أبحاث

التفكير النُظُمي: قبل وخلال ومن أجل التغيير/ وائل علواني

بات راسخاً لدى المهتمين بالتغيير أن المشاريع المجدية، التي يعوّل عليها، هي تلك التي تتعاطى مع التحديات التي نواجهها بوصفها نظاماً مركّباً، أي نتاج تفاعلات سياسية واجتماعية واقتصادية وبيئية وثقافية وغيرها. سمة هذه التفاعلات أنها لاخطّيّة، بعكس ما يوحيه التفكير الخطّي المؤمن وربط الأمور بمنطق سببي وحتمي، وافتراض أن بالإمكان تبديل مآل قضية ما عبر تغيير الأسباب المباشرة فقط. يكفي التفكّر في التحديات المحيطة بنا اليوم لمعرفة أن الأمور ليست بهذه البساطة. كما تتسم تفاعلات النظام المركّب بأنها عصية على التحكم والضبط الكامل، فمنها الظاهر والمستتر، ومنها الآني واللاحق. وبالتالي، يسعى المهتمون بالتغيير المُجدي لرصد هذه التفاعلات، وإن بقدر من الاختزال، بغرض استكشاف أنماط متكررة بغية التأثير فيها وبالتالي التغيير في المنظومة.

يقدم هذا المقال شرحاً مختصراً – مشفوعاً بأمثلة من حالتنا السورية – لأحد أهم المنهجيات الفكرية والعملية التي يستخدمها صناع التغيير المُجدي اليوم، وهي منهجية التفكير النُظُمي (systems thinking). عندما نسمع مصطلحات من قبيل: حلقة مُفرَغة، تحوّل باراديغمي، تضارب مصالح، صراع أجنحة، الدولة العميقة، الحلول المفضية إلى نتائج عكسية، وغيرها، فهذه مصطلحات مستخدمة في التفكير النُّظُمي. المنظومة في هذه المنهجية، وفقاً لتعريف العالمة البيئية دونيلا ميدوز، هو مجموعة متشابكة من العناصر بشكل متسق لتحقيق دور ما، وبالتالي فإن التفكير النُّظُمي، كما يعرّفه ديفيد سْترو – أحد أبرز الأسماء في هذا المجال – هو: القدرة على فهم هذه التشابكات والتأثير عليها بغرض تحقيق غاية منشودة. توضح الصورة أدناه أن ما نعايشه من أحداث يومية، وواقع القضايا التي تمر بها بلداننا، ما هو إلا قمة جبل جليد من المنظومات المعقدة التي تحتاج دراسات وأدوات لسبر أغوارها، وهو ما تقدمه منهجية التفكير النُّظُمي. قبل الانتقال إلى مثال عملي، لا بد من التفريق بين منهجية التفكير النُّظُمي ومنهجية أخرى ذائعة الانتشار وهي التفكير التصميمي (design thinking)، والتي رغم أهميتها في توليد الحلول الإبداعية، إلا أنها تتحرك ضمن المنظومة القائمة ولا تحاول تغيير الوضع الراهن هيكلياً، بعكس منهجية التفكير النُّظُمي.





جبل الجليد الذي تتعامل معه منهجية التفكير النُّظُمي

تشابكات نظام الأسد

كمثال عن هذه المنهجية، يمكن البدء بسؤال بسيط: ما هو هيكل النظام الأسدي وشكله؟

بالتأكيد ستقفز عشرات الأفكار لحظياً في أدمغتنا، ولكن ما نحن بصدده هو تصور عن العناصر المتفاعلة والمشكِّلة للمنظومة الأسدية، فهل سبق وأن رأيتم شكلاً يعبر عن تركيبة هذه المنظومة المعقدة؟ للإجابة على هذا السؤال وتوضيح إمكانيات التفكير النُّظُمي، قمنا برسم خارطة منظومة (system map) بحسب ثلاثية «السلطان الحديث»، والتي نشرها ياسين الحاج صالح في الجمهورية.نت قبل ست سنوات ووصف فيها المنظومة الأسدية (أو «الدولة السلطانية المحدثة») بشكل نُظُمي بديع. استخدمنا نوعاً من الخرائط يتّبع مقاربة «المِغطس» (bathtub analogy)، والمستخدمة في التفكير النُّظُمي لتحليل منظومة عبر تدفقات الموارد بين عناصرها. تتبّعنا خطى الحاج صالح في رصد التحولات التي عاشتها الدولة السورية منذ التأميم والإصلاح الزراعي، وحتى تشكل عناصر الدولة الأربعة التي قام حافظ الأسد بهندستها، ثم كرّسها بشار الأسد، مع رصد التدفقات البشرية والمالية والموارد والمصالح فيما بينها.

فيما يلي عرض تفاعلي يحكي القصة المختصرة عبر الخارطة النُّظُمية، ويمكن التجوُّل أكثر في الخارطة من خلال النسخة التفاعلية على هذا الرابط.

ليست الخارطة أعلاه مجرد تصوير مرئي أو خارطة ذهنية، بل هي أداة تحليلية لرصد المنظومة المغمورة من جبل الجليد، وتوضيح التدفقات التي مكَّنتها من تكريس سطوتها. وهي أداة يمكن مشاركتها ونقاشها بين التواقين للتغيير المُجدي في سوريا، بهدف وضع تصوراتهم للحلول الممكنة. كما أنها تستوعب الخلافات ووجهات النظر المتباينة. لنفترض مثلاً أن لدى مفكر آخر تصوراً مغايراً عن تصوّر الحاج صالح للمنظومة الحاكمة في سوريا، يمكننا حينها توليد خارطة منظومة أخرى ووضعها فوق خارطة الحاج صالح لتوضيح التباينات والفروقات. أعتقد أن الوصول إلى مرحلة نرى فيها تصورات القوى الحية في منطقتنا وأساليب التغيير التي تنتهجها بشكل بصري نُظُمي هو أمر جِدُّ مهم، ولا بد من العمل على تحقيقه.

تصوير مرئي للدولة السلطانية بحسب الحاج صالح

المشهد السوري العام

هناك أداة ثانية مهمة – وأكثر انتشاراً في منهجية التفكير النُّظُمي – اسمها «أشكال الدوائر السببية» (causal loop diagrams). تتيح هذه الأشكال للمنشغلين بالتغيير الفعّال أن يرصدوا الأنماط والدوائر اللاخطية في المنظومة، بغرض تحليلها وفهم مستويات التغيير المطلوبة وأنواعها. سنستخدم لأغراض الشرح أهم الأنماط التي تنشأ في منظومة ما، مع التركيز على تفاعلات تحدث في الوسط السوري كأمثلة عامة. تمت الاستعانة بأبرز الأنماط التي رصدها باحثون كثر في مجال التفكير النظمي – أهمهم ديفيد سْترو الذي سبقت الإشارة إليه – لتطوير آليات تتعامل مع كل نمط (سنأتي على ذلك لاحقاً). فيما يلي الصورة العامة للمنظومة السورية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي رصدناها بغرض إبراز أهم الأنماط المتفاعلة، مع مراعاة أن الأمثلة عامة وتجريدية بعض الشيء لتبسيط العرض.





استعمال الدوائر السببية لفهم المشهد العام

هذا العرض التفاعلي (رابط الخارطة الكاملة هنا) يقدم شرحاً مختصراً لكل نمط من الأنماط التالية، مع ملاحظة التأثير المتعدي لكل نمط على الآخر. إن أوحت الأمثلة أدناه بأنها أنماط منفصلة فهي ليست كذلك:

1- الحلول المفضية إلى نتائج عكسية: استخدام النظام للسجون والتعذيب لمحاولة التخفيف من خوفه المزمن من الشعب.





استعمال الدوائر السببية لفهم المشهد العام

2- إدمان الحلول السريعة وتحاشي الأعباء: إدمان النظام على قمع الحراك المدني وملء السجون مع أن الإصلاح والحلول الديمقراطية أنجع.

استعمال الدوائر السببية لفهم المشهد العام

3- موانع النمو: تحديات المستقبل الاقتصادي وإكراه السوريين على ترك بلادهم، والتحديات المقوِّضة لمحاولات إعادة الإعمار والمعطِّلة للنمو الاقتصادي الذي يطمح له النظام أو أي سلطة لاحقة.

استعمال الدوائر السببية لفهم المشهد العام

4- نجاح الأكثر حظاً ونفوذاً: غياب العدالة الاجتماعية وغياب التوزيع العادل للثروة قبل وأثناء الحرب.

استعمال الدوائر السببية لفهم المشهد العام

5- الخصومة العرضية: تنافس الحراكات المدنية والحراكات ذات المرجعية الدينية، الذي انقلب خصومة رغم اشتراكهم في أهداف عامة أساسية. والحديث هنا عن أطراف مؤمنة من حيث المبدأ بالتعددية وبأن الحرية مُقدَّمة على تطبيق الشريعة.

استعمال الدوائر السببية لفهم المشهد العام

6- الحيد عن الأهداف: تغير الظروف الذاتية والموضوعية لكل حراك بشكل خفَّضَ من أهداف كل منها.

استعمال الدوائر السببية لفهم المشهد العام

7- الأهداف المتنافسة: تنافس النظام مع الفصائل المسلحة على السيطرة والنفوذ.

استعمال الدوائر السببية لفهم المشهد العام

8- التصعيد: العقوبات المفروضة على النظام السوري.

9- تراجيديا المشاع: تنافس القوى السورية الدولتية وغير الدولتية على الموارد الطبيعية بشكل يؤدي إلى خسارة جمعية.

10- النمو على حساب تقويض القدرة: دور الفساد والاستبداد في تقويض الكفاءات وتهجير العقول السورية، ما يحول دون فرص النمو.

استعمال الدوائر السببية لفهم المشهد العام

ماذا بعد؟ عملية التغيير باختصار

قد يتساءل البعض: وماذا بعد؟ الحقيقة أن هذه الأدوات المستخدمة في التفكير النُّظُمي تأتي ضمن عملية معمقة لتصميم المشروع التغييري أو المبادرات المنبثقة عنه. سيكون نقاش هذه العملية خارج نطاق المقال، ولكن يمكن استعراض أهم محطاتها.

بدايةً، كي تكون خرائط المنظومة أكثر تعبيراً عن واقع المشكلة المعقدة المعنية بالبحث، يدعى أصحاب المصلحة المتأثرون بالمشكلة بغرض فهم منظور كل منهم. ومن ثم، تبنى خرائط أولية للمنظومة بشكل فردي أو ضمن مجموعة، يتبعها وضع الخرائط في مقابل بعضها بعضاً. الغرض هو رفع الوعي لدى الجميع بالوضع الراهن المتعدد الأبعاد للمشكلة، وبناء أرضية مشتركة للحوار، إضافة لاكتشاف الأنماط المنتشرة في المنظومة. يتم بعدها عقد حوار مطول بغرض التوصل إلى تصور عن الوضع المنشود بحيث يجد كل طرف مصلحته من منظور نُظُمي، أي تجاوز الرؤية الضيقة لمحيطه وتوضيح الأبعاد العميقة على كامل المنظومة. بعد ذلك تتم العودة إلى خارطة المنظومة الراهنة، والبدء باقتراح الحلول عليها، والتي قد تشمل: إعادة تشبيك دوائر معينة، خفض أو تسريع وتيرة دائرة ما، تغيير تصور طرف معين ورفع وعيه، تعديل أهداف المنظومة، تحييد نمط معين، تكريس نمط أكثر صموداً، خفض وتيرة تصعيد، قلب المنظومة وتحويلها، تعظيم دور دورات ناجحة وتعميمها، وما إلى ذلك.

الجدير بالذكر أن كلاً من الأنماط النُّظُمية العشرة التي عرضناها تتواجد في منظومات معقدة من طبائع مختلفة، وقد طوّر خبراء هذا المجال آليات للتعاطي مع كل منها بمعزل عن طبيعة المنظومة التي تتفاعل ضمنها (مثلاً نجد ذات النمط في منظومة بيئية ومنظومة سياسية)، وبالتالي قد تُلهمنا الحلول المطبّقة في تحدٍّ بيئي لاجتراح حلول شبيهة في تحدٍّ سياسي. كما أن بعض الباحثين أدخلوا قدرات حوسبية على هذه الأدوات، فبات بالإمكان عمل محاكاة (simulation) ونماذج تحليل تنبؤية وسيناريوهات ماذا-لو منبثقة من خرائط المنظومة. ولكن لا بد من الحذر الشديد عند تبني هذه القدرات الحوسبية، فمهما تفوقت، تبقى خرائط النُّظُم التي نرسمها غير معبِّرة تماماً عن الواقع، وفيها جوانب تجريدية واختزالية.

ممارسة تأمل جماعي

يصف بعض قادة التفكير النُّظُمي هذا المجال بأنه بمثابة تأمل جماعي، ممارسة تجبرنا على التجمع سوية، كلٌّ منا بأفكاره ومنظوره الخاص عن المشكلة المشتركة، كي نحاول تفريغ وتخطيط ما في عقولنا من عناصر وتفاعلات وتدفقات تحكم المنظومة الإشكالية؛ ممارسة تجعلنا نغوص للإمساك بقعر جبل الجليد. نحن نؤمن أن جزءاً من تعزيز العمل الجماعي والوعي الجمعي لقوى التغيير الحية في المنطقة هو إيجاد وسائل لعرض الرؤى والتصورات والحلول بشكل مفهوم وبصري، يقرب بين هذه القوى ويرفع الوعي لدى جمهورها؛ وسائل توضح ما تحاول كل مبادرة تحقيقه في هيكل المنظومة لتغييرها، لا لتكريسها من حيث لا تعلم. إن خرائط المنظومات وأدوات التفكير النُّظُمي قد تعيننا على فهم استحالة بعض الحلول التي يطالب بها البعض، والمنتمية لـ«الحقبة الخطية»، وبالتالي توضيح عبثية هذه المواقف وأهمية العمل فيما يجدي.

أحد الأصدقاء ممن يعملون في منظمة تعنى برصد انتهاكات السجون العربية، أخبرني أن ضابطاً معيناً كان يُمعن في تعذيب رفاق لهم. وفي ردّ فعل تقليدي، قاموا بحملات مكثفة إعلامياً للمطالبة بمحاسبة هذا الضابط والإفراج عن رفاقهم. ومع مرور الوقت، اكتشفوا أن حملاتهم كانت تصب في مصلحة الضابط الذي استخدمها كصكوك اعتراف من «أعداء الوطن» بوطنيته، ما جعل رصيده لدى المنظومة الأمنية يرتفع حتى تمّت ترقيته. لذلك قاموا بتغيير أسلوبهم عبر تتبع المخالفات الإدارية لهذا الضابط، ونشرها في الإعلام دون ذكر موضوع التعذيب. أدى هذا التغيير البسيط (والذي يمثل إعادة توجيه دورة أو عدة دورات صغيرة في خارطة المنظومة) لإيقاف الضابط وعزله عن منصبه، وذلك كي تحفظ المؤسسة الأمنية ماء وجهها، ولأن للضابط خصوماً ينتظرون وقوعه. الأهم من كل ذلك هو توقف جولات التعذيب التي كان يشرف عليها. بالتأكيد، لا يمثل ذلك حلاً جذرياً لمشكلة التعذيب والانتهاكات، ولكن هذه القصة تسلط الضوء على إمكانية تحقيق بعض المكاسب بحلول غير مباشرة، وبمجرد تغيير أسلوب العمل عبر فهم هيكلية المنظومة وتَدافُع عناصرها.

مثال آخر حدث مؤخراً ومن المهم تسليط الضوء عليه، وهو التصميم الذي فاز به فريق جامعة بيرزيت الفلسطينية في مسابقة إعمار مرفأ بيروت، عبر تقديمهم لتصميم تجاوز مسألة أزمة الركام و«قدّم … حلولاً لأزمات البطالة والتشرد ونقص الغذاء وإعادة تدوير مخلفات الانفجار، وعرض حلولاً مستدامة لمشاكل عميقة من خلال تصميم عمراني». وظّف هذا التصميم أحد أهم المباحث المرتبطة بالتفكير النُّظُمي، وهو مجال الاقتصاد الدائري الذي يعزز الاستدامة عبر محاربة الهدر، وعبر الاستخدام المستمر للموارد في دوائر اقتصادية. ربما لم يشتبك المشروع المقترح مع المنظومة السياسية والاجتماعية والقضائية القائمة في لبنان، ولكن مجدداً، حاولنا استحضار هذا المثال لتسليط الضوء على الحلول التي تسعى لإحداث تغيير يستهدف هيكل منظومة ما أو أجزاء منها، مقاداً بعقلية منحازة للاستدامة والوفرة.

دعوة للتعاون

قبل حوالي عام من الآن نشرنا في موقع الجمهورية.نت مقالاً منهجياً عن مشروع خرائط المعرفة للمنظومة الأسدية، الذي يرصد شبكات السلطة والمال بمركباتها الأمنية والاقتصادية والعسكرية والسياسية في سوريا (يمكن التواصل معنا من أجل عرض متكامل عن المشروع). هذا المشروع، الذي سيُطلَق للعموم قريباً، يمثل الجانب التكتيكي والتفصيلي في فهم المنظومة السورية بأبعادها المختلفة وسبل تغييرها وإصلاحها، بينما يمثل العمل الذي عرضناه في هذا المقال الجانب الاستراتيجي والهيكلي المُكمّل له. لدينا، صحبة موقع الجمهورية.نت، أفكار عديدة للبناء على الخرائط والأدوات التي عرضناها في هذا المقال، وندعو السوريين والعرب والمنظمات المهتمة بهذا المجال للتواصل معنا لاستكشاف آفاق التعاون الممكنة.

وائل علواني استشاري في علوم البيانات ومكافحة الجرائم المالية، متخصص في تقنيات قواعد بيانات الشبكات وتحليل الشبكات الاجتماعية. يغرّد على waelalwani@

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى