سوريا ومصر: من دفء التاريخ إلى برود العلاقات الراهنة/ محمد سليمان

15 أكتوبر 2025
في أحد شوارع دمشق، قبل أسابيع فقط، ارتفعت أصوات متظاهرين بشعارات ضد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. لم يكن المشهد مألوفًا، فالعاصمتان اللتان طالما ربطتهما شعارات “الوحدة” و”المصير المشترك” باتتا اليوم تتبادلان إشارات البرود.
مع أن السلطات في دمشق حاولت التقليل من أهمية تلك الهتافات، فإن الإعلام المصري سارع إلى تضخيم الحدث، مقدّمًا إياه كإساءة مباشرة من النظام السوري للقاهرة. وسرعان ما التقطت منصّات التواصل الاجتماعي الخيط، ليتحوّل النقاش إلى عاصفة من السجال بين مؤيدين ومهاجمين، عمّقت مشاعر التوتر بين البلدين.
لكن ما بدا في البداية أزمة عابرة سرعان ما اكتسب بعدًا سياسيًا أعمق، حين أعلنت دمشق لاحقًا إلغاء الاحتفال بذكرى حرب تشرين الأول/ أكتوبر، وهي الخطوة التي قرأتها القاهرة على أنها تعبير صريح عن فتور العلاقات وتراجع رمزية التضامن العربي المشترك. عندها بدا واضحًا أن صفحة جديدة قد فُتحت في العلاقات بين مصر وسوريا، صفحة عنوانها الحذر والشك، بعد عقودٍ من التاريخ الذي جمعهما في معارك السياسة والحرب والهوية.
العلاقات التاريخية والملفات المشتركة بين البلدين
يقول المحلل المصري السيد شبل إن علاقة الدولة المصرية بسوريا علاقة مميزة تاريخيًا، إذ لا تكاد تخلو مرحلة، في التاريخ القديم أو الحديث، من علاقات وطيدة بين البلدين، حتى على المستوى الشعبي، هناك قدر واسع من التقارب في الثقافة والمزاج العام بين الشعبين.
ويرى السيد شبل أنه في الوقت الحالي، هناك عدد من الملفات المشتركة التي تجمع البلدين، أهمها التصدي للتوجهات الإسرائيلية التوسعية، فحكومة الاحتلال عازمة على تنفيذ مخطط “إسرائيل الكبرى”، ما يعني أن تل أبيب لا تريد طمس الوجود الفلسطيني العربي داخل فلسطين التاريخية فقط، بل التمدد لتهديد وتفتيت دول الطوق، واقتطاع أجزاء منها لصالح تعزيز مشروع الهيمنة الاقتصادية والعسكرية الإسرائيلية على منطقة الشرق الأوسط.
ويؤكد السيد شبل أنه فيما يتعلق بالموقف المصري من التغيرات السياسية داخل سوريا منذ نهاية العام الماضي، فالقاهرة “معنية بالأساس باستقرار الأوضاع الداخلية هناك، وبوجود نظام يتبنى رؤية حضارية معتدلة، بعيدة عن التطرف، ضمن صيغة وطنية جامعة لمكونات المجتمع السوري، تضمن العدالة والمساواة والتمثيل المتكافئ لجميع المواطنين”.
ويضيف المحلل المصري أنه في مصر “يُنظر إلى انتصار أكتوبر على أنه ثمرة تضافر القوى العربية وتوحّد الإرادة بين الجيوش الشقيقة، إذ كان الجيش العربي السوري شريكًا أساسيًا في تحقيق النصر، ويُشار إليه في مصر، حتى اليوم، باعتباره الجيش الأول، فيما تضم مصر الجيشين الثاني والثالث”.
ويؤكد السيد شبل أنه ومن هذا المنطلق، فإن “إلغاء الاحتفال بحرب أكتوبر/تشرين في سوريا لا يُعدّ مجرد إجراء رمزي داخلي، بل يحمل انعكاسات سلبية عميقة على طريقة القاهرة في تقييم المشهد السوري الراهن. ففي الوعي المصري، يُنظر إلى تغييب هذا الحدث الوطني الجامع بوصفه إشارة إلى تراجع الارتباط العربي المشترك”.
التوازن المصري في التعامل مع سوريا
يشير المحلل السياسي حسام طالب إلى أن العلاقة بين مصر وسوريا لا يمكن أن تكون سيئة، لأنها مضرّة للطرفين، وأن الجميع دفع ثمن سوء العلاقة في ثمانينات وتسعينيات القرن الماضي. لذلك، يظل خط التواصل بين البلدين مفتوحًا دائمًا، وإن لم يكن واسعًا أو إيجابيًا بالكامل.
ويضيف طالب أن بعض التخوفات المصرية جاءت من وصول تيار إسلامي إلى الحكم في سوريا، إذ لدى مصر هواجس تجاه هذا التيار، سواء في سوريا أو غيرها. ومع ذلك، لم تتعامل مصر بسلبية كما تعاملت مع دول أخرى وصلت إليها تيارات إسلامية، إذ اعتمدت على الأداء السوري والتطمينات الصادرة من الإدارة الجديدة، بما يشمل منع أي تهجم على مصر أو استخدام سوريا كقاعدة للتيار الإخواني.
ويرى طالب أيضًا أن الهواجس لم تخرج عن السيطرة، حيث اهتمّت وزارتا الداخلية والخارجية في سوريا مباشرة بإصدار بيانات الإدانة واتخاذ الإجراءات القانونية ضد من قام بالمظاهرة، وهو ما ساهم في تجاوز الأزمة بسرعة. ويرى أن الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في تضخيم الحدث، لكنه كان طفيفًا مقارنة بسرعة تجاوب الشعبين والقيادتين السورية والمصرية، ما يمهد الطريق لمرحلة أفضل في المستقبل القريب.
القلق السياسي والفتور الراهن
يقول مراقبون مصريون إن مظاهرة دمشق الأخيرة “تكشف هشاشة العلاقة بين مصر وسوريا، وترى القاهرة فيها مؤشرًا على الفتور السياسي الحالي”.
ويشير المراقبون إلى أن المشكلة “تكمن في أن المشتركات بين حكام العاصمتين شبه معدومة، فالسيسي ينتمي لمنظومة الضباط الذين استأثروا بحكم الجمهوريات العربية بعد الاستقلال، بينما ينتمي الشرع لـ “فريق مهمّش” يتبنى تقليديًا فكرة “الحكم على أساس خلفية إسلامية”.
ويخلص المراقبون إلى أن الأحداث الأخيرة “تزيد من حالة الحذر في القاهرة، وتؤكد للقيادة المصرية أهمية إعادة النظر في طريقة التعامل مع دمشق، لضمان استقرار المنطقة ومنع أي تأثير سلبي على الداخل المصري”.
ضرورة التواصل وإعادة بناء الثقة
تتباين الرؤى حول مستقبل العلاقة بين مصر وسوريا، بين التحليل التاريخي والسياسي والهواجس، لكنها تتفق جميعها على حقيقة واحدة: العلاقات بين البلدين تمر اليوم بمرحلة دقيقة وحساسة، تتطلب إعادة التواصل والتفاهم لتجنب أي تصعيد غير مقصود.
وبين المخاوف من التوتر السياسي، والتجارب التاريخية السابقة، والفتور الراهن في دمشق، يرى متابعون أنه من الضروري الحفاظ على الحوار والتنسيق بين القاهرة ودمشق من أجل ضمان استقرار المنطقة واستمرار الروابط الأخوية بين الشعبين، وهو ما يشكل الأساس لأي علاقة مستقبلية قوية بين البلدين.
الترا سوريا



