم سلاح قطع إمدادات المياه على ملايين الأشخاص، ( كحالة انقطاع المياه في محطة علوك عام ٢٠١٩) كورقة ضغط بيد القوى والمجموعات المسلحة لإرضاخ الخصوم وتحقيق مكاسب سياسية أو عسكرية. وأدى تغير المناخ ومشاريع السدود التي تبنيها تركيا في أعلى النهر إلى انخفاض تدفق المياه، مما فاقم النزاعات على الموارد.

أما في لبنان، فترتبط النزاعات على المياه بالتوترات الإقليمية، لا سيما مع إسرائيل وسوريا. وقد سلّط النزاع على نهر الوزاني مع إسرائيل عام 2002 الضوء على المياه كنقطة اشتعال محتملة. كما أدى امتداد الحرب الأهلية السورية إلى استنزاف موارد لبنان، حيث زاد أكثر من 1.5 مليون لاجئ سوري الضغط على إمدادات المياه المحدودة أصلًا.

إسرائيل تسعى لتعزيز أمنها المائي على حساب جيرانها العرب

يقول الخبير الأميركي توماس ناف: “إن المياه في الشرق الأوسط قضية لم يعد الصراع عليها قضية اقتصادية أو تنموية فحسب، بل أصبح مسألة أمنية”. وكانعكاس لهذا القول تعتمد إسرائيل عددًا من الاستراتيجيات لتحقيق أمنها المائي، وإذا كان جزء منها، كتطوير تقنيات تحلية مياه البحر وإدارة الماء بكفاءة، غير مضر بجيرانها إلا استراتيجيات أخرى مثل السيطرة على الموارد المائية تؤدي حتمًا إلى الصراع مع الجوار، حيث تعتبر السيطرة على مصادر المياه في المناطق الحدودية، مثل هضبة الجولان ووادي اليرموك في سوريا ونهر الليطاني والوزاني في لبنان، جزءًا أساسيًا من هذه الإستراتيجية الإسرائيلية. ومن خلال السيطرة على هذه الموارد، تستطيع إسرائيل تأمين احتياجاتها المائية وتوسيع نفوذها في المنطقة.

ويكفي أن نذكر أن هضبة الجولان السورية هي مصدر رئيسي للمياه العذبة لإسرائيل، حيث تساهم في تلبية حوالي ثلث احتياجات إسرائيل من المياه. والسيطرة على هذه الموارد تضمن لإسرائيل استمرارية إمدادات المياه اللازمة للزراعة والصناعة، مما يعزز من استقرارها الاقتصادي. كما تساهم المياه المستخرجة من الجولان في دعم الأنشطة الزراعية الإسرائيلية، حيث تُستخدم في ري المحاصيل الزراعية مثل العنب والتفاح. يُعتبر الجولان منطقة غنية بالمياه، مما يجعلها مثالية للزراعة، وبالتالي تساهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي لإسرائيل.

كما تستخدم إسرائيل المياه كأداة دبلوماسية لتعزيز العلاقات مع الدول المجاورة. من خلال تقديم المساعدة في مجال المياه للدول التي تعاني من نقص المياه، تسعى إسرائيل إلى تحسين علاقاتها وتعزيز التعاون الإقليمي. وفي نفس الوقت تستغل إسرائيل الأزمات الإنسانية في الدول المجاورة، مثل سوريا ولبنان، لتعزيز سيطرتها على الموارد المائية. والسيطرة على البنية التحتية المائية الحيوية في هذه المناطق يمكن أن تؤثر بشكل كبير على الأمن المائي للدول المجاورة، ولعل هذا هو أحد الأهداف الرئيسية لتوسيع إسرائيل لحزام الأمان بعد خط الاشتباك مع سوريا عام 1974، حيث بسطت سيطرتها على مناطق واسعة من حوض اليرموك وريف دمشق وهي المناطق الغنية بالمياه ومنابع المياه التي تغذي شمال فلسطين.

ولا يسلم الأردن من أطماع إسرائيل في مياه الدول المجاورة حيث تسيطر على وادي عربة والجزء الأكبر من مياه نهر الأردن.

حلول أمام دول المنطقة

تنبأ بطرس بطرس غالي (الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة)، في خطاب له عام 1985 بأن “الحرب الكبرى القادمة في الشرق الأوسط ستكون بسبب المياه، وليس السياسة”، وهو قول تكرر كثيرًا في الخطاب الدولي حول الصراعات المائية.

وفي هذا السياق تعتبر السيطرة على المياه في الجولان وسيلة لتعزيز النفوذ الإسرائيلي في المفاوضات السياسية مع الدول المجاورة. وتستخدم المياه كوسيلة للمساومة في أي مفاوضات مستقبلية، مما يزيد من أهمية السيطرة عليها. وفي حين تساهم السيطرة على المياه في تعزيز الأمن الغذائي لإسرائيل، تعاني كل دول المنطقة من واقع مائي وغذائي سيء للغاية. ويبقى على الدول العربية التي أنهكتها الصراعات والاقتتال الداخلي أن تعمل على خطين متوازين، الأول التعاون فيما بينها بغية الحفاظ على حصتها من مياه الأنهار العابرة لحدودها، ولديها من أوراق الضغط إن أرادت ما هو كفيل بذلك. والثاني استخدام التقنيات المتطورة كتحلية مياه البحر ومياه الصرف الصحي وتقنيات الاستدامة التي تضمن أمنها المائي، والذي بدونه لن يكون هناك أمن غذائي أو سياسي لأي منها. ويجب أن يكون حوض اليرموك وحوض الليطاني بمثابة خطوط حمر يجب عدم التخلي عنهما تحت أي ظرف كان لأن العواقب ستكون وخيمة على شعوب المنطقة.

الترا سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى