سياسة

عن التطبيع مع نظام الأسد المجرم -مقالات مختارة-

فورين بوليسي: الكلفة البشرية للتطبيع مع الأسد كبيرة

فورين بوليسي- ترجمة: ربى خدام الجامع

في المرة الأولى التي احتجز فيها يوسف بلبنان، كانت عندما جرى تهريبه عبر الحدود السورية، فهو ناشط مناهض للنظام تعود أصوله لريف دمشق، وقد ساهم في إدارة صفحة للمعارضة على فيس بوك خلال فترة الثورة التي قامت في عام 2011 ضد بشار الأسد. وعندما أتى به أحد المهربين إلى لبنان بعد مرور ثلاثة أعوام على الثورة، كان يوسف يعرف بأنه قد لا يرى بلده مجدداً، ولكن عندما أصبح يرى الدول وهي تخطو خطوات باتجاه تطبيع العلاقات مع الأسد، أصبح قلقاً من فكرة إرغامه على العودة قبل أن يقرر ذلك.

بعد مدة قصيرة من عبوره إلى لبنان، تم توقيف يوسف في بلدة عرسال الحدودية عند حاجز تفتيش تابع لحزب الله المدعوم من قبل إيران، والذي يعتبر أقوى فاعل سياسي في لبنان وحليفاً أساسياً للأسد. وبعد نقله إلى سجن المخابرات العسكرية بلبنان، ظل يوسف رهن الاحتجاز لمدة 33 يوماً، تعرض خلالها للضرب مرات عديدة، فهو واحد من بين مئات السوريين الذين أعلنت منظمات حقوقية بأن السلطات اللبنانية احتجزتهم تعسفياً وعذبتهم، كما حُرم بعضٌ منهم من النوم، وتعرض آخرون للصعق بالكهرباء ولعمليات إعدام وهمية. أطلق سراح يوسف بشرط أن يجد لنفسه ربَّ عمل خلال ذلك الأسبوع ليموّل إقامته في لبنان، وما يزال يتعيّن عليه البحث عن ذلك الرجل حتى بعد مرور سبع سنوات على إقامته في تلك البلاد.

يبلغ يوسف من العمر اليوم ثلاثين عاماً، وهو يقيم بشكل غير قانوني في لبنان منذ ذلك الحين، لكنه ليس الوحيد الذي يعاني من تلك المحنة، إذ حالياً لم يمنح سوى 14% من السوريين فوق سن 14 عاماً المقيمين في لبنان حق الإقامة فيها بحسب ما أوردته الأمم المتحدة (مقارنة بنسبة 20% خلال عام 2020). ولم يحدث ذلك بمحض المصادفة، فقد أصدرت السلطات اللبنانية مجموعة من القوانين منذ عام 2015 هدفها وضع معوقات أمام حصول اللاجئين على الإقامة. كما أن الحصول على تصريح بالنسبة لمعظم السوريين بات أمراً بعيد المنال، إذ لا يمكن لهؤلاء أن يدفعوا 200 دولار رسوم التجديد السنوية لتصريح الإقامة، ويعلق يوسف على ذلك بقوله: “كل ذلك من أجل المال” وذلك بعدما بلغت قيمة الغرامة المفروضة عليه اليوم 1600 دولار أميركي.

تصاريح عمل وإقامة هدفها التضييق لا أكثر

لا يحمل غالبية السوريين تصاريح عمل أيضاً، وحتى لو حصل يوسف على تصريح عمل فسيتم منعه من مزاولة معظم الأعمال التي تشتمل على أي عمل يمكنه من خلال دراسته لإدارة الأعمال أن يزاوله. وذلك لأن لبنان لا يسمح للسوري بالعمل إلا في مجال البناء والزراعة والتنظيف. وقد حصل يوسف على نصيبه من الأعمال في الاقتصاد غير الرسمي على مدار تلك السنوات، حيث عمل حلاقاً، وفي مقهى، ولدى متجر للهواتف، بالرغم من أنه عاطل عن العمل في الوقت الراهن، وعن ذلك يقول: “إن الأجر لا يغطي حتى أجور سيارة الأجرة التي توصلني إلى العمل”. إذ بحصول السوري على 2 إلى 6 دولارات في اليوم، لا يمكن له بالتأكيد تغطية مبلغ 800 دولار المطلوبة من الشخص الذي يموله بموجب نظام الكفالة، والذي يعمل على الربط بين العمال الأجانب والممولين المحليين.

تسبب عدم حصول يوسف على وضع الإقامة باعتقاله الثاني، فبما أنه يعيش في بيروت بلا كفيل، فقد لجأ إلى المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة (UNHCR) على أمل الحصول على مساعدات على الأقل (وهنا يخبرنا يوسف بأنه لم يحصل على أية مساعدات بما أنه شاب أعزب، لأن معظم الأموال تذهب للعائلات). فقامت المفوضية بتسجيله من أجل الحصول على المساعدة، إلا أن لبنان منع تلك الوكالة من تسجيل اللاجئين منذ عام 2015 وذلك للحد من الطلب على الإقامة.

ولكن بعد مرور فترة قصيرة على تسجيله، انتقل يوسف من بيروت إلى طرابلس، نظراً لرخص الأسعار في هذه المدينة التي تعتبر ثاني أكبر مدينة في لبنان ولضعف حالة التمييز العنصري فيها بما أنها تقع في الشمال حيث الغالبية السنية. وعندما تعين عليه العودة إلى بيروت في عام 2018 لتجديد شهادة المفوضية التي يحملها، تم إيقافه عند حاجز للتفتيش ثم نقل إلى السجن، فاحتجز هذه المرة لمدة ثلاثة أيام، غير أنه أعطي إشعاراً مدته أسبوع حتى يجد كفيلاً، ولكنه لم يستطع مجدداً أن يجد ذلك الكفيل حتى لو دفع له المال.

ونظراً لوضع اللاجئ الذي يتمتع به يوسف، كان ذلك الإنذار صورياً، وذلك لأنه لا يحق للبنان بموجب القانون الدولي أن يرحّله، غير أن ذلك لم يمنع السلطات اللبنانية من محاولة دفع السوريين للخروج من الأراضي اللبنانية قسراً، وذلك لأن السياسات تهدف إلى تضييق العيش عليهم قدر الإمكان، مع التشجيع على “العودة الطوعية” حيث أصبح لبنان يؤمن حافلات لنقل اللاجئين وإعادتهم إلى سوريا.

طوال السنوات القليلة الماضية، قامت عشرات البلديات في لبنان بإخراج السوريين وفرض حظر تجوال عليهم مع تحديد سقف أجورهم. كما عمدت السلطات إلى تخريب خيم بنيت من الإسمنت في مخيمات اللجوء، وأقفلت عنوة المتاجر غير المرخصة التي أقامها العاملون هناك. وعن ذلك تتحدث سارة كيالي وهي باحثة في الشأن السوري لدى منظمة هيومن رايتس ووتش فتقول: “لم نشهد مثل هذا التمييز الصارخ الذي تمارسه السلطات ضد اللاجئين السوريين قولاً وفعلاً كما رأينا في لبنان”.

هذا ولقد أعلنت السلطات اللبنانية أن السياسات التي تخص السوريين تهدف إلى حماية أمن عمالهم ومصالحهم الاقتصادية. كما تحدث ناطق رسمي عن بلدية راس بعلبك التي فرضت حظر تجوال على السوريين من الساعة السابعة مساءً وحتى السادسة صباحاً في تشرين الثاني 2021، لصحيفة لوريانت توداي بأن هذا القرار “وضع كإجراء للحد من نسبة السرقات التي تحدث في المنطقة”. كما حددت راس بعلبك أيضاً سقف الأجور اليومي بأقل من دولارين باليوم بالنسبة للرجال السوريين الذين يعملون في السوق السوداء لصرف العملات بلبنان، وقد ذكر الناطق الرسمي نفسه بأن ذلك القرار أتى لأن: “العمال السوريين يحصلون بالأصل على معونات دولية ويتقاضون راتباً بالدولار بشكل يومي يأتيهم عن طريق التمويل الأجنبي”.

وهنالك بعض السياسات التي طردت السوريين فعلياً، إذ تم ترحيل أكثر من ستة آلاف لاجئ وصلوا إلى لبنان منذ نيسان 2019 بموجب قرار صدر عن المجلس الأعلى للدفاع. إلا أن تفشي جائحة كوفيد-19 أوقف معظم حالات العبور القانونية والترحيل خلال عامي 2020 و2021، بيد أن يوسف يراقب برعب التطورات الأخيرة على الساحة الإقليمية، وصار قلقه أكبر لأنه بات يخشى أن يصبح قرار العودة إلى سوريا ليس بيده، فهو يخاف في حال عودته من أن تصبح فترة اعتقاله في السجن بلبنان التي امتدت لثلاثة وثلاثين يوماً في آخر مرة إلى شيء لا يذكر مقارنة بما ينتظره في السجن إن عاد إلى سوريا.

لا وضع أسوأ من هذا

لا يستطيع يوسف أن يتخيل وضعاً أسوأ من وضع إقامته في لبنان، اللهم إلا في سوريا، وذلك لأن من يعود من اللاجئين يصبح عرضة للاعتقال التعسفي والتعذيب والاغتصاب والإخفاء القسري والقتل بلا محاكمة وذلك بحسب ما نشر في تقريرين صدرا مؤخراً عن منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش. ولهذا يخبرنا يوسف بأنه لن يعود لبلده طالما بقي الأسد يحكمها، فهو مطلوب للنظام بتهمة الإرهاب، كما عليه أن يخضع للخدمة العسكرية الإلزامية بالنسبة للذكور الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18-42.

ولكن بعدما أصبح الأسد اليوم يسيطر على نحو 70% من الأراضي السورية، ومع انحسار القتال في البلاد، بدأت بعض الدول الأوروبية تحذو حذو لبنان، إذ تقول الباحثة سارة كيالي: “إنهم يريدون أن يقلبوا الصفحة وأن يتظاهروا بأن ما جرى في العقد الماضي لم يحدث”.

فقد جردت الدنمارك اللاجئين الذين تعود أصولهم إلى دمشق أو ريفها من وضع “الإقامة المؤقتة”، حتى بعد توثيق العشرات من الحالات التي سجلت فيها انتهاكات لحقوق الإنسان بالقرب من العاصمة دمشق. ولم يسر أحد على خطى الدنمارك حتى الآن، ولكن “بعض الدول تنظر إلى النموذج الدنماركي وتتساءل إن كان بوسعها أن تفعل مثلها” كما تخبرنا الباحثة سارة كيالي.

في هذه الأثناء أخذت الديناميات الإقليمية تتغير في الشرق الأوسط، ففي شهر تشرين الثاني الماضي، زار وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد آل نهيان الأسدَ في دمشق، ليكون أرفع مسؤول إماراتي يزور سوريا منذ بدء الحرب فيها. أتى ذلك بعد شهر على مكالمة هاتفية أجراها العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني مع الأسد، فكانت الأولى من نوعها منذ عقد من الزمان. واليوم قامت البحرين بتعيين أول سفير لها في سوريا منذ أن بدأت الحرب السورية.

اللاجئون هم الثمن الذي لا مفر من دفعه

في مقابلة أجريت مع بسام بربندي وهو دبلوماسي سوري سابق ذكر بأنه لم يتوقع من المجتمع الدولي أن يغير موقفه تجاه اللاجئين في الوقت الحالي، لكنه يتوقع أن تصبح قضية إعادة اللاجئين مركزية بالنسبة لأي اتفاقية دولية يتم توقيعها مستقبلاً لإنهاء الحرب السورية، إذ يقول: “لم يحن الوقت بعد” بالنسبة لغالبية الدول حتى تحاول أن تعيد اللاجئين إلى سوريا، “ولكن اللاجئين السوريين سيصبحون الثمن الذي يجب أن يُدفع لتسوية الأزمة السورية”.

ثم إن العلاقة الوثيقة التي تربط بين الأسد وإيران تعقد أمور عودة اللاجئين برأي بربندي، إذ في حال عودة اللاجئين وغالبيتهم من السنة إلى بلدهم، عندئذ ستعقد الديمغرافية السورية الأمور أمام الطموحات الإقليمية لإيران التي ترتكز على القوة الشيعية، وعن ذلك يقول بربندي: “ترغب إيران في أن يكون لديها نفوذ كبير في مستقبل سوريا، إلا أن وجود غالبية سنية عربية في سوريا يجعل ذلك ضرباً من المستحيل، ولهذا لا تتطرق إيران لمشكلة اللاجئين على الإطلاق”.

ترحب الدول العربية بعودة الأسد إلى حظيرتها لتقف في وجه النفوذ الإيراني بحسب رأي بربندي، بالرغم من تأكيده على المصالح المختلفة لكل دولة من تلك الدول، إذ تسعى الإمارات لتحقيق نفوذ دبلوماسي كونها توجهت لإيران أيضاً. في حين تسعى الأردن لتحقيق مكاسب اقتصادية. واليوم أخذ عدد من الدول الأعضاء في الجامعة العربية بالدفع نحو إعادة سوريا إلى مقعدها في الجامعة بعد تعليق عضويتها منذ عام 2011.

تناقض أميركي جديد

استنكرت الولايات المتحدة ذلك الانفتاح على الأسد أمام الملأ، مع إبقائها للعقوبات على سوريا، حيث ذكر وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكين في تشرين الأول 2021 ما يلي: “ما لا نريد فعله ولا نعتزم القيام به هو التعبير عن أي دعم للجهود الساعية لتطبيع العلاقات مع الأسد أو إعادة تأهيله أو رفع عقوبة واحدة من العقوبات المفروضة على سوريا أو تغيير موقفنا المعارض لإعادة إعمار سوريا لحين ظهور تقدم نحو الحل السياسي بلا أي تراجع”.

غير أن بعضهم يعتقد بأن حلفاء الولايات المتحدة لا يمكن أن يتصرفوا من تلقاء أنفسهم دون موافقة ضمنية من قبل واشنطن، وهذا ما عبّر عنه بسام بربندي بقوله: “عندما حملت الإمارات والأردن  أسبابها الخاصة للأميركيين، لم يعد لدى الولايات المتحدة أي مبرر للرفض، فالأميركيون لا يريدون للنظام في سوريا أن ينهار، وذلك درس من الدروس التي تعلموها من العراق”.

قد يبقى الأسد في السلطة، لكنه سيحكم بلداً مدمراً، كما زاد وضع الاقتصاد السوري سوءاً بعد تعرضه للدمار بسبب الفساد والحرب التي امتدت لعقد من الزمان، وذلك مع تفشي الجائحة وفرض عقوبات جديدة على البلاد، وظهور أزمة موازية في الجارة لبنان (بما أن معظم أموال الأغنياء السوريين أصبحت محتجزة في المصارف اللبنانية)، ناهيك عن هبوط الليرة السورية بطريقة السقوط الحر، وتعرض أكثر من 12 مليون سوري من أصل 18 مليون ظلوا في البلد، للجوع. كما ارتفعت أسعار السلع الأساسية بنسبة 236% ووصلت أسعار النفط إلى 500% خلال عام 2020.

وبالرغم من أن الأسد قد لا يتمنى عودة اللاجئين المعارضين لحكمه، لكنه يرغب بكل تأكيد في المساعدات التي تأتي بالدولار والاستثمارات التي ترافقها بحسب ما ذكره بربندي وكيالي. إذ تقول الأخيرة: “تبنى النظام السوري إطاراً قانونياً للسياسة التي فُصّلت لاستغلال المساعدات وتجييرها لمصلحتها، وعليه فإن أي مساعدة تدخل البلاد يستفيد منها النظام وتدخل في مشاريعه وخططه، وذلك على حساب الشعب المحتاج على الأرض وعلى حساب التزامات حقوق الإنسان في البلاد “.

وحالياً، تذهب تلك المساعدات للدول التي تستضيف اللاجئين مثل لبنان والأردن، ولكن بعد مرور بضع سنوات على نزوح السوريين “نضبت أموال المانحين” حسبما ذكرت كيالي. كما هبط التمويل الدولي السنوي المخصص للدول التي تستضيف لاجئين سوريين بمقدار 1.39 مليار دولار ما بين عامي 2017-2021، وهذا التوقيت كان في غاية السوء بالنسبة للبنان الذي يحاول معالجة الانهيار الاقتصادي لديه والذي زج بثلاثة أرباع شعب لبنان البالغ تعداده 6.7 ملايين نسمة في حالة من الفقر (بينهم 4.5 ملايين نسمة من حملة الجنسية اللبنانية).

زادت تلك الشدائد من حالة التمييز العنصري المتفشية بالأصل ضد السوريين في لبنان، الذين يشكلون عالمياً ثاني أكبر تجمع للاجئين بالنسبة لعدد السكان في بلد واحد (أي بعد الفنزويليين الذين يعيشون في أوروبا). إذ بوجود أكثر من 815 ألف سوري مسجلين كلاجئين في لبنان -في حين تقدر الحكومة اللبنانية بأن عددهم يقارب 1.5 مليون نسمة- استغل السياسيون اللبنانيون السوريين وتعاملوا معهم بوصفهم كبش فداء بالنسبة للأمراض والمشكلات التي يعاني منها لبنان، إذ أخذوا يصوّرون اللاجئين على أنهم ينافسون الشعب في الحصول على عمل، وبأنهم يحصلون على مساعدات لا تتناسب مع وضعهم، وبأنهم يستهلكون موارد البلاد المحدودة، حيث سبق لجبران باسيل، زعيم أكبر حزب مسيحي في لبنان وصهر الرئيس اللبناني ميشال عون أن كتب في تغريدة نشرها في عام 2019 ما يلي: “لن يحل محلّنا أحد على هذه الأرض التي دفن فيها أنبياء وقديسون، لا لاجئ ولا نازح ولا فاسد”.

بيد أن الأرقام تسرد حكاية أخرى، إذ إن تسعاً من أصل كل عشر عائلات لاجئة سورية تعيش في فقر مدقع اليوم، ونصف تلك العائلات تقريباً محرومة من الأمن الغذائي بحسب ما أوردته الأمم المتحدة. كما بلغت نسب الوفيات بكوفيد-19 بين صفوف اللاجئين السوريين أربعة أضعاف الوفيات من عامة الشعب اللبناني، وذلك بسبب صعوبة حصول اللاجئين على الرعاية الطبية. كما أصبح اللاجئون ضحية لجرائم الكراهية حيث أحرقت مخيماتهم عمداً.

أصبحت الديناميات الجيوسياسية الأوسع خارج سيطرة اللاجئين الذين يكافحون ليعيشوا يوماً بيوم، إلا أنهم من يدفع ثمن تلك التغييرات التي تحدث على الأرض. إذ بعدما أصبح بعضهم يعاني بين مطرقة الأوضاع المتردية وسندان زيادة تردي الأوضاع بشكل أكبر، قرر هؤلاء المخاطرة بالعودة إلى سوريا، إلا أن عودة أكثر من نصفهم إلى لبنان خير دليل على ما شهدوه من تجارب مروعة.

قصة السورية ندى مع العنصرية في لبنان

في أحد أزقة مخيم شاتيلا للاجئين حيث تنتشر القمامة ومياه الصرف الصحي، تعيش ندى مع زوجها وأولادها الستة وشقيق زوجها وزوجته في شقة متداعية مؤلفة من غرفتي نوم. إذ فوق مدخل البيت تظهر ماسورتا مياه في السقف الخالي من الجص. وفي المطبخ تقبع بقايا أسطوانة غاز تسببت بنشوب حريق في تشرين الأول عام 2021، فاحترقت مؤونة الأسرة من الطعام.

جميع الأسر والعائلات التي تعيش في هذا البناء المكتظ، المؤلف من طوابق ثلاثة والواقع في قلب أكبر مخيم للاجئين الفلسطينين جنوب بيروت، سوريّة، بيد أن وضعهم ليس بغريب، إذ بحسب ما أوردته الأمم المتحدة فإن 57% من الأسر السوريّة اللاجئة في لبنان تعيش في ظل ظروف “خطيرة أو دون المستوى أو تعيش حالة ازدحام شديدة”.

في ذلك اليوم التشريني، لم يكن زوج ندى في البيت، وذلك ديدنه كل يوم، إذ يغادر البيت في الصباح لينتظر تحت جسر قريب من مخيم اللاجئين على أمل أن يقوم أحد بتشغيله، حيث يقوم بنقل الأثاث أو خلط الإسمنت، أو حمل الطوب، أو العمل في الحقول، فهو ليس بمتعلم، بل إنه أمّيّ، أي أن خياراته محدودة.

وبسبب ضعف بصره وكتفيه المتهدلين، لا يستطيع خالد القيام بالأعمال الشاقة، وبوجود منافسة شديدة، لا يمكنه الحصول على عمل إلا خلال عشرة أو 15 يوماً في الشهر، بالرغم من أنه معيل لأسرته ومصدر الدخل الوحيد لديها، إلا أن 2-4 دولارت لا يمكنها أن تغطي تكاليف المعيشة اليومية، وتعلق ندى على ذلك بقولها: “إن كنا محظوظين للغاية فسيكفينا المبلغ ليوم واحد”، ولكن حتى لو كان المبلغ كافياً، فهو لا يزودهم إلا بالأساسيات أي الخبز والماء والبطاطس أو الطماطم، فهم محرومون من الكماليات بكل تأكيد مثل فوط الأطفال لطفلها الذي ولد حديثاً.

لا يرتاد أي من أولاد ندى المدرسة، لذا لا يستطيع أحدهم أن يقرأ تماماً مثل والديهم. كما أن لبنان لم ييسر أمور التعليم بالنسبة للاجئين السوريين، بعد تبنيه لسياسات تحرم آلاف الأطفال اللاجئين الذين لا تتوفر لديهم إقامة أو سجلات تعليمية من الدوام في الصفوف الدراسية.

وحتى تدبر أمور العيش، تعيش ندى على الدَّين، إذ على الأقل عندما يعيش المرء بين لاجئين فلسطينيين فإنه ينأى بنفسه عن العنصرية التي يتعرض لها غالبية السوريين من قبل اللبنانيين. وفي الدكان القريب عند الزاوية، نشأت حالة من الثقة بينها وبين أصحابه، أي أنهم يسمحون لها بالحصول على فوط الأطفال مقابل أن تدفع لهم ثمنها فيما بعد.

ولكن في عام 2018، كان زوجها لا يكاد يعمل، ولم يكن بوسعهما دفع إيجار البيت، ولهذا قطع صاحب البيت عنهما الكهرباء والماء، وجاع أطفالهما، واشتاقوا إلى الأماكن المفتوحة، وعن ذلك تقول ندى: “كان مخيم شاتيلا أشبه بالسجن بالنسبة للأطفال، إذ لم يكن هناك أي مكان ليلعبوا فيه”.

ما يزال خالد يخشى الاعتقال وأن يجبر على الخدمة العسكرية إن عاد إلى سوريا، إلا أن ندى التي أصبحت في أواسط الثلاثينيات من العمر لا يمكن استدعاؤها للخدمة العسكرية بما أنها امرأة، كما أنها غير مطلوبة بسبب أي نشاط مناهض للنظام، ولذلك أخذت أولادها معها وعادت إلى سوريا.

لم تكن تلك المرة الأولى التي تعيش فيها ندى وأولادها في سوريا بدون خالد، إذ في عام 2015، عبر خالد للمرة الأولى إلى لبنان بدونهم، على أمل أن تتحسن الأوضاع في سوريا ويتمكن خالد من العودة إليها من جديد، إلا أن الوضع ساء، وخضعت مدينتهما الواقعة في ريف حلب لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية، كما أصبحت عرضة لقصف النظام.

وبعد مرور عام، قررت ندى أنها لم تعد تطيق العيش بلا زوجها، وهكذا حملها المهربون هي وأولادها (الذين كانوا أربعة حينئذ) على متن قارب من بحيرة الأسد إلى منبج التي كانت تحت سيطرة الكرد في ذلك الحين، وذلك لقاء مبلغ 300 دولار، فكانت هي وابنتها في مركب واحد، وأولادها الثلاثة في مركب آخر، ولكن خلال تلك الرحلة في الشمال، أخذت القذائف تتساقط كالمطر، فبقيت ندى على مدار ثلاثة أيام تعتقد بأن أولادها لقُوا حتفهم في تلك الغارات.

لكنها وجدتهم في نهاية الأمر لدى أقاربهم في منبج، بعد مرور ستة أشهر ودفعها لثلاثمئة دولار أخرى، بعد ذلك توجهت الأسرة للحدود السورية-اللبنانية، فخرجوا من البلاد بطريقة غير قانونية كما فعل خالد، وذلك عبر نقطة حدودية تابعة للشرطة السورية طلبت منهم رشوة مضاعفة عن كل شخص، وهكذا دخلت الأسرة إلى لبنان بطريقة غير قانونية.

بقيت ندى أقل من سنتين في لبنان، وبالرغم من صدمتها خلال الرحلة الأخيرة وتيقنها من حملها، لم تعد تطيق صبراً، وعن ذلك تقول: “طلب مني أهلي أن أبقى في لبنان” لكنها لم تسمع لهم، لذا وفي أثناء خروجها من لبنان، أصدرت دوريات الشرطة اللبنانية على الحدود بحقها منعاً دائماً يحرمها من العودة إلى لبنان مجدداً، حيث أصبح هذا الحظر يفرض على السوريين الذين يخرجون من لبنان بشكل قانوني من دون أن يدفعوا غرامة المخالفة.

منذ عام 2016، عاد إلى سوريا أكثر من 280 ألف لاجئ، بحسب ما أوردته الأمم المتحدة، ومن المرجح أن العدد الحقيقي أكبر بكثير، بما أن معظم اللاجئين من أمثال ندى لم يبلغوا السلطات بأمر دخولهم وخروجهم (ولهذا يمثل هذا العدد نسبة ضئيلة من العدد الذي قدره بعضهم بنحو 6.8 ملايين لاجئ سوري في مختلف بقاع العالم).

وبعد عودتها إلى سوريا، خضعت ندى للتفتيش على الحواجز، حاجزاً إثر حاجز، لكنها تمكنت من العودة في نهاية المطاف إلى قريتها الأم، وهناك وجدت بيتها وقد دمّر بالكامل، حيث تعرض للقصف والنهب كما سرق منه الأثاث، ولم يعد صالحاً للعيش، إلا أن ندى وأطفالها عاشوا فيه، بعدما ساعدهم الجيران على خلط الإسمنت وصنع طوب من القش والطين لإعادة بناء ذلك البيت ولو بشكل جزئي.

إلا أن البيت بقي بلا كهرباء، ولا غاز ولا خط هاتف، وذلك لأن البنية التحتية لتلك القرية قد دمرت، ثم وجدت ندى عملاً كمُياوِمَة في جني المحاصيل في الأراضي الزراعية، غير أنها لا تكسب ما يكفي لتأمين أمور المعيشة، فهنالك نقص كبير بالمواد الغذائية، وتراكمت الديون عليها وأصبح أولادها جوعى أكثر مما كانوا عليه في لبنان. كما أن أقرب طبيب وصيدلية يبعدان نحو 100 كلم عن حلب، الأمر الذي قد يعرضها لخطر المرور بالعديد من حواجز التفتيش على الطريق.

لم تشعر ندى بأمان أكبر من الأمان الذي كانت تحس به في لبنان بعد عودتها إلى سوريا، إذ بقيت يراودها الإحساس ذاته بالخوف وانعدام الأمن الذي يتسرّب ليصل إلى كل تفصيل من تفاصيل الحياة اليومية في سوريا. لم يسبق لندى أن عاشت تجربة الاعتقال أو التعذيب، إلا أن أحد أبناء عمومتها تعرض للتغييب القسري، ولم تكتشف بعد ماذا حدث له.

لم تكن ندى تتخيل أنها ستشتاق للبنان بعد مغادرتها له، فالحياة شاقة هناك، إلا أن الحياة أكثر مشقة في بلدها. ولهذا، وفي أواخر عام 2020، توجهت ندى مرة أخرى نحو الحدود برفقة خمسة أطفال هذه المرة، وبسبب منع الدخول الدائم المفروض عليها لم يكن بوسعها أن تعبر بشكل نظامي، فأخذها المهربون هي وأولادها من بيتها في ريف حلب إلى بيروت، وذلك عبر جبال حمص، لقاء مبلغ 250 دولاراً.

الظروف هي التي تحكم قرار العودة إلى سوريا

في تحقيق استقصائي شمل السوريين أجرته الأمم المتحدة تبين بأن 70% منهم عبروا عن رغبتهم بالعودة إلى بلدهم في يوم من الأيام، إلا أن 9 من بين كل عشرة أشخاص شملهم البحث ذكروا بأنهم لا يخططون للعودة خلال السنة المقبلة، حتى ولو لم يكن بمقدورهم تأمين المتطلبات الأساسية في الدول المضيفة. وبصرف النظر عن مدى سوء الظروف التي يعيشونها، فقد ذكر معظم اللاجئين بأن الظروف في بلدهم هي التي ستحدد رأيهم بالنسبة لفكرة العودة، ولذلك تعتبر حالة ندى التي فرت من لبنان بسبب السياسات العنصرية حالة استثنائية.

وفي بيان للمفوضية العليا للاجئين صدر في تموز 2021، ورد ما يلي: “مع استمرار المناقشات بشأن عودة النازحين السوريين، من الضروري ضمان الاستهداء بالمبادئ الدولية عند إطلاق أي جهود تدعم إعادة هؤلاء النازحين”. كما ورد في ذلك البيان بأن المفوضية: ترحب بكل الجهود الساعية لخلق بيئة تساعد اللاجئين والنازحين على ممارسة حقهم بالعودة” كما “ينبغي على كل أصحاب المصلحة أن يعالجوا وبشكل جماعي تلك العوائق التي تقف في وجه العودة كما عبر عنها اللاجئون أنفسهم، إن كنا نرغب في زيادة احتمال تحول ذلك إلى حل حقيقي وآمن ودائم لعدد أكبر من الناس”.

غير أن كيالي تشكك في أن تعزيز بيئة آمنة للعودة أمر غير وارد مع بقاء الأسد في السلطة، إذ تقول: “بدون إصلاحات جدية يقوم بها النظام وأجهزته من غير المرجح تهيئة الظروف لعودة اللاجئين بشكل آمن وبصورة طوعية”.

منذ أن عادت ندى إلى لبنان، أصبحت الحياة أكثر صعوبة مما كانت عليه عندما تركت البلاد، غير أنها بعدما رأت البديل، لم تعد تفكر بالعودة إلى سوريا مجدداً، إذ تؤكد ذلك بقولها: “أبداً! سأبقى هنا مهما حدث”.

ومن جانبه، يتمنى يوسف أن يظل هذا الخيار قائماً، أي “البقاء هنا مهما حدث”.

المصدر: فورين بوليسي

————————————–

موقع استخباراتي: لهذا ستكون لإعادة تأهيل نظام الأسد تداعيات خطيرة على المنطقة

نشر مركز “سترافور” الأمريكي للدراسات الأمنية والاستخباراتية (الذي يوصف بالمقرب من المخابرات الأمريكية) مقالا للباحث ريان بوهل أكد فيه أن التطبيع مع نظام الأسد سيكون استمرارا لدورة الصراع والاستبداد في الشرق الأوسط.

ويقول الباحث إن عددا متزايدا من الدول العربية بدأ مؤخرًا في إحياء العلاقات مع النظام السوري بعد عقد من الصراع الأهلي والمحاولات الفاشلة للإطاحة بـبشار الأسد. ومع خروج نظامه ببطء من العزلة، تريد الأنظمة والجهات الفاعلة غير الديمقراطية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إبراز نجاح “الأسد” كدليل على أن القوة خيار صالح للغاية لقمع التهديدات.

ومن بين جميع انتفاضات الربيع العربي التي بدأت في عام 2011، بدا نظام الأسد الأكثر استعدادًا لتغيير الطريقة التي تحكم المنطقة بها نفسها. وبخلاف البلدان الأخرى التي شهدت احتجاجات كبيرة مناهضة للحكومة خلال ذلك الوقت (مثل مصر وتونس)، كانت سوريا الدولة الأمنية العربية التي تحكمها المخابرات. وكان يُنظر إلى دمشق على نطاق واسع على أنها “دليل على التحول” بعد عقود من إعادة التنظيم الداخلي واختبارات الولاء التي ابتكرتها عشيرة “الأسد” الحاكمة.

وهكذا بدت حكومة النظام السوري محصنة ضد الضغط الشعبي، ناهيك عن التمرد، لأنها تستطيع استخدام القوة كما تريد. ولو نجح الربيع العربي في قلب هذه المعادلة، لفقدت الدولة البوليسية مصداقيتها، وكذلك الاستبداد الإقليمي بشكل عام.

ومع ذلك، تحولت اضطرابات الربيع العربي في سوريا إلى سنوات من الصراع المسلح والحرب الأهلية. وعندما بدأت القوات الجوية الروسية والميليشيات المدعومة من إيران في تغيير الواقع العسكري لصالح “الأسد” بعد عام 2015، ظهر درس جديد وهو: “يمكن الفوز بمثل هذه الحرب الأهلية الوحشية، وبإمكان النهج المتشدد إزاء الاضطرابات أن ينتج نصرًا، وإن كان مكلفًا”.

وتشير فاتورة إعادة الإعمار في سوريا التي لا تقل عن 500 مليار دولار (أكثر من 8 أضعاف الناتج المحلي الإجمالي للبلاد قبل الحرب البالغ 60 مليار دولار في عام 2010) إلى أن النظام السوري سيحتاج إلى كميات هائلة من المساعدات لإعادة بناء الدولة الممزقة. لكن العقوبات الأمريكية والأوروبية بدت وكأنها ستعيق إعادة الإعمار إلى الأبد، تاركة نظام “الأسد” مع مشهد سوداوي، حيث تحصل المدن المتضررة على ساعات قليلة فقط من الكهرباء في اليوم، وحتى أنصار النظام يسعون للحصول على الوقود والأدوية بصعوبة.

ومع ذلك، حتى هذا الافتراض يبدو الآن موضع شك، حيث بدأت كل من الإمارات والأردن ومصر والبحرين تطبيع العلاقات مع سوريا بشكل نشط في الأسابيع الأخيرة، بالرغم من قانون “قيصر” الذي يفرض عقوبات على الدول والجهات التي تتعاون مع نظام “الأسد”.

ويلفت الكاتب إلى أن الإماراتيين أخذوا زمام المبادرة في هذه الحملة، حيث تعهدوا ببناء محطة للطاقة الشمسية في سوريا بعد وقت قصير من إرسال وزير خارجيتهم إلى دمشق في 9 نوفمبر/تشرين الثاني. كما أعاد الأردن فتح حدوده مع سوريا في سبتمبر/أيلول، بينما أعادت البحرين تعيين سفيرها في دمشق في ديسمبر/كانون الأول. في غضون ذلك، كانت مصر تضغط بنشاط من أجل عودة نظام الأسد ا إلى جامعة الدول العربية بعد تعليق عضويتها عام 2011.

ومثلما يؤكد الكاتب تعتبر كل هذه الدول حلفاء للولايات المتحدة وعادة ما تكون هذه الدول حذرة من إثارة غضب واشنطن وعقوباتها. لكن يبدو أنهم قد اقتنعوا أن الولايات المتحدة لا تريد إحداث خلاف مع شركائها الإقليميين بشأن سوريا، وهي دولة لا تهتم واشنطن بتحسين الحوكمة الكلية بها وتركز بدلاً من ذلك في المقام الأول على التهديدات الأمنية في الشمال الشرقي.

وقد صمدت هذه الحسابات حتى الآن، حيث لم تشر الولايات المتحدة بعد إلى أي نية لفرض عقوبات رداً على تواصل الإمارات والأردن ومصر والبحرين مع دمشق. في الواقع، يبدو أنه حتى واشنطن تجد استثناءات في استراتيجيتها لعزل سوريا، حيث تسعى الولايات المتحدة الآن إلى إعادة تشغيل خط الغاز العربي الذي تم إغلاقه منذ فترة طويلة والذي يمتد من مدينة العريش المصرية إلى مدينة حمص السورية.

بحسب الكاتب ففي حين قد يستغرق الأمر بعض الوقت قبل أن تسقط الولايات المتحدة علانية اعتراضاتها على عودة نظام الأسد الكاملة إلى الاقتصاد العالمي والفضاء الدبلوماسي، فإن المسار واضح بما فيه الكفاية. وفي المستقبل، قد تضعف العقوبات الأمريكية بما يكفي للسماح بتدفق كميات من المساعدات واستثمارات إعادة الإعمار وقد يؤدي ذلك مع الوقت إلى تطورات أكبر.

ويشير إلى أنه لا يعد النموذج السوري هو المرة الأولى التي تكافأ فيها القوة في المنطقة لكنه واحد من أكثر الأمثلة التي تضيف إلى الاتجاه الذي سيظل فيه الحكم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بحد السيف. وبالنسبة للقادة في المنطقة، فإن نجاح “الأسد” في الاحتفاظ بالسلطة خلال العقد الماضي يضع أيضًا نموذجًا لكيفية النجاة حتى في أسوأ سيناريو لانتفاضة شعبية شاملة.

ويرى أنه من المرجح أن ترى كل من الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية شيئًا في المثال السوري قد يكون مفيدًا لهم في المستقبل.

ويقول إنه على سبيل المثال، امتنع “حزب الله” في لبنان عن استخدام قوته الكبيرة لإعادة تشكيل السياسة لصالحه، خشية العودة إلى الحرب الأهلية. ولكن مع ظهور الصراع السوري ليس كتحذير، ولكن كنموذج محتمل، قد يعتبر “حزب الله” استخدام القوة مقامرة جديرة بالاهتمام لتأمين قوته المحلية وشرعيته وسط الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المستمرة في لبنان.

ويعتقد أنه من المرجح أن يتجلى ذلك في مزيد من العنف المعلن ضد المتظاهرين والناشطين اللبنانيين وحتى المؤسسات الحكومية. وقد يخطئ “حزب الله” في التقدير أو يقتل الشخص الخطأ أو يمارس العنف في العلن بطريقة تؤدي إلى إعادة إشعال صراع طائفي مخيف.

وفي العراق، ستتشجع الميليشيات المدعومة من إيران للتمسك بالتكتيكات العنيفة التي استخدموها بالفعل لفض الاحتجاجات الموجهة ضدهم. وقد تميل هذه الميليشيات خلال الأزمات الأمنية أو السياسية المستقبلية، إلى العودة إلى التطهير العرقي الذي شوهد آخر مرة في العراق خلال ذروة الصراع الطائفي في العراق في 2006-2007، بعد رؤية النجاح الذي حققه “الأسد” في استخدام مثل هذه التكتيكات للحفاظ على سيطرته في سوريا.

ويذكر أن إيران نفسها تواجه أيضًا اضطرابات متكررة، غالبًا من الأقلية العربية، ولكن أحيانًا من أطياف واسعة من سكان إيران أيضًا. وقد شهدت البلاد بعض أكبر الاحتجاجات على مستوى البلاد في 2019-2020. وعادة ما تستخدم إيران القوة لقمع هذه الانتفاضات. ولكن مع أخذ المثال السوري في الاعتبار، قد تكون طهران على استعداد للجوء إلى المزيد من تكتيكات الأرض المحروقة، خاصة ضد سكانها العرب، لقمع التحديات التي تواجه حكمها بحزم.

بالإضافة إلى ذلك، ستثبت الحرب الأهلية في سوريا ـ حسب الكاتب ـ صحة السياسة الخارجية الإيرانية المتشددة، وتنذر بمزيد من التدخلات العسكرية في الخارج لصالح حلفاء طهران الأيديولوجيين.

لكنه يؤكد أنه حتى حلفاء الولايات المتحدة مثل مصر والسعودية سيرون دروسًا تستحق من سوريا. على سبيل المثال، تظل هناك فجوة هائلة بين قيم الولايات المتحدة وسياساتها بالرغم من التعهدات المتكررة من قبل الرؤساء والقوانين المختلفة المصممة لتغيير ذلك.

ويقول إنه طالما أن هذه الدول ذات قيمة استراتيجية للولايات المتحدة، يمكن أيضًا أن تطمئن إلى أن واشنطن ستتخذ إجراءات محدودة، وربما غير فعالة، ضدهم إذا انخرطوا في قمع واسع النطاق للمعارضة الشعبية. ويمكن أن يؤدي ذلك إلى نهاية حالة عدم اليقين التي أعقبت الحرب الباردة والتي نجمت عن تأكيد الولايات المتحدة على التزام الحلفاء بمعايير حقوق الإنسان الخاصة بها، مما يمكّن الدول من العودة إلى التكتيكات القمعية دون تعريض علاقاتها مع واشنطن للخطر.

ويؤكد أنه إذا تم فرض عقوبات على حلفاء الولايات المتحدة بسبب مثل هذا السلوك المحلي، فسوف ينظرون أيضًا إلى سوريا كدليل على أنه إذا كان بإمكانهم امتصاص الضربة الأولى، فإن تطبيق هذه العقوبات سيتلاشى في النهاية.

ويختم الكاتب بالقول إنه يظهر النموذج السوري أن الاستبداد قد خرج منتصرا في الشرق الأوسط. وينذر التطبيع البطيء في سوريا بالعودة إلى أنماط الحكم القديمة واستمرار دورة الحرب نتيجة عدم معالجة الأسباب الأساسية للصراع في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

القدس العربي

————————————

الأسد ينقذنا من خيار رهيب/ روبرت فورد

من السهل الترحيب بقرار المحكمة في «كوبلنز» الألمانية، الذي أدان أنور رسلان، بالمسؤولية عن التعذيب والاغتصاب والقتل في «الفرع 251» في المخابرات السورية في دمشق. عندما كنت سفيراً في دمشق، سمعت من السوريين عن مراكز الاعتقال العديدة، من بينها «الفرع 251». كنا نعرف «نظرياً» عن إساءة معاملة السجناء، لكن بعد اطلاعي على صور «قيصر»، بدأت أدرك مدى الوحشية الهائلة. أدانت محكمة كوبلنز عقيد الاستخبارات العامة السورية المذكور بالتورط في 27 قضية تعذيب واغتصاب وقتل في «الفرع 251». جدير بالذكر أن خبيراً ألمانياً في تحديد الأدلة أبلغ المحكمة أن 110 ضحايا من بين 6786 قتيلاً ضمن صور «قيصر» يبدو أنهم من «الفرع 251» استناداً جزئياً إلى الرقم المكتوب على أجسادهم.

في عام 2022، حتى الموالون للحكومة لا يجادلون في وحشية النظام. ولا يستطيع الموالون الرد إلا بأن المعارضة و«داعش» يسيئون معاملة المعتقلين؛ سواءً بسواء. بيد أن حجم جرائم القتل والإساءة في المراكز الحكومية يتجاوز بكثير الانتهاكات المرتكبة لدى المعارضة أو «داعش». وإحدى المشكلات التي تكتنف النقاش حول سوريا أنه غالباً ما تعد المعارضة سيئة بالقدر نفسه، ومسؤولة بالمستوى نفسه عن المأساة. وتذكرنا محاكمة «كوبلنز» بأن المأساة في سوريا في واقع الأمر هي بالأساس مسؤولية الحكومة السورية. وأشادت مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ميشيل باشيليه، بقرار المحكمة، قائلة إنه خطوة رئيسية نحو الحقيقة والعدالة والتعويض عن الانتهاكات في سوريا. وقال أحد الضحايا خارج دار المحكمة لصحيفة «الإندبندنت» البريطانية، في 13 يناير (كانون الثاني)، إن قرار المحكمة يخبر كل سياسي وضابط أمن في سوريا يرتكب انتهاكات بأنه «لا يمكنك التهرب من العدالة، وستخضع للمساءلة يوماً ما».

لا شك في أن الرئيس الأسد واللواء حسام لوكا، مدير المخابرات العامة (وبالتالي الفرع 251 من بين مراكز أخرى) وضباط أمن سوريين آخرين، قد استمعوا لهذه الرسالة بوضوح. كما لاحظوا وجهين آخرين للقضية؛ أولاً، قررت المحكمة الألمانية أنه حتى لو لم يكن رسلان نفسه يعذب ويغتصب، فإنه لم يمنع ضباط الأمن الآخرين من الإساءة للسجناء، وبالتالي يتحمل المسؤولية. ولقد رأينا هذا المبدأ أيضاً في محاكمات «نورمبيرغ» لمجرمي الحرب النازيين. ويتحمل الأسد ودائرته المسؤولية بموجب هذا المبدأ. كما لاحظت دمشق أن انشقاق رسلان لم يمنع إصدار الحكم عليه بالسجن مدى الحياة.

وسيكون رد الفعل داخل دمشق واضحاً للغاية: لتفادي المساءلة والسجن، سوف ترفض دمشق التنازلات أو المهادنات مثل ما تطالب به عقوبات «قانون قيصر» الأميركي، لأن القادة سيخشون أكثر من العدالة يوماً ما. ويجب أن نكون صرحاء ونقول الحقيقة: يسهل فهم ودعم الإصرار على تحقيق العدالة في الجرائم المرتكبة في سوريا، غير أن هذا الإصرار يجعل التوصل إلى حل سياسي تفاوضي للحرب أمراً مستحيلاً. ولن يستسلم الأسد والمقربون منه، ويقبلون بمحاكمات مثل «كوبلنز». إضافة إلى ذلك، لا يمكنهم تسليم بعض ضباطهم من المستوى الأدنى لمواجهة المحاكمات، لأنهم سيخاطرون بالتمرد داخل قواتهم الأمنية. والخيار الوحيد المتاح أمام الحكومة هو السيطرة الكاملة على بقايا سوريا والتهرب من العدالة. وقد رحب فريق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بقرار «كوبلنز»، ولكن ربما أدرك الفريق السياسي التابع للأمم المتحدة بقيادة غير بيدرسون، أن عملهم أصبح الآن أكثر صعوبة من أي وقت سابق.

لقد أصدر الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، عام 1999، عفواً عن قوات الأمن والجماعات الإسلامية المسلحة، وحتى عن الجماعات الإرهابية التي كانت مسؤولة عن الفظائع التي ارتكبت خلال الحرب الأهلية هناك. وقد وسع قاعدة العفو عام 2005، ومن السهل انتقاد بوتفليقة الآن. لقد مكث طويلاً في مقعد الرئاسة. كما تشكو منظمات حقوق الإنسان الغربية من أن العفو سمح للمسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان في حرب الجزائر بالإفلات من العدالة. وهم محقون في ذلك. ولكن يجب علينا الاعتراف أيضاً بأن العفو ساهم في التخفيف من حدة القتال في الجزائر بعد سنوات من القتل والعنف الشديد. وتجدر الإشارة إلى أن الجيش الجزائري حقق نصراً عسكرياً في الحرب، لكنه طالب بعفو لحماية ضباطه قانونياً بعد ذلك.

بطبيعة الحال، من المستحيل تصور أن الحكومة السورية وقواتها الأمنية قد تثق في أي وقت مضى بعرض الحصانة أو تحترم العفو.

ولن يثق الأسد ومساعدوه أبداً بمصيرهم إزاء وعود الآخرين، ولا حتى من الرئيس الروسي بوتين أو المرشد الأعلى خامنئي. وبدلاً من ذلك، تقوم قوات الأمن باغتيال مقاتلي المعارضة المسلحة الذين وافقوا على المصالحة، لأن قوات الأمن تخشى ثورة أخرى ومواجهة العدالة في نهاية المطاف. أخيراً، فإن عناد الحكومة السورية وخوفها يتيحان لنا الفرصة للإفلات من الخيار الرهيب: بين المطالبة بالعدالة للجميع أو قبول تسوية سياسية تفاوضية لا بد أن تتضمن العفو.

* خاص بـ«الشرق الأوسط»

———————————-

الأسد .. صفقة روسية أميركية/ بشير البكر

موقفان متقاربان، أميركي وروسي، في توصيف الوضع السوري. الأول صدر منذ عدة أيام عن السفير الأميركي السابق في دمشق، روبرت فورد. والثاني سبقه بوقت قصير، وجاء على لسان مبعوث الرئيس الروسي إلى سورية، ألكسندر لافرنتييف. وجزم كلاهما بأن رئيس النظام السوري، بشار الأسد، لن يقبل بأي تعديل دستوري يتعلق بالسلطة أو صلاحياته رئيسا. واعتبر فورد أن جهود مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية، غير بيدرسن، لن تؤدّي إلى أي نتائج تُذكر، وذلك لأن الأسد لن يقبل بأي حلول تُحدث تغييراتٍ كبرى، وفي السياق نفسه، استبعد المسؤول الروسي وضع دستور جديد من أجل تغيير صلاحيات الرئيس. وقال “هذا الطريق لا يؤدّي إلى شيء”. وإذ يلتقي الرأيان عند نعي مسار محادثات جنيف، فإن كلام فورد يصادق على ما جاء في تصريح لافرنتييف، ولكن من منطلق مختلف. هو يشعر بالأسى لعدم فعالية الدور الدولي، بينما يعبر المسؤول الروسي عن النشوة لنجاح موسكو بحماية الأسد.

وفي حقيقة الأمر، يرى لافرنتييف أن الأسد هو الحل، في حين يحتمل حديث فورد أن الأسد معضلةٌ غير قابلة للحل. ولذلك نصح دول الجوار بالتفاهم معه من باب المصالح المشتركة، وهذا رأيٌ يلزمه وحده، ولا يمكن أن نسجّله على الولايات المتحدة، على الرغم من أنها عهدت بالملف السوري إلى موسكو، ورفعت يدها منذ حصول جريمة كيماوي الغوطة في أغسطس/ آب 2013، ولكن هذا لا يعني أنها تتسامح مع جرائم الأسد. وللأمانة، هي ما تزال ترفض التعامل مع رئيس النظام. وفي عدة مناسبات، أكد وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، رفض تطبيع العلاقات مع الأسد. وقال “ما لم نفعله ولا ننوي فعله هو التعبير عن أي دعم للجهود الرامية إلى تطبيع العلاقات” مع الأسد، بدون أن يطلق عليه لقب الرئيس. وقال إن الولايات المتحدة “لم ترفع أي عقوبة مفروضة على سورية، ولم تغير موقفها المعارض لإعادة إعمار سورية، ما لم يُحرز تقدم لا رجوع عنه نحو حل سياسي نعتقد أنه ضروري وحيوي”.

يبدو إيجاد حل لمعضلة الأسد مستعصيا في ظل التجاذب الأميركي الروسي. موسكو تبحث عن مخرج له، وجرّبت عدة طرق كي تعيد تعويمه. ومنذ تدخلها العسكري في سبتمبر/ أيلول 2015 حاولت بالوسائل العسكرية والدبلوماسية، وإلى حد الآن بدون نتيجة. وتبيّن من تجربة الأعوام الماضية أن موسكو قادرةٌ على الاحتفاظ به، وحمايته من السقوط، لكن ليس لديها الإمكانية من أجل فك الحصار عنه، والذي يتمثل بالموقف الدولي. ومع أن السوريين كانوا ينتظرون أكثر من الولايات المتحدة لإطاحة حكم الأسد، فإن العقوبات التي فرضتها ساهمت بالقسط الأكبر من الموانع على طريق الانفتاح العربي والدولي عليه، ويلعب قانون قيصر دورا أساسيا في ذلك. وعلى الرغم من أن تساهلا حصل من واشنطن تجاه بعض الدول التي قامت بخطوات تطبيع مع نظام الأسد، فإن الذي يحول دون الذهاب إلى أبعد هي العقوبات، وتضع واشنطن شروطا واضحة لرفع تلك العقوبات أو تخفيفها، ومنها تحقيق تقدّم في العملية السياسية التي تم النص عليها في قرار مجلس الأمن 2254. وثمّة من ينسب الجمود الحاصل في عملية مد الغاز من مصر إلى لبنان، عبر الأردن وسورية، إلى تشدّد مواقف الولايات المتحدة، فبعد أن أبدت موافقة على ذلك، اشترطت الحصول على موافقة خطية وفق ما ينص عليه قانون قيصر، ما يشي بأن واشنطن راجعت موقفها وقرّرت التريث، بعد محاولات بعض الأنظمة توظيف المرونة الأميركية لصالح الأسد.

ليس مصادفةً ولا أول مرة يلتقي رأيان روسي وأميركي بشأن الأسد، هذا هو مضمون تفاهمات أوباما بوتين 2013 التي قامت على المقايضة: الأسد مقابل الكيماوي. ولذا يظل الأسد رهينة صفقة روسية أميركية.

العربي الجديد

———————————–

ماذا لو مات الرئيس؟/ غازي دحمان

يقول القارئ العزيز أن هذا سؤال افتراضي لا نعرف ما هي احتمالات تحققه، ما يسبغ صفة الترف، وربما التسلية على النص الذي سيناقش هذا الأمر، في عز زحمة أزمات سورية ومشاكلها، وكلها قضايا واقعية ومعاشة، لماذا أقرأ نصاً بهذه المواصفات على حساب قراءتي لنصوص تتحدث عن الصراع الدولي والإقليمي في سورية، وعن الأزمة الاقتصادية الخانقة، أو عن أزمات الخبز والمازوت وقضايا المعتقلين والمفقودين، بل وأخبار الجبهات الساخنة في شرق وشمال سورية؟.

هذا السؤال، رغم افتراضيته، كان احد محاور النقاش الذي جرى مؤخراً في واشنطن بين وفد من المعارضة السورية وأعضاء من الكونغرس الأميركي الذين تولوا طرح هذا السؤال وحاولوا البحث عن بدائل ممكنة ومحتملة للأسد في حكم سورية، لا يعني ذلك أنه قد يكون مقدمة لسياسة أمريكية محتملة في سورية تسعى لإزاحة الأسد عن الحكم وبالتالي البدء في البحث عن بدائل ودراسة الاحتمالات والتداعيات، المؤكد أن الأمر ليس في هذا السياق، لأن واشنطن باختصار لا تبدو مستعدة في هذا الوقت، وهي تجمع مواردها و توضب أمورها لمواجهة الصين، للانشغال بقضية باتت تعتبرها هامشية وغير مهمة للمصالح الأمريكية.

لكن هذا السؤال الذين يبدو لنا افتراضياً، ربما يكون أكثر الأسئلة واقعية لدى العديد من الدوائر والجهات، وحتى لدى فئات وشرائح مجتمعية في سورية والمشرق، وخاصة وأن بشار الأسد يقف دائما على حافة الخطر بالنظر لكثرة خصومه المحليين والإقليميين والدوليين، فهو معرض لعملية اغتيال من قبل معارض، أو جهة معارضة لها تواجد في دمشق وتستطيع بطريقة ما استهدافه، وهو معرض للاغتيال من ضباط من الجيش قد لا يعجبهم ما وصلت إليه الأحوال من دمار واحتلالات روسية وإيرانية وتركية وغيرها، أو حتى معرض للاغتيال من قبل بيئته التي ترى أن غيابه عن المشهد قد يخرجها من أزمتها القاتلة، وخاصة إذا تسلم الحكم رفعت الأسد على سبيل المثال، أو شخصية أخرى تكون مقبولة عربيا ودولياً وتستطيع تفكيك العزلة وإلغاء العقوبات على البلاد وإخراجها من صندوق العزل الموجودة بداخله طالما بقي بشار حاكماً.

أيضاً، وليس سراً، أن إسرائيل قد تفكر بأمر اغتياله، في إطار سياسة حكومة نفتالي بينيت القاضية بعدم السماح لإيران التموضع قرب الحدود الإسرائيلية مهما كان الثمن، أو منع بشار من إعادة إحياء برنامجه النووي، وقد سبق لإسرائيل أن لمحت إلى إمكانية قيامها بهذا الخيار إذا ثبت أن الأسد مصر على دعم النفوذ الإيراني في سورية، كما ظهرت مؤخراً أصوات إسرائيلية تبدي الندم على عدم اتخاذ هذه الخطوة في مراحل سابقة، أكثر من ذلك، أميركا نفسها، وفي عهد إدارة ترامب كادت أن تفعلها، فقد أصدر دونالد ترامب قراراً بقتل الأسد في عملية أطلق عليها اسم” الرأس المقطوع”، بعد ضرب مدينة خان شيخون بالأسلحة الكيماوية في نيسان 2017، لكن وزير الدفاع جيمس ماتيس رفض تنفيذ أمر الرئيس ترامب.

ماذا لو مات بشار الأسد، من المؤكد ان هذا السؤال يقيم دائما في تفكير صناع القرار في روسيا وإيران، هاتان الدولتان صرفتا في الحرب السورية استثمارات هائلة، والأهم أن الدولتين قامتا بتشييد صروح عالية لمشاريعهما الجيوسياسية تأسيساً على وجودهما في سورية، وبناء على دعامة وجود الأسد في السلطة، فماذا لو مات بشار الأسد، كيف ستتكيفان مع واقع لا وجود للأسد فيه.

تأسس وجود إيران وروسيا في سورية على مقولة أنهما موجودتان بطلب من الجهة الشرعية، أي الأسد، وبررتا نهبهما للاقتصاد السوري وربطه لسنوات طويلة باقتصادياتهما بأن الاتفاقيات التي يعقدونها بهذا الخصوص تتم مع السلطة الشرعية الممثلة للبلاد، وبالتالي فهي اتفاقيات قانونية لا غبار عليها وملزمة لأي حكومة مستقبلية في سورية، أو بلغة أدق لأي نظام يأتي لسورية.

لكن رغم هذه الإدعاءات تدرك موسكو وطهران أن موت بشار الأسد سيكون متغيراً خطيراً يؤثر على وجودهما في سورية، فمن سيحل محله؟، الكثير من التوقعات ترشح ماهر الأسد لهذا لمنصب الرئاسة، حتى الأمريكيين أنفسهم يذهبون بهذا الاتجاه، لكن واقعياً ماهر لن يكون خياراً صائبا للروس، ليس بسبب ميله الشديد لإيران، بل لأن روسيا، ومهما حاولت، ستجد صعوبة في تكييف وضعه، وخاصة انه شخص لا صفة له في الهيكلية السياسة للنظام السوري، وهو مجرد قائد عسكري يوجد كثر أعلى منه مرتبة، حسناً قد يقول البعض أن بشار الأسد نفسه لم تكن له أي صفة في هيكلية نظام حافظ الأسد، ورغم ذلك جرى تعديل الدستور واستلامه السلطة، واعترفت به جميع الدول في المنطقة والعالم!.

الأمر هنا مختلف، سورية في حالة حرب وتعيش أزمة خانقة، وروسيا تحاول إخراجها من هذه الأوضاع، بذريعة أن الأسد منتخب ومنتصر في الحرب وتحوّل إلى واقع لانعدام البدائل في الجهة المقابلة، وإذا مات بشار وعينت بدلاً منه ماهر الأسد، حتى ولو في إطار لعبة دستورية، ستظهر على حقيقتها كقوة احتلال، سينعكس الأمر على مساوماتها مع اللاعبين الإقليميين والدوليين في تأهيل النظام السوري، أو فإنها ستفقد إمكانية الاعتراف بوضعها الذي تحاول تسويقه على أنها قوّة استقرار ولم تأت لسورية إلا بهدف إنقاذها من الفوضى والتفكك.

ما هي بدائل روسيا وإيران إذاً، وماذا لو قررت جهة دولية أو إقليمية خلط الأوراق عليهما في سورية عبر تصفية الأسد؟، كيف ستتصرف روسيا، من المؤكد أن الكرملين قد درس وناقش هذا الاحتمال منذ اليوم الأول لتدخله في سورية، وإلا فإنهم يقامرون ولا يصنعون إستراتيجيات وخطط، وقيل في أوقات سابقة أن روسيا يجهز سهيل الحسن الملقب ب” النمر” كخيار بديل في حال غياب الأسد عن المشهد، لكن تبين أن النمر ليس خياراً منطقياً لأسباب كثيرة منها عدم أهليته لمنصب الرئاسة ووجود قوى بداخل النظام قد تعرقل ترئيسه، وحتى في إطار البيئة الموالية للأسد لا يحظى بقبول كبير.

إذا ماذا لو مات الأسد؟ هذا سؤال سيناريو هاتي، يستدعي بناء احتمالات ودراسة مخاطرها وفرص تحقّقها، سؤال عصف ذهني سياسي، لكن طالما الحدث ممكن ومحتمل، فإن شرعية السؤال قائمة وتفتح الباب على سؤال يخطر ببال كل سوري، كيف ستكون سورية في اليوم التالي لموت الأسد؟.

————————————-

الأسد..عنوان حوار موسكو والرياض؟/ بسام مقداد

جولات الممثل الخاص للرئيس الروسي في سوريا ألكسندر لافرنتييف لا تثير حولها عادة إهتماماً إعلامياً ملحوظاً، وذلك لكثرتها من ناحية ولتحول المأساة السورية إلى حدث يومي يتكرر فصولاً منذ أكثر من 11 عاماً. لكن جولته الأخيرة بين موسكو والرياض التي غادرها في اليوم عينه إلى دمشق لفتت الإنتباه إلى ما يمكن أن تكون قد حملته من جديد في موقف الرياض من الأسد. لكن الإعلام الروسي لم يولِ الأمر إهتماماً يذكر، وكل ما ورد في وكالات الأنباء هو خبر حدوثها، وأن اللقاء بين لافرنتييف وولي العهد السعودي محمد بن سلمان تناول تطورات الوضع في سوريا.

موقع الخدمة العربية في”الحرة” الأميركية رأى في اللقاء “جهوداً روسية بين الرياض ودمشق”، واعتبر أن التطبيع وارد “رغم” غياب المؤشرات. وفي حين ذكرت وكالة “رويترز” أن اللقاء تناول  تطورات الوضع في سوريا، قالت وكالة “سانا” السورية أن اللقاء دار “حول التطورات على الساحتين الإقليمية والدولية، والقضايا السياسية ذات الإهتمام المشترك مع موسكو”. وينقل عن محلل سياسي سوري قوله بأن موسكو تقوم بدور الوسيط بين دمشق والرياض، وأنها تؤيد عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية، وهو ما عبر عنه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في زيارته للرياض العام الماضي. واعتبر هذا المحلل أن زيارة لافروف كانت وراء تصريح وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان شتاء العام الماضي، حيث اعلن عن دعم الرياض لعودة سوريا إلى محيطها العربي، وأن الحل في سوريا لن يكون إلا سياسياً. لكنه رأى أن الرياض لن تسارع إلى تطبيع علاقاتها مع الأسد، وذلك بمعزل عن اي جهد روسي، إذ ليس من مؤشرات عن زيارات رفيعة المستوى حالياً، أو إعادة افتتاح قنصلية أو سفارة سعودية في دمشق. لكنه يرى أن الرياض “لن تكون حجر عثرة” أمام اي تسوية تحقق “المصالح الوطنية” السورية في المقام الأول.

آخر حديث أدلى به للصحافة ألكسندر لافرنتيف عن مستقبل التسوية السياسية في سوريا كان في 23 الشهر المنصرم، وذلك في مقابلة مع الصحيفة السياسية الروسية Kommersant. وجاءت المقابلة بمناسبة إختتام اللقاء 17 لمنصة أستانة في عاصمة كازاخستان، قال فيها بأن من المهم لأطراف المنصة إقناع الأميركيين بالخروج من سوريا. ورداً على سؤاله عن مصالحة درعا التي اعتبرها إنجازاً مهماً، قال بأن فشل المصالحة السابقة كان بسبب تدهور الوضع الإجتماعي الإقتصادي الناجم عن سياسة “الضغط الإقصى على سوريا” التي اتبعها الممثل الخاص في سوريا للرئيس الأميركي السابق جيمس جيفري. ورأى أن هذه السياسة هي المسؤولة أيضاً عن زعزعة الإستقرار في العراق ولبنان، و”يكفي أن نلقي نظرة على الإقتصاد اللبناني”.

وعما إذا كان يرى تغيراً في نظرة الأميركيين إلى التسوية السياسية في سوريا، وما إذا كانوا يرون حلولاً توافقية مع روسيا بهذا الشأن، قال لاقرنتيف بأن الأميركيين يصرحون الآن بأنهم لا يضعون نصب أعينهم تغيير النظام في سوريا، أي تبديل “السلطة الشرعية برئاسة بشار الأسد”. لكن هذا يبقى كلاماً، وهم في كل الأحوال يعتبرون أن النتيجة المرغوبة للعملية السياسية تبقى في نقل السلطة من الرئيس بشار الأسد.

وعن حتمية مغادرة الأسد بعد 7 سنوات بنتيجة الإنتخابات، قال لافرنتييف بأن لا أحد خالداً، وهذه رئاسته الأخيرة. ويعتقد بأن الأميركيين يدركون بأن ثمة واقعاً ينبغي التعامل معه، ومن غير المجدي مقاومته. وهم يدركون أيضاً أنه لا يمكن القيام بذلك بالوسائل العسكرية، كما لا يمكن تغيير النظام بواسطة الضغط الأقصى الذي كانوا يعتمدون عليه. وحين تدهورت قيمة الليرة في سوريا ولبنان، كانوا يأملون أن تحدث إضطرابات كما حدث في لبنان، تؤدي إلى تغيير الحكومة والسلطة، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، فهم لا يعرفون مطلقاً “العقلية السورية”.

توجهت “المدن” إلى عدد من الكتاب السياسيين والخبراء الروس بالسؤال عن رأيهم في زيارة لافرنتييف إلى الرياض، وعما إذا كان عرج على سوريا لإبلاغ الأسد بمستجد ما في الموقف السعودي منه.

الخبير في المجلس الروسي للعلاقات الدولية وفي معهد الشرق الأوسط في واشنطن أنطون مارداسوف، قال بأن زيارات لافرنتييف إلى المنطقة، وبغض النظر عن صفته، غالباً ما تحمل طابعاً تكتيكياً، وبالدرجة الأولى بسبب موقف نظام الأسد. وغالباً ما كان يعهد لأكسندر لافرنتييف مهمة إقناع الأسد بالإقدام على خطوات تجميلية بسيطة لا يقدم عليها. إفتراضياً، الزيارة إلى السعودية ومن ثم دمشق قد تكون مرتبطة بمحاولات إعادة سوريا إلى جامعة الدول العربية، وكذلك للحصول على دعم الرياض والتطوير التدريجي للبيزنس الصغير في جنوب سوريا، ومناقشة موقف القبائل الصديقة والقريبة من السعوديين المنضمة إلى “قوات سوريا الديموقراطية”. موسكو تحاول تعزيز مواقعها في شرق سوريا، وتعتبر السعودية والإمارات كقوى محتملة للمساعدة في ذلك. في وقت سابق كانت لدى السعودية والإمارات خطط لإعادة التوازن الى مكونات اللجنة الدستورية، وقد تكون روسيا تحاول إعادة العمل بهذا السيناريو. لكنه لا يعتقد بإمكانية نجاحه في ظل إعادة العلاقات بين تركيا والسعودية والإمارات.

 لكن وبالنظر إلى موقف دمشق، حتى من القضايا الصغيرة، مثل عبور الشاحنات من سوريا إلى الأردن أو العراق متوجهة إلى السعودية ، يجب أن يناقشها الممثلون الروس بسبب سياسة النظام غير الملائمة في مجال الرسوم.

ويقول بأن  اللافت في زيارة لافرنتيف إلى السعودية تزامنها مع زيارة الرئيس الإيراني إلى موسكو، ولذا ليس من المستبعد أن يكون الأمر متعلقاً بمساومة إقليمية ما. لكنه يعتقد بأنه إذا كان الأمر يتعلق بالوجود الشيعي في سوريا، فالأولوية تكون للمفاوضات مع إسرائيل وليس مع السعودية.

البوليتولوغ وخبير النادي الدولي للحوار “فالداي” فرهاد إبراغيموف يرى أن السعودية أخذت بالإعتبار أن روسيا تمركزت نهائياً في سوريا. وهي تدرك أن الأسد باق تضمن أمنه روسيا بالدرجة الأولى، وإلى حد ما إيران، لكن موسكو بالذات هي اللاعب الرئيسي. موقف موسكو ثابت من الإنتخابات التي يجب أن تجري، وأن يشارك فيها الأسد. ويرى أن السعودية مستعدة للتطبيع التدريجي للعلاقات مع الأسد، وموسكو سوف تلعب هنا حلقة الوصل. ولهذا بالذات قام لافرنتييف بزيارة الرياض أولاً ومن ثم دمشق، وذلك من إجل إقامة حوار يؤدي في نهاية المطاف إلى نتائج إيجابية. ويرى أنه قد تبلور في الشرق الأوسط والغرب إدراك بأن الأسد باق لن يقدم إستقالته، وسوف يستمر بتعزيز وضعه. الأمر صعب، لكن حتى تركيا سلّمت به.

المتابع لقضايا الشرق الأوسط في صحيفة NG إيغور سوبوتين قال بأنه لا يعتقد بأن تغيراً ما طرأ على موقف السعودية من سوريا. فالمملكة لا يناسبها مطلقاً إعادة العلاقات الدبلوماسية مع نظام الأسد بشكل علني، وذلك لأن قسماً من النخبة السياسية السعودية لن يتقبله. وهو لا يعتقد أن المملكة سوف تقدم على إستعادة وجودها الدبلوماسي الكامل في دمشق في حياة الملك سلمان، مع العلم أن الرياض تقف من الملف السوري موقفاُ أقل تشددا من موقف الدوحة.

ويعتقد أن الموضوع الأكثر إحتمالاً لمحادثات لافرنتييف مع المسؤولين السعوديين كان يمكن أن يكون موضوع عضوية سوريا في الجامعة العربية. ويرى أن وجود رئيس المخابرات العامة السعودية الحميدان يطرح إحتمال تطرق المحادثات للنفوذ الإيراني في سوريا.

ولا يعتقد سوبوتين أن كل مضمون المحادثات الروسية السعودية يتم إبلاغه للاسد، حيث توجد أمور ليس من الضروري أن يعرفها.

المدن

————————-

هل يريد بوتين من محمد بن سلمان..التطبيع مع الأسد؟/ طه عبد الواحد

أثارت زيارة المبعوث الرئاسي الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرنيتيف، إلى الرياض، والرسالة التي نقلها من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الكثير من التساؤلات، لاسيما وأن لافرينتيف اتجه من الرياض إلى دمشق مباشرة. اللافت أن تحركات المبعوث الروسي هذه لم تكن منتظرة. وعلى الأقل لم  تسبقها أي تطورات محددة بعينها، تفرض على الكرملين إجراء مشاورات عاجلة حول الوضع في سوريا، مع أعلى مستوى قيادي في المملكة. وإلى أن يعلن أي من الطرفين عن مضمون رسالة الرئيس الروسي إلى ولي العهد السعودي، فإن الاجابة على تساءلات مثل: (ما الذي تريده روسيا حاليا على المسار السوري؟ وما الذي تتوقعه من الرياض؟)، قد تساعد في فهم الهدف من هذا التحرك الروسي.

بداية بات الموقف الروسي واضحا للجميع. ولم تعد روسيا تخفي أنها تعمل على إعادة النظام السوري إلى جامعة الدول العربية؛ والحصول على تمويل لإعادة الإعمار. ولا يبدو أنها جادة في تسوية سياسية للأزمة السورية تتوافق مع ما نصت عليه القرارات الدولية. إذ لا تزال تصر على تحميل المعارضة المسؤولية عن تعثر عملية التسوية، وتتجاهل حقيقة أن المعطل الوحيد هو النظام السوري، حتى إنها ترى في إشارة المعارضة إلى ما نصت عليه القرارات الدولية بشأن مستقبل سوريا “شروطاً غير مقبولة”، على حد تصريح لافرينتيف نفسه، في أعقاب آخر اجتماع لثلاثي أستانة. في الوقت ذاته يركز الروس حاليا على “الملف الإنساني” كذريعة. وتحت غطاء “المساعدات للسوريين”، بموجب تفاهمات مع الأميركيين، برزت جلية عبر منح الخزانة الأمريكية اعفاءات ل”انشطة الاستقرار والتعافي المبكر” من “قانون قيصر”، تحاول روسيا دفع الدول العربية لفتح قنوات اتصال مع النظام السوري، وإعادته إلى جامعة الدول العربية.

على خلفية هذا  كله، يبدو أن لافرينتيف وصل الرياض حاملاً رسائل محددة، يريد منها الكرملين دفع الرياض إلى أي شكل من أشكال التطبيع مع النظام السوري. وفي الوقت ذاته طبيعي أن روسيا تعول على مساعدة من المملكة العربية السعودية في إعادة النظام إلى الجامعة والمساهمة في إعادة الإعمار تحت غطار “التعافي المبكر”. مقابل الحصول على تلك المساعدة يمكن أن تقترح روسيا على السعودية لعب دور الوسيط لإنهاء التوتر مع إيران، مع ما يعنيه ذلك من وقف استهداف الحوثيين، حلفاء إيران في اليمن لعمق الأراضي السعودية. كما يمكنها إغراء القيادة السعودية بدور مستقبلي كبير في سوريا، ومشاريع اقتصادية هناك، وما إلى ذلك.

إلا أنه من المرجح أن ترفض السعودية أياً من تلك الاقتراحات أو الأفكار الروسية. في موضوع التطبيع مع النظام السوري لن تقدم الرياض على خطوة لإرضاء روسيا على حساب العلاقة مع الحليف الأميركي، ولا شك أنها ستلتزم بموقف واشنطن، الذي عبرت عنه الإدارة الأميركية مجدداً في تعليقها على تطبيع الإمارات علاقاتها مع دمشق مؤخراً. وبالنسبة لأي اغراءات قد تقدمها روسيا للسعودية مقبل تنازلات تقدمها الأخيرة في الشأن السوري، فإن خلافات السعوديين مع الإيرانيين لا تقتصر على الوضع في اليمن، وتتعلق بالدور الإيراني في العالم العربي بشكل عام، وإصرار إيران على أن تكون المهيمنة في منطقة الخليج العربي، عبر سعيها لامتلاك أسلحة نووية. رغم ذلك كله فإن السعودية، ومن دون الحاجة ل”الوساطة الروسية”، أطلقت حواراً مع الإيرانيين. أي أنه لا يوجد لدى روسيا فعليا ما يمكنها تقديمه هنا. ويُضاف إلى ما سبق حقيقة أن التطبيع مع طهران لا يُلزم الرياض بتغيير موقفها من الوضع في سوريا. ويمكن للسعوديين هنا أن يستفيدوا من التجربتين القطرية والتركية، حيث تربط الدوحة وأنقرة علاقات جيدة إلى حد ما مع طهران، رغم أنهما تقفان على النقيض تماما من الموقف الإيراني في الملف السوري.

إلا أن توجه الكرملين نحو الرياض على أمل تحريك مسالة التطبيع مع النظام السوري وتمويل إعادة الإعمار لم يأتِ عن عبث، إذ سبق وأن اختبرت موسكو التنسيق حول الملف السوري مع الرياض، وحققت نتائج لصالح رؤيتها للتسوية السورية، من دون أن تقدم للرياض أي شيء في المقابل. وبرزت ملامح ذلك التنسيق بين الرياض وموسكو في الشأن السوري عشية، وفي أعقاب، مؤتمر “الرياض2″، الذي استبعدت منه شخصيات رئيسية، في مقدمتها رئيس الوزراء السوري الأسبق، ورئيس الهيئة العليا للمفاوضات رياض حجاب. كما تم ضم منصتي “موسكو” و”القاهرة” إلى الهيئة. وفي البيان الختامي عن المؤتمر أعلن المشاركون الاتفاق على تشكيل وفد للتفاوض “دون شروط”. وكان واضحا حينها أن هذا كله جاء نتيجة اتصالات روسية-سعودية، ومعروف أن موسكو كانت تصف رياض حجاب بأنه شخصية متشددة. وأعرب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف حينها عن ترحيبة باستقالة حجاب وآخرين، ووصفهم “شخصيات متشددة”.

لعل هذا المرور السريع على تلك المرحلة والدور الذي لعبته السعودية حينها، يقدم إجابة حول ما تريده موسكو من التوجه نحو الرياض في هذه المرحلة. إذ جاءت زيارة لافرينتيف قبل شهر تقريباً من الموعد المعلن يوم 22 شباط/فبراير، لمؤتمر قوى المعارضة في العاصمة القطرية، بمشاركة شخصيات تم استبعادها من الهيئة العليا للمفاوضات، وفي مقدمتهم رياض حجاب. ضمن هذه التقاطعات، وبغض النظر عن مضمون رسالة بوتين إلى محمد بن سلمان، فإن الزيارة تبدو بمثابة دعوة لتفعيل الدور السعودي بشكل أكبر في الملف السوري، ربما لقطع الطريق مسبقاً أمام أي قرارات قد تخرج عن مؤتمر الدوحة، تُعيد الأمور سورياً إلى نصابها، وتضع جهود التسوية على مسارها السليم، الذي يراعي بحزم بيان “جنيف1” والقرار 2254، وتنسف بالتالي معظم ما تصفه موسكو “إنجازات أستانة” أو “إنجازات سوتشي”.

لكن الوضع الآن مختلف عما كان عليه عام 2017، وبعد تطبيع الرياض علاقاتها مع الدوحة، يرجح أن يتجنب ولي العهد السعودي خطوات قد تؤثر على التفاهمات مع قطر، لاسيما وأن اهتمام المملكة بالملف السوري تراجع بشكل كبير في السنوات الأخيرة، ولديها أولويات أكثر أهمية، تتعلق بالوضع الداخلي اقتصادياً، وبضرورة تحصين العلاقة الخليجية إقليمياً. فضلا عن حرصها الدائم على عدم القيام بخطوات قد تثير استياء الشركاء في واشنطن.

المدن

————————-

فورين أفيرز: إدارة بايدن لديها خيارات لمحاسبة الأسد حتى في ظل التطبيع العربي معه

إبراهيم درويش

نشر موقع “فورين أفيرز” مقالا لمنى يعقوبيان، المستشارة البارزة لمعهد السلام الأمريكي بعنوان “الأسد هنا ليبقى”، قالت فيه إن بقاء الأسد في السلطة لا يعني توقف الولايات المتحدة عن محاولات محاسبته. وقالت إنه بعد عقد من النزاع السوري، فقد استقر كمأزق من العنف طويل الأمد. ويواصل الديكتاتور السوري، بشار الأسد كما في السابق التصرف دون خوف من عقاب. فقد غيب بالقوة عشرات الآلاف من السوريين وعرض آلافا آخرين للتعذيب والانتهاك الجنسي والموت في المعتقلات.

ويعاني البلد من أزمة إنسانية واسعة، بنسبة 90% من سكانه يعيشون تحت خط الفقر، ونسبة 60% يعانون من نقص الغذاء، وهي أعلى نسبة منذ بداية الحرب، حسب بيانات الأمم المتحدة. وفي نفس الوقت هناك اعتراف بأن الأسد باق في السلطة، أما الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط فلا، وهو ما دفع حلفاء الولايات لتطبيع العلاقات مع المنبوذ السابق. واتخذت كل من البحرين والأردن ومصر والسعودية والإمارات ولبنان خطوات لإعادة العلاقات مع الأسد. وتعلق الكاتبة أن التوجه نحو تطبيع العلاقات الإقليمية ربما كان لا رجعة فيه، لأن دول الشرق الأوسط لا خيار أمامها، إلا العيش مع الديكتاتور السوري. ولكن على الدول الغربية عمل ما بإمكانها لتحميل أتباعه المسؤولية وحماية اللاجئين السوريين من العودة القسرية وتخفيف الأزمة الإنسانية التي يعاني منها السوريون.

ولتحقيق هذه الغاية، يجب على إدارة جو بايدن التركيز ومساعدة المدنيين السوريين الذين يعيشون داخل البلاد وكذا اللاجئين. وفي الوقت نفسه البحث عن طرق لتحميل الأسد مسؤولية جرائمه. ففي بداية النزاع السوري قررت عدة دول شرق أوسطية قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الأسد فيما علقت الجامعة العربية عضوية سوريا عام 2011، بسبب ما قالت إنها وحشية الأسد ضد المحتجين وفشله بالالتزام بخطة السلام التي توصلت إليها الأمم المتحدة.

وفي عام 2012، بدأت عدة دول خليجية، من بينها السعودية والإمارات وقطر بتسليح المعارضة السورية لاعتقادها أن بقاء الأسد في الحكم بات مسألة وقت. وبعد عقد من الزمان لا يزال الأسد في السلطة، وذلك بفضل التدخل العسكري الروسي والإيراني، أما دول الخليج فقد بدأت بالزحف نحو التطبيع معه.

وتقول الكاتبة إن محاولات دول الخليج استئناف العلاقات مع سوريا نابعة من الرغبة بوقف التأثير الإيراني في البلد. وكانت الإمارات العربية المتحدة البادئة في هذه الجهود حيث أعادت فتح سفارتها في دمشق عام 2018 وتبع ذلك مكالمة بين الأسد وولي عهد أبو ظبي، الشيخ محمد بن زايد. وبعد عام زار وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد سوريا واجتمع مع الأسد. وكان أول مسؤول إماراتي بارز يزور دمشق منذ 10 أعوام. وتبعت دول الخليج الأخرى الخطوات الإماراتية، ففي 2020 كانت عمان أول دولة خليجية تعيد سفيرها إلى سوريا، وفعلت البحرين الأمر نفسه في كانون الأول/ديسمبر 2021. وحتى السعودية عدوة سوريا خطت خطوات نحو الأسد العام الماضي واجتمع مدير استخباراتها مع نظيره السوري مرتين. وخارج مظلة الدول الخليجية تحركت دول عربية أخرى للتقارب مع سوريا، فقد اجتمع سامح شكري وزير الخارجية المصري مع مسؤولين سوريين على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر 2021 فيما وصف بأنه محاولة لإعادة سوريا إلى الحظيرة العربية. وطالبت عدة دول عربية في محادثات خاصة بعودة سوريا إلى الجامعة العربية في القمة المقرر عقدها بالجزائر في آذار/مارس 2022. وفي عام 2024 من المتوقع أن تستقبل دمشق مؤتمر الدول المنتجة والمصدرة للنفط.

وترى الكاتبة أن الأزمة الاجتماعية- الاقتصادية بمنطقة المشرق تدفع باتجاه التطبيع. ففي عام 2019 فتحت السلطات العراقية معبر القائم الذي يربط البلدين بعد إغلاقه عندما كانت تحت سيطرة تنظيم “الدولة”. وهو ما أحيا آمال العراقيين بتفعيل العلاقات الاقتصادية. وبنفس السياق، تحدث الملك عبد الله مع رئيس النظام السوري على أمل فتح المعبر الحدودي وتقوية الاقتصاد الأردني الذي تأثر بكوفيد-19. ويواجه جار سوريا في الشرق لبنان انهيارا اقتصاديا، وفقدت العملة قيمتها ووصلت نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر إلى 80% ولم تعد إمكانية الانهيار الكامل بعيدة. ومع المصاعب الاقتصادية ونقص الطعام وعدم توفر الوقود، قامت الولايات المتحدة بتعبئة اللاعبين الإقليميين والدوليين خلف صفقة يتم من خلالها نقل الغاز المصري والفائض من الكهرباء في الأردن إلى لبنان عبر سوريا. وتقول الكاتبة إن الترتيب هو أفضل مثال عن الطريقة التي يدفع فيها الانهيار الاقتصادي نحو التطبيع مع سوريا، وربطها بشكل فعلي مع جيرانها. مع أن هناك قوى موازية لهذه الجهود، مشيرة لقانون قيصر الذي مرره الكونغرس الأمريكي عام 2019، والذي فرض عقوبات على كيانات حكومية وخاصة مرتبطة بالجيش ويهدد من يتعامل معها بالعقوبات. إلا أن إدارة بايدن التي دعمت الصفقة لتوفير الوقود إلى لبنان أظهرت أنها تقدم الأولوية لإنقاذ البلد الجار لسوريا وليس مراقبة تطبيق القانون. فالضائقة الاقتصادية التي تمر بها منطقة المشرق/بلاد الشام تحد من قدرات إدارة بايدن لعزل الأسد. لكل هذا فيجب أن تركز الجهود الأمريكية في محاسبة الأسد على تحديد الضرر، أي منع العودة القسرية للمهاجرين السوريين إلى بلادهم وتقديم الدعم للسوريين الذين يعانون في بلدهم الذي دمرته الحرب ومضاعفة الجهود لتوثيق الانتهاكات والجرائم التي قام بها الأسد وأتباعه وتوفير المساعدة للدول الغربية التي تقوم بمحاكمة رموز النظام مهما سنحت الفرصة. وتعتقد أن تحميل الأسد مسؤولية جرائمه ووحشيته هو تحد مزعج. فسوريا ليست عضوا في الجنائية الدولية وبالتالي ليست تابعة لاختصاصها، مما يحرم المجتمع الدولي من مكان مهم لمحاسبة الأسد والأعضاء الآخرين عما اقترفوه من جرائم. ولا يمكن تحويل سوريا إلى المحكمة عبر مجلس الأمن نظرا للمعارضة الروسية والصينية واستخدامهما الفيتو. لكن صناع السياسة الأمريكيين يمكنهم البحث عن طرق أخرى لمحاسبة النظام عبر المحاكم الأوروبية التي حاكمت عددا من رموز النظام تحت مبدأ الاختصاص العام. وبناء على هذا المبدأ يمكن للبلد الذي لجأ إليه مجرمو الحرب محاسبتهم مع أن الجرائم ارتكبت في مكان آخر. وأصدرت محكمة ألمانية بداية الشهر حكما على الضابط أنور رسلان بالسجن مدى الحياة، عقابا على ما ارتكبه من انتهاكات عندما كان مسؤولا في مركز اعتقال. وأشارت إلى أن المحاكم القائمة على هذا المبدأ تكتسب على ما يبدو زخما في الدول الأوروبية. ويجب على الولايات المتحدة المساعدة في تنسيق جهود محاكمة المشتبه بارتكابهم جرائم والمشاركة بما لديها من معلومات. كما ويجب على الإدارة زيادة الدعم في مجال جمع الأدلة وتوثيق جرائم الأسد، وهي أساس مهم في تحقيق العدالة والمحاسبة. وربما أدت هذه المحاكمات لتثبيط عزم الدول الأوروبية التي تفكر بالتطبيع مع الأسد. وبالإضافة للضغط على النظام، يجب على إدارة بايدن زيادة جهود الدعم وتخفيف الأزمة داخل سوريا وإلقاء الضوء على مأزق اللاجئين السوريين. ويجب على الإدارة العمل على تجديد قرار مجلس الأمن 2585 الذي سينتهي العمل به في تموز/يوليو 2022، والذي يبقي على المعبر الوحيد من أربعة معابر إنسانية أنشأتها الأمم المتحدة عام 2014 لكي تصل المساعدات عبر تركيا إلى مناطق المعارضة في شمال- غرب سوريا. ويجب على الولايات المتحدة تقديم المساعدة للاجئين في الدول التي لجأوا إليها. واستقبلت تركيا أكبر عدد من اللاجئين السوريين، فيما يعتبر لبنان الأكبر من ناحية نسبة السوريين لعدد السكان. وبات اللاجئون في كلا البلدين عرضة للمضايقات وكبش فداء للظروف الاقتصادية التي يمر بها البلدان. ولا يقتصر العداء للسوريين على دول الشرق الأوسط، فقد كانت الدنمارك أول دولة تجرد اللاجئين من إقاماتهم، مبررة قرارها بأن الوضع في لبنان آمن. ولم يتم ترحيلهم بعد إلا أن عددا كبيرا منهم في مراكز ترحيل. ويجب على إدارة بايدن شجب أي محاولة ترحيل قسري للاجئين، وبالتحديد الدنمارك الواجب الضغط عليها لتغيير سياستها. وفي النهاية يبدو أن الأسد آمن في منصبه ودول الشرق الأوسط تحاول التطبيع معه، ولهذا فخيار الولايات المتحدة هو فرض بعض معايير المحاسبة ضده وتخفيف الأزمة الإنسانية ومعالجة الانهيار الاجتماعي- الاقتصادي بالمنطقة. وهو موقف دقيق عليها المضي فيه بحذر، ولكنه ضروري لتخفيف معاناة السوريين.

القدس العربي

—————————–

مصادر سورية تكشف عن وساطة روسية لإعادة العلاقات بين دمشق والرياض/ وائل عصام

كشفت مصادر موالية للنظام السوري، عن مساع روسية لإعادة العلاقات الدبلوماسية بين النظام السوري، والمملكة العربية السعودية. وأوضح «مركز سوريا للتوثيق» الموالي، أن موسكو لم تتوقف عن محاولات إعادة العلاقات بين الرياض ودمشق وأنها زادت من وتيرة محاولاتها مؤخراً.

وأشار المركز إلى أن موسكو تقود حالياً مبادرة تقوم على اتخاذ خطوات متبادلة بين البلدين، لإعادة فتح قنوات التواصل والعلاقات الدبلوماسية بينهما. وأضاف أن المبادرة الروسية «تركز على عودة العلاقات بين سوريا والسعودية أكثر من التركيز على عودة سوريا لمقعدها في الجامعة العربية والتي تعرقلها قطر. وحسب المركز، بدأت المبادرة الروسية منذ زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف العام 2021 إلى دول الخليج. وتفسر هذه الأنباء، الزيارة التي أجراها ممثل الرئيس الروسي ألكسندر لافرنتييف في سوريا، إلى الرياض قبل أسبوع، إذ من الواضح أن الزيارة تأتي في هذا الإطار.

وعن الوساطة الروسية، يقول الكاتب المختص بالشأن الروسي طه عبد الواحد في حديثه لـ»القدس العربي»: «لا شك بأن روسيا تعمل على تطبيع العلاقات عربياً مع النظام، والأمر لا يتوقف على السعودية، إلا أنه لو تحدثنا بصورة خاصة عن احتمالات تطبيع الرياض مع دمشق لا بد من التذكير بأن الولايات المتحدة وإن أكدت أنها كانت على علم بزيارة وزير الخارجية الاماراتي إلى دمشق، لكنها سارعت وأعادت رسم الخطوط حين قالت إنها لا تريد أن يفسر الأمر على أنه قبول منها للتطبيع مع النظام السوري، وعادت وذكرت بجرائمه وبضرورة التسوية السياسية».

ويضيف عبد الواحد، أن السعودية، التي لا تزال الولايات المتحدة الحليف الأهم لها، ستلتزم الموقف الأمريكي أكثر من غيرها، فضلاً عن ذلك فإن أي خطوة من جانب السعودية في أي اتجاه، وليس في موضوع التطبيع مع النظام فقط، أهم بكثير من خطوة تقوم بها الامارات أول دولة عربية أخرى، وذلك نظراً لمكانة السعودية عربياً وفي العالم الإسلامي. وحسب الكاتب، يُفترض أن القيادة السعودية تدرك أن أي خطوة باتجاه النظام من جانبها بصورة خاصة قد تثير استياء الملايين عربياً وإسلامياً، إلى جانب ضررها بعلاقاتها مع واشنطن.

وبذلك، يعتقد عبد الواحد أن الرياض لن تقوم بأي خطوة غير مدروسة، ويستدرك: «السعودية إن فكرت بالتطبيع التدريجي مع النظام نزولاً عند الرغبة الروسية، فإنها لا شك تنتظر المقابل». ويتساءل: «ما الذي ستقدمه روسيا لهم»؟، ويجيب: «يمكن القول إنه فعلياً لا شيء لدى روسيا تقدمه للرياض، الأمر إذاً يتعلق بمكانتها عربياً وإسلامياً، وبحرصها على علاقاتها مع واشنطن الحليفة».

في المقابل، يشير الصحافي السوري عبد العزيز الخطيب إلى تزامن زيارة لافرنتييف إلى الرياض مع زيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى موسكو، ويقول لـ»القدس العربي»: «هنا نستطيع الإشارة إلى ما يشبه المساومة من جانب روسيا». أما المتحدث الرسمي باسم «المصالحة السورية» التابعة للنظام السوري، عمر رحمون، فأكد لـ»القدس العربي» دقة ما جاء به المركز من أنباء عن وساطة روسية. وقال: «وفق معلوماتي، التطورات جيدة»، مضيفاً: « وفق قراءتي، لن تقبل السعودية بإعادة العلاقات مع دمشق، إلا بعد ضمان ابتعاد الأخيرة عن الملف اليمني، وعدم الوقوف –حتى إعلاميا- إلى جانب الحوثيين». وأعادت الإمارات والبحرين علاقاتهما مع النظام السوري، لكن السعودية تبدو للآن غير مستعدة للقيام بخطوة مماثلة، وتساندها قطر.

القدس العربي

—————————

المجلس الدولي لحقوق الانسان:معاملة الاسد لشعبه مروعة

المجلس الدولي لحقوق الانسان:معاملة الاسد لشعبه مروعة دول غربية دعت الاسد إلى السماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى جميع المدنيين (Getty)

اتهمت دول غربية وتركيا النظام السوري بشن حرب تجويع وحصار على مناطق شمال غربي سوريا، داعين إياه إلى السماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى جميع المدنيين والإفراج عن المعتقلين ووقف ممارسات التعذيب.

وجاءت هذه التصريحات خلال جلسة عقدها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف مساء الاثنين. ودعت دول غربية من بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا نظام الأسد إلى “إنهاء الاعتقال غير المشروع والإخفاء القسري والسماح بوصول المساعدات الإنسانية في ظل الحرب المستمرة في البلاد”، وفق ما نقلت وكالة “رويترز”.

وحثت سفيرة الولايات المتحدة لدى مجلس حقوق الإنسان باثشيبا كروكر نظام بشار الاسد على “السماح بمرور المساعدات الإنسانية من دون أي عوائق إلى المناطق المحاصرة وإطلاق سراح المسجونين تعسفياً والمحتجزين من دون محاكمة”.

من جهته، قال الممثل الدائم لبريطانيا لدى المجلس سيمون مانلي إن “معاملة نظام الأسد لشعبه مروعة بكل بساطة”، مضيفاً أن “استخدام نظام الأسد حرب التجويع والحصار في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة أمر مؤسف”، مشيراً إلى أن “النساء والفتيات يعانين بشكل غير متناسب من قبل النظام”.

وطالب مانلي نظام الأسد بأن “يضع حداً لحالات الإخفاء القسري والاعتقالات التعسفية والاحتجاز والتعذيب، وأن يضمن إجراء تحقيق سريع وشامل ونزيه في جميع الإدعاءات”، مضيفاً أنه “يجب تقديم مرتكبي الانتهاكات إلى العدالة”.

كما طالب ب”إنهاء الهجمات على المدنيين وتسهيل الوصول غير المقيد للجهات الفاعلة الإنسانية والمراقبين الدوليين المستقلين لحقوق الإنسان”.

بدوره، قال السفير الفرنسي جيروم بونافان إن “الوضع في سوريا يشهد منذ أكثر من عقد انتهاكات لحقوق الانسان والقانون الدولي الانساني بشكل منهجي ومنتظم وعلى نطاق واسع”، مطالباً حكومة نظام الأسد ب “وقف الإعدامات غير القانونية والتعذيب والممارسات غير الإنسانية في أماكن الاحتجاز”.

وأكد السفير الفرنسي أن “هذه الانتهاكات غير المقبولة يجب أن تتوقف وينبغي محاسبة مرتكبيها”، مضيفاً أن نظام الأسد “هو المسؤول الأول عن هذه الانتهاكات”.

من جانبها، قالت نائبة السفير الإسرائيلي آدي فارجون إن نظام الأسد “قتل في العقد الماضي أكثر من 500 ألف مدني وأطلق الغاز على شعبه، واستخدم الحصار والتجويع تكتيكاً في الحرب”، مشيرة أنه “اعتقل مئات آلاف الأشخاص وعرّضهم للعنف الجنسي والإعدامات الوهمية والضرب المبرح، مما يفضي إلى الموت”.

روسيا والنظام

وفي المقابل، قال السفير الروسي غينادي غاتيلوف “ما زالت العوائق أمام تطبيع الوضع في البلاد تشمل الوجود غير القانوني للوحدات العسكرية الأجنبية وكذلك العقوبات الغربية أحادية الجانب التي تخالف القانون الدولي”.

واتهم نائب وزير الخارجية في حكومة النظام بشار الجعفري، فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل بأنها “ضالعة في احتلال أجزاء من سوريا في انتهاك للقانون الدولي”.

وقال الجعفري إن النظام “يسهّل توصيل المساعدات الإنسانية في الوقت الذي يواجه فيه حرباً إرهابية ممنهجة”، مضيفاً أن “الولايات المتحدة خبيرة في تدمير البنية التحتية في منطقة الفرات”، متابعاً أن واشنطن “تدمر البنية التحتية الخاصة بالنفط والغاز”.

يشار إلى أن “لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا” أكدت في تقرير سابق أن نظام الأسد ارتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في حق المدنيين في الأعوام العشرة الأخيرة. ومن المقرر أن تقدم اللجنة تقريرها السنوي إلى مجلس حقوق الإنسان في دورته المقبلة في آذار/مارس.

——————————–

=======================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى