الأزمة البيئية في سوريا: كيف تتحمل النساء العبء الأكبر لتغير المناخ؟

ربى خدام الجامع
2025.08.04ار الملخص icon
نشرت صحيفة ميدل إيست مونيتور تقريراً تناولت فيه الأثر العميق لتغير المناخ على سوريا، ولا سيما انعكاساته القاسية على النساء في ظل استمرار تداعيات الحرب.
التقرير يسلط الضوء على تفاقم الجفاف، تدهور الزراعة، تلوث البيئة، وانعدام الأمن الغذائي، إلى جانب تفاقم التمييز والعنف القائم على النوع الاجتماعي، ما يجعل المرأة السورية الفئة الأكثر هشاشة في مواجهة هذه الأزمات المركبة.
فيما يلي الترجمة الحرفية لمادة نشرتها صحيفة ميدل إيست مونيتور، ويوردها موقع تلفزيون سوريا كما هي، من دون أن يعني ذلك تبنّي ما ورد فيها أو الموافقة على ما تحمله من آراء ومواقف، وإنما بهدف تسليط الضوء على طريقة التعاطي مع الملف السوري في المنابر الإعلامية المختلفة.
شهدت سوريا نزاعاً طويلاً وابتليت بحكم شمولي بقيت تعاني منه لعقود، وللأسف، انهار نظام الأسد الظالم، ولما تنته محنة الشعب السوري بعد، إذ أصبح هذا الشعب اليوم أمام تهديد متسارع بتغير مناخي يلوح في الأفق، حيث تعد سوريا من بين أكثر الدول تضرراً بالأزمة المناخية، فهي تحتل المرتبة 164 في مؤشر مبادرة نوتردام العالمية للتكيف، بعد أن حققت درجة مرعبة وهي 35.7 والتي تشير إلى أعلى نقاط الضعف وأدنى مستويات الاستعداد والجاهزية على مستوى العالم.
ترتبط الكارثة البيئية ارتباطاً وثيقاً بالنزاع العنيف الذي عاشته سوريا، والذي بنتيجته أصبح هذا البلد في مواجهة أمام طائفة من التحديات البيئية التي تشمل ارتفاع درجات الحرارة بشكل كبير، وحرائق الغابات العاتية، وأخطرها الجفاف الذي ينهك البلد. ثم إن التأثير المزدوج لتدمير البنية التحتية بسبب النزاع الذي امتد في سوريا لأربعة عشر عاماً والذي ترافق مع الأضرار المدمرة للتغير المناخي، أثر على استقرار سوريا وأمنها وقدرتها على الصمود والبقاء وكل ذلك زاد من انعدام الاستقرار السياسي، ناهيك عن نقاط الضعف الموجودة بالأصل على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والتي خلفها النزاع.
مصائب بالجملة
منذ عام 2011، اختفى ثلث غابات سوريا، ووصل تلوث الهواء لمستويات قياسية، كما تعرض ثلثا مرافق المياه لدمار شديد، وفي أيار من عام 2021، انحسر منسوب المياه في نهر الفرات ليصل إلى أدنى مستوياته، ما تسبب بأعتى موجة جفاف يشهدها البلد منذ عام 1953. وأسفرت تلك الظروف المريعة عن خسارة أرزاق الناس التي تعتمد على الزراعة وتزايد حالة شح المياه وانعدام الأمن الغذائي، وهذا بدوره أدى للنزوح بسبب التغير المناخي.
وفي ظل الحلقات المتتابعة لتلك الأزمة الكاسحة، أصبحت النساء السوريات الفئة الأشد عرضة لتبعات هذا التدهور البيئي، بما أنهن أكثر من تضرر بسبب تقلب المناخ. إذ في الوقت الذي يعتبر تغير المناخ تهديداً متعدد الجوانب وهو المسؤول عن تفاقم انعدام المساواة بين الجنسين، بات من الضروري اليوم التماشي بصورة أكبر مع الضرر الجندري الذي يخلفه التغير المناخي والذي تزداد حدته بسبب نتائج النزاع والفروقات والتفاوتات البنيوية المستمرة ضد النساء على وجه الخصوص.
اكتشاف مخيف
في دراسة نشرت مؤخراً وبحثت في تأثير التغير المناخي على صحة النساء في 17 دولة من الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا، كان من بينها سوريا، توصل العلماء إلى اكتشاف مخيف، إذ كشفت تلك الدراسة وجود علاقة مباشرة ما بين الوفاة بمرض السرطان والاحتباس الحراري العالمي، بما أن التغير المناخي يزيد من شدة التعرض لخطر الإصابة بالسرطان من خلال المستويات العالية للأشعة فوق البنفسجية وملوثات الهواء.
كما أن انتشار مخلفات الحرب وبقايا الذخائر تزيد من الخطر الذي تتعرض له النساء بما أنهن يفتقرن إلى الدراية والمعرفة بمخاطر تلك الأمور مقارنة بما يعرفه الرجال عنها، مما يؤدي بدوره إلى حدوث حالات إعاقة شديدة، وتعطل في الحواس، وتلف في الأحشاء الداخلية. وبما أن مصافي النفط النظامية توقفت عن العمل في سوريا، لذا زاد عدد مصافي النفط المؤقتة بشكل كبير، وعليه، فإن انبعاث الغازات السامة من تلك المصافي يمثل خطراً يهدد النساء بالإصابة بالسرطان. أما قلة المياه، وعدم توفر منتجات العناية بالنظافة، أضف إلى ذلك التلوث، فإنها جميعاً تتسبب بتراجع مستويات النظافة في الوقت الذي تتفاقم هذه الأزمة بسبب ضعف قدرة النساء في على الحصول على خدمات الرعاية الصحية بما أنه لا يسمح للمرأة بزيارة المراكز الصحية من دون ذكر يحرسها.
حلقة مفرغة
تعتبر المرأة في القطاع الزراعي عنصراً أساسياً من عناصر الإنتاج، وتمثل النساء ما يزيد عن 60% من الأيدي العاملة بسوريا. وتعتبر الزراعة المصدر الأساسي للدخل بالنسبة لمعظم النساء والفتيات، ولكن في نيسان من عام 2025، تعرضت نسبة 100% من المحاصيل للتلف بسبب عدم هطول الأمطار. وقد أتى تلف المحاصيل بسبب امتداد الجفاف لفترات طويلة، وموجات الحرارة المرتفعة للغاية وانتشار حالة الشح في المياه، وكل تلك الأمور جعلت النساء والفتيات يغرقن أكثر في جحيم الوضع الاقتصادي، ما خلق حلقة مفرغة، إذ بالنتيجة يتسبب ارتفاع مستوى البطالة بارتفاع معدلات الفقر، كما يزيد تراجع الإنتاجية الزراعية من نقص الأغذية وانعدام الأمن الغذائي، مما يعرض النساء والفتيات للجوع وسوء التغذية.
وبالتوازي مع كل ذلك، تعطل العمل في محطة علوك للمياه في شمال شرقي سوريا، فتسبب ذلك إلى جانب عوامل أخرى أثرت على نهري الفرات ودجلة بحرمان أكثر من مليون شخص من المصدر الرئيسي للمياه، وبالنتيجة، أصبحت النساء والفتيات مجبرات على مغادرة بيوتهن وقطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام من أجل جلب المياه من الصهاريج، وهذا ما يمكن أن يعرضهن لخطر الإصابة الجسدية.
ظروف اللاجئات المزرية
ثم إن شدة أزمة المناخ تشجع على الهجرة بشكل كبير، ومع انتقال الرجال إلى أطراف المدن، تحولت النساء إلى ربات للأسر واضطلعن بمسؤوليات شاقة مثل الزراعة إلى جانب المهام المنزلية. هذا وتعيش اللاجئات ظروفاً مزرية نظراً لحرمانهن من أبسط أساسيات الحياة مثل الغذاء وبسبب تعرضهن لانتهاكات لحقوق الإنسان في عدد من الدول المضيفة.
تستغل الجماعات المسلحة المهاجرات نظراً لضعفهن، فتجندهن مقابل الحصول على الحماية، كما ينخرط عدد كبير من النساء والفتيات في عمليات التهريب من أجل إعالة أسرهن، فتتعرض كثيرات منهن لمضايقات جنسية على يد المهربين كما يغرر بهن فيستدرجن للعمل مع شبكات الاتجار بالبشر.
سوريا في أدنى التصنيفات المعنية بالمرأة
ترسخت في سوريا الممارسات التمييزية ضد النساء من خلال الصور النمطية الجندرية والقواعد الأبوية والمعتقدات الثقافية، ما أسفر عن ظهور عنف قائم على النوع الاجتماعي وانتهاكات ممنهجة طالت مختلف مناحي الحياة. إذ حتى تصمد المرأة في ظل المصاعب الاقتصادية، تضطر إلى العمل في بيئات غير آمنة مما يزيد من خطر تعرضها للتحرش. ويصبح الوضع أشد حساسية مع الأرامل والنساء اللاتي هاجر أزواجهن وذلك عندما يتعرضن لوصمة اجتماعية. ومع دخول النساء لسوق العمل، تزداد حالة التوتر في البيوت، بما أن الرجل يعتبر ذلك تهديداً لدوره التقليدي في كونه المسؤول عن تأمين قوت الأسرة وإعالتها، وقد تمثلت حدة هذا الوضع من خلال تصنيف سوريا في المرتبة 171 من بين 177 دولة وذلك حسب مؤشر المرأة والسلام والأمن.
وإضافة لكل ذلك، فإن شيوع الفقر المدقع الذي ترافق مع تدهور الاقتصاد حرم النساء والفتيات من التعليم، إذ صارت العائلات تلجأ لخطة جديدة من أجل العيش والبقاء وتتمثل بتزويج البنات القاصرات نظراً لعجزهن عن الإسهام في إعالة الأسرة، فقد كشف تقرير صادر عن شبكة روداو الإعلامية عن وجود سمسارات عراقيات يسافرن إلى سوريا بحثاً عن عرائس صغار لرجال في الخمسينيات أو الستينيات من العمر، لذا فإن العائلات السورية الفقيرة التي تعيش أوضاعاً صعبة قد تجد في ذلك فرصة تخفف عنها العبء المالي، فيزوجون بناتهم لهؤلاء الرجال العراقيين الموسرين مقابل الحصول على مهرهن.
المرأة السورية والمرحلة الانتقالية
ومع دخول سوريا اليوم مرحلة انتقالية بقيادة أحمد الشرع، صار أمامها تحد كبير يتمثل بإعادة إعمار هذا البلد الذي دمرته جملة خبيثة من الظروف الاجتماعية-الاقتصادية المتردية، والعنف وتصاعد المخاطر البيئية. وبما أن النساء يمثلن أضعف فئة وأشدها تهميشاً وتضرراً في خضم هذه المعضلة، لذا لا عجب أن يصنف مؤشر انعدام المساواة بين الجنسين سوريا ضمن الدول ذات الأداء الضعيف في هذا المضمار، بعد أن حققت 0.490 نقطة، لتتقدم بذلك الأداء الضعيف على معظم دول الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا.
يتمثل الدواء الناجع لهذه الأزمة في تبني نهج شامل متعدد الأوجه إلى جانب اعتماد عمل إطاري متعدد الجوانب بحيث يجري إدماجه ضمن عملية صياغة السياسات وتنفيذها، وذلك للتخفيف من أثر التغير المناخي على النساء. والأهم من كل ذلك، بل إنه من واجب العناصر الفاعلة المحلية والأجنبية أن تطرح برامج تمكين للنساء السوريات، بهدف رفع الوعي، وخلق القدرة على الصمود، وتحسين أرزاقهن، وتشجيعهن على المشاركة في الحوارات والنقاشات المعنية بالسياسة البيئية إلى جانب مشاركتهن في عمليات اتخاذ القرارات المعنية بالمناخ.
المصدر: Middle East Monitor
تلفزيون سوريا



