صفحات الحوار

جوستين أوجييه: “مئات السوريين والأوروبيين يعملون على ألا يستمر الإفلات من العقاب

ترجمة بدر الدين عرودكي

تواصل الكاتبة النضال ضد نسيان جرائم بشار الأسد مع كتابها “بضرب من معجزة“، صورة ياسين الحاج صالح، المثقف السوري المنفيّ في ألمانيا.

جوستين أوجييه

كان الكتاب السابق لجوستين أوجييه “عن الاضطرام De l’ardeur“ (آكت سود، 2017) صورةً للعالم العربي بما يطويه من الأفضل والأسوأ، عبر سورية والشخصية المضيئة للمحامية ولوجه الثورة السورية رزان زيتونة؛ أما كتابها الجديد (بضرب من معجزة) فهو صورة أوروبا، في كل ما يمكنها أن تطويه من الأسوأ والأفضل. يجري الحديث فيه خصوصًا عن ألمانيا، مكان لجوء مئات الآلاف من السوريين. بطل هذا العمل السوري الثاني هو ياسين الحاج صالح، مثقف منشق مرّ بسجون نظام الأسد. عبر نظرة هذا المنفيّ السياسيّ على أوروبا وعلى ألمانيا، التي يكتشفها، تتحدث جوستين أوجييه عنّا، وعن قيمنا، وعن تنازلاتنا.

بعد كتاب “عن الاضطرام”، هل كنتِ تفكرين أنك قادرة على الابتعاد من سورية والانتقال إلى شيء آخر؟

فكّرت بذلك قليلًا، وأدركت أن الأمر لم يكن ممكنًا. في أصل كتاب “عن الاضطرام” شعورٌ كان شديد القوة واستمر. شعور بالفضيحة في مواجهة سحق الثورة السورية وفي مواجهة اللامبالاة. لم أتعافَ من هذا السحق المزدوج. نحن اليوم بعد عشر سنوات من حدوث ذلك. بعد أن عرفت حجم الجرائم المقترفة، يبدو لي أن هذا النسيان وهذه الحصانة يقولان شيئًا ما عن حالة العالم.

هذه القصة تعنيني بوصفي فردًا، بوصفي أوروبية. حين علمتُ أن [المثقف المعارض لبشار الأسد] ياسين الحاج صالح، مع كل التاريخ الذي يحمله، كان قد استقرّ في برلين، في هذه المدينة ذات التاريخ الذي نعرفه، جسَّد َذلك هذا الشعور بكوني معنية. ولهذا السبب أيضًا أكتب. لكي أتذكر وأناضل ضد هذه المحاولات في السحق، في النسيان. النسيان هو إحدى كلمات عصرنا الكبيرة، ولكن مفهوم النتيجة، في النسيان، يتضرَّر، واللغة أيضًا تتضرَّر.

لماذا اللغة؟

حين تُلْفظُ الكلمات ولا تؤدّي إلى نتيجة، تفقد اللغة قدرتها على قول الواقع وعلى تغييره. ذلك شيء وعيته بفضل رزان زيتونة. بعد الهجمات الكيمياوية على الغوطة في عام 2013 التي كان الغربيون قد وضعوها بوصفها “خطًا أحمر“، كانت في المكان، وكانت توثّق، وتساعد في دفن الموتى في جوّ حافل بخوف رهيب. لكنها كانت تفعل ذلك وهي تؤمن بأن ثمة تدخلًا. لم يكن بوسعها أن تصدّق أنه إذا كانت هذه الكلمات قد لفظت، فلن يكون لها نتائج. وكان لا بدَّ لها من مرور أسابيع كي تفهم ذلك. في البداية، اعتبرتُ ذلك سذاجة ثم وجدتُ أنه شديد الجمال: ثمة هنا شيء ما من التذكير بما يجب.

ما هي خصوصية الدراما السورية؟ هل هي نهاية “لن يتكرر ذلك أبدًا” أم نهاية فكرة أنه، مع البراهين، لا يمكن للجرائم ضد الإنسانية أن تُقترف؟

دائمًا ما تكون الجرائم في ذاتها فريدة، وليس المقصود مقارنتها بمفردات الحدّة أو القسوة. خصوصية سورية تكمن في معرفة غير عادية بأن لدينا من هذه الجرائم. لقد قام السوريون بعمل توثيقي لا يصدق، لأن هذا النظام حرمهم من الذاكرة طوال العديد من السنوات. لم يكن من الممكن كتابة التاريخ، لأن النظام كان يريد أن يكون أبديًّا. آلاف مؤلفة من السوريين أنتجوا نصوصًا، وصورًا، وتسجيلات صوتية. كان هناك أيضًا صور قيصر [اسم المصور العسكري المكلف بتصوير الجثث الخارجة من مراكز التعذيب الذي نجح في مغادرة سورية مع عشرات آلاف الصور التي تبرهن على الإساءات التي اقترفها النظام]. يبدو لي من غير المعقول أن هذه الصور قد غمرت العالم، وأننا نفكر بشكل من أشكال التطبيع مع الأسد. ههنا إنما تقع خيانة العالم: فجأة، لم يعد لكل القيم التي زعمنا أن الاتحاد الأوروبي أسس عليها، مثلما لم يعد لشكلٍ ما من العالمية عند الخروج من الحرب العالمية الثانية، أي قيمة.

هل أثارت وفرة الصور ضربًا من التعب والقرف؟

هذه الطريقة شديدة المباشرة في إدراك الأحداث هي عرضُ من أعراض العصر. صور تطرد صورًا أخرى، وكلمات تطرد كلمات أخرى. نحن تمامًا في العاطفية المحضة، الذهول. لكن الذهول لا يفيد شيئًا، ولا يسهم في إعداد جواب أخلاقي وسياسي. سوى أن هذه الصور هي القاعدة التي تعتمد عليها كل محاولات العدالة في أوروبا بناء على مبدأ الاختصاص العالمي. مئات الأشخاص السوريين والأوروبيين يعملون على ألا يستمر الإفلات من العقاب. هذا قليل جدًا، وهذا هائل.

هل محاولات العدالة هذه هي شكل من التصحيح؟

العدالة هي دومًا أمرٌ نتابعه، إنها لا تكفي أبدًا للتصحيح. حين نرى في محكمة كوبلنز [ريناني ــ بلاتينا، ألمانيا] سوريين يشهدون أمام أنور رسلان، الذي كان يدير مركزًا للتعذيب والمتهم بالعنف الجنسي وبالقتل، فهذا اعتراف بما لم يكن يجب حصوله. لكن العدالة لا تتعلق بالماضي وحسب، إنها تتناول فكرة ما عن المستقبل.

ما الذي ينتجه هذا اللقاء بين هؤلاء المنفيين السوريين وألمانيا؟

هناك صعود اليمين المتطرف في أوروبا، وخصوصًا في ألمانيا، الذي عرف انتقالات إلى العنف مكررة وشديدة الأهمية، لكن ثمة أيضًا أشياء في طريقها إلى أن تبتكر ذاتها، وكان لدي رغبة في الاهتمام بها. خصوصًا وجود مئات الألوف من السوريين، الذين ثاروا وأرادوا ابتكار طريقة جديدة في الحكم، اليوم هنا، في وسط أوروبا. إنهم يحملون إيمانًا بإمكانات مختلفة، مخيلة كاملة لم نعد نمتلكها.

هل يُحيي هؤلاء اللاجئون المثل الأعلى الثوري في أوروبا التي تبدو في طريق مسدود؟

الثورة هي قبل كلّ شيء أمرٌ شديد الحميمية. حين ننزل إلى الشارع، حين نسمع صوتها للمرة الأولى، لا نفقد هذه القوة، حتى بعد عشر سنوات، وإنْ أعدنا صنع حياتنا في أمكنة أخرى. وإلى هذا إنما كنت أرغب في العودة. إنه درسٌ عميق لنا، نحن الذين نعيش في واقع مسحوق. إنها قوة إلهام في أوروبانا المنغلقة ضمن حدودها وفي طريقتها في فهم العالم والهويات.

على أي مثقف أوروبي اليوم، وإنْ لم تكن سورية في قلب اهتماماته، أن يفكر بطريقة جديدة في سكن العالم، بألا يستسلم للانغلاق بفعل انطباع عن واقع محاصر. وهذا يمرّ، بالضرورة، عبر الانتباه إلى آلام الآخر، وإلى رفض هذه الفضيحة الهائلة التي هي احتقار بعض الحيوات.

تُقيمين مقارنة بين ياسين الحاج صالح (الشخصية الرئيسة في كتابك) والفيلسوفة حنة آرنت [1906ـ1975]. لماذا؟

بالنسبة إليه، يوجد في الطريقة التي يستحوذ بها اللاجئون على العالم، بمساعدة أرخبيل أصحاب الضمير، بوادر إعادة ابتكار السياسة. هذا شيء أؤمن به كثيرًا: وجهة نظر اللاجئ أساس، والعالم يحتاج إليها. حين جاء ياسين الحاج صالح إلى برلين، بحث عن أدوات من أجل أن يفهم على نحو أفضل المأساة السورية، والتقى فكر حنا آرنت التي صارت بطلته. قرأها كما لو أن فكرها كان موجَّهًا إليه. إنهما يشتركان في القدرة على متابعة محادثة في حدِّ ذاتها، وهي ضامنة سلوك أخلاقي، وفي مسألة النظر إلى الفعل السياسي في كل نبله.

خلال أعوامه الستة عشر التي قضاها في السجن، تخلص ياسين الحاج صالح مما تنطوي عليه الأيديولوجية من انغلاق ورفض المفاجأة. إنه شخص بنى نفسه بنفسه مع قراءاته. لديه طريقة في التفكير شديدة الفرادة، حرّة للغاية. إنه لا ينتمي إلى أي ضفة، وسيعثر على حنه آرنت هناك. كان خلال زمن طويل يحذر من مفهوم العالمية، لأنه كان يبدو له معتمدًا من الإمبريالية. لكنه اليوم يرى أن ثمة عالمية تنتظر بناءها من حول قيم أساس أدرك أهميتها في كيانه الحي. 

نقد

على مقربة من إنسان ومن ألمه

إنها تتمة منطقية وطبيعية. كانت أول حكاية كتبتها حوستين أوجييه، عن الاضطرام تعمل على إعادة إحياء شخصية رزان زيتونة، وجه الثورة السورية، التي كان النظام يلاحقها، واختطفتها أخيرًا جماعة متمردة سلفية في المنطقة “المحررة” التي كانت قد وجدت فيها ملجأ لها. أما الحكاية الثانية، بضرب من معجزة، فهي تقصُّ نتائج سحق هذه الثورة: منفى الضحايا، وإفلات القتلة من العقاب، والبحث عن العدالة ومتابعة الثورة خارج الأسوار.

إنه ياسين الحاج صالح الذي يقيم الرابطة بين الاثنتين. هذا المثقف العصامي، الشيوعي السابق الذي قضى ستة عشر عامًا في سجون النظام قبل ثورة 2011، هو زوج سميرة الخليل، المناضلة من أجل حقوق الإنسان. سوى أن هذه الأخيرة كانت قد اختطفت في الوقت نفسه الذي اختطفت فيه رزان زيتونة مع رفيقيهما الآخريْن سيئي الحظ. لم يعثر على أي واحد من “رباعي الغوطة”، المكان الذي اختفوا فيه في ضواحي دمشق، حتى بعد استعادة هذه المنطقة من قبل النظام في نيسان/ أبريل 2018.

يقف بضرب من معجزة على مقربة من هذا الإنسان ومن ألمه. لكنه ألمٌ خصب يبحث، عبر اتصاله بأوروبا وتاريخها، عن طريق عالمية جديدة. يكتشف ياسين الحاج صالح، وقد صار لاجئًا في برلين، فكر حنه آرنت في الوقت الذي يعمل فيه سوريون آخرون، لاجئون مثله، عن وسائل ملاحقة سجّانيهم السابقين قضائيًّا. وعبرهم، إنما تتكلم جوستين أوجييه عنا وعن تخلّينا وعن نسياننا.

عنوان المادة: Justine Augier :Des centaines de Syriens et d’Européens travaillent à ce que l’impunité ne perdure pas »

الكاتب، أجرى اللقاء: كريستوف عياد Christophe Ayad

المترجم: بدرالدين عرودكي

مكان وتاريخ النشر:le 23/01/2021 Le Monde,

رابط المقال: http://bit.ly/3aUwgA9

مركز حرمون

علي العبدالله لتلفزيون سوريا من دمشق: نعيش استعصاءً سياسيا قاتلا

أجرى الحوار طارق صبح ومحمد حاج بكري

في نيسان من العام 2005 فوجئ حضور جلسة “منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي” بالمعارض علي العبد الله يتلو رسالة وجهها إلى إدارة المنتدى المراقب العام لحركة “الإخوان المسلمون في سوريا”، علي صدر الدين البيانوني، ليمضي على إثرها في المعتقل ستة أشهر، وتبدأ بعدها سلسلة اعتقالات متتالية عاشها العبد الله، ليكون بذلك أحد أبرز معتقلي “ربيع دمشق”.

ولد علي العبد الله في مدينة دير الزور في العام 1950، وانتقلت عائلته إلى القامشلي في العام 1955 حيث تلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي والثانوي هناك، وعاد إلى دير الزور في العام 1970 ونال الشهادة الثانوية هناك، ليعمل بعدها معلماً وكيلاً في مدارس المدينة، والتحق بنفس الوقت بكلية الآداب في جامعة دمشق لدراسة الفلسفة حيث تخرج في العام 1973.

كشباب جيله، سكنت القضية الفلسطينية عقله وقلبه، فغادر سوريا في أيلول من العام 1977 متوجهاً إلى بيروت، حيث عمل في مركز التخطيط الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، كما عمل راصداً إذاعياً بالمنظمة، ثم تحوّل إلى باحث، فرئيس للقسم السياسي للمركز بين عامي 1984 و1994.

شهد علي العبد الله حصار بيروت في العام 1981، وخرج منها مع الفدائيين إلى تونس، وعاد إلى دمشق في العام 1994، ليشهد اعتقاله الأول، بتهمة علاقته مع منظمة التحرير الفلسطينية، وخرج من المعتقل بعد ستة شهور ليتفرغ للعمل الصحفي والفكري.

مع رحيل الأسد الأب وانطلاق “ربيع دمشق”، انتسب العبد الله إلى “لجان إحياء المجتمع المدني” في العام 2002، كما انخرط مع رفاقه في “إعلان دمشق للتغير الوطني الديمقراطي” منذ تأسيسه في العام 2005، وانتخب عضواً في الأمانة العامة للمؤتمر في العام 2007، واعتقل في أيلول من العام نفسه مع 17 عضواً آخرين من الأمانة العامة بتهمتي “إضعاف الشعور القومي ونقل أنباء كاذبة من شأنها أن توهن نفسية الأمة”.

بعد عامين ونصف أُفرج عن جميع المعتقلين باستثناء علي العبد الله، الذي أحيل إلى محكمة أمن الدولة العليا في نيسان من العام 2010، على خلفية تصريحات نُسبت إليه في سجن دمشق المركزي بعدرا، ووجهت له تهم “نقل أخبار كاذبة من شأنها أن توهن نفسية الأمة، والإقدام على أعمال أو كتابات أو خطب لم تجزها الحكومة، وتعريض سوريا لخطر أعمال عدائية تعكر صلاتها بدولة أجنبية”، وذلك على خلفية مقال انتقد فيه سياسة النظام الإيراني تجاه تحركات المعارضة بعد التجديد للرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد.

يعتبر علي العبد الله أحد أبرز المعارضين السياسيين الذين فضّلوا عدم مغادرة البلاد والبقاء في دمشق، واستمر بممارسة نشاطه الفكري والكتابة في مختلف الصحف والمواقع العربية بهدف نشر الوعي الديمقراطي والمساواة بين السوريين على قاعدة المواطنة دون أي من أشكال التمييز.

من العاصمة دمشق، حيث يقيم الكاتب والمعارض السياسي علي العبد الله، كان لنا معه هذا الحوار:

هل ترى الحال في سوريا ما يزال في مرحلة المخاض العسير أم اتضحت المعالم وفق ميزان القوى الإقليمية؟

رغم الهدوء النسبي الذي يخيم على الجبهات إلا أن ذلك لا يعني أن الوضع الراهن نهائي، فالهدوء دليل تعب وإجهاد لأطراف الصراع ورعاتهم من المواجهات وكلفتها البشرية والمادية لكنه لا يشير إلى نضج شروط الحل بدليل تمسك كل طرف بروايته ومطالبه.

فالطرفان السوريان، النظام والمعارضة، ما يزالان عند مواقفهما الأولى، والدول الراعية، الإقليمية والدولية، لم تتفق فيما بينها على صيغة حل تلبي مصالحها المتعارضة.

سيستمر الوضع على حاله، ثبات المواقع واستمرار المناوشات، لفترة لا يمكن تقديرها بانتظار حصول تفاهم على صيغة نهائية، ومن هنا حتى يتحقق ذلك سنشهد مزيداً من المناوشات والمواجهات المحدودة والمناورات السياسية سعياً وراء تغيير المواقف وتخفيف المطالب. 

برأيك، من يضع العصي في دواليب الحل السياسي في سوريا؟

أعتقد أن ما نعيشه حالة أكبر وأخطر من وضع عصي في الدواليب. نحن في استعصاء قاتل، سببه أن أطراف الصراع المحلية والإقليمية والدولية ما تزال بعيدة عن تحقيق تطلعاتها، وما تزال بحاجة إلى استثمار الصراع لتحقيق تلك التطلعات؛ لذا هي بحاجة إلى استمراره بصيغة أو أخرى؛ وتمرير الوقت بإدارته عبر اقتراح مسارات وطرق فرعية للعملية السياسية للإبقاء عليها في حالة دوران لكن من دون تقدم حقيقي، فاقتراحاتها ومناوراتها هدفها ليس تقديم خيارات مقبولة بل لتبرير استمرار العملية كي لا تصل إلى الجمود الشامل وتندفع لتحريك العملية إلى صدام مباشر بين بعضها. فالصراع مستمر بحدة منخفضة وإدارته قائمة على قدم وساق لتحاشي وقوع مواجهة مباشرة تقود إلى امتداده خارج الجغرافيا السورية.

بعد عشر سنوات، هل اقتربت المعارضة (بتشكيلاتها السياسية) من ملامسة مبادئ الثورة وأهدافها؟

هنا لا بد من إيضاح نقطة جوهرية وهي طبيعة الثورة وأهدافها، حيث بدأت الثورة كاحتجاج شعبي محدود على ممارسات محددة للنظام، دفعها رد النظام السلبي والعنيف إلى التصعيد والتمدد والتحول إلى احتجاج شامل بأهداف شاملة وجذرية: إسقاط النظام.

لذا يمكن القول إنه لم تكن للثورة مبادئ معلنة وثابتة لكن لها أهداف محددة من دون خطة وصول.

المعارضة بتشكيلاتها جاءت إلى الثورة باعتبارها إرثها أولاً، وباعتبارها وسيلتها للوصول إلى أهدافها من خلال قيادة الثورة والتحدث باسمها. وهذا مع الصراعات البينية والتنافس المرضي جعلها بعيدة عن حقيقة الثورة وأهدافها واستحقاقاتها.   

إلى أي مدى لعبت تجارب “ربيع دمشق” و”إعلان دمشق” بالتأسيس للمعارضة السورية في شكلها الحالي؟

لعب النضال ضد سياسات النظام الاستبدادية والقمعية وما كرسته من قيم وأعراف أساسها اعتبار السياسة أمناً، وأمناً فقط، والضغط على المجتمع لترويضه وتنميط ردود أفعاله وفق رغبات النظام واحتياجاته إلى جانب ترويج مقولة الخلاص الفردي و”دبر راسك” التي أشاعت الفساد وجمّلته، لعب النضال، بما شهده من تشكيل منتديات وإلقاء محاضرات وإصدار أوراق سياسية وبيانات وما نفذه من اعتصامات ومظاهرات، دوراً مهماً في بث الأمل في نفوس المواطنين وتحريك المياه الراكدة، وكانت تسميته بـ “ربيع دمشق” من باب التيمن بالربيع، وما يشكله من عودة الروح للطبيعة وتزيّنها بالخضرة والزهور بألوانها الجميلة، لكنه لم يستمر طويلا لأن النظام لا يستطيع التعايش مع أجواء الحرية فكان رده القمع والسجون.

سحق الربيع لكن بذوره بقيت في الأرض وقد أنبتت تشكيل “إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي”، الذي أكد على مطلب التغيير بإقامة نظام ديمقراطي تعددي، تغيير “توافقي وتدريجي وآمن”، ولم يلق الرضا من النظام وضرب هو الآخر. استثمر النظام الخلاف الذي انفجر داخل “الإعلان” وانسحاب أحزاب سياسية منه وتشكيكها بوطنية من بقي فيه.

طبعا لا يمكن اعتبار ما تم نجاحاً صافياً؛ فقد انتقلت إلى تجربتي “ربيع دمشق” و”إعلان دمشق” تناقضات الأحزاب ونقاط ضعفها، وهي كثيرة وخطيرة، وتنافسها المرضي على القيادة وفرض المواقف والخيارات السياسية، ما جعل اجتماعها ملغوماً وسريع العطب.

هذا ما حصل قبيل انطلاق ثورة الحرية والكرامة، وانتقل، مع الأسف، إلى الكيانات السياسية والمؤسسية التي تشكلت للتعاطي مع الحدث الكبير وقيادته.

ما نشهده اليوم من صراعات وركاكة وهشاشة، شاهدناه خلال هاتين التجربتين، وإن كان الحاصل الآن أخطر بسبب طبيعة المرحلة ومستدعياتها واستحقاقاتها. 

هل قام المعارض والمثقف السوري، على الصعيد الشخصي، بدوره المفترض في الثورة السورية؟

هنا يمكن القول إن معارضين ومثقفين كانوا على الصعيد الشخصي أكثر قرباً من روح الثورة وتفاعلاتها من الأحزاب، فقد غامر معارضون ومثقفون أفراداً بالانخراط المباشر في فعاليات سياسية وإعلامية خدمة للثورة، دون أن يعني ذلك أن كل ما فعلوه كان ناجحاً وحقق نتائج مناسبة، وذهب بعضهم إلى القطيعة مع أطرهم الحزبية، بعد أن لمسوا ترددها وتراخيها على الصعيد العملي، ودفع بعضهم حياته ثمناً لموقفه المبدئي.

طبعاً هناك حالات على الضد من ذلك، اتسمت بالسلبية والتردد والانهزامية.

من وجهة نظرك، كيف ترى موقع حركات الإسلام السياسي في مستقبل سوريا؟

كنت وما أزال ضد العزل السياسي؛ ومع فتح الفضاء الوطني لكل التيارات الفكرية والسياسية؛ ووضع ميثاق شرف للعمل السياسي قاعدتاه الوطنية والسلمية. وهذا ينطبق على حركات الإسلام السياسي كما ينطبق على بقية التيارات الفكرية والسياسية، فليس من حق أي تيار فكري أو حزب سياسي وضع فيتو على تيار أو حزب آخر.

مشكلة حركات الإسلام السياسي أنها، لاعتبارات عقائدية، لا تنظر إلى الوطنية بإيجابية؛ حتى لا نقول إنها تعتبرها قيمة دخيلة ومرفوضة، وتعتبر الإسلام هو الوطن، وتعتبر نفسها ممثلة للدين الإسلامي وتمتلك حقاً حصرياً بتمثيل المسلمين والتحدث باسمهم.

طبعاً لمنطلقها العقائدي دور إيجابي في تمددها في المجتمع فالثقافة الاجتماعية السائدة في سوريا ثقافة إسلامية، وهذا يتيح لها البناء على ذلك واستثماره للوصول إلى المواطنين بسهولة ويسر، لكن ذلك، ولاعتبارات تتعلق بقراءتها للإسلام، يتحول إلى عامل سلبي بترويج مفاهيم تمييزية بين أبناء الوطن على أسس دينية ومذهبية تضع عقبات في طريق الاندماج الوطني والمساواة العملية.

وهذا مع تاريخها باستخدام العنف في سعيها لتحقيق أهدافها السياسية وارتباطها بتنظيمات عابرة للأوطان يعمق الشكوك والقلق منها.

ستكون حركات الإسلام السياسي جزءاً من المشهد السياسي السوري بصيغة شرعية أو بحكم الأمر الواقع، وهذا يدعونا لدعوتها لإعادة نظر في فقهها ومفاهيمها السياسية كي تكون شريكاً فاعلاً في المشهد السياسي وعلى قدم المساواة مع التيارات الفكرية والسياسية الأخرى.

برأيك، ما هو شكل الدولة التي تمثل جميع الأطياف والمكونات السورية؟ أم هل فات الأوان على هذا السؤال؟

الدولة، كمفهوم وكيان، حديثة العهد في سوريا، بالإضافة إلى أنها ملتبسة في وعي المجتمع؛ فأغلبية المواطنين، وكثير من السياسيين، لا يميزون بين الدولة كشخص اعتباري والحكومة كسلطة إدارية لمؤسسات الدولة، فالدولة في المخيال الاجتماعي مختلطة بمفاهيم الحق الشخصي والقبلي ونماذج الخلافة والسلطنة ومظالم الولاة مطلقي الصلاحيات.

لذا لابد من استعادة الدولة من الولوج إلى القضية بطرق غير مباشرة وعبر مداخل مقبولة؛ كالوطن والوطنية؛ فللوطن حضور أكبر وأرسخ في وعي العامة؛ لتسهيل تجميع قطع الزجاج الذي تناثر، وأن نروج للدولة باعتبارها ضرورة للوطن؛ وأن الوطن يستدعيها ككيان سياسي منظم وقادر للحفاظ على الوطن وحمايته وحماية أبنائه.

طبعاً يمكن الانخراط في الجدل الدائر حول شكل الدولة مركزي أو لا مركزي، والنظام ديمقراطي والمواطنة قاعدته لأنها تحقق المساواة بين المواطنين، كل المواطنين، لكنه جدل يقفز على ضبابية مفهوم الدولة لدى المواطنين وعلى واقع المجتمع الهش والمخترق بانقسامات عميقة في الرأي على خطوط قومية ودينية ومذهبية وسياسية، وهذا بالإضافة إلى التعقيد الذي أضافته الاحتلالات وتقاسم قوى محلية وإقليمية ودولية السيطرة على الأراضي والسلطة وانعكاسات حساباتها والتنافس الجيوسياسي بينها على الواقع الراهن والمستقبل القريب، ما يستدعي أولوية العمل على حل سياسي مرحلي وخروج المحتلين وهذا يفرض أن يتم توافق عام سوري على خطوات مرحلية جادة تبدأ من الاتفاق على تشكيل سلطات إدارية وتنفيذية لحل مشكلات المواطنين في مجالات الخدمات، الصحة والتعليم والمواصلات والبنى التحية والعمل وفرض التهدئة والاستقرار لخلق إجماع وطني حول أهمية الحياة العامة وأهمية وجود الدولة واستعادتها كمفهوم وكيان.

من وجهة نظرك، كيف تتقارب وجهات النظر بين الأحزاب الكردية والمعارضة السورية؟

التوتر القائم بين الأحزاب الكردية والمعارضة السورية وليد سوء تقدير من كلا الجانبين، فالكرد، الذين عانوا من اضطهاد وإنكار لخصوصيتهم القومية وتعرّضهم للتمييز والتهميش، يعطون لمطالبهم القومية أولوية مطلقة والمعارضة السورية تنكر أهمية هذه المطالب وأولويتها ما جعل التوافق صعباً، وقد زاد في تعقيد الموقف تشكيل “الإدارة الذاتية” الكردية شرق الفرات وما اتبعته من سياسات.

كان مفهوماً أن يسعى كل طرف خلف مطالبه ويجمع أوراق قوة للمساومة على طريق تحقيق هذه المطالب وتأمين الحقوق والمصالح، لكن “الإدارة الذاتية” تجاوزت هذه المرحلة عبر التحول إلى سلطة حاكمة تفرض سيطرتها على الشأن العام وتفرض الضرائب والتجنيد الإلزامي؛ تغير القوانين ومناهج التعليم تلاحق المخالفين وتسجنهم وتحتكر الشأن العام، وصار لديها معيار ثابت للحل المطلوب: الاحتفاظ بهياكلها وسيطرتها ومكتسباتها، وهذا بالإضافة إلى مشاركة المعارضة في ضرب مشروع “الإدارة الذاتية” سياسياً وعسكرياً، حوّل العلاقة بينهما إلى علاقة عدائية.

لقد بات للخلاف بين الأحزاب الكردية والمعارضة السورية مساران: الإقرار بالحقوق القومية والاتفاق عليها الآن، وفق موقف “المجلس الوطني الكردي”، والإقرار بشرعية “الإدارة الذاتية” واستمرارها، وفق موقف حزب “الاتحاد الديمقراطي” وواجهته الرسمية “مجلس سوريا الديمقراطية” (مسد). ما يستدعي كسر دائرة العدائية وتسهيل فتح طرق للقاء والحوار والتفاوض بخطوات صغيرة لكسر الجمود وإشاعة الثقة بين الطرفين، مثل وقف الحملات الإعلامية ووقف عمليات القصف والتفجيرات، والدخول في حوار جس نبض. 

كيف ترى التحركات الأخيرة لرأب الصدع بين المكونات الكردية عبر الجهود الأميركية في الحوار الكردي – الكردي؟

محاولة جيدة، ونجاحها يمكن أن يفتح الأبواب لحوار بين الأحزاب الكردية والمعارضة السورية، لكن فرص نجاحها محدودة؛ فالحوار واقع تحت وطأة نزعة حزبية ثقيلة وتأثيرات خارجية كبيرة.

كيف ترى مستقبل منطقة “شرق الفرات”؟

وضع منطقة شرق الفرات معقد وخطر في ضوء وجود قوى عديدة متصارعة ومصالح متناقضة، هناك أربعة جيوش و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وهناك أهداف وخطط متباينة وتدخلات عربية وإقليمية ودولية، مباشرة وغير مباشرة، وانقسام عمودي بين المجتمعات، العرب والكرد بشكل خاص، وعدم وجود أساس قوي وثابت للإدارة الذاتية على خلفية خلافات كردية – كردية، وتعارض مصالح كردي آشوري وسرياني.

وهذه وصفة لعدم استقرار إن لم يكن لمواجهات دامية. وهذا يستدعي من راعي الحوار الكردي – الكردي، الولايات المتحدة، توسيعه ليشمل كل أبناء المنطقة وكل الملفات العالقة؛ وأن تدفع نحو توافق شامل يضمن التهدئة والاستقرار في انتظار حل شامل في سوريا.

هل ترى انفراجاً من أي نوع في قضية المعتقلين والمغيبين قسرياً؟

قضية المعتقلين والمغيبين تثير مخاوف النظام لأن أي انفراج فيها سيكشف عن حجم التصفيات التي تمت في المعتقلات ما يمنح أوراقاً جديدة لدعاوى المحاسبة التي بدأت لرجالات النظام في أكثر من دولة.

لذا يرجح أن تبقى مجمدة حتى يتضح الحل النهائي وتبعاته القانونية والأخلاقية. 

هل من الممكن أن يؤدي تدهور الوضع الاقتصادي داخل سوريا إلى أي حراك مستقبلي؟

طبعاً الوضع الاقتصادي السيئ يضغط على أعصاب المواطنين فحياتهم تزداد صعوبة وقدرتهم على توفير احتياجات أسرهم تتراجع يومياً. وهذا مع تراجع قدرة النظام على إيجاد مخارج من حالة العجز والفشل في تأمين احتياجات المواطنين، ستخلق ردات فعل تأخذ أشكالاً كثيرة، فردية في البداية، التسول والسطو والسرقة والانتحار والهجرة، وهذه وسائل غير مجدية كمخرج حقيقي ودائم ومداها محدود؛ ما يجعل المخرج المنطقي قبول حل سياسي توافقي يفتح على توفير استثمارات ودعم واسع لإقلاع الاقتصاد السوري أو مواجهة هبات شعبية متقطعة قبل أن تصبح شاملة وعنيفة.

كيف ترى الانتخابات الرئاسية المقبلة في سوريا؟

للانتخاب مبرر شكلي: تحاشي فراغ رئاسي. لكن الحقيقة أن إجراءها محاولة لكسب الوقت من قبل النظام على أمل حصول تغيّر في المواقف الإقليمية والدولية منه ومن الحل السياسي ومن قبل روسيا، بانتظار عروض أميركية للاتفاق، ليس في سوريا فقط بل وفي الإقليم وصولاً إلى تقاسم النفوذ، مروراً بملفات أوكرانيا وجورجيا وجمهوريات البلطيق والأسلحة النووية وتمدد “حلف شمال الأطلسي” (ناتو) نحو حدودها والدرع الصاروخية الأميركية في أوروبا في سعي محموم للعودة إلى نظام دولي ثنائي القطبية كما كان أيام الاتحاد السوفياتي.

تبقى العبرة بموقف السوريين من الانتخابات ومدى تفاعلهم معها وموقفهم من نتائجها على صعيد شرعية النظام وسياساته.

 تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى