العلاقات السورية-الأميركيةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

أربعة مقالات تناولت الحالة الاقتصادية في سوريا

سياسة التعويم المدار لليرة السورية.. آمال وتحديات/ ملهم جزماتي

صرح محافظ مصرف سوريا المركزي، السيد عبد القادر حصرية، لصحيفة “فاينيشيال تايمز” أن البلاد تتجه نحو تطبيق نظام التعويم المدار لعملتها المحلية، في خطوة تهدف إلى الحد من تدخل الصرافين في سوق الصرف، وتعزيز جهود توحيد الأسعار النقدية.

وأوضح حصرية أن الخطة الجديدة تستهدف تمرير جميع عمليات التجارة الخارجية عبر القطاع المصرفي الرسمي، بما يؤدي إلى إلغاء الدور الذي ظل يلعبه الصرافون، الذين كانوا يتقاضون نحو 40 سنتًا عن كل دولار يدخل إلى سوريا على حد تعبيره.

ويعرف التعويم المدار (Managed Float) بأنه أحد أنظمة تحديد سعر الصرف، ويمثل حلًا وسطًا بين نظام سعر الصرف الثابت ونظام سعر الصرف المرن (الحر). في هذا النظام، يُسمح لسعر صرف العملة المحلية بالتقلب استجابة لقوى العرض والطلب على العملة المحلية في السوق، تمامًا كما هو الحال في نظام التعويم الحر. ومع ذلك، يحتفظ البنك المركزي بحق التدخل في السوق بشكل دوري أو عند الضرورة، بهدف التأثير على سعر الصرف وتوجيهه نحو مستوى معين أو تخفيف حدة التقلبات غير المرغوبة. هذا التدخل يمكن أن يكون من خلال بيع أو شراء العملات الأجنبية. وبالتالي فإن توافر الاحتياطيات الأجنبية تزيد في قدرة البنك المركزي على التدخل في السوق. كلما كانت الاحتياطيات أكبر وأكثر تنوعًا، زادت قدرة البنك المركزي على التدخل بفعالية لدعم العملة أو كبح جماح تقلباتها دون استنزاف موارده. تعتبر هذه الاحتياطيات بمثابة خط الدفاع الأول ضد الصدمات الخارجية.

عادة يتم اللجوء لنظام التعويم المدار لتحقيق التوازن بين مرونة سعر الصرف واستقراره. فمن ناحية، تسمح المرونة للعملة بالتكيف مع التغيرات الاقتصادية الداخلية والخارجية، مما يساعد على امتصاص الصدمات وتحسين القدرة التنافسية للصادرات. ومن ناحية أخرى، يمنح البنك المركزي القدرة على التدخل في السوق عكس التعويم الحر للحد من التقلبات المفرطة التي قد تضر بالاستقرار الاقتصادي، وتؤثر سلبًا على التجارة والاستثمار، وتزيد من حالة عدم اليقين. ولكن فعالية هذا النظام تعتمد بشكل أساسي على قدرة البنك المركزي في إدارة تدخلاته بفعالية، وتوفر احتياطيات كافية من العملات الأجنبية، بالإضافة إلى وجود سياسات نقدية ومالية متسقة وشفافة تدعم أهداف الاستقرار الاقتصادي. كما يتطلب بيئة اقتصادية مستقرة نسبيًا لكي يؤتي ثماره، فهل هذه الشروط متوفرة واقعيًا في سوريا!

“إن الاقتصاد الذي يعاني من اختلالات هيكلية أو صدمات متكررة سيكون عرضة لتقلبات حادة في سعر الصرف، مما يجعل إدارة التعويم المدار أمرًا صعبًا للغاية”.

يتطلب نجاح التعويم المدار وجود نظام مالي قوي وشفاف، بما في ذلك بنوك ومؤسسات مالية قادرة على التعامل مع تقلبات سعر الصرف وإدارة المخاطر. كما يجب أن تكون هناك رقابة فعالة على القطاع المالي لضمان استقراره ومنع الممارسات غير السليمة. وهذا يقودنا إلى ضرورة اجراء إصلاحات هيكلية مستمرة لتحسين بيئة الأعمال، وزيادة الإنتاجية، وتعزيز التنافسية في الاقتصاد. هذه الإصلاحات تدعم قوة الاقتصاد على المدى الطويل وتجعله أكثر قدرة على التكيف مع التغيرات في سعر الصرف.

كما تلعب ثقة المستثمرين والمواطنين في السياسات الاقتصادية دورًا حاسمًا. إذا كانت هناك ثقة في قدرة البنك المركزي والحكومة على إدارة الاقتصاد بفعالية، بناء الثقة يتطلب الشفافية والمصداقية والالتزام بالوعود الاقتصادية التي تصدر عن المسؤولين في الحكومة السورية، كأن تصرف الرواتب والمنح والزيادات التي أعلن عنها دون تأخير، وتوفير السيولة النقدية اللازمة في البنوك في حال أراد المودعين سحبها.

الأدوات المتبعة في سياسة التعويم المدار

كما ذكرنا سابقًا، فإن نجاح سياسة التعويم المدار لأي عملة محلية يرتبط بشكل مباشر على قدرة البنك المركزي في التدخل الفعال بالسوق لتحقيق الأهداف الاقتصادية والنقدية التي وضعها سابقًا بشكل واضح وشفاف، وبالتالي لابد من وجود أدوات نقدية واقتصادية يستطيع المركزي استخدامها لضبط السوق النقدي في حال حدوث اختلالات كبيرة في أسعار صرف العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية، وأهم هذه الأدوات هي:

    عمليات السوق المفتوحة (Open Market Operations): تُعد هذه الأداة الأكثر شيوعًا وفعالية في إدارة سعر الصرف في ظل نظام التعويم المدار. يقوم البنك المركزي ببيع وشراء العملات الأجنبية في السوق المفتوحة. فعندما يرغب البنك المركزي في دعم قيمة العملة المحلية (الليرة السورية في هذه الحالة)، فإنه يبيع العملات الأجنبية (مثل الدولار الأمريكي) ويسحب العملة المحلية من التداول، مما يزيد من الطلب على الليرة ويرفع قيمتها. وعلى العكس، إذا أراد البنك المركزي خفض قيمة العملة المحلية، فإنه يشتري العملات الأجنبية ويضخ العملة المحلية في السوق.

    تغيير أسعار الفائدة (Interest Rate Adjustments): يمكن للبنك المركزي استخدام أسعار الفائدة كأداة غير مباشرة للتأثير على سعر الصرف. رفع أسعار الفائدة يجعل الاحتفاظ بالعملة المحلية أكثر جاذبية للمستثمرين الأجانب، مما يزيد من تدفقات رأس المال الأجنبي ويزيد الطلب على العملة المحلية، وبالتالي يدعم قيمتها. وعلى العكس، خفض أسعار الفائدة قد يؤدي إلى خروج رؤوس الأموال وانخفاض قيمة العملة.

    الضوابط الرأسمالية (Capital Controls): في بعض الحالات، خاصة في الاقتصادات الناشئة أو التي تمر بظروف استثنائية، قد يلجأ البنك المركزي إلى فرض ضوابط على تدفقات رأس المال. هذه الضوابط يمكن أن تشمل قيودًا على دخول أو خروج الأموال من وإلى البلاد، بهدف الحد من التقلبات الحادة في سعر الصرف الناتجة عن المضاربات أو هروب رؤوس الأموال.

    التواصل والإرشاد (Communication and Guidance): يلعب التواصل الشفاف والواضح من قبل البنك المركزي دورًا مهمًا في توجيه توقعات السوق. عندما يعلن البنك المركزي عن أهدافه وسياساته المستقبلية، يمكنه التأثير على سلوك المستثمرين والمتعاملين في السوق، مما يساهم في استقرار سعر الصرف ويقلل من حالة عدم اليقين.

    تنظيم سوق الصرف الأجنبي (Foreign Exchange Market Regulation): يشمل ذلك وضع القواعد واللوائح التي تحكم عمل سوق الصرف، ومراقبة المتعاملين فيه، لضمان الشفافية والعدالة ومنع الممارسات الاحتكارية أو التلاعب بالأسعار. هذا التنظيم يساهم في بناء الثقة في السوق ويقلل من دور السوق السوداء.

التأثيرات المتوقعة على الاقتصاد السوري

تطبيق سياسة التعويم المدار في سوريا يحمل في طياته تأثيرات محتملة ومعقدة على الاقتصاد، خاصة في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها البلاد. يمكن تحليل هذه التأثيرات من منظورات مختلفة، مع الأخذ في الاعتبار التحديات الفريدة التي تواجه الاقتصاد السوري.

    استقرار سعر الصرف: من المتوقع أن يساهم التعويم المدار في تحقيق استقرار أكبر لسعر صرف الليرة السورية مقابل العملات الأجنبية، خاصة الدولار الأمريكي. هذا الاستقرار ضروري لتقليل حالة عدم اليقين في السوق، وتسهيل التخطيط الاقتصادي للشركات والأفراد.

    الحد من السوق السوداء: أحد الأهداف الرئيسية لهذه السياسة هو القضاء على الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء للعملات الأجنبية. إذا نجح البنك المركزي في إدارة سعر الصرف بفعالية، فقد يؤدي ذلك إلى تقليص دور السوق السوداء وتوجيه التعاملات المالية نحو القنوات الرسمية، كما ذكر محافظ البنك المركزي السوري في تصريحاته لـ “فايننشال تايمز”.

    مكافحة التضخم: يمكن أن يساعد استقرار سعر الصرف في كبح جماح التضخم المفرط الذي عانت منه سوريا. فاستقرار سعر العملة المحلية يقلل من تكلفة السلع المستوردة، وبالتالي ينعكس إيجابًا على أسعار المستهلكين.

    جذب الاستثمارات: تقلبات سعر الصرف تشكل خطرًا كبيرًا على المستثمرين. من خلال توفير بيئة أكثر استقرارًا لسعر الصرف، يمكن أن تساهم سياسة التعويم المدار في جذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية، مما يدعم النمو الاقتصادي. كما أن إعادة ربط سوريا بنظام سويفت ستشجع التجارة الخارجية وتسهل الاستيراد والتصدير، مما يجذب العملات الأجنبية.

    مكافحة غسل الأموال: من خلال تمرير جميع عمليات التجارة الخارجية عبر القطاع المصرفي الرسمي، يمكن أن تدعم هذه السياسة جهود مكافحة غسل الأموال والتخفيف من الاعتماد على الشبكات المالية غير الرسمية.

ولكن أيضًا لهذا النظام تأثيراته السلبية المتوقعة

    استنزاف الاحتياطيات الأجنبية: على الرغم من أن الهدف من سياسة التعويم المدار هو جذب العملات الأجنبية، إلا أن التدخل المستمر للبنك المركزي لدعم سعر الصرف قد يؤدي إلى استنزاف الاحتياطيات الأجنبية المحدودة أصلاً، خاصة في ظل الوضع الاقتصادي الهش الذي تعاني منه سوريا حاليًا.

    الحاجة إلى مؤسسات نقدية قوية: يتطلب نجاح التعويم المدار وجود مؤسسات نقدية قوية وشفافة وقادرة على إدارة السوق بفعالية. في ظل الظروف الحالية، قد يكون بناء هذه المؤسسات وتطوير قدراتها تحديًا كبيرًا.

    مخاطر التقلبات غير المرغوبة: على الرغم من التدخلات، لا يزال سعر الصرف يتأثر بقوى السوق. في حال عدم قدرة البنك المركزي على التدخل بفعالية أو في حال وجود صدمات خارجية، قد تحدث تقلبات حادة تؤثر سلبًا على الاقتصاد. كما أن سوء تنفيذ التعويم المدار قد يؤدي إلى ارتفاع التضخم بسبب عدم استقرار سعر الصرف، وتآكل ثقة الجمهور في الليرة السورية، مما قد يدفع الناس للعودة إلى استخدام الدولار الأمريكي.

ختامًا، إن نجاح سياسة التعويم المدار لا يعتمد فقط على تبني السياسة نفسها، بل على مجموعة من العوامل، فقوة البنك المركزي واستقلاليته، وتوافر الاحتياطات الأجنبية الكافية، وسياسات نقدية ومالية منسجمة مع بعضها البعض، جميعها عوامل رئيسية يجب توافرها لنجحا سياسة التعويم المدار.

تمثل سياسة التعويم المدار خطوة مهمة للبنك المركزي السوري نحو إدارة أكثر مرونة لسعر صرف الليرة السورية. إذ تهدف هذه السياسة إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي، مكافحة التضخم، والحد من السوق السوداء، بالإضافة إلى جذب الاستثمارات وتشجيع التجارة الخارجية. ومع ذلك، فإن نجاح هذه السياسة في السياق السوري يعتمد بشكل كبير على توفر مجموعة من الشروط الاقتصادية الأساسية، وقدرة البنك المركزي على إدارة التدخلات بفعالية.

———————————

حول اقتراح استبدال العملة الحالية بعملة جديدة في سورية/ نبيل مرزوق

نشر في 2 تموز/يوليو ,2025

يُشبّه علماء الاقتصاد النقود في جسم الاقتصاد الوطني بالدم في جسم الإنسان، وقد عرفت البشرية خلال تطورها أشكالًا عديدة من التعامل النقدي، بدءًا من استخدام بعض المنتجات التي قامت بدور النقود كالملح مثلًا، ثم النقود المعدنية، ثم الورقية، وأخيرًا الإلكترونية. ومع تطور الاقتصاد وأنماط الإنتاج، تطورت النقود وتعددت وظائفها، ومع التطور التقني، أصبحت عمليات التبادل أكثر سهولة وأمانًا، وأصبح من المتعارف عليه في العلوم الاقتصادية أن النقود تقوم بعددٍ من الوظائف، هي 1) وسيط للتبادل، وهي أهم وأوسع وظيفة للنقد، حيث تستخدم النقود في سداد معاملات التبادل للسلع والخدمات؛ 2) مقياس للقيمة، بها تقاس القيم في السوق، وهي وظيفة أساسية للنقد حيث تحوّل السلع والخدمات إلى قيم محددة، من خلال عملها كمعيار مشترك؛ 3) معيار للمدفوعات المؤجلة، بمعنى أداة للدفع الآجل في المستقبل القريب أو المتوسط؛ 4) مخزن القيمة أو وظيفة الأصول للنقود، حيث وفّرت النقود إمكانية بيع المنتجات مع الاحتفاظ بالقيم لإنفاقها في المستقبل؛ 5) تكون وسيطًا للتبادل، فهي تُتيح استقلال عمليات البيع والشراء عن بعضها البعض، وتبيع لمشتر وتشري من بائع آخر في وقت آخر ومكان آخر.

إن تحوّل الاقتصادات على الصعيد العالمي، إلى اقتصادات نقدية، طرح على عاتق النقود أعباء ووظائف ذات أهمية كلية، اقتصادية وإنتاجية واجتماعية، وأصبحت السياسات المالية للحكومة معيارًا أساسيًا لنجاحها في أداء وظائفها، وتحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية التي التزمت بها في برامجها، ويحتلّ النقد وسعر الصرف حيزًا مهمًّا في السياسات المالية الحكومية ومؤسساتها المتخصصة، مثل البنك المركزي الذي تُوكل إليه عادة مهمة إصدار النقد وإدارته والحفاظ على قيمته وتعزيزها، والحفاظ على استقرار الأسعار، والحدّ من البطالة.

ثمّة عوامل داخلية، مثل فشل السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية، واتساع البطالة والعجز في ميزان المدفوعات، أو عدم الاستقرار السياسي واضطرابات اجتماعية، وعوامل خارجية مثل الأزمات الاقتصادية والسياسية وانتشار الأوبئة (مثل وباء كوفيد 19) الذي تسبب بتراجع المبادلات الدولية، وتراجع حركة الأفراد وتراجع العرض العالمي من السلع والخدمات، وتراجع معدلات النمو الاقتصادي وارتفاعات في الأسعار، وجميع هذه العوامل، إضافة إلى الحروب والكوارث الطبيعية، تؤدي إلى مشكلات اقتصادية ومالية للدول، تجد انعكاسها المباشر في سعر صرف عملاتها، وحجم كتلتها النقدية وأسعار الفائدة وغيرها، وتبين القراءة التاريخية أنه ليس هناك دولة بمنأى عن آثار هذه الأزمات أو الاضطرابات.

تفيدنا التجربة التاريخية بأن “الأزمة المالية العالمية”، بدأت مع ما يسمّى “الكساد الكبير” الذي بدأ في سوق الأسهم الأميركية عام 1929 واستمر حتى عام 1933، وكان قد انتقل تدريجيًا إلى معظم دول العالم، ولم تنجح العديد من الدول في التخلص من آثاره على الإنتاج والنمو الاقتصادي حتى نهاية عقد الثلاثينيات، وقد حفزت الأزمة الاقتصادية البريطاني جون ماينار كينز على إطلاق أهمّ أعماله (النظرية العامة في التشغيل والفائدة والنقد) عام 1936. وفي عام 2008 ظهرت أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة الأميركية، وكان أساسها نقديًا، وبدأت في البنوك، وانتقلت لتصبح أزمة مالية واقتصادية عالمية انعكست في تراجع مستويات الإنتاج ومعدلات التشغيل والبطالة ومعدلات النمو والأسعار ومستويات المعيشة، وأدّت إلى إفلاس ملايين من الأفراد وآلاف الشركات عبر العالم، ودفعت بالدولة كي تتدخل لمعالجة النتائج الكارثية لتلك الأزمة. وكانت الحروب العالمية والإقليمية ذات نتائج كارثية على اقتصادات الدول حتى تلك غير المشاركة فيها، أما الصراعات والحروب الداخلية التي انتشرت في عدد كبير من الدول منذ منتصف القرن الماضي، فقد كانت آثارها محدودة في الدول التي عانت منها إلا أن بعض آثارها أصابت جوارها القريب من الدول. ومن ثم تجد جميع الأزمات والحروب انعكاساتها النقدية.

تترافق الحروب والأزمات العالمية باضطرابات اقتصادية واجتماعية، تخلّ بالاستقرار والسير الطبيعي لحياة المجتمعات وعمليات الإنتاج والتوزيع وغيرها، كما جرى في سورية، ويقود ذلك إلى البطالة وشحّ الموارد وارتفاع الأسعار والتحول في الإنفاق من الاستثمار والخدمات إلى التسليح وآلات الدمار، وعوضًا عن قوة العمل المنتجة ينمو الطلب على المقاتلين، ويفقد الاقتصاد توازناته وتكامله، ويصبح الإنفاق على آلة الحرب على حساب الاقتصاد الوطني واستعمال القطع الأجنبي في عملية استيراد الأسلحة والتجهيزات، وكلما تمددت الأزمة، تزايد الخلل في ميزان الإيرادات والنفقات، فمع تراجع الإيرادات بسبب الأزمة واستعمال الإيرادات لغايات لا تخدم النمو (تمويل الحرب) تنمو الحاجة باستمرار إلى تمويل الحروب أو معالجة آثار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ولسد هذه الفجوة، تلجأ الحكومات إلى طباعة مزيد من كميات النقد من العملة المحلية وضخها في الأسواق لتجنّب ازمة السيولة في الاقتصاد الوطني الذي يعاني الخلل بين الإنتاج والاستهلاك، مما يرفع من حجم الكتلة النقدية في التداول بأكثر بكثير من احتياجات الاقتصاد الوطني، وتصبح كتلة النقود الضخمة تقابل/ تطارد كميات محدودة من السلع والخدمات، وينشأ ما يسمى “التضخّم”، وتصبح العملة المحلية غير ذات قيمة بالنسبة إلى العالم الخارجي الذي ليس لديه أي ضمانة لمستقبلها، ومن ثم يحاول التخلّص منها بأسرع وقت، ولذا ترتفع الأسعار إلى أرقام فلكية، ويؤدي هذا إلى إفقار الطبقات الفقيرة أصلًا، وتدهور الفئات الوسطى إلى مستويات الفقر.

يمكنكم قراءة المادة كاملةً من خلال الضغط على علامة التحميل أدناه.

  تحميل الموضوع

مركز حرمون

————————————

إعمار سوريا من دون قروض.. وقضايا أخرى/ إياد الجعفري

الأحد 2025/07/06

في حديث حاكم المصرف المركزي السوري، عبد القادر حصرية، لقناة CNBC عربية، قبل يومين، غابت نقطة محورية عن الجدل في أوساط الاقتصاديين السوريين. وبدا أن معظم هؤلاء، ارتكزوا على العناوين العريضة التي تناقلتها وسائل الإعلام، من دون الإطلاع على تسجيل المقابلة بالكامل. الأمر الذي جعل بعض النقاشات مبتورة من سياقها، وغير دقيقة.

أبرز العناوين العريضة، أن الحكومة، وبتوجيه من الرئيس أحمد الشرع، لا تتجه نحو الاستدانة من أطراف خارجية. بصورة خاصة، صندوق النقد والبنك الدوليين. وعند هذه النقطة، انقسم المختصون، بين مرحبٍ بهذا المبدأ، وبين ناقد له. إحدى الانتقادات جاءت من زاوية فقدان استقلالية البنك المركزي، وخضوعه لتوجيهات رئيس الجمهورية. لكن حاكم المركزي، لم يشرِ إلى توجيهات الشرع، في قضية تخص صلاحيات البنك، بل في سياق الحديث عن رفض مبدأ اللجوء للقروض الخارجية. وهي قضية لا تخص البنك المركزي، بل تخص الحكومة مجتمعةً.

عنوان آخر عريض، استجلب بعض الانتقادات، وهو أن سوريا لن تربط عملتها بالدولار أو اليورو. المنتقدون أشاروا إلى أن ربط الليرة بعملة دولية قوية، سيوفّر استقراراً لسعر الصرف. وهنا، أغفل المنتقدون أن استراتيجية ربط العملات المحلية بالدولار أو اليورو، تتطلب احتياطي كبير من العملات الأجنبية لدى المركزي، للحفاظ على استقرار سعر الصرف. وهو أمر مفقود في سوريا، التي نعلم جيداً، أن احتياطياتها غير المعلنة في خزينة المركزي، متواضعة، وغير مؤهلة لخلق سعر صرف ثابت، يمكن الدفاع عنه.

وبخلاف كثير من الانتقادات، يبدو أن استراتيجية التعويم المدار، التي اعتمدها المركزي، هي الأنسب للحالة السورية الراهنة. وقد أوضح الحاكم، بصورة واضحة، أنهم سيتبعون السوق، ولن يفرضوا سعراً عليه، مع التدخل فقط، حين حدوث مضاربات على الليرة. وهكذا تُترك السوق للوصول إلى حالة توازن في سعر الصرف، ليصبح مستقراً، لكن غير ثابت. أي سيكون متحركاً ضمن هوامش مقبولة، بعيداً عن التذبذب الحاد.

وبالعودة إلى قضية الاقتراض من الخارج. تنقسم النقاشات بين من يرى أن الاقتراض من الجهات الدولية (صندوق النقد والبنك الدوليين)، أسلَم من الاقتراض من دول، والخضوع لعبء الديون الثنائية وتبعاتها السياسية، في معظم الحالات. لكن حاكم المركزي السوري كان واضحاً برفض مبدأ الاقتراض من الخارج، بالمجمل. فهل يمكن إعمار سوريا، من دون قروض؟ يبدو هدفاً جذّاباً. وقد روّج له عدد من الاقتصاديين المقرّبين من السلطة الحالية. وبدلاً من رهن مستقبل سوريا لخدمة الدين، يمكن الرهان على الاستثمار الخارجي، وعلى تمويل السوريين أنفسهم، لإعادة إعمار بلادهم. ونقصد بذلك، المغتربين منهم. من ذلك ما أشار إليه حاكم المركزي، من تقديم قروض عقارية للمغتربين، تخلق تدفقات نقدية، وحركة بناء نشطة، قريبة الأجل. ومن ذلك أيضاً، ما طرحه اقتصاديون سابقاً، عبر جذب ودائع واستثمارات المغتربين السوريين لتتدفق في شرايين الاقتصاد السوري.

وفي نظرية “إعمار سوريا من دون قروض”، تغيب المخاوف من خدمة الدين في مستقبل السوريين، لكن تتبدى مخاوف نظيرة، تتعلق بكيفية عقد الاستثمارات الأجنبية، الضخمة منها على وجه الخصوص، وعلاقتها بالخصخصة، واعتماد نموذج الـ(BOO)، وما يعنيه من خسارة ملكية المشاريع لصالح المستثمر الأجنبي مستقبلاً، بغية خلق جاذبية أكبر للاستثمار. وهي قضية تتطلب مزيداً من النقاش، وسط شفافية مفقودة، من جانب المسؤولين في الحكومة. إذ في الوقت الذي يتم فيه الترويج لصفقات استثمارية مليارية -من قبيل “بوابة دمشق” قبل أيام- تغيب التفاصيل حول طبيعة العقود، ومآل الأراضي أو المرافق الممنوحة للمستثمر، مستقبلاً.

على أن أبرز النقاط المحورية التي لم تحظ بأي نقاش، في حديث حاكم المركزي، كانت إشارته إلى نيّة الحكومة تمويل جانب من عجز الميزانية العامة للدولة، عبر إصدار سندات محلية، بالليرة. وفيما تحرص حكومة الشرع على ألا تلجأ للاقتراض الخارجي، فإنها بصدد اللجوء للاقتراض الداخلي. وكما هو معلوم، فالدين المحلي، في معظم الحالات، أكثر تكلفة، على خزينة الدولة، رغم أن فوائده ترجع لجيوب السوريين، وتجنّب الدولة الخضوع لاشتراطات المدينين الخارجيين. لكن السؤال الأهم هنا: هل سوق الدين المحلي قادرة على تغطية احتياجات الدولة التمويلية؟ هل هناك ثقة من جانب السوريين تجعلهم يشترون سندات معلن عنها من جانب الحكومة السورية؟ التاريخ القريب للسوريين مع هذه التجربة (السندات المحلية)، معروفة. إذ كانت حكومات الأسد السابقة تجبر القطاع المصرفي على شراء السندات المحلية، لتمويل جانب من العجز في الميزانية، على حساب السوريين الذين كانوا يُجبرون بموجب تعاميم قهرية، على إيداع جانب من أموالهم في البنوك. وكانوا يخسرون قيمتها جراء التضخم وتآكل قيمة الليرة على مدار السنوات الأخيرة.

وكي نخلق إقبالاً محلياً حقيقياً، لا إجبارياً، على شراء سندات دين حكومية، يتطلب ذلك جملة شروط. أبرزها، تحقيق هامش استقرار مقبول لسعر الصرف لفترة طويلة (على الأقل لستة أشهر أو سنة). وإعادة الثقة بالقطاع المصرفي السوري، عبر إتاحة حرية تحريك الأفراد لحساباتهم وودائعهم من دون أية قيود. وهي حرية مفقودة، حتى ساعة كتابة هذه السطور. إذ توجد قيود صارمة على السحب، تقتل الثقة بالقطاع المصرفي السوري. ومن المعلوم أن القيود على حرية السحب، هدفها أساساً، ضبط تذبذبات سعر الصرف في السوق المحلية. وبذلك، تبدو المعضلة كبيرة. كيف ستحقق سعر صرف مستقر، مع حرية سحب مطلقة (وهي الحالة الطبيعية المفترضة)؟ لم يشر حاكم المركزي إلى هذه المعضلة، مطلقاً، لكنه أشار إلى تعميم 7 أيار الفائت، الذي أتاح حرية السحب في الودائع والحسابات الجديدة بعد هذا التاريخ. ما يعبّر عن معالجة تدريجية للمعضلة، لكنها غير كافية، حتى الساعة، لإنهاء أزمة الثقة بين السوريين والقطاع المصرفي في بلادهم. وحتى حلّ تلك المعضلة، يبدو تمويل جانب من عجز الموازنة بالدين المحلي، أمر غير مفهوم، اقتصادياً، إلا إن كان سيتم اللجوء لأدوات النظام البائد نفسها، بفرض شراء السندات الحكومية على البنوك المحلية، قسراً.

المدن

————————————————

برغم التحديات الجسام… كيف يمكن أن تعزّز الزراعة الاقتصاد السوري مستقبلاً؟/ غران غرين

الجمعة 4 يوليو 2025

تعيش سوريا أزمةً متعددة الأوجه منذ أكثر من عقد، تتداخل فيها الأبعاد السياسية، والاقتصادية، والبيئية. فبالإضافة إلى تداعيات الصراع المسلّح والانهيار الاقتصادي، تعاني البلاد من تدهور حادّ في القطاع الزراعي، نتيجةً لعوامل مناخية ومؤسساتية.

تفاقمت الأزمة مع زلزال شباط/ فبراير 2023، الذي زاد من هشاشة البنية التحتية وعمّق فجوة الأمن الغذائي. تشير التقديرات إلى أنّ نحو 16.7 ملايين شخص بحاجة إلى المساعدة الإنسانية، بينهم 14.5 ملايين يعانون من الجوع، ما يجعل الأمن الغذائي إحدى أخطر القضايا الإنسانية في البلاد.

الزراعة في سوريا بعد سنوات الحرب

ويُعدّ القطاع الزراعي أحد أهم القطاعات الإنتاجية في سوريا، وأحد الركائز الأساسية للأمن الغذائي. يواجه القطاع تحديات عديدةً ومتداخلةً، تعيق تطوره واستدامته، بما فيها النقص الحادّ في الموارد المائية الناتجة عن التغيّر المناخي، والجفاف، والتصحر، فضلاً عن تدهور التربة وتلوث الأراضي بالألغام. وتزيد من تفاقم تأثير العامل البيئي، سنوات الحرب التي امتدت 14 عاماً، وضعف الدعم الحكومي (83% أكدوا غياب الدعم المالي للقطاع فيما 91% رأوا أنّ الدعم غير كافٍ)، وتدهور الوضع الأمني، وتعقيد السياق الجيو-سياسي للمياه، والتمويل، ومحدودية الوصول إلى البذور والأسمدة الجيدة، ونزوح المزارعين.

كما أدّى تدهور البنية التحتية الزراعية من طرق ونقاط التخزين والتسويق، خلال السنوات السابقة، إلى إضعاف القدرة على نقل وتسويق المنتجات الزراعية بكفاءة، كما تسبّبت القيود التنظيمية والإدارية في صعوبات كبيرة في سير ونجاح العملية الزراعية. ومع غياب البنية القانونية أو عدم الالتزام بها بكفاءة، فإنّ ارتفاع تكلفة المدخلات الزراعية أصبح أكثر وضوحاً وتأثيراً.

ومع ذلك، لا تزال الزراعة تشكّل مصدر دخل رئيسياً لنحو 45% من السكان، ما يجعل الاستثمار فيها ضرورةً إستراتيجيةً للتعافي الاقتصادي والاجتماعي. في حين أدّت التحديات سابقة الذكر إلى تراجع ملحوظ في إنتاج القطاع الزراعي، وزيادة التكاليف التشغيلية، وانخفاض جودة المنتجات الزراعية، بالإضافة إلى تسببه المباشر في ارتفاع نسبة الهجرة الريفية.

تأثير الوضع الأمني الحالي على النشاط الزراعي

في تقرير “غران غرين” المطوّل المعنون “مستقبل الزراعة في سوريا… مرحلة ما بعد النزاع”، اعتمدنا بشكل عام على استبيانات ميدانية وُزّعت على مزارعين محليين، وعمال زراعيين، بالإضافة إلى مراجعة الأدبيات والتقارير والدراسات الصادرة، وكذلك تحليل نوعي وكمي لتحديد الاتجاهات الرئيسية، واستخلاص الأولويات والتوصيات.

وضع الزراعة في سوريا

عرفت سوريا الزراعة منذ أقدم العصور، واشتهرت بجودة منتجاتها الزراعية من فواكه وحبوب. كما تعدّ الموطن الأصلي لبعض الأشجار المثمرة مثل الزيتون، والفستق الحلبي وغيرهما. وكانت الزراعة من أهم الأنشطة الإنتاجية، خصوصاً حول حوض الفرات ودجلة (منطقة الجزيرة السورية)، وعلى ضفاف باقي الأنهار السورية كبردى وقويق والعاصي ومدن وجبال الساحل السوري. واشتهرت سوريا منذ زمن بعيد بزراعة الحبوب والفاكهة والخضروات، وقد طوّرت الوسائل الزراعية والري مثل السدود والنواعير (السواقي) على مدى العصور.

تقدّر المساحة القابلة للزراعة في سوريا بنحو 6 ملايين هكتار، منها 5.5 ملايين هكتار تُستثمر فعلياً. أما منطقة البادية، فهي بالغة الأهمية إذ تبلغ مساحتها 8.3 ملايين هكتار من المراعي الطبيعية، وهي موطن لغالبية الرعاة الرحل وقطعان الأغنام في البلاد. وقد دمّر الجفاف بين عامَي 1998/ 1999 الغطاء النباتي في البادية، ما أثّر سلباً على دورة تغذية الأغنام.

بوجه عام، تنقسم سوريا إلى خمس مناطق زراعية مناخية بحسب معدلات هطول المطر سنوياً، وهي:

1- المنطقة الأولى: 2.7 ملايين هكتار، أمطار سنوية > 350 مم.

2- المنطقة الثانية: 2.5 ملايين هكتار، أمطار بين 250–350 مم.

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

لنتحرّر من قيودنا!

3- المنطقة الثالثة: 1.3 ملايين هكتار، أمطار نحو 250 مم.

4- المنطقة الرابعة: 1.8 مايين هكتار، أمطار 200–250 مم.

5- المنطقة الخامسة (البادية): 8.3 ملايين هكتار، أمطار < 200 مم.

وتشكّل مياه الأمطار نحو 70% من مصادر المياه في البلاد، وهي مهمة لإعادة تغذية المياه الجوفية والينابيع. يتركّز موسم الزراعة في الفترة الممتدة من تشرين الأول/ أكتوبر حتى آذار/ مارس، حيث تُزرع معظم المحاصيل الغذائية، فيما تكون الفترة من أيار/ مايو إلى أيلول/ سبتمبر جافةً وحارّة.

وتعتمد الزراعة بشكل كبير على كمية وتوزيع الأمطار حيث تُزرع في المناطق المطرية الحبوب والبقوليات. أما القمح، فيُزرع في المناطق ذات الأمطار الجيدة، بينما يُزرع الشعير في المناطق ذات الأمطار الأقل. أما في المناطق منخفضة المطر (المناطق 3 و4)، فلا يُزرع سوى الشعير.

ويعتمد الاقتصاد السوري بشكل كبير على الزراعة، ومن أهم الدول التي تصدر لها: السعودية، ومصر، والإمارات، وتركيا، والأردن. ومن أبرز صادراتها:

    زيت الزيتون الصافي، وتبلغ إيرادات الدولة منه نحو 122 مليون دولار أمريكي.

    بذور التوابل، وتبلغ إيرادات الدولة منها نحو 70.6 ملايين دولار.

    الطماطم، وتبلغ إيرادات الدولة منها نحو 25.3 ملايين دولار.

    التفاح والكمثرى، وتبلغ إيرادات الدولة منهما 25.3 ملايين دولار.

تطورات عام 2025

وفي عام 2025، شهدت سوريا تدهوراً كبيراً في إنتاج المحاصيل الزراعية، نتيجة عوامل مجتمعة عدة، مناخية واقتصادية وأمنية، إذ أدّى انخفاض كميات الأمطار خلال فصل الشتاء، مع موجات الجفاف المتكررة وارتفاع درجات الحرارة، إلى تراجع إنتاج القمح والشعير بشكل خاص، وهما من المحاصيل الأساسية في الأمن الغذائي للبلاد.

كذلك، أدّى الجفاف الحادّ إلى انخفاض تدفقات نبع عين الفيجة -المصدر الرئيس لمياه الشرب في دمشق- إلى أدنى مستوى منذ عام 1900، ما يُهدد الأمن المائي في العاصمة ويزيد الضغط على الحكومة التي تكافح لتأمين مياه الشرب والري.

آثار الجفاف الشديد لهذا العام في سوريا – تصوير: مضر سليمة.

وتُعدّ التغيّرات المناخية أحد أبرز التحديات التي تواجه القطاع الزراعي في سوريا، خصوصاً في المناطق التي تعتمد بشكل كبير على الزراعة كمصدر رئيس للدخل والأمن الغذائي.

تأثير العوامل المناخية على الزراعة.

الاحتياجات والسياسات والمشاريع الضرورية لتحسين القطاع

تؤكد النتائج التي توصلنا إليها، وجود تحديات متشابكة تهدد استقرار القطاع الزراعي في سوريا، حيث يشكّل نقص المياه والجفاف 30% من المشكلات، إلى جانب تلوث المياه بنسبة 5%. وقد أدّى ذلك إلى تراجع الإنتاج الزراعي بنسبة 41%، وزيادة في تكاليف الإنتاج بلغت 35% بسبب ارتفاع أسعار المدخلات وصعوبة الحصول عليها. من الناحية الأمنية، يعاني 90% من المستجيبين من تأثير النزاع المسلّح، ما يُعيق النشاط الزراعي وقدرة المزارعين على تسويق منتجاتهم، خصوصاً في المناطق الريفية والنائية. كما يكشف التقرير عن ضعف الدعم المالي للقطاع، حيث لم يتجاوز 8% من المستجيبين من تلقّوا دعماً فعلياً.

في ظل هذه الظروف، بات من الضروري أن تتضافر جهود الجهات الحكومية، والجهات المانحة، والمنظمات الدولية لتوفير الدعم اللازم من خلال تحسين البنية التحتية للري، وتبنّي التقنيات الزراعية الحديثة، وتطوير برامج تدريبية متخصصة، بالإضافة إلى تنفيذ مشاريع تعزز الاكتفاء الذاتي والسيادة الغذائية. كما يُوصى بإنشاء آليات متابعة وتقييم فعالة لضمان استدامة هذه المبادرات وتكييفها مع التطورات المستقبلية.

من بين الحلول المقترحة والضرورية، طالب 17% من المشاركين في الاستبيان الذي أجريناه بدعم مالي وقروض ميسّرة، و16% بتحسين القوانين والإجراءات التنظيمية، و15% بتحقيق الاستقرار الأمني. كما طالب 14% بتوفير بذور وأسمدة عالية الجودة، و13% بتحسين مصادر المياه وتشجيع الزراعة المستدامة.

في جانب السياسات، يرى 20% من المشاركين أنّ التخطيط الزراعي المدروس، وفقاً للواقع البيئي والمناخي، ضرورة قصوى، يليه تحسين القوانين (16%) وتعزيز الأمن (15%). أما المشاريع المطلوبة، فتتوزع بين الري الحديث (27%)، ودعم صغار المزارعين (20%)، ومشاريع الطاقة المتجددة (13%).

تعكس هذه الأولويات وعياً متزايداً لدى المزارعين بأهمية تبنّي حلول عملية لمعالجة الأزمة الزراعية. ويشير التركيز على الدعم المالي وتحديث القوانين وتعزيز الأمن إلى أنّ تحسين البيئة العامة للاستثمار الزراعي يُعدّ أولويةً قصوى. كما أنّ المطالبة بمشاريع الريّ الحديث والطاقة المتجدّدة تؤكد أهمية إدخال تقنيات حديثة تقلل من التكاليف وتعزز من كفاءة الإنتاج.

هذه النتائج تؤكد أيضاً على الحاجة إلى تبنّي نهج شامل يدمج بين تحسين البنية التحتية الزراعية، وتعزيز الأمن، وتطوير التشريعات الزراعية، بالإضافة إلى تعزيز قدرات المزارعين من خلال الدعم التقني والمالي، بما يسهم في بناء قطاع زراعي مستدام وقادر على التكيف مع التحديات المناخية والاقتصادية والأمنية في سوريا.

السياسات أو الإجراءات الضرورية لدعم القطاع الزراعي

اعتماد هذه الإستراتيجيات المتكاملة، بجانب تعزيز الشراكات التنموية، سيشكّلان خطوةً حاسمةً نحو تعزيز صمود القطاع الزراعي، وتحقيق الأمن الغذائي المستدام، والمساهمة في بناء مستقبل مستقر وواعد لسوريا.

توصيات لا غنى عنها

لتحسين وضع القطاع الزراعي، هناك حاجة ماسّة إلى تحسين الوضع الأمني في المناطق الزراعية، وإعادة تأهيل البنية التحتية الزراعية، وربط المنتج الزراعي بالصناعات الغذائية لتحسين القيمة المضافة. بالإضافة إلى ذلك، يجب تشجيع الزراعة المستدامة والممارسات البيئية الحديثة، وإدارة أكثر كفاءةً للموارد المائية من أجل التكيف مع مخاطر التغيرات المناخية. ويأتي دعم المزارعين ببرامج تمويل وتدريب زراعي عصري، في صدارة هذه الأولويات.

وتؤكد خلاصات تقريرنا على ضرورة تبنّي سياسات زراعية شاملة تشمل التخطيط المستند إلى الواقع البيئي والمناخي، تحسين القوانين التنظيمية، وتعزيز الشراكة بين المزارعين والمنظمات المحلية. كما يوصي بتطوير البحث والابتكار الزراعي، وتوفير حوافز مالية وضريبية لتعزيز الاستثمارات في القطاع. إنّ تضافر الجهود بين الجهات الحكومية والمجتمع المدني والشركاء الدوليين يشكّل ركيزةً أساسيةً لتحقيق التنمية المستدامة وضمان أمن الغذاء في سوريا.

وتشمل التوصيات:

1- تعزيز العدالة البيئية ضمن عملية التعافي (عبر خطط قصيرة إلى متوسطة الأجل)، بما في ذلك تضمين آثار الحرب البيئية مثل تلوّث التربة والمياه وإزالة الغطاء النباتي ضمن خطط إعادة الإعمار، وتوجيه الدعم إلى المناطق المهمشة والمزارعين المتضررين بشكل عادل، والاستثمار في مشاريع زراعية تعتمد على المياه المتجددة والتربة المستدامة، فضلاً عن إشراك الفئات المهمّشة (النساء والنازحون والشباب) في رسم السياسات الزراعية والبيئية من خلال: إنشاد مجالس استشارية محلية تشاركية، وتنظيم ورش تدريب وتمكين لهذه الفئات حول السياسات الزراعية والتغيّر المناخي، وتخصيص كوتا تمثيلية ضمن لجان تصميم المشاريع والسياسات، وربط المبادرات النسوية والشبابية بالهيئات الحكومية.

2- إعادة البناء المستدام دون تعميق الفجوة الاجتماعية (عبر خطط قصيرة إلى طويلة المدى) من خلال: اعتماد نهج تشاركي يعترف بتفاوت الأثر بين الفئات الاجتماعية، ودعم الاقتصاد المحلي والمشاريع الزراعية عبر التعاونيات الزراعية، وضمان التوزيع العادل للمشاريع والمساعدات، وإشراك أصوات النازحين في تخطيط العودة وإعادة بناء مجتمعاتهم الأصلية.

3- السيادة الغذائية كمسار نحو الأمن الغذائي المستدام (عبر خطط متوسطة إلى طويلة الأجل)، عن طريق تقليل الاعتماد على الواردات وتفعيل الإنتاج المحلي، وإعادة تأهيل الأراضي وتوفير مدخلات إنتاج محلية، وحماية البذور وإنشاء بنوك بذور مجتمعية.

4- الاقتصاد التضامني كوسيلة لإعادة البناء من القاعدة (من خلال خطط قصيرة إلى متوسطة الأجل)، وذلك عبر إنشاء تعاونيات بقيادة نسائية وشبابية في المناطق المتضررة، تطوير شبكات تسويق تضامنية لصغار المنتجين، وتحويل الدعم الإنساني إلى استثمارات جماعية (حدائق، ومشاتل، ووحدات، وتصنيع غذائي).

5- دمج العدالة البيئية في السيادة الغذائية والاقتصاد التضامني (رؤية شاملة – طويل الأجل)، وذلك عبر بناء نموذج تعافٍ زراعي يربط العدالة البيئية بالتمكين الاجتماعي، وإدماج هذه الرؤية في مناهج التعليم الزراعي وبرامج الإرشاد، وإنشاء آليات تقييم بيئية واجتماعية متكاملة لأي مشروع زراعي قادم.

رصيف 22

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى